عبير خالد يحيى‎لن يكتبني النص يوما

ولن يمتطيني مهرة يفاخر بترويض بريّتها ..

يوم عاقبتني أمي وشدّت جديلتي قصصت شعري بطول أصبع!

أسطو عليه بكل جموحي ..

أصنع المكان بفضاء يتعدّى  أبعاد إقليدس البلهاء ..

الحياة التي وهبت لنا منذ ملايين السنين استهلكت كل الأماكن .. ماعادت الأركان المحسوسة تكفي لمسرحة الحكاية ..

محكومة فقط بالزمان ..

فيه يتجسّد الوجود..

أغري الكلمات الغائبة بالحضور .. حيلة تعلّمتها من بارث لأنتج دلالاتي ..

أضفي عليها بهاء الحضور المؤجل في أنساق اللغة‎...

 414 عبير خالد يحيى

د. عبير خالد يحيي

 

عبد الجبار الحمديخاَلهُ الناس مجنونا، عندما يأتي في كل صباح وهو يحمل شبه صندوق خشبي، فجأة يتوقف أمام الجدار العريض الذي أكلته الأملاح وبول المارة والكلاب السائبة، رائحته لا يمكن مجابهتها، لكن يبدو انه قد اكتسب المناعة دون أن يعلم، ضاع وجه الجدار إلا من رسم صورة شبحية المعالم تلك التي يجلس قبالتها، يضع ساق على ساق، يخرج لفافة تبغ رطبة عبثا يحاول اشعالها ثم يليها الى جانب الصندوق.. يتفرس الصورة يعد لنفسه مأثرة خطابة، يستجمع جرأته ليصيغ ما يريد قوله، البعض ممن تعود عليه حفظ بعضا منها، غير أنه في كل مرة يستنبط شيئا جديدا، وهذا ما دفع البعض للفضول في متابعته وسماع ما سيلقيه من خطبة في كل مرة.

سأل أحدهم أهو مجنون؟؟

أجاب من اعتاده رفيق صحبة حيث كان يتسول.. لا لقد عرفته منذ الوهلة التي حط بصندوقه هنا، في نفس الرقعة صامتا بدايتها ثم يبدأ بمخاطبة الجدار.. لقد جابهته مرة واحدة ظنا أنه يستجدي مثلي وقد يسرق زبائني، لكنه هز رأسه بالنفي وقد اعطاني سيجارة عفنة ادركت عندها انه أتقع حظا مني شبه مجنون، خاصة بعد سماعي أغلب خطبه.. عليك ان تسأل عمن ستكون خطبته اليوم؟ هذا هو السؤال؟ ففي كل مرة يأتي بها يستعرض حالة ما ومن ثم يعرج على من كانوا السبب في ردائة حاله بوئد طموحاته وحريته، لا أظنه يأتي بجديد لكن لابد سيفاجئ من استمع إليه من قبل...

الجدار عريض وقد لاحظ هو انه ملامح الصورة قد بان شحوبها أكثر حتى وإن امعن في التمعن فيها، لم يعجبه الامر، مما دعاه الى اخراج قطعة من الفحم الأسود ليعيد للصورة حياتها وهو يقول:

لم اجد غير السواد لأعيد لك الحياة لقد اعتدنا اللون حتى صرنا نمتع اطفالنا وشوارعنا وأعمدة النور بحلكة السواد... غريب أمرنا يا جدار!!! العالم يتسارع فيه كل شيء نحو ضياء مستقبل ونحن لا زلنا نراوح أمامك، البعض منا يقف ليشاهدك والآخر يحتمي بك خوف شيء محتم سيحدث، عالمنا الفنتازي المؤود هو كعالم الجاهلية موسوم بالتغير والدخول الى أتون عوالم سبقته بالديانات، غير انها عرجت على الفقراء لتشتري ولائهم كونهم الحلقة الضعيفة التي تتمسك بالخيط الرفيع، لا عليك سأجعلك تبدو حزينا وبهيجا في نفس الوقت.. مرر أصابعه ليشكل ما كان شاحبا وهو يقول:

ها.. ما هو رأيك الآن؟ ألست تشبه الكثير ممن يختبئون وراءك بحجة الورع، التقوى، السلطة والسواد؟ زنادقة نحن يطلقون علينا كوننا لا نفقه من حياة الشياطين شيء، إليك الدليل.. أنت قد اعتمرت قرونا وعاصرت كهوفا مظلمة منها البغيض ومنها المغيض، لابد أنك لا زلت تتلمس الندوب التي تركت آثارها عليك.. عاصرت اللافتات بأنواعها الوطنية، الدينية، مناسبات الاعياد، الوفيات وحتى عبارات السخرية مورست على وجهك عنوة... تكاد لا تعي، أراك لا حول لك وهذا أشهد به بعد ان تبولت عليك الكلاب، القطط  والبشر حتى الديدان نخرت أساسك، أما أنت ابتلعت بولهم كأنك راغب في أن تميت جذور أساسك، تدعوها للإنتحار، دعني أسألك.. ماهي عدد المرات التي تمنيت ان تسقط وتتخلص من عبودية كونك وقف ليس لأحد سوى المتبولين عليك؟ أظنك تحسبني لا أجيد قراءة الجدران!؟ لكن أعلم جيدا أني خبرت مثلك الكثير خاصة تلك الجدران التي أحاطت بالسجون المقيتة من الخارج والداخل، لا اخفيك كنت واحدا من الذين صنعوا السجون لقمع حرية الفكر لا اقول لك مجبرا لكنها وظيفة كغيرها، إعمار بنى تحتية لكن بشكل آخر، لعل ما أغراني بالقبول تواجدها في الدول الأخرى..

حسنا سأجلس الان وأريد ان تفضي بشعورك لي، سأرخي حواسي سأستمع الى مداخلتك خلال هوسي بك، لا عليك من المارة فهم لا يرون محاكاتك إلا من خلال ردة فعلي، سيطلقون علي المجنون.. لكن من منا هو العاقل الذي يتخبط دون ان يعلم أن لا شرعية في حياة قوضها دستور محبوك السرد والنص ببسم الله وتناسوا أن الأرضة التي أكلت بنودها قد هتكت ستر خداعهم وعهرهم كما هتكتك الجداريات التي أُلبست رغما عنك...

الجدار: يا هذا!! ألم يكفك ما أنت فيه؟ أرى أنك حياتك أصابتها الحصبة، الجدري وحتى الطاعون، وأنت لا زلت تتمسك بأذيال جداري، لكأنه جدار الكعبة، فبرغم ما يسوقونه من أنه محرم إلا أن كل الموبقات والجرائم تحاك بأسمه وعناوينه، لا زال بنو النظير والنجران وقينقاع يحكمون بدعوا أنهم أحق من كل البشر، أن الله اختارهم ليكنوا ابناءه على الارض سحت وفجور، دعة دياثة، نفاق ودجل، رياء ونفاق، جميعها أدوات تلونت بصبغة الغرب، ثم استحدث لها اللون الكلاسيكي الجاهلي الأبيض والاسود.. احاطوا الابيض بظلمة افكارهم حتى حولوه الى السواد، اما السواد فزادو من حلكته ليغتالوا من يروه ندا، لعلك وعيت ما أقصد فلا يجوز لي البوح أكثر وإلا فُسقت وهذا أضعف ما يمكن أن ألاقيه، يا هذا لم تعرضني ونفسك الى الهلكة؟ عش كبقية الخلق من دواب الخالق، إرضى بسجيتك الآدمية، تحيون الافعال فهذا ماهو سائد في عصر الحداثة، رغم التطور والعلم إلا أن المخلوق لا زال يبحث عن سجن يقيه من الآخرين ونفسه، فمن قبلُ كانت الكهوف ,اما الآن فالجدران وإن تلونت او زججت او استطالت او توسعت هي جدارات وإن اختلفت بمكنون معدنها... يا هذا إننا نحيا النهاية كالبداية، شرنا يقتل خيرنا لينال عقاب، فما كان للأسد ان يكون اسدا لولا أريد له ذلك ولا الضبع ضبعا لولا أنه أريد له ذلك ايضا، يخال الخلق أنهم مخيرون في حياتهم وهم مجرد احجار تتناقلها الأيدي التي انيط بها ان تعمل على ذلك... أن البشر موسومون بالغرور والطغيان فهذا دابهم، لعلك تدرك ان الخالق قد خسف ما خسف من قرى ومدن، ازال بشر واستحدث غيرهم لغرض واحد لا يعلمه إلا هو، وان ظن البشر انهم يعلموه.. لعلك تقول العبادة.. إذن انت مجنون وأحمق فما حاجته لهم ليعبدوه وهم يسيؤون إليه، يحرفون دينه ويقتلون، يحللون يحرمون يبطشون طغاة جبابرة، إنكم يا بشر حثالة الخلق رغم أن الخالق كرمكم بالعقل.. ولا اجد عقلكم ابعد مما بين فخذيكم، إن الصورة التي اعدتها على سطحي لا تفي بالغرض الذي تنشد، لا أمل لك في إحيائها، إنها تحتاج الى نبي جديد وتضحيات الصادقين من الضعفاء لإقرارها كدستور حياة لفترة ما.. لأنه لابد ان يطغى الفساد والشر ليحكم العالم، ستوزع بطاقات الموت شهادات ميلاد جديد أو تباد البشرية، سيقلب الخالق عاليها سافلها وتنتهي المأساة... أنظر الى المتحجرين خلفك ينتظرون منك الخطبة كأنك ستأتي بالجديد على مسامعهم، تناسوا أنهم يتخبطون في مستنقع من الرذيلة لا مناص من الغرق فيه، هيا يكفيك ما سمعت قم وامسح خطوطك السوداء، دعني لقضائي وقدري

حسنا سأفعل.. سأفضي بمضاضة قول قيحك، الذي أرقته في أذني، سأستوعب الصورة التي رسمت، سأغرس نبتة سوداء كي تكون باقة المستقبل على نعشك في حفل تأبينك، سأغدق عليك الرثاء بقصائد الجاهلية، سابكيك طربا موجعا، ستكون لي العوق الذي لم أشفى منه، سأُمحي صورتك الحقيقية، سأبيقك شبحا دون سارية، سأهتف بصمت صوت مدوي حين أقف تحتها صارخا... كان هنا موطني.. موطني.

 

القاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

 

نور الدين صمودمهداة إلى الشاعر محمد حسن فقي عند زيارته إلى تونس

 إثر إعلانه اعتزال كتابة الشعر.


