المثقف - نصوص أدبية

أنت ok؟

قصي الشيخ عسكر"قد تكون أسوأ الأمور أجملها"

من حسن حظي أن رجلي لم تنكسر .. هناك فقط بقعة دم حول ركبتي وتمزق في السروال!   

كنت أعرف أني محل اختبار وأن حفيدتك وعدتني بشغل إضافي في مكان آخر .. مع ذلك لاأدري لم أضحك حين أمر بدراجتي من المكان الذي سقطت فيه، في الوقت نفسه يطل عليّ من مكان مشرف على كبوتي الأولى وجه عبد الله كاشفا لثته الدرداء الصفراء .. ابتسامة صوفيا لورين. . لاأعرف لم َ يلاحقني في كوبنهاغن أكثر من صورة أبي وأمي ومعارفي. يبتسم من خطأي، لم أتبين من اصطدم بي غير أني سمعت آنسة تهتف من خلفي بلسان إنكليزي حيث ظنّتني من اللاجئين الجدد:

- لم توقفت من دون إشارة!

ماذا أقول؟: كنت سارحا .. أرد وقد غالبت بعض الألم :

- معذرة الخطأ خطأي هل أصبت بضرر؟

- كلا ابدا.

 - أنت ok؟

- جرح بسيط.

ثم عدلت هيئتها وركبت دراجتها وواصلت وعلامة سخط أو ابتسامة سخرية بانت على وجهها.

لماذا نسيت الإشارة؟ هل أقول أني رأيت تيرينا التي انتشلتني من شرودي واقفة عند مدخل محطة الاستر بورت فلوحت لها عن بعد الأمر الذي جعلني أنسى إشارة الوقوف .. كنت على وشك أن أجتاز المقبرة التي تجاهلتها طوال هذه المدة. لا أدري .. ولا أظن أن سقطتي تدل على علامة شؤم. لاشك أني رأيت غربانا على الأرصفة والمتنزهات المحيطة بالشوارع تلتقط الحب مائلة بنظراتها نحو أي عابر، وعندكم قرأت في السنة الأولى من تعلمي للغة والتاريخ أنكم تحبونها وأنها حكيمة ساعدت آلهتكم يوما ما .. رأيت البوم على مشروباتكم الوطنية وإعلاناتكم البوم والغراب .. عدوانا القديمان نحن العرب .. مع ذلك ركبت دراجتي وبحلقت بعيون الغربان. كان أمامي وقت طويل على الموعد المنتظر .. يوميا أفطر في البيت. فنجان قهوة وقليل من الكعك .. اليوم نشوتي بالعمل اقتلعتني من جذوري، فأفطرت في "سكالا" والقيت من زجاجها نظرة طويلة على مدينة الألعاب .. المحلات الراقية .. الملاهي .. مدن اللهو .. القبة السماوية .. معرض الأسماك كل المعالم ذات الرسوم الغالية التي صحبتني إليها المدرسة ومراكز اللجوء سيكون بإمكاني الذهاب إليها .. بدأت أتخيلك .. رسمت صورة لك مستوحاة من حفيدتك وعندما حضرت صورتك إلى ذهني نسيت ابتسامة عبد الله صوفيا. قد يكون كبرك والمرض هما اللذان حثا ذهني على أن أبتعد عن السخرية. غير أني سقطت. عثرت وأنا في طريقي لملاقاتها قبل أن آتي إليك:

- انتهي من عملي في سفنة مولن الثانية عشرة إنه من السهل علي أن التقيك عند محطة استرت بورت.

لو حدث شيء ما لرجلي لما كان بإمكاننا أن نلتقي أبدا ولعله من سخرية القدر أني لم أسقط إلا هذا اليوم فيتمزق سروالي وتنخدش ركبتي. طوال سنتين ركبت الدراجة كي أوفر نفقات التنقل في القطار والحافلة. أول يوم انبسطت فيه كوبنهاغن لعيني قالت لي إن جمالها في هدوئها، أجرة النقل غالية والضرائب على السيارات مرتفعة. الدراجات أنضف وأرخص، الأسبوع الأول مر بسلام .. كنت أركب الدراجة إلى المدرسة كلّ يوم، ولم يكن في دراجتي مبدل سرعة مدينتي تخلو من حقل خاص بالدراجات .. أحمل عليها كل شيئ . وفي أوقات الفراغ، أدلف بين الأشجار، وعلى الارصفة ولاأعرف شيئا عن الإشارة التي كانت السبب في عثرتي بعد كل تلك السنين رأيت تيرينا تسند دراجتها إلى قضبان الرصيف المعدنية وتنحني علي فتلمس ركبتي بأناملها:

- هل حدث لك مكروه!

