المثقف - نصوص أدبية

الغرق في قارورة رجل

فاديا عيسى قراجهقالت حوَّاء: هل تذوقت اللذة عندما تتعطل لغة الكلام؟ انتظر لا تجبْ ..

هل تعرف معنى أن تفقد الكلمة بكارتها؟ انتظر لا تجبْ .. هل تجرعت طعم السم المدسوس في رضاب القبلة؟هل جربت أن تنتحر على جسد من تحب؟؟

دقق آدم فيما قالته حوَّاء .. فهاجمته بهذا الاعتراف:

- لقد فقدت بكارتي .. هل تسمح أن تخبرني متى فقدت بكارتك؟ انتظر لا تجبْ .. أنا فقدت بكارتي منذ يومين، منحتها لرجل يائس، جاء يتسولني، فلم أجد ما أهبه سوى بكارتي، الحقيقة كنت أريد أن أوفرها لليلة مجنونة تجمعني بك، أعرف بأنك تشتهي جسدي، وتموت شوقاً على الغرق في بئره البكر، ولكن هذا ما حصل ..كان الرجل محبطاً، بائساً، يتدفق ألماً، شهوته مطفأة، فض بكارتي مثل تلميذ يسرق الواجب المدرسي من دفتر صديقه .. والآن عليك أن تخبرني منذ متى فقدت بكارتك؟

حاول آدم أن يستوعب تلك القنابل التي قذفتها لكنها لم تسمح بأيّ لحظة تفكير، وقالت بتشدد:

- ما بك؟؟ أين حماسك؟ هل مضى وقت طويل على وداعك لبكارتك؟

أيُّ مجنونة هذه الحوَّاء ! ماذا تخرِّف؟

حاصرته بأسئلتها، وهددت باستعمال الأسلحة الخطيرة مالم يجب على استفساراتها ..

قال بصوته الحريري: لكنني رجل يا حوَّاء، عن أي بكارة تتحدثين؟!

صاحت: رجل؟؟! حسناً .. سأعطيك عشر دقائق لتعترف ....

أحنى آدم رأسه، وبدأ يفكر ويحدِّث نفسه .. هي تقصد متى أول مرة تعرفت على جسد المرأة .. أنا أفهم هذه الحوَّاء الخبيثة .. كنت في الثانية عشرة من عمري .. حيّنا كان شعبياً، أو ما يسمى بالعشوائيات .. سكنتْ في حيّنا امرأة سمعتها سيئة أو هكذا اصطلحت على تسميتها نساء الحي.. كانت تقف على باب بيتها بثوبها القصير ذي اللون الأحمر القاني الذي يشف عن ملابسها الداخلية، كان الرجال يتلمظون حسرة، ويصبون جام غضبهم، وحنقهم وجنونهم على نسائهم ..

مرة وقفتُ أمام بيتها فقد وقعت كرتي على شرفتها .. أدخلتني البيت، أعطتني حلوة لذيذة،أطعمتني بيديها .. قادتني إلى غرفة نومها .. تعرّت أمامي، وأشارت إلى نقاط في جسدها وقالت: ما أسم هذا، وهذا، وهذا؟؟

بدأتُ أرتجف،وأتصبب عرقاً، فاحتضنتني وبدأت بتعريتي، كانت أناملها تخدرني وهي تمسح جلدي الغض،و تشم العفاف في جسدي .. ومن ثم قادتني إلى جنتها الحارّة..امتصت روحي، وأخرجتني من غرفتها رجلاً حقيقياً ..

ومن يومها لم تغادر وجداني .. حفظتُ تفاصيلها، ورسمتها على دفاتري ثم ضاجعت الورق بألم ولذة، كان هذا سرّي السعيد .. وبدأت النساء تتوالى على فراشي بألوان وأحجام وأسماء مختلفة، لكن أي منهن لم تُبلغني تلك النشوة التي منحتها لي امرأة سيئة السمعة ..

صرخت حوَّاء: انتهت العشر دقائق .. هل يحتاج الأمر إلى هذا التفكير؟

قال آدم: هل تجيبين على سؤالي بصراحتك المزعومة؟

ردت بتأفف: اسأل

جلس آدم القرفصاء، وسدد سهامه على وجه حوَّاء الفاتن:

- كيف فض ذلك الرجل بكارتك؟

ابتسمت حوَّاء وتمتمت:

- مثلما يفعل كل الرجال

قال آدم: وأنت؟؟ هل تعريت ِ له؟ هل شم رائحة جسدك؟ هل مسح جسدك بشفاهه؟هل خرج من غرفتك رجلاً حقيقياً، أم أنه دخل متسولاً، وخرج متسولاً؟؟

قالت حوَّاء: في الحقيقة لم أخلع ملابسي .. لكن لماذا هذه الأسئلة؟

أردف آدم: لماذا لا تسعدنا إلا امرأة سيئة السمعة، تقول أنا جسد، أنا للمتعة، أنا للفراش فقط، أنا للّحظات الخالدة؟؟هل لأنها تعطينا مفاتيح الجنة وتعرف نقاط ضعفنا نطلق عليها هذه التسميات، ثم نقتلها وهي من تصنع منا رجالاً؟

لو كنت يا حوَّاء سيئة السمعة كنت أسعدت ذلك المتسول الذي وهبته بكارتك

لكنك فشلت في أداء هذا الدور الذي لن تتقنه سوى امرأة تلبس ثوباً أحمر، وتقف على باب بيتها، تتعرى أمام طفل غرير، ثم تلقنه أسماء أعضائها عضواً، عضواً .. حتى أنه لم يجد في أيّ امرأة ما وجده في تلك المرأة التي قتلتها نساء الحي لأنهن فشلن فيما نجحت به، فهي الحياة التي نقتلها، وهم الموت الذي يعشش في العشوائيات ..

