المثقف - نصوص أدبية

كيف صار الديك فيلسوفا؟

نبيل عودةانطلق صوت الديك عاليا معلناً فجراً جديداً. احتجت إحدى الدجاجات ان الوقت ما زال مبكراً على الصياح، وان ساعة نوم قبل صعود الفجر أفضل من نوم الليل كله.

لكنْ ما أخرس ألسنة الاحتجاج كان اللمعان الغريب في عيني الديك، فأيقنت المتثائبات أنهن أمام حدث كبير.

ولم تتأخر المفاجأة.

قال الديك، بعد ان اتخذ مكانا مرتفعا يرى منه كل دجاجاته:

- أمس، وأنتن نيام لا تدرين من أمور دنياكن شيئاً، دُعيت الى اجتماع قمة طارئ عقد في خمّ جارتنا ام كميل.. حضره الأشقاء ديوك الجيران من المشرق والمغرب، لبحث موضوع أشغل تفكيرنا. والهدف هو الوصول الى موقفٍ ديكيٍّ مشترك واتفاقية تعاون مشتركة، نطرح فيها المصالح الاستراتيجية لنا جميعاً، بحيث لا نبقى مستبعدين من مراكز القرار ومستهدفين من شعراء ديوك غرباء، لا همَّ لهم الا نتْف ريشنا الملون والجميل. وكان موضوع البحث يتعلق بالفكرة التي خطط بها الله جسم الطيور .. وخاصة نحن معشر الديوك، المسؤولين عن تحسين النسل واكثاره لنشبع البطون الجائعة .. لنضع خطة تحمي ريشنا الجميل.

وتوقف الديك مستعرضاً بنظره جمهور الدجاجات، متذكراً وقفة ابن جلا في العراق...

همرت بعض الدجاجات احتجاجا .. وتجرأت الدجاجة الغبراء المعروفة بلسانها الطويل، وقالت:

- ولكن يا سيدي لحومكم انتم معشر الديوك مطلوبة دائما على موائد الطعام.. بل والبعض يفضلها عن لحومنا.

- اخرسي.. انت مجرد وجبة دسمة، وبدوننا لن تكون وفرةٌ في إنتاج الفراخ ... لا تقاطعنني والا أشغلت منقاري بكن، القصة يا سيداتي المبجلات أن الله كرّس فكراً كبيراً في تصميمنا. ووصلنا الى قناعة انه مهندس ماكينات .. انظرن المفاصل التي زودنا بها كيف تعمل بليونة وبدون تعقيد (وعرض حركة ساقيه).. ولكن ديك خمّ ام كميل أصرّ ان الله مهندسٌ الكترونيكٌّ، اذ أنه زوّدنا بأجهزة أعصاب مع آلاف الوصلات المعقدة. وهذا كان موضوع بحثنا ودراستنا، وأخيراً اتفقنا انه يحمل شهادتين، الأولى بالهندسة الميكانيكية، والثانية بالهندسة الألكترونية. وهكذا انتهى اجتماعنا وجئت لأبلغكنّ بالقرارات الجديدة لتعرفن مبنى هياكلكنّ ومَن وهبكنّ اياها. لذلك أطلقت صياحي أبكر من المعتاد كي لا يسرقني النوم، وتبدأن نهاركن وأنتن على استمرار بجهلكن بحقيقة خالقكن ودوركن في هذه الفانية.

- وبماذا سيفيدنا هذا الاكتشاف.. إذا اختارونا لوجبة اليوم أو غدا أو بعد غد؟

همهمت الدجاجات بغير اهتمام للاكتشاف الجديد .. وتابعن:

- ابحثوا كيف تمنعوا ذبحنا ومعطنا وسلقنا وشوينا.. ذلك أفضل. قمّتكم تشبه قمم العرب .. كلها خلافات وتراجعات وبيانات تضامن واتفاق.

- ولكن قبل ذبحكن يا جاهلات يذكرون اسم الله.. فذبحكن اذنٌ شرعيٌّ من ناحية الدين.

قالت الغبراء محتجة:

- لا نريد هذه الشرعية الدينية.. نقدمها لك ولسائر الديوك على صحن من ذهب .. لتذبح انت ولنبق نحن، حتى بلا دين .. وبلا فلسفة الديوك.

غضب الديك من الإهانة المباشرة التي وجهت إليه. وخاصة من الغبراء أم لسان طويل، وصاح:

- انتن قليلات عقل وقليلات دين.. ومصيركن الحرق ..

