حيدر الهاشميكانت جدتي تخفي دموعها، في كيسٍ صغير، حتى لا يراها أحد .

كانت توفي نذورها كلها، حين يعود أبي من الجبهة سالماً .

وقبل أن يبدأ بالحديث مع رفاقه عن القتال والجنود الضائعة احلامهم.

كانت تضعنا في علبٍ صغيرة، مثل قطع الحلوى، وكانت تغلق الباب جيداً، حتى لا يتسلل إلينا الموت .

وفي صلاتها، كانت ترفع يديها نحو السماء، حتى نرى في عينيها دموع الإله .

انتهت الحرب وعاد الجميع إلى اهله إلا أبي

قال أحدهم: نبتت في صدره شجرة  من الرصاص .

وقال آخر: شاهدنا في خوذته أصابع رفاقه المبتورة، تنمو وتخضر على شكل مزهريات !!

حينها علمنا أن الأمطار التي تأتي في غير موسمها، هي دموع جدتي التي كانت تحبسها في الاكياس، وأن قطع الفحم الصغيرة، هي أحلامها التي ضربها الحزن فجأة .

كانت تقول لنا، لاتضعوا الستائر في بيوت الشهداء، هناك صغيراً أخبروه، أن والده ذهب إلى السماء، صار كلما يشتاق إليه يتحدث مع النجوم .

ومنذ ذلك الحين وهي تجلس خلف الباب، تراقب النافذة ، تمسك صورته جيداً، تخاف من هبوب العاصفة، تخشى أن يسقط على الأرض مرتين .

***

حيدر الهاشمي

 

صحيفة المثقففي الحرب؛ ليس هناك نصر،

سوی فتك الانسان وهدم صرح الحضارة"

علی غرار الموت الضرير

أسير حافيا

في أدغال محروقة

أجمع حطام الهزائم.

و أوقد منها نارا

تحرق لهيبها:

تأريخ الطواطم.

کتبت بدماء

جنود بواسل!

ما عرفوا

لعبة الشطرنج

و لغة البهائم.

*

أهب مع ريح صفراء

لخريف غاضب

علی وديان الاشلاء

والغنائم

فأواري:

جثث وريقات صامتة

ما تنبهت اليها

قساوة حر شمس حارقة

ولا رأفة دموع الغمائم

*

علی الادغال

والوديان المهجورة،

تحلق غيوما حمراء،

و أرضا: تنزف دما -

جرح أجنحة الحمائم.

*

هنالك أتحدق

في عين ندی تائهة

تسأل عن اخبار موطنها؟

وأصلها نبع دائم!

- فيشير القلم بسبابته

الی انبوب ممتد

علی جسم لضميرٍ نائم..

***

سوران محمد

 

نادية المحمداويفي ساعة متأخر من الليل دقت صفارات الإنذار تعلن حالة الطوارئ في البيت الكبير ذي الأسوار الخضراء وهاجت الحيوانات وعلا الصياح والارتباك بين أفراد العائلة. كانت ساعة الجدار تشير إلى الثانية صباحا .....

الدخان الرطب يغطي سماء بارادايس التي تقع على مقربة من مدينة سان فرانسيسكو ذات الجسور المعلقة. الأم كلوديا رغم تخطيها الخامسة والخمسين عاما لم يعيقها تقدم العمر فنهضت بخفة وعزيمة منقطعة النظير وايقضت زوجها أنطوان الذي يكبرها بسنتين فقط  ونزلوا سلالم الدار مسرعين وفتحوا الأبواب ليجدوا النار تحاصر منزلهما وقد التهمت الأسوار الخارجية للبيت وكل ما يحيط به والحيوانات هائجة وتتدافع بجزع من شدة الحرارة وكأنها تعرف حجم الخطر الذي يتهددها الآن. ركضت كلوديا وزوجها وفتحوا أبواب الحظائر على مصراعيها وساعدوا الحيوانات على الانطلاق والابتعاد عن النار ما أمكن. ابنتهم سارا وابنهم ديفيد رغم صراخ الأم ونداءاتها المتكررة نزلوا متأخرين قليلا بعد أن ارتدوا ملابسهم واعدوا حقائب صغيرة للطوارئ. حاولوا أول الأمر بإطفاء للحريق في المخزن ولكن النار تسربت لداخل البيت وأفشلت محاولتهم فتراجعوا إلى مرآب المنزل ثم انفجرت أنابيب الغاز في البيت وانهار جزء كبير من سقف المنزل وتسربت النار إلى بقية الغرف واحدة تلو الأخرى .....

