مصطفى عليالى إبنتي (وحيدتي) الجيداء في عيد ميلادها العاشر

الزهرة الربيعية التي إنْبجست على أهداب خريفي الذابل

*

أكُلَّمــــا نادت (الجيداء) يا أبَتي

غنّتْ مزاميرُها لحْناً على شفتي 

 

وغرّدتْ كالصدى (فيروز) صادِحةً

أسمى ترانيمِها سِحْــــــــــراً لِأفْئِدَةِ 

 

وأمْطرتْ زُرْقَةُ الفيروز لُؤلُـــؤها

تسْقي دموعَ الندى فجراً سَفَرْجَلتي 

 

(بابا) نِداءٌ هَما من غيْبِ سُنْدِسِها

فأوْرَقت في دمي أندى قُرُنْفُلـــــةِ 

 

(بابا) ومُذْ طَرَقتْ أبوابَ ناطِرِها

فرَّ الفُؤادُ غـــــــــزالاً بينَ أوْديةِ 

 

أشجارُ روحي شَدتْ فيها جلاجِلُها

وَرَقّصتْ مهجتي أنغـــــامُ جَلْجَلةِ 

 

(بابا) تُزلْزِلُني رعْـــداً وبارِقَةً

رْحماكَ ياخالِقي من يوْمِ زلْزَلةِ 

 

(بابا) إذنْ هَطَلتْ فانْشقَّ قلبي بها

وأنشقَّ قلبُ السما من حَرِّ أدعِيَتي 

 

أوّاهُ يانغْمةً رَنّاتُها بِدمـــــــــــي

تَذْرو همومي كما ريشٌ بِزوْبَعةِ 

 

أوشكْتُ أنسى من القاموس مُفْرَدَةً

لولا شذى سِحْرِها لَمْ تزْدهرْ لُغتي 

 

مِنْ كوْثرِ الروحِ من تسْنيمِ جَنّتِها

صيّرْتُ كافورَهــا حِبْراً لِأُغْنيَتي 

 

حتى أُريقَ شذى كافورِها بِدَمي

وَللْخزامى رذاذٌ فَوْقَ أخْيِــــلتي 

 

جادتْ بلابلُها وحْياً لذي مَـــــدَدٍ

فباضتِ اللُؤلُؤَ المكْنونَ موْهِبتي 

 

وحيْثما كحّــــلَ الوِجدانَ ميْسَمُهـــــــا

فاضتْ بغيْثِ الرُؤى والبوْحِ موْجِدَتي 

 

بيْداءُ روحي غدتْ كالدوْحِ وارِفةً

وإنثالَ في بيتِنـــــــا قِدّاحُ مِشْمِشةِ 

 

فأشْرَقت غابةُ النسْرينِ وإنْبجستْ

بينَ الأيائِلِ والْغُدْرانِ ليْلَـــــــكتي 

 

نِداءُها والْندى قد خَظّــــــلا زمني

حينَ إستطابتْ نِداءَ الحُبِّ أزْمِنتي 

 

وخضّلت شيْبتي حِنّاءُ بسْمَتِها

كليْلةٍ وَلَجتْ في فجْرِ ناصِيَتي 

 

على ضِفافِ المُنى والشوْقِ موْعِدُنا

كأنّني والندى نسْعى لِمــــــــوْعِدَتي 

 

دَقّتْ على بابِنا بابِ الخريفِ ضُحىً

فَفَرَّ حُـــــــــزْني غباراً عبْرَ نافِذتي 

 

فأيْنعتْ سِدْرَةٌ رَغْــــــمَ الخريفِ فقدْ

أضحى الخريفُ ربيعاً حوْلَ زائِرتي 

 

يا زائري في خريفِ العمْرِ مُلْتَحِفــاً

أوراقَ روحي على جُثْمانِ أرْصِفتي 

 

قُلْ للمُسجّى على صُلْبانِهِ جَسَداً

الليْلُ ولّى فعاقِرْ نــــــورَ أُمْنِيَةِ 

 

تضوّعتْ مهجتي مِسْكاً بِمَنْ طَلَعتْ

شمْساً على غيْهبٍ في ليْلِ ممْلَكتي 

 

وحلّقتْ في سماءِ الروحِ مُشْرِقَةً

تجلو بأنْــــــوارِها مِرْآةَ ذاكِرتي 

 

قَالَتْ وقدْ أمْطرتْ شهْداً براءتُها

ليْسَ التي تُرْتَجى يوْماً بجاحِدةِ 

 

مِنْ عالَمِ الغيْبِ والأنـوارِ أنزلني

توْقٌ الى النارِ في أشْواقِ والِدَتي 

 

فراشَةٌ كُلّما لامسْتُ قلبَ أبي

درّتْ مدامِعُهُ كُحْلاً لأجْنِحتي 

 

وبعْدما أقبلتْ ناجيْتُ واهِبَها

شُكراً لِربٍّ بهِ لم تنْعَدمْ ثِقَتي 

 

وكيفَ لا يشْكُرُ الموْهوبُ من وهَبا

جوداً بلا مِنّةٍ تُمْلى علــــــــى هِبَةِ 

 

تلوْتُ في عيْنِها أٓيات سورتِها

ورددتْ إسْمَها حبّاتُ مِسْبحتي 

 

أرتِّلُ الاسمَ ترْتيلاً فيُطْرِبَنـــــي

حتى غدا إسْمها فرضي ونافِلتي 

 

كراهِبٍ بدّدَ الناقوسُ وحْشَتَـــهُ

رفْقاً بذي راهِبٍ يا قلْبَ راهِبةِ 

 

أضحتْ بمقْدَمــــــــكِ الجرْداءُ زاهِرةً

طوبى لِمَنْ ماثَلَ (الزهراء) في الصِفةِ 

 

(زهراءُنا) كُنّيتْ إمّاً لــــــوالِدِها

وأنْتِ أُمِّي بشرْعِ الروحِ أو أبتي 

 

أسقيكِ مُبْتَهلاً من دمْعتي ودمــــي

فاسْقي أباكِ جنى الإحسان ساقيتي

***

مصطفى علي

سمرقند الجابري

لم يعد الجرح

يأخذ مني وقتا ليندمل

قلبي زورق ضوء

يحمل الاصدقاء لجزر آمنة

حتى التافهون منهم ....اوصلهم

ابرأت ذمتي امام الماء

صار الوقت والجرح صديقان

انصب لهما ارجوحة اعصابي

واحلف عليهما بالعباس:

تأرجحا...تأرجحا

واضحك ملء قلبي

على رهان اللاعبين الجدد

الذين لم يعرفوا بعد من تكون،

سيدة اللعبة.

***

سمرقندالجابري

 

سلام كاظم الشجربغير وجوهنا المكتظة

على نوافذ التوديع...

وشرفات الاشتياق

سنعود على شاكلة حلم

بغير أن نحلم

بعيدا عن خطوط الضياء

ونندس بتلابيب الظلمة

وزوايا الإحتراق

نتوقف أمام أنفاسنا المتوقدة

لشوقنا القديم

بدهاليز غربتنا ورغباتنا

نفتش بكراسنا البالي

بين ركام البقايا

وقدم الأشياء،

نسترق السمع لصوتنا البعيد

الراكض مع الخلسة

يتمتم بداخلنا يستدل على التيه

قبل أن نوثق النهايات

وننسخ خطوط الإمضاء

على نعشنا المحمل بأسباب الغربة

وقد أستعجل الأنفاس الأخيرة

وحيدا يردد صوتا تلاشى

مع الباكين....

فما عاد يستذكر حنجرته

الموغلة بالقدم

من بقاياه صوتا لم يغادر

على جدارنا الآيل للسقوط

كتب قصائد الوجد

بأقلام الإرتياب ،،،

***

سلام الشجر

 

انمار رحمة اللهأنا في حيّز لا أُحسدُ عليه. كيف علقتُ في هذا الأنبوب الورقي الضيق؟!. مع غابة كثيفة من التبغ. حرارة الجمرة ولهيبها يقترب ببطء، وما يعجل في اقترابها تيار الهواء الذي يسحبنا كلينا إلى الطرف الآخر. وبين لحظة ولحظة، تجيء نقرات تهزّ المكان هزاً، ليسقط بعدها رماد التبغ الذي غادره الجمر في المقدمة.. كلما اقتربتْ حرارةُ التوهج، اتجهتُ مرغماً صوب الملاذ الأبرد في جوف السيجارة. نحو نهايتها التي تسحب الهواء المتخم بالدخان الحار وتسحبني أيضاً بين ثانية وأخرى. هكذا إذن سأموت محترقاً ما بين عُقب السيجارة وجمرتها التي تقترب نحوي. كم أتمنى أن تُطفأ الجمرة الآن، وتُكسر اللفافة ثم أهرب بجلدي من هذه المحنة. بدل أن أموت محترقاً في غابة التبغ هذه. ولم أشعر وأنا أتمنى حالماً بالصدمة، إلا بعد أن هوت السيجارة إلى الأرض مرتطمة بها. ولم يخفف شدة الصدمة عني، سوى التبغ المتبقي في عُقبها والذي كنتُ محشوراً فيه. مرت لحظة رمقت بها الجمرة وهي تقترب.. التصقت بقوة بعُقب السيجارة القطني باحثاً عن شعرة أمل أمسك بها. لحظة أخرى مرّت، شعرت بالإختناق، لا بسبب بقايا الدخان واقتراب الجمرة، بل ذلك الجسم الصلب الذي ضغط على اللفافة، وصار يدعكنا مع الأرض.. الجمرة وأنا والعُقب القطني.

 

أنمار رحمة الله

عبد الجبار الحمديمادي: تطلعت الى ساعة يدها قائلة.. لقد حان موعد زيارتي الى قبر ساندي فأنا في مثل هذا الوقت من كل يوم اذهب لزيارتها هلا انتهينا توم..