مثل طفل يرى أمه من بعيد فيندفع نحوها غير مبال بأخطار الطريق:

- انشغلت بالتلويح لك فنسيت أن أرفع يدي منبها سرب الدراجات خلفي !

- ها تشعر بألم؟

- كلا

- من حسن حظك أن راكبة الدراجة خلفك تداركت توقفك المفاجيء فحذرت من خلفها وانحرفت نحو الرصيف وإلاّ كان من الممكن أن تنقلب فوقك جميع الدراجات التي خلفك!

تطلعت في يدي، وقلت متجاهلا بعض الألم في ركبتي:

- ليس هناك من أمر ذي بال.

ردت بابتسامة واسعة:

- يمكنني أطلب معقما أمسح به الجرح من المقهى القريب.

- آسف إن كنت سببا في إزعاجكك.

- أبدا هذه أمور طبيعية تحدث لنا جميعا!.

اقتدت دراجتي خلفها. وسمعتها تقول:

- أعتقد أصبحت لديك معلومات كافية عن الجد يوهان وظروفه الصحية وطبيعة عملك معه.

- انت تعرفين أن المشرفة الاجتماعية أعطتني نبذة عن طبيعة العمل ثم زودتني بصورة عن موجز لتقرير فيه بعض المعلومات العامة قرأته الليلة الماضية قبل أن أخلد إلى النوم.

فقالت كأنها تشجعني على اهتمامي:

- يعجبني مثل هذا الحماس!

سألت نفسي: هي علامة خير .. كان بإمكانها أن تتصل منذ اليوم الأول للقائنا بمسؤولة العمل من دون أن أدري فتعتذر عن قبولي على أقل تقدير تطلب عاملا دنماركيا لتلك المهمة بالتالي أفقد فرصة عمل تكميلية انتظرتها بفارغ الصبر!على مايبدو سلوكها معي في تضميد الجرح واهتمامها بي كان على النقيض مما توقعت وربما على عكس سلوك عبد الله الذي لم يكف عن ملاحقتي بابتسامته الساخرة .. الدنماركيون منذ عرفتهم فهمت أن كلمتهم واحدة لاتتغير قط. لو اعتذرت تيرينا. ولم أجد فرصة عمل تكمل لي نصاب الساعات لبحثت عن مكان آخر قد أعمل منظفا أو في أحدى المؤسسات ثم لو استغنت دار العجزة عن عملي الحالي فما علي إلا أن أبدأ من جديد .. دورة أخرى .. وحقل اختصاص جديد .. ماذا أعمل . حلاقا .. بائعا .. نجارا .. بستاني حدائق .. لابد من دورة دراسية جديدة .. ما علي إلا أن أرجع إلى العشرين عاما السابقة .. أوغل مرة أخرى من عصر اللاوصاية إلى عصر الوصاية فأنتظر كل شهر مساعدة المشرفة المالية .. قلت متعجلا ارتياحها لهمتي في العمل:

- هذه نسخة مصورة لموجز التقرير لم أعد بحاجة إليها.

- أستطيع أن أقول إنك الآن متفهم لطبيعة عملك!

- هل أنت مقتنعة بي؟

- المهم أن يقتنع جدّي فهو صاحب الشأن.

ورشفت آخر قطرة من قهوتي وقلت:

- هل نغادر الآن؟

- مثلما تحب

3

"دائما نلتفت إلى الاشياء الجميلة بعد فوات الأوان"

لم يخطيء خيالي حولك ..

