جمال مصطفىمَـطـالِـعُ (قـصيدة سـمـرقـنـد) الـسبعـة

مِن الـشرقِ فـوقَ الـمـاءِ تَـعـلـو معَ الـمَـدِّ

               أراهـا عـلى الـبْـحـرِ الـطـويـلِ سَـمَـرْقَـنْـدي

سـمَـرقـنـديَ الـفُـصْحى يُـراودُها الـبَـيْـتُ

                    تـعـالي أنا بَـيْـتُ الـقـصيـدِ، أنا الـيَـخـتُ

سـمَـرْقَـنـدُ قـالَ الـمـاءُ: كُـثْـرٌ جُـسورُهـا

                       وقـالَ نَـسـيـمُ الـبَـحْـرِ: إنّي لَـسُـورُهـا

يُـغَـجِّـرُهـا إيـقـاعُ صـيـفِ انـتـقــالِـهــا

                   الى الـرقـصِ فـوقَ الـمـاءِ في كَـرْنَـفـالِهـا

سـمَـرْقـنـدُ اُسْـطـولي، سـمرقـنـدُ أزرقـي

                   ومُـنْـتَجَعـي الشِعْـرِيُّ مِـن ألْـفِ جَـوْسَـقِ

سَـمَـرْقَـنْـديَ الليـلاءُ شـمـسُ قِـبـابِـهـا

                           قَـصـيـدتيَ الـعــذراءُ أُمُّ كِـتـابِـهــا

سـمَـرْقـنـدُ إيثاكـا، سـمَـرْقَــنْـدُ بـابـلُ

                         سـمـرقـنـدُ تَـدري ليس ثَـمَّـةَ سـاحِـلُ

*

مُـوشّـحُ روبـنْ هـودْ

كُـنـتُ يـومـاً مُـثْـقَــلاً بـالـذَهَـبِ

                                 بـالـخـواتـيـمِ مِـئـاتٍ ومِـئـاتْ

عـنـدمـا سَـدَّتْ طـريـقَ الـهَــرَبِ

                           هَـبّـةُ الـصاغـةِ مِـن كُـلِّ الـجِهـاتْ

(إنـهُ لِـصٌّ): تَـعـالَـتْ والـمَـدى

                             ضاق بي ضاقَ فَـمِن أيـنَ وأيـنْ

هـكـذا يـا غـارةً ضاعـتْ سُـدى

                                وأنـا أبـدو كـمـغــلـولِ الـيَـديْـنْ

بَـغـتَـةً كـالـبـرقِ قـد شَـعَّ الهُـدى:

                             فـقـراءُ الـسـوقِ ما بـيـنَي وبـيـنْ

صـائـحـاً أنـثـرُ رغْــمَ الـتـعَــبِ

                           ذَهَـبـاً هـاكُـمْ خُـذوا لَـيْستْ هِـبـاتْ

الـخـواتـيـمُ لَـكُـمْ، واعَـجَـبـي

                           عُـدتُ من نـومي خـفـيـفـاً بالـنجاة

*

حصادُ الـفـضائِـيّـات

قـطـيـعُ دلافـيـنٍ، وسـرْبُ نَــعــامِ

                           وطـائـرةٌ فـي الجَـوِّ فـوقَ مَـيـامي

أمـيـرٌ عـلى يَـخْـتٍ، وأطـباقُ سَـهْـرةٍ

                         ونـافـورةُ الأضـواءِ، شـهْـرُ صـيـامِ

معـارضُ أزيـاءٍ، وداعِـشُ: عـاجِـلٌ

                         ويـتـلـوهُ في الأخـبـارِ صَـفُّ خِـيـامِ

آذانُ صـلاةِ العـصْـرِ، والآن سادتي

                            نَـعـودُ الى الإعلانِ ثُـمَّ (حَـرامي)

مُسَلْسَلُـكـمْ حَصْراً وحَصْـراً قـناتُـنـا

                           بِـهِ تَـسرقُ الأضـواءَ طِـيـلَـةَ عـام ِ

تِـلالَ نـفـايـاتٍ تُـفَـتِّـشُ طـفـلـةٌ

                           لَـعـلَّ دُمىً شـوْهـاءَ، بعـضَ طعـامِ

ويرقصُ حجّي ترامب بالسيفِ عَـرْضةً

                         ومِـن خـلْـفـهِ كُـشْـنـيـرُ: طـيـرُ سَـلامِ

*

خـلْـعُ الـقـافـية

طـيـورُ قـصيـدتي هـذي فُـرادى

                                   بـِلا سـربٍ لِـقـافٍ أو لِـنـونِ

فُـرادى بَـعْــدَ بـابِـلَ في شَـتاتٍ

                               فَـلا رؤيـا ولا سِـفْــرُ الـخـروجِ

ولا دربُ الحـريـرِ ولا بُـخـارى

                         ولا بَـرقـتْ كَـ (تَـحـتَـرقُ الـغـيـومُ)

ولا رُجعـىَ، بَـلـى رُجْـعـى ولـكـنْ

                         كَـمـا رجَـعَ الصدى: رُجْعى ولـكـنْ

مُـفـاعَـلَـتُـنْ مُـفـاعـلَـتُـنْ طـبـولٌ

                             مُـفـاعَـلَـتُـنْ مُـفـاعَـلَـتُـنْ حُـروبُ

وأبـيـاتُ الـقـصيـدة: كـلُّ بـيتٍ

                               سـيـزعـمُ أنّـهُ بـيـتُ الـقـصـيـدِ

عـلـى أطـلا لِـهِ قَـمَـرٌ مُـقَــفّـى

                             يُـفَـضِّـضُ خـلْـوةَ الـبُـومِ الحكـيمِ

*

حـديـقـةُ الـروحِ

في شُـرْفَـة ِ الـعـقْـلِ أَيـا واقِـفـاً

                                   يَـرنـو الى حـديـقــةِ الـروحِ

غَـنّـاءُ، مـوسـيـقى تَـفـاصيـلُـهـا

                             والـمـوتُ فـيـهـا غـيـرُ مـسـمـوحِ

تَـلـويـنُـهـا يَـسبـقُ تَـكـويـنَـهـا

                                   مـجـالُـهـا سُــوحٌ بِـلا سُــوحِ

تَـزكـو: شَـذاهـا سـانِحٌ، بـارِحٌ

                                  إيّـاكَ أنْ تَـأمـرَهــا: فُـوحـي

لا تَـتـبَـعُ الـعـقـلَ، لَـهـا منْـطـقٌ

                               ألـطــفُ مِـن إلـحـاحِ مَــبـحـوحِ

عـلى استِـراق الـشهْـدِ مِـن نحْلَـةٍ

                                 عـلى اجـتـراحٍ جِـدّ مـجـروحِ

حـديـقـةُ الـروحِ هيَ الـفُـلْـكُ إذْ

                             سَـكْـرى تُـنادي العـقـلَ يا نُـوحي

*

أعـيـدي عـلى الـغـول

عـلى شرْطِ رَنْـثى القـديـمِ الجـديـدِ

                           سـبـاعـيّـتي الـيـومَ صبْـرٌ جـمـيـلُ

يُـبـادِرني صمْـتُـهـا: أنـتَ غُــولُ

                               اُعـلّـمُـهُ الآنَ عَــزْفَ الـكـمـانِ

اُقَـزِّحُ أقـواسَـهُ، لا أقـولُ

                           ولـكـنْ يَـقـولُ الصدى مِـن بعـيـدِ:

عـلى قَـدْرِ شَـوْقِ الحـصانِ الصهـيـلُ

                           صهـيـلٌ لأسطـورة ٍ عـن حِـصانِ

يَـقـولُ الـمُـجـنّـحُ: شـوْطٌ نَـبـيـلُ

                           وتَحـتي سَـمـرْقـنْـدُ، رنثى أعـيـدي

أعـيـدي عـلى الغـولِ، سمعي ثـقـيـلُ

                             اُحِـبُّ الجـوابـاتِ أعـلى فـأعـلى

مَـقـامُـكِ رنْـثى الـشَمـولُ الـشُـمـولُ

                             وحـالي مـدارُكِ حــولَ افـتـتـانـي

*

بُـرجُ الأسـرار

ليس في أدواره ِ الأول ِ والثاني الى الـثا لـــــــث إلا

صخب ُالسوق وما فيها من الناس، شعـوباً وقـبا ئِـلْ

*

الذي يَرقى الى الرابع ِ فالخامسِ: تجّـاراً يَـرى، أصـ

ـ حابَ أطـيـانٍ، وكُـهّـاناً، نـساءً فـاتِـنـات ٍ، وقـنـاصِلْ

*

لـيس فــي الـسادسِ إلاّ اُمَـراءٌ وأميراتٌ وما يَـلـزمُ مِـن:

خَـدَمٍ، طـاهٍ، حـكـيـم ٍ، قـرقـوز ٍ، حـرسٍ، وردٍ، عـنـادلْ

*

لَـمْ تَـرَ الـسابـعَ مِـن داخـلـهِ عـيـنٌ سوى ...... قـيـلَ: هـنـا

سَـبْـعُ زوجاتٍ (مليكاتٍ مِـن الجِـنِّ، مِـن الإنـسِ) وعـاهِـلْ

*

زعـمـوا أنّ عـلى الـسابـعِ في بعـض اللـيـالي يهـبـط الأر

بابُ وحْداناً، زرافاتٍ، فـتَـــــرتجّ ُ معَ الأرض الـمـنـازلْ

*

زعـموا أو رجمـوا بالغـيبِ لا عِـلْـمَ سوى للـكاهـن الأكبـر ذا ـ ـ

ذلك الـقـابعُ في (أينَ) ؟، وما بينَ وما بينَ رموزٌ ورسائـــــلْ

*

إنّـمـا لا ريبَ في أنّ الذي يَـقـبـعُ في (أينَ) يـرى مِـن

كُـوَّةٍ أو مِـزْغَـلٍ لَا أحَـدٌ يَـعــرفـــــــهُ في بُـرجِ بـابِـلْ

***

جـمال مصطفى

 

طارق الحلفيسأبيح الاباحة كلها واسكب ثمالة المسافة ارقاً

لأخرم نيران الينابيع بعافية الجذور

كي املأ ارتفاع النهار بيقين النفير

علّ يقظة تتأمل غوايةً في انتظار ابجدية ماءٍ

تغذُ مسيرها حافية صوب غدٍ من نعيم

*

هبيني ايتها الحكمة مطالع الحكمة

لأعفي قلبي من نظائر الامتحان وشهوة الفروق

فأستكين الى غصون مواقدي وحصون مواعدي

كي أدرج شهود غضبي في معقل هدوئي

مغلباً فردوس ذعري على اقدام خطيئتي

*

الوعود منا ضحكت كدوار بحرٍ يعري صواري الحضور

شاداً شراع رهاناته الى صخب الريح

مضللاً شهود الكمال المترددين على موت يقين العبث

واهباً المدى مهماز مهرج اعمى يدور في أروقة تلعثم القيامة

وهي تثرثر بخرافة مشهد النهاية

*

من يبصرني وانا أغمض عين الحلم في الشوط المقامر

يعتقد اني سأنام في صهيلنا الاخير متلمساً اخيلتي بلسان فكري

علّي اشم رائحة الحكمة وهي عارية على مواقد الهاوية

عابراً الهتاف بين الاتكاء والانحناء على بِرهان البطولة

خرقاً لمواثيق عاداتنا القاصرة في انتظار سرطان الامل

*

لوثة العصر تقشر اقدارنا

كمتسلق غبار ظهيرة ليجني زرد الرحيل

مظنة ان جيوب الشهوة تملأ حمى روحه برطب الحوريات

من شبابيك التواطؤ نحو فخاخ السطوة يلقى

حيث لا يجد احداً في صفيح الانتظار الممزق ينتظره

*

بوهج الفضيحة الرخيم يفجع

وبسهم الخسارة العابق يضنى

ناظراً نحو جفاف التواريخ المعجزة

مغمض العينين متخبطاً بمعاطف السديم

ليسأل عن دروعه التي تركها في جحود الوداع

*

 

طارق الحلفي

 

صحيفة المثقفخُلّبٌ ميعادُها

عيناً

كانَ الشيبُ على نافذتي مُتَلَصِصةْ

ظنوناً نائية عنّي تخفقُ

كأشرعةٍ متقلصةْ .

مُذ الزهريةِ اتـَـقَـــدَتْ، والستائرُ كصمتي تلعبُ

مع الجدار.

*

انغمارٌ في اللِّقاء الناضبِ

...... انغمارْ

والعجوزُ أورفيه ظلالُهُ في سُلَّمةِ القطارْ.

الشارعُ أصبحَ دانياً من الشُّرفة،

وحولي الليلُ حديقةٌ صافرةٌ بزهوِ السكون؛

والزنابقُ نائمةٌ على فخذه الأبدي.

وحدةٌ هنا ...

تعفّنٌ يدقُّ بالـضلـــوع،

وعواءٌ يراودُ الكتب .

وحشةٌ هنا ...

ما صوتُ أغنيةٍ آتٍ، وكأسٌ يَسلوها الهُراق،

ما صوتُ مَا؟

أطفأتَ انتظارَكَ بفمِّ العراء،

حتى إذا تنادتْ خطانا في مَعْبَدِ الغياب،

فَهَلْ يا أنتَ / أنا مِنْ مُـــــدَّكِـــــر؟

الجمعةُ / مساءُ الخميس .../ أنَّــــةُ ثوبي ترامَتْ، وسحابةُ عينٍ

تهاوتْ،

تهاوتْ،

تهاوتْ مرايا المُنى علينا،

والجحيمُ مثــلــي، ذابتْ من خَتْـــــنِ الرجاءْ .

فَتَرَ بابُ الهوى فاصطبَرْنا.

والمسكينةُ الساعةُ آبت إلينا،

مسفوعةً بحريقِ ألوانِها،

تحسُّ خِدْنَ الخمَرِ لنبضِها؛

والليلَ يهـــفـــو برفيفِها

إلى

القرار .

***

 

سحر شبّر - النجف

28/ 4/ 2012

 

صبيحة شبرتتدفق الكلمات اللطيفة من فيه، بشكل غير معهود، قد سمعت أنهم غدارون، أنهم يستعملون العنف مع الأصدقاء والأعداء، وان وجدوا هذه الوسيلة لن تجديهم نفعا، التجئوا الى طريقة أخرى، يأملون فيها خيرا، وانهم يغيرون من الوسائل، علهم يحققون النجاح في مسعاهم، تتوالى الكلمات المزوقة، ذات المعاني الرقيقة، اصدق أحيانا مزاعمهم، وإنهم يريدون بي خيرا، وأنني هنا لتوضيح بعض الأمور التي ما زالت غامضة أمامهم، وتتطلب الشرح والتوضيح، حدثني الأصدقاء والمعارف عن أساليبهم المختلفة التي يتبعونها مع الأشخاص، لحملهم على تنفيذ ما يحبون،

- سمعنا عنك كثيرا، أنت صادقة، لا تحبين الكذب، ولا تودين الاقتراب منه، تقولين الحقيقة كما هي دون تغيير، اذكري لنا الآن، ماذا حدث بالضبط؟؟

أنهم لطاف حقا، يقولون الكلام الجميل، ويعبرون عن أنفسهم بأسلوب رقيق، بعيد عن فحش القول، كما اعتاد أعداؤهم ان يتهموهم ...

