المثقف - نصوص أدبية

أمل بلوحات الطفولة

زيد صالحعصفورةٌ بيدي تُلقّطُ توتَهْ

                  وتصبُّ في بوح السنين سكوتَهْ

يجتاح نهر الذكريات مزارعي

                    فأحوك من رمل القصيد بيوته

من طين قريتنا هنالك صبية

                       عقدوا بذاكرة الكمنجة نوته

كنا نصوغ من الأغاني زورقاً

                     يرسو على ماء الاسى ليفوتَهْ

كنا نلوّن حقل أيامٍ ذوت

                      ونرد عن قمر السنابل حوته

نجري فنحمل قمح اشرعة المدى

                        فالريح بين عيوننا منحوته

هاروتنا ألقى سحائب سحره

                      كيما يداعب بالهوى ماروته

كانت لغات الغيم تقترح الندى

                           معنى يُكلّل بالنقاء نعوته

وفراش آمالٍ يراود زهرتي

                         ليلم من ثغر الطفولة قوته

***

زيد صالح

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

عزف جميل على أوتار الأمس الجميل ..
تباركتَ شاعرا مبدعا .

This comment was minimized by the moderator on the site

اشكرك استاذي الكبير شهادة اعتز بها

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع زيد صالح
ودّاً ودّا

لا بد من التأكيد قبل كل شيء على ان زيد موهبة تَعِـد بالكثير .
التجريب هو ما يميّز قصائد الشاعر زيد وأعني بالتجريب أن الشاعر
يحاول التجديد في كل تفاصيل القصيدة وقافية هذه القصيدة دليل على
أن الشاعر مأخوذ بموسيقى مضاعفة في القصيدة فلا يكتفي بالبحر
والتقفية كحوامل للمعنى فقط بل يحاول أن يختار وينتقي ولكنني في
هذا التعليق أود التركيز على تركيبة الصورة في شعر زيد :
نجري فنحمل قمح اشرعة المدى

فالريح بين عيوننا منحوته

سأتوقف لتسليط الضوء على هذا البيت كمثال على الجهد التصويري في قصيدة زيد .

أول ما يلفت النظر هو عبارة (قمح أشرعة المدى ) وحين تكون الأشرعة في الشعر
فالريح ستكون حاضرة ذكرناها أم لم نذكرها ولكنّ الأشرعة والريح (مسكوكة شعرية ) : كليشة
معروفة لا جديد فيها إلاّ إذا كان الشاعر قادراً على إقناعنا بتجديده رغم تشبثه بمسكوكة
شعرية وهذا ما يحاوله الشاعر زيد فهو لا يبتعد عن المسكوكات التي قرأها في الشعر
ولكنه يحاول التجديد في صياغتها صياغة جديدة مع رمية نرد لخلق استعارة جديدة
دون التعويل على ما اعتدنا عليه في الشعر التقليدي من خيط رابط بين طرفي الإستعارة
فزيد يقرن بين كلمات لم تقترن من قبل كما في : قمح وأشرعة ثم يستمر في صياغة
الصورة التي استغرقت بيتاً كاملاً ولكننا في النهاية لم نستطع أخذ البيت كمزيج متجانس
فمن جهة فإن الأشرعة والريح لا جديد فيه كشعر وحين صار للأشرعة قمح ٌ لم تتعزّز الصورة
بما ينقلها الى تركيبة استعارية وذلك لأن الشاعر لم يشتغل على ربط العجز بالصدر بالطريقة
التي يتصاعد فيها التصوير بل تركنا نحاول تفحّص بعض الكلمات لمعرفة جدوى وجودها
وماذا لو قال الشاعر : نجري فنحمل قمح المدى وحذفَ كلمة أشرعة ؟ أو نجري فنحمل اشرعة
المدى فقط دون أن يذكر كلمة قمح ؟ ماذا لو رأى قارىءٌ ما ان البيت هو ببساطة : ( نجري ونحمل أشرعة المدى
والريح بين عيوننا ) ثم حشر الشاعر القمح حشراً فأضافه للأشرعة .