هناك شبه كبير بين يوهان والحفيدة .. كنت أدلف معها من بوابة لبناية قديمة تقع على بعد خطوات من مكتبة البلدية في شارع الأستربورت. عند الطابق الثاني أطل علي من أحدى الشقق وجهك المتعب الذي اختلط بياضه بصفرة توشي أن شيئا ما سيحدث .. كنت جالسا على كرسي طويل. جنبك فوق منضدة صغيرة بعض الأدوية وعلى رأسك صورة قديمة لعسكريين طيارين تنم وجوههم عن حيوية وإشراق .. انتقلت عيناي بين وجهه والصورة فلم أتبين أي واحد هو فيهم وعن اليمين رسالة باللغة الإنكليزية فاتني أن أنتبه إلى محتواها أو أفكر بقراءتها عن قرب. صورة العسكريين والرسالة وملامح السيد يوهان نفسه شغلتني لحظات عن صورة كبيرة له مع سيدة تبدو أنها ذات ابتسامة تنم عن طيبة وعينين تصفوان بالبراءة. كانت تيرينا تحمل بعض ملامح جدتها لكن قسماتها بدت أكثر شبها بالجد .. هدفي هو السيد يوهان نفسه وقسمات وجهه تعني لي الكثير أما ابتسامته في تلك اللحظة فكانت هي المقياس الذي أستشف منه فيما إذا يمكنني أن أباشر العمل معه أم لا .. ذلك ماجعلني أتجاهل كليا عبد الله لورين. ليس من باب المصادفات أن أسمع عنك من حفيدتك تفاصيل كثيرة قبل أن أباشر فعلا عملي. لقد ارتاحت لي كثيرا وأنت الوحيد الذي لم يلتبس عليك بلدي فلم تلحقه بإيران. يوم التقينا ظننتك طيارا مثل الذي قتل ستة في الصحراء الكبرى وآوى أخيرا في دار العجزة، وكانت حفيدتك رقيقة معي شرحت لي كثيرا من التفاصيل عنك وبعضا من النتف عن العائلة .. الدنماركيون مغلقون يتحسسون من الأجانب لكن عائلة السيد يوهان بدت منفتحة أكثر من غيرها. بادرت بالحديث عن نفسي أمام تيرينا كي أشجعها على الانفتاح معي. ذكرت لها عن عائلتي .. في البدء ترددت أن أسألها عن أمها وتركت الأمر للمصادفة وفي اللحظة المناسبة أخبرتني أنّ أنها متزوجة في أسبانيا من دبلوماسي، وإن أقرب الناس إليها بعد جدها خالة أمها المرأة العجوز المتمردة التي خرجت عن العادت والعرف والتقاليد عام 1920 ومازالت تحتفظ بذاكرتها وقوتها. تعيش وحدها في شقة صغيرة وفي نية تيرينا أن تحصل لي على موافقة البلدية فأذهب للعمل عندها ساعتين كل أسبوع. راودتني رغبة أن أعرف تلك المرأة عن قرب واسمع منك وأنت تتحدث عن الموت والمقاومة والاحتلال النازي وأنا واقف أمام المقبرة التي هزتي منظرها الجديد من الأعماق. هناك بالقرب منك ألقيت نظرة من النافذة عبر الشارع العريض من جهة اليسار .. كان العلم الأمريكي يرفرف عند حافتها مع انعطاف الطريق العريض باتجاه البحيرات وفيما يشبه النائم هتفت من دون أن يسمعني أحد هل يعقل هذا؟ كانت عيناي تستديران نحو الأفق عبر النفق والجسر من ناحية اليمين نحو المحطة لأرى بناية عليها العلم السوفيتي. كنت أنظر للمقبرة وأنا على الرصيف فلم التفت إليها. رأيت العلم الأمريكي وتجاوزت عنه. لم تستفزني السفارة الأمريكية شأنها شأن أية سفارة في كوبنهاغن .. قد يقع بصري على سفارات مصر وإيران وكوبا وجنوب إفريقيا واليابان فلا تثير في نفسي أي إحساس. كل يوم أعبر بدراجتي محطة استر بورت فألمح من جانب الرصيف المقابل العلم السوفيتي فأتجاهله ولا أحس بل لاأدرك أن بينهما مقبرة كبيرة .. سنتان مرتا كل يوم أعبر المكان .. اللعنة .. ياعبد الله لورين كيف برزت الآن لتحصر نظري في مكان ضيق بعيد عنك لم تره وأنت تدري أني لم أر مقبرة في حياتي بل سمعت عن مقبرة تمتد في عمق الصحراء وسط الرمال ندفن فيها موتانا الذين يأكل أجسادهم الدود والحيات والعقارب بعد كل ذلك لايحاسبهم الله لأنهم في وادي السلام لكنك تختار اللحظة المناسبة لكي تشاكس وتسخر:

- لماذا لاتهاجر؟

- ولم أهاجر؟

- تذهب بصفتك خبيرا هناك الخارج في أمس الحاجة إليك؟

- أين يرحل؟

- إلى اليابان!

اليابان البلد الذي يصدر العلماء هاجر إليه .. إنك دائما تنسى نفسك .. حلقة الشباب افتعلت الحديث فجعلوك تبتسم كل هذا من أجل أن نرى جانب شفتك ونتمتع بفمك اللوريني .. أظنك الآن في الجبهة ومازلت تبتسم أما أنا فلم أرحل بل هربت وأقف هذه اللحظة في شقة أطل من نافذتها على الفضاء الرحب المنبسط أمامي بأناسه وسياراته ودراجاته وأشجاره فأرى مقبرة واسعة تنحشر بين علمين كبيرين : الأمريكي وعلم الاتحاد السوفيتي ثم صوت تيرينا التي قدمت من المطبخ:

- سوف أترككما وأذهب الآن!