- قولي لنا ماذا حدث، بلغنا انك كنت حاضرة مع القوم، وانك سمعت ما تحدثوا به، واصفين أعمالا قاموا بها،، فما حقيقة هذه الأعمال؟؟؟

الغموض يحيط بالكلام، أي قوم يريدون الاستعلام عنهم؟؟ لم احضر أنا مجلسا، منذ زمن طويل، فانا قليلة الخروج، وأفضل البقاء في المنزل، ليزورني أصدقائي في داري، بدلا من الذهاب إليهم..والأشخاص الذين اعتبرهم أصدقاء لي قليلون، وان كنت اعرف الكثير من الناس ممن لا يرقى الى مستوى الأصدقاء ...

- اخبرينا بما سمعت، وسوف نعيدك الى منزلك قبل أزوف ساعة، ليس عليك الا إبلاغنا بما تعرفين، وأنت صادقة كما سمعنا...

الغموض سيد الموقف، ماذا يعني هذا الرجل؟؟ وعن أي شيء يتحدث؟؟ ومن هؤلاء الذين حضرت مجلسا معهم؟؟ واستمعت الى أحاديثهم؟؟ وما شأنه هو ان تحدث الناس او صمتوا؟؟ وكيف يطلب مني ان انقل إليه أحاديث أشخاص وثقوا بي؟؟ وعبروا أمامي عما يجول في أنفسهم، لم اعتد على نقل الأحاديث مهما حدث من أمور، لااحب دور الواشي، ن ولا أود ان أخون ثقة الصديق، ..

- قولي الحقيقة فقط، ماذا قال اؤلئك الأشخاص؟؟ وما هي الأنشطة التي يرغبون بالقيام بها، ومن يتعاون معهم؟؟ سمعنا انك قريبة منهم، يثقون بك، ويطمئنون إليك، ولا يخشون من إطلاعك على خبايا قلوبهم.

- يريدون مني ان أخون، وان اغدر بأصدقائي وان انقل أحاديثهم، أتخلى عن أحبابي الذين منحوني ثقة كبيرة عز نظيرها

- لا نطلب منك غير الحقائق، ماذا قال أصحابك؟؟ وكم مرة اجتمعتم؟؟ نعرف انك لا تشاطرينهم آراءهم، نحن لا ندينك، نعرفك تمام المعرفة، الناس يمدحونك ويقولون انك أهل للتقدير، ونحن نقدرك أيضا، فاخبرينا بما دار من أحاديث وما تم الاتفاق عليه من أمور، ونحن نعيدك الى منزلك معززة مكرمة.

لم افهم ماهو المطلوب مني؟ ولم أحضروني الى هنا؟؟ وأنا لم اسمع كلاما مقولا في مجلس معين، أصحابي جاءوا الى منزلي، وكانوا يتحدثون عن كتاب، استعرناه من احد الأصدقاء،، واطلعنا عليه كلنا، كتاب يتحدث عن العائلة، وضرورة بنائها على مفاهيم الحب والاحترام، وليس في الكتاب شيء جديد،

فلماذا يرغب هؤلاء بالإطلاع على ما دار من أحاديث؟ حول العائلة وتعزيز الوشائج بين أفرادها، وضرورة القراءة الهادفة..

- جماعتك مخربون، نحن نعرفهم، إنهم دود الكتب، يكثرون من القراءة، ويكتمون ما يجول داخل نفوسهم، لماذا لا يعلنون عن آرائهم، وعن حقيقة عواطفهم؟ لابد أنهم خائفون، من مصلحتك ان تخبرينا عن خفايا نواياهم، هيا قولي : ما هي أهداف تجمعكم؟؟ لماذا لا تعلنون عنها؟؟ ولماذا تكثرون من القراءة بهذا الشكل المخيف؟ ماهي مطامعكم؟؟ كلمات قليلة، نطلبها منك، فوليها، وعودي الى منزلك بسلام

يرتفع الصوت ويضحى صراخا :

-سوف نعلن انك منهم ان لم تتعاوني معنا، لماذا تعاندين؟؟ لنا أساليبنا وسوف نجبرك على ذكر ما نحب، ولكن الآن نحب ان نمنحك الحرية، هيا قولي ما تعرفين، لا فائدة من الصمت، اذكري ما دار بينكم من حديث

يعلو الصوت ويغدو نباحا :

كلهم تكلموا، لا تحاولي التستر، جاءتنا الإنباء انك معهم، اذكري ما تعرفين، وندعك تعودين الى منزلك بالتقدير والاحترام

فمك ييبس، يجف لسانك، تحيطك الحيرة، لم تعرفي بعد ما هو المطلوب منك؟؟ ولماذا اخذ المتحدثون يصرخون؟؟

- كم مرة اجتمعتم؟ وماذا دار بينكم من حديث؟ ولماذا أنت صامتة؟ ومن تحاولين حمايته؟؟ ما لك ولهم؟؟ أنهم مخربون، اصد قينا القول، هيا بسرعة، لم نعد قادرين على الصبر معك، ما شأنك أنت والاجتماعات؟ ماذا تريدون؟ أللعنة عليكم جميعا..

- بعلو الكلام ويأخذ منحى آخر متناقضا،، عما كان عليه تماما، وأنت قد تعبت من الجلوس، وهذا الصراخ المستمر، ولم تدركي ماذا يريدون؟؟ ولماذا أنت بالذات من جلبوها الى هنا؟ انك واثقة تمام الثقة ان أصدقاءك ابر ياء مما يحاك ضدهم،، وأنهم فقط يحلمون بجمال العالم، ومشرق الشمس وظهور القمر،

- لقد تعبنا منك، سوف نعلن أمام الملأ انك منهم، تتآمرين ضد سلامة البلاد،، وتخططين لإحراق الزرع ونفاد المياه وهلاك الناس، هيا تكلمي، قولي لنا ما نحب

- الغموض يحيط بك، ما شانك أنت بما يريدون، ومن هؤلاء الذين يسعون الى هلاكهم، وتحويل حياتهم الى ثبور، تهيمن عليك الحيرة،، وأنت جالسة مع أشخاص غرباء يريدون بك شرا، ولا تعلمين أي أنواع من السوء يدبرون لك؟؟

تكلمي، بسرعة، نفذ صبرنا، سوف نرسل معلنين في طول البلاد وعرضها، أننا وجدناك في بيت سيء السمعة،، مشبوه، لنجعل عائلتك تتبرأ منك، تكلمي بسرعة، اللعنة عليك

الحيرة تستبد بك، والخوف مخلوق أخطبوطي ينتزع منك اليقين، لو تعرفين فقط ماذا يريدون منك؟

- الا تهمك سمعتك؟لقد وجدناك في بيت مشبوه،، سيء السمعة

تمضك اتهاماتهم، وتتعبك أقوالهم، وتفكرين هل يمكن ان تنفذي لهم ما يطلونه منك؟؟

- ماذا تريدون ان أقول؟

- - يبدو ان عقلك قد عاد إليك، خذي هذه الورقة وامضي عليها

لم تعتادي ان توقعي على أمر، لا تعلمين عنه شيئا، تحاولين ان تقرئي، ينتزع منك الورقة صارخا :

- هيا بسرعة، لا تترددي، امضي على الورقة أولا

 

صبيحة شبر

 

ميمون حرشيعود منتصب القامة، في قمتها عنقه يلتاع بشكل غريب في كل الاتجاهات، حقيبة السفر التي يجر وراءه تشبهه في تعثرها، كان يمررها فوق طريق محفرة، محدثة صوتاً مزعجاً لا يعبأ به، ومرات كثيرة تحرن كما البغل، ولا تنقاد له، فترتطم بأحجار بلدته التي غاب عنها طويلا .. كان يبدو وهو يجر حقيبة السفر، فوق تربة بلدته، كمن يقصد حماماً شعبياً.. تشي سحنته بتعب السنين، لباسه الغريب، بالنظر إلى طريقة جره لحقيبته، علامة يريدها أن تترسخ، بالنسبة إليه على الأقل، بأنه ليس "من هنا"..إذ لم تكن عودته الأولى بعد سفره، كل مرة يعود فيها يجتهد في أن يجعل نفسه غريباً عن أترابه غربة كاملة..

بعد مدة من مكوثه في البلدة، قر قراره بعد تردد أن يحضر عرساً أحياه شاب من شباب الحي، كان يوماً، قبل أن يسافر، جاره القريب، وصديق طفولته، ولو لم تلحّ والدته على أن يلبي الدعوة ما كان ليحضر أبداً؛ إنه، منذ سفره، بات يعتبر طقوس الأعراس في بلدته ضرباً من ضروب التخلف حين يقارنها بما يحصل هنالك حيث يعيش وراء البحر..

وصل مكان العرس متأخراً، وبدون هدية، نظر إلى أترابه، وسلم عليهم دون أن يصافحهم، كانوا كثراً، لم يكن يرى منهم أحداً، كان مثل هر يحاكي صولة الأسد، مترفعاً كأعجاز نخل.

أومأ إليه العريس أنْ تعال فسار إليه وهو يهز عِطفيه، أحس نفسه فوق أرض لا تسعه بسبب صلف مجاني.

أخذ مكانه بين أترابه بعد أن هنأ العريس، ثم أثار أعصاب الجميع، حتى الذباب، حين بادر أترابه بالقول دون مقدمات:

- "نحن عندنا هناك في الضفة الأخرى، الأمر مختلف عما لديكم هنا".

التقط أحد الحاضرين كلامه، ثم همس لجليسه قائلاً:

- " (عندهم وعندنا)، إنها قسمة ضيزى والله، هم عندهم، ونحن عندنا، ألسنا من طينة واحدة؟!.

يرد الآخر:

- بعضهم يقول ذلك عرضاً دون قصد، لكن غيرهم- وهذا واحد منهم- يعنون ما يقولون، ويحرصون على أن نسمع منهم ذلك متخيلين أنهم أفاضل ماداموا يعيشون وراء البحار..

أضاف متنهداً:

- أجلاف، ومساكين لأنهم ينسون الطينة التي جُبِلوا عليها.

- أليس من حقهم أن يتبجحوا؟ (تساءل أحدهم).

أجابه رفيقه:

- من حقهم ذلك، لكن عليهم فقط أن يعلموا، أن أكاذيبهم أصبحت بائخة مثل نكتة، ومن كثرة شيوعها، لم تعد تثير ضحك أحد، ببساطة لأن العالم قرية صغيرة الآن، ونحن نعرف جيداً- وهم أيضا يعرفون- ما يحدث هنا عندنا، وما يحدث هناك حسب تقسيمهم، فعلى من يضحكون، فليوقفوا ترديد أغانيهم السخيفة".

شاب أنيق في زاوية أخرى علق بغضب وهو يحدق في عائدهم:

- ما أغرب حال بعض العائدين إلينا!

التقط شاب آخر يجلس قربه الكلام وعلق قائلاً:

- والله صحيح، البعض منهم مخمورون بنشوة العودة إلى مدنهم بنوع من التباهي، يلبسون سراويل قصيرة تثير الضحك، ويضعون الساق على الساق، ليسردوا لنا نحن - المغضوب عليهم- حكاياهم عن مغامراتهم، وهي بالمناسبة كلها بطولية...

ضحكوا بهستيرية، وقال أحدهم:

- أضف أن منهم من لا يتكلم، لكن الصمت، الحركات، الإيماءات، ونظرات العيون تفضح المستور.

قال أكبرهم سناً في المجلس:

- إيه، يا أولاد، حين تقتنعون وتفهمون لماذا يفعل أحدهم ذلك ستدركون أنه معذور، فلا تدعوا صدوركم بالعتاب يمور، وليكن كل واحد منكم الناصر والمنصور.

 

ميمون حرش

 

بكر السباتين"دقوا على الخشب"

وقفت الواعظة، أم العروسة ندى تبحث عن كبرى بناتها باهتمام، وهي سيدة تتظاهر بالورع والتقوى إذ يعشش في رأسها شيطان الحسد وتعامل الناس على قاعدة أن صاحب الحاجة حاسد.. وفي عرس ابنتها كان موضوع الحسد هو شغلها الشاغل الذي ملأ رأسها بالخوف والأوهام "الله يستر من هذه الليلة، ليتها اعتذرت عن حضور الحفلة، ها هي تجلس هناك مثل الغراب، ونعيبها ينفر الطيور في رأسي من الغناء.. تباً لها من حيزبون! ترى ما سبب مجيئها هل ذلك فقط لأنها ابنة عمي وقد دفعها الواجب لمشاركتنا الفرحة! قل أعوذ برب الفلق.. أم جاءت بعين حاسدة لتضرب بها ابنتي التي رفضت ابنها فؤاد، ذلك الأرعن المغرور الذي اشترى المظاهر الخادعة على حساب نصائحي، بينما هو دائم الانتقاد لي ويتهمني بأنني لا أفعل ما أقول وكأن اللعين يتهمني بالنفاق!! فعلاً هي قلة تربية! وبحمد الله فقد جاء نصيب ابنتي ندى، ما شاء الله عليه، ذلك الشاب الذي دق باب قلبها أثناء دراستهما في الجامعة خارج البلاد!!"

وفجأة أكلت الحيرة رأس أم العروسة، فتسارعت دقات قلبها، وارتعدت فرائصها من شدة الهلع حتى انتفخت أوداجها وتقلبت عيناها في جفنين كأنهما مبخرتان تصاعدت منهما أدخنة الريبة، وقد امتقع وجهها خوفاً من الحسد إذ باغتها، كانت قد أورثته لأولادها.. بحثت عن ابنتها الكبرى في زحام المدعوين وقلبها يلهج بالدعاء "يا رب استرها" فيما أخذ قلبها الواجف يدق بشدة بينما عقلها المضطرب يهلوس كمن فقدت وحيدها "عين الحسود تبلى بالعمى" وتكمل مفزوعة:" استغفر الله العظيم؛ لكن أم فؤاد تكون ابنة عمي أيضا!! فلا أتمنى لعينيها سوى أن تنحجبا عن ابنتي".

اشتعلت الصالة بالزغاريد فقد دخل الخيال إلى الصالة، ووقفت ندى تستقبل عريسها، وما أن جلس حتى اشتد الرقص وتمايلت الرؤوس طرباً إلا أم العروسة التي نادت على ابنتها الكبرى بحذر، وهمست في أذنها:

"راقبي أم فؤاد جيداً، فلا تدعيها تشاهد العروس وهي مصمودة في صدر القاعة وإذا اقتربت لمصافحتها تذرعي بأنك تريدين تقديمها لصديقة لك في آخر القاعة، أحجبي أنظارها عن ندى".