توم: كما تشائين ويسرني او اوصلك في طريقي الى المقبرة إن شئت.. وانا اسف على خسارتك مرة اخرى.

تكررت اللقاءات معها عدة مرات، كان شغفها ان يطلب منها ان تزورهم في بيته، لكنه انشغل بعض الشيء حتى اتصلت به وقالت له:

مادي: هالو توم.. كيف حالك اليوم، ارجو ان لا تكون منشغلا في عمل ما وألهيتك عنه

توم: لا أبدا يالها من مفاجأة جميلة، كنت افكر ان اطلبك غير اني ترددت خوفا ان اكون قد اثقلت عليك كما في المرات السابقة، لا اخفي عليك صرت اراني حين اريد الاسترخاء ونسيان من اصبحت اشتاق لرؤيتك وشغف السنين وولعي بك

مادي: ماذا تقول!!؟

توم: اعتذر إنها زلة لسان، فقد عنيت اني ارتاح كثيرا وأسعد بلحظاتِ قربك، ما رأيك ان نتقابل هذا المساء عندي في المنزل على العشاء مع ابنتي ساندي؟ ففي الغد عطلتها المدرسية ويمكن ان نقضي المساء بطوله معا..

مادي: مذهولة من دعوته.. كيف علم برغبتي في رؤية ابنته والمنزل الذي تعيش فيه؟ لابد انه شعر برغبتي بالتأكيد..

توم: هالو.. مادي اين ذهبت؟ ماذا تقولين؟؟

مادي: عادت الى وعيها ..إني معك لكنها مفاجأة لي، لقد كنت افكر في الطلب منك بأن تدعوني لرؤية ابنتك ساندي لكني كنت محرجة .. غير انك ازلت حاجز الإحراج بدعوتك ... نعم بالتأكيد موافقة فقط حدد الزمن والعنوان

توم: لا عليك سأمر آخذك في الساعة السادسة والنصف مساء أيناسبك ذلك؟

مادي : بالتأكيد انه مناسب تماما

توم: الى اللقاء مادي العزيزة

مادي: الى اللقاء عزيزي توم

شعر توم انها فرصة مواتية ليخبرها عن تعلقه بها وبحبه لها الذي كتمه عنها لسنين خلت، ذاكرا تدخل القدر في ذلك الى جانب انها كانت تحب جيم، فبات مستحيلا ان اقارن بمن احبته حد العيش معه والإنجاب منه، لكن الآن ربما ستكون الفرصة مواتية لمفاتحتها بما في قلبي نحوها من حب قديم، سرعان ما تجدد بأمل حين رؤيتها

شعرت ولأول مرة مادي وهي تدخل منزله بالطمأنينة والهدوء، أنه دافئ مليء مفعم بالحب في كل ركن من اركانه، منزل مرتب بشكل ينم على ان صاحبته كانت ذات ذوق رفيع وحس مرهف، من خلال اللوحات والستائر وأناقة الأثاث، كل شئ فيها يوحي بالاستقرار.. همست في نفسها توم إني احسدك يا عزيزي على ما انت فيه وما آلت إليه حياتك، إنك تستحق كل الخير..

توم: مادي ما رأيك في منزلنا المتواضع انا وساندي؟

مادي: إن فيه من الهدوء والطمأنينة ما يوحي بالحياة الجميلة التي يتمناها كل إنسان

توم: شكرا لك، لكنه الآن وبعد رحيل سارة بات ربما بداخلي كئيبا لولا حبيبتي ساندي

مادي: أين هي؟ أيمكن ان أراها؟

توم: تعالي معي بالتأكيد ستتفاجئين حين تريها وما تفعله في مثل هذا الوقت بالذات

امسكها من يدها يجرها كالاطفال الصغار، وما ان وصل الى باب كبير ادرا وجهه ناحية مادي واضعا اصبعه على فمه وانفه هامسا أششششششش أنصتِ قليلا....

كانت ساندي تعزف على البيانو معزوفة بعنوان القدر بحرفة رائعة، حتى ان مادي بهتت مما سمعت مصعوقة بالمفاجأة!! اقتربت بعض الشئ من الباب وأصغت بكل شغف، ايعقل ان القدر بمعزوفته هاته يحاول ان يرتق جراحي من خلال فتاة صغيرة لم ارها بعد، لكنها تحمل بداخلها احاسيس عميقة رائعة من خلال ترجمتها لموسيقى عالمية لا يجيد عزفها سوى المحترفين، يا إلهي!!! كم انا شغفة لرؤيتها اكثر من قبل، اتجهت الى توم هامسة:

مادي: هل يمكن ان تفتح الباب قليلا لأراها وهي تعزف؟

توم: هازا رأسه بنعم.. فتح الباب قليلا لترى تلك الفتاة الناعمة العود، ذات الشعر الأحمر والوجه المشع بالنضارة والدفء، وضعت يدها على فمها حين شهقت غير انها كانت عالية اوقفت ساندي عن العزف وهي تلتفت نحو الباب لتجد والدها مع مادي .. لتهرول مسرعة اليه صائحة بعد ان رمت نفسها بين ذراعيه

ساندي: أبي ما هذه المفاجأة! عدت باكرا الليلة؟ لقد  اسعدتني بذلك كثيرا

توم: نعم هي مفاجأة، وقد احضرت معي ضيفة عزيزة عليّ، لها هوس مثل هوسك في العزف على البيانو إنها السيدة..

ساندي: لابد انها السيدة مادي التي اخبرتني عنها وحدثتني  كثيرا عنها، زميلتك ايام المرحلة الثانوية والكلية .. فرصة سعيدة سيدتي أن التقيك الليلة، حتى يتسنى لي شكرك على اخراج والدي من دائرة القتامة والحزن التي كانت تحيط به منذ رحيل والدتي الغالية وجدي العزيز.. ثم نظرت الى والدها مكملة حديثها إنها جميلة كما قلت يا أبي

توم: محرج كما هي مادي، هيا ساندي كفي عن هذا الحديث وهيا بنا نجلس قليلا حتى يجهز طعام العشاء

كانت ساعات كأنها العمر كله بالنسبة الى مادي، وهي تدخل الى نفسها وحياتها صوت هذه الفتاة وحيويتها الى داخل اعماقها، كأنها تواسيها دون ان تدري، تمد يد العون لها من الانغماس في بحر مظلم.. خاصة بعد ان تشاركا في العزف على البيانو لنفس المقطوعة التي عاشها توم من خلال لمعان عيناهما وتألقهما في العزف ببراعة لا توصف

توم كان يتطلع الى مادي ونسيانها الكلفة والضحك والحديث والعزف دون تحرج مع ساندي ومعه، كان شعوره لا يوصف حتى شارفت الساعة قرابة الحادية عشر مساء فعلق قائلا:

توم: حبيبتي ساندي جميل ان اراك مفعمة بالحيوية بهذا الشكل لكن الوقت بات متأخرا على موعد نومك، اعلم قبل ان تقولي ان لديك عطلة في الغد، لكن هناك ايضا إلتزامات مدرسية، كما ان السيدة مادي لديها ما يشغلها أليس كذلك؟؟

مادي: رغما عنها.. نعم هو ما يقوله والدك، سعيدة جدا بلقائك ساندي ومسرورة بسماع عزفك ومشاركتي معك

ساندي: حاضنة مادي طابعة قبلة على خدها قائلة: تصبحين علي خير سيدة مادي، اتمنى ان أراك قريبا لنحظى جميعا بمثل هذه الليلة الجميلة .. عمت مساء

استغل توم تلك اللحظات ليُحيي ما بداخله من حب ناحية مادي، مُطلعا إياها على كل شيء، قاسماٌ انه لم ينسها لِلحظة، لكن الظروق ويد القدر هي من حرفت بمصيرهما ليلتقيا بعد عقد من الزمن، يجتمعا وكل يحمل جراحاته وبلسمها في مشاعر الآخر إني احبك مادي .. احبك كثيرا جدا، ولا يمكنني ان اجعلك تختفين هذه المرة من حياتي، ساتمسك بك وساحارب العالم هذه المرة من اجل ان تكوني الى جانبي وفي حياتي حتى الموت

مادي: لا ادري بماذا اجيبك توم!؟ لقد فاجأتني بمشاعرك اتجاهي، لقد كنت بعيدا كل البعد عن تفكيري، لكني ومذ رأيتك شعرت من لحظتها بأن حياتي ربما ستترمم، بعد ان هدم ركن مهم فيها، وها هي يد القدر نفسها التي امتدت وخطف ابنتي ساندي أعادتها إلي من نافذة اخرى هي نافذة بيتك انت، الذي ادخلتني إياه بظروف تكاد تكون لا يد لك فيها إنما صنعها قدري وقدرك.. مسرورة بِبوحِك، قد لا اكون احمل نفس مشاعرك الجياشة التي اشعر بشعاعها يخرج من ضياء عيونك وحرارتها خلال لهاث انفاسك، لكني سعيدة جدا، لقد بت لا استغني عنك ولا افتأ احب اللقاء بك والحديث معك..

دون تخطيط مسبق اطبق على شفاهها بقبلة ساخنة، جاعلا الصمت وحرارة الحب الكامن بداخله يتحدث عن الرغبة في احتواء احدهما الآخر بحياة دافئة معا وساندي الى الابد بعيدا عن الاحزان وعزف القدر.

