المثقف - قراءات نقدية (أدب ومسرح)

شذرات عن مجموعة شعرية

603 اطفئيني بناركما وجدته في الشاعر السماوي حينما قرأت مجموعته الشعرية (أطفئيني بنارك):

الصورة الواقعية والخيال الذي يمتطي صهوة اللغة الأدبية الرفيعة المستوى ..

البلاغة في اللغة ركيزة للخيال الذي لاتلمّه حدود ..

الأصالة في الشعر ..

قدرته على أن يكني، ويجيز، ويشبه، في مقاييس واعتبارات النسيج الشعري للقصيدة .

قراءة فنية :

المجموعة الشعرية (أطفئيني بنارك) للأستاذ الشاعر الكبير يحيى السماوي

توقفت كثيرا لمعرفة كيفية بناء الصورة الشعرية في الحب والعشق والجمال الآخاذ، هنا انعكست انطباعاتي عن هذه المجموعة التي شعرت بها كأنها تنّور شعر دافئ غمرني بدفئه وحبه وعشقه !

أهديك ماكتبت ..

اليك أيها المعلم الجليل .. صديقي الغالي الرائع الأستاذ المناضل يحيى السماوي ..

أحييك بأجمل المحبة ..

أستميحك عذراً صديقي الشاعر، لأن المفاجأة كانت كبيرة وجميلة حينما استلمت بصندوق البريد هديتي الكبرى مع بداية حلول العام الجديد، والذي بدأ عليّ فعلا بخير وبركة ومحبة، هدية منك شاعرنا الكبير وأنت المقيم في استراليا عن استلام مجموعتكم الشعرية الموقرة (أطفئيني بنارك) ! قلبت الصفحة الاولى وجدتك و الأهداء كأنما أغنية للمناضلين الشرفاء ..

ثم رحت منصرفا للولوج لعالم (الحريق أم الإشتعال) الذي أبهرني في حرائقه الوجدانية التي تفوح عشقا ومحبة وغنجا ودلالا للحبيبة والمعشوقة وشوقا وهياما من (تنوره الشعري وما احتطب من براري الأبجدية وواحاتها)، الذي شممت دفء حروفه ورائحته العطرة وتدثرت بلغته الأكثر جمالا ..

كانت حزمات الحطب لهذا الدفء من (عبير شعره وعبير عشقه الضوئي) !

أطفئيني بنارك ..

إسم المجموعة التي تدل على أن كل القصائد فيها حرائق واشتعالات من نوع خاص:صورة من فاتحة المجموعة:

هاجرتُ وحدي

حاملاً بعضي معي ..

وتركتُ بعضي في ملاذكِ لائِذاً

خوفاً عليّ

من احتمالِ اللارجوعِ

إلى ظِلالكِ ..ِ

فالطريقُ معبَّدُ بالجمرِ

ترقبُهُ الضُباعُ

وما تبقّى من سلالةِ "أخوةِ الصّديّقِ يوسفَ "

والذئابُ الغادرة ْ

وجدت المجموعة هذه مسكونة بالعناوين والأسرار ولغات الشعر السكرى المليئة بالعشق والحب والوجدان في كل الأوقات عند الفجر والمساء وما بينهما ..

في هدأة الليل في السحرعند الغسق حتى ظننت بان شاعري الكبير لايعرف النوم !

إنه عاشق أبدي هواجسه في عشقه هذا نجد القلق والسهر والغيرة والعذاب ...

وهنا يتجلى لنا الإبداع في موسيقا الشعر،وارتباط أنغام القصيدة ببعضها البعض الى اخر القفلة نشعر وكأن جوهر الحرف أو الكلمة او تشكيل الصورة هو نغم بحد ذاته يرتبط بالصورة الاخرى المكملة للكلام فتسمع رنيناً خاصاً وايقاعاً جميلاً وتفاعلاً يطرب الروح، قصائد فيها معانٍ معطرة:

كذّبتُ صدقي كي اصدقّ كذبها

فأتيتُها مُسْتأذناً شَرَفَ الدّخول ْ

*

في بيتِ طاعتِها ..

أبَشّرُ بالفسيلِ النخلَ ..

والتنورَ بالمحراثِ ..

والصحراءَ بالأنعامِ والمطرِ الهَطول ْ ..