ثم عادت إلى حيث صمدت ابنتها وعيناها تراقبان أم فؤاد وقلبها يحيط العروسين بالمعوذات.. أما ابنتها فقد نفذت المطلوب، وأحاطت أم فؤاد بعنايتها، "تلك النفاثة بالعقد" ولسانها يتلعثم بقراءة المعوذات درءاً لعيني أم فؤاد السوداوين والمتقادحتين شرراً "قل أعوذ برب الفلق، من شر ما حسد"، حتى وهي تودعها عند مدخل الصالة، تنفست الصعداء، وعادت إلى حيث كانت تجلس أم فؤاد لتستجلي أخبارها وتنظف أثر سمومها.. ترى هل قالت شيئاً بحق العروسين!، فأصيبت بالدهشة، فقد أخبرتها كنة أم فؤاد المتمردة قائلة، وبالمناسبة هي مقربة من أم العروسة، وتناكف عمتها في المجالس الخلفية:

- احمدي الله أن خطبة فؤاد على شقيقتك ندى لم تتم.

- طبعاً شقيقتي هي التي رفضته مع أنه لا يعاب، فقد كانت تحب زميلها في الجامعة.

- غريب، في حدود علمي أن عمتي في الأصل لم تطلب يد ندى مباشرة، بل كانت تجس النبض فقط من خلال إخبار جدتك الحاجة زكية برغبتها في طلب يد ندى، وكان ذلك خلافاً لرغبة فؤاد الذي كان بدوره متيماً بالسكرتيرة التي تعمل في مكتبه، لكنه تماشى مع رغبة والدته فقط إرضاءً لها.

وكان فؤاد وهو شاب أنيق عصري في الشكل والجوهر يدرك بأن أم ندى لن تقبل به عريساً لابنتها، فثمة اختلاف بين شخصيته الواضحة ونزاهة قلبه، وشخصية أم ندى التي تعمل واعظة لكنها لا تراعي حقاً في الناس..

ثم أكملت كنة أم فؤاد الحديث

- الأسبوع القادم سيكون موعد خطبة فؤاد على سكرتيرته.. فتاة جميلة! ما شاء الله.. بيني وبينك، وهذا سر بيننا، لقد خرجت أم فؤاد من الصالة حتى لا يُفشى سرُ ابنِها فَيُطْرَقُ موعدُ الخطبة بعيون الحاسدين.

- ومن تراه يفكر بابنها حتى يحدث ما يضره!

- بالطبع كل من يتهم الناس بالحسد من باب الوعظ!!

- لا! وكأنك تقصدين والدتي.

- أعوذ بالله لم أقصد أحداً بعينه، فدعينا الآن من سيرة الناس.. ثم علقمت مبدية اعجابها:

صحيح.. كم هو رائع عرس ندى وبهيج!! والعريس!! يا لله ما أوسمه! تتهنوا..

- دقي على الخشب.. قولي ما شاء الله!

بكر السباتين

 

انمار رحمة اللهكانت في حيّنا ثانوية بنات كبيرة، تدلف إليها يومياً مئات الفتيات اللواتي في طور النضج. وحين يدنو وقت انتهاء الدوام الرسمي، كنّا نتجمهر متبعثرين في الطرقات، منتظرين وقت (الحَلْة). جدار الثانوية الطويل صار سبورة لبعض العبارات التي وضعناها، تعبيراً عن حبّنا لحبيباتنا الطالبات، ولم نضع أسمائهن بالطبع، بل هن عبارات مشفّرة تحمل حروف أسمائهن، وأسماءنا الصريحة، لكي يتعرفنَ علينا، ورغبات وأمان وأبيات شعرية. وكلّما خضَّبت إدارةُ الثانوية الجدارَ بلون، تآمرنا خلسة، وعدنا لنكتب عبارات الغزل في حبيباتنا، بنات الثانوية. عسى أن تقع أعينهن على تلك العبارات، ويدق الحنين أبواب قلوبهن.. وبعد سنوات طوال تُرِكت بناية الثانوية، تحولت بأمر من الدولة إلى مخزن للكتب المنهجية. مرت فصول على جدار البناية، الذي تآكل من جهات مختلفة، وشحب لونه، وصارت عباراتنا الرومانسية القديمة تُرى بصعوبة، ليس بسبب المناخ وحده، ولكن بسبب لوحات سود اكتظ بها الجدار، تحمل أسماءنا وعبارات تعازي، أنا وعدد كبير من أصدقائي. علقوهن أهالينا على جدار الثانوية، بعد أن تمزقت أشلاؤنا في الحرب.

أنمار رحمة الله

 

يحيى السماويأرْضَعَتْني لَبَنَ الإنصافِ أمي

وأبي علَّمني أنَّ ألَذَّ الخُبزِ

ما يَعْجِنُهُ من جبهةِ الكَدِّ عَرَقْ


 

قـبـل أنْ تُـدخِـلـنـي فـردوسَـهـا الأرضِـيَّ " إيـنـانـا "

وتـرضى بـيَ نـاطـوراً إذا عَـسْـعَــسَ لـيـلُ الـخِـدرِ

والـفـلاحَ فـي بـسـتـانِ واديـهـا

إذا الـصـبـحُ إئـتـلـقْ

*

قـالـتِ :

الـعـشـقُ مـواثـيـقُ

فـلا عـشــقٌ إذا لـمْ تـحـفـظِ الـمـيـثـاقَ مـا أشـرَقَـتِ الـشـمـسُ

ومـا آذنَ بـالـنـجـمِ الـغَـسَــقْ

*

لـيْ تـعـالـيـمـي الـتـي أوصـى بـهـا

ربُّ الـفـلَـقْ :

*

لا تـكـنْ ذِئـبـاً عـلـى الـظـبـيـةِ والـظـبـيِ

ولا سَــبـعـاً عـلـى الــشــاةِ

ولا إنْ شَــبَّـتِ الـنـارُ وَرَقْ

*

ومُـبـيـعـاً ذهَــبَ الـعــشــقِ إذا جُـعْــتَ

بـصـحـنٍ مـن شَــبَـقْ

*

لـسـتَ مـن مـمـلـكـتـي

إنْ كـنـتَ تـخـشـى مـتـعـةَ الإبـحـارِ

خـوفـاً مـن غَـرَقْ

*

وتـغـضُّ الــطَّـرفَ عنْ شــوكٍ يـقـي وردَكَ

مـنْ مُـبـتَـذَلٍ إنْ " ظـفـرَ " الـودَّ

فَــسَــقْ

*

لا تـمُـدِّ الـيـدَ لـلآفِـكِ والـمـنـبـوذِ

والـكـامـلِ نـقـصـاً

وسَــفـيـهٍ ذيْ مـجـونٍ وحَـمَـقْ

*

ولـئـيـمِ الـجـذرِ والـغـصـنِ

فـإنَّ الـغـصـنَ نـسْـلُ الـجـذرِ ..

هـلْ يُـثـمِـرُ غـصـنٌ فـاســدُ الـجـذرِ كـرومـاً وحَـبَـقْ ؟ (*)

*

كُـنْ عـلـى الـجـاحـدِ ســوطـاً ..

ونـدىً لـلـوردةِ الـعـطـشـى ..

وإنْ أظـلـمَ دربٌ

كُـنْ ألـقْ

*

وكُـنِ الـعُـكّـازَ لـلـمـكـفـوفِ ..

والـدُّمـيـةَ لـلـطـفـلِ ..

وعُــشَّــاً لـلـعـصـافـيـر ..

ولـلـصـحـراءِ إنْ أعْـطَـشَـهـا الـقـيـظُ وَدَقْ (**)

*

واحـذرِ المُـرخِـصَ مـاء الـوجـهِ مـن أجـلِ بـريـقٍ زائـفِ الـلـمْـعِ

ووَغْـدٍ يـحـسَـبُ الـحِـيـلـةَ والـلـؤمَ حَـذَقْ

*

إنَّ ثـوبـاً مـن حـريـرِ الـذلِّ

أبـهــى مـنـه فـي الـعِـزِّ رداءٌ مـن خِـرَقْ

*

ورغـيـفَ الـتّـبـنِ

أشـهـى لأبـيِّ الـنـفـسِ مـن خـبـزِ الـمَـلَـقْ

***

***

أنـا يـامـولاتـيَ الـربَّـةَ " إيـنـانـا " كـمـا الـرَّنـدُ

يـنـثٌّ الـعـطـرَ

إنْ كـرَّ عـلـيـهِ الـجـمـرُ يـومـاً

فـاحـتـرقْ

*

وربـيـبُ الـطـيـنِ

لا أمـنـحُ لـلـجـذرِ إذا شــذَّ عـن الـنـبـضِ

عَـلَـقْ

*

وأنـا الـسَّـهـمُ إذا مـن شـرفـةِ الـقـوسِ

الـى خـاصـرةِ الـشـيءِ انـطـلـقْ

*

فـابـعـثـيـنـي بـتـعـالـيـمِـكِ فـي الـعـشــقِ رســولا ..

لـيـسَ عـشــقـاً حـيـن لا يَـفـتـحُ بـابـاً مُـسـتـحـيـلا ..

فـامْـطـري صـمـتـي هَـديـلا ..

ربَّ حِـيـنٍ يـعــدِلُ الــدَّهــرَ الـطـويـلا ..

وطـويـلِ الـدَّهـرِ يـغـدو بُـرهـةً لا تُـسْـتـرَقْ

*

أرْضَـعَـتْـنـي لَـبَـنَ الإنـصـافِ أمـي

وأبـي عـلَّـمـنـي أنَّ ألَـذَّ الـخُـبـزِ

مـا يَـعْـجِـنُـهُ مـن جـبـهـةِ الـكَـدِّ عَـرَقْ

*

فـإذا زغـتُ عـن الـعـهـدِ

أكـونُ الإبـنَ بـالأمِّ وبـالـوالِـدِ عَــقْ

*

فـاقـبـلـيـنـي ســنـدبـاداً سَــومـريّـاً

يـسـألُ الـلـهَ إذا أبـحَـرَ فـي بـحـرِكِ أنْ يـرزقـهُ :

نُـعـمـى الـغَـرَقْ

***

 

يحيى السماوي

أديلايد 17/8/2018

.......................................

(*) الحبق : بفتح الحاء والباء : الريحان .

(**) الودق : المطر بنوعيه الشديد والهيّن .

(***) الحِين بكسر الحاء : وقت من الدهر قد يكون عدة سنين ، وقد لا يزيد على شهرين ـ وليس الدهر كله . والحَين بفتح الحاء : الهلاك . ومن معانيه يوم القيامة .  

 

 

صحيفة المثقفلماذا تبتدي بالذم

               وتعذلني ولاترحم

وجئت تلومني جهلا

             على حبي فهل تعلم

بأن الحب للقلب

             كما الترياق والبلسم

ولست أظنه ظنا

                 ولكني هنا أجزم

بأن حياتنا تغدو

                   بلاحب به ننعم

بلا حلم نؤمله

           كما الظلمات بل اظلم

وإني عجبت يا حرفي

             لماذا البعض لايفهم

إذا كان الهوى اثم

                 جميل حينما نأثم

وإن كان الهوى حلو

           عدمتك كيف لانطعم.

***

 

الشاعر منصر فلاح - صنعاء

 

 

عبد اللطيف رعريمُصَادَفة

بعثَرتُ أقْلامِي فِي مَخْبأةِ العُمرِ

وعِرتُ الألوانَ الباقِيةَ مِن بؤسِ الطُفُولةِ

آخرَ بَصّةٍ حَزينَة

لتملُكِي للحَيرة فِي قبضَةٍ نِصْفُها الجُنون

وهَذا الاهترَاءُ يلوِي شُموخَ الجِبالِ

وهَاتهِ الثّمالةُ النَّاكِرةُ لمبْدئ الاستِقامةِ

تُخلدُ فِي أعتَابِي هزُّات الالوَاحِ...

مُصادفةٌ أنِّي هُنا..

أرجُوانِي المظْهَرِيَّة يمكُث ظَهرَ الحِربَاءِ

أغْرِي الوُلاةِ بِسَلامَة الآتِياتِ

وأفْضِي بِأوْهامِي عَامَةَ النَّاسِ

ومَالِي والاصْبَاغ حُيالَ شُرُود الأرْواح

ومالي وَضَياعِي بيْنَ القُبُورِ

أذرٍفُ الدّمْعَة ...

اطْفئُ الشّمعَة ...

وفِي وِفاضِي علَى الدوَام ِلسْعَة

وتِلكَ البَوابةُ بحَجْم امْتِدادِ الحِبالِ

من يُحْكِيها تخَارِيفَ النَّظمِ بالعَلنِ

ويَرخِى هَوَى شَياطِينِ القَصْرِ

فَطُوبى للِطُرقاتِ بخِتامِها ...

يعبُرها وطُوبَى لمنْ

مستعد مُقارعةَ اللّيل ببياضِ صَخرةٍ باكِية

ما حرّكها ماءُ الوادِ ي

ولا بلّلهَا بكاءُ القمرِ...

مًراوغٌ بالدليلِ والبُرهانِ

هذيان الأسْماء التِّي سمّيتُها...

والألْوانُ التِّي غيّرَ الرمَادُ شَداهَا

والاقْدَاحِ بِطَفحِ الصِّياح مَلْهَاهَا

ومَا نالتْ مِن قدَاسَة السّماء غيرَ التَّشْهيرِ بِعظمتِها ...

بعثَرتُ من حَولي فُضُلاتَ جَسَدِي

لأنفِي عَن جَلالِي تهْمةَ البلَاءِ

وأعمِّر أكثرَ ردحٍ

حتَّى أهَدِدُ بالموتِ أصْنافًا لا تَمُوت ....

وقبل انشِطارِ الفُلكِ الزَّائغِ الى عَينين

عينٌ ترَى ما يُرى...

وعينٌ مَا يُرى تُغريه بالنّبلِ

أيقظت فتنة الشوقِ بينَ أزِيز الرِّيحِ

وَظِّلِ الجِدارِياتِ

وأدَمتُ شَفاعَتِي عَلى أجنِحةِ الطَّيرِ

فتوَحّد تْ بين أنامِلي الأجْسَاد

ورْدَةٌ   متَناهِيةُ العِطرِ

فانكَمشَ وَهجُ الاحْرفِ المُخاَطَة بالبَديعِ

وَمَشيْتُ أكثَرَ مِن ورْطَةٍ

أبعثرُ أشْلائي مِن انسِلالِ الخَيطِ الأولِ

حتَّى مُستهَلِ الدّهشَةِ

كُل الأشْياءِ بالمَخبأ تَرتعشُ لدَورَتِي

وَكُل الأشْياءِ بنَصِيبِ خَطِيئتِي

وَما تُمْليهِ العَينُ ترْديهِ الطّعنةُ لغْزًا

فيَفرُ سَرابُ التُّحفِ

وتَفرُ مَعَ التُّحفِ أخْرياتٌ بِلمْسِ الشعَرِ

وَمَا تَدنّى مِن سَتائِرِ الشًّوقِ

وَمَا جَرّبناهُ بصَوْلةِ التَّحَكُم

وَمَا رَتّقنَاهُ مِن زَلاتِ المَاضِي

كَشْفٌ هَادِئ لِنرَممَ أعْطابَ القَدرِ

فِي وَسَط المَغارَةِ ....

والكُلُّ مُصَادَفَة....

أنِّي بَعثَرتُ أقْلامِي فِي مَخْبأةِ العُمرِ

وعِرتُ الألوانَ الباقِيةَ مِن بؤسِ الطُفُولةِ

آخرَ بَصّةٍ حَزينَة

فَطُوبى للِطُرقاتِ بخِتامِها ...