 

بقلم/ عبد الجبار الحمدي

 

عبد الله سرمد الجميلما عادَتْ تحمِلُني قدمايْ،

حتّى أقفَ أمامَ الرسمِ الدارسْ،

قلْتُ: سأجلِسُ،

لكنْ أينَ سأجلِسُ؟

ما من شِبْرِ ترابٍ،

كلُّ الأرضِ هنا حجرٌ أحمرُ،

تحتَ الحجرِ الأحمرِ يتنفَّسُ عشبٌ يابِسْ،

ألمَحُ صفّاً من نملٍ أبيضَ،

يدخلُ في أُذُنِ الجُثّةْ،

وفراشاتٍ تخرجُ من جمجمةٍ،

ثُمّ تغيبُ وراءَ بناءٍ مائسْ،

سِربُ نوارسَ تعلو من قلبِ الجثةِ،

وتُراوغُ طلَقَاتِ القنّاصِ،

فلمّا تعِبَتْ ما وجدَتْ مئذنةً تحميها،

أو صُلْبانَ كنائسْ،

صمتٌ وحشيٌّ لا يكسِرُهُ،

غيرُ رنينٍ ناءٍ من أجراسِ مدارسْ،

وأنا للجثةِ حارسْ،

***

عبد الله سرمد الجميل - شاعر وطبيب من العراق

 

محمد نوحيديباجة

سقطت سهوا:

لكم حرية الإبداع

ولنا حق المصادرة.

*

لوحة

بِطلاء السَّراب

ترسم جداريات العذاب

كل يوم... على بوابات الحدود.

*

قصة غار

الرسول يَتَعَبَّد في الغار

تُشْرق الأنوار

شحاذ يَتَرَصَّدُ ضَبّا في جُحْر

تلدغه أفعى.

***

الدكتور محمد نوحي

 

محمد العباسيربما كنتُ مخطئاً

حين عبّرتُ بالكتابة

عن كل شيء

*

ربما كنتُ للناظر أبدو

أني في غرامي

ليس لي رأي

*

ربما كنت كالغريق

متعلقاً بآخر قشةٍ

كالميت الحي

*

لكنني اليوم

ألوذ بسكوتي

حفاظاً على ذاتي

لبعض كرامةٍ مما لدي !

***

البحرين

25/9/2016

 

صالح البياتيوعندما زرت الكيال مرة أخرى في منزله، ركنت سيارتي أمام الباب، وقرعت البوابة الحديدية السوداء، فخرج البستاني العجوز، حياني رددت تحيته وقلت، تعال ياعم معي، للنزل هديتك من سطح السيارة، شكرني وأسرع يجر الدراجة، قادني كالعادة لصالة الاستقبال، ودخل المطبخ، عاد يحمل صينية فضية صغيرة فيها كأس برتقال، وضعها امامي على الطاولة المستديرة وانصرف ليعلم الكيال بوجودي، قمت احتراما للكيال عندما دخل، صافحته، استأذن وغاب دقيقة، ثم عاد يحمل سفطا  فتحه، ونثر محتوياته على السجادة الكاشانية الفاخرة، قلب بأصابعه المتيبسة:

"هذه مستندات مِلكيه للناس ائتمنوني عليها، واوراق رسمية، احتفظ بها بمكان آمن في غرفة نومي."

التقطت أصابعه وثيقة شهادة الجنسية، ومدها الي، اخذتها، أمعنت النظر في محتوياتها: شعار مملكة العراق، تاريخ الإصدار في العشرينات، اصفرار الورقة ويبوستها كقشرة البصل، الكتابة بمداد أسود، لاتزال حروفها مقروءة بوضوح، أما الطوابع الملصقة عليها، فيرجع تاريخها لحكم أول ملك على العراق، وقد نصل لونها، هذه الوثيقة التي برزت من وهدة الزمن البعيد، يريد سليم الخماش أن يلغيها ويشطبها، حقيقة صارخة تدمغه بالكذب والبهتان، لأنها مستند أصلي ، وحامله عراقي مائة في المائة، تساءلت مع نفسي، التي أثقلها الحزن، عن الفائدة التي يحققها الوطن من تلك الأباطيل والأفعال الغبية، التي يقوم بها رئيس الدولة وخادمه المطيع سليم الخماش وأمثاله، فلم أجد جوباً لتساؤلي.. جمع العجوز الأوراق ورزمها بخيط ستلي، وضعها على المنضدة.

"هل تسمح لي بالاحتفاظ بشهادة الجنسية."

"خذها، لم تعد لي حاجة بها، على كل حال سيصادرون كل ما نحمل من وثائق عند الإبعاد."

"ونقودك المودعة في البنك؟"

"ليست ذات أهمية، لا تقلق، نحن التجار نعرف كيف نسوي حساباتنا مع بعض."

"صحيح.. سأزورك قبل السفر."

"سأحكي لك نكته قبل أن تذهب."

ابتسمت، لأن الكيال فاجأني بأريحيته غير المتوقعة في ظروف كهذه..

" استاذ نوح انت تعرف طبعا الضابط فاخر خريبط، امره سليم الخماش، أن يلقي القبض على العراف سنيجر، أو كما يسمونه زهلول."

وسكت الكيال، ينتظر تعليقي.

" وبعد ماذا حدث؟ "

" الضابط  اطاع سيده، راح وقبض على عاشور المخبل، وجاء به مكلبج للمدير."

"على فكرة حاج، لم أر عاشور منذ مدة، اختفى فجأة."

" خائف من التسفير."

ضحكنا بمرح وعفوية..

قبل مغادرتي لمنزله، ناولني الأوراق، وطلب مني ان احتفظ بها، خوفا من مصادرتها عند تفتيش بيته بعد ابعاده.

ودعته، عائداً الى منزلي، انزويت في غرفتي، وأخذت أحدث نفسي، ولكن في الحقيقة، كنت اخاطب الكيال الغائب، الذي تركته قبل قليل في منزله وحيداً، وكأنه أمامي الآن: من هم أجدادك يا موسى الكيال، أعرب هم، فرس، شركس، ترك، أرمن، أفغان...هنود، أم ماذا!، ألهذا يشك بك الخماش، مع إنك عراقي، أكان أجدادك أغوات، سباهية، تجار، قطاع طرق.. من أين أتى أجدادك وأي طرق سلكوا ليحطوا رحالهم اخيرا على أرض المنفى والبلوى والسبي والكرب.. لماذا لم يولوا وجهوهم شطر أرض أخرى، ترحم من يلتجأ اليها طلباً للأمان والاستقرار والازدهار!

ومع أن الكيال لم يكن يسمع بالطبع ما قلته، لكنه كان يشعر به، كان حتى تلك اللحظة الزمنية القاسية حياً يرزق، كاسم علم في سجلات القيد الرسمية، إلا انه في الواقع، فقدَ هذه الصفة التي تمنح الأنسان الرغبة بالاستمرار بالحياة، يخيل اليَّ وأنا أفكر به، أنه ينظر الآن الى ملفات حياته، من خلال كوتين صغيرتين، خلف جمجمته المعطوبة، كلاهما أكثر عتمة من حاضره المعاش، إحداهما تفضي الى دنياه، التي عاشها ردحاً من الزمن منعماً، سعيداً وسيداً، واخرى يطل عليها من ثقب ضيق، الى قبره و آخرته، مصير يجهله، لا يرى فيه بصيص أمل، دنيا جذبته بقوة وأغرقته بين أكياس المال، وأخرى حاول أن يشتريها بثلاث حجات، تصور أنها مبرورة تمحي ذنوبه القديمة والجديدة ..

أباح لي ذات مرة، ما يرقد في نفسه من لوعة وندم، في آخر مرة ذهب حاجا لبيت الله الحرام، وضع خده على الركن اليماني، كما فعل من قبل، نثر دموعه، بلل الحجر الأسود، وفي غمرة انفعاله، تخيل أن دموعه الغزيرة اختلطت بماء زمزم، فشرب الحجيج ذاك العام، ماءً أجاجا، فظنوا ان البئر ازداد ملوحة بسبب ذنوب الخاطئين، وفي آخر حج قام به بكى بمرارة طفل ضائع، اعترف بكل ذنوبه الصغيرة والكبيرة، التي ظن أن الله قد محاها من سجل اعماله، فعاد كما ولدته أمه بريئا نقيا طاهرا، كورقة بيضاء، اعترف أنه كان دائما يتذكر ذنوبه القريبة، ناسياً أو متناسيا البعيدة، أو متستراً عليها، ولكن حادثة مقتل عامل المطحنة التي طواها النسيان، قفزت من بين تلك الملفات، فرأى دمه يلطخ لباس إحرامه الأبيض الذي يلف جسده، فزع من رؤية إحرامه ملطخا بالدم، أثناء طوافه حول الكعبة، وتعجب حينما لم يلاحظ أحد ذلك، وكلما أتم طوافاً شعر بأنه اكثر ذنوبا، وعندما أكمل الشوط السابع ، انفلت من الزحام، وصلى خلف المقام ..

في تلك اللحظة من بوحه المرير، توقف عن الكلام، كي يلتقط أنفاسه المتلاحقة، ظل صامتا بوقار، تنير وجهة لحية بيضاء، وعينان ذكيتان رغم إنطفائهما، سألته لماذا توقفت، قال: "أخشى ان لا تصدقني، لان ما سأقوله لن يصدقه أحد" استغربت من كلامه، فسألته:

"ولماذا لا أصدقك، عهدتك صادقا دائما..أكمل سأصدقك، تابع بوحه بوتيرة اسرع وادعى للشفقة والأسى..

شعر وهو جاثم عند المقام، أن يدا حانية مست جبينه المحموم، ومسحت حبات العرق عن وجهه ورقبته، فشعر براحة نفسية عميقة، رأى أجنحة بيضاء كثيرة ملأت الحرم، أخذت ترفرف فوق رأسه، أحس برغبة عارمة للغياب عن العالم، أخذته خفقة وسن مفاجئ بعيدا، ورمته في حضن نوم عميق، تمنى ألا يفيق منها أبدا..

