عادل صالح الزبيديبقلم: أليس اوزوالد

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

إنها قصة المطر المتساقط

كي يتحول الى ورقة ويسقط ثانية

 

انه سرُّ وابلِ صيف

ليسرق الضوء ويخبئه في زهرة

 

وكلُّ زهرةٍ رافدٌ صغير

يجري من الأرض اخضر وخاطفا

 

إحدى أمنيات الماء وهذه الحكاية

تتدلى في تويج زهرة اصغر من إبهامي

 

لو استطاع عابر سبيل ان يمرًّ فقط

صافيا صفاء الماء من خلال ريشة عشب

 

ليجد ضوء الشمس مختبئا في طرفها المستدق

متجها ليبذر قطرات مطر صاعدة من نوع ما

 

بعدها قد اعرف مثل الماء كيف أوازن

بين ثقل الأمل وضوء الصبر

 

الماء الذي هو خامٌ للغاية وقويٌ قوةَ الأرض

ويتوارى في صهاريج من حديد ويتسرب

 

مسحوبا بفعل الجاذبية نحو لساني

كي يبرد ويملأ شبكة أنابيب هذه الأغنية

 

التي هي قصة المطر المتساقط

الذي يصعد نحو الضوء ويسقط ثانية

.........................

أليس اوزوالد: شاعرة بريطانية من مواليد مدينة ردنغ بمقاطعة بيركشر لعام 1966. تلقت تعليمها في جامعة اوكسفورد ونشرت أول مجموعة شعرية لها في عام 1996 بعنوان (الشيء الموجود في السلم الحجري) رشحت لجائزة فوروورد وجائزة ت. س. اليوت في عام 1997. في عام 2002 فازت مجموعتها الثاني المعنونة (دارْت) بجائزة ت. س. اليوت، تلتها بعد ذلك عدة مجموعات رشحت أو فازت بهذه الجائزة وجوائز مرموقة أخرى. من عناوين مجموعاتها الشعرية: (الرعد يدمدم: 101 قصيدة الى الكوكب) 2005؛ (الغابة الخ)) 2005؛ (أعشاب ضارة وأزهار برية) 2009 و(غلبه الاستيقاظ) 2016. تعد اوزوالد من اكبر شعراء بريطانيا الأحياء وقد ترجمنا قصيدتها هذه بمناسبة اختيارها لإشغال كرسي الشعر بجامعة اوكسفورد خلفا للشاعر سايمن آرميتاج وهو منصب ستشغله شاعرة لأول مرة بعد أن كان حكرا على الرجال منذ تأسيسه في عام 1708. 

 

ضياء نافع قصيدة للشاعرة الروسية المعاصرة

 فالنتينا بوروفيتسكايا

ترجمها عن الروسية: أ. د. ضياء نافع

 


 

وهكذا،

كل شئ

قد انتهى.

انهارت حلقة الايادي

وعناق الايادي.

أمّا أنا،

فما زلت

كما كنت -

احب وجهك.

**

اريد ان انساك،

ولكنك

في الليالي

تأتي اليّ،

ومبتسما

-في عتمة الليالي -

تنظر اليّ..

 

.......................

من ديوان فالنتينا بوروفيتسكايا بعنوان: (شعر)، الصادر في موسكو العام 2009، والقصيدة في الاصل بلا عنوان، والعنوان هنا من وضعنا ... ض.ن.

 

 

عامر كامل السامرائيتأليف: Lie Zi Lie Yokou

ترجمة: عامر كامل السامرائي

***

الرَيّبة

لم يجد الرجل فأسه في مكانها. كان واثقاً من أن السارق هو أبن جاره. راح يَرقُبُ الشاب في ذهابه وإيابه: كانت مشيته تدل على إنه لص. رَصَدَ تعابير وجهه: كانت تشبه تعابير اللص. أَصْغى إلى كلامه: وكأنه يصغي إلى لص تماماً. باختصار شديد، كل تصرفات الشاب كانت تدل على أنه لا يمكن أن يكون إلا لصاً، ولا شيء آخرَ سواه.

بعد مدة خرج رجلنا هذا ليحرث حقله فوجد فأسه هناك. وعندما عاد يتطلع من جديد إلى تصرفات الشاب لم يلحظ عليه شيئاً من تصرفات اللصوص.

**

سُبل متعددة

شَرَدَ حَملُ جار المُعلم يانغ زي، فأرسل في البحث عنه جميع خَدَمِهِ، بل طلب من خادم يانغ زي أيضاً أن يذهب معهم.