والتفتت إلي مؤكدة:

- سأتصل بك حول الموضوع.

أدرك بفراستي أنها ترغب في أن تمنحنا فرصة للتعارف والحديث، وسألني الجد وهو ينتقل من مكانه قرب الصورة إلى موضع عند النافذة:

- أين تعمل الآن؟

- ياسيدي في دار للرعاية قرب محطة سفينة مولن؟

- عمل دائم؟

- أجل لكنه ناقص النصاب عشرون ساعة إلى خمسة وعشرين في الأسبوع!

- مرتاح في عملك!

- بلا شك وهو على أية حال أفضل من البطالة!

- أتحب هذا العمل؟

أخيرا أمام السيد يوهان .. محقق من نوع آخر لكني لاأستطيع أن أكذب أمامه . بعض الكذب لذيذ له مفعول الشاي الدافيء في مكان مغلق خلال يوم مفعم بالصقيع. سيدي المحق . أنا محكوم بالإعدام كوني هاربا من الحرب. سجنت؟ نعم. عذبت؟ نعم. اخلط الصدق بالكذب. هكذا نفعل كلنا. سيدتي المشرفة. ليس عني حذاء جديد. ولا سروال .. تنقصني الملابس لكني أمامك ياسيد يوهان لاأستطيع أن أكذب مثل أي لاجيء يهم أن يخلط الواقع بالخيال إلا في بعض الحالات:

- نعم فقد اعتدت عليه.

- لم اخترت هذا العمل بالذات؟

مع فاقدي الذاكرة أحس بالزمن يتناثر من حولي ومع تنظيفي النتانة أحتقر العالم وأصادق الجراثيم والفيروسات لعلي أتجنب شرها، فاسخر مني أيها اللوريني، فأنا الآن في موقف لايجعلني أرد عليك:

- عمل إنساني يرفعك إلى درجة ملاك!

- درست هنا؟

- أجل سنتين .. سنة درست اللغة وأخرى بين دراسةٍ للرعاية وتطبيقٍ عملي!

رد بابتسامة تنم عن ارتياح وإعجاب:

- يبدو من حديثك معي أن لغتك جيدة!

وانقضت فترة صمت كانت عيناي تدققان في الصورة لتستلا منها أيهم هو لكني عبثا حاولت أن أجد صلة بينه وبين أي واحد من الطيارين:

- أتسمح لي بسؤال خاص؟

- طبيعي يمكن أن تسأل.

- هل كنت تعمل طيارا؟

كلا أبدا.

- عندنا في دار الرعاية طيار شارك في الحرب العالمية الثانية ذكرتني الصورة هذه به فظننتك كنت طيارا!

غلط فضيع ارتكبته .. سذاجتي الشرقية وربما الطيبة .. ماكان علي أن أذكر الطيار الالماني ولا تبجحه بقتل ستة جنود بريطانيين في العلمين فأهتك أسرار العمل. أسرار ماذا يأكل العاجزون الراحلون .. ماذا يشربون كيف يفكرون وربما فات يوهان أن يلتفت غير أن اعتراضه جاء بصيغة أخرى ليصحح خطأي:

- لم يكن هناك من طيارين دنماركيين ساهموا في الحرب كانت الدنمارك محتلة حينذاك!

- الواقع هو ألماني الأصل هاجر بعد الحرب وتزوج من دنماركية واستقر في كوبنهاغن.

فصمت لحظة كأنه يتأمل في الماضي البعيد وقال:

- هؤلاء طيارون أمريكان هبطت طائرة النقل التي تقلهم بسبب عطل طرأ عليها في مزرعتي. فأخفيتهم وتلك قصة طويلة سأحدثك عنها فيما بعد!

إذن قبل بمساعدتي له .. تلميح عن ارتياحه :

- يسعدني أن أسمع ذلك منك!

فرفع عينيه باتجاه الحائط:

- أما تلك فهي رسالة شكر من الرئيس آيزنهاور .

أنا أقف أمام تحفة من تحف التاريخ. أخدم شخصا شكره السيد رئيس الولايات المتحدة الأمريكية . توقيع الرئيس آيزنهاور .. الدنمارك ذلك البلد الصغير الذي قال عنه هتلر كناري صغير يكشف لي عن وجه آخر من أوجهه لم يتقدم بي ذلك العجوز خطوة إلى الأمام ولم يجعلني أتحرر من رقابة المساعدات الشهرية فحسب بل نقلني للتاريخ والحرب:

- ذكريات جميلة!