توقف الكيال يلتقط انفاسه المتقطعة، ثم تكلم كأنه غائب عن الوعي كالمنوم مغناطيسيا:

" كنت أريد في تلك اللحظة النادرة، ان أنام نومة الموت الأبدية، لكن جموع الحجيج ونداء: لبيك اللهم لبيك، أعادتني لوعيي، فكرت عميقا بشي أعلنه أمام الجميع، ثم صرخت بأعلى صوتي: ياناس، أنسبوني من أكون.. لأي دين أو ملة أو قوم أنتمي ؟!"

أشفقت عليه وقلت في نفسي، هذا الرجل يبحث يائسا عن الجذور، عن الأعماق الغائرة في النفس البشرية، من هو ومن أين اتى؟! تلك هي الحيرة التي يعجز عن معرفتها الأنسان، رحت اتقصى تاريخ اجداده الافتراضي، مستعينا بخارطة الهجرات المستوحاة من وحي خيالي، فكنت أثناء فترات توقفه عن الكلام، أحدث نفسي متأثرا بما يبوح به وبما يعتمل في نفسي ايضا.. أتساءل وانا انظر اليه، من أي أمة أو قبيلة تائهة أنحدر هذا الرجل؟ وأي سماوات أظلت أجداده الأقدمين، وأي نجوم أنارت طرق هجرتهم، على أي شواطئ  رموا نظراتهم الأخيرة، بحر الخزر، البحر الأسود.. أرحلوا عبر جبال البرز أو زاغروس الشاهقة.. أجاءوا مع الريح الشمالية الباردة، وسلكوا السهول الفسيحة؟ حتى لفحتهم رياح السموم العقيمة، الهابة من اتون الصحراء العربية اللاهبة.. أسئلة كثيرة، وحكايات تسرد حتى السأم والملل. عن حقيقة انتشال الذات من قعرها المظلم، ورفعها عاليا لترى النور الساطع، وبهاء الوجود المترع بالفرح والحبور، الأشياء التي لا تستطيع النقود أن تشتريها، ولكن الذين حط المهاجرون رحالهم بينهم، لا يعرفون هذه الحقيقة، يظنون ان  دافعهم للهجرة هو الفقر، وشظف العيش، والحاجة والعوز.. أو هو الانتقال من وعورة الجبال وبرودة طقسها، الى رحاب السهول الفسيحة الدفيئة الوسيعة.

وبعد فترة صمت طويلة، واصل الكيال الحديث، وتوقفت أنا عن الانزياح في تأملاتي البعيدة، قال إنه شعر بإلحاح لحظة استعادته لوعيه، بالحاجة الى تصفية حساباته القديمة..

بعد عودته من آخر حج، تمنى وداع الدنيا الفانية، وتنقية روحه من كدوراتها المتراكمة، تضرع لله أن يساعده على شطب ذنوبه، فتوقف برهة، مترددا عن المضي في الكشف، وتعرية الذات وفضح اسرارها، ولما رآني أتطلع اليه باستغراب، واصل اعترافاته، قال:

" ذهبت بعد عودتي مباشرة الى بيت العامل القتيل، طرقت الباب، خرجت لي بنت حلوة، سألتها من أنت يا بنيتي؟ قالت: أنا هيلا بنت مظلوم، سلمت عليها ووضعت في كفها مظروفا، وقلت هذا دين عليَّ ، قولي لوالدتك عندما تصلي ان تستغفر لي وتبرئ ذمتي، ودعتها وانصرفت "

أزاح الكيال باعترافاته الجريئة، شيئا لا بأس به من ذلك الماضي الذي أثقل كاهله، وكاد يزهق روحه، ولكنه لم يتحرر بعد من عقدة الذنب التي تلاحقه.. وبقي عليه ان يدخل المطهر فيحترق كليا، ويتوهج كالنار..

 

صالح البياتي

.....................

- المَطْهَرُ Purgatorium في العقيدة الكاثوليكية، يقابله الأعراف في العقيدة الأسلامية.

حلقة من رواية بيت الام، تنشر لأول مرة على صحيفة المثقف

شكرا لمتابعتكم

يتبع

 

 

عقيل العبودمختلفة ألوانها، كأنها قطع كارتونية متناثرة، تلك الوريقات التي فارقت بقاع ألفتها الممتدة، عبر تفرعات كوكب ارضي، تجانست أغصانه وفقا لحقيقته النامية.

دموعها تساقطت حين داهمت انفاس أمومتها حركة إعصار مباغت. لحظتئذٍ، القطة ولادتها تعسرت، لتموت فرحتها عند مفترق طريق آمن.

الحزن كان قد امتد عبر تداعيات فصل خريفي، أعلن عن استعداده لمداهمة عصفور ، زقزقاتهُ تواً استفاقت، أملاً بزفاف فجر جديد.

انذاك، أوكسيد الموت إستيقظ من نومته، متحالفا مع إحتفاء أفعى، قررت الإختفاء خلف أكوام قش، تناثرت أجزاء محبته، إستجابة لأنفاس ريح تبحث عن مكانٍ كفيف.

الشجرة تعبيرا عن رابطة التضامن، أغصانها قررت ان تحكي قصة أمومة تبعثرت أوطانها، على شاكلة "فرق تسد".

لذلك عند مفترق زاوية تناسلت محبتها مع اروقة برد قارس، الشمس تآزرا، عنفوانها ابتكر طريقة للحياة.

يومئذٍ، الورقة الخضراء، بهجتها إرتسمت مع ابتسامة ذلك الشُعَاع الذي تدلى احتجاجاً على ظلام ليلٍ أصداؤه تجاوزت حقيقة النهار.

 

عقيل العبود 

 

ياسمينة حسيبيسبعون ألف سنة من اللغة...

ولا سِمسمَ حرفٍ يفتحُ مغلاق الروحْ . 

وحيْثُكَ: تتربصُ إناثُ الشكّ ... بِـذكورِه،

والرّحى تدور على ذمة الظنّ ..

حتى إذا ما تكشّفتْ عورة الحبّ، ساحتِ الروح من خروم الجسدِ.

وبين وَجِيف ورَجِيف، يقْضمني ناب الغياب

يخترق الشوق جوفي بغتة ...

فيدوّي النبض لِيصُمّ طبلة القلبْ !

فيَا الأبْـعد/ الأقرب إليّ من وتيني

وجهكَ المُتغايِب ما زال يسْتبدّ بعيْني ..

ويستأنفني في وطيس المسافاتْ !

وأسألكَ:

كيف سلوْتَني غريرة المكان، وزماني يكركُ على بيضة الحلمِ؟

وأيّ المآذن ترفع الصمت ميقاتًا للسقوطِ؟

فما أشْوَقني إليّ وما أشقاني: قلب لا يقبل التبنّي،

سلكتُ جاحم سبيلكَ على رِمشي والطريق معبّدة الجِمار! 

وبرئْتُ إلى الباري من هوىً تحمله الريح بين سحابتيْن...

فيشُتّ أشتاتي !

وحبّذاكَ ...

 تُدرك طعم الروح في نكهة العشق

أو تفْقَهَ حكمة الجنون في بلوغ الرشدِ.

وكم ْ تمنّيتُ أنْ تقتفي نبضي في آثار الشوق،

أوْ تصِلَ باب عُمري مُمْسِكًا بيدِ الإنتظارْ !

كمْ ... وكمْ ...

لكنْ لا صُبح أسفرَ عنكَ ...

حين فصّلتَ وجهك على مقاس الغياب !

هكذا.. تدثّر الحلم بفرْوِ الثلوج ثم غفا على باردِ الوسادِ.

فلا تسلْ :

كيف تسّاقطتِ الأوراق بداخلي؟

فألغيتُني من هواتف دمٍ لا يُرَقّم فصيلتي .

وكالمشتبه بها،

ألْقيْتُ بعمري وراء ظهري وتسللتُ خارجَ  اسوار الحبّ !

فلا تكثرتْ إن تسّاقط العمر غزيرًا ... فاقِعَ النّدمِ.

بمَحْضِكَ، أطبق رمشي على رمشهِ ... وتجفجف ثوب الماءِ.

وعلى قيدِ وهْمٍ، سيقرعنا الحظ كرقمين في اليانصيبِ

ويا لَحسرة النصيبِ في قِسمة القلوب !

ما أدْرَكْـتَـني إلاّ ... جدًّا متأخرًا،

وقد كنتُ دمكَ في سُلالة الأرَق،

كُنتُكَ في الصمت الذي ازْدردَ حنجرتي،

في الغيرة التي يجري من تحتها الإعصارْ،

وفي الرئة التي تسْعلُ دخان الإنتظارْ !

فعلامَ نُفَلّي وجوهنا الآن  ... ونتراشقُ برجْعِ الصدى؟

عَلامَ نأْسَـى؟

وما ملَكْنا من زمام القلب أمراً ...

والعشق ممالكٌ وعروش،  

وحظرُ تجوّل بعد منتصف النّبْـضِ! 