يا شاعرَ الحُسْنِ الذي هَـزَّنِي          وشــاعرَ الحُزْنِ الذي هدَّني

أبْعَـــدني الشـــوقُ، ولكـّـنــهُ          على بســاطِ الريحِ قدْ رَدّني

                                 ****

يا ساقيَ الشَّرْبِ لَذيــذَ المُـدامْ         تعصرُه من قلبكَ المُستــهـامْ

أسكرْتَــنا بالشعـر، مُستَـلْهَما          ما الشعرُ إلاّ كيمياءُ الكــلامْ

                                ****

" خيّامَ " أهْـلِ الشعرِ أسكرتَـهمْ       بدون خمرٍ تصرعُ الشاربينْ

مَنْ غيّبوا الإحساسَ في كأسِها       ليهرَبوا مِــنْ تَــبِـعاتِ اليقينْ

                                 ****

لا تَسْكَرُ النفسُ التي قد سَمَت         بِبِنْتِ كرْمٍ بـلْ بأحلــى قصيــدْ

ما الشِــّعر إلا خمرةٌ عُــتّـِقتْ         منذ" امرئِ القيس" وعهد "لبيدْ "

                                  ****

عصيرُ أعصـابٍ و دمعٍ ودمْ         وذَوْبُ روحٍ ونقيــــعُ الألـــمْ

سكبتَها في أحـرفٍ كالسَّــنَـى         فانْـبـعَثَــتْ بعــدَ البِلَى والعدَمْ

                                   ****

 تُرفرفُ الأحــرفُ إنْ مسَــّها         يراعك الشّادي كسرب الحمامْ

لـه هديـلٌ متْــرَعٌ بالشجـــــى         كصوتِ نايٍ في عميقِ الظّلامْ

                                    ****

يا ساهر الليل أما تنتهـــــــي          من سَهَرٍ مُضْنٍ لِنَحْتِ الحُروفْ؟

هل تنحت الألفاظ؟ أم يا ترى         تُسـيِّرُ الـروحَ بِدَرْبِ الحُتُـوفْ؟

                                    ****

تَـــعصِرُها خمــرًا لأحبــابــــها        لِيشرَبوها فـــي قصيـــدٍ جديــدْ

وقـد حسِـــبنـا ذاكَ دربَ الفَــنـا       لكـنــّهُ، عِــنْـــدَك دَرْبُ الخلـودْ

                                    ****                                  

تونس/ نورالدين صمود    

.........................

 

صدى الذكريات

للشاعر الكبير الأستاذ محمد حسن فقي

 [مهداة إلى الصديق الأستاذ الشاعر التونسي الرقيق نورالدين صمود

ردا على قصيدته الموجهة لي..]

 

أيقظتَ في قلبي الرُّؤَى الهاجعاتْ   تحت رُكامٍ مــن شَـتاتِ السنيـنْ

في بعضِــها كنــتُ صريعَ الأسى   لولا بقايــا نــبَـضَـــتْ بالحنيــنْ

                                 ****

وبعضِها كنــــتُ أَحُـــثُّ الخُــطى   إلى الذُّرى الشُّــمِّ قريـرَ الفــؤادْ

فأجـــدُ المجـــدَ وألـــقَــى الهــوى   كلاهــما يســعـــدني بالــمُــرادْ..

                                 ****

فمـــا تطلَّـــعـــتُ إلــى غـــــايـــةٍ    كرمَ من شجوِ الصــَّبا والــدَّبورْ

فـي روضــــةٍ أسكُـنُ أو غابـــــةٍ    ما دمـتُ أستَمْــنِــحُ منه الشعورْ

                                 ****

ما دمــتُ أستمـــنحُ منـــه الــذي   يَهدي إلى الرُّشدِ.ويطوي الضَّلالْ

فشِقــوَتــي تُـــسعِـــدنــي تــــارة   إن كان فيــــها ما يُــداني الكمــالْ

                                 ****

فلستُ أسعى، رغم سعيي الكليـلْ   ورغـم ما راعَ ومــا عـــــوَّقــا

إلاّ إلــى أن تســــتوي أُمـــــــتي   فـي مَـقْــعَـــدِ عـــزَّ بـه المُرتقى

                                   ****

كان لهـا الماضي.. ونالــت بــه   أوسِمــةَ الحربِ.. وجدْوَى السلامْ

فمــا الــذي يمنَـــع مــــن حاضرٍ  ومــن غـــدٍ يــدفــعُـها للأمـــامْ؟؟

                                    ****

يا ليتَـــها تَـــنبُــــُذ هــــذا الـوَنَى   يــا ليتَــــها تنبُــــذُ هـــذا الخِصامْ

هما اللـــذان انْخفضَــا بالـــذُّرى   همـــا اللــــذان استهتَــرا بالذِّمـامْ

                                     ****

يا صاحِبي ما أوْجــعَ الذكرياتْ    حينًــــا..وحينـًـــا ما أُحَــيْلاهَــاا

أيقظتَـــــها بعد عمـــيق السُّباتْ    فانْبعثـــتْ نَشْـــــوى بنجــــواها

                                     ****

السعودية/ محمد حسن فقي

 

عمر نصراُعفِيك مني

دمي رهنُ يديكْ

فلا تُسرفْ في قتلي.

انهض من موتِكْ

وأنا أعطِيك قِيامتي

مُبعثرٌ خطوكْ

عِند أولِ دربْ.

أما زاد يقيني

عندك شكْ

بأن مُجونك

المُغلف بالكبرياء

ونزقْ الطُهر

حول شِفاهكْ

اُكذوبةٌ وعُهرْ.

هل كُنتُ لديك سراباً

حين تفلت بين يديك الشعرْ

يا آخر معصيةٍ  وأول كُفر

يا لفحة بردٍ ولسعة عطر

ببعضِ الخُبزِ وكل الجوع

بهزيِمتِنا كان النصر

فما أكثر الشوق

وما أقلْ العاشقين

صلي خلف الشمس

لأراك أكثر وضوحاً

عصفوراً في كتاب

كطفلٍ يُحاولُ النطق .

ما ارخص غيابك اليوم

فالكُلُ بات يراك

بطعمِ الجوع

وعطش الشبق

ولون الغسق

مرمياً بين الطرقات

حواف الوجع

مخدرةٌ بالتيه

كروعةِ الحضور

يتلاشى السكون

مع صهيل الفجر.

اتذكُرُ ...

حين مشيت معي عمراً

وغمستَ في خافقي همساً

ورسمتَ تعابير للشجن

على جداريةِ الروح

شبقاً يكمُنُ في التفاصيل

نطفةٌ بِخاصِرةِ الوجعْ

دعْ لي مُخيلتي

لأنزِفْ حرفاً

مات همساً

ما تبقى مني

غيرُ دمي

لأسكُبهُ عبيرْ

بين صداك وخفقي...

أتعلمُ ...

أني خُنتُ ثيابي عِندكْ

ولفقتُ وقلتُ كلاماً بعدكْ.

وقطَعتُ الوصل أِلاكْ

لطمتُ الوجهْ

ذبحتُ الخدْ

شققتُ الجيبْ

كفرتُ بي

وأمنتُ بِكُفرِكْ

واحزناهُ حُزنكْ

يغُصُ الحلقْ

بِحجمِ البوح

حدُ الغِمدِ حدَكْ.

كومتُ رسائِلي

جسداً وحرف

ليعبُرَ جيشُك

عققتُ قصائِدي

وأطعتُ نصكْ

تغلغلتَ بِخاصِرتي

فما أعذبَ نصلكْ

عمِقْ بِبوحِكْ

فبراحُ الروحِ غِمدكْ

عاقٌ وكافرٌ بوشمِ القبيلة

مزروعاً بالوهم

منقوشاً بالنبض .

لا جديد في رؤية الودع

قِراءةٌ مُعادة لفنجانْ معطوبْ.

عُذرية من تقصِدْ؟

من ترملْ وعاشر الموتْ .

تُمعنُ في اغتيال الحرفْ

وتعتقِلُ البوح المُتسلل

من أنفاس الصمتْ.

عُد من حيثُ أتيتْ

وابدأ من أولِ صمتْ

وأصغرَ شوقٍ وآخر حُبْ .

فالتفاتة المحكوم للوراء يائِسة .

والفرحةُ المنزوعة بائِسة.

تصرُخُ الأرواحُ وجعاً

في سكونِ اللحدِ هامِسة .

وشوشة ...وشوشة...

وشوشة...

***

عمر نصر...

 

صحيفة المثقفكُنْتُ أمامَ الْبَحرِ أُحَدِّثُهُ:

- ضِرْسِي يُرْهِقُنِي.

- بِنْتِي تَبْحثُ عَنْ حُلْمٍ

وتصلي

تَفتَحُ أبوابا للناسِ

ولا يُفْتَحُ بابٌ تطلبُهُ.

- أمِّي (حُبِّي الدّائمِ)

أَمْسكُ يَدَهَا

تُطْعمُنِي أُطْعِمُهَا

حَتّى تفْرشَ ضِحْكتَهَا

ويفوحَ الوَرْدُ بِقلْبِي

 تَقْتلنِي كَحَّتُها

أخْشَى

  إِنْ عَرفتْ حَالِي

 يغْلبُها الدّمعُ.

- وَجَارِي

ستْرِي  

لم يرْحمْ دارِي.

- لم يَعُدِ الشّارعُ يَحْنُو

ويقرِّبُ .

يا بحْرُ

أتَفْهمُ قَوْلِي؟ .

هَبَّتْ رِيحٌ عاصِفةٌ

وَاشْتدَّ المَوْجُ

إلى أنْ غِبْتُ بَعيدًا

يلْقانِي شيْخٌ مُبْتَسمًا :

لا بأسَ عَليْكَ

اهْدَأْ .

فَجَرَيْتُ

يُطارِدُنِي قِطٌّ

حَتّى انْقَطَعتْ أنْفَاسِي

يلْقانِي الشَّيْخُ

 وَقَدْ أَمسَكَ بي مُبْتَسِمًا :

 لا تَفْزعْ مِنِّي

قَدْ ذَهَبَ بَعِيدًا .

غَامَ الْمَشْهدُ

وَتَدَاخَلَتِ الصِّوَرُ

 اسْوَدَّ الْمَنْظَرُ

لا أَتَذكَّرُ شيْئًا بَعْد

سِوَى صَوْتِ الْحُبِّ الدَّائِمِ

 يُوقِظُنِي:

الأرْزاقُ يُقَسِّمُهَا الرَّزَّاقُ

انْهَضْ

فالشَّمْسُ انْتَشَرَتْ .