تلك اللحظة دنوت منه أكثر فأصبحت أقرب إلى النافذة المطلة على الشارع، وحانت مني نظرة خاطفة إلى المقبرة الكبيرة التي تمتد باتجاه شارع استر بورت وتتوغل بالعمق نحو النورد هاون، ولم يكن من باب المصادفة أن أرى العلم فوق السارية، فقلت كمن يكتشف شيئا جديدا:

- كنت أمر يوميا على دراجتي إلى المدرسة فلم أنتبه إلى المقبرة فلعل أي عابر يلتفت نظره العلم الأمريكي فينشغل به عنها ثم يطالعه العلم الآخر فينسى أن هناك مقبرة ما بينهما!

فنظر إلي نظرة غريبة:

- هنا سوف أدفن "وأضاف "أشتريت قبرا منذ سكنت في هذه الشقة عام 1960.

المحقق هو الذي يسأل وأنا أجيب لكني معك أستطيع أن ألتقط تداعياتي عن الماضي:

- زوجتك السيدة بيكيت متى توفيت؟؟

- 1979

مدفونة في مكان آخر؟

- سأريك ذات يوم المكان لكني أحتفظ ببعض من رمادها في هذا الوعاء على الرف .

"قال عبارته وأشار إلى قارورة ضيقة العنق تنتصب جنب مزهرية من ورد السناتي" وبعض منه دفن في القبر عند الزاوية اليمنى قريبا من موضع رأسي "ثم التفت إلي متسائلا بعد لحظات صمت":

- هل يزعجك ذلك؟

- لماذا؟ الموت حق " ثم باهتمام " كلنا نموت غير أني لم أفهم لم اشتريت قبرا مادمت القضية قضية حرق يكفي مكان رمز يوضع فيه الرماد.

بيكيت أوصت أن تحرق هي من أصول بروتستانتية من الذين يؤمنون بحرق الجثث يرون أوروبا صغيرة المساحة والنفوس في ازدياد كل قرن أترانا نقطع الغابات فنحولها إلى مقابر لكن أصل عائلتي من جنوب الدنمارك صحيح أنا لاأعنى بالدين. لست مؤمنا ولاكافرا وليست هناك مساحة في ذهني وتفكيري لله .. من خلق الكون ؟ أين نذهب بعد الموت؟ماهي الحياة الأخرى لايهمني ذلك. ليست تلك مشكلتي .. لكن تراثي كاثوليكي ثم إني لاأعقل أن أتصور نفسي أتحول إلى رماد والنار تشتعل في جثتي!

يا لتلك القدرة على التشبث بالحياة والجسد حتى في حالة الموت فكان بصري يتحول عنه إلى الصورة الكبيرة التي تضمه مع زوجته ثم غيرت الموضوع فجأة:

- سأخبر تيرينا عن ساعات عملي في الرعاية لكي نتفق على أيام الساعات عندك!

- تذكر أني غالبا ما أحتاج إلى ساعتين يوم السبت يمكن أن تجمع ملابسي وتنزل إلى الغسالة في القبو. المنظفات محظورة علي. هل يهمك أن تعمل السبت؟

- لن يكون ذلك عائقا لي.

- إذن تبقى ساعتان أخريان تستطيع أنت أن تحدد وقت زيارتك لي فيهما متى تشاء .

وهو كذلك!

 

د. قصي الشيخ عسكر

 .....

حلقة من رواية: واقبل الخريف مبكرا هذا العام

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (25)

This comment was minimized by the moderator on the site

يحضرني قول للصديق الروائي الطيب صالح رحمه الله ، مفاده أن الرواية هي فن " الحكي " ... فن التفاصيل .. وهذا الفصل هو فصل التفاصيل بامتياز .. التفاصيل باعتتبارها من متطلبات السرد الروائي .

لفت انتباهي الحوار العفوي ـ ولكنه الكاشف عن طبيعة المجتمع الدانماركي ... فترينا وإنْ كانت امرأة بعينها ـ لكنها : كلّ النساء والرجال على صعيد نظام السلوك الإجتماعي :

رأيت تيرينا تسند دراجتها إلى قضبان الرصيف المعدنية وتنحني علي فتلمس ركبتي بأناملها:
- هل حدث لك مكروه!
مثل طفل يرى أمه من بعيد فيندفع نحوها غير مبال بأخطار الطريق:
- انشغلت بالتلويح لك فنسيت أن أرفع يدي منبها سرب الدراجات خلفي !
- ها تشعر بألم؟
- كلا
- من حسن حظك أن راكبة الدراجة خلفك تداركت توقفك المفاجيء فحذرت من خلفها وانحرفت نحو الرصيف وإلاّ كان من الممكن أن تنقلب فوقك جميع الدراجات التي خلفك!
تطلعت في يدي، وقلت متجاهلا بعض الألم في ركبتي:
- ليس هناك من أمر ذي بال.
ردت بابتسامة واسعة:
- يمكنني أطلب معقما أمسح به الجرح من المقهى القريب.
- آسف إن كنت سببا في إزعاجكك.
- أبدا هذه أمور طبيعية تحدث لنا جميعا!.

