المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

تجلِّيات الانثروبوفوبيا في رواية السَّقشخي

389 السقشخييُقدِّم الكاتب العراقي علي لفته سعيد في روايته السَّقشخي محاور عدة تتعالق مع القضايا القومية والوطنية والدينية، فيغوص في إحداثيات الواقع العراقي الحديث مصوراً ما آلت إليه المنظومة السياسة من صراعات داخلية وأخرى خارجية عصفت بالبلاد والعباد، فأنتجت رؤية وفكر تعبوي اضطهادي تجاه الشخصية العراقية ثم العربية ثم الاسلامية على حدٍ سواء، كما قدَّمت الرواية نموذجاً للأنتلجنيسيا العراقية في تلك الحقبة مشخِّصة أبرز سماتها ومواقفها من تداعيات الواقع وإشكاليته المستديمة، فكان ماجد ذلك الذي لا مجد له بطل الرواية والراوي الوحيد هو الصورة الهشة للمثقف العراقي بوصفه نسق من أنساق البيئة التي زرعت في دواخل سكانها معاني الخوف والقلق والضياع وفقدان الجرأة والمواجهة والتوازن الاجتماعي.

يُعاني ماجد نمط من الخوف يسمى أنثروبوفوبيا أو ما يسمى القلق الاجتماعي أو القلق من العلاقات التفاعلية نتيجة التربية أو البيئة التي نشأ عليها، فهو ترعرع بين فكرين الأول انهزامي متمثلاً بوصايا والده الذي لطالما يحثه على الانعزال وعدم الدخول مع البعض في حوارات والتصادم معهم في وجهات النظر والمواقف؛ تفادياً للمشاكل وكل ما يؤدي به إلى مصير مجهول وهذا يمثل الشطر الأول من حياته (تعلَّمت من أبي أن أخاف وعلَّمتني الحياة أن أخاف لذلك أنا أخاف حتى من مدير المدرسة...)، أما الفكر الثاني متمثلاً بوصايا خاله يونس فهو عنفوان الشجاعة والإصرار على المواجهة وإبداء الرأي بكل أريحية واستنباط المواقف وتحليلها بثقة وثبات فكري انغرز فيه في مرحلة متأخرة من حياته؛ نتيجة للنضج الفكري وللتجارب الحياتية التي خاضها خارج الوطن.

لم يكن ماجد يعاني من القلق الاجتماعي وإحساس الخوف من مواجهة الناس فحسب بل كان يعاني من الحظ السَّيء والأقدار التَّعيسة التي تلاحقهُ أينما حلّ، فأول اختبار للحظ كان عندما حصل على وظيفة أدنى من شهادته البكلوريوس، فالتحق بإحدى المدارس في قرى الناصرية كمعلم جامعي لمادة التربية الفنية (أنا أعرف هذا الحظ التعيس الذي يلاحقني في أي مكان أكون فيه.. لا فرحة تكتمل إلا بمضايقة أو اختناق الحزن لمفاصل العمر هارباً من جور الحياة...)، ولكون هذه الوظيفة لا تكفي لتوفير احتياجات العيش الكريم سيما أنه شاب عشريني يطمح لتأمين المستقبل وتوفير احتياجات تأسيس بيت الزوجية الذي يحلم به كل شاب عمل في ساعات المساء في شوارع مدينته يُقدِّم الشاي ومعه قطعة من الكرامة المقتولة، متحملاً السخرية والإهانات التي يرمقها في عيون البعض مصوِّراً بذلك حال المثقف العراقي أبان الحصار الاقتصادي وما تعرَّض له من تهميش وإهدار الكرامة؛ نتيجة لعدم توفر مقومات العيش الكريم، وبالرغم من كونه يخشى الخوض مع الآخرين في نقاشات سياسية والكشف عن موقفه ورأيه الصريح والرد على رواد مقهاه حافظاً لوصايا والده مكتفياً بالعمل والعمل فقط إلا أن ذلك لم يكفيه شر الاعتقال والخضوع لحفلات التعذيب في السجون العراقية بتهمة مزاولة عمل آخر مع الوظيفة، أو بسبب جملة عابرة وسطحية يُعتقد بأنها مسَّت المنظومة السياسية (ربما كانت الصفعة الألف التي يحصدها خدي والشتيمة الألف التي تسمعها أذناي والركلة التي لا حدود لتعدادها التي يتلقفها جسدي...).

اختار ماجد الهروب من المعترك السياسي و ارتكاسات السلطة الحاكمة بعد أيام من التعذيب متوجهاً إلى الأردن التي لم يبقى فيها طويلاً خوفاً من الملاحقة بعدَ أن أحسَّ بكثرة عيون السلطة المزروعة فيها، فانتقل إلى لبنان وهناك انفتحت له أبواب الفردوس فالتقى بزينب خلاصهُ الأخير من الخوف والضياع لتحلِّق به بوساطة جنسيتها الأمريكية إلى سماء نيويورك، ولكن مع ذلك لم يتخلص من طالع الحظ السيء إذ طاله الاعتقال من قبل الحكومة الامريكية بتهمة الارهاب كونه متواجداً أمام برجي التجارة وشاهداً حياً للحظة التفجير في الحادي عشر من سبتمبر، فيستشعر من جديد لحظات الخوف والاضطراب (لا أريد سوى إيجاد مساحة من أرض أتوسدها و أنام قرير العين بلا سجَّان...).

قرر ماجد السَّقشخي الذي نشأ وترعرع في مدينة سوق الشيوخ العودة إليها بعد فراق دام لسنوات حاملاً آمال وتطلعات بشأن الوضع السياسي الجديد وحالماً بالمخططات والمشاريع التي سيقيمها في مدينته لينتشلها من وحل الفقر، ليصطدم بالواقع الذي ازداد سوءاً بعد الاحتلال الأمريكي في عام 2003، فيكشف عن تبدّل المفاهيم والمبادئ في المجتمع فاضحاً ما قامت به قوات الاحتلال من عمليات سلب ونهب للآثار العراقية و تحويل المجتمع لساحة علنية من الاقتتال الطائفي (شيء من الغصة أصابني و أنا أمارس لعبة المراقبة من داخل شوق مرهون و مسجون بذاكرة لم تتيبس..).

تقع الرواية في اثني عشرَ جزءاً هي عبارة عن محطات مختلفة من حياة ماجد التي عاشها في أماكن مختلفة ومشاعر مختلفة، لكنها في الأعم الغالب تتلفع بالضياع والفوضى والألم، وإحساس الخوف الذي ملأ صفحات الرواية فعبارات الخوف بلغت أكثر من مئة كلمة بصيغها المختلفة؛ نتيجة لما كان يعانيه ماجد صراع داخلي وآخر خارجي.

 

دعاء عادل آل عزوز

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

[b]قراءة متأنية لرواية تفوّق فيها علي لفتة سعيد على نفسه وترك بصمة واضحة في تاريخ الرواية العراقية وتفاعلها مع انتجته الفترات الثلاث فالامكنة والازمنة قد تداخلت في الرواية وانعكست بشكل واضح على سلوكيات الافراد فالخوف كان السمة الاساسية والفراغ كان محور رئيسي في الرواية فهو بحق مثّل زمن الفراغ والخوف بشكل ضمن لنا متعة المتابعة والقراءة ....شكرا دعاء لهذه القراءة

This comment was minimized by the moderator on the site

كل الشكر لك ولكلماتك أستاذ طارق الكناني

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4418 المصادف: 2018-10-10 03:05:45