استقل الأبوان وابناهما سيارة واحدة وغادروا المرآب بأقصى ما يمكنهم من سرعة بعد أن بدأت النار تجتاح بقية السيارات المركونة فيه.

النار تحاصر المخارج وتمنعهم من المغادرة، تقذف في طريقهم كرات من النار وكأنها بفعل فاعل. والدخان يحجب الرؤية ورائحة شواء أجساد الحيوانات. أدركت السيدة كلوديا أنهم أفاقوا من نومهم متأخرين وعليها أن تناضل من اجل أولادها وزوجها فاقتحمت النار بسيارتها ونفذت بأعجوبة إلى خارج محيط اللهب الذي ظل يتصاعد خلف سيارتها المسرعة والجميع ينظرون إلى رماد البيت والمزرعة وحياة عمرها أكثر من نصف قرن تلاشت من الوجود في طرفة عين....

 

نادية المحمداوي

 

حيدر الهاشميالضجة التي تحدثها الطيور على أشجار المنازل و أسلاك الهاتف، قبل حلول المساء، هي أشبه بفكرة مجنونة، لا تعرف بأي مكان تستقر، وأنت كقطعة خشبية متسمراً أمام مرآة دكان حلاقة قديم، تحدق بها طويلاً، تبحث عن ابتسامتك المفقودة، وتجمع أوراق ما تبقى من ذكرياتٍ واغنياتٍ قديمة .

يقترب منك الليل ويلتهم الظلام، ما تبقى من ملامح النهار، بينما ترتفع أصوات الموسيقى، وتزين المصابيح الملونة الحدائق العامة، البارات والأزقة الضيقة . ثم يتلاشى ظل المارة وتختفي أصواتهم ويتحول المكان إلى رصيف قاحل، لا تزال تراوح مكانك، تبحث عن شجرة كبيرة، لغرض التبول، تشعل ناراً من الأوراق التي جمعتها من القمامة، تقاوم البرد، لكن هذا الدفء لن يستمر، تمسك عربتك وقبل أن تفكر بالانصراف، تسمع صوتاً يناديك من الخلف، أنه تاجر داهمه الليل هو الآخر .

التاجر: أيها الحمال قف مكانك، هل بإمكانك إيصالي إلى نهاية الشارع ؟

الحمال: نعم، لكن هذه البضاعة ثقيلة الوزن، كيف سأستطيع حملها؟

التاجر يقهقه ثم يضربه على قفاه:

 هيا، لا وقت لدي، أنت جرب فقط، ستكون في المستقبل حمالاً جيداً.

سار الحمال والتاجر يراقبه، تصفع وجهه الرياح الباردة، تتساقط دموعه كالمطر، يتوقف قليلاً، يخرج من جيبه منديلاً يمسح عينيه، يصرخ به التاجر .

: لمَ توقفت أيها الأبله، ألم أقل لك، لا وقت لدي .

الحمال: لا شيء، تذكرت موت أبي .

التاجر: كلنا سنموت، أما بالحمى أو بالكوليرا، لا تحزن هكذا هي الحياة .

الحمال: لقد ذهب للحرب ولم يعد إلينا كاملاً، ومنذ ذلك الحين وانا اصنع له رأساً من طين، أضعه بجوار قبره، كلما زرته، لعله يعود إلينا سالماً من جديد .

  التاجر: انتم الفقراء تتوارثون البؤس، خذ هذا ألف دينار وأنزل البضاعة هنا .

الحمال: هذا المبلغ قليل جداً يا سيدي، الأجرة خمسة آلاف، أخوتي جياع وأمي مرهقة، وهذا الألف لا استطيع أن أشتري به خبزاً .