فكرت حوَّاء فيما قاله آدم، وخصوصا الشق المتعلق بها ..

هي جميلة جداً فلماذا أسرع ذلك المتسول في مهمته، وخرج دون أن يثني على شيء فيها، حتى لم يقبّلها، كان منهمكاً في تمزيقها بأسنان تشرده ..

تكومت حوَّاء مثل قطة قرب آدم .. التصقت به .. ثم وضعت يديها على وجهها وأجهشت بالبكاء ..

لم يتحرك آدم من جلسة القرفصاء .. أشعل لفافة تبغ .. وبعد أن انتهى منها داسها بقدمه، ثم خرج .

***

فاديا عيسى قراجه

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

كأنني أقرأ حوارا دار بين " شامات " وبين الوحش " أنكيدو " باستثناء فرق جوهري ، هو أن الجنس جعل من الوحش أنكيدو إنسانا ، أما في هذا الحوار فقد جعل من الإنسان آدم وحشا .

دمتِ مبدعة حقيقية سيدتي الأخت والصديقة فاديا .

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي العظيم يحيى السماوى .. شهادتك بقصتي هو ما أطمح له
قوافل عطر لمرورك

This comment was minimized by the moderator on the site

رائعة حروفك صديقتي الجميلة، كنت استمتع بقرائتها وكأنني هذا الفتي الذي عاش تلك اللحظات ولم يدرك مثلها بعد ألف عام وعام!
تحياتي لأناملك التي سطرت تلك الحروف كاتبتنا الجميلة

This comment was minimized by the moderator on the site

كل الامتنان والاحترام أستاذ محمد ..
كل إضافة هي لاغناء النص

This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي وتقديري سيدتي فاديا ..
نص باذخ بالفعل شكلا و معنى .. حوار شيــق يملؤه الشبق إلى الذات ، إلى المعرفة ، إلى الحقيقة التي يخشى الجميع مواجهتها . إنه شبق فلسفي بامتياز ، نزق يحاور الذات في رعونتها وفي سكونها المميت، بل في كل أحوالها .
نص جميل ومثير فنيا، بل تجازو الإثارة إلى مرحلة افتضاض بكارة اللغة و بناء الأنساق اللغوية و من ثم لملمة المشاهد المتناثرة بين الإيحاء الشهواني حينا و التصريح المريح أحيانا ، مما يجعل الصورة تأتينا مكتملة في آخر المشهد .. إنها الدربة سيدتي .. دربة الكتابة و مراودة القلم المتمنع حينا و المطاوع حينا .
أشكرك سيدتي على المتعة .. متعة القراءة و متعة التأويل
دمت في سلام
أخوك المهدي م
المغرب

This comment was minimized by the moderator on the site

وحضوركان باذخاً عاطراً
ممتنة هذا المرور الجميل

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديبة القديرة
نص ادبي يطرح مسألة عويصة وحرجة , مسألة المرأة ومكانتها . طرحت المشكلة والموقف تجاه المرأة , منذ زمن آدم وحواء , فأن حواء دخلت قارورة الرجل ولم تخرج منها , رغم تبدل الازمنة والعصور . فمهما عظمت المرأة , تبقى داخل قارورة الرجل , بالسلطة المتحكمة والمتسلطة . بسلطة المراقبة والتفتيش والمحاسبة العسيرة , والويل لها اذا فقدت بكارتها , يعني فقدت حياتها واهدر دمها شرعاً وحلالاً بتعاضد القانون , فليس للمرأة مكان , سوى داخل قارورة الرجل ( في مجتمعاتنا الشرقية فقط , اما في المجتمعات الغربية , فأن المرأة خرجت من القارورة ) . لذا فأن الرجل قوام على المرأة لانها عورة ومعيبة بالعار والشنار ( لا يمكن ان تسافر وحدها إلا مع ولي أمرها , لا تخرج الى شارع بعرف الظلاميين إلا مع وصي امرها وسيدها , فهي جارية وعبدة وبضاعة تباع وتشترى بالمال . فكيف تخرج من القارورة في هذا الزمن الرديء , الذي زاد الطين بلة
تحياتي لكم

This comment was minimized by the moderator on the site

الرائع الجمل جمعة كل المحبة والامتنان

This comment was minimized by the moderator on the site

أشُّمُّ في نصوص هذه السيّدةِ المدْهشةِ

روائحَ العبقرية

يقول سارتر :

حينَ يداهمنا الموت هاجساً وحضوراً

ويهدّدُ وجودنا بالفناء واللّافعل

نسعى الى الهروب من العدم

عبْر حياةٍ قوامها التحقُّق الجنسي

دمْتِ. إبداعاً

This comment was minimized by the moderator on the site

أستاذي الدكتور حمعة كل المحبة وااحترام والتقدير .. آسفة على الخطأ المطبعي

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4418 المصادف: 2018-10-10 09:16:28