قهقهت الدجاجات .. بغير إكتراث من هذه التهم الخطيرة. وعلت أصواتهن:

- وماذا ينفعنا عقلنا وديننا بعد ذبحنا والتهامنا؟

- وهل من مصير آخر في عالم يسيطر عليه الديوك؟

وتحينت الغبراء ام لسان طويل، الفرصة لترمي بقنبلتها.

- ونسيت أن أقول لك انكم يا معشر الديوك مغرورون ومخطئون في اكتشافكم.

- هذه دراسة وجهد تفكير طال لأيام.

- طز بهكذا تفكير، يجعلنا ما دون مستوى الديوك وينتقص من حقنا في الحياة.

وقام الضجيج، والديك يحاول إخراس المحتجّات والمعلقات بغضب. ولكن الحبل قد فلت. ولولا دجاجة تجلس في القرنة ترفض ان تترك بيضاتها، لوقع ما لا تُحمد عقباه ولتمرمغت عنجهية الديك بالتراب. قالت الدجاجة بصوتها الرخيم والهادئ:

- بحثكم يا ديكنا العزيز يثبت كم انتم بلا علم وذكور مغرورون.. لو استعنتم بمعلوماتنا (نحن المتهمات بقلة العقل) لتغيرت نتيجة قراركم.

- نستعين بالدجاجات؟

صرخ الديك مذهولا من المفاجأة.

- أجل أيها المدعي.. الا تعرف ان الله مهندس شبكات، من يستطيع ان يخلق جسما مثل الماسورة، يدخل شيئا من جهة ويخرجه من الجهة الأخرى مختلفا ؟.. حتى شهوتك يا مغرور تدخل الى مواسيرنا فنخرجها بيضاً وفراخاً... فأي مهندس هو اذن؟

وفهم الديك انه هزم .. ولكنها أنقذته من غضب الدجاجات. كيف لم يفكروا بهذا الأمر الأساسي؟ وهو الآن، رغم فشله يشعر بالسعادة والانتصار، اذ قوي يقينه انه سيصير فيلسوف ديوك الحارة وكبيرهم عقلاً وتأثيراً. وسيدعو الليلة أصحاب الفخامة والجلالة الديوك الى اجتماع قمة طارئ جديد، يبلغهم فيه انه بعد تفكير فلسفي استغرقه ساعات يومه، دون أن يقرب أي دجاجة اليه حتى لا تتفركش أفكاره، توصل الى الحقيقة بأن الله هو مهندس شبكات وليس مهندس ميكانيكيات أو الكترونيكا .. كما يدعي الضالون. ويكلف شاعر القمة، ديك خم أم يوسف، بصياغة اتفاق جديد بلغة الشعر حتى يرسخ في عقول قليلات العقل أيضا.

 

نبيل عودة

........................

(من المجموعة القصصية: نبيل عودة يروي قصص الديوك)

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

هذه القصة من مدرسة الكاتب المعروفة بالسخرية و الكوميديا السوداء، و اخالني لم اقرأ من فترة طويلة شيئا من هذا النوع،
و يبدو ان الدكتاتوريات او الأنظمة القمعية تنتج كثيرا من هذه النماذج كما هو حال عزيز نيسين في فترة الضغط الاتاتوركي على سكان الجنوب و الشرق من تركيا، و الان في سوريا ( بالرغم من انها صورة بالمقلوب لما يحصل في تركيا) و من ربع قرن لدينا زكريا تامر الذي يسخر من نفسه و مجتمعه بسلسلة من القصص القصيرة جدا.

This comment was minimized by the moderator on the site

سخريتي نشات بناء على عوامل عديدة، منها الثقافية ومنها السياسية ومنها الاجتماعية، بدأت بقصص الديوك بسبب معلق تافه هاجم كل كلمة كتبتها، وكنيته كانت الديك، ويعتبر نفسه شاعرا، فاطلق موهبتي لأكتشف ان السخرية تشكل محورا من عالمي ، بعدها اصبحت الكتابة الساخرة جزءا من عقلي وروحي. واخرست الكثيرين الذين حاولوا التطاول على مواقفي المختلفة.. لو حاوروني لعاملتهم بالمثل. لكن تجاوز منطق الحوار فتح امامي باب السخرية السوداء ، ويبدو ان ذلك كان اشد بأسا من سوق الحجج والدفاع عن مواقفي عقلانيا.

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4446 المصادف: 2018-11-07 08:16:58