التاجر: كم أنتم مزعجون، لا فرق بينكم وبين الحيوانات المفترسة، خذ ثلاثة آلاف وأنصرف، لا أريد أن أراك مجدداً .

ومنذ ذلك الحين وأنا أتذكر هذا المكان جيداً، لقد مضى ثلاثون عاماً على تلك الحادثة، فعلا حين يموت الضمير، تكون حياة الغابة والحيوانات أرحم بكثير من تلك الإنسانية المزيفة .

 

حيدر الهاشمي / العراق

 

خلود الحسناويتهرب الكلمات سراً ساعة ألقاك

ويقتلني الشوق عمداً عند غيابك

ياذنباً ألوذ به،

اطلْ بقاءكَ بين انفاسي ..

واطلْ بقاءكَ مع لحن خافقي

*

يالحناً يعزفهُ الزمان بكل شدوٍ

ياورداً يحمل العطر شذاً

ياترنيمة حبٍ، ردَدَها العاشون

*

ايها القادم من وراء الظلام

تنَبـَــــهْ .. قد لايبوح الفؤاد

ولا يضيءُ لهُ سراج بعد الأربعين

*

سأحرقُ ما تبقى من اوراقي …

وسأرتشفُ نبيذي مع ظلكَ البعيد

ذقتُ مرارة كأسي …

وغرقتْ اشرعتي

*

سأستسلم للطغاة .. وسأجثو على ركبتيَّ

لا ركوعاً ولا ذلاً

بل ..

حباً ..

وهياماً ..

وشكراً ..

لمن بعثكً من خلف الظلام ..

قداســاً ارتـــلهُ في كل حيــن .

***

خلود الحسناوي

 

عبد الامير العباديلماذ تعبد الطرق

بالاسفلت الأسود

لماذا لا يكون لونه أبيض

لماذا يافطات الحزن

تكتب بالأسود

ألم يكن الأزرق أجمل

ولئن الأرواح تصعد للسماء

وهي زرقاء

لماذا نسوتنا يتباهين

بالسواد و لون  الشفاه الأحمر

جاذبا للرجال

لماذا منابرنا سوداء

ملابس أناقتنا سوداء

وجنات الله كلها خضراء

وبحار الدنيا بلون عيون

الجميلات

العيون السود

(أجمل من سواها)

لكن الشرقي

يعشق خضار العيون

وطني لقبوه أرض السواد

حتى لا نحلم بالبياض

لو كان مانديلا هنا

ما زوجناه امرأة من قريتنا

لأنه أسود

عبدالامير العبادي

 

نادية المحمداويحينما تفقد الذاكرة ياصديقي..

 تأكد انني باقية

لا تسل حينما يدور الحديث ...

 وتعلن الأسئلة

وعندما تغفو  ..

تذكرني لأنني أنا المساء

وعندما تفكر ..

 أن تمضي بعيدا تذكرني

لانني المسافة تتضوع اقمارا  بين يديك

يا..أنت لاتزعل ..

لأنني  غادرت أحضانك

 ونويت الاختباء بغير قلب .

قلبك الذي داهمني ذات ذات يوم ..

 ذهب

أذن قل لي ؟

هل لنكهة النارنج أكثر ..

 انني انتظر

ستبدأ ذاكرتي بالرجوع الى المطر .

....حينما تفقد الذاكرة ياصديقي..

 تأكد انني باقية

لا تسل حينما يدور الحديث ...

 وتعلن الأسئلة

وعندما تغفو  ..

تذكرني لأنني أنا المساء

وعندما تفكر ..

 أن تمضي بعيدا تذكرني

لانني المسافة تتضوع اقمارا  بين يديك

يا..أنت لاتزعل ..

لأنني  غادرت أحضانك

 ونويت الاختباء بغير قلب .

قلبك الذي داهمني ذات ذات يوم ..

 ذهب

أذن قل لي؟

هل لنكهة النارنج أكثر ..

 انني انتظر

ستبدأ ذاكرتي بالرجوع الى المطر .