 

ياسمينة حسيبي

 

سهاد حسنوجاءت تلك الفتاة  التي تدعى سوهاد تقطع طريقها وسط زحام افكارها وزحام السيارات التي كانت تسير في وسط شارع مظلم. كأن في وجهتها شيء من المجهول والمعلوم معا. تلك الفتاة كانت تبلغ خمس وعشرين ربيعا، عفوية جدا الى الحد الذي يناديها فيه احدهم "صغيرتي". واخيرا وصلت وجهتها التي تريد وقالت بعد ان القت التحية وبعض من كتبها:

"عزيزتي نور كيف حالك؟"

اجابت نور وعلى وجهها ترتسم بعض علامات الدهشة "انا بخير وايضا الاطفال". كانت تهمهم في نفسها لأعداد الطعام الى شقيقتها من الرضاعة (سوهاد). ولكن الأخيرة كانت تهم بشيء اخر يشغل تفكيرها المزدحم بأفكار جعلتها تهرم قبل اوانها. تنفست سوهاد  وكأن شيئا من الغصة تلون صوتها ثم سألت "اين عزيز قلبي احمد؟" قالت بحيرة لازلت اتذكرها "ذهب ليتسامر مع بعض من أصدقائه"

نثرت سوهاد اوراقها وكان جل ما يهمها حينئذ هو ايجاد مسوده وقلم. كان التعب قد نال منها لأنها كانت تعمل كأستاذة في احدى الكليات، شيئا من القلق والتعب وقلة الراحة امتزجا معا ليشكلا معا الجدة وليست الفتاة سوهاد. مزقت ورقة من احدى كتبها وخطت يدها بعض الحروف. تلك الحروف كانت تشكل معا رسالة اعتذار لذنب لم تقترفه ولوعد وثقت به.

"الى الروح ! اعتذر"

 ثم لصقتها على المرأة التي من المتوقع ان يراها احمد ريثما يستيقظ من نومه صباحا. وخرجت سوهاد مسرعة من البيت. بعد بضع اميال ، اتصلت تلك الفتاة بأحمد التي كانت تحتفظ به في جهات اتصالها  تحت اسم "ملاك". بعد رنين مطول، اجاب وكان جوابة جاف كجفاف ليلة من ليالي تموز. انهى حديثة ولم يأبه لوحدتها وتركها تصارع ظلمة ليل الرابع من اكتوبر بمفردها. لم تتعبها الاميال ولكن اتعبها جفاف الصوت الذي اعتادت على دفئة.

 توقفت سوهاد لبرهة وسط الظلام ثم رفعت طرفها الى السماء وسقطت دموع عيناها ولكن نظارتها كانت جديرة بإخفاء تلك الدموع. كانت تلك الدموع لا تليق بمستواها الاكاديمي ولا تليق بمجتمع ضالته الكبرى استغلال ذلك الضعف. خيم الصمت وخيل انها توقفت عن البكاء ولكن قلبها وعيونها كانا ينزفان بقوة. الا ان الصوت عاد موهناً يكاد يختفي لوجه هزيل بارد، قدمان بالكاد يستقيمان وقوفا، ثم وضعت كفاً فوق الاخرى وتحركت شفتاها  لتمتم " سأذهب لأموت عند أهلي كالغزلان". دفء راحتي يدها وحرارة الالم ودموعها كلها كانت انيسها الوحيد في ذلك الظلام الدامس.

 تابعت المشي لبعض الاميال واذا بها تبحث عن قلم كمجنون يبحث عن الدواء وسط كتبها الهزيلة لتكتب فوق غلاف الكتاب الاول: " وما زال قلبي يشتكي لك وحدة تركتني انت فيها، وحدة تسبب لي الجنون كلما تذكرتها. حسنا، حياة اخرى تناديني منذ امد بعيد وحان الوقت للقائها. وداعا، وداعا ثم اعتذر"

 ما ان انتهت من كتابة تلك الحروف حتى شعرت ثمة ضوء يقترب منها، كان بؤبؤ عيناها شاحبا هزيلا كقنديل أتعبته كثرة الضياء لمن حولة. ما ان رفعت طرفاها نحو ذلك الضياء التي ظننته ضوء سيارة من تفتقده حتى اصطدمت بها سيارة ولدت دموع ودم سقط بعض منه على غلاف ذلك الكتاب ليكون ذكرى. ثم سقطت سوهاد جثة هامدة تناثرت فوقها الكتب التي كانت تحملها معها وبعض الوريقات. ورحلت سوهاد بصمت مدوي في السابع من شتاء 2018.

 

سهاد حسن

 

عبد الجبار الجبوري1- كلُّ نفسٍ ذائقةُ الحُبِّ

كيفَ ليْ أنْ أستفّتي قّلبي، وقَلبي تحملُهُ في حقيبتِها، فليسَ عدلاً أنْ تشيخَ قصائدي على وسادتها، وهيَ تُلوّحُ لي بشالِها الأحمر، وتقولُ للبَحر، تعالَ أيُّها البَّحرُ ولا تجيءْ، فلسانِي يَلهجُ بإسمِها ليلَ نهار، وقلبي ينبُضُ بِحبِّها ليلَ نهار، وروحي تنهضُ كلَّ صباح، لتقرأَ ما كتبّتهُ يداها، على حائط الشوّق، وتشربُ من يدها قهوة فيروز، أعترفُ لَكم، أنَّ كلَّ نفسٍ ذائقةُ الحُبِّ، إلاّ قلبي، ليس عدلاً أنْ تجيءَ القوافلُ وأنتِ لستِ معها، وليس عدلاً أنْ تجيء الفصولُ، وأنتِ لست ربيعها، وليسَ عدلاً أنّ قلبي ضَلَّ الطريق إليها، وتاه في سماءِ القُبَلِ، وأنّ شفتاي ضلّتا الطريقَ الى شفتيّها، وتاهتا في موجِ القُبَل، لا، لاتلتفت خلف سربِ الكلام، فهي غافيةٌ على وسادة الرّوح، تفكُّ إزرارَ الظلام لتمرَّ خيلُ فَمي، هي الآن تسمع أغنية فيروز (لاتجي اليوم ولاتجي بكره)، هي تعرفُ كمْ أُحبّ فيروز، وأُحبُّ صباحَها الذي يُشبهُ وجه حبيبتي، وأعترفُ لها، أنَّ كلَّ نفسٍ ذائقةِ الحُبِّ إلاّ قَلبي، فهو لايذوقُ إلاّ القُبلَ من شفتيها الكافرتين، فدعيني أيتّها الملوحةُ بالشّالِ الأحمر، أنْ أعبثَ ببسّتانِ أُنوثتِكِ وأهذيْ، كي تُزهرَ بساتينُ اللهِ، فوق خديّك، ويطلعُ منْ بَين نهدّيك القَمرْ...

الموصل -23/11/2018

 

2- بينَنا سماءٌ من الكلام

بي رغبةٌ في الكلام، ورغبةٌ في البُكا، كُلمّا إشتدّ النَوى، وتاهَ في الأُفقِ الظلام، مرحباً ياقَمرَ الكلام، حين تقولُ ليَ القصيدةُ، خُذْني إليّها، أرتَجي من يَدها السَّماح، أعرفُ بينَنا حقلٌ من الألغام، وحقلٌ من البُكاء، وحقلٌ من أغاني الطفولة، كُنّا نُغنيّها معاً، وكُنّا نرسمَها معاً، أعرفُ أنّكِ تبحثينَ عن نجمتِكِ التائهةِ في سمائي، وتزرعينَ في شَفتي وردَ الحَكايا، تعالي ألآنَ فالنجمةُ غائبةُ والقمرُ حَزينْ، تعاليْ وحطّمي خلفكِ المَرايا، واالتَكايا، وأصنامَ الزَّمان، تعاليْ وإجلسي قُربَ قلبي، ليحدّثكِ عن الزّمان الذي أنتِ عِطرَهُ، تعالي ينتظرُك قلبي عند عُتبةِ الباب، تعاليْ وماءُ الكلامِ يغسلُ الشِّفاهَ، ولا قُبَلةٌ على شفاهِكِ العَطْشى، أعرفُ أنّكِ تُمسكّينَ غُصنَ حَرفي، وتُلوحّين به، كشالٍ أحمرٍ عند ضفة الرّحيل، الرّحيلُ الذي كُنُتهُ، وأعني اللقاء، وأقصدُ الرحّيل الى عينيك الساحرتين، والى أُنوثتكِ المدفونةِ في وَحْلِ الزّمان، وقامةٍ التي تَلْعبُ بها الرِّيح وهي تَميل، وضحكتِكِ الذهبّية الحزينة، التي تطوّقينَ بها روحي، وهي تبتّسم لقصائدي، قصائدي التي تطلعُ من بين نهدّيك، طازجةً كالمَطر، وحزينةً كوجهِ القَمر، أعترفُ بيَننا سماءٌ من البَعاد، سماءٌ من الكلام، وسماءٌ من القصائد، تظّللُ وجهَك الذي يشبه رغيفَ أمي، أحبّكِ وليذهبَ الآخرونَ الى الجحَيم، أينّكِ تعالي ينتظرُك قلبي عند عُتبةِ الباب....

الموصل -5/12/2018

 

3 - إليها تهربُ عصافير روحي

كيفَ ليْ... أنْ أُخيطَ من الليّل عباءةً لقامِتها، وكيفَ لي أنْ أغزلَ من خيوط الشمس رموشاً لعينيّها، وكيفَ ليْ أنْ أُقبّلَ ضحكَتها الذهبّية التي ترقصُ على شفاهي، كيف ليْ أنْ أرسمَ نهديّها النافرين كفرس جامح يخترق صحراء روحي، على رملِ قلبي، وقلبي تركتُه لديّها، كيفَ لي أنْ أُخبرَها، أنّي أُحبُّها أكثرَ من البَحر، ومن الليّل، ومن قلبي،، كيفَ ليْ أنْ أُخبرَها، وأنا أرتجفُ حُبّاً بحضرتِها، ولساني يّتَلبّكُ وَجَلاً للسلامِ عليها، يااااااااااااه يقتلُني البوّحُ، دِلّوني كيفَ أحضِنُ حُزنَها، وهو يهربُ من قصائدي الى البحر، أحبُّها وهي تهدي لي ضحكةً من فرحِ القمَر، وتلوّحُ ليْ بشالِها الأحمر، تعالَ أيهُّا البَعيدُ، لأحضنَ وجهكَ وأموتْ .....