*

وازفُ للكاس الحرامِ

بشارةَ الخمرِ الحلالِ بزِقّ مائدةِ الذّهولْ

من قصيدة الى اخرى مسافات تدعونا للدهشة القادمة ! بماذا يفكر شاعرنا حينما يدخل على مخدع القصيدة الاخرى ؟ فهو من يرسم لنا الأدب او اللون من هذا الشعر عبر تفجير اللغة وانتاج استعارات جديدة لم نألفها سابقا .

وكما قالوا (الشعر شراب لذيذ لانعرف من اين يتكون وماهي عناصره)!

فالشاعر لابد وان يحتاج الى هدوء وسكون امام اسراره ومشاعره واعترافاته الخاصة ! لأن الشعر كما هو معروف يسكنه الغموض تبعا لما يفكر به الشاعر .

قصائد شعر مثيرة، وعناوين كبيرة:

عيناي نائمتان لكن النوافذ ساهرة، البشيرة، شمس عمري، أنجديني، هيام، رغيف من الشبق على مائدة من العفاف، افتضاح،أربع خرزات من طين القلب، كل وماجبل عليه .. الى آخر باقة نبض وتفاحة !!

شاعر يمتلك القدرة على رؤية الأشياء وتوظيفها للقارئ كصورة بصرية وسمعية، كما يوصلها أيضا لوحة تشكيلية تتالف من عناصر اللون واللغة والإيحاء فيشكل صوراً مكملة للكلام .

وأنا أتفحص بتمعن قصائد شاعرنا الجليل وما خطه فكره وعقله مع قلق نبضات القلب يتسلل حبه ويتوغل في محراب القارئ فيجعله خاشعا متعبدا زاهدا في درجات الحب ليصنع منه عاشقا يحب الحياة حتى يثمله من شرب دعاء الحب والشوق ويلامس شغاف قلبه: صورة من البشيرة يقول:

الهوى منْ دُبُرٍ قَدّ سفيني ..

والدُّجى من قُبُلٍ قَدَّ شراعي ..

فاصْطفاكِ اللهُ لي طوقَ نجاةِ !

شاعر شفيف الروح ..

قصائده ندية كالورد، صوتها ينعم بهديل الحمائم .

شخصية متمردة على القيم المألوفة وعلى ماهو تقليدي بصريا.

شخصية شاعرية فذة تعتمد الإبداع في التعامل مع اللامرئي وتفعِّله بكل ابجديات الحياة .. شخصية تعيش في فضاءات المحبة والعشق الدائم الذي لايتوقف لحظة في هذا الزمن الذي نثر غباره الكثيف على نوافذ الحياة . نراه يهدم عوالم قد الفناها سابقا في ذاكرتنا وفي حواسنا، ومن ثم يعيد بناءها من جديد، فمن الحدس والتخيل للنزعة الجمالية من خلال الإنفعالات العاطفية والحياتية التي تتمثل بأجمل معاني تقلبات حالات الحب يتغنى شاعرنا بالعشق والصبا والغرام للحبيبة والشغف والوجد والود والسهر واللوعة لكيانه و الصبابتي و الهوى المخبول و الهيام عن عمق مشاعره وحبه، كل هذه الدلالات تشير و تؤكد على اعلان بيان للحب الدائم في قلب و عقل و افكار مبدعنا العاشق، اللهف، الوله في حبه هذا لحبيبته وبخط أحمر بأن اللوعة مازالت فيه، وان جذوة الحب مازالت مشتعلة، وأنه عاشق أبدي .

لذلك حينما نتتبعه نجده يحاول إلقاء القبض على لحظات الجمال من خلال العشق والحب المتطرف الذي يقوده الى المغامرة الشعرية البصرية التي لم نجدها إلا في قلبٍ ثائٍر وفيه من الهيجان للمحبوب ورقة شوق في آن واحد .

صورة من شمس عمري يقول فيها:

تائِباً جئتكَ من أمسي ..

أسيفاً ..

تائها ً أبحثُ عني ..