***

نادية المحمداوي

 

سميرة بنصرلمن يتداعى النبض.. ياحرف هل بقى

                     جنون بهذا الكون في داخلي استقى

لقد غار في كل الجهاتِ منابعٌ

                     وعندي حقولٌ حسنها في دمي رقا

اتأتين يا أطياف من خارج الأنا؟

                         لتخضرّ أحلامي نجوما وتورقا

أمِن ذكرياتِ الأمسِ تُبنَى مواقعي؟

                               وتمتدُّ ظلاٌّ في دِمانا مُوَثَّقاَ

لِروحِكَ روحٌ يمشُطُ الحُبَّ نبضَها

                        لتخضَلَ فوق الماءِ وردًا وتُغدِقاَ

تماهت بنا الأسفارُ ياحرفُ مَن أنا؟

                         لأبحرَ في عينِ الزمانِ وأَشرقاَ

وأنهل ياقوتاً وتِبراً ولؤلؤاً

                     على جَنباتِ الأرضِ.. انداحُ رَونَقاَ

لتونسَ في قلبي حقولٌ نقيةٌ

                           يسافرُ فيها البوحُ ورساً مُؤنَّقاَ

زرعتُ لها في خافِقي ألفَ نبتةِ

                    من الحبِّ يٌذكي ضوعٌها كلَّ مُرتقَى

لها في ضلوعِ الأرضِ عشقٌ مُعَمَّدٌ

                         تجذَّر من أزمانِ تأريخِها.. النّقا

مواويلُها تهتزُّ كالرعدِ في دمي

                        إليها بروقُ الأرضِ تأتي لتسبُقاَ                         

وتسبقني فيها العيونُ كريمةً

                                 كأن لروحِ اللهِ فيها ترفُّقاَ

إذاهاجَ بي نهرُ المحبَّةِ خلتُني

                        أرُشُّ َعلى الأكوانِ.. ورداً معتَّقاً

واُهمي على أفيائها عطرَ جنّتي

                         لترقصَ أوجاعُ الجمالِ وتصفُقا

أناجيكَ إلهاماً ..وحبي.مجزَّأ

                          ولي في سماء الدّنيا قلبٌ تمزَّقا

ورُوحُ تجلى كلَّما لذَّ لي هوًى

                           تصدَّعَ فيَّ الشوقُ بُعداً وأخفقاً

***

سميرة بنصر

 

 

حيدر الهاشميأغلق باب غرفته، وراح يتجول في باحة المنزل، ذهاباً وإياباً، يتكرر ذلك المشهد عدة مرات من دون توقف، تتسارع خطوات أقدامه، يحيط به الخوف من كل جانب، يشعل سيجارة ثم يطلقها كتلة دخان في الهواء، ينتزع من ذاكرته ابتسامتها العريضة، كما يفعل الفلاح حين ينتزع من حذائه البؤس والروث والطين، عندما يعود من الحقل.

 يغني، يبكي، يصرخ بصوت عال، يحاول أن يكون شخصا آخر، لكنه لم يستطع أن يخرج من تلك الدوامة، سمع صوت هاتفها يرن، دخل مسرعاً، لا زال المكان  يحتفظ بأجوائه الرومانسية الهادئة، رغم كل ما حدث، الإنارة الخافتة، كؤوس النبيذ، أغاني السيدة، كان الهاتف مرمياً تحت المنضدة، فتح السماعة وبصوت غاضب: أجب أيها التافه .. أجب ..هيا أجب .. أيها المنحرف الحقير .

ثم ضربه في الحائط، لكنه لازال يرن ويرن ويرن ولا زال هو يطلق النار على كل مصباح يرى فيه صورتها . ثلاث رصاصات فقط، هي من أردتها قتيلة، ومنذ أن قتلها وهي تلاحقه كالشبح الذي يظهر له فجأة في كل مكان، يسمع صوتا من الحشد المظلم وكأنه صوته، لكن بوجه آخر: أيها المجنون لمَ قتلتها !؟

هو: وما شأنك أنت، اكتشفت أنها كانت تخونني !

الصوت: أنت قتلتها بثلاث رصا صات، لكنك لم تقتل الشك ابدا، الشك الذي سيقضي عليك عاجلاً أم آجلا، ههههه .. هههه .. هههه!!؟

هو: اغرب عن وجهي أيها الحقير وإلا قتلتك !!