***

شعر: محمد عبد الستار الدش

 

صبيحة شبرحلق زوجي ذقنه، ارتدى ملابسه الجميلة وتعطر، وخرج قائلا انه سيعود بعد ساعة، انقبض صدري، أحسست أن الغرفة تصغر شيئا فشيئا حتى تضيق علي، لم اطلب مرافقته في الخروج إذ أني اعلم مسبقا انه سيرفض قائلا:

- وهل تعدين علي أنفاسي؟

رتبت الغرفة، جمعت الصحون، غسلتها، فتحت التلفاز، رأيت برنامجا سخيفا، أغمتني مشاهدته، ثم أغلقت الجهاز، أدرت مفتاح المذياع على مقطوعة موسيقية تعجبني،رقصت على أنغامها، عملت فنجان قهوة، وبعد أن شربته وقرأت الفنجان لنفسي عرفت الأمور التي أتوقعها في حياتي، نظرت في ساعتي فوجدت أن زوجي قد غاب أكثر من أربع ساعات، سيطر علي قلق شديد، وخفت أن زوجي ذهب في زيارة صديقه المريض وكان عند ذلك الصديق رفاق آخرون، وتحدث الجميع في بعض أمور الساعة وأوضاع الوطن , واختلف معهم زوجي في وجهات النظر وكعادته في كل اختلاف أخذ يضرب رأسه بالحائط، نظرت إلى زوجي وإذا بالدماء تسيل من رأسه وجبهته، وأصدقاؤه غارقون في مناقشتهم، فلا أحد ينجده أو يأخذه إلى الطواريء، فكرت أن أذهب إلى بيت ذلك الصديق، لكني لا أعرف أين يقع، كل ما أعلمه أنه يسكن في شقة تقع خلف مقهى الباليمة الواقعة في شارع محمد الخامس الكائن في الرباط، زاد قلقي وتضاعف، توقعت أن يتصل بي أحدهم ويخبرني عن الحدث الأليم، جلست قرب الهاتف، لكن خوفي المشتد لم يدعني أستطيع الجلوس، فوقفت قرب الجهاز انظر إليه بجزع متوقعة أن يرأف لحالتي وينقل إلي النبأ الحزين، طال انتظاري، ذهبت إلى الشرفة، عل أحدهم يأتي بسيارته ويراني، كنت اطل من الشرفة ناظرة الى جميع الجهات، آملة أن تأتي السيارة، وفيها أحد الأصدقاء لأخباري، ولكن دون جدوى، كان أحد المتطفلين يطيل النظر إلي، فالتفت إليه فغمز فلجأت إلى داخل الغرفة، فكرت في الخروج من الشقة والوقوف أمام العمارة، فطال وقوفي دون طائل، خشيت أن يكون الهاتف قد رن أخيرا، وان وجودي بالخارج قد يحرمني من سماع النداء، فصعدت مرة أخرى

 ألحت علي الفكرة من جديد،  استولى علي باعث قوي أن أقف في الشرفة لعل أحدا يخبرني بما حدث، الرجل المتطفل ما زال في مكانه ينظر إلي بلا حياء، اضطررت إلى الدخول، توسلت إلى الهاتف أن يرن ولكن عبثا يبدو انه غادر الحياة فلم يعد يشعر بمعاناتي، فكرت من جديد وعاودتني الفكرة السابقة بأن أذهب إلى منزل الصديق، ولكن كيف؟ راودتني فكرة جديدة وجدتها جديرة بالتطبيق، وهي أن أذهب إلى مقهى الباليمة وأعرج على الشارع الواقع خلفها، وهناك أعثر على المنزل

خرجت من الشقة وأنا أسرع الخطا، لحقني الرجل، ضحكت إحدى العجائز وكانت تسير بالقرب مني، خفت أن يعود زوجي مهشم الرأس  معصوب الجبين والعينين خلال خروجي ويجد الباب  مقفلا، عدت أدراجي، عاد الرجل ظنا أن عودتي من أجله، أسرعت صاعدة إلى شقتي، وضعت المفتاح في القفل، وانا لا أقوى على الوقوف، أقفلت الباب على نفسي وقلقي قد بلغ أوجه، بقيت أتنقل بين الشرفة والهاتف حتى عطف علي أخيرا ورأف بحالي

- الو سهام أنا في منزل احمد صحبة أصدقائي سأتناول كأسا آخر وأعود...

 

صبيحة شبر

 

محسن الاكرمينالمشهد الأول:

فصل الأول: نفض ذاكرة منسية ...

أمسك بيدها ضما وترك المكان وانسحب بصمت. في تلك المنعرجات غير السوية كان يجر رجله مشيا إلى الأمام، لكن تفكيره كان يسكن خطا في الزمن الماضي غير الأبعد من توافد حضور الحاضر. لم تسلم خطوات تقدمه من رجة التعثر الممكنة مادام الدرب يتجه انحدارا. كل مشاعره كانت تجمع بين الخوف المفزع وبين قلق التوتر، حتى النوم قرر أن يجافيه بالصحبة.

في صمته كان يخالف كل القوانين الفيزيائية السليمة، كان يكتشف أن الهجر ما هو إلا نهاية لدائرة البداية الفارغة. عند منتصف المسافة بإفراط قياس عقدة التخمين قرر الوقوف وتسوية وضعية جسمه. كان الدرب فارغا من كل أصوات المارة ولغوهم الممل في نقض الوعود، كان حتى الدرب يسكنه اليتم حين تحول كل المارة إلى غرباء في دار عزاء لا ميت فيها.

هو العالم الأصم الذي بات يسكنه من كل الزوايا الخفية والمميتة، لكنه قرر الصياح بدون صوت ونفخ نفسا عاليا مدويا في السماء ودعاء بكلمة واحدة للسماء العلوية. تذكر طفولته والخوف الذي كان يفزعه ليلا وقياما بالارتعاش، تذكر القلق من حلم المستقبل غير الحاصل بالتأكيد وتلك المرأة التي كانت تملك قلبه، وتلعب به نحو أحاجي قيس وليلى والحب العذري، تذكر أن اليتم ما هو إلا يتم علاقة بين الحلم والواقع، وبين صمت الذات وجفاء الآخر، ولما القول بيتم التملك والامتلاك العبودي .

استمر في المشي ولم يكتشف بأنه أضاع ماضيه، أضاع كل كلمات مذكرة ذاكرته القريبة والبعيدة. حينها أتلف مشيه نحو مقام سعيه الأيسر. من خوفه على ذاكرة ماضيه العمرية أنزل دمعة الشفقة، أصدر أصوات أنين صامتة عن تاريخه الماضي الذي تسرب من ذاكرته العلوية ولم يعد بمقدوره امتلاكه ولا استرجاعه.

كل الأسماء أضاعها بحرمان سريع من مستند الماضي، حتى التي كان يمسك بيدها ضما لم يعد يعلم اسما لها، لم يعد يتذكر ابتسامتها الطفولية ولا ملامحها الذكية. ألقى نظرة إلى الوراء فأمال خده يسرة كمن صعق، حينها اكتشف أنه تاه في مقصد مشيه، أحس أنه قد أخطأ في اختياراته وانجرف مع تيار الفرح الزائف . أعاد كرة الرجوع بميلان قوة ارتفاع الدرب، تمشى بمتلازمة نقط الوصول غير المنتهية، لكنه كان يحمل أسفارا فارغة من مداد تدوينات التاريخ القريب، حين وصل انتهى التفكير وضاعت حقيقة النور والظلام....

 

فصل الثاني: إيتري الذاكرة ...

في ذلك الحي غير النائي بالبعد عن دوشة حياة المدينة يسكن إيتري وحيدا. وحدته علمته أن الكلام سفسطة لا طائل من ممارستها إلا مع مرآة ذاته. كانت كل كلمات إيتري قصيرة بعلامات الوقف، كان يلتهم كتب الفكر ويزيد عليها كتب فلسفة التنوير قراءة. داخل فضاء بيته كان الترتيب يسكن المكان تموضعا لكل كبيرة وصغيرة، كان إيتري شديد الحرص على الظهور بمبدأ الرجل الحداثي.

بين سن صغره وشبابه فرق بين يطول الحديث عنه، وشتان بين النموذجين مقارنة. الأول احتلت فيه الطفولة الصغرى الحركة وشغب اللعب وبداية تحمل المسؤوليات، كنت تلحظ حينها أن البسمة تلزم  إيتري التصاقا، تلحظ فيه طموحا متزايدا لا ينقطع عن كسب مسرات ورطب حياة. وحتى أن الحزن نال منه نصيبه الأوفر وبزيادة الفائدة، في المحطة الثانية من العمر وبعد ضبابية غالبية أمانيه المعلقة، كان يحس بالسقم، كان يريد دفن ماضيه وحاضره في أقرب بقاع بالعمق السوي.

لم تكن حياة إيتري بحياة البذخ ولا الزهد، لم تكن حياته إلا تلك الوصفة التي تشمل لم شمل متناقضات الفرح والألم الذي تربى عليهما أبناء الشعب، تمسك بالدراسة ولازمها. جميع المهن ما ظهر منها وما خفي مارسها إيتري بكل رجولية. لم تكن ذكريات إيتري إلا إعلانا عن لعنة تنغيص متوالية، حين عايش الألم بكل تجلياته النفسية والذاتية، حين توقفت وجودية أمه بالموت الخطف، وهو لا زال لم يقطع نهاية شوط التعليم الابتدائي. موت الأم مبكرا أدار مقود حياته وألقي به في دوامة تربية زوجة الأب.

حين اكتشف الموت بدمعة ثابتة، ثم سائلة بالطوع العاطفي. أضحى إيتري يستكين كليا عن الكلام المباح، يتعفف عن إطلاق بسمة ورد حياة. هو الألم الذي تربى فيه، والشعور منذ الصغر أن الحياة ما هي إلا ألم مستكين يجابهه لزوما بالاعتراض عن اللهو وزينة الحياة . ليلة موت أم إيتري التصقت في مخيلة ذاكرته ولم تفارقها البتة، حتى في أضيق فرحه الزائل العرضي.  كان كل من في البيت لا يضع احتمالا لموت الأم، كان من في البيت في هرج مستديم وممارسة سنة استمرارية الحياة. فيما الأم فكانت طريحة الفراش في زاوية غرفة ظلامها يستبد قسرا بالنور الآتي من فتحة نافذة ضاقت مساحتها المطلة على الزقاق الضيق. كانت الأم تحس بالموت يسكن كل أطرافها بالتآكل، كان أنينها يسمع من أبعد نقطة في البيت، كانت الأم تنادي الرحمان بكل أسمائه الحسنى بأن يفك ألمها بالشفاء ويفرج من ضيق سيطرة التهابها الداخلي.

 

فصل الثالث: ليلة حياة أخيرة ...

إيتري يوم انطفاء شمعة حياتها،  لم يفارق غرفة الأم الطريحة الفراش، كان يقعد موضعا قريبا من يدها اليمنى، كان يمرر يده مرارا على جبينها وهي تشده بالرؤية، كانت مرات عديدة تبتسم في وجهه رغم الألم المتلاحق الذي يغزو كل جوانب ذاتها. إيتري يناوب استعمال البسمة حين تفتح الأم من نصف رؤية عيونها، كان يتابع عيون أمه المغمضة بدمعة مسكونة بعينيه وفائضة على الخد، يتابع سكنات وحركات أمه القليلة، يتابع آهات الأم العليلة وهو من الداخل يتألم ارتجاجا ألف مرة.

في ظل اشتداد الألم توسد إيتري يد أمه، سرقه خلد النوم حين مررت الأم يدها على دمعة عيونه بالمسح، نام إيتري غفوا والحلم يطوف به بمتمنيات شفاء الأم وعودة سلطة الأم على بيت الأسرة. نام حتى أنه سمع وشاهد من في سماء الدنيا تطوف حول رأس أمه فرحى، شاهد ترحيب الأم فرحا بقدومهم،  وهي تقف في ثوب بياض غير مخيط. شاهد معاملة ود ورفق في سحب روح أمه. لكن إيتري في هذا الجزء من الحلم قام فزعا مناديا (أمي...أمي...، ما بك...أمي) حينها كانت آخر كلمة تنطق بها  الأم رافعة رأسها سماء، إيتري عزيزي.

هي النهاية التي أحس بها إيتري حين أكدت آخر زيارة للطبيب أن الأم دخلت خانة غيبوبة مستديمة. تدور الأيام بالتوالي حتى صارت ثلاثة، والأم لا تحرك ساكنا إلا صدرها علوا بالنفس القصير والسريع، لا تلفظ حركة ولا كلاما إلا تلك الأنفاس المسموعة والمتلاحقة بالاشتداد والضغط على صدرها الذي كان أرحب حنانا للجميع.