هي تعتذر مع أنها لم ترتكب الخطأ !

أعتقد لو أن تيرينا عربية أو شرقية لصاحت بكل غضب : " شبيك .. أعمى ما تشوف " ؟
أما لو كانت عضوا من أعضاء برلماننا العراقي أو زوجة مسؤول من مسؤولي المنطقة الخضراء ، لتدرّب بك أفراد الحماية على لعبة الملاكمة .

شكرا سيدي الأخ والصديق المبدع الكبير .

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الشاعر الاكبر يحيى السماوي
ممتن لك استاذنا ومعذرة فقد كنت المشفى امس واليوم لذلك تأخرت في الجواب
تحياتي اخي واستاذي
قصب عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

انا مع الاستاذ السماوي في مهارة الدكتور قصي في حياكة الحبكة و في رسم محاور متوازية و متداخلة تضيء الشيء و ظله. او تصنع لكل شيء ظلا يعرفه و يزيد من تفهمنا له.
اتمنى الدكتور قصي ان يتابع مشروعه الروائي بنجاح و ان يلقى التكريم الذي يستحقه

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي العزيز الدكتور صالح الرزوق
محبتي الدايمة لك
قصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

اتابع بمتعة ما ينشره الروائي المبدع من حلقات هذه الرواية
فالمكان في هذه الرواية هو الدنمارك وهذا هو مكان اقامتي
منذ عقود إضافة الى اسلوب قصي الجميل الممتع .
ساتابع حتى النهاية .
قصي الشيخ عسكر
دمت في صحة أيها المبدع سرداً وشعرا .

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبدع الرائع جمال مصطفى
هي ذكرياتنا معا انصبت في احداث اخرى فكونت نواة رواية قد يكون بطلها واحدا منا
سلمت ايها الاحب
قُصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب والروائي المتألق قصي عسكر ..تقديري وإحترامي
لايزال معين سطورك الذي لاينضب يغمرنا ببهجة التواصل والمتعة يوما بعد يوم حتى أمسى مورفينا لانقوى على الإفلات من نشوته ...
دمت بخير وأدام الله عطاءك الغزير

This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الشاعر الجميل د معن الماجد
شكرًا لك ولشعرك الذي يفيض علي بالالق الروحي النقي
دمت مبدعا كبيرا
اخوك قصي

This comment was minimized by the moderator on the site

الاوقات السعيدة والسلام للروائي والشاعر القدير د. قصي الشيخ عسكر ، تحيتي ومودتي لك أستاذي ..

حلقة استمتعت بها كثيرًا ، بأحداثها وتشعباتها ، بمقابلاتك ، ووصفك الدقيق للشارع والسفارات والأعلام والمقبرة والوجوه حتى الشفاه والضحكة اللورنية ، نقلت لنا الدنمارك بشحمها ولحنها ..
مما جذبني لهذي الحلقة أن هناك مونولوج خفي بين الكاتب ونفسه وخياله حتى وهو بين الجموع ، يستذكر يستنكر يزاوج بين الأحداث ، يسأل يجيب بنفسه ..

موضوع العمل والتعب والظروف التي تجبر الإنسان اللاجئ بقبول أي عمل مهما كانت صعوباته في الخارح ، والعوامل المدمرة التي تجبر الإنسان على الهجرة والسفر إلى غير موطنه ، حيث اللغات والناس والانيميا والعقوبة ، والعادات والتقاليد والشوارع والحياة تختلف بشكل جذري ومختلف تماما ، نقلها لنا د. عسكر بكل شفافية ومهارة ..

الرواية جدا رائعة ، وأستاذنا العلّامة يمتلك من عنصر التشويق في روايته الكثير المثير ، بل ينقلنا إلى قلب الحدث ، برائحته وشوارعه واشجاره وأوجاعه وحقائق ورماده و و و الخ ، اسلوبك يا أستاذي ممغنط جميل رشيق جاذب ..