الصوت: لا يمكنك قتلي، فانا في داخلك . لكني سأتركك تأخذ قسطا من الراحة .

دخل غرفة الطعام، صنع له فنجان قهوة، بعد أن نفذت ذخيرته من الجعة والشراب، جلس على كرسيه الهزاز، أخذ يتمتم مع نفسه:

آه دارين، القهوة هذه الليلة تحمل في طعمها كل مرارة الحياة، التي تشبه مرارة الموت، لا أعرف كيف صنعتها، لكنها سيئة المذاق، أفتقدك هذه الليلة كثيرا، ليتني أعرف من هو غريمي ؟

دق منبه هاتفه مع الساعة السابعة صباحاً، فز مرعوباً من نومه، نظر إلى يديه، إلى المكان، لا شيء يدل على الفوضى، لا شيء يدل على الجريمة، كان الباب مفتوحاً قليلاً، سمعها تضحك على الهاتف مع شخص ما في الصالة، حين ذهب إليها مسرعاً، التفت إليه مع ابتسامة هادئة وقالت:

أخي يبلغك السلام، أخيرا عاد إلى أرض الوطن .

 

حيدر الهاشمي  / العراق

 

نادية المحمداويكان الليل هادئا هنا. والمرفأ القصي رغم الضجيج المنبعث من ارجاء الحانة الساحلية ظل يسوده صمت وقور. 

كانت هي وصديقها الحميم يجلسنا  قرب نافذة الحانة المشرعة للنسيم الوافد من عرض البحر يحتسون كأس المساء المعتاد سويا كما في كل يوم وتطل بين الحين والاخر برأسها من تلك النافذة على اضواء المرفأ الترفيهي مستمتعة بمنظر القوارب الشراعية تتمايل مع الموج الى الجانبين   

اوحى سكون المرفأ الوقور ونشوة الكأس لصديقها بهاجس القصيدة فخط بقلمه السوفت الازرق على باطن كفها الرخص انشودة المساء:

لم اركِ من قبل 

كما انت هذا المساء

جميلة كنجمة تضيء

تشاكسين العيون

وتسحرين وقار الندامى

كأنك كنت ترقصين .....

***

قصة قصيرة جدا: نادية المحمداوي

بتول شاملالعيدُ لم يكن سعيداً هذا العام

فأمِّي لم تملأ بدفء امومتها البيت

وأنا لم أستطع التحديق الى قدميهـا

لأرى موضع الجنـة ..

وأبي الذي ذهَبَ قبـل عامين في

رحلةِ اللاعـودةِ

لم يعُدْ فأُقبّل رأسه ..

حرارةُ الصيف وبرودةُ الشتـاء

مَنَعَتا أطفالَ العمارة

من التحليقِ بطائراتهـم الورقيّة

في الأزقة

والخروج الى حيثُ الأراجيحُ

ودواليب الهواء ..

*

العيدُ لم يكن سعيداً هذا العام

الزوارقُ مُلقاةٌ على ضفافِ دجلـة

تنتظرُ عودةَ الموجِ ..

وقصبُ البـرديّ يشكو العطش

وأنا منذ أعوامٍ أنتظرُ عيداً سعيداً

يُلبِسُني ثوب فرحٍ سومريّ

***

بتول شامل

 

 

نادية المحمداويامضِ متناثرا

مثل شظايا الزجاج في فضاءات روحي

اعرفُ انك لن تطمئن للموت

وستبقى بنفس المكانً

تمرّ عليك الدهورُ

وانت تراوحُ من غير خطى

تعال إدن دونك

نضع الاقفال على رتاج مخاوفك

ونمضي

تعال نحرق اوراقنا :

ولن اسلك حين ذاك

عن اقصر الطرق الى قلبكَ

قل مالذي تبغيه ؟

***

نادية المحمداوي

تونس١٥/٩/٢٠١٨

 

فاطمة الزهراء بولعراسولقد سألنا عن ذنب لم نقترفه إذ جئنا

وما ارتوينا بجواب

غير سحق بأقدام اللوم والعتاب

ما ذنبنا إن أتينا..