توالت الأيام حتى أصبحت  بعد اليد الواحدة، وإيتري لا يفارق غرفة الأم إلا لماما، لا يفارق البكاء فقد أصبح من صحبته المستديمة، توالت الليالي الخماسية حين كان إيتري يمسح جبين أمه من عرق خفيف، ويبلل ماء لشفاهها الملتصقة، حين لاحظ أن أنفاسها تشتدد وتتكرر بالقرب، حينها دعا من قلبه في صدر الليل بأن تلحق أمه بالصالحين والصالحات. كل كلماته كانت تحمل دعوات صادقة لأمه بالرحمة والمغفرة، فحين أمسك إيتري بأصبع شهادة أمه وناولها الشهادة،  كان الأمل حاضرا ببسمة قليلة الثواني، حين انفكت رموش أمه بالانفتاح الطفيف، حين عرجت الأم برؤية مائلة نحو إيتري، ثم كفت عن التنفس نهائيا.

حينها تلحظ إيتري، يصيح بقوة صوته أمي ... أمي... أمي... كل من في البيت حضر إلى الغرفة، بدون تصديق أن الموت مر في لمحة بصر خاطفة. كانت روحها تسبح خروجا من تلك النافذة الصغيرة إلى السماء عبر دروب الدنيا الضيقة. كان كل من في البيت يريد إسكات إيتري عن الصياح والبكاء.

 

ذ. محسن الأكرمين، مكناس / المغرب

 

جمال مصطفىحَـبــاك بـوَعْـدِه ِ لـَمّـا تَـعــــالى

                      كـأنَّ وصـالَــهُ أنْ لا وِصـالا

سـكـرْتِ بـهِ فـدامَ الـسُكْـرُ حـتى

                غـدا مِن غـيـرِ ما سُـكْـر ٍ مُـحـالا

تَـسلّـلَ وارداً فـطَـفَـقْـتِ: مَـرْحى

                   بِـسارقِ مُهْـجتي وافى انـسلالا

أأنتَ بخـيـمـتي يا طيـرَ سَـعْـدي

                   إذنْ سأظـلّ اُحْـكِـمُهـا انـسـدالا

غـرقـتِ تَـدَلُّهـاً في لـيـلِ وجْـد ٍ

                      فـزادَ تَـألُّهـاً حـتى اسـتـحـالا

مَـقـامُـكِ في الـمَحبّـة (كلُّ بحْرٍ)

                   وحالُـكِ في الـمحبّـةِ (وا زلالا)

سـؤالُـكِ أَمْ حـبـيـبُـك ِ أمْ جـوابٌ

                     أم ِ الـثـالـوثُ أمْ أنَّ السـؤالا؟

وكـانتْ لَـفـظـة ٌ جَـلّـتْ جـلالا ً

                   فصارتْ لَـفـظـةً جَـلّـتْ جَـمالا

وكـان لِـصَـمْـتـهِ أبـداً وُجـومٌ

                     فـأضحى صـمـتُـه ُ أبـداً دَلالا

وحافـيـةً تَحجُّ إليهِ عَـطْـشى

                      تَهُـم ُّ بـهِ طِــوالَ الـدرب ِ آلا

فـيَـخـذلُهـا الـذي قَـدَراً تَأبّى

                       وتَأبى: لا تَرى ذاكَ انخـذالا

أشكُّ : جِـنانهُ تُـرضي مُحِـبّـا ً

                      وليس جِـنـانُـهُ إلاّ انـفـصـالا

لَـهُ فيهـا وفيـهِ لَهـــــا شـؤونٌ

                   ولولا ذاكَ ما اسْـتَعَـرَتْ خـيالا

وراضعـةٍ مِن الـشَجَـن ابـتـداءً

                    كـرابـعـةٍ ، تُـوَقِّـعُــهُ ارتـجـالا

عـلى ايـقـاعـهِ نَهَـدَتْ وغَـنّتْ

                 ومِن ابداعـهِ اختَـصَلَـتْ خِـصالا

الى أنْ جاءَهـا طـيـفـــاً ومالَتْ

               الى مَنْ سَرَّهـا في الطـيْـفِ ، مالا

وعـن ناي الصِبا عـزفَـتْ لَـئِلاّ

                    يـراهـا آثـرَتْ عـنـهُ انـشـغـالا

وعـيـدُ حـبـيـبـِهـا نارٌ تَـلَـظّـى

                    ورابـعــة ٌ تُـكـابِـدُهــا مِـطــالا

وعـودُ حـبـيـبـِهـا مَـنّ ٌ وسَـلْـوى

                    ورابـعـة ٌ تـرى فـيـهِ الـمـنـالا

كـسـاهـرةٍ وتـأخـذهــا إلـيــهِ

                    قُـبـيـلَ صـلاتِـهـا سِنَـة ٌ ولا لا

قضى تَـمْضي الى.. لا شيءَ طالَتْ

                   وبـاق ٍ بَـعْـدَهـا مـا شـاء َ طـالا

أظـنّـتْ أنّهـا انـتَـشلَـتْ وحـيــــداً

              مِن الأزَل ِالـذي استـشـرى رمـالا؟

تُـؤانـسـه ُ وتـغــمـره ُ حـنـانـاً

                   وتـمْـسحُ وحـشـةً رانَتْ جـبـالا

تَعال اخـلعْ جـناحَـكَ تحتَ سقْـفي

                   تَـعـالَ تَـذَوّق ِ الـسُـكْـرَ الحـلالا

وقال حبيبُهـا : كَـمْ كـنتُ وحـدي

                     فـقـالـتْ : لـمْ تَـكـنْ إلّا مـثـالا

طـغَـتْ أسماؤهُ الحُـسْـنى عـليـهِ

                        ومـا أسـمــاؤهُ إلاّ اخـتـزالا

مَـفـازتُـهُ هِيَ الأبـدُ اتّـساعــاً

                      وعـاشـقُـهُ بهـا يَـفـنى غـزالا

إذا أوغَـلْـتَ لا يَهـديـكَ هـاد ٍ

                    وكُـلُّ تَـراجُـع ٍ يـغـدو ضَـلالا

إذا أوغـلْـتَ لا معـنى لـمَعـنى

                   سوى كـونِ الهـيامِ بـهِ ارتحـالا

إذا أوغـلْـتَ أو أوغـلْـتَ حـتّى

                   غـدا الإيغـالُ خـلْـفَـكَ لَـن تَـنالا

سـوى ضيقِ العـبارةِ كُلَّ ضيق ٍ

                   ومُـتّسع ِ الرؤى صُـعُـداً تَـوالى

سوى.....، ما بالُ رابعـةٍ تُـصَلّي

                وتَضحكُ في الضحى وتَقـولُ قالا

هُـوَ البادي فحربُ الحُبِّ قـامَـتْ

                  ودامَـتْ عُـمْـرَ رابـعـة ٍ سِـجـالا

ونعْـشكِ ، أحـرُفٌ بَـزغـتْ عـليـه ِ

                 كَـهـالـةِ عـارِفٍ : لـو زلْـتُ زالا

***

جمـال مصطفى

قصي الشيخ عسكرالأربعاء

 9/1/1976

للمرة الأولى أدخل هذه الحانة.

قد يكون ضجري .. ..

 أو مجرد العنوان .. طريق ضيق متفرع من شارع الحمراء وإذا بي أفجأ بهدوء وصخب لطيف شفاف يذوبان معا فاستريح على ضفافهما وقد توقفت لحظة عند إحدى الأغاني. كان الزجاج المعتم يفتح شدقه فيدفع إلى الرصيف أحد الزبائن و يرسل لي أغنية عراقية كادت تشرف على نهايتها أو انتهت.

"المقصف الملكي" لمحت اللافتة المشرئبة نحو السماء الملبدة بغيوم مبهمة الملامح، وحانت مني التفاتة إلى الداخل قبل أن يعود شدق الباب للانطباق من جديد فيحجب عني السمع والرؤية، لتختفي من أمام عيني إنارة خافتة . ودكة ووجه فتاة أكاد أميز سحنته السمراء عن بعد، وصفوف تربعت فوقها قنان زاهية الألوان.

لحظتها كانت بقايا الأغنية العراقية تذوب بهدوء وراء الباب، وقد فقدت رغبتي في الذهاب إلى مقهى يطل على الساحل كما خطر في ذهني قبل أن أغادر البيت.

ربما مررت بالمكان أكثر من مرة وفاتني أن ألتفت إليه حتى جذبتني أغنية سالت مع السراب فدفعني الفضول للانعطاف نحوذلك المقصف الذي رأيته يلوح على بعد خطوات مني كنبع صاف يغري العابرين بالوقوف عنده والتلذذ بمائه العذب.

 كانت كلمات الأغنية القديمة تغسل بعض التعب عن وجهي وتمسح من يدي بقايا الحروف التي تدغدغ أصابعي طوال النهار. الحروف تتناوشني من كل مكان. في المطبعة الحبر الأسود والحروف. الكلمة تلك . السطر هكذا. مئات الكلمات تمر بي فلا أتذكرها. والحوادث كثيرة استوعبها فأنساها. وهناك لحن قريب .. شيء ما يشدني إلى الماضي .. أغنية ربما سمعتها عشرات المرات فلم التفت إليها:

عمي يابياع الورد

كل لي الورد بيش

لم لوحَّت لي الأغنية بنهايتها واختفت؟

كيف مرَّت بي في هذا الوقت الملبد بالغيوم؟

أين أذهب إذا ماتغيرت لبنان؟ هل أبالغ في هواجسي؟ الحوادث كثيرة مثل الحروف التي تستوعب أخبار العالم وخواطر الناس. البلد على وشك أن ينفجر. احتقان على الوجوه، وغضب في العيون.وأنا يكاد الفراغ والقلق يأكلاني كأن الأغنية تدعوني للدخول .. تمد إليّ ذراعيها. "المقصف الملكيّ" .. واحة أم مقصف. لايهم .. عنوان أثار انتباهي ! أجل .. . جلست في ركن قصي.تأملت كأسي خلال الجوّ المعتم، بعد فترة ربما طالت قليلا تهادت إلى أذنيّ كحداء صحراوي أغنية أوروبية:

Who can take you far away

 من وضع حضيري ابن الناصرية المغني الريفي الذي نأنف من سماعه نحن جيل الشباب بصف ديمس روسز؟عندما توقفت الأغنية، أشرت بيدي، فتركت صاحبة المقصف مكانها عند الدكة، وتوجهت نحوي. تبينت أنها سمراء حقا مربوعة تهتز كبطة في مشيتها الرشيقة:

- هل من الممكن – لو سمحت - الأغنية الأولى؟

 وجهها ينم عن دهشة تضيع مع ابتسامتها:

- أية أغنية ؟

 قلت مؤكدا:

- الأغنية العراقية "وأردفت" ربما كنت مشغولة مع الزبائن فلم تنتبهي إليها!

- آه أغنية بائع الورد!

 ذهبت إلى آلة التسجيل، فتهادت موسيقى ما ثم رجعت:

على رأسي حالما تنتهي بعض الأغاني التي طلبها زبون قبلك.

يبدو أن لديكم أشرطة عربية وأجنبية كثيرة؟

أشرطة مختلفة فمقصفنا يزوره زبائن من دول عربية كثيرة.