وطُوبَى لِمنْ يَعبُرهَا.

***

 

عبد اللطيف رعري /مونتبوليي فرنسا

 

 

عقيل العبودبملامح صفراء ووجه مستطيل تعلوه حمرة برتقالية شاحبة رُسِمَت خطوطها بمكياج صباحي عجول، هنالك عند زاوية من زوايا طاولة قريبة الى الملفات، بقامتها القصيرة وخصرها النحيف، تلك الاوصاف التي جاءت متجانسة مع سيقانها المقوَّسَة، وصوتها الخشن، اتخذت مكانا للوقوف منشغلة بكيلِ عدد من الاتهامات لأحدهم. اولئك الذين باشروا عملهم الصباحي.

راحت تنصت بفضول وقح الى احاديث بعض الحاضرين، بينما أطلقت العنان لنظرات عينيها الجاحدتين، وشفتيها المتهدلتين الممزوجتين بلعاب، أوبصاق يصاحبهما دائما، لكأنها تشم رائحة ما.

جلست دون استئذان بين زميلتيها رغم مزاجها العكر، كأنها لا تريد إضاعة فرصة لمعرفة نوع الحديث، بما في ذلك ردود الافعال، وكأنما مسؤولية ثانية أنيطت بها لنشر تقرير اخباري حتى عن انفاس من معها.

المكر ارتبط، بكيفية أدائها في إلتقاط هذا الحديث، اوذاك، مضافا اليه بعض الشائعات؛

حيث بإسلوب ما تـُسْتَنْفَذُ طاقة مَنْ يتم إستهدافه، بعد إيقاعه، اوالإحهاز عليه، ولو عبر إسماعه، كلمة مستفزِّة واحدة، ذلك كما إطباق انياب افعى سامة على ضحيتها.

ذو الابتسامة العريضة، كعادته دائماً، صرف أنظاره بعيدا، تجنبا لرؤيتها، كلماته بحذر راح يرسمها، مع تأمل لا يخلو من استغراب خائب ومقارنة بين ما يسمعه كل يوم من تصنيف وتعليق عنها، وبين شابة خجولة أضاء بها رؤيته وفقا لتفاصيل وملامح تسكن في ذهنه عبر فضاء آمن، وهي تسري كالملاك وفقا لبريق روحها المعطر بأنفاس عالم ملائكي.

الصورة انه تعبيرا عن احساس سالب، وتلافيا لما يحيط به من مفردات يومية، وتجنبا لشئ يضايقه، ابتعد عنها صاحبة الحقيبة الإخبارية، ذلك اللقب الذي اطلق عليها بعد ان أشاعت خبرا عن لقاء موظفة مع موظف في مطعم ما، والنتيجة ان مشاجرة بين تلك الموظفة وبينَ زوجها قد اتخذت منحى خطيرا، أسفر عن استقالة تلك الموظفة.

وعلى ذات الشاكلة، بقيت تلك اللحظة تنذر بالخطر بعد ترويج لقطة صورية عبر احدى وسائل التواصل الاجتماعي، حين تم تداولها من قبلها بغية الإطاحة بين زميلتين معها.

لم يكن احد يتوقع ان هذه التي تم نعتها بمسميات مختلفة والتي تبدو وكأنها طالبة في المرحلة الإعدادية، مطلَّقَة، وأم لطفلة بعمر ال سنتين.

احدهم أطلق تعليقة دون تردد وبصوت عال، "زوجها محق في طلاقها"، بينما قال الثاني ممتعضا" هذه افة، وليست من صنف الْبَشَر"، اما الاخر فقد وصفها بالإرضة.

والوصف الأخير تسمية، أحبها ذلك الجالس بعيدا، بعد مطابقته على جميع مفردات سلوكها حتى مشيتها.

لذلك الملاك، تلك الملامح التي تمسَّكَ بها صاحبي، كوسيلة للإبحار في شواطئه الآمنة، همس بإذنه مشيرا اليه كما عبر إيعاز سماوي، راح يحلق به بعيدا نحو زرقة هادئة، هنالك مع الملائكة، اصطفت جميع الأرواح الطيبة مبشرة بواقع جديد، بينما تساقطت جميع الأوصاف الخبيثة، راح يتمتم مع نفسه متجاوزا مَنْ حوله، هنالك لا يوجد هذا الصنف من البشر، كرر مع نفسه مرة اخرى، سمع الصدى لوحده، ذلك كان أشبه بإيحاء يأمره بإقصاء هذه المخلوقة التي اختلف الجميع معها، لعلهم اصحابه يستعيدون بعض طاقاتهم التي آلت الى الفتور بسببها.

 

عقيل العبود/ساندياكو

 

 

صحيفة المثقفللبلاد التي البستني حزنهاالعتيق

وملأتني عشقا

.....................................

ياغايةً من دونِها البحرُ

                           غَرَقٌ وصالُكِ والنوى قَفْرُ

كُلُّ الدُّروبِ إلى هَواكِ لظىً

                           أبوابـها وتـُرابُها جـــــــَمْرُ

ليلٌ مُريعُ الصَّمتِ يَسكنها

                           مُرُّ السُّهادِ ومَاله فــــجـْرُ

مَزروعةٌ رُعباً عواصِفُهُ

                           تَطوي المَتاهةَ والمدى سِرُّ

تحبو على جُرحي مخالبُها

                           ودمي إلى إشراقِكِ الجسْرُ

                           ***

ياغايةً دربُ الوصولِ لها

                           عَطَشٌ وبئرٌ ماؤُها مُــــرُّ

                          

غَلَّقتُ أحلامي وقد نَضُبَتْ

                           فيها ألهواجِسُ وانجلى ألأمْرُ

ورأيتُ صحراءً يطولُ بها

                           خَوفُ الظنونِ ويلهثُ الفِكْرُ

ومشيتُ مصلوباً على أملٍ

                           أنْ يُسـتردَ بقـربِكِ العُــــمْرُ

أسري بركبِ العُمرِ مُحتسِباً

                           لكنَّ صدري في السُرى ظَهْرُ

مبتورةٌ كـَـفـّي أنامـِلُها

                           قلمَ ألتوجُسِ والدّ ما حِـــــبْرُ

قِرطاسُها ضوءٌ أعيذ بهِ

                           تَهويمَ ليلٍ عافَــهُ ألبــــــــَدرُ

لكـــنَّ كفَّيكِ تجيءُ وقدْ

                           أضحى رُغاماً فيهما ألتِبْــرُ

فَيضُجُّ مِلءَ اليأسِ فيَّ صدىً

                           أينَ ألثوى وإلى متى السيْرُ

         ***

وتتيهُ قافلتي فيُرجِعُها

                           مِن مُقلتيكِ بخاطري سِـحْرُ

منذورةٌ روحي على ظمإ

                           بالحزن يسقي أرضها ألهَجْرُ

لولا فؤادٌ تستريحُ بهِ

                           عيناكِ يُسعفُ جُرحَهُ ألصَّبْرُ

لإختارَ جُرفَ الموتِ شاطئهُ

                           إذ لا يُرى في بَحرِكِ البـــَرُّ

جُرحٌ بهِ ما كنتُ أجهلُهُ

                           أو كُنتُ أنسى أنَّهُ ألنـُـــــذرُ

شرِبتْ صُخورُ اليأسِ من دَمِهِ

                           حتى ارتوتْ فتكلَمَ الصَّخْرُ

 

د. أمجد السوّاد

..........................

ملاحظة:

ابقيت امرين فيهما خلاف وهو الاشباع في البيت

لكنّ كفيكِ تجيءُ وقد: فالوزن يختل دون اشباع الكاف في كفيك. ورأيي هنا (نتيجة لموسيقى الجملة كلياً) فانها تكتب (كفيكي) وهي مجرد قناعة موسيقية.

والثاني في اسناد البيت

والى متى السّيرُ : ففضلت ابقاء البيت على ماهو عليه كون المعنى يختل كثيراً في التغييروكون الموسيقى هنا (في رأيي) لا غبار على جماليتها.  

        

 

نور الدين صمودفريضة الحج،

طُهرة للنفوس والمُهُج

...............................

الحمدُ للهِ مَنْ بالحـج طهّرنـي

                     ومن بزوْرَةِ بيتِ الله شـَرّفني

والحمدُ للهِ غفّــار ِالذنوبِ لنا

                   ومَنْ إذا شاءَ للفردوسِ أدخلني

غسلتُ أوضار ما قد فات من زمـن ٍ

                 كأنني لم أكـُنْ أذنبتُ في زمَــنِي

يا مَنْ، بنورِ الهدَى، مِنْ فَيْضِ نعمته،

               على طريـق من الإيـمان، سَيّـرني

لك اتجهتُ بشـكر وهو ليس سِـوَى

           غيضٍ من الفيض مما كنتَ تمنحني،

فالحـمـدُ للهِ ربِّ النـاسِ أجمعِـهمْ

                 والكُـلُّ يَحْمَـدهُ في السِّـرِّ والعَلـَنِ

والطـَّيْرُ تحْـمَدُهُ في الـجـوِّ سابحة ً

               ويَـرتجي الحِفظَ منه راكِبُ السُّـفُنِ

في البـحـر يدعـوه إمَّا ثار ثائرُهُ

                 وراح يسأله والقـلبُ فـي شجَـنِ:

الحَـمْـد لله فـي بَـدءٍ ومُخْـتَـتَـمٍ

         على الذي ظـلَّ، طـولَ العمْـرِ، يَمْنَحُني

ولو مضـيتُ مدى الأيام أحــمَدُهُ

           لكنتُ قصَّرْتُ في شُكري على المِنَـنِ

ربي بمِا في َيَقـيني من ألُوهَـتـِهِ،

             ليْسَ الذي، هو يومَ الحشرِ، يَخْذِلُني

فلْنـَسْـألِ اللهَ نُورًا نَـسْـتَضيءُ به

               لِيَهْـتدي كـلُّ مَنْ قد ضل مِنْ زمَـنِ

والنـاسُ قاطـبَـةً للهِ قـد خَـضعوا

                     وإنْ تَكَبّـرَ منهُـمْ كلُّ مُـفْـتَـَتِـنِ

فاغـْسِلْ، بـِتـَوْبَتِهمْ أوضارَ حَوْبَتِهِمْ

               وطـَهِّـرِ القـلبَ مِمّـا فيه من دَرَن ِ

ويَحْمَـدُ اللهَ حتَّى مَنْ طَـغَى وَبَغَـى

       وصارَ أعظـمَ من (سيف ِابْنِ ذي يَزَن ِ)

يا ربِّ أنعـمتَ إذْ أعْـطيتـني مِـنَـنًا

             فـَوْقَ الذي كُنتُ قـدْ أمَّـلْتُ مِنْ مِـنَنِ

واجْعـلْ بكـل دروبٍ الناس قاطبـة ً

           مِشكاةَ نور لكيْ تـقضي على الدُّجُـن ِ

في (سورة النورِ) نورُ اللهِ منبجـِسٌ

         من منبع الضوءِ في اليقْظاتِ والوسَن ِ

ونوره فاقَ نـورَ الشمس ساطعةً

                     وإنـما ذلك التشـبـيهُ للفـَطِـن ِ

قواعـدُ الدين خمسٌ نحن نعلمُها

                 وهي (الشهادة) أن الله أوجـدني

وكوَّنَ اليومَ من نورٍ ومن ظـُلَمٍ

           كي نستطيع حساب الوقت في الزمن ِ

(والحج كالصوم) فرضٌ لا يقوم به

               إلا مَـنِ اسْطـاعَ في مال وفي بدن ِ

(زكاة) أهل الغنى فرضٌ يُطهِّـرُ ما

                   يـبقى لمالـكه خِلـْوًا مـن الدرن ِ

ولا (زكاةَ) على من لا نِصاب له

                 وكيف تؤخذ من عانٍ وَمرتهَنِ؟

قليلَ رزق ٍعديمَ المال تحسَـبُهُ،

                   من التعفف، ذا مال وذا سكـنِ

لكنما (الصلواتُ الخمسُ) واجبة ٌ

                 على الفقير ومن قد كان جدَّ غني

تَظَـلُّ واجبة ً في الناس أجمعهمْ ً

             ما دامتِ الروحُ لم تخرجْ مِنَ البدنِ

إنّ الصـلاة عـمادُ الدين قاطبَـةً

           تنهَى عن الفحش والبغضاء والإحَن ِ

تظلُّ طـُهْرَةَ مَن زاغ الشبابُ بهمْ

             به يصيرون كالأضواء في الدُّجُـن ِ

يا موجدَ الخلق والأكونِ من عدمٍ

                 إذا قبـلتَ صلاتي فـُزْتُ بالمنـنِ

أسلمت قلبي لرب الناس خالقنا

             وجئت بالفرض وقت الحج والسنـنِ

***

 

نورالدين صَمّود

 

 

قصي الشيخ عسكرغادرت الداهية مقام ابيها لتلتقي الحاجة رقيّة. كانت ذاكرتها تحتفظ بالصورة التي رسمها عبد لها، على الرغم من اثر السنين، لاتدري لم اختار لها اسما الملكة عالية غير أنها ظنت الشيب لا يدب الى الملكات، عندها لم تجد عبد بل وقع بصرها على العاشقة المذعورة. الخبرفاجأها حقا. ظنت انّ الأجمة والطيور والسواقي والنخيل والشجر وحدها تعرف قصّة حبّهما. وفي الأيام الأخيرة خشيت من هواجسها حول شخص ما آخر غير الداهية، فمن المحال ان يخطر ببالها انّ الصبيّة ستتبع أخاها، فتطلع على السر، لتحضر في غفلة من الحظ فتشهد قطرات الدم، فقاطعت لتزيل اي التباس:

- خوفي عليه هو الذي اوحى الي. كنت احسست تغيره فدفعتني هواجسي. الفته منشرح الصدر رغم المأ ساة، اما ان يتغير هكذا فجأة، فأمر لم اكن لأصدقه.

- صدق من قال انك داهيه.

- ألم يحدثك عنا ؟

- ابدا (ثمّ وهي تلف الملعقة بقدح الشاي كما لو كانت تستعين بها على الماضي الذي هاجر فجأ ة، فتعلقت به كلّ تلك المدّة، وعاد اليها هكذا من دون مقدمات). قالت:

- كنت تسمعيننا يا غالية!!

أجابت الداهية بحسرة شدّ ما أخفتها خشية على الضيفة:

- ربّما فاتتني اللقآ ت الأولى.

ايّ جرح تنكؤه الآن الغالية، ولم جاءت في هذا الوقت بالذات، ماذا يدور بفكرها، والحاجة رقية ترى الزمن يفرّ من قلبها فيستقرّ على راحة يدها لتقرأه بعد كلّ تلك السنين. مع غير رقية لا تهتم الداهية بالتفاصيل، وها هي السنوات تتلاشى وفى صدر كلّ منهما حكاية ليست بذات نهاية. قبل اليوم التقتا لقاءات عابرة لا خوفا بل حذرا حتى استلت الداهية السنوات الطويلة المستكينة في غبا ر القلب لتفاجأها بالخبر الجديد، فما كان منها الاان تعقّب:. - لم أفهمك لحد الان؟

- ستفهمينني بعد ان تنتهي من حكايتك.