وما جناه علينا سوى والدينا

حينما اقترفا ذنب الحياة

*

موحش قفر القلوب يا ولدي

جعد شعر الأمنيات تتشابك خصلاته السوداء

صحراء الآمال تعج بالثعابين والعقارب

الطريق شوك وحسك

الخيبات والنكبات مركبات للعبور

زمن بلا عتاد

ولا ملاذ

يوشك القلب أن يذوب

انتفخ واعتل من سف الرماد

من ذَا الذي سيمد لنا يد الإنقاذ

من ذلك الذي سيسمو فوق الأنا

عباد نحن أم عبيد للخيانات والوعود الكاذبة

تعب الفؤاد

ثم تعب الفؤاد

إلى أين نمضي والعيون مغمضة

والقلوب خائبة

أين الرجاء والأبواب موصدة

و القلاع من حديد

حراس النوايا يتمنطقون بالخبث من كل جديد

أسوارهم عالية

ونحن لا نزال نضرب الريح ضربة لازب

ببطون خاوية

سحرهم سرى في دمنا إكسيرا للحياة

تمائمهم مدسوسة تحت التراب

نحن أجبن من دوسها

أو رفسها

نكتفي بالزحف على بطوننا

وضحك كالبكاء

على مانحن فيه من خراب

متى تستقيم حالنا ويرضى علينا القدر

تعود لنا الحياة

تتدفق كالمطر

ينتهي الكابوس إلى سراب

***

 

فاطمة الزهراء بولعراس

 

 

عقيل العبودذلك الإمتداد،

تلك المساحة التي لا جذور فيها،

تحتفي اليوم بكبرياء صمت جديد.

*

هنالك في أعماقها،

الظلمة والضوء يتعانقان،

عيد الميلاد، من أعمق كبريائه،

تنبثق الحركة.

*

السكون يضطرب قليلاً،

المخاض نمو لبذرة يسبقها العطش،

الغيمة ذلك العلو إجلالا،

تستجيب لشروط قافلة ممطرة.

*

القاع ذلك الدنو يكتفي بكلمة واحدة،

يحمل اهات ولادة جديدة،

النمو ببطء شديد، يرسم فرحته،

الامواج تنحني،

البحر يطرز لوحة للشمس،

لذلك روعته تازرا يعانقها المطر.

*

النبتة ترتوي بذرتها،

تشعر بالإمان،

الدفء مودته يكتب عنها، اويرسمها،

الآخرون.

***

 

عقيل العبود: ساندياكو  

 

 

بتول شامللا أعرفُ إنْ كان قيس بن الملوّح أكثرَ حُبّاً لليلى

من حبِّ روميو لجوليت

لكنني أعرف أنّ الحبَّ

لا يُقاسُ حسب الجغرافيا واللغة والدين

*

وأعرفُ أنكَ منذ دخلتَ قلبي

صرتُ نهراً سومريَّاً

تحتشدُ على ضفتيهِ الحدائقُ

وأسرابُ الحمام

والأطفالُ يُبحرون فيهِ بزوارقهم الورقية

مجاذيفهم الضحكات

وأشرعتهم ثيابهم الملوّنة

*

إذا لا أسقي نحلتكَ رحيقَ زهوري

فكيف ستمتلئ مائدتنا بالشهد ؟

*

أنا ما سامحتُكَ رأفةً بكَ حينَ خصام

بل رأفةً بقلبي ..

قلبي الذي نزفَ نبضاً كثيراً عليك

وأنتَ تستجدي ماء ضحكة

تغسل بها حزنك

*

إنّ تقديمي كأساً من ماءِ العفو

لا يعني أنّ نيرانَ عقابي لن تحرقك

لو زاغتْ فراشاتك يوماً عن روضتي

وتنكرتْ لرحيقي .