عراقية .. عربية .. عالمية . كل شيء مختلط .. فيروز .. حضيري .. الفس برسلي .. ديمس روسز .. لايهم .. أغنية بائع الورد كما تصفينها أعجبتني عن بعد. نبعت في بلاد ملبدة بالغيوم هادئة عنيفة، ودعتني فغيرت طريقي، وكنت من قبل لاألتفت إليها. آنف من سماعها حقا:

- عراقي أنت ؟ "قالتها بلهجة لبنانيّة خالصة وأردفت من غير أن تنتظر جوابي بل اكتفت بهزة من رأسي وابتسامة "أنا أمّي عراقيّة.

 أمّها لبنانيّة أمّ عراقيّة. من ير سمارها وبشرتها الحنطية الرائقة يظنها غير لبنانية.كلّ شيء جائز بلغة السكارى مادامت الكلمات تصبح نغما والنغمات كلمات.لاأدري هل أمطرت في الخارج أما مازالت تنذر ، أذكر أنّي نهضت إلى الحمام مرّتين، واختلست نظرة إلى باب المطبخ الذي انفرج مصراعه قليلا فرأيت أو خيل إلي أني أرى ملامح طباخة تميل إلى السمنة ذات وجه من شرق آسية، وشاباً مراهقاً رشيقاً يندفع من المطبخ محملا بصحون نحو المناضد الأخرى غير أنّها أتت نحوي من حيث لاأدري:

- آثوريّة؟

تنصرف عن جوابي إلى معنى آخر:

- مقيم هنا في بيروت أم سائح؟.

قالت عبارتها بأسلوب مهذب.قرأت في عينيها فضولا يتخفى وراء السؤال. العرب يذهبون إلى العراق الغني، فلم نأتي نحن لنقيم، لكنها لاتعرف أن الغيب هو الذي دعاني. الغيب وحده، والمستقبل ثم سبقت أذناي بصري. هذه الفاتنة السمراء لاتدري حقا كم هي جميلة ساحة أم البروم بصخبها وضجيج موسيقاها الشعبية وقدور عرباتها الرابضة على الأرصفة المحملة بالكراعين ورؤوس الخرفان، ونسائها قارئات الطالع يوم قدحت إحداهن شرارة السفر في نفسي فوجدت أني لابد أن أسافر وأرى العالم إنه الغيب ياسيدتي انكشف لي فدعاني مثلما دعتني أغنية عراقية خافتة داعبت أذني حين عبرت الرصيف فجئت كنائم يمشي حتى استقر بي المقام أمامك عند هذه الطاولة:

- مقيم منذ سنة!

- تدرس؟

- لا .. أشتغل في الصحافة والطباعة!

جمالها اللافت أيقظ فيّ بعض الصحو فتبيّنت شذرات من ملامحها:عريضة الوجه ، رشيقة، حديثها يتلألأ مثل الموسيقى التي استوقفتني وأنا على الرصيف.لم تكن وحدها صاحبة الحانة، بل تشاركها أختها الكبرى .. أمّا عنّي فليس عندي شيء أقوله.صحفي وكفى أو لأقل بشيء من التحفظ بعض الأحيان صحفي أكتب انطباعات عن الناس والمجتمع وفي أحيان كثيرة يوكل إلي صاحب المطبعة مهمة صف الحروف وخلط الحبر، ومعالجة الزنكراف وهو عملي الأصلي تلك الشغلة التي تعلمت فنونها في العراق يوم كانت البصرة تعج بالمطابع والصحف المحلية :

- صحفي؟

هل سمعت من قبل بنهر خوز كما سمعت عن بائع الورد المغني وكيف انتقلنا منها إلى العشار ثم استأجر والدي محلا جنب مطبعة السلام فربطت الجيرة بين أبي وصاحب المطبعة السيد عبد الحميد الحلفي الذي اقترح أن أعمل معه في أوقات العطل حتى أتقنت المهنة ووقفت على اسرارها .. ربما لم أكذب حين ادعيت أني صحفي:

- معظم العراقيين في لبنان يعملون في الصحافة!

- هل هناك عمل آخر؟

- العمل في المطاعم والمحلات التجارية!

- ماذا بعد؟

- من يرغب في العمل يحصل عليه!

أعرف ذلك ولو لم أجد عملا في المطبعة لعملت في مطعم شرط أن ابقى لأرى العالم الملون الجميل ولا أصعد جبلا و أطلق الرصاص كل شيء مقبول لكني فقط أحب أن أطيل الحديث معك:

- منظف أو خادم في مطعم!

- المهم إنه عمل.

ورغبت عن أن أضايقها لاسيما أنها كانت تتحدث معي بحسن نية:

- إنك على حق.

والحقّ إنّ "نوليا" استلطفتني.قالت لي لولا أنّي مثقل لأمرت لي بكأس على حسابها. ووعدتني بذلك في يوم آخر.لقاء أشاع البهجة في نفسي على الرغم من كابوس ثقيل جثم على صدري قبل ساعات.كانت تنصرف إلى الزبائن بين حين وآخر، ثمّ تعود إليّ.لقائي بها لم يشتت سحب الخوف تماما.مازلت أتصوّر شرا يقرع الأبواب، وحين غادرت الحانة .. .رأيت بعض القطع الداكنة تغطي السماء .. . غيوم شتَّتها وأنا في حالة صحو أغنية بياع الورد التي تسللت من الباب لكنها عادت وتلبدت من جديد.

 إذاً لم أكن لأبالغ في قلقي!

*

الجمعة

 12 / 1 /1976

صداقة حميمة شدّتني إلى الحانة قد تغير مجرى حياتي في الأيام القادمة.

 كنت أعمل إلى الرابعة .. اذهب إلى البيت .. أرتاح ساعة أوساعتين ثم اتسكع في المقاهي والحانات. ليست هناك من حانة تؤويني. ولا مقهى معين أقصده. بيروت كلها منفى جميل وأنا حر في الذهاب إلى أي مكان كان. الشرقية .. الغربية .. الضاحية .. الحمراء .. منطقة السفارات .. .الساحل. صخرة الانتحار ويبدو أن بيروت بدأت تضيق وتنحسر، وسوف يتقلص منفاي إلى حانة صغيرة، وإلا ماذا يعني أني استقر في مكان محدد؟

رأيت أختها هذا اليوم.شقراء فارعة القوام في الثلاثين من عمرها.قالت:

- أختي نريمان

لاشك أني أفهم نوعا ما ماذا يعني اسمها أما نوليا وكنت أظنه لوليا فلا أدري ماذا يعني.ابتسمت عن أسنان ناصعة بيضاء ذات بريق:

- كيف أنت؟كيف حالك؟ اشلونك؟ إن شاء الله بخير"قالت ذلك بلهجة بغداديّة بحتة"، وما زلت مندهشا. لم أر لبنانية سمراء .. أمامي عراقية بيضاء مثيرة ولبنانية سمراء أكثر إثارة. الأمر مقلوب، والدنيا مقلوبة .. المنطق يقول العراقية سمراء واللبنانية بيضاء، ولست سكران. أقسم أني صاح لما أباشر الشرب بعد:

إنك تجيدين اللهجة العراقية!

وأقحمت نوليا نفسها:

- أختي عراقية مثلك.

وقالت نريمان بابتسامة واسعة:

- بيور عراقية بيور

- مقيمة منذ زمن؟

- أووه زمن طويل!

وانبرت نريمان:

- وأنت؟

- لا أنا ولاشيء سنة تقريبا!

وران صمت مفاجيء بيننا نحن الثلاثة ماعدا همهمة بعض الزبائن ولحن أغنية خليجية من الماكنة المستندة جنب عمود ضخم يسار الطريق المفضي إلى الحمام، فقلت برجاء:

- أود لو سمعت أغنية عراقية!

فردت نوليا بابتسامتها ذات البريق:

- تكرم عينك لكن حالما يغادر بعض الزبائن الخليجيين إنهم يحبون تلك الأغاني!

 ولم يكن هناك مجال للأخذ والردّ حيث اضطرت إلى مجاراة الزبائن، ثم انصرفت مع زبون إلى الخارج في حين توجهت نوليا إلى المنصّة. أعترف أن حنقا طارئا يجثم على صدري كلما رأيت عراقية مع آخر غير ابن جلدتي .الحنق شكله واحد وكميته واحده لايميز بين مومس وأخرى فهل أسجل أنا عنصري أم وطني ولعلها تمزح وتدعي أنها عراقية مجاملة منها لي لكني بالتأكيد سوف أنسى، وبدت لي المسألة مع فراغي من الكأس عادية.نحن هنا نضاجع اللبنانيات واللبنانيون هناك في المغرب ينامون مع المغربيات وأهل الخليج في القاهرة ؟هناك أمور كثيرة تشغل ذهني: نريمان .. نوليا .. .الحرب الأهليّة المتوقّعة.عليّ أن أغادر قبل أن تغيب رجلاي في مكان ما .. سوف أحملهما بعد دقائق كما حملت ساقين بحذائين ثقيلين مضرجين بالدم وملتفين ببقايا سروال. لم أتحاش هذه المرّة أن أنظر إلى السماء، كأنّي لا أخشى الغيم أن يغضب أو يتلاشى كما انصرفت نريمان بعد ساعة من لقائنا.خوفي الحقيقي أن أفقد رجليّ فهما أوهن شيء يتلاشى من جسدي عندما أسكر مع ذلك رحت ادندن مع نفسي أغنية جذبتني إلى الحانة حتى قدمت نوليا وهي تقول:

- الآن غيرت الشريط.

جالت عيناي في المكان فوقع بصري على المنضدة قرب الباب خالية من الزبائن ومناضد أخرى قريبة منها خلت فأدركت أن الزبائن المعنيين غادروا وما علي أنا أيضا إلا أن أغادر قبل أن تختفي رجلاي فقلت ببعض البرود:

- سوف أسمعها في وقت آخر!

وغادرت قبل أن تلحق بي الأغنية إلى الرصيف!

 

 

 

*

السبت

13/1/1976

بقيت في المطبعة إلى الساعة الواحدة.هذه الأيام ازدحم الشغل بنشوب الأزمة، توالى ظهور المنشورات والصحف وولدت صحف ومنشورات أخرى.وكنت غالبا ما اقضي الوقت في القبو وحدي أعالج الزنكغراف وأرتب الحروف في حين يبقى العامل الآخر وصاحب المطبعة في الصالة بالطابق الأرضي. كنت منهمكا في عملي حين هبط الدرج السيد فاروق الأشقر وهو يتأبط رزمة أوراق تتبعه فتاة في الخامسة والعشرين من عمرها ترتدي سروالا من الجينز متوسطة الطول ليست بذات جمال شعرها مجعد خمنت أنها أهملته فتركت خصلاته تنسدل كما تشاء، أما وجهها فينم عن تناقض غريب، وقد شككت أنها تتجاهل أنوثتها فتتعمد أن تبدو بملامح رجولية مميزة :

- الآنسة لينا الدغيمي

 وبسط يده برزمة الورق" ستبقى معك لتوضح لك ماتريد بصدد إصدار جريدة، .التفت إليها ثانية:

- سأطلع على الـ lay out بنفسي حالما تتفقان على صيغته النهائية.