في الشعر الحديث الكثير من الأمثلة على صور شعرية غير منضبطة بالمقاييس الكلاسيكية
ولكنها صور تعتمد على مقاييس حديثة كقول الشاعر الفرنسي إيلوار : الشمس زرقاء كليمونة ,
أو قول شوقي أبي شقرا : نقطتي حجر للطيور , أو قول مناضل نعمة : عيون الصبايا معاول
وقلبي جدار قديم . أو قول انسي الحاج : فاح حناني المربع وغير هذا كثير ولكن هذه الصور
الجديدة ليست اعتباطية حتى لو أوحت بذلك وسيكون الأمر أصعب في القصيدة العمودية فلا يكفي
أن يترك الشاعر للكلمات حرية ان ترتطم ارتطاما ً حرّاً بعضها ببعض دون أن نحصد من ذلك الأرتطام صورة
جميلة تدهشنا أو تجعلنا نرى القديم من زاوية مختلفة .
وخلاصة ما أريد الوصول اليه هو ان التجديد خطوة فخطوة بحيث يتناغم الشكل والمضمون ,
فالتجديد في الشكل بحاجة الى نضج في اقتناص المضمون وهذا كله يستند على تجربة ثقافية
وحياتية .
وفراش آمالٍ يراود زهرتي

ليلم من ثغر الطفولة قوته
هذا البيت مثال آخر من القصيدة وفيه أيضاً نجد المسكوكة القديمة المعروفة مع محاولة
لجعلها جديدة فالمسكوكة هي : فراش وزهرة ثم يحاول الشاعر ابتكار استعارة فيضيف
الفراش الى الآمال ولكنّ الرجوع الى المسكوكة ومحاولة تخصيصها بعد أن كانت عامة
عمل محفوف بالمخاطر وقد تنجح المحاولة وقد لا تنجح والأفضل من الإقتراض من مصرف
المسكوكات سعي الشاعر الى ابتكار شكل يلابس موضوعه دون الإتكاء على خزين الحافظة
وما قرأه الشاعر من شعر .

في شعر زيد صالح صياغة جميلة وموسيقى عذبة وهذا ما يجعل محاولاته التجديدية تمر بسلاسة
على الرغم من استنادها على المسكوكات .
لا جدوى من الخروج عن دفء القصيدة التقليدية وغنائيتها إذا كان الخروج لا يؤدي الى فتح
نافذة جديدة يهب منها هواء منعش الى القصيدة .
زيد صالح شاعر يتطور من قصيدة الى أخرى وتجريبيته ستقوده في النهاية الى قصيدته التي
يعانق شكلها مضمونها بحميمية كاملة .

كنا نصوغ من الأغاني زورقاً

يرسو على ماء الاسى ليفوتَهْ

كنا نلوّن حقل أيامٍ ذوت

ونرد عن قمر السنابل حوته

هذان البيتان أجمل بيتين في القصيدة فكل كلمة ها هنا في مكانها دون زيادة أونقصان .
دمت في صحة وإبداع صديقي الشاعر المبدع زيد صالح

This comment was minimized by the moderator on the site

اشكرك كثيراً على ملاحظاتك الجميلة والمفيدة
التي تفيدني لكي أملئ كأس قصائدي بالماء العذب الذي تعصره من نقدك وتحليلك لقصائدي وهذا شرف لي ولها وقد استفدت كثيرا وانت استاذي تلاحظ ذلك فهذا كله من نقدكم ونصائحكم واشكرك على وقتك الثمين

This comment was minimized by the moderator on the site

سطور متألقة وقصيدة تتراقص على سلالم الإبداع
دمت بخير وتألق متواصل أخي الشاعر زيد صالح..
تحياتي لك

This comment was minimized by the moderator on the site

اشكرك استاذي الكبير شهادة اعتز بها

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4417 المصادف: 2018-10-09 09:18:24