نظرت اليها نظرة طويلة:

- ألن يكفي ما قلته؟

- حدّثينى عن كلّ شئ

بعد تأ مّل بعيد:

- وما نفع الخصوصيات؟

وأعرضت لحظة عن الكلام، فبادرت الداهية:

- حتى الخصوصيّات تنفعني.

لكن ماذا تقول والحبّ يأ تي فجأ ة؟ عنيفا كفيضان عا رم اجتاح نهر جاسم ذات يوم، بل اقدم من كل التواريخ. تلك الأيام تجرّأت وطاوعت قلبها، وحين يأتي الحب تتغيّر الاشياء… فجأة يصبح للحياة طعم آخ. يذوب الخوب، والوحشة تزول، وتبقى المظاهرالحلوة فقط. للماء وهو يلامس شفتيها حلاوة تغزو القلب. مشت، وليس الطريق كما هو كل يوم، عينا ها تبصران ارضا جديدة وسماء ناصعة الزرقة. دنيا لا تعرف الالم والحزن كل ما في الارض يرقص ويغني. النجوم كل ليلة يأتين اليها يلعبن معها حتى يشرق الفجر ثمّ يصعدن الى السماء، فأيّ جرح جئت تنكئينه يا داهية اليوم، ومن قبل سمعت عنك رقية وانتم عائلة ناقصة: رجلان وطفلة، فليس من المناسب ان يزار بيتكم من قبل النساء، ثم عرفت عن طريق والدها أنّ عبد يقرأ ويكتب، وببال الحاج فكرة أن يعينه كاتبا عنده لئلا تشعر العائلة الجديدة بالغربة. الخطوة تدفعهم ان ينضووا تحت جناح العشيرة، وربّما دفع رقية الفضول فذهبت الى المكبس. هناك ابصرته بين العمال. وللحب لحظة سابقة على اْيّ زمان كان. ما زالت تعيش تلك اللحظة. خدر لذيذ. تيّار دافيء يفوح في الجسد وقت الشتاء القارص. ، وفي اللحظة الاؤلى كل السحر والفتنة. كان يقطع الممر الفاصل بين العمّال والعاملات، يملي عليهم اْوامر الحاج. في صوته حدّة وليونة، وقبل ان تسحرها عيناه، وقامته جذبتها قسوته الحلوة. شيء لم تجده في شباب القريّة. الى الان لا تدري ما هو. شيء سهل يلوح على الالسن غير اننا لا ندركه. كانت قد سمعت عن بعض مغامراته فاْعجبت بها. بعضهم قال انّ العائلة هربت من الاهواز بعد هزيمة الشيخ خزعل وتخفت خوفا من قسوة الشّاه الى ان يسّر االله لهم الوصول الى بيت جوك، والشك يحوم حول عبد الذى كلف باغتيال ضابط ايراني كبير، ومنهم من رآى، خاصة بعدالحدث التالي الذي شد رقيّة واذهلها، انّ العائلة بالاساس تركت بادية الشام لنزاع بينها وسلطة الفرنسيين، فاندمجوا مع الناس في بيت جوك وتخلّوا عن مذهبهم الأصلي. لذلك غير سلوك عبد الأخير الحكايات الاؤلىالتي ارتأت هربهم من نزاع عشائري. ذات يوم حضر جابي الضرائب ومعه شرطيّان، الحاج عبّاس يدرك تماما انه كلما حلّ في الناحية مدير جديد اظهر القسوة في ايّامه الاؤلى ولا بدّ من مرور وقت تلين فيه عريكته، فكيف يتطاول جابي الضرائب على الحاج، ساعتها طار عبد كالصقر، مثلما قالت العاملات، وجذب الرجل من تلابيبه، ثمّ لطشه باّحد الشرطيين، وهتف، وهو يمسك يد الشرطيّ الاخر، مانعا ايّاه من ان يسحب سلاحه:

- لم اضربك او اعتدي على جلال الدولة لكن وراْس الملك سأقتلك اذا تطاولت على الحاج.

وسرعان ما صارت الواقعة حديث القرية، واخضرّت وورّقت، وأزهرت، حكايات أخرى، ولاح النّشوة على وجه الحاج الذي سارع ولفلف القضية، فانقلبت العداوة، بينه، وكبير الناحية، بعد حين، الى صداقة حميمة. ولعلّ الطفلة تذكّرت الحادث، وسمعت الاب يحذّر ابنه :

- لا تعد الى القتل. لا يدفعك الغضب اليه لا بوجه حقّ ولا بوجه با طل.

اما رقية نفسها فقد رأت أباها الحاج يقبل عبد بين عينيه، ويذكرللحاضرين أنّه يعدّه واحدا من ابنائه، وبغض النظر عما جرى، فا نّها تعلّقت به يوما بعد يوم، ولأجلها هي انهمك في العمل بأ قصى جهد حتى اصبح يمين الحاج وساعده، يراقب العمّال.. يضبط المواعيد.. يدقّق السجلات.. يصرف الاجور والمكافآت. يوما عن يوم مهام عبد تكبر، وكانت رقية تراقبه وتزداد به هياما والحبّ على سعته يضيق بالعاشقين، فما أصعب أن يلتقي عاشقان في قرية صغيرة مثل(بيت جوك)، بل ما أصعب لغة العيون. كان الوقت ظهرا، وقد فرّت الىالحقل الواسع، شأ نها كلما أرادت أن تسرّي عن نفسها. اعتادت ان تذهب الى الطرف الآخر جنوب نهر(الكودي)، تراقب النعاج وهي تلتهم الحشائش. امتد بصرها باتجاه الساقية الى قنطرة (الحورية). في هذا المكان بالضبط خلعت أوّ ل سنّ لها وتحدّثت مع الشمس. لم تعدإلا صبيّة عمرها خمس سنوات تركض بين الغنم، تلعب، وتضاحك الصبايا، تمدّ يدها الى لثتها، وتلمس سنّها، فاذا به يسقط في فمها : ثرسي ثرسي. الصبايا يأ خذن بيدها، وهن يضحكن مقلدات كلامها: ثرسي ! درداء! ايتها الدرداء، كم عمرك ياعجوز الخير…تعالي قفي فوق القنطرة، وارمي سنّ اللبن الى الشمس..... كالوزة تهادت، وهي تغنّي بلكنتها الجديدة، وعيناها تقبلان الشمس:

يا شمس يا شمّوسه يا حلوه يا عروسه

هاك سن الحمار واعطيني سنّ الغزال

سنها طار في الهواء، ثمّ سقط في الماء أسفل القنطرة، وصدقت الشمس وعدها، فجاءت أسنانها كاللؤلؤ صافية، ناعمة كالحالوب، وللسنين دورتها التي لانحس بها حتى نستفيق في يوم ما على حدس جديد يأخذنا الى حلم آخر كأ ن يكون شيئا ما لايخطر على البال قط، واذا بها تنتبه الى نعجة تجمح نحو بستان دوسن، همّت ان ترفع صوتها لتنبه الراعية التي استظلت تحت شجرة سدر، ثمّ استثنت. يمكن ان يكون قلبها ردعها، ليس غيره يأمرها الا ترفع صوتها، فتطيع. بعد تردد قفزت الى الساقية راكضة خلف النعجة.. هكذا استعانت بقلبها، وكأ ن كل شيء يسير لموعد سابق من الطفولة يوم خلعت ضرسها، وتكلمت مع الشمس الى حيث فرّت النعجة، هناك عند قنطرة الحورية قابلته عائدا من(المكبس)، وفي حمى اللقاء الأول تموت الكلمات على الشفاه. احمر وجهه وارتعشت شفتاه. الفارس ذو القلب الحجر يذوب رقة وحياء، آلف من الحمل. كادت لولا الحياء تشهق وهي تقابله وجها لوجه. مرّت لحظات حملت اليهما نسمة من نسائم الجنة في عزّ القيظ، فانتبها الى ما حولهما، طلب منها بصوت مرتعش ان تقف عند القنطرة لتسد الطريق، ثمّ ركض خلف النعجة الى ان أدركها، ومع اوّ ل لقاء لها بـ(عبد) رأت نفسها وريثة الحوريّة، فربّما هي حفيدة تلك التي اكتشفها أحد الملالي ذات ليلة ولمجرّ د ان انبلج الصباح حتى تراقصت الحكاية على الشفاه وحملتها، من بين أوراق الشجر وغناء الطيور، الرياح الى البيوت والآذان. كان الملا عائدا في احدى ليالي رمضان من مجلس امتد الى منتصف الليل، وقد اهتدى على ضوء النجوم المتراقص فوق السعفات، واذا به يفاجأعند القنطرة بالمشهد. ارتعب. كاد قلبه يهبط الى رجليه. ليس معه ايّ سلاح. قاطع طريق او هو (الطنطل) الذي يضع عصا في دبر أيّ عابر سبيل ثمّ يركب ظهره ويحرث عليه الى بزوغ الفجر. هذه المرّ ة جاء الصوت عذبا رقيقا رخيما بلغة لا يفهمها البشر، والملا ينظر، ولا يشعر بالوقت الذي سرقه الى ان شحبت العتمة، رويدا رويدا اطمأنّ قلب الملا.. وزال عنه الخوف، هو في الجنّة. المكان مفتوح أمامه. الحوريّة تمتطي القنطرة كالفارس. شعرها ينسدل الى اسفل ركبتيها. وجه نورانيّ رائحة ياسمين، عنبر يذوب. والحورية تضرب بيديها وتدفع راحتيها نحو الملا:

يا ملا ياعلوان قنطرتي من ريحان

تاخذها من عندي تعطيها للحلوة

قنطرة الملا او الحوريّة لا يهمّ، بل المهم انّ رقيّة التقت عبد عبد، هناك على انفراد، فعرفت أنّها ورثت القنطرة بعد تلك السّنوات من الحورية. لحظات دام اللقاء، مع ذلك كان الحلم الجميل يضمّ جنحيه على قلق، وهواجس أقرب الى المحال، لأنّ مهام عبد الكبيرة واعجاب الحاج به لا يغطيان نسبه المجهول. القرية ترى الثلاثة غرباء عنها، آوتهم في ظرف غامض، وكم من مرّة ترددت، وهي تسأله:

- من انت حدثني عن نفسك،

فبدا كما لو انّ صدره يضيق وخيّل الى الأب الشيخ انّه يتمرّد، فالسؤال بحد ذاته كان مفاجئا:

- لماذا لاتفكّر بالزيارة ؟مجرّد زيارة!

فتساءل الشيخ بحزم:

- هل جدّ شيْ ما؟

- قلت زيارة لعلّ الأمر يتمّ على خير.

- بيتنا هنا. وطننا هنا. مأوانا هنا الم تشتر بيتا؟

- لا يكفي. الناس يسألون من نحن؟

- يكفي انّك تعرف من انت.

- حتّى الغجر لا يأنفون من ذكر اصولهم.

- لكنّ للضرورة احكامها.

في عيني عبد شيء ما، التردد، الخجل.. الخوف.. من الشيخ.. وقبل ان يفلت الزمام من الشيخ لجأ الى لغة التحذير:

- اسمع يا عبد. بكفيك ان تفهم لغة الاشارة. انا ميت. معكم ولست معكم، فالأعداء قتلوني ولم يقتلوني.

على ايّة حال عبد يتغير يوما عن يوم، يزداد شرودا، وتنقلب حدّته الحلوة المعهودة الى ضيق صدر. في السابق لم يكن ليجادل الأب الشيخ، فبعد الاستقرار في بيت جوك، انصرف الشيخ الى تأملاته وصمته. اعرض عن الكثير، ونطق كلمات تنبع حكمة صافية ومعرفة، والمفروض ان يميل عبد الى الاستقرار بعد كلّ ما حدث، وللمرّة الاؤلى تعترف رقية لأحد انّها كادت تطاوع عبد، فأدركت الداهية ايّة كارثة ستحدث في بيت جوك فيما لو طال العمر بالابن. غاية ما انصرف ذهنها اليه انّ اخاها يزوغ الى مكان خرجوا منه ان حالفه الحظ واهتدى اليه فيخلط الاوراق من جديد، وما كانت الصورة لتكتمل في ذهنها لولا اعتراف الشيخ قبل ان يموت، والسرّ الذي باحت به لها الحاجة رقيّة. لقد انتهت حياة الاب العنيفة يوم ظنّ الناس انّهم قتلوه، ووقفوا في العتمة يلتمسون بركاته، وهو مرتد ملابس الضحيّة، فبفضل الوليّ الشيخ اهتدوا الى مجرم عنيد ومزّقوه اربا اربا،، عندئذ أدرك الاب الشيخ انّ في ظهور هؤلاء الأعداء بذرات خيرة، حتى خشي ان يطلع الفجر، فيبين لهم وجهه، والداهية، مهما شحذت ذهنها، فهي تظل لا تعي كثيرا من الاحداث، حقائق غائبة عنها، ودت ان تسأل أباها فيها، خاصة بعد ان لاذ بالتأ ملّ، لكن الوفاة داهمته فجأ ة، فضاع كلّ شيء. وإذ كشفت النقاب عن عالم الحاجة، فكأنّها استعادت ذاكرتها هي. كان لا بدّ ان تبسط عينيها الى عالم بعيد، يسري في الطفولة الى ما قبل الحلول بأرض بيت جوك. ذكريات اجبرت عليها نفسها، وهي تنصت الى الحاجة رقيّة. كانت طفلة عمرها ثلاث سنوات فقط. فتحت عينيها على زمن الرحيل، والعنف، وكا ن فارق العمر كبيرا بينها وبين أخيها عبد. تكاد تكون ابنته، فمن هي امّها، ومن هي امّه. ربّما ينتميان الى أمّ واحدة، ولعلهما من أُمّين سباهما الشيخ نفسه، أو.. بالتبنّي، لم يحدّثها عن امّها رغم التصاقها الشديد به، ولم تسمع من عبد حديثا يخص الموضوع، لو امتد العمر بهما لأثارت الحديث، كان الشيخ لهما امّا وأبا. كانت تجاهد شوقها في ان تعرف كلّ التفاصيل واذا بها تودّ لو اصابها صمم. اخوها عبد يريد ان يحدث أمرا ذا بال في(بيت جوك) كما لو انّ الاستقرار والهدوء يكبلانه بقيد ثقيل لا يقدر عليه، فلا الارض، ولاالبستان الذي ملكه يضفيان عليه هالة من الاستقرار مثلما صبغت الملابس الجديدة ولو على مضض الاب الشيخ بمسحة من الهدوء، وكما تسقط صخرة في بئر ذي ماء راكد طالعها بقوله:

- ليس هناك من حل سوى الرحيل !!!

- ماذا ؟

- قلت نرحل الم تسمعي؟

- لاأصدّق.

- إنّه الحل الوحيد.

- هل أعيتك السبل؟

- حتى لو كنت اعرف من اين جئنا لما فعلت لانني اعطيت أبي الشيخ وعدا.