 وغادر إلى الطابق الأرضي، فسحبت كرسيا من زاوية المنضدة البعيدة إلى مكان قريب من مجلسي وحين خطت تبيت أنها تشكو من عرج خفيف في ساقها اليمنى:

- هل تسمح لي بالتدخين!

- خذي راحتك!

صوتها رجولي ذو خشونة غير مألوفة لفتاة في سنها:

- سجارة؟

- لاأدخن لكن لايمنع أن أنفث الدخان مجاملة أو سمها ماشئت

وتطلعت في عينيها فلم أستشف أية ملامح تدل على الانزعاج، وقالت:

- كلنا بدأنا هكذا.

- لاتخافي لقد كنت أسرق السجائر من علبة جدتي وأنفث الدخان من دون أن أبتلعه!

كانت تدخن بشراهة وربما أشعلت سجارة من عقب أخرى وانا أتابع معها صحيفة "صوت الشغيلة " والمقالات المخصصة للصفحة الأولى ومربعاتها والزوائد وبعض الاعلانات وكثيرا ماكانت ترتئي عمودا في موضع ما ثم تعود تغير مكانه.كانت تبدل رأيها .. تقبل بعض مقترحاتي حول الإخراج والإطار العام ثم تستقر على فكرتها الأولى، فعجزت عن أنْ أتبين أية ملامح يمكن أن أحملها عنها سوى برودتها القاتلة وصوتها الخشن الرجولي:

- الآن كل شيء جاهز هل أثبت الإطار العام ؟!

- ليكن هذا الإطار هو الهيكل العام والمربعات الفارغة للأبواب الثابتة مؤقتا فقد نتشاور بيننا لتصبح الجريدة فيما بعد من الصحف اليومية!

- آمل لكم كل خير!

وأخرجت من جيب قميصها الخاكي بطاقة ووضعتها على المنضدة:

 - عنوان مكتبنا تستطيع أن تزورنا في أي وقت!

وغادرت القبو فاستفزتني عجيزتها وهي تنحني صاعدة السلم مستندة بيدها إلى الجدار. بانت أكثر أنوثة مما لو قابلها أحد وجها لوجه ولعلني أردت أن استوقفها من دون سبب :

- أي تغيير جديد ترتئينه يمكن أن تخبري السيد فاروق.

- أرجوك أن تهتم بهذا العدد على وفق ما اتفقنا عليه فهو العدد التجريبي صفر.

- ولم تمر دقائق حتى هبط الدرج السيد فاروق الأشقر ثانية، فألقى نظرة على العمل وقال:

- شد حيلك الإثنين بعد الظهر يستلمون العمل لاتنس اسحب ثلاثة آلاف نسخة!

صوت الشغيلة، منجل ومطرقة .. الاستعمار .. العمل الوطني .. الاتحاد السوفيتي، الصين، الشيوعية حديث عن جرائم الامبريالية والاستعمار:

- أظنهم شيوعيين!

- جماعة منشقة عن الحزب الشيوعي. شيوعيون متطرفون سوف يطبعون جريدتهم في مطبعتنا إلى أن يبتاعوا واحدة ، ودفعني الفضول إلى أن اسأله:

- يبدو أنها مسؤولة الإعلام في التنظيم؟

- لينا ابنة منطقتنا من عائلة معروفة في البربير طالبة في السنة الثالثة بكلية الآداب تركت الدراسة والتزمت خدمة التنظيم للأسف ضحت بمستقبلها الدراسي !!

- لكن الأهم من ذلك كله انها تحاول أن تلغي أنوثتها!

- هي هكذا تهمل نفسها منذ الصغر ولاترتاح للعمل مع النساء!

- مسترجلة.

- ياسيدي لن يزداد الذكور واحدا ولن تنقص النساء!

فقلت كأني أحدث نفسي، ولم ألتفت إلى أنه حمل تعليقي على محمل الجد:

- معتوهة!لاشك أنها معتوهة!

- فعلا مثلما قلت فهذه الفتاة استرجلت وانضمت إلى مجموعة يسارية متطرفة فخرجت على اجماع منطقتنا التي عرف عنها انتسابها إما إلى جماعة قليلات أو الفكر السني!

*

الأحد

14/ 1 / 1976

- خرجت لشغل ما.

ربما بوقاحة ولم أنتبه لنفسي :

- مع زبون؟

 أين ياترى ذهبت؟هل هي الغيرة؟أظنّ أنّ شكلي أصبح مقرفا.شعرت أنّي في بيتي ومن حقي أن أرفع الستار.قالت لي نوليا:

- لماذا توغل في السكر ، وأضافت جادّة "يبدو أنّه يتعبك فتبدو في مظهر غريب.

 بنت الـ .. ما يهمها سكري أو صحوي إنّي أشرب بنقودي، ثمّ لنفترض أنّي أعرضت عن الشرب، وأعرض غيري ستضطرّ أن تغلق المحلّ أم حرام علي ما هو حلال على الآخرين!عجيب أمر هؤلاء.يقطع عليّ احتجاجي الهاديء زبون أصلع ضخم ذو كرش، أطلقت ضحكة حبيسة، وسألت نفسي:أين يضع عضوه، أظنه يلفه بخيط ويدسّه في جيبه.لِـمَ يتخنث في حين استرجلت لينا!وأمامي امرأة تعانق رجلا كل ليلة!فهل اتفق معها الزبون ذو الكرش، سمعتها تتكلم معه، التفت إلي التفاتة عابرة ولكي لاأخطيء مثلما أخطأت في الأغنية الفارغة من الموسيقى أو الموسيقى الفارغة من الكلام، أتأكد .. سمعتها تتكلّم باللهجة العراقيّة، وتعود إليّ فتقول:

- إنّها مشاكل العمل " ثم عقبت مباشرة " ضحكتك كانت تجلجل ماذا دهاك؟ "وأشبه بالحزم ":من الأفضل لك أن تتوقّف.

لست أسير العادة. يمكنني أن أدخن أي وقت وأكف متى أشاء .أسكر وأصحو بإرادتي في جميع المقاهي وفي هذا المكان لاأريد أن اصحو قط، فأرى نريمان تنام كل ليلة بحضن رجل ولينا تحرم نفسها من مفردات الجنس الكثيرة: القضيب .. اللذة .. . السكس الإيروتك .. العضو التناسلي نعمة من الله فلم تحرم نفسها منه لكنها لاتؤمن بالله فأكبت ثانية ضحكة عميقة يقطفها من أعماقي سؤال عابر:

في أية صحيفة تحرر؟

من المفروض أن أكون صحفيا أكتب تقريرا وأتركه على الطاولة لكن قد أكتب تعليقا واستطلاعا ثم أمارس عملي في القبو مع الحبر والحروف، تأتيني فتاة مسترجلة قتلت في أحاسيسها الانوثة من أجل مباديء انشقت عنها :

صحفي في صحيفة المشرق!

رائع !!

أنت أيضا رائعة فماذا أقول لها عن الخيط واللفافة، ذو كرش يضيع عضوه تحت بطنه، ولينا تسترجل.فمتى اتفقا ؟وفي أيّ مكان ؟مازلت مصمما أن أعرف:

- انّك تجيدين لهجتنا.

- أنا عراقية.

- معقول!

- وما الغرابة في ذلك.

 هذه المرة ضحكت من دون صوت.كلّ عاهرات الدنيا يعرفن اللغة الإنكليزيّة أو بعضها بحكم الضرورة والحاجة مثلما أعرف نفسي سكران أو صاحيا أمّا أن تصبح لهجتنا العامية لغة دولية فهذه معجزة أعجز عن حلّها الآن في هذه اللحظة بالذات كما أعجز عن لغز يتعلق بشكلي. أشلونك .. شكو ماكو .. منين إنت .. . هل أصبح قبيحا أم مرعبا. قبل أن أعرف علي أن اكتشف كم يدفع كل زبون ؟ مازالت الليرة اللبنانية تنطح الدولار. ليرتان لكل دولار. رائع.أيكون سعر الشقراء أغلى من السمراء أم ياترى أخطأت. أنا نفسي أفكر بالصداقة والحب، ولا أدفع ثمنا للجنس. الحب وحده وبعض المداعبات. هذا يكفي. أمر قطعته على نفسي منذ أصبت بالسيلان بعدما ذهبت مباشرة إلى حي الطرب. يومها كنت طالبا في الثانوية، مصروفي اليومي مائة فلس أما المرض فقد استعصى وتطلب تحليلا مخبريا. يمكنني أن أستدين من بعض الأصدقاء وأسرق بعضا مما في محفظة أمي فما أفضع أن تشعر بسكين حادة تجري في عضوك كلما هممت بالبول .. .والعلاج ومراجعة الطبيب .. ذلك لابد أن يجري بعيدا عن علم أبي وأمي. الحياء الخجل. حي الطرب فضيحة لأمثالي .. أدعي أني أصبت بمرض في المعدة. احتقان في البلعوم أي مرض أدعيه وأي طبيب .. لايهمني المكان قط ولاتفصيلاته من بريهة إلى باب الزبير حيث مخيم الطرب والغجر والمومسات ومن الضاحية إلى الحمراء إلى الساحل أو المسبح فأية مقهى أو أية حانة . كيف حدث هذا بل كيف أتيت من العراق ولم جئت فتلك تفاصيل لا تخصني سئمت منها المهم ألا تنغلق الأماكن بوجهي وألا ينفضح سري لكن شكلي في حالة السكر يبعث على الرثاء أكثر مما يثير الرعب. وها أنا اغادر كرسيي فأقف أمام المرآة المثبتة فوق المغسلة: هاتان العينان، والأنف .. الأذنان .. الفم الشعر الأسود الفاحم المجعد. أتاكد أنها الشفقة وليس هو الرعب !!

 

رواية مهجرية

د. قصي الشيخ عسكر

 

سردار محمد سعيدوحق الفحولة

لم تشتمل نساء الأرض أنوثة كأنوثتك

وحق الرجولة

لا فاكهة تداني قبلاتك

لاالمشمش ولاالتين    

سلنَ ريش الطيور عن لذة خفق الأجنحة

واللسان حينما يتلعثم

ترتبك الكلمات 

تتأجج شُعل الهمسات

وبقايا الندى على زجاج الشبابيك

***

يا لكحل الحدق بجلدي كآثار العربات

بين"العاصي" و"الفرات "

يا لعباراتك اللاهبة

قناديل وقودها دمي   

تمتص عنب السنين

تعلك رغيف العمر 

تفتت سنابل الحُب الملائكية 

تذرّيها على أرض أقحلت

تشير إلى السحاب

عليك سلام الله يامطر

الجوع ينتظر 

الصبر نفد

يحمّلني أوزاراً

لا طاقة لي بها

كما تُثقل الثمار الغصون

***

أمن العدل أن تستمتعي بأنين

يمامات الشبق

لزقزقة فراخ في عش صدري

وصوت إحتدام الحروف بالجسد

على قارعة الفراش الضرير

بتقاطع السطور

بهتكها الموازاة

باشتباكها

حتى ينبجس حبر الدواة

يلثم الأقلام

فتغادرالنقاط الكلمات

تتبعثر

أبحث في مواقعها 

لعلي أعثر على معنى سقط منها

***

إني أشمك في عبق الإستعارات

أشمك في عصف الرؤى

أشمك في برد الشتاء

في حبات الندى 

في تمردك الغريب

في الرجفة الكبرى

والرعشة الحرّى

في اتتظاري الطويل على بابك

وهروبك وإيابك

***

صارعت موج بحرك العنيف

متى ترسو سفينتي 

ويكف ّ الزبد عن لعق المجاذيف

متى آوي إلى صدر يعصمني من الغرق

أرقد قريرالعين بين الترائب والرقاب

غُلقت دوننا الأبواب

يكاد الشراع يبلى

والألواح تتشقق

إن تكوني صادقة أكون أصدق 

***

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق بين بيخال والبنج آب

 

 

 

ذكرى لعيبيتركتُ خطواتي اليتيمة

جمعتُ ضوء قلبي

في بصري

وقلتُ: هاكَ

لاحاجة بكَ إلى حدقتين

أبصرْ مدى الحياة بعيني،

كلما أحسستَ بظلمة.