***

 

بتـول شامـل

 

 

فاتن عبد السلام بلانمدخل

كيف لها أن تتوضأ وتتشهّدَ

بين سبّابتيّ الكاف والنون

وأن لا تسحركَ

بأسرارها وشقاوتها

وأن لا ... تكون ..؟

***

لا تسألني عن أسرارِ العيون

الودُ ودي أن أراوغكَ

فالبعض من أسرارها

فيهِ الفُتون

والبعض منها في ركودٍ

إن مرّت بهِ تشارينكَ

هاجَ / ماجَ ... بجنون

***

لا تسألني عن أسرارِ العيون

الربيعُ اخضوضرَ

بالهوى لُبلابهُ

والصيفُ يترنّحُ

على سُلافِ الغصون

و الخريفُ يتلاعبُ

على أراجيحِ أهدابها

و الشتاءُ فيها قاسٍ حنون

***

لا تسألني عن أسرارِ العيون

البراءةُ فيها

مُشاغباتُ طفلٍ

والجراءةُ كجُرأةِ

عاشقٍ مجنون

تخشعُ كناسكٍ مُتعبّدٍ

و تُعرّبدُ كسكّيرٍ

تاهَ في نوبةِ مجون

***

لا تسألني عن أسرارِ العيون

تفتنكَ تسحقكَ

تغويكَ تخدّرك

وتأسركَ بجاذبيةٍ دون سجون

تقتنصُ قلبكَ بسهامها

فتُصيبكَ بدِوارِ الحُبِ

وآخاتِ وآهاتِ الشجون

***

لا تسألني عن أسرارِ العيون

البعضُ منها حين كُنتَ كانَ

و البعضُ إن اِلتقاكَ يكون

فواللهِ يا سيدَ الوسامة كُلّها

يامن تخلّقَ وتأنّق

و تألّقَ ويأتلق سحره

بين الكاف والنون

إن لم تكن في أعماقها

فكيفَ تُرخي أُذنيكَ

لوسوسةِ الحيرة

وهسهسةِ الظنون ؟

وكيفَ لها

أن تتهندمَ وتتغندرَ

في بؤبؤِ غيرك

لتمارسَ شيئًا من الفنون ؟

كيف لها أن تتوضأ وتتشهّدَ

بين سبّابتيّ الكاف والنون

وأن لا تسحركَ

بأسرارها وشقاوتها

وأن لا ... تكون ..؟

***

فاتن عبدالسلام بلان

 

صحيفة المثقفظننت انك حقيقة....

يختبئ على رصيف ثغرك اسمي....

وتحفظ قصاصات حديثي في ذاكرتك....

ظننت انك عالمي....

حين اوصدت ضحكاتي بقفلك....

حتى انك أمطرت سمائي بوعودك لا رعودك....

حين اهديتني فرحاً بأكتمال حياة....

لم أكن اقيس مساحات مسافاتك....

كنت تجالس كل شوارعي ومدني ومدادي....

منذ أن حل ربيعك ضيفا على ازهاري....

أعدت ترتيب فرحي وكنت على منصه عناويني...

ظننت انك مختلف.....

حين اخترعت لي اسما طفوليا يراقص نبضي..

وأحدث ارتباك في مسار هدوئي حين كانت احرفه كالهمس تنطلق من فوهه فمك...

ظننت انك مختلف....

***

خاطره

مريم الشكيليه /سلطنة عمان

 

 

بتول شاملتمددتُ في أرجوحةِ الحديقةِ

مُغمِضةً عينيّ في شِبهِ إغفاءة

تُؤرجحني أحلامُ اليقظة

ليست حرارةُ الشمس ألبستْني ثوباً دافِئاً

بل أنفاسُك وأنتَ تُغطِّيني بنظراتك

مُستسلمةً ليديكَ وهما تعبثانِ بجديلتي

قبل أن يُوقظني مَواءُ قطّتي

فأفقتُ على كابوس وجودي وحيدةً في الأرجوحة

يؤرجحُني حبلُ الشوق

وقد جَفّ الخدرُ الدافئُ في عروقي !

كيف أُفهِمُ قطتي أنّ مواءها

جاء في الوقتِ الضائعِ من الحلم ؟

***

الحمامةُ أعطتني درساً جديداً

وأنا أنظّفُ الحديقة هذا الصباح ..

لقطتْ قـشّةً وطارتْ نحو الشجرة

عادتْ ولقطتْ أخرى .. فأخرى .. وأخرى ..