ترددت في البداية، وقلبت افكارها. سرحت مع هواجسها بعيدا. اية حياة ستعيشها في احضان رجل غير عبد. تعرف سلفا لمن تكون. النمر. .. ثمّ لانت أخيرا. كانت تدرك جيدا ايّ صنف من الرجال هو خطيبها. ليس بالغريب عنها، فبغض النظر عن موقفه من أهله، فهناك رابطة الدم التي تجمعه من جهة الأمّ بالحاج ألأمر الذي جعل أعما مه يلمزونه في أثناء الوقائع القديمة بالمثل الشائع: ثلثا الولد على الخال، وقبل الكلام في الخطبة وشيوع أمرها، اعتاد الحاج عباس ان يستقبل النمر في بيت جوك التي ما فتئت تحلم بمناطحة مناطق البصرة الاْ خرى خاصة بعد حصوله على لقب(باشا). كان يبدو واسع الصدر لايستأ ثر برأيه. بارد. هاديء، والبرود والهدؤحققا له من المكاسب خلال مدّ ة قصيرة ما لم يتحقّق لغيره. كانت رجلاه في البصرة وعقله في بغداد، وحين سأ له الحاج خلال جلسة عائلية ذات مساء عن عدم رغبته في الترشيح للوزارة او البرلمان، أجابه أنّ الابواب مشرعة الآن للوجوه التقليديّة. آل الجلبي. باش أعيان. آل خضيري... انّهم أسنّ من النمر، فليتقدموا، وحين تُستهلك وجوههم، يجدهم نزلوا له مرغمين، معنى ذلك انّ المدّة تطول وسوف يبقى أطول فترة ممكنة، وعندما سأ له الحاج متى يتوقّع ذلك ردّ بثقة : في نهاية الخمسينيّا ت!. كان صبورا كالجمل يجاري أصدقاءه، وأعداءه، كلّ شيء لابدّ ان يأ تي في حينه، والمعروف عنه أنّه يحسب ألف حساب للعادات والأعراف. رفض ان يخلع الجلابية ويبدلها بالبنطلون، وتواضع للصغير والكبير الى جانب ذلك اختلف نمط تفكيره عن أثرياء شطّ العرب من ملاكي البساتين. لم يكتف بالأرض، فاشترى سفينة(دوبة) تنقل البلح الى البحرين، وتعود با لسمن، وعلى الرغم من وضوح النمر، وتواضعه الا ان هنا ك أمرا جهلت سببه قرية بيت جوك وهو زياراته السنويّة كلّ عام للندن حيث يظل شهرا او يزيد، فمن يرى أنّه يذهب لمتابعة علاج لمرض مزمن، ومن يذهب إلى أنّه ينفس ويروّ ح عن نفسه فترة الزيارة حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت، وتميل طائفة أخرى الى انّه يحضر سنويّا دورة تأ هيليّة تعدّه لمنصب مرموق في المستقبل. المهمّ أنّ(النمر) كان يمثل طموح شطّ العرب كلّها في الاطلال على بغداد من شرفة نهر جاسم، ولم يقتصر هذا الطموح على مؤيديه بل يشترك فيه حتّى الاعداء الذين يبحثون عن معا يبه، ومثا لبه، وكان الحاج بمنا سبة أو غيرها يتلو على مسامع ابنته تلك الفضائل، مع اعتقادها الراسخ في انّها لاتجرؤعلى أن تقول(لا) أو تعترض، وما كانت لتريد ان تقول لا.. ابدا، فهي لاتكرهه، ولا تحبّه، وتحمد الله على انّه قريب العائله، يزورهم، فتراه، من دون حجاب، وإلا كان شأنها في الزواج شأ ن أية فتاة من بنات بيت جوك لا تعرف من هو عريسها إلا ليلة الزفاف، هي ارادة الله شاءت أن يظهرعبد في حياتها لتستيقظ كوامن كثيرة في أعماقها، فتحسّ أنّها تعترض، وتستطيع أن تقول لا أو نعم باختيارها حتى لو همست باعتراضها مع نفسها، وقد آن الأوان لتقول لعبد نعم آن الأوان. الرحيل، وليكن مايكون…

ذلك، وهي تهمس الكلمة باذن عبد، ثمّ تفلت من بين ذراعيه، وتعود عبر القنطرة، غفلت عن عينين تطلانّ عليهما، هما غير عيني الداهية، كان شبح النمر يحث الخطا بين النخيل، فيسبقها بمسافة غير قصيرةالى الطريق المحاذي لضفة نهر الكودي. ترددت تحبس أنفاسها عند الساقية، وتساءلت "هل كان هنا"؟هل سمع أو رآى؟ منذ متى وهو يقتفي الأثر؟، وحاولت ان تقتنع: ربما كان مروره عابرا. الآن البصر وقع عليه وهو يمشي أو يتخفّى بين النخيل، وما الصوت الذي قطع عليهما حلمهما وهي مع فارسها إلاّ حجلة أو طير ما انحشر داخل الأجمة، فذعرت له.

هكذا خيّل اليها وان بقي في نفسها شيء ما تثيره الوساوس. وحين هبط المساء، وعاد الحاج عباس الى البيت، قرأت العاشقة قلقا ما تخفيه سحنته الحائرة. بدا مضطربا يهمّ بالكلام، ويعرض عنه، أو يماري ان يكظم غيضه، وقال وهو يتصنّع البرود:

- غدا صباحا نستعدّ للذهاب الى العشار. سأشتري لكم ملابس ولوازم. صحيح انّ المكبس هذه الأيام بحاجة اليّ لكنّ البركة في عبد فهو بمنزلة ابني، وقد أمنته على مالي وعرضي، وهو كفء لذلك، كما أثبتت الأيّام.

تلك الليلة لا تنسى اذ جاء عبد متسللا الى البيت. الكلاب لزمت الهدوء لأنها الفت رائحة الشبح الغريب، وبعض أهل بيت جوك يطلقون على النمر لقب"كلب الإنكليز". كيف هداه أنفه الى الأجمة ؟الآن خلا الجوّ، فلا حاسد ولا عذول، هيّا.. هيّا.. الوقت يحاصرنا، أنا معك، فوضعت يدها بيده وسارا باتجاه البستان. كانت الداهية بانتظارهما. قصد الثلاثة الاب الشيخ، وامامه صرخ عبد:

أمرتني من قبل وآمرك الآن. قلت الق سلاحك واتبعني. اتبعني. اتبعني

فلم يتحرّك الشيخ قيد أنملة او ينطق ببنت شفة. كان ينظر بعينين جاحظتين، حائرتين، وسقط على وجهه من دون حراك

قبل ان يلمسه أحد. الأب مات. الشيخ.... ومن هول المفاجأ ة ضرب عبد جبهته بيده، وصرخ: أفي مثل هذا الوقت؟ ايعقل ذلك؟

وفي لحظات انقلب الحلم الى طعم مرّ: فرّت الغزالة بعيدا عن يدي عبد. النجوم عند قنطرة الحورية انقلبن الى ساحرات متلفعات بالسّواد، يلدن نجوما سوداء، وحمراء، بالوقت نفسه، يلدن، فيفرشن على القنطرة، مواليدهنّ، ويذبحنهنّ، بمخالب كالمدي، في حين راحت الجثث تغني بالرؤس المقطوعة:

آني طير أخضر امشي واتمختر

امّي كتفتني ابوي ذبحني

اختي العزيزة لمّت عظامي

وعلى انغام الرؤس بكين، وصرخن، وندبن. رحن يضربن بالدفوف. كانت بين أيدي الساحرات، وشرطهن الوحيد على النمر إمّا أن يقتلن سبيّة الحرب أو لن يتزوّجها إلاّ أن تكون عاقرا. ووافق. وافق من دون تردد، وها هي تخشى أن تنزل عليها أيّة ضّرة، لكن حلمها البغيض انقشع حيث أطلّ الفجر...

فنهضت مرعوبة،

وانسلّت بصمت...

وكا نت تستقلّ مع العائلة زورقا الى العشّار.

وفي اليوم نفسه بعد منتصف النهار، ورقيّة بعيدة عن"‏بيت جوك"، دوّت طلقة عند أجمة البردي... وفرّ شبح ملثّم هاربا كالذئب، فلم تتبيّنه عينا الصبيّة التي فرّت كقطة مرعوبة، ثمّ شاع في القرية أنّ غريبا أو غرباء تتبّعوا عبد فاغتالوه في"بيت جوك"

أوّل جريمة في هذه القرية الصغيرة التي فتحت عينيها على الهدوء والأما ن....

فصدق الناس كلّهم الحكاية، وكان الحاج عبّاس وعائلته اخر من يسمعون بالخبر... ما عدا رقيّة إذ وخزها قلبها أنّ أمرا ما سيقع في هذا اليوم، ولتستفيق من حلمها بعد سنوات طويلة مأهولة بالحيرة على خبر تزفّه لها شقيقة الغالي الداهية:

- سأكون لك ضرّة!

فابتسمت الحاجة، وأخذت احداهما الأُخرى بالأحضان.

 

د. قصي الشيخ عسكر

...............

فصل من رواية: نهر جاسم

 

صحيفة المثقفلعنْتُكم،

طعنْتُكم،

صفعتكم،

بصقتُ في وجوهكم،

زرقتُ في عيونكم

كلَّ ظلام الليل والنهار في العراقْ،

دسستُ في أنوفكم

كلَّ النفايات التي تعجنها مزابل العراق،

غرزتُ في آذانكم

أقسى شتائم المعذبين في العراق

يا بؤرَ النفاق

يا مسخاً يعافها البصرْ،

يا أقذر البشر

ما حبكم،

ما كرهكم،

ما عرفكم،

ما نُكركم

سوى فقاعاتٍ من العفنْ

تطفو على مستنقع الزمن.

واحدكم يذوب في حذاءْ

عاهرةٍ،

أحقر ما تملكه حذاء

يا برك الفساد

من ألفِ ألفٍ وأنا ألعنكم،

أطعنكم

بكل ما أوتيتُ من سلاحْ

لكنكم

ولا شريحة ٌ من الجراح

لأنكم

بلا أحاسيس، بلا ذممْ

لأنكم عدم ...

لكنني،

يا أخبث الذئابْ،

سوف أظلّ ألعنُ،

سوف أظلّ أطعنُ

بكل ما لدي من حرابْ

حتى تعودوا جيفاً تعافها الكلاب ...

 

شعر: د. حسن البياتي

 

صحيفة المثقف

يطوي بنا الدربُ

أم نمشي به نحنُ

طود براه العمر

صنو به   يحنو

خلَّـتهما الدنيا

بيــــتاً به لحــــــنُ

*

ظلان فوق الدرب

مرّهما

سحابة بيضاء

في رونق الضحى

طيران فوق الماء

في زورق يحبو

يهتز عرفاهما

تحتج أضلاع

وينتهي الوصفُ

*

فتشتكي الرصفُ

من جزع الطريق

من قدم تهفو

من حلم يغفو

تلتحم الجفون

أسيرة

فالحلم لمّا يزل ما خلفها

يدور

كلوحة مائية لعينة تمتد

لا انتهاء

للونها

وريشة الفنان

أتعبها الحضور

*

ظلهما واهٍ

كجملة ممحوة

من دفتر الزمان

حولهما

من وجلٍ

ترتعد القلوب

إذ هالتان من وَنا شفيف

تلتمسان

لحظةَ العبور

***

سمية العبيدي - اسطنبول

 

 

جوزيف الفارس(المشهد السادس)

(نفس المشهد، عمال كثيرون وهمسات واصوات همهمات وحركة غير طبيعية على ظهر المركب،)

القبطان: (يظهر مفتعلا الحزن والالم)

الخادم: (يؤشر بيديه و غايته اسكات العمال والبحارة) اصغوا ايها الاخوة، اعيرونا اسماعكم .

المراسل: (يصرخ باعلى صوته) ياامعه، التزموا بالصمت .

القبطان: (يلطمه على رقبته) لا تهين عمالي .

الجميع: (يلتزم بالصمت)

القبطان: (يؤشر بالهدوء والسكينه) ايها الاعزاء، ايها الغالين على قلبي، لا احب الوقوف الان امامكم، وحنجرتي مليئة بنيران الاحزان على خبر مؤلم، انه الخبر الذي سانقله لكم هو خبر رحيل فقيدنا وعزيزنا رئيس العمال الى عالم الخلود،

العمال: (همهمة واصوات مختلفة) ماذا؟

الاخر: ماذا اصاب رئيس عمالنا؟

الاخر: من قتله؟

القبطان: لم يقتله احد، انما هو اختار الحياة الاخرة، وبالرغم من توجيه نصيحتي له وارشادي الابوي ومنعه، الا انه لم يعر لي اذن صاغية لي، فكان له مااراد، لقد استيقظ في وسط هذه الليلة وكانه يبحث عن نهايته المحتومة بيديه، لقد استيقظ ليخبرني عن رغبته في السباحة في هذه المياه القاسية، وبالرغم من نصيحتي له، الا انه لم ياخذ بها، وهكذا كان له ماراد راميا نفسه في قاع هذا المحيط واذا فجأة بسمكة القرش كبيرة ومفترسة حادة الاسنان وقوية الفكين، تطبق على جسده (يبكي بافتعال) وابتلعه، وهكذا افل هذا الكوكب، وفقدنا اخا وعزيزا على قلوبنا، وليس لنا الا الدعاء بالرحمة له، والراحة الابدية لروحه الطاهره، ولهذا ارتايت وللمصلحة العامة، ترشيح الاخ العزيز البحار اكس، ليحل محله، ونحن من وراء هذا لا نبغي الا التعجيل بتوصيلكم الى بر الامان، وانا لله وانا اليه راجعون (يختفي ليدخل الى كابينته) .

العمال: لنقتل القرش المفترس، لنقتل هذا الخطر المحدق بنا .

الاخر: ليس لنا حياة امنه على ظهر هذا المركب، ان لم نقضي على هذا القرش المفترس .

رئيس العمال الجديد: (بحذر وانتباه ملتفتا الى كابينة القبطان، وبصوت خافت) السكوت والهدوء، ليس العبرة القضاء على هذا القرش الذي في البحر،، انما انتبهوا لي لما ساخبركم به، هنا وعلى ظهر هذا المركب قرشا مفترسا اشرس واخطر من ذالك الذي في البحر،

احدهم: (باستغراب) ماذا تقصد ياسيدي؟

رئيس العمال: كل منا يبحث عن الخلاص والنجاة، انما نحتاج الى شيئا من الفراسة والحكمة والبصيرة الثاقبة في تحليل الكثير من ردود افعال رؤسائنا واللذين نصبوا انفسهم اسيادا علينا ومن دون شرعية منتهكين حرمة قوانين وانظمة الدستور ورميها في عرض الحائط، اننا ايها الاخوة نحتاج الى شيئا من الشجاعة واتخاذ مانراه صائبا وحكيما والاخذ به، نحن يااخوتي عشنا حرمانا وحياة ميئوسة منها، حياة مليئة بالبؤس والشقاء، وهذا ليس بارادتنا، وانما فرض علينا ومن دون ارادتنا، ابحثوا ايها الاخوة عن الاسباب، وثوروا ضد كل ماهو ضد ارادتكم، وتهديم كل الحواجز التي تقف بينكم وبين تحقيق طموحاتكم في الحياة السعيدة، انكم احرارا ايها الاخوة وليس من قيد يقيد ارادتكم ورغبتكم من اجل تحقيق حياة سعيدة ويوم افضل مما هو عليه الان على ظهر هذا المركب، فانهضوا يااخوتي، وهبوا هبة واحدة من اجل الحرية والانعتاق،

العامل: كلامك صحيح ياسيدي، الحياة غالية والاخرين يستهينون بها،

رئيس العمال: تصدوا لكل من يستهينوا بحياتكم وقدراتكم .