كيفَ حشوتَ نهاري

بحفنة أكاذيب؟

قـطَّعتَ خيوط الضوء

وأهديتني سراب

الوعود!

لم أعد أتململ

من غيابك

نسجتُ من وهم الحضور

ثوب عرسي

شملتُ بعفوي

كل الأحلام المؤجلة

لوّنتُ زجاج قلبي

بطيف المدن الرحيمة

تذكرتُ أني امرأة

لن تهزمها تذكارات

هشّة

أو مواقيت دون

انبعاث

امرأة اصطفتها الملائكة

في خبايا الروح

دهشة،

أمـدُّ طرفي إلى

قمر ٍ شاحب

فيبتسم

أقبـّل عيون العابرين

أكحلها بنهارات الإله

وانحدر نحو ظلي

كي لا تبعثرني

المسافات.

***

ذكرى لعيبي

 

صحيفة المثقفوكم من فتى قضى على ساحل الغرباء ثكلته امه دون أن تدري وصاياها السبع بعثرتها الريح والمطر.. والبحر الذي ظن أن الثوب ال..طفا جزء من شراع الموت والحيتان أخفت من نواياها .. البلع والتمزيق والهضم . والأُفق كان مرحباً لولا إنْ خفر السواحل يصفع خده الممدود مثل ذراعه فيرتد منسحباً وراء خيمة الإنقاذ ومخالب السلاطن تطعن بطنه مثل سيوف الجانحين الى العداوة في زمن غبرت أواصره وانفك عقد الطيبين مع السلاحف . والموت لمَّ  رحاله عجلاً فأرسى شبكات صيده حافلاتٍ بالصبيان وأحلام الشباب تخلى عنهم وطنٌ وسدَّ بوجههم باب المنى.. وطيور جنات ٍ يؤلفها الخيال ُ ويرسمها في بؤر الأفكار ملونة ملاحا، ركّعا أحلامهم تحت أغلفة السنين مثل هدية ردها ساعي البريد إذ لم يجد أحداً يوقع لاستلامٍ  . والعيد لملم بالات أردية الصغار المرتدين طقوس الموت فوق جراحهم غرقاً كسنبلة بحقل الرز لم يتعرفْها رذاذ الهور ولا سمك البحيرة في سفوح المُهمَلين القاطنين في شارع - العشرين والخمسين وال ... من بغداد والمدن المحيطة ومن جلّق الفيحاء و الأرياف والمدن الصغيرة حجما لا مكاناً في بطون أسفار تأريخ العروبة والإسلام والذكرى - كالسوار صنعته كاعبةٌ من خرز ملون لتفرح أُختها غير أن الفرحة غادرت القبيلة قبل أن تلبس الأُخت ثوباً أو سوارا . ما وصل النعش كي تبكيه أم ولا وصلت جنازة هذا لان الإبن غيّر حروف الاسم وأمكنة الولادة والشهادة. وصل النعش الى مدن اخرى في الغرب أو في الشرق فلم تتعرف وجهها أُمٌ ولا وطن وظل طوق الورد مبتئسا - لا مكان له - ولافتة الشهادة .

***

سمية العبيدي

 

عطا يوسف منصورقـتـلتِ الـحُلـمَ بالامــلِ الـكـذوبِ

                بظَـنّـكِ أنْ سَـيُـغـفَـرَ إنْ تـتـوبــي

أمـــا تـدريـنَ أنَّ الـقـتـلَ ذنـبٌ

                  كــبـيـرٌ لا يُــقــارنُ بـالــذنــوبِ

أمــــامَ اللهِ غــالــيـتي بـمـــاذا

                  يكـونُ العـذرُ في قـتـلِ الـقـلـوبِ

أمـا تـدريـنَ أنَّ الـقـتـلَ صـبـرًا

                     هـداكِ اللهُ حــوبٌ أيُّ حـــوبِ

فلا مِـنـكِ الـصلاةُ لـهـا قـبـولٌ

                    ولا صــومٌ ولا وِرْدُ الـغـروبِ

أمامَكِ فـانظري حـالَ الـمُعَـنّى

                    يَـسُـرّكِ حــــالُـهُ بـاللهِ ثـــوبـي

لـقـد بـالـغـتِ غـالـيـتي فـخلّيْ

                  لِـقـائي عـنـدَ نـاصـيـةِ الـدروبِ

دعـيني وافـتراضي الحُـبَّ حـربٌ

                 رَعَــتْــهُ كـــلُّ آلـهـةُ الــحــروبِ

وأنّ الـنصـرَ مـحـسـومٌ لـديـهـا

                  لـغـالـيَـتي وأُصفـادي خـطـوبِـي

فمـا الـجـدوى إذا أحـرقتِ فُـلـكي

                 وأمـطـرتِ الـمُـتَـيّـمَ بـالـكــروبِ

أيُـسـعِـدُكِ الـذي ألـقـــاهُ ظُـلـمًا

                لِـيَ الـمَـولى لأســـعـدَ بـالـنـدوبِ

كـفاني أنْ أُسَـطِـرَها قـصـيـدًا

             وعِـطرُكِ في الحـروفِ بـهِ هـروبي

قـتـلتِ الحُلـمَ غـاليتي فَـمَـهلاً

                 هـيَ الايــامُ تُـغـــري بـاللـعــوبِ

***

الحاج عطا الحاج يوسف منصور

الدنمارك / كوبنهاجن

 

 

حسين يوسف الزويدأُحــبـُّكِ دومــاً وطــولَ المـدى

                     فــأنــتِ النــهايــةُ والمــبتـــدا

أُحــبُّــكِ حبــاً يفــوقُ الخيــالَ

                    فكلُ الوُصوفِ استحالَتْ سُدى

لأنّـكِ أنــتِ التــي فــي الفــؤادِ

                  تَربعْــتِ عــرشَ النـهــى ســيّدا

لأنّــكِ أنــتِ الـجُنــونُ الـهيـــامُ

                الصـراخُ الصيـاحُ الــذي أرعــدا

وأنــتِ الـتـي لو رأتْــها الـعيـونُ

                  لأنـكرَتِ الـكــحــلَ والــمــرودا

فحبُّــكِ لَــهْــفٌ ولحــنٌ رقـيــقٌ

                    وعــزفُ اشتيــاقٍ بقلبـي شــدا

وأنتِ : التيـاعي وشوقي إليكِ

                 كأعصــارِ عشـقٍ بعيــدَ الـمــدى

كسيــلٍ يـُجَرِّفُ عالـي السـدود

                   فــلا عاصمَ اليــومَ ، لا مُـنْجـِدا

فمنــكِ و فيكِ استجارَ الصريعُ

                  المُعَــنَّى الغريـقُ المنـادي: يَــدا

فأنـتِ الخــلاصُ وأنــتِ النجــاةُ

                 فكونــي لقلبــي الصـدي مــوردا

أرى العمــرَ دونكِ يعنـي الضيـاعُ

                فــكــونــي لأيــامــيَ الـمــرشــدا

لعــلّــي أســافـــرُ فــي مـقـلـتيـكِ

                فــمــوجُ الـبــحــارِ عـَتــيّــاً بــــدا

سأرسو بشــاطــئِ حــلْــمٍ نـــديٍّ

                 أُنـاغي مســيسَ المُنــى المفْتـدى

علــيــكِ قــوامً يـشــــقُ الــظــلامَ

                يطــــلَّ علــــى عتمتــي مُــنْشِــدا

وصــدرٌ يُنــاجــي غــرامَ السنيــن

              وشــــلالُ لـهْــــــفٍ بِـــــهِ أُوْقِــــدَا

ويعلـــوهُ جَـعْــــدٌ كليـــلِ دموس

               ترونــقَ مَيْســاً ويعــصــي اليَــــدا

أقــولُ و قــد أثْخَنَتْنــي اللـحــاظُ:

              أمـــا آنَ للســــيفِ أنْ يـُغــمــــــدا؟

وحتــى اذا مــا شــدَدْنَ الـوثــاقَ

        ولـَـمْ يُرْجَ مَــنٌّ ، ألا مِــنْ فــــــدا؟!(١)

فَجــودي علــــيَّ بخمــرِ الرضــابِ

                 علــى القِــدْرِ: أنْ يعتلي المَوْقِـدا

لهيــبُ الشــفاهِ يـداوي الصــــريعَ

              كمــا الــمــاءِ للنــارِ قــــد أخــمــدا

فهـــــلّا لممتِ شتــاتــــي الـــذي

           تشــظى سُهــــاداً عصـــيَّ الهــــدى؟

فلــولاكِ لا صــوتَ لي في الـــورى

              اذا مــا اشــتيْكتُ ولا مِـنْ  صــدى

***

د. حسين يوسف الزويد

..................

(١)  تناص او أشارة الى قوله تعالى في جزء من الاية (٤) من سورة محمد (حتى اذا ما اثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منّاً بعد وإما فداءاً)

* عذرا سادتي في المثقف الغراء لتأخري عنكم فأنا في مستشفى جراحة القلب لما أعانيه من اعتلال في عضلة القلب والشرايين دعواتي لكم سيداتي سادتي بالسلامة.

 

سهام جبارتأخذني دوماً للنزهة

تطفئ شمع السنين معي

تلعب كل الألعاب التي

تُذهبُ في حيرة

قد أفركُ عينيّ كي أصحو

أو أنادي ولا تجيب

تسدّ الأبواب عليّ

لتقول هيت لكِ

أخرجتُ لها لساني وأنا أصل الى الباب الأخير

ذلك كان في سنّ العشرين ربما

كلا لم أصل صدقاً الى الباب الأخير

كانت تخرج دوماً لسانها

وتضحك في تسلية

وأنا آخذ الأمر بجدّ وأبكي

تشكوني صديقتي

للشمع المنطفئ

كيف أني لم أتعرف اللغز بعد

وأعاقر اليأس

والندم

فيما هي تدور

وتدور هذه المتاهة الصغيرة اللاهية

دوامة تلمّ كل شيء

حين تكبر

أو تعصف

أو تشاغب

مدمنة على قتلي

صديقتي

المتاهة الطيبة!