الموصل

7/كانون اول/2018

 

عبد الجبار الجبوري

 

فتحي مهذبسأبني جسرا فخما

بين قلبي وروحي ..

لا يعبره الا المتصوفة والعشاق..

أملأ قاع الهاوية بأزهار الأوركيديا..

وأقيم عشاء فاخرا

لسكاني السريين..

لصديقي هوميروس الأعمى..

لأنكيدو المطوق بالحافات..

لأهل الكهف وكلبهم الرابض

أمام مدخل كتفي..

لحمامة جارتنا الثكلى..

لأموات جميلين

يمسحون زجاج مخيلتي

المزدحم بغبار الأيام..

لزهرة عباد الشمس الراعفة

بقداس وثني..

لفراشات نائمة تحت غلاف الروح..

لمرابين شربوا من دم كلماتي

وأحالوا عرقي خمرا لسباياهم..

لقطان باخرة راسية تحت لساني..

لريح عمياء تتسول جوار دار الأوبرا..

لغرقى مرتجفين في أعماق الصمت..

لحصان جاري النهيلستي..

سنغني جميعا باسم الحب..

بأمجاد العالم السفلي..

نتراشق بندف الضوء

نخفي في عشاش أرواحنا

كلمات حلوة..

وألبوم غرباء عبروا النهر سريعا..

فواكه نادرة ليوم الآخرة..

كروانا شجي الصوت..

لتأثيث سهرتنا الأبدية

في رحم الأرض..

سنحب العالم وسماوات

طفولتنا العالية..

نجوم عمائقنا المؤتلقة..

سنآخي بين قطيع الأضداد..

ونوزع حمام الشعراء

على العميان

***

فتحي مهذب

بكر السباتيننعم، كان يتساءل لماذا ينفض الأصدقاء من حوله رغم إغداقهم بالهدايا ا!

كانت هداياه متميزة وثمينة.. وكان شديد الإيمان بمقولة "أطعم الفم تستحي العين" فكيف لا وهو الثري الذي يعتبر نفسه مركز الكون فتطارده عيون الحاسدين.. وقد منح نفسه الحق في مراقبة حتى أقرب الناس إليه "يطمعون بثروتي ويتربصون بي" إحساس ظل يداهمه حتى في علاقته مع الأصدقاء.. وكان كثير التباهي بنفسه إلى درجة الغرور.

إنه ذاته (خلفان) الذي اشتهر بين أصدقائه بحاسته السادسة، حتى بدا لهم كأنه عرافة تقرأ الفنجان وتكشف المستور.. فلا عجب في سياق ذلك ألا يكتشف أحدً سره الباتع "هذه موهبة وفضل من الله عليه".

اعتاد خلفان تقديم الهدايا إلى أصدقائه وخاصة عملائه في السوق أو رفاقه في الحزب والمؤسسات الثقافية، وهي عبارة عن أجهزة هواتف خلوية ذكية وحواسيب محمولة حديثة (لابتوب). والجميل أن هذه الأجهزة تكون معدة مسبقاً ومزودة بالبرامج الأساسية التي تظهر أيقوناتها على سطح المكتب.. ولولا عناية الله التي جعلت أحد هؤلاء الأصدقاء يذهب بهدية خلفان (هاتف نقال من نوع آيفون) إلى مركز صيانة الأجهزة الخلوية؛ لما اكتشف بأن هذا الجهاز كان مخترقاً.. فاستشاط غضباً:

"كيف حدث ذلك!! هذه خيانة ونهب لأسراري!".

حيث تبين له من خلال نتائج فحص الجهاز بأنه قد زود ببرنامج (تطبيق) تجسس سري لا تظهر أيقونته على الشاشة، ما يعني بأن خصوصياته باتت منهوبة، وليس مستبعداً أن تكون قد تسربت إلى خلفان!!

وتساءل في سره والجمر يتقلب في حشاياه، متخيلاً حياته الخاصة كأنها سيجارٌ محشوٌّ بأسراره الشخصية، وملقومٌ في فم خلفان وهو يراقبها فتبدو له كراقصة من دخان متصاعد:

"أيعقل ذلك!

خلفان الذي اشتهر بيننا بحدسه اللافت يعتمد في ذلك على هذه التقنيات المتقدمة؛ كم هو مريض نفسياً هذا الخلفان حينما يلوك أسرارنا في مجالسه أو يشبع شهواته باختلاس النظر إلى تفاصيلها المحرمة.. أيعقل ذلك!

كيف إذن تصل هذه العين السرية غير المروضة إلى جهازي الصغير.. ثمة يد عابثة ما لبثت تتجول من خلال هذا الجهاز في تفاصيل بيتي وسأقطع دابرها في حينه!".

أكلت الحيرة رأسه، فما كان عليه لقطع الشك باليقين إلا أن يسرّ بالأمر لصديق مشترك بينهما، ممن تلقوا مثل هذه الهدايا من قبل؛ ليكتشفا معاً آخر المطاف سرّ خيبتهما أمام ذلك الحدس المذهل الذي كان يتمتع به صديقهما "الوغد" خلفان!! مجرد برنامج تجسس يزود به هداياه الثمينة، وهي لا تظهر على سطح المكتب، وبوسعه من خلال ذلك السيطرة على عدسة التصوير والتلصص على أدق تفاصيل حياة أصدقائه: "كم كنّا مغفلون".

قالا ذلك والغضب يعربد في رأسيهما. صحيح أنهما انفعلا وهددا متوعديْن، ثم حطما كل هدايا خلفان؛ لكنهما أيضاً تسترا على خيبتهما، وقررا أن يكتفيا بما فعلاه بذريعة أن بعد الظن إثم.. وفي الحقيقة أن كبرياءهما هو الذي منعهما من مواجهة "النذل" خلفان .

إلى هنا وينتهي الأمر بالنسبة لهما.. ولكن بعد مضيِّ عدة أشهر على هذه الحادثة المشينة، كان خلفان يعيش حالة من القلق إزاء انفضاض صحبه من حوله "يجب أن أفهم سر ذلك!". لم يحصل خلفان على إجابة شافية بعدْ وهو يتساءل:" ما الذي جرى وأصدقائي يبتعدون عني رغم ما أقدمه لهم من هدايا!! هذا جحود وحسد قاتل لأهله".

ثم تساءل بانتباه:

"هل تطبيقات التجسس هي السبب! ستكون كارثة لو كان الأمر كذلك"

ويبدو أنه لم يدرك بعد فحوى الرسالة متمتماً في سره وهو يتنفس الصعداء مهدئاً من فرائصه المرتعدة:" مجرد هواجس فلو حدث ذلك لعاتبوني على الأقل!!"

وبغتة اجتاحته حومة الشك فانتفخت أوداجه فجأة حتى أوشك على الاختناق.. كانت الكلمات تتعثر في حلقه فيقذفها كالرذاذ بطرف لسانه المتلعثم، ثم يبلع ريقه وعينيه متقلبتين خيفة.. تساءل:

" ولكن كيف يحدث أن تتعطل تطبيقات التجسس المغروسة في أجهزة الأصدقاء بعد مجافاتهم لي على الفور؟"

الصداع يأكل رأسك يا خلفان ولن تهجع ناره.

***

قصة قصيرة

بقلم بكر السباتين

 

لمياء عمر عيادبعيدا عن كلي.. انتهي

أفرض النهاياتِ كشهادةِ قبل الموت

كآخر قطرةِ أشتهيك في كأسي

أمدُّ يدي الى عصا الوقت

 عمياءٌساعتي

وظلي ملّ مني

الكون بلا شمس غدى

وخَطْوي على قبري يمشى

كيف أكسو جنوني بالعقل

 أو كيف دونه أمضي

 أتوكّأ على قلمي فيسقطُ من ثِقَل همّي

ويوقَدُ الحنينَ نارا تأكلني

 مع هشاشةِ من بقايا الصّبر..

تبا لنهاية لاتنتهى

وتبا لقلبي المُتَوَثِّب

يزْأَر فأصمُّ روحي

فيأتِ الموتُ مهنّئا قد مضى..

 من الدّهر وقت  ذاك الموعدِ

***

الشاعرة التونسية لمياء عمرعياد

 

صحيفة المثقفهمّي وهمـُّك مختصمان

عـَلام ارقص ُ

في ساحة الطيش وحدي

لملمت وجهي عنك

وأودعت التجاعيدَ في مصارف النسيان

امتطت جبهتي بسمة ً كاذبه ْ

صافحت خرائط النفاق

وأترعت ُ الشرايينَ راياتِ بهجة طازجه ْ

على راحتي

نامي زنابقُ الماء

اختنق يا جدول الامنيات

فعلى حبال غسيلي

نشرت ُ ملاءات الفرح الوردي

وأغلقت الفؤاد على جراحه

من يدرس بصمة ابهامي

يفهم ما لون الخيبة

لاه عن زمن يتسابق والموجات

لاه عن جذر تنساه الزهريه ْ

لاه عن جذر ما يتجذر

عن نهر ما يتفرع

غيمتي لا تعرف مَن تـُمطر

ولا أيـّة دايات تسقي

الهم ْيا ذا العزة

نصائح موتي

حلما ً يغسل رجليها

فالحنـّاء

ما عادت تتناسب ومعادلة الصمت الضالع في الصمت

وشفاه الجوع تولــت

طاوية الأحشاء

فقوابل اجدادي لم يتقبلن سلاسل

والنسيان ُعلا بيت عناكبنا

فابتهل غسقا

وابتهل في السحر

فجذاذات ُ الليلك ِ باردة  ٌ

كالقلبِ غِبَّ المطر ْ

***

سمية العبيدي

قصي عطيةعلى المَصْطبةِ الخَشبيّة

وضعَ أبي قميصَه المُبلَّلَ بالعرق

وحملقَ في وجهِ والدتي،

وصرخَ بها...

