المثقف - نصوص أدبية

للحرية حدود

صبيحة شبريسيطر عليها التوتر، وتطلق نفسها الآهات، تبكي بحرقة، تشكو سوء حياتها، وشعورها بالغربة، وعدم تفهم أهلها لأحلامها وواقع ما تعيش به، فهم شكل قديم، واعتادوا ان يحاسبوها على كل تصرف، يجب ان تطلعهم ان خرجت من المنزل، وأن تخبرهم باسم الصديقة التي تحب زيارتها، وان تبين لهم الساعة التي تعود فيها إلى المنزل، وان ترتدي ملابس تستر منها كل أجزاء الجسد، وتظهرها بشكل قديم جدا، وكأنها جدة كبيرة في السن، في الوقت الذي لم تبلغ فيه سنتها الثامنة عشرة، تقول بحزن شديد :

- أهلي لا يفهمونني

- أهلك أناس طيبون ويحبونك، يبذلون ما في وسعهم لإسعادك

- إنهم يحبونني بطريقتهم القديمة التي أكل الدهر عليها وشرب، ولم تعد صالحة لهذا الزمن، الذي تطور فيها كل شيء، وحتى العلاقات الاجتماعية، والأسرية، ولم يعد الانسان يرضى ان تفرض عليه القيود

- مهلا، مهلا، عزيزتي

-  إنهم لا يحاولون تفهم ما أريد شرحه، فيسيطر علي الغضب وافقد القدرة على التوضيح

-  حاولي الهدوء حين تتحدثين عما تريدين

تسكت على مضض، ليس في مقدورها أن تدافع عن نفسها، تعوزها الحجج المقنعة، صديقاتها اللاتي في مثل سنها تجد نفسها غريبة عنهن، فكيف بموقف أسرتها؟ وصراع الفكر بين الأجيال معروف، وحتى ان كان الأهل محبين جدا لأولادهم، فان لهم طريقتهم في التعبير عن تلك المحبة، قد لا يحسنون الأقوال عن مدى حبهم واعتزازهم، ولكن أفعالهم تتحدث بمحبتهم الكبيرة، الأولاد زينة الحياة الدنيا، تسمع كلمات من حاولت الشكوى لهم، ولا تجد ما تقوله، فكرها مشتت لا تستطيع ان تنظمه ورغباتها كثيرة، وعليها ان تعرف أيها المهم وأي منها الأكثر أهمية

- ما الذي أ ثار غضبهم منك؟

-  جلست في غرفتي أدخن بهدوء، فدخلت أمي علي دون استئذان.

-  ولا تعرفين لماذا غضبوا؟

-  ليس من حقهم، أنا حرة

يبدو على محدثتها عدم التصديق، أحقا هذا كل ما أثار الغضب؟

-  وكيف تفهمين الحرية؟

- ...............

تخجل ان تصرح بالسبب الحقيقي، رأتها أمها تدخن،قالت لها بهدوء :

- التدخين يضر بك

فانفعلت وصرخت معلنة التمرد والعصيان، ومزقت قميصها ولطمت على وجهها، ظلت أمها مشدوهة، وبدلا أن تعتذر الابنة عما بدر تواصل الصراخ، تخرج الأم المسكينة من الغرفة وقد استبدت بها الحيرة، وجهها الناطق بالألم المفجع ما زال ماثلا أمام عين البنت، هل تملك الشجاعة على التصريح بما حدث ؟ وهل تستطيع أن تعتذر، والاعتذار من شيم الكبار؟

تنهمر الدموع من مآقيها وكأنها مطر مدرار، تسكن نفسها بعض الوقت، يظهر عليها الهدوء، هل فهمت أخيرا، أسباب غضب الأهل، وانهم محقون كل الحق، وهل توصلت إلى إدراك معنى الحرية، وهل ستعيد الكرّة أم تحسن التصرف؟ وهل عرفت أنها قابلت الإحسان كله بقلب جاحد؟ والمحبة الكاملة بسوء تصرف؟ الشجاعة تنجيها من مواقف محرجة،والاعتراف بالخطأ ينقذها

 

صبيحة شبر

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

هذه القصة فنيا شفافة و رشيقة و دافئة و تتكلم عن نزق الشباب. اقصد اليافعين و من هم بطور التحول.
و كانت المرحلة الوجودية حافلة بهذه المشاكل كالتدخين و الكحول و القرف و السأم بالاضافة لبؤرة المشاكل.. الاحساس بالذات ماديا.. اقصد الاحساس بالدافع الجنسي. و هو ما لم تتطرق له القصة و ربما هذا افضل.

This comment was minimized by the moderator on the site

الأديب صالح الرزوق
جزيل الشكر لتعليقك الجميل
لقد مر الكثيرون بمرحلة صعبة كانوا متوترين على الدوام لايعرفون ماذا يريدون
تقبل مني خالص التقدير

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4447 المصادف: 2018-11-08 04:49:56