***

سهام جبار

لمياء عمر عيادوفي التيه وجودي

ومرجعي في مسنتسخاتي

قلبي المرقعّ من لهفة ضاعت عند ابواب الانتظار

على غير انتظار أكتنف أحضاني لأجدك

أمضغ كلمات رتبتُها تنزلق في شلال وهم

وستائر العرض المسرحي التراجيدي

تُضحكني

وفي التيه مرايا تشاكس قُبح حلم

خيوطه مصطفة ّلترقيع شراييني

تنزف الى مصب العقل

والعقل فائض

يامن صنعَني التيه فكنت

محوت عقلي فزاد يقيني

كبتول تسقي النبيذ لذئاب

فترتعش الكؤوس وميضا

في عينيها نتواءات في صلب الصخور

على ضفاف المحيط يعانقها لطم الموج

ايها التيه في يقيني

وتيجان الوهم المنقوشة في ذاتي

افاخر بها السحاب وأرتق بها الرّعد

واصارخ البرق واصدق غيم الصيف

لازلت هنا على أرض الوهم

سمائي صور تتناثر من ذاكرة كلت الوجوه

متشابكة

كأصفار كتبها الجن

تلك الجباه والنواصي طلاسم

العيون تحجرت

ودمعي ابيّ لن يسكب عليها

فلتنشق الذاكرة أنصافا

وليصرخ تاريخي من عدمي

وليبقى لي تيهي لاكون

كحضارة تغرسها اكاذيب

فتورق ربيعا زائفا

***

الشاعرة التونسية: لمياء عمر عياد

 

عبد اللطيف رعريهكذا تراجع ربيح الحلم

لورائيات زمن كان التشابه أصلا للكون

فمن تشابه منّا فلا عجب ...

ومن أتى بغيرنا فهو عكس التشابه

 فلينتظر الرّشمة الموالية للقدر ...

من وحلٍ...

من نارٍ .....

 من ماءٍ ..

من كل شيء اخضر...

سقطت الرايات البيضاء

تحت أقدام صبية تصنع من وحل المزارع

تمثالا مبثور الدراعين للعبث

بعين واحدة لا تحيد ُعن راشقها

تدمع لهيبًا قد اضاء مغارةً يلتف فيها النهار...

قصرا أبوابه على الفناء تتلوا أغنيات النسيان

على إيقاع النسيان

خرابا يأتي بدون استأذان

وتأتي العرائس صدفة بظلٍ على الكتبان

برقصة عرّاها نهرٌ نام ألف عام

 من وحم عشقٍ تدلّل باسم السّماء فخرَّ الانام

وتهادت في ارض الله كل الكلمات

وشاخت في الاعمار كلها الاعمارُ

كل الأعرافُ

 كل الانصافُ

الطُّيور في اثقابها عاكفة على شللِ الإشارات

وقد أومأت بعماها لنحس آتٍ

   ترعاه بُومة عداها شبح الليل

لا غدو ولا رواح

لا شدو ولا قراح

امام نهر يأكل ساعات النّهار

ويطبِّلُ في قراره بعبء الأحجار

 وقائمة للأشرار

 ووجه خاب الظَّن فيه فثار

وجئنا على اعقابنا خاسرين

 نرقص بعيون مغمضة على وترين

 كمن يعقب وهمَ الاتي

 وفي يده حفنة ماءٍ باردة

وصرخة مديدة في جوف الصَّدى

 ثمن الخسارة

 نلحس تراب الامنيات

 بلسان أطول من الصمت فينا .........

ونعيد تخاريف العاجزات

 على ظهور تحمل ما لا سلام

ما لا كلام

ما لا صدق في النيات...

فمن أعادنا للوحل حتمًا سيعيدنا لزمن التشابه

حيث ضياع للحلم

حيث ضياع لرَّشمة الأولى

وبداية انهيارنا ...

لبناء ساعات النهار .

***

عبد اللطيف رعري /مونتبوليي /فرنسا

 

 

مصطفى غالب مهتديغريبة أنت يا عيوني .. تبكين حين الفرح .. تضحكين حين الحزن ...

غريبة أنت يا عيوني.. سفنك المبحرة في البعيد البعيد تجرُّ الموانئ إليها ...

بينما الليل يعيِّد في عيون النساء العائدات من الحقل ...

حزينة أنت يا عيوني ...

الجفاف يخيم على خلجان وجهك ...

و هذه الأرض لم تذق الماء منذ عمر طويل، لعلها نسيته أو نسيت مذاقه، إنها في حالة عطش قارس له، وفي كلِّ خطوة فتحت فماً لاستقبال نهر من الماء ....

حزينة أنت يا عيوني ..

وهأنذا جلجامش العائد من رحلة البحث عن اللقمة، أحمل بين أصابعي زجاجة خمر معتقة، حصلت عليها بعد تخمير عرقي في جرار التعب والغربة والقهر،

وعلى بوابتك يا عيوني،

كانت عيون الأطفال ترقبني كالفهود الهندية السوداء، وهي تستعد للخروج من وجوهها لتشرب رشفة مما معي

- إنه خمرٌ ... ألا تصدقونني ؟؟!!

+لا عليك ... إنه سائل كالماء ..بلهو الماء بعينه

-إنه خمر ويُسكر !!

+ أتريدنا أن نسكر أم نموتَ عطشاً ؟؟!!

ركضت فاراً بكنزي العظيم ..

ركض خلفي الأطفال والشيوخ والنساء والرجال والشباب ...

هربت إلى الأمام، وكلما سقطت قطرة من الزجاجة نتيجة هزات الركض والخوف ..

كانت أظافرهم تتحول لمعاول تشقُّ الأرض وألسنتهم تمتد كالجذور متعمقة في الأرض باحثة عنها بين الشقوق ...

تمسكت بعمق بزجاجتي كأنني صرت هي وصارت أنا ..خائفا عليها العطش الكاسر ومخالبه الملتوية حتى الحلق ..

و فجأة ..آه .. سقطت على الأرض ..

أفلتت الزجاجة من كفي

و راحت تتدحرج إلى أن ارتطمت بصخرة لئيمة

... فاندلق ما فيها على التراب ليرسم خريطة من ضحك وبؤس ..

و صلت الأيدي التي كانت تلاحقني ..

اختفيت خلف شجرة هرمة ذابلة، أرقب ضياع جني العمر وردة الأبدية والخلود..

امتدت الأيدي نحو الخمر لاستقباله،

اشتد الصراع فيما بين الأيدي... الأظافر... الأنياب... الأفواه ... الشيوخ ... الرجال... النساء ... الأطفال ...

و عندما هدهم الصراع بتعبه ..

نظروا جميعاً بما فيهم أنا إلى زجاجة الخمر الفارغة ..

و إذ بالأرض قد ابتلعت ما فيها من الخمر

لتبدأ ديدان الأرض تروي عطشها..

من نهر الدم الذي جرى فيما بينهم ...

حينها بدأت يا عيوني...

تضحكين

***

نصٌّ قصصي: مهتدي مصطفى غالب

 

عمار حميدتعالى صوت طرق الباب على صوت المطر الغزير المنهمر في ساعة متأخرة من الليل لأجد أمامي جارتنا العجوز التي تسكن في البيت المجاور لبيتنا، لم تنطق بكلمة ولكن نظرةً سريعة منها فسرت لي سبب حضورها المفاجئ.

- سآتي معكِ ...

كان ابنها الضرير ذي الأصابع الستةِ في يده اليمنى منذ ان خرج الى هذا العالم والذي فقد والده ايضا في حروب مجنونة لم أعد اذكر عددها، يصحو بشكل مفاجئ من النوم لينزل ويهيم في الطُرقات رغم ان والدته كانت تحكم اقفال الابواب وأخفاء المفاتيح لكن وبطريقة ما كانت تجد الاقفال مفتوحة كأنها ترحب بخروجه، اخذت معي مصباحاً ونزلنا للبحث عنه. وبعد بحث قصير وجدناه يقف تحت احد الاشجار مبللاً يتكلم بكلمات مُبهمة غير مفهومة رافعا رأسه ويده المشوهة نحو الاعلى كأنه يتكلم مع ظَلال تقف أمامه، أذكر ان أمي رحمها الله تقول انه يتكلم مع الجن وكنا نحن اطفال القرية نتجنب الأقتراب منه بسبب تصرفاته الغريبة هذه.

أمسكت به والدته بكل لطف راجعة به الى المنزل وهو لايزال يتمتم بكلماته المبهمة تلك ... مرت عدة ايام حين ألفيتُهُ جالساً على عتبة الباب وحيدا صامتا فجلست بالقرب منه:

- هل لازلت تتكلم مع نفسك؟

- أنهم يحاولون التحدث الينا...

- من هم؟ .... سألته

- ظلال الغابرين، الذين كانوا هنا منذ زمن بعيد جدا.

دائما ماكان يلوذ بالصمت بعد هذه العبارة، ثم يقوم متلمسا طريقه يريد الدخول الى المنزل ولكنه هذه المرة وقبل ان يصل الى الباب قال:

عمّا قريب سأرحل انا وسترحلون بعدي أنتم كذلك...!

لم أفهم معنى ما قاله ومالذي قصَدَهٌ من ذلك تاركاً وراءه تساؤلات وعلامات استفهام، وفي احدى الليالي أنهمر المطر غزيرا مرةً اخرى وهرعت انا والمرأة المسكينة نبحث عن ولدها وسط ظلام الليل ولكن هذه المرة لم نستطع العثور عليه وتظافر سكان القرية بعد ذلك للبحث عنه في جميع الأرجاء وبائت كل المحاولات للعثور عليه بالفشل.

مر مايزيد عن العام ونسي الجميع الأعمى الذي كان يتكلم مع نفسه، بعدها فوجئ جميع سكان القرية بحضور العديد من رجال الشرطة يطلبون منا اخلاء منازلنا والاستعداد للرحيل خلال فترة معينة والمباشرة بدفع تعويضات مالية حيث أخبرونا ان علماء الآثار اكتشفوا عن طريق الأقمار الصناعية مدينة اثرية سومرية عظيمة سيغير ظهورها الى العالم مجرى التاريخ كما انها محفوظة بشكل جيد جدا تقع مباشرةً تحت قريتنا ... وعم شعور بين الجميع ان الأعمى الذي اختفى قد رحل مع الظلال التي كان يكلمها.

***

قصة قصيرة

عمار حميد مهدي

 

قادة جليدقتلوك يا جمال

وقتلوا الشرف الرفيع

وقطعوا الخيط الرفيع

وقتلوا آخر ما تبقى للعرب من كبرياء

أضاعوك يا جمال

وأي فتى أضاعوا

هل أرثيك اليوم يا جمال

وهل عسى ينفعنا اليوم الرثاء

و كيف يرثي القتيل القتيلا

مات الشرف العربي

في عيون الجزيرة الحزينة

وما عادت تبكي لبكائنا السماء

تداعى القوم من عرب ومن عجم

وشيوخ القبائل من غابر الزمان وآخر الزمان

إلى ذكراك الأخيرة

يقدمون العزاء على مائدة الموت البارد

ويرتشفون فناجين النفط والموت

ويتبادلون الإبتسامات على الهواء

لا حديث يعلو على رائحة النفط والموت

لا حديث يعلو على لغة الغنيمة وكسر العظام

لا حديث إلا عن حكم دية القتيل في الشريعة

أما القاتل فعلمه عند الله

قتلوك وصلبوك يا جمال

وباعوك حيا وميتا في سوق العملة و العمالة

ولكنهم ما قتلوك وما صلبوك

ولكنك شبهت لهم

 

الدكتور قادة جليد