كانتْ أصواتُ المآذنِ تَغرقُ

في همسِ الحكايا

تخرقُ الوحشةَ المُختبِئةَ

كالجُرْذانِ في زوايا البيت

وتتسرَّبُ إلى جثثِ الشّيوخِ

وتنتصبُ كالزّوبعةِ

في ذاكرة الصّغارِ .

***

لهفتُكِ تبتكرُ أبجديَّةً جديدة

وسؤالكِ يَمرُّ كالغُصَّةِ في حلقي

أرى الحنينَ يذوبُ في صوتِكِ،

يُولَدُ رحيقاً كالجنينِ

المُنتظِرِ ولادةً عَجلى

في كلِّ شهقةٍ أتنفَّسُ صوتَكِ

الحاضرَ في ذاكرتي

أقطفُ رائحةَ لغوِكِ الجميلِ في أُذني

وأمضي كالمُتسوِّلِ،

مُتفسِّخَ القدمين.

***

أتوهُ في دُجاكِ الكثيفِ،

أتلمَّسُ شعاعَ ضوءٍ

يَخطرُ ببالي أنْ أمسكَ اللحظاتِ

وأنهضَ من جرحي واقفاً

تخترقني بقايا أغانٍ

تحتَ أهدابِكِ،

تلعبُ بيقيني 

شراعٌ بلا أجنحةٍ يطيرُ في الفضاء

يسري بي في مَلَكوتِ الضَّياع

يرسُو على ضفَّةٍ؛

تنسجُ حجارتَها جداراً في وجهي

تُهاجِرُ الشُّطآنُ عن مَدائني الحالمة،

وتَغرقُ في لُجَّةٍ

تمُدُّ أذرُعَها من حولي

تقتلُ الرَّجاءَ في لقائكِ

أُتمتمُ أغنيةً للأوجهِ المُتعبَهْ

وأغيبُ عن عالمي،

أَتوهُ في دوَّامةٍ

بوسعِ المدى الفسيحِ

مُرتجِفاً أُكاشفُ الظنَّ

على سجادة الصَّلاةِ

أُعاودُ الغناءَ من جديدٍ ..

لا صدًى لصوتي،

ولا صوتَ لغنائي

رأيْتُ الفجرَ يُجاهدُ الانعتاقَ

من جَبينِ اللّيلِ المَقصوصِ ذؤابتُهُ

يُخبِّئُ دمعتَه بمِنديلٍ

بلونِ النَّهار

يَموجُ السَّرابُ أمامَ ناظريَّ

لا أَستبينُ شيئاً

سوى دجًى مُتعَبٍ

يتقدَّمُ مرتِّلاً صلاتَهُ

بخَوفٍ مُعلَّقٍ على

ياقةِ قميصهِ

مُردِّداً أغنيتي عن شموعِ الخضر

المُسافِرة في نهرٍ غريبٍ

بلا اسمٍ

أو هويَّة.

***

ضجرْتُ من نفسي

من انتظاري لكِ،

من شوقي لرؤياكِ

من قلادتي التي أضعْتُها

في ساقية القرية.

أيقظتْني شَهوةٌ

تسألني عنكِ

وأدْتُها، مُقفِلاً ذاكرتي،

لن أعودَ ...

لن أعودَ ...

***

الشاعر السوري قصي عطية

6/ 7/ 2010

عبد الجبار الحمديهائمة على وجهها بعد ان سرقت محفظتها من باطن حقيبتها اليدوية التي ما ان استلمت المبلغ عن قلادتها التي تعتز بها وتحبها كونها الشئ الثمين الذي تملكه.. كان بانتظارها ذلك اللص الذي قفز امامها فجأة، اسقطها وحقيبة يدها.. ثم انطلق هاربا وهي تلملم بقية حاجتها التي ما ان ادركت انه قد سرقها حتى اخذت تبكي منطلقة مبتعدة عن مكانها حيث ترى العالم المحيط بها لم يحرك ساكنا ليدافع عنها.. وصلت الجسر الذي تعبره في كل يوم للذهاب لإعطاء الدرس في العزف على البيانو الى احد التلاميذ الذين كانت تربطها ووالدته علاقة صداقة قديمة .. هو ذاك مصدر رزقها بعد ان اصيبت بإنهيار عصبي نتيجة سوء علاقتها بصديقها الحميم جيم ووالد طفلتها الراحلة ساندي، التي فقدتها نتيجة تصرف أرعن من صديقها المدمن كحوليا الذي لا يفتأ عن العراك معها وضربها امام ابنتها مع تقريعها.. احتملته طويلا عبئه.. علاته الكثيرة حرصا على بقاء ابنتهما بين كنفيهما.. حتى تلك اللحظة التي فارقت ساندي الحياة حين اصطدم بإحدى الأشجار الضخمة وهو يقود عجلته تحت تأثير الكحول، تلك الحادثة اودت بحياة الخيط الرفيع الذي يربطها معه.. فما ان افاقت مما اصابها من مرض تركته دون رجعة، لتعيش وحيدة وحزنها على نور الحياة الذي اطفأته الاقدار على يد اب ارعن والى الابد..

كانت مذهولة بما حدث لها!! تتسائل لم الحياة عنيدة وصعبة معها؟! تجبرها متعمدة الى اقتناء التعاسة كمن يبحث عن انتيكة قديمة يحاول ان يزين بها غرفته البائسة المظلمة دون التمتع بها او الانتفاع منها.. التعاسة هي النافذة التي مدت يدها الاقدار عبرها لتخطف أمل حياتها.. نزلت دموعها وهي تتكأ إلى سياج الجسر الذي شارفت على نهايته للوصول حيث بيت السيدة كاري وابنها مات ذو الاحد عشر عاما.. توقفت قليلا لتمسح دموع عينيها، وأذا بعجلة تسير ببطء وصوت ينادي مادي ..مادي توقفي قليلا ارجوك إنه أنا توم ألا تعرفيني؟ نظرت الى مصدر الصوت دون ان تعيل اهمية له، تابعت سيرها بخطى مسرعة قليلا، عاود توم يصيح توقفي قليلا، لا تخافي .. بخفة شديدة اوقف عجلته ونزل منها مسرعا حتى توقف أمامها.. يا إلهي!! كم انت جميلة؟ بل لا زلت بنفس الضياء وإن بهت قليلا نتيجة ضوء النهار، لكن مادي المشرقة بالحياة إنها الفتاة التي انقذت حياتي في مرة من المرات لا زالت مضيئة.. إنه أنا توم.. اعني تراش لعلك تتذكريني بهذا لاسم الذي اُطلق عليّ حين كنا نتشارك المدرسة الثانوية نفسها والكلية، كَوني كنت اعمل في جمع النفايات ليلا حتى افي مصاريف دراستي... ألا تتذكريني

تمهلت عن تسارع خطواتها، كأنها تريد ان تربط حديثه بشريط ذكرياتها لتعيده من جاروره الذي قبعت فيها كل ايام حياتها الجميلة تلك.. بهتت وهي تقول: أوه !!! اجل تراش عذرا توم لقد تذكرتك يا إلهي!! كم تغيرت!؟ كيف حالك؟؟

توم: اني على ما يرام بل بخير جدا.. أنتِ كيف هو حالك؟ وما هي اخبارك؟؟

مادي: الشكر لله انا بخير ايضا شكرا لسؤالك..

توم: اوه لقد انسيتني سبب منادتي عليك واللحاق بك، خذي هاته محفظتك التي سرقت منك عنوة، صدفة غريبة كانت، رأيتك.. فاردت ان اسلم عليك لكني تأخرت في ركن سيارتي فشاهدت ما حدث لك، كنت قد وقعتِ سارعت انا في الجري وراء اللص الذي امسكت به على بعد شارعين من مكان الحادث، وحين عدت وجدتك قد ذهبت، غير ان احدهم اشار لي بوجهتك التي عرفت انها ستكون باتجاه الجسر وهكذا .. اقصد ها أنا ذا، خذي تفضلي ارجو ان لا يكون شيئ منقوص بها تَفقديها..

لم تسنح لها لحظات الذهول!!! من النظر، بل كانت في صعقة مما حدث وغرابة الموقف .. حتى سمعته مرة اخرى يردد نفس الكلام فقالت:

مادي: لا .. لا اظن ان شيئا قد فقد منها وهي تنظر بحرج الى ما في داخلها، فهي لم تكن تحوي سوى المبلغ القليل لقلادتها.. شكري لجهدك وتعبك، لكنها لحظة جميلة أن التقيك وتقدم لي هذه المساعدة، إني بحاجة الى ما بداخلها فهو سيقيني انهاء حاجاتي الملحة..

توم: لا تقولي ذلك مادي فأنا سعيد بلقاءك كما يسرني دعوتك على الغداء هذا إذا لم يكن لديك مانع او ارتباط

مادي: لوهلة مستغربة بما تراه وتعيشه من موقف لم يكن بخلدها او حساباتها، تراش ذلك الشاب الذي لولاها لكان قد تلقى اللطمات تلو اللطمات ممن كان يعترضه دوما واطلق عليه هذا اللقب، انه صديقها الحميم جيم قاتل ابنتهما بإدمانه..لكنها تدخلت في الوقت المناسب وانقذته من الكمين الذي كان قد اعده لمعاقبته وتطاوله عليه في تلك الليلة سمعته يقول توم انه سيحفظ جميلها سيرده يوما ما.. واظنه قد رده اليوم بإسترداده محفظة نقودي.. تلعثمت وقالت له..اعتذر توم لكن لدي درس في البيانو الآن وهذا يستغرق قرابة الساعة والنصف تقريبا، اظنك لست متفرغا كما ارى انك رجل صاحب عمل فهيئتك تدل على ذلك..