في المساء كانت الشجـرةُ

مزدانةً بعـشٍّ جميل !

***

في الليل يغدو سريري حديقة

وفي الصباح تغدو الحـديقةُ سريري

ومثل أشجارِ الحديقة:

أبقى باسقةً وأشواقي خضراء

***

 

بتول شامل

 

 

خلود الحسناويكم أعشق فيك هذا التجاهل ..

وهذا الغرور ..

وهذا التجهم ..

كـ..غضب البحر ..

بعد هدوء مزيف ..

اريد ..ماذا اريد؟

اريد بحرا بلا شاطيء ..

اريد رفقتك بسفر بعيد..

فأنا..

احب ثورة الموج ضد الهدوء ..

دعني اغامر معك إلى المجهول..

إلى الحقول ..

إلى الوهاد..

عبر الزمن ..

وحكايا ،

قديمة من دهور..

قصّتها جدتي ..

لتغريني بالنعاس ..

وامازحها بغفوة خبيثة..

كل ذلك ..

حلم ..

استعيده..

بأوقات التيه

بلحظات تجاهلك المستمرة ..

فقد

أوشكت ان اثور كموجة بعد اندثار

***

 

بقلم: خلود الحسناوي

 

 

احمد بلقاسمسمع هسيسا في الشارع كان خافتا في البداية، ثم تحول شيئا فشيئا إلى دبيب مسموع وفي الأخير صار أشبه بضربات متتالية من مطرقة فولاذية على جدار الجيران، ذات صبيحة يوم عطلة.أزاح الغطاء عن رأسه، ترك العنان لأذنه لتستطلع مصدر هذا الدبيب، سرعان ما أشعرته أنه لوقع أقدام، تدخلت الذاكرة لتستجلي من يكون صاحب الوقع والناس نيام؟ قفز من سريره يمشي على رؤوس أصابع قدميه نحو النافذة المطلة على الشارع، رمى عينه عبر فتحة ضيقة فيها،عقدت الدهشة لسانه حين وقع بصره عليها.أسرع متلهفا إلى فتح الباب، تعانقا بحنان وغرقا في عيني بعضهما البعض ما شاء الله.ثم سحبها بلطف نحو السرير الذي مازال يحافظ على بعض الدفء..قبل ولوج الغرفة نظرت إليه وقالت مبتسمة:

- جئتك بمفاجأة؟

- مفاجأة؟

- نعم.

- ما هي؟

- أغمض عينيك.

- طيب.

- لا تفتحهما حتى أكمل العدّ إلى غاية عشرة.

- واحد، اثنان،ثلاثة، .........عشرة.

ثم أخرجت من تحت حمالة صدرها ظرفا لفته بإتقان على شكل سيجار وسلمته إليه، تأمله جيدا، برقت أساريره، تنّحت أخاديد الخمسين سنة من الضنْك جانبا، فاسحة المجال لوميض ابتسامة مقموعة لزمن طويل كي يرسم مكانها آية الفرح الدفين . بعد أن افتض بكارة الظرف، تسللت أنامله على مهل إلى أعماق ما بعد الغشاء وخرجت ساحبة معها المفاجأة: شيكا بمبلغ مغر جدا كهرب جسده، زادت ابتسامة الفرح عن حدها وانقلبت إلى قهقهة مدوية كخكخكخ، انحنى عليها، و ضمها إلى صدره من جديد هامسا في أذنها.

- طوبى لك أيتها القطة الجميلة.. وطفق عليها مسحا بالجيد والأطراف..

- الدنيا فرص يجب أن نغتنمها يا حبيبي.

- أنت أفضل من بنت الجيران، التي أرسلت إلى ما وراء البحر لتجلب الدولار من حقول التوت والتفاح، فعادت بوليد أشقر سماه أهلها - ولد العار..

نظرت إليه باسمة وهمست في غنج:

- لو سمحت لشقيقتي بمرافقتي إلى هناك لازددنا كيل بعير..

- إيه نعم، لكن ألا ترين أنها لما تنضج بعد؟

- صحيح ولكن يا أبتي هناك عشق الفاكهة قبل نضوجها لا يقاوم...

 *

 

احمد بلقاسم