المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

فاديا قراجة وقمة السرد

سردار محمد سعيدبلغت القاصة الكبيرة فاديا في النص الذي أنا بصدده شأواً مرموقاً وقطعت أمداً كبيراً في السرد والقص لفظاً ومعنى، لذا أزعم أن قصة

الغرق في قارورة رجل لـ "فاديا قراجة "

تحتاج لقراءة دقيقة واعية ليست للجمل الممتعة فقط بل للكلمات ودورها في سباكة النص .

أبطال أو شخوص القصة هما الشخصية الرئيسة حواء والمُخاطب آدم، وحواء هنا قوية صلبة تعبر عن حقيقة المرأة .

 أما فكرة القصة فقد طرحت مراراً لكن طرح "فاديا" لم يُعهد من قبل لا بمتانته ولا بجرأته .

أُفتتح النص بعبارة " قالت حواء " وحواء لا تعني حواء زوجة آدم لكن تعني أي أنثى كما أن آدم يعني أي ذكر،

 وتبدأ الأسئلة تنهال على آدم، والقصد منها هو احراج المجتمع الأبوي البدائي المتخلف الذي جعل من غشاء فسلجي رقيق "البكارة " تاج شرف، لذلك كانت حواء تسأل آدم عن بكارته أي عن شرفة واغتصابه العفة وفرضها بقسوة أقول تسأل أين يكمن وكيف يفض .

سألت: هل تذوقت اللذة عندما تتعطل لغة الكلام؟

بجرأة متناهية تسأل: هل تذوقت اللذة بمعنى أنني تذوقتها قبلك وهي لذة خُلقت مع الإنسان الذكر والأنثى فهل أنت تذوقتها مثلي؟ أنا إنسان وأنت إنسان فما الفرق؟

وضمنت القول بشطر من قصيدة أمير الشعراء شوقي البديعة "جارة الوادي"، ولهذا التضمين قصد فقد قال شوقي أنه دخل في ليلين شعرها والدجى أي تكامل النشوة في أندماج ظلمة الليل وسواد الشعر في لقاء العاشق وبلغت الجوانح نشوتها:

ووجدت في كنه الجوانح نشوة – من طيب فيك ومن سلاف لماك

وتعطلت لغة الكلام وخاطبت – عيني ّ في لغة الهوى عيناك

وهنا تقول الأنثى للذكر: إنتظر لا تجب . وكررت هذا الأمر مراّت لأنها تعلم أنه سيبرر ويلف ويدور ويمتنع عن الوقوف برجولة فيعترف بحقوق الأنثى بكل أمانة وصدق وينسى أن محمداً كان يلقب بالصادق الأمين وأن ابنة شعيب عندما أحبّت انبي موسى قالت لأبيها:

... يا ابتي استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين . القصص 26

وللأمانة منزلة كبيرة عن الله:

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولا. الأحزاب 72

 وهكذا يظل يكذب ويراوغ، حتى أن التاريخ العربي مليء بالأمثلة التي تفصح عن أن شهوة الأنثى ولذتها هي هي كما لدى الذكر الذي ينكر عليها ذلك ويسمح بها لنفسه،

ففي كتاب " اخبار النساء" للجوزي والمنسوب خطأ لآبن قيم الجوزيّة فيه يسرد الجوزي بطريقة اخبارية عن شهوات النساء ولأذكرحادثتين أرى أن لهما صلة بسرد "فاديا "ولكن جرت هناك لنساء وقامت "فاديا "بعكس الفكرة فصارت على رجال وبأسلوب يبتعد عن منهج السرد الإخباري الكلاسيكي عند الجوزي

هل تجرعت طعم السم المدسوس في رضاب القبلة؟

هل جربت أن تنتحر على جسد من تحب؟

يروى أن شامة بن لؤي كان من أجمل خلق الله ونزل عند رجل من الأزد وجلس صباحاً يستن بسواك فنظرت له زوجة الأزدي فأعجبها ولما رمى سواكه، فأخذته ومصته، ولمّا علم زوجها دس لها السم في اللبن،

الحكاية الأخرى:

غزا بن هبيرة الغساني الحرث بن عمر فلم يصبه فسرق زوجته . فلحقه الحرث وقتله واسترجع زوجته ثم سألها هل أصابك؟ قالت: نعم والله ما اشتملت النساء على مثله قط، فلطمها ومزق جسدها بقتلها شر قتلة .

تكرار لفظة بكارة احتلت مساحة واسعة وهي محور القصة بشكليها بكارة المرأة الفسلجية وبكارة الرجل بما تعنيه ولو أنها تحدثت في البدء " بكارة الكلمة، وهي مجاز لغوي، لكي لا يثور الذكوريون وتثير أفكارهم البالية عن شرف البكارة، إن معنى الكلمة يتجاوز معنى كلمة لغويّا، فعيسى عليه السلام خُلق من كلمة الله التي ألقاها على مريم .

 ثم تدرجت إلى البكارة الحقيقية فأعلنت أنها وهبتها لرجل بائس وهي ملكها ويمكنها التصرف بها كيفما تشاء، وذكرت وقت فقدانها المبكر، وسألته أن يذكر متى هو فقد بكارته، تذكرني هذه العبارة أنها وهبت بكارتها لمتسول بعبارة ولادة بنت المستكفي "الشاعرة الأندلسية وهي من بيت الخلافة وحبيبة الشاعر بن زيدون:

" أمكن عاشقي من صحن خدي وأعطي قبلتي من يشتهيها " .

إن الحرج الذي أوقعت فيه الأنثى الذكرَهو رسالة "فاديا " في قصها البليغ المعنى والتصدي، وصرخة المجتع الأمومي بوجه المجتمع الأبوي الظالم .

بين الهند وسوريا الحبيبة مسافة شاسعة غير أني وجدت نفسي قريباً جداً منها بقراءة هذا النص النفيس، وأتمنى من صميم قلبي أن لا تتنازل القاصة المرموقة "فاديا "عن هذه الرفعة والسمو .

 

سردار محمد سعيد

 ............................

للاطلاع

الغرق في قارورة رجل / فاديا عيسى قراجة

 

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي الكبير والشاعر المدهش سردار .....
ربما انتظرت طويلا كي يفك أسر ما انغلق من دواخل نصوصي..
لكن أن تصل متأخرا ....
دراسة قرأتها مرارا وتكرارا وأرى أن شاعرنا أعاد صياغتي قبل أن يعيد صيياغة نصي ...
لا أدري إذا كانت شكرا مناسبة لهذا الابداع ...

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4419 المصادف: 2018-10-11 00:26:50