العامل: في وقت ما وقعت اعين القبطان عليا وناداني (يقلده): تعال ياهذا ، مكلفا ايايا حراسة كابينته، وانا مستغربا من هذا التكليف .

رئيس العمال: لتمنع العمال من اقترابهم من كابينته؟ ومن يتجرأ على الاقتراب منه؟

العامل: اراد ان يمنحني فرصة لمد جسور الثقة مابيني وبينه .

رئيس العمال: هو بالحقيقة، لا يخطو اية خطوة، مالم يحسب لها الف حساب .

العامل: الا انه كافئني !

رئيس العمال: اعتقد انها كانت مكافئة قيمة .

العامل: قيمة وثمينة ومؤلمة، عشرون جلدة على جسدي، لذنب لم اقترفه .

رئيس العمال: وما هي جريمتك لتستحق هذا الجلد؟

العامل:صدقني لا شيىء، انما ادعى انني كنت استرق السمع من كابينته .

رئيس العمال: ومع من كان يتحدث؟

العامل: (بتردد) كلا ياسيدي قد اكون مخطئا .

رئيس العمال: تكلم، صارحني، لا تخاف .

العامل: على مااعتقد انها كانت سيدة كانت معه في الكابينة .

رئيس العمال: (باستغراب) سيدة في كابينته؟

العامل: نعم، من حديثهما، علمت انهما كانا يتبادلان اطراف حديث العشق والغرام .

رئيس العمال: وانت تسترق السمع؟

العامل: كلا ياسيدي، لم يكن هذا هدفي ، وانما بحكم وقوفي قرب الكابينة لحراستهم، وصلتني مناجاة عشقهم وهيامهم .

رئيس العمال: نصيحتي لك، احذر التقرب من المسؤولين المتنفذين وكسب مودتهم يصورة غير شرعيه وان فعلت هذا، فسيكون ذالك على حساب كرامتك ومذلتها .

العامل: كلا ياسيدي، سترضى عني انشاء الله .

رئيس العمال: وهذا املي فيك .

السكران: (احد البحارة وهو يترنح نتيجة احتسائه الخمر بكثرة، وفي يده زجاجة الخمر، وهو يغني) الله ياشفاء العاشقين ودواء الهائمين المحبين، اشتاق اليك ولروحك ولانفاسك، ولاناملك تداعب شعري، لانفاسك الجذابة كقلبك فيه سحر وحب وعطر، وشهوات جسد تنبعث منه حرارة دفىء المحبين العاشقين الصادقين في ليلة شتائية، لماذا؟ لماذا باعدتنا الايام وظلمتنا؟ لماذا عشنا في اوهام وانحرمنا؟ حبنا كان اية للمحبين، كان مراة للعاشقين، كان عنوانا للمعذبين،، هكذا ياحبيبتي ذبلنا كما ذبلت اوراق الياسمين، هكذا هي الحياة يامليكتي، لقاء وحب وفراق، وعذاب واهات وممات، ولا يبقى من الدنيا سوى الذكريات، ايتها الزجاجة الملهمة لاشعار العشق والغرام، (يلاحظ رئيس العمال ومعه العمال) انتظري، بالله عليك ياصديقتي ومليكتي، انتظري، هاهو رئيس العمال الجديد سيقرأ عليا جنجلوتيته، من البداية وحتى نهاية ماحرمه الله علينا وحلله عليهم، تفضل ياسيدي ان اذناي تصغيان اليك (يقترب منه) وقدماي متوجهتان اليك، فاقذف ماعندك في وجهي من الشتائم وقباحة الكلام (يضحك مستهزءا)

رئيس العمال:(الى السكران) كالعادة انت سكران !

السكران: بل قل كالعادة انك ولهان، ومتى مافارقتني هذه الزجاجة، ساعيش حالة من الحرمان، فلا تحرمني من متعتي وصحوتي .

رئيس العمال: (مستهزءا) صحوتك؟! واية صحوة هذه التي لا تجعلك ان تفرق مابين الاسود والابيض؟

السكران: كلا ياسيدي انك مخطىء، فكيف لا افرق مابين الاسود والابيض، البابنجان اسود، والبيض ابيض، فالبابنجان يخرج من الارض، والبيض يخرج من ال: (يضحك) كلا حرمة للسيدة الدجاجة واحترامي لها، لا استطيع ان اتفوه الفاظ سيئة بحقها، وسيبقى هذا السؤال من دون اجابة ، انما هي مشكلة يجب ان يتدارسها مجلس اصحاب الكروش الكبيرة، واصحاب العقول النيرة، وان تعذرعليهم ، فاليحيلونها الى الجمعيات العالمية للرفق بالحيوان، انما هي مشكلة وستبقى مشكلة يصعب حلها، مسكينة السيدة الدجاجة، فان كانت البيضة كبيرة، فكيف ستقذفها الى الخارج وعن اي منفذ ؟ تلك هي العلة يانفسي رئيس العمال: تعال وشاركنا الجلسة .

السكران: اتسمح لي يالسؤال؟

رئيس العمال: لك ماتريد .

السكران: اهي جلسة سياسية تامرية، ام ماذا ؟

رئيس العمال: ويحك ياهذا، ماذا دهاك؟

السكران: الحق حق ياسيدي، لاتاكد اولا، قبل ان اصبح طعاما لقرش البحر !

رئيس العمال: انا من حرصي عليكم، وخوفي من ان لا يكون مصيركم طعاما لاسماك القرش، ادعوك ان تجلس بجانبي وان تشاركنا الحديث .

السكران: امتاكد من انك لا تضمر لنا شرا و توقعنا في شراك نصب يهلكنا ويقضي علينا؟

العامل: هيا يااخي، وامتثل لاوامره، انه رئيسنا الجديد، رئيس عمال هذا المركب .

السكران: من؟ اقلت انه رئيس العمال الجديد؟ على الرحبة والسعة، اامر ياسيدي .

رئيس العمال: هيا اقترب واجلس بجانبي .

السكران: كلا، احب مجالسة هذه الزجاجة واختلي بها، انها تخفف عني هموم الحياة وتؤنسني .

العامل: تعال واجلس معنا، لنتسامر مع اجواء انسام المحيط .

السكران: قل لي، انت من هذه الجهة (يحاول الاشارة الى جهة اليسار) ام من تلك الجهة (يحاول الاشارة الى جهة اليمين) .

العامل: لا افهم قصدك، ماذا تقصد؟

رئيس العمال: يقول انك يساري ام يميني؟

العامل: (وكانه علم مايقصده) هه هه ! لست من هذا ولست من ذاك .

السكران: اذن انت من اللذين تلعب على الحبلين او انك من اصحاب الحلول الوسطية (يؤشر باصبعه) .

العامل: خير لك ان توفر معلوماتك لنفسك

رئيس العمال: لقد اخبرك صديقنا انه لا يميل الى اية كفة ميزان .

السكران: اتقصد انه فوق الميول والاتجاهت؟

رئيس العمال: صدقت .

السكران: (يضحك) رحمه الله، كان هذا هو شعاره، اضافة الى هذا، اضاف شعارا اخر الى شعاراته، عفا الله عما سلف، الا انه لم ينفذ من حتفه الاخير على ايديهم .

رئيس العمال: من هو؟

السكران: مامن احد، سوى انها كانت حكاية من حكايات هذه السفينة، وتلتها حكايات كثيرة وغير مستقره، والان ياعزيزي، هات ماعندك، فانا ساجلس بالقرب منك لاسمعك جيدا، تكلم ياسيدي، انني مصغي اليكم .

العامل: لي كلمة ياسيدي احب ان اوجهها الى اخي السكران .

رئيس العمال: تفضل .

العامل: لكي تطمئن لي ويستقر ذهنك على تفسير ميولي واتجاهاتي، فاعلمك، وبملىء ارادتي، وانا في كامل قوايا العقلية والنفسية، بانني اسير بخطواتي على استقامة واحدة ومن دون تعرجات قد تودي بحياتي .

السكران: مخطىء، ثم لست وحدك من يفكر بمثل هذه الاوهام، ان شئت ام ابيت، فالعدالة السماوية خلقت في هذه الدنيا كفتين متصارعتين لتحلو الحياة، وكل كفة تحاول استمالتك الى جانبها، وان رفضت، فالويل لك، ستصبح من المتامرين على سلامة هذا المركب وامنه .

العامل: اطمئن، فانا اتجنب مثل هذه الامور .

السكران: لا تستطيع، لا تستطع وانت تواجهك مغريات شتى تعمي البصيرة وتفقدك السيطرة على ارادتك، ستواجهك وعودا كاذبه وتنخدع فيها، وستنساق ورائها، الا انك ستصطدم بواقع مرير، لا يروق لك . (الى رئيس العمال) انت ياسيدي، الاحظ بان صيوان اذنيك قد انتصبت لتستقبل هذا الحديث، فما هي وجهة نظرك؟

رئيس العمال: بالحقيقة:

السكران: (مقاطعا) نعم نعم، انا اعلم بانك ستبتدىء بجنجلوتية كبيرة وعريضة مقدمة لبداية حديثك، الا اننا سوف لا نفهم منها شيئا، كأنك ستقول (يقلده) بالحقيقة والواقع اننا سوف، وانني ساعتزم، سابني لكم،:: ومن بعدها سيقطع حديثك تصفيق حاد يبدأها ابناء الملاعين من اعوانك، لا لشيىء، سوى لانك قد استوقفتك عبارة لم تتذكرها، واذا باولائك الملاعين من اعوانك سيساعدونك على التذكير بالعبارات الاحقة، وبهذا سيساعدونك على التخلص من هذا الموقف المحرج، والان هات ماعندك .

رئيس العمال: نعم نعم، انني بالحقيقة:

السكران: (مقاطعا) اية حقيقة هذه ياسيدي؟ طعام المعلبات الفاسدة والتي انتهى مفعولها الصحي؟

العامل: يااخي، دعه يكمل حديثه ويفصح عن افكاره ومشاريعه واصلاحاته .

السكران: نفس الكليشة للاعلانات التجارية في عالم السياسة، كل منهم لديه اعلانات تجارية يخطونها على لوحات وبوسترات ليعلنون عن بضاعتهم التسويقية، واذا جئت الى الحقيقة، فليس هناك شيئا جديدا سوى ان الوجوه تتبدل بوجوه جديدة، انها لعبة شطرنجية يلعبها الكبير، كش الملك، مات الملك، جاء الملك، وهلم جره، ونحن الضحية، (بعصبية) نعم يااخي نحن الحطب الذي يحترق من اجل ان يعتلوا مناصبهم، وعندما يمسكون بالكرسي، والمدعومين به من الكبير، سيصبحون مطية لهذا الكبير، صحيح انهم سيعتلون الكرسي، انما الكبير سيركب على ظهورهم وسيسوقهم وحسب اهوائه ومخططاته، انما هم فقط الواجهة البراقة والتي ينخدع بها من مثلنا وامثالنا .

العامل: من كلامك افهم انك ايضا ضحية من ضحايا هذا الوضع الخسيس والذي نعاني منه جميعا، مارايك لو انك انضممت الى فريقنا؟

السكران: (يضحك مستهزءا) واي فريق؟ الذي يهتف باليا يعيش واليا يسقط؟

العامل: كلا نحن لا نمارس السياسة، انما نتحد من اجل المطالبة بحقوقنا .

السكران: وممن؟ وعن طريق من؟

العامل: (يؤشر على رئيس العمال) عن طريق هذا الاخ، رئيس العمال الجديد في المركب .

السكران: (مستهزءا، وبلهجة شعبية بغدادية) لا قيم الركاع من ديرة عفج .

رئيس العمال: اسمع ياخي، انتم ضحايا الكثييرين من اللذين خدعتم بهم، الحق الى جانبكم، فاخرجوا اصواتكم وطالبوا بحقوقكم وانا في مقدمتكم ساتصدى لكل من يحاول المساس بحياتكم، كنتم ضحية وعود كذابة، وحينما اعتلت اصحابها قمة الهرم اصبحتم انتم تحت اقدامهم لا يعيرونكم اي انتباه .

السكران: الجميع هكذا ياسيدي، وجهان لعملة واحدة، نحن عبارة عن سلالم صعودهم،، ويل لنا من انتظارنا لهذه الوعود و لقد نفذ صبرنا، وخابت امالنا، ومازلنا نتطلع الى الفارس الموعود، ليمنحنا الحياة السعيدة ويكسر قيودنا لنسير باتجاه الحرية التي نحن موعودين معها .

العامل: فقط لو انك ترمي هذه الزجاجة من يديك، وتكتفي بهذا القدر من الشراب !!!

السكران: (يبتسم وهو ينظر الى زجاجة الخمر والتي بين يديه) حريص عليا يااخ؟؟ انا احييك، واقدم لك احتراماتي ان كنت صادقا بما تكنه لي، انما خوفي من انك قد انجرفت مع اللذين انجرفوا، والان، اسمحوا لي ان اترككم مع احاديثكم، وانا اغني مع نفسي وهذه الزجاجة العزيزة على قلبي (يبدا بالغناء وهو يبتعد عنهم) هيا يابدر الدجى، انشر ضياؤك على جموع الراحلين، والصاعدين الى العلا، حاملين متاعب همومنا على ظهورهم، وليس من يعيل عوائلهم سوى الامل ، القباطنة جمعهم متشابهون بالنهب والسرقة، انما لم نفقد الامل بالقبطان الحقيقي، والذي سيقود المركب الى بر الامان والسلام، ليشبع الجائعين ويروي العطاشى من العمال والبحارة ، ويكسو العراة ليقيهم قسوة البرد القاتل، ونحن على امل لهذا اللقاء (مرددا) ونحن على امل هذا اللقاء .

(موسيقى، اظلام تدريجي باستثناء بقعة ضوئية في اسفل

يسار المسرح، حيث يظهر القبطان في اعلى كابينته ومع نفسه، امام عموم ركاب السفينة من العمال والبحارة فنتبين اشباح اجسادهم بتسليط بقع ضوئية سبوت لايت، وهم منهمكين باشغال تهمهم وكل منهم وحسب مايوجهه المخرج من حركة مسرحية)

القبطان: واخيرا انا في قمة هذه السلطة القيادية على ظهر هذا المركب،وليس بوسعي ان افعل شيىء؟ كيف سانفذ وعودي لهؤلاء المعدمين من العمال والبحارة والعاملين على ظهر هذا المركب؟ سبق وان وعدتهم بتقديم افضل الخدمات لهم، وتحسين احوالهم الاقتصادية والترفيه عنهم وانا من جهة اخرى تحت اوامر المستثمر القاسية والتي لا يمكنني الانحياد عنها، ومن دون هؤلاء المعدمين من العمال والبحارة لا يمكنني مواصلة الابحار، انا من باع ظميره لخدمة الاسياد المستثمرين، والويل لي من غضب هذه الجموع الحاشدة ان ضاق بها الدهر، اذن لا بد من البحث عن منفذ نجاة لانقذ نفسي من مصير لا يحمد عقباه؟

السكران: (في اسفل يمين المسرح وتحت حزمة ضوئية قوية) هي انت الذي هناك، اتسمح لي بالحديث معك، اني اراك مهموما ومشغول البال، واذا لم اخطىء،اعتقدجازما انك تكلم نفسك .