كل إبداع وأنت صقره أستاذي وأبي العزيز ، بانتظار الحلقة القادمة من الرواية ..
دمت بكل سعادة أنت والعائلة الكريمة ، سلامي لكم ...

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي عفوًا جازى الله الكيبورد سوّد لي وجهي ..

شحمها ولحمها بدل من لحنها

حيث اللغات والناس والاتيكيت والعفوية بدل من والانيميا والعقوبة..

أعذرني وشكرا لسعة صدرك .. تحياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

شاعرة الدر والياقوت الأستاذة فاتن عبد السلام بلان
هذا فضل عظيم منك علي فنحن نكون كبارا بفضل النساء الكبيرات علما وأدبا واخلاقا وابداعا وكل ذلك تمثل فيك
لك الامتنان والشكر سيدتي العظيمة
قثي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

من حظ القصة والرواية العراقية والعربية أنها حظيت بروائي وشاعر واستاذاً ناقد يجهد ويثابر من أجل أن يطور هذا الفن ويمده بدم جديد، باسلوب مترع باللمح وأصالة اللغة مليء بالإثارة من أجل شد القارئ. كما أنه يدخل في تفاصيل الشخصيات والأشياء من أجل الإحاطة بكل التفاصيل التي تقدم الفكرة والأحداث على طبق الحكاية.
هذا هو الكبير د. قصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا الجليل الشاعر القدير عبد الستار نور علي
اذا كان هناك إبداع من قبلنا فهو امتداد لابداعكم ياسيدي انتم لكم الفضل أيها الكبير نفسا وشعرا
سلمت لنا أيها الاعز
قصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
لاحظت أهمية نقطة بداية الانطلاقة في النص السردي , بهذه القوة الزاخرة بفنية الابداع في التوظيف والامعان والانزياح في النص القص .. وفي اختيار البداية كنقطة جذب وشد للقارئ . وللبدايات النص السردي اهمية كبير , فهي التي تفتح مغاليق الاحداث ومساراته في النص الروائي , في تقنيات تعبيرية . تمتلك , روحية الموضوع وفكرته ورؤيته . وهذا ما شد انتباهي في الفصل الاول . وزاد روعة بهذا الفصل المدهش . في ترتيبه وتنسيقه , وفق تسلسل الحدث الزمني . وقد اظهرت براعتك ومهارتك ككاتب روائي مرموق , في اتقان حرفة الفن الروائي , في عنصر التشويق . كما لديك ذائقة التقطيع او فاصلة لتنفس للقارئ , من زحمة الالم والوجع , في توظيف السخرية التراجيدية , كلما زاد الاحتقان بتصاعده الى الذروة . وظفت ( عبدالله اللوريني ) واقولها , كلما اشتد الالم عندي , كلما شعرت بالراحة والتنفس في ذكر ( عبدالله اللوريني ) كأنها استراحة من الزمن النفسي الضاغط من الاعماق . وكلك كنت رائعاً بحق في استخدام الدايالوج ( الحوار الداخلي ) لكشف عمق الازمة النفسية في صراعها مع الحياة
ودمت بصحة وعافية , بالشفاء العاجل

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي القدير الاستاذ جمعة عبد الله
مادام العمل ممتازا برأيك فهذا شرف لي ياصاحب القلم الأصيل
قُصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

قرأت هذه الحلقة واستمتعت كثيرا باسلوب الروائي الدكتور قُصي البارع في الانتقال بسلاسة في حيزي الزمان والمكان ليضع امام المتلقي صورا تركيبية تشد خيوط السرد وتدفعه برفق خطوة صغيرة الى الامام، و هذه ملاحظات ربما يلتفت اليها عند طبع الرواية : فمثلا عبارة ( صفرة توشي، ارى الأصح صفرة تشي، ويلتفت نظره ارى الأصح يلفت نظره،)
سبق ان قرأت لقصي حلقة من رواية نهر جاسم وعلقت عليها، ولكن يبدو ان اخي قُصي لم ينتبه للتعليق الاخير على احدى حلقات رواية نهر جاسم. وهذه صورة من التعليق وشكرا