- ما الذي تقوله؟ - صاح يانغ زي. – أأنت بحاجة إلى كل هؤلاء الرجال للبحث عن حملٍ صغير؟

- ماذا عساي أن أفعل وسُبل الحقل هنا كثيرة، من يدري بأي اتجاه ذهب؟ – وضح الجار.

عندما رجع الخادم سأله يانغ زي:

- ها، هل عثرتم على الحمل؟

أجابه الخادم بالنفي، فسأله يانغ زي، كيف لا تستطيعون العثور عليه.

- سُبُل الحقول متشعبة – ردَّ الخادم. – ومتداخلة مع بعضها البعض، ولم نستطع أن نقرر أيَّ سبيل نقصد، فرجعنا.

أستغرق يانغ زي في التفكير، والتزم الصمت لوقت طويل، بل حتى إنه لم يتبسم طوال النهار. أثار سلوكه هذا استغراب تلاميذه. وراحوا يُواسوهُ

- حَملٌ صغير لا قيمة له، ثم إنه لم يكن لك، فلمَ هذا الصمت وهذا الغم؟

ظل يانغ زي صامتاً، فأصابت تلاميذه الحيرة. حاول أحدهم وهو مينغ شنغ يانغ، أن يعرف سر اللغز الذي استغرق معلمه، فقال:

- إذا كانت السُبُل كثيرة – وهذا هو ما يفكر به معلمي-، فسوف لن يستطع أحد من الرجال أن يجد الحمل الشارد. يعني لو كانت رغبات التلميذ في تحصيل المعرفة كثيرة التشعب، فسوف يفرط في وقته دون طائل. لكل روافد العلم منبع واحد، والوصول إلى المعرفة له طرق متعددة، وإذا ما أخطأت في أن تطأ الصراط المستقيم، فعليك أن تعود إلى المنبع الأصيل لكي تصحح مسارك، تعود إلى منبع الحق، وبما أنك تلميذ يانغ زي، وتريد طلب المعرفة منه، فعليك أن تمنحه نفسك تماماً، وإلا فسوف لن تتمكن من فهمِه أبداً.

**

الهدية حَمْام

في مقاطعة هندان، وقبل حلول عيد رأس السنة، جرت العادة على الإمساك بالحَمْام وتقديمه للأمير كهدية. ومن شدة غبطة الأمير وفرحه بالحَمْام صار يكرم من يهديه بسخاء.

في إحدى المرات طلب أحد الرعية من الأمير أن يبين له الحكمة في تصرفه هذا فأجابه:

- من علامات طيبة طبعي أن أطلق سراح كل الحَمْام في يوم العيد.

- مادام رعيتك يعلمون بذلك، فلا بد وأنهم سيحرصون على جمع أكبر عدد ممكن من الحَمْام طمعاً بكرمك – حاججه السائل. – وسيهلك الكثير منه لهذا السبب. فإذا كنت غير راغب في إيذاء الحَمْام، فالأوجه لك أن تمنع رعيتك من فعل ذلك، وإذا لم يكن مقصدك في إمساك الحَمْام إلا أن تطلق سراحه بعد ذلك، فسوف لن تستطيع بطيبة طبعك أن تعيد ما قد أفسدت.

فاقتنع الأمير بذلك وامتنع.

**

طريقة تحضير لحم الوَزّة

رَمَقَ رجلٌ وَزَّةً بريةً، فوضع سهماً في قوسه ومطه مستهدفها.

- لو أصبتها، فسأسلقها!

فرد عليه أخوه

- بل الأفضل لو نشويها.

فاختلفا ولم يستطع أحدهما أن يقنع الآخر، فقصدا شيخ القرية الذي أشار عليهما بأن يسلقا نصفها ويشويا النصف الآخر.

لكنهما عندما عادا إلى حيث كانت الوَزَّة البرية لم يجداها.

**

ما الذي يُشبه الشمس؟

أراد الرجل الضرير معرفة ماهي الشمس. فطلب من الناس أن يشرحوا له ذلك.

- دائرية كمِضْراب النحاس. - فضرب بالناقوس أحدهم.

بعد ذلك، وحينما سمع الضرير صوت الناقوس سأل:

- أهذه هي الشمس؟

فقال له شخص آخر:

- للشمس أشعة، كما لهذه الشمعة – ووضع في يده شمعة لكي يتلمسها.

بعد عدة أيام، وقع في يد