العامل: (واقف بجانبه، وبهمس وحذر) ويحك ياهذا، ماشانك والقبطان؟

السكران: اصحيح؟ اهذا هو القبطان، انه جميل جدا، انظروا الى خديه كيف احمرتا من شرب النبيذ المعتق، ونحن نشرب من هذا النبيذ السيىء السيط .

العامل: هيا انفذ بجلدك .

السكران: ولماذا؟ ايكون هذا القبطان صاحب مدبغة للجلود؟

القبطان: (بصوت اجش ونظرات قاسيه) ماذا قلت ياهذا؟

السكران: عفوا ياسيدي، انهم يسمونني السكران، وهذه التسمية اعتز بها، لانني استحقها .

القبطان: ولماذا يسمونك بالسكران ؟

السكران: من اجل المصلحة العامة ياسيدي .

القبطان: وماشأن المصلحة العامة بهذه التسمية؟

السكران: حرصا على عدم تعرية السارقين والناهبين لرواتب هؤلاء العمال والبحارة، فلو كنت انا من الصاحين يامولاي، لحاولت تشخيص السرقة والنهب وتعرية اللصوص، ولهذا فمن المصلحة العامة ان اكون دائما في حالة السكر، اطمئن (يؤشر بيديه على فمه بالانسداد وعدم التفوه، ويتكلم هذه العبارة التالية باللهجة الشعبية البغدادية) صدكني اربع وعشرين ساعه مقفول، وهذا ايضا يدخل من باب الحرص على المصلحة العامة، والان جاء دورك للاجابة على اسئلتي يامحترم، نحن في زمن الديموقراطية، فلا تستغرب ان بادرتك بالاستجواب يا: سيدي (يلاحظ علامات الانزعاج والنرفزةعلى وجه القبطان) السؤال، لماذا لا تجالسنا وتشاركنا اطراف الحديث،لتتعرف على احتياجاتنا، اوليس هذا من مهام واجباتك ايها القبطان؟

القبطان: لقد اوكلت بهذه المهمة لرئيس العمال .

السكران: وهل منحته من الصلاحيات باتخاذ مايلزم من الاجراءات؟ ان يديه مكبلتين، ولسانه مقصوص بحد السيف، ولهذا تراه لايستطيع ان يحرك يداه، ولا ان يتخذ اي قرار يراه مناسبا لمصلحة العمال والبحارة ان لم يعود لاستشارتك !!

القبطان: لان نظامنا هذا كنظام مجلس الشورى، ولهذا يجب ان نتباحث فيما بيننا ويستشير واحدنا للاخر، كي يتسنى لنا قيادة هذا المركب الى بر الامان !!

السكران: اذن احدكم يكذب علينا، اما انت واما هو، طبعا اذا تسمح لي بهذه الجراة الادبية، لاننا في عهد زمن الديموقراطية ياسيدي، وانت من المشجعين لها، اليس كذالك؟ احلفك بشرف تلك الفتات التي تودي واجباتها الامينة والرصينة في كابينتك، من منكم هو الصادق انت، ام وكيلك هذا؟

القبطان: دعني انا اسئلك سؤالا، لربما انني قد تنازلت من موقع المسئولية، انما لايضر ذالك، لاننا في زمن الديموقراطية، ولهاذا رايت من الواجب ترجمتها على صعيد الواقع .

السكران: تفضل .

القبطان: (بعصبية ونرفزة) اتعتقد ان هذا المركب هو خان جغان؟ كل من يعمل على ظهر هذا المركب، لا يمكنه ان يتخذ اي قرار من دون الرجوع اليا .

السكران: كما انك لا تستطيع اتخاذ اي قرار من دون الرجوع الى اسيادك المستثمرين !!

القبطان: من اين اتتك هذه الجراة واعطتك الحق في مسائلتي؟

السكران: من خلال الديموقراطية والتي تنادي بها ليلا ونهارا، هذه الديموقراطية ياسيدي جعلتها فقط شعارا تخفي ورائها ويلات وكوارث انسانية لا حصر لها في العد والتعداد،

القبطان: انت تكذب، انا منحتكم الحرية على ظهر هذا المركب وانقذتكم من نير العبودية والدكتاتورية .

السكران:حريتك هذه والتي من خلالها، كبلت قيود العاملين المثقفين والمهرة من العمال اللذين اجتهدوا في سعيهم الدراسي للحصول على نتائج جيدة، متاملين منها خدمة هذا المركب وتكييف حياتهم على هذه الديموقراطية، فماذا كانت حصيلتهم؟ لقد اصطدموا هؤلاء البؤساء بديموقراطيتك التي اعلنت عنها، واصبح الكلاب المأجورين يسرحون ويصولون بحرية، والمخلصين العاملين ليس لهم الا ان ينفذون مايؤمرون به، ومن دون ان يتفوهون باية كلمة يدافعن بها عن ارائهم، اهذه هي ديموقراطيتك ياكابتن؟

القبطان: وكيف يكون شكلها اذن؟

السكران: (ينفجر ضاحكا) ويح لي، اتسال شخصا سكرانا عن الديموقراطية؟ فاليكن، مع انني متاكد، بان نهاية حياتي ستكون في قعر هذا المحيط، انما لا يهم، الاف الضحايا من اللذين شنقوا ظلما على اليابسة ولم يهابون الموت، ومهزلة الجلادين اللذين يخفون اوجههم باقنعة تخفي ملامح الخوف والرعب من هذا المشنوق (يضحك مستهزئا) فاليكن جسدي جسرا تعبر من عليه الالاف من هؤلاء العمال والبحارة، وانا سعيد في مثوايا الاخير، صدقني ايها القبطان، نهاية كل حر صادق جريىء، هو قاع المحيط، افضل من اللذين يهتفون باسمك جبنا وخذلانا، واما الاحرار من الكادحين ياقبطان من اللذين قيدتهم واخفيتهم في سراديب هذا المركب هم ضحية هذه الديموقراطية المستوردة من خارج هذا المركب، لا تقل عني هذا سكران انما صدقني، ان الحقيقة والصراحة لا تخرج الا من افواه السكارى، وهاهي يدايا وقدمايا تفضل وقيدهما بالاصفاد والقيود، ودع جلاوزتك يرمونني في قاع البحر لانني لست افضل ممن سبقني الى قاع هذا المحيط، واما انت، ابقى وردد: الشهداء اكرم منا جميعا، واعلنها على لافتة كبيرة وعريضة تخدع بها هؤلاء المساكين، وانت متربع على عرش قيادتك ايها القبطان لخدمة اسيادك المستثمرين لاستثمار هذا المركب، واما اولائك العمال والبحارة تسفك دمائهم ويصبحون في ذمة الخلود، وانت تردد الشهداء اكرم منا جميعا .

القبطان: (بعصبية) سالقنك درسا ايها المتامر على سلامة هذا المركب (ياخذ مسدسه من جنبه وبرمي السكران بالرصاص فيرديه قتيلا) اصوات الامواج الهائجة تعلو وصوت صفير المنبه للباخرة يصفر ويزمجر، ممتزجة مع موسيقى مناسبة لنهاية المسرحية)

( انتهت)

***

تاليف جوزيف الفارس

 

عطا يوسف منصورضفافُكِ حينَ تَمطُرُها القوافي

                   أشِمُّ عَبيرَ جَنّتِها الخُرافي

وتَلتَئمُ الغيومُ نَديفَ شوقٍ

                   تراكَمَ جمرُهُ فوقَ الشِغَافِ

حُروفًا بلْ قُطوفًا في عُرُوشٍ

                   لأجَني جَنيها ولها قِطافي

لأهديها الحبيبَ إذا استقاها

               نَميرًا مِن مَعينِ الحُبِّ صافي

وغاليتي تروحُ بها وتغدو

               فَتُمرِعُ في سوانِحها اللطافِ

عليها قد جَعلتُ العُمرَ وقفًا

                     وزيّنتُ المآربَ بالعفافِ

وحُبّي ما يزالُ وسوفَ يبقى

               نديًّا في الرخاءِ وفي الجفافِ

أحِجُّ الى الحبيبةِ وهي عُمري

                 وحَولَ رُبُوعِها أبدًا طَوافي

فألثمُ ثَغرها وأشِمُّ نَحرًا

               وأجمَعُ في قوادِمها الخوافي

هنالكَ تَرشحُ الذكرى حنينًا

                     تُلَمْلِمُهُ جِراحاتُ المنافي

وتَنطلقُ القوافِلُ وهي ظمأى

               بصحراءٍ تجوبُ بها السوافي

عسى تحظى بواحاتِ الاماني

                 على أمَلٍ عفا وسَلاهُ عافي

لأحملَهُ الى وطنٍ تَردّى

               على أيدي الجُناةِ وكُلِّ جافِ

الى دركٍ وقامَ عليهِ ناسٌ

                       تَبيّنَ كُلُّهمْ عارٍ وحافِ

فقُلتُ مُحدّثًا نفسي أراني

             سأصبحُ بينَ جوقِ من خِرافِ

فغادرتُ المُنى وبلادَ غاقٍ

                   على وجَلٍ لأسعدَ بالكفافِ

أبى طبعي أكونُ بهِ غُرابًا

                   أضاعَ المِشْيَتينِ لِما يُنافي

وَلَنْ أرضى كإمّعةٍ تَبيعًا

             أعيشُ العُمرَ كالأشناتِ طافي

وهذا ديدني ما زلتُ فيه

               حرائقَ ليس تُطفيها المطافي

عراقي قد تَعرّقَ في ذحولٍ

                 وأشكالِ الضغائنِ والخِلافِ

متى ما طُبّبَتْ ستَطيبُ نفسي

                  وذا حُلُمي وأنّى للتصافي

وفيه مَنْ يخونُ ومَنْ يُرائي

                 ومَنْ يسعى بأجرٍ للتجافي

وفيه الفاسدون لهم طُبولٌ

               تُعَضِدُها المناصبُ باحترافِ

فيا وطني العراقُ عليكَ وجدي

               أرى الاوباشَ عادوا بالتفافِ

***

 

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

فلاح الشابندرخشخاش أسود

وأنا.. أمارسُ معصيةَ الياسِ والاحباطِ والفشل والشك والخرافة ....

وما قدر لها ...

أن تكون

رقصة رافضة

هلا رقصنا ...؟؟!

بحميمية بالغة الدفء

من أعالي الحجر

الوحشي ...

وما لا يفكرُ به موج ُالبحر ِ

نحلم ُ أن ْنحاولَ

عبور صراطه يوماً

بترياق خشخاش أسود َ

وتخبو لمعةُ البحرِ

 

فلاح الشابندر

 

 

عبد الله سرمد الجميلعارٌ على الشعراءِ إن لم يكتبوا

                 عمّا جرى في المَوْصِلِ الحدباءِ

عارٌ علينا أن ننامَ وتحتَنا

                     جثثُ الحسينِ مبعثَرِ الأشلاءِ

عارٌ علينا أن نسامحَ قاتلاً

                         أو أن نصافحَ ثُلَّةَ الأعداءِ

الموتُ للنسيانِ، عارٌ عيشُنا

                   إن لم نعاقبْ ساسةَ (الخضراءِ)

نمشي وضوءُ الشمسِ ليسَ يَنالُنا

                      فرطَ النخيلِ الوارفِ الأفياءِ

يبقى النخيلُ مُساوياً في موطني

                         عدداً من الأيتامِ والشهداءِ

ثُوروا على تلكَ العمائمِ واللحى

                     وعلى حجابِ الرايةِ السوداءِ

ولْتُرجِعوا زمنَ السِّدارةِ إنّهُ

                     زمنُ الملوكِ ودولةُ الأُصلاءِ

أهلَ ال... هيّا اخرجوا من أرضِنا

                         لا تقرَبُوا من زادِنا والماءِ

من ألفِ عامٍ تطعنونَ ظهورَنا

                             تتلوّنونَ تلوُّنَ الحِرْباءِ

إنّي لأغضبُ أن أرى يا صاحبي

                 (دشداشةً) في (شارعِ الحمراءِ)

ومُخمَّراتٍ في شواطئِ بحرِنا

                               لوَّثْنَهُ بالجُبَّةِ الرقشاءِ

هي دجلةٌ تبكي وتندُبُ حظَّها

                   لمّا جرَتْ في أرضِنا الصحراءِ

كم منْ كتابٍ، جثةٍ ألقَوا بها

                         حتّى تخضّبَ ماؤُها بدماءِ

أفبعدَ هذا كلِّهِ قلتم لها:

                       يا دجلةَ الخيراتِ والأهواءِ

إنّ المنارةَ كالجدودِ وإنْ مضَوا

                       محفورةٌ ذكراكِ في الأبناءِ

ما زالَ ذاكَ الضوءُ يُومضُ مثلَما

                                 أمٍّ بليلٍ دونَما إغفاءِ

ما زالَ عُثمانٌ يُدندنُ عودُهُ

                 رغمَ الرصاصِ بحربِنا الصمّاءِ

صبراً أبا تمّامَ كلُّ حجارةٍ

                       سأُعيدُها برجاً إلى الجوزاءِ

سأُطاردُ الأيّامَ مثلَ غزالةٍ

                         مذعورةٍ في وحشةِ البيداءِ

سأُرقِّعُ الجسدَ المشظَّى بالغيو..

                       مِ وأُمطرُ الدنيا بنارِ سمائي

لي عشبةُ الليلِ المُهجَّنِ بالصبا..

                 حِ ونبضةُ الأحجارِ تحتَ ردائي

فمحبّةُ الناسِ التي لا تُشترى

                         باهيْتُ فيها ألفَ ألفَ ثراءِ

أنا خائفٌ منّي عليَّ كوردةٍ

                     قُطِفَتْ لما فيها من الأضواءِ

ما دُمْتُ ذاكَ الطفلَ يلعبُ بالدمى

                         ويفسِّرُ الأشياءَ دونَ عناءِ

نتَفَ الوِسادةَ ثُمّ قالَ لأمِّهِ:

                    بالغيمِ أحشو غرفتي وغطائي

ومضى يُراهنُ صَحْبَهُ في حيِّهم

                         بدعابِلٍ صفراءَ أو زرقاءِ

في لعبةُ (الغُمَيضَةِ) اختبَأُوا وكم

                       حربٍ ستبحَثُ عنهُمُ عمياءِ

سيموتُ منهم من يموتُ وبعضُهم

                       سيموتُ في المنفى بلا أنباءِ

***

 

عبد الله سرمد الجميل

..........................

الخضراء: مِنطَقةُ السياسيّينَ في بغدادَ

شارع الحمراء: في بيروتَ