مَنْ لطفلِ .. جاوَزَ الستينَ

يحبو

مُطفأ الفانوسِ والجفنِ

وأنا أتابع وأقرأ جمال القصائد باحثا منقبا أحاول أن أفهم،أفسر وأحلل تلك الصور الجمالية والعبارات القصدية باستخلاص خصائص جميلة جديدة فنية خطيرة عند شاعرنا، حتى جعلني أعيش القلق وأنا اقوم بعملية استكشاف ومتابعة دقيقة لخبايا النصوص في متن القصيدة وفضاءاتها، أبحث أيضا عن الذائقة الفنية الجمالية، أي العلاقة بين القصيدة ومحتواها وبيني أنا القارئ الناقد، وما هو تأثيرها علي ّ!

أتابع فن القول للسماوي في قصائده بشكل نقدي، كيف يوجه رسائله الشعرية بصورة العشق والحب الى الآخر، فكلنا عشاق !

كيف تنطبق أفكار وعواطف القارئ التي تدخل أجواءه وتؤثر على مزاجه، فهو يرسم أيضا خارطة طريق بافكاره للعشاق .

الأستاذ السماوي شاعر يقدم لنا هدية عشق وحب في منجزه الإبداعي الكبير، هدية عبر بها عن ذاته الشعرية المحبة، العاشقة، يعلّم القارئ في كل المراحل العمرية كيف نحب ؟؟

إذن هو مدرسة حب ..

أدركت أن ماكتبه شاعرنا في هذه المجموعة أنما هو يتعلق بعالم خاص من العلاقات الجميلة تستقر على الواقع، علاقات متجددة آتية من خزين الذاكرة الإنفعالية والصورية لإنسان عاش اللغة روحا ونفسا بل أقول رئتين له، ضمن مناخات متعددة وغربة وانتقالات من وداع وفقدان ولقاءات من مكان الى آخر كان فيها مناضلا متجددا في رؤيته التي تذهب بنا الى تاريخ الشعر كله ليومنا هذا حاملا معه ذاته الشعرية وماتحمل من جمال وطيبة ورقة وإنسانية ..

صورة من هيام:

حاولتُ

ألآ التقيكِ على دروب ِ

الذاكرة ْ

*

أطعمتُ للنيرانِ اوراقي القديمة َ

واعتكفت عن الهوى

فاغْتاظ َ قلبي ..لم أكن ْ أدري بأنكِ تُنْبضِين بهِ الرفيفَ

وأنّ حربي ضدَّ أمسي دون يومكِ

خاسرة ْ

أراه محلقا بمديات خارجة عن حدوده التخيلية، وبالنسبة لي هذا هو:

جوهر الإبداع الحقيقي في هذه الشخصية حينما يترك العنان للمخيلة والخيال الذهاب والتحليق الى أبعد مدى، فيطل علينا بقصيدة غرام وحب أخرى أكثر جمالا وتألقا مليئة بالصور الجمالية الحديثة المتجددة، حينها نرى شخصيته الخيالية التي تمتطي صهوة اللغة الأدبية الرفيعة المستوى،لأن كل مايأتي في هذه القصائد أساسه البلاغة في اللغة وهي ركيزة للخيال الذي لاتلمه حدود فهو، يكني، ويجيز، ويشبه، في مقاييس واعتبارات النسيج الشعري للقصيدة .

 

نعمة يوسف

بغداد— هولندا

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الفنان المبدع والناقد القدير أ . نعمة يوسف : لك من حديقة قلبي بتلة من زهور نبضه ..

لستُ ممن يعتمر القبّعة فأرفعها تعبيرا عن إعجابي برؤاك وامتناني لرحيق مدادك ، لذا أرفع يديّ سائلا الله تعالى أن يجعلني جديرا بوسام أبجديتك الذي وسّمتني به .

شكرا لك ما بقي قلبي نابضا .
دمت مبدعا يفيض عذوبة وبهاء .

This comment was minimized by the moderator on the site

شاعرنا الكبير القدير الأستاذ السماوي ..
تحية طيبة
وبعد
وانت من تحمل مقامات الرقي والوعي والفكر الإنساني والجمال العاطفي والعقلي بلغتك وشعرك واسلوبك , تجعل القاريء يدرك ويشعر ويصل لغاية السمو الروحي والصفاء الوجداني بصفاء لغتك الشعرية كعلاقة عاشق ومعشوق ..
دمت للشعر دروبا مضيئة ..
دام قلبك النابض بالحب والعشق فياضا بالمحبة والمودة

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4511 المصادف: 2019-01-11 13:23:54