توم: إنها حكاية طويلة سأحكيها لك بعد قبولك دعوتي ..هاك هذا هو كارت عملي فيه هاتفي الخاص، سأنتظر مكالمتك متى ما انتهيتي فقط دقِ عليّ سارد على اتصالك، ارجوك لا ترفضي طلبي فأنا مدين لك بالكثير.. هيا اقبلي دعوتي وهو يمسك بيدها مبتسما بعنفوان الحياة التي يعيش، لم تستطع ان ترفض طلبه ، كما انها ربما هي محاولة في تغيير اجواء قاتمة اتخمتها كما التفكير والانعزال عن الآخرين والانطواء بين حاجات ساندي ومرضها.. هزت رأسها بالأيجاب نعم قبلت دعوتك.. سأتصل بك

مرت الوقت عليه صعبا أما هي فكان قد غطى مساحات درس البيانو الذي انهته وهي راغبة بدعوة توم..

توم: يا لها من مصادفة غريبة بأن ألتقيك بهذا الشكل.. مردفا ارجو ان يعجبك هذا المكان، إنه المكان المفضل عندي، فأنا غالبا ما اتناول الغداء فيه، وفي كثير من الاحيان آتي لتناول العشاء أيضا كونه مريح وهاديء حيث يطل على شاطئ البحر الذي اعشق نسيمه ليلا كثيرا، ربما جنون حين اخبرك بأني استلقي على الرمال هناك في ذلك المكان بين الصخور لساعات اسامر النجوم والقمر احيانا..

مادي: حقيقة اني خجلة منك، وبنفس الوقت مسرورة كونك ساعدتني في استراد محفظتي ودعوتك لي، لكن توم هلا اخبرتني ما هو نوع عملك؟

توم: ألم تقرأي صفتي في كارت التعريف إني مدير شركة لتدوير النفايات، شركة ليست كبيرة وليست صغيرة في نفس الوقت، بل هي ذات قوام ولها رواج في عالمها الذي لا يعرف بواطنه الكثير، فكما علمتِ اني كنت عاملا صغيرا جدا، لكن ومن خلال دراستي واندماجي كعامل مع الشركة التي اعمل بها ثم تخرجي بإدارة الاعمال، عملت بعدها مع مالكها على تطوير كيفية الادارة ووضعت آلية عمل وطرق يمكنها ان تعطي عوائد مادية كبيرة ومنافسة للشركات الاخرى، عمن خلال تقديم عطاءات وخلافه من مسميات تقنية وفنية.. شاءت الاقدار ان احظى بقبول صاحب الشركة الى جانب قلب ابنته الجميلة سارة، لا اطيل ارتبطت بها وعشنا لاعوام عشر سعيدة جدا دون ان يكون بيننا اطفال لاسباب صحية بها، إنها تحب الاطفال الى حد الجنون، حتى انها فاتحتني بتبني احد الاطفال ليملئ حياتنا ويكملها سعادة، لم اعارض رغم أني على يقين ان السعادة لا يمكنها ان تستمر والى الابد، فتحققت امنيتها عندما حظينا بساندي الجميلة ..

مادي: شهقت حين سمعت الاسم!!! ماذا!! ساندي اهذا هو اسمها؟

توم: نعم ساندي وما المشكلة في ذلك؟

مادي: لا ابدا انه مثل اسم ابنتي الراحلة الصغيرة يا للمصادفة الغريبة..

توم: انا آسف جدا مادي، لم اكن اعلم عن خلفية حياتك اعذريني ارجوك

مادي: لا ابدا لم تكن تعلم توم ، إنها قصة طويلة لا مجال لذكرها الآن، هيا اكمل حكايتك..

توم: كما قلت لك لا يمكن للسعادة ان تستمر، فقد اخذت مني سارة وشريكِ في العمل وصاحب الشركة الاساس السيد متلوك في حادث عرضي، وها انا ومنذ قرابة العامين اعيش مع ساندي في بيت جميل جدا واحظى بحياة لطيفة، تفضلي مادي كلي لقد اشغلتك بقصتي إنه طعام جميل ولذيذ ستحبينه بالتأكيد..

مادي: شكرا توم جميل ان اراك واسمع بأنك قد حظيت بحياة رغيدة واضبت على نيلها بجهد كبير لاشك، إني سعيدة من اجلك..

توم: شكرا لك، والآن اخبريني عن قصتك وما حكاية رحيل ابنتك ساندي اكانت مريضة؟

مادي: روت قصتها على مضض وبمرارة، تذوقها توم خلال دموعها وغصتها التي تروي احداثها بفقدانها غاليتها ساندي..حتى قالت .. تلك قصتي واعتذر عن تعكير طعم غداءك والمكان الذي تحب

توم: ابدا مادي اني اشعر بمرارة ما تمرين به، فأنا ايضا فقدت من احب فجأة، كأن يد القدر قد باغتتنا معا وخطفت ما نحب .. على اية حال، سعيد ومسرور بلقاؤك، ارجو ان تبقي على اتصال معي فأنت صديقتي الرائعة بكل شيء..

***

للقاص والكاتب/ عبد الجبار الحمدي

 

جميل حسين الساعديهيروشيمـــــــا

أقرأ في عينيكِ جرحا ً غائرّ الجذورْ

أقرأ فيه ِ محنة َ الإنسان ِ من بداية ِ العصورْ

حين َ يحسُّ نفســه ُ يدورْ

في فلك ٍ مسعــــورْ

يعجّ ُ بالوحوش ِ والعقبان ِ والنســورْ

أيّــتها الحمامـــة

كيف َ عبرت ِ تلكم ُ القيامة

كيف َ انبعثت ِ منْ جديدْ

كيف َ استعدت ِ وجهكِ الفقيـــدْ

وأنت ِ أكوامٌ من الرمادْ

في وسط ِ الجحيـــمْ

كيف َ وصلت ِ لحظة َ الميـــلادْ

كيف َ اختصرت ِ رحلة َ الأبعادْ

أكادُ لا أصدّقُ النظرْ

أنتِ هنا أميرةٌ

يحسدكِ البشـــرْ

ايتها المدينةُ الشمّــاءْ

يا صورةَ الصمودِ والإباءْ

بالأمس ِ قدْ أرادت الأخيلةُ السوداءْ

دفنك ِ في مقبرةِ الفنـــاءْ

لكنْ أردتِ العيش َ والبقــاءْ

فعشت ِ رغم َ النار ِ والعواصف المدمّرة

وانتحر َ الموتُ على أبوابك ِ المستعرة

 

كوبي

مثل سماواتك هذا القلـــبْ

صاف ٍ كمـــا أوجـــده ُ الربْ

غذاؤه ُ في الغربة ِ الحــبْ

يحتـــرقُ الليل َ مع النهـــارْ

يغيب ُ في غياهبِ الأسفــارْ

يعــودُ في نداوةِ الفجر ِ الى شواطئ الأنهـارْ

أيتها المدينة ُ المعطـــارْ

ألمــحُ أكوانا ً من الأســـــرارْ

تسكن ُ في عينيك يا أميــــرة َ البحــارْ

سيّـــدتي يا لوحة ً جادتْ بها الأقدارْ

ماذا عســى تنقلـــه ُ الأشــــعارْ

عنــك ِ، وفيك ِ ما يُحيّــرُ الأفكـــارْ

نزلت ُ فيك ِ والهوى يُضرم ُ فيَّ النارْ

حيثُ ندى الأسحـــارْ

يقطـــرُ من جدائل ِ الأشجــار

وددتُ لو أنّــي هنا أمـــوتْ

بين َ الندى والضوء ِ والتوتْ

 

القنافذ

الوهج ُ البــــرّاقُ في مدينــة ِ الأقـــزامْ

يهمــي من النوافذْ

تحملـــهُ القنافـــذْ

ترشّـــه ُ في أعين النظـــارة

فيصبح ُ الديك ُ هو َ الحمــارْ

ويخرج ُ النجم ُ مــن المدارْ

تغيّـــرت عوالمُ الأشيـــاء

وغصّــت الأرضون َ بالغوغـــاءْ

وأنت َ منبـــوذ ٌ مع العراء ِ يا مسيــحْ

يصفعك َ اللوطــيّ ُ والقوّادْ

تُحـــرم ُ حتّى لقمة َ الزادْ

تسيــح ُ في الدروبْ

تلتهـــمُ التراب َ والرمـــادْ

وفي الحقول ِ تعبث ُ الكلابْ

ويشبعُ الجـــرادْ

وأنت َ من دهر ٍ مضى تصيحْ

لا شئ َ يا مســـيحْ

لا شئ َ في الآفاق ِ غير ُ الريحْ

 529 جميل الساعدي

الشاعر يقرأ قصيدته (هيروشيما) أمام ممثلي القارات الثلاث الستة عشر،الخبراء في شؤون الإستيراد والتصدير (أمريكا اللاتينية، آسيا، افريقيا) في اطار البرنامج الفني، الذي هيأت وأعدت له اليابان في السبعينات من القرن المنصرم لدعم وتطوير التعاون الإقتصادي مع الدول النامية، وكان الشاعر ممثلا للعراق في ذلك البرنامج.

 

جميل حسين الساعدي

..............................

هذه القصائد كتبتها أصلا باللغة الأنكليزية. وترجمها الى اليابانية أحد الأدباء اليابانيين ثم أعدت صياغتها باللغة العربية على طريقة الشعر الحرّ. وهي منشورة في مجموعتي الشعرية (رسائل من وراء الحدود) الصادرة عام 1980، عن دار المعارف في بيروت