صالح البياتي
حوالي1 شهر مضى #98492
هذا النص من الرواية قرأته حتى النهاية في جلسة واحدة، شدني بقوة سرده من بدايته لنهايته، فقد استدعى ذكريات كادت ان تنسى لولا ان براعة قُصي في السرد الواقعي إعادتها للحياة، وعندما وصلت بالقراءة الى اصطفاف طلاب المدرسة استعدادا لاستقبال الرئيس، دون انا يذكر السارد بعد اسمه قفزت لذاكرتي حادثة مقتل عبد السلام عارف، لانها كانت في وقتها حدثا مدويا، هنا تبرز براعة الروائي قُصي ، بزحزحة الحادثة واخراجها من إطارها التاريخي لتبرز كحدث معاش بكل تراجيديته وتناقضاته ونذر الشؤم التي تتمخض عنه، قلت آنفا أني قرأت هذا الفصل من اول كلمة حتى آخر كلمة رغم الصعوبة التي أواجهها بسبب القراءة الضوئية،اتمنى ان اقرأ الرواية مطبوعة ، لأني أتمتع بالقراءة في كتاب اكثر من القراءة الضوئية التي تجهد عيني جدا بسبب الشيخوخة وحساسية عيني للضوء، بسبب الجلوكوما، تحيات محبة لمبدع عراقي اصيل نشأ مثلي في جنوب العراق، يحمل هموم وآمال شعبه الطيب.

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي الاعز الاديب القدير الاستاذ صالح الطائى
تحية المودة والشوق
اولا أودّ ان أشكرك واعتذر منك أشكرك لثقتك بي واعتذر منك لوجود بعض الأخطاء التي لم انتبه لها واعترف ان بعضها لم يكن بسبب الطباعة بل جاء على السليقة لكن المفترض الا يأتي فالف شكر لك على لفت نظري الى ذاك
ثانيا الرواية طبعت في بيروت ولدينا في البصرة منها نسخة فتحها اخي لكي يصورها لمن يرغب فيها اذا قدر الله وسافرت سأقوم انا شخصيا بتصويرها وتجليدها في كتاب ثم ابعثها لحضرتك لكني لا ادري متى اسافر وبريد البصرة بدا يبعث الرزم الى الدول العربية وقد كلفت اهلي هناك ان يبعثوا الى الاْردن ومصر وقد سمعت ان هذا يشمل ايضا بعض الدول الأوروبية ايضا لكن البريد يتاخر رزمة الاْردن ومصر وصلتا بعد اكثر من شهر تصور البريد عبر الجو وذلك بسبب كثرة العطل في العراق
تحياتي ايها الاعز
اخوك قصي

This comment was minimized by the moderator on the site

عفوا اخي الاستاذ صالح البياني
الماسنجر عملها الطائى وهذا خطا اعتذر منه لك
أكرر عذري
قُصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً جزيلا لردكم اللطيف اخي قُصي ،اتمنى لكم المزيد من الإبداع والتألق في هذا الفن الرائع ، الذي سحرني منذ وقت مبكّر، وقد انجزت فيه منذ سنوات عملي الروائي الاول الذي ضمته المثقف الى إصداراتها المستقبليه، وسوف انشره على حلقات قبل طبعه، وذلك بعد انتهائكم من نشر حلقات روايتكم الحالية، اتمنى لكم دوام الصحة والعافية، كما أودّ ان اصحح ما ورد في ردكم حول اسمي، وهو صالح البياتي ، وليس الطائي .

This comment was minimized by the moderator on the site

أسف اخي قُصي ، فاتني قراءة ردكم الاخير معذرة وشكرا جزيلا.
اخوكم / صالح البياتي

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك الاستاذ صالح االبياتي
لك كل احترامي امل ان اقرا اعمااك
قصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

القلم الذي يرسم فن الرواية بهذا الجمال وهذا السرد الذي يبهج القلب ، هو حتماً قلم تدربَ على وجع التفاصيل وأيضاً على لحظات فرح حتى وإن كانت شحيحة
ربي يحفظك من كل سوء د قصي ، أبي الذي يشرفني أن أناديه - أبي -
احترامي واعتزازي

This comment was minimized by the moderator on the site

المبدعة ذكرى لعيبي
لكلماتك رونق العطر
تقديري الوافر لروعة كلماتك
قُصي عسكر

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب قصي عسكر
مودتي

انها الشواهد.. تلك التي تركتها وانت تلقي بزهر نرد جولاتك.. وظلال جولاتك.. وهديل حواراتك وسط مدينة تعلمت فيها، وانت الغريب، كيف تالفها وتألفك .. شادا زحمة الاحدات على جياد العمر التي تعدوا بك وانت تشممها عبق الفاتح الذي يكره الحصار..

دمت بخير

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي القدير الشاعر الاديب طارق الحلفي
انت في الحقيقة تصوغ نغما ذَا بهاء بصيغة كلمات كلماتك تغني وترتل معانيها وهذا يكفيك فخرا
سلمت للابداع
اخوك قُصي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4418 المصادف: 2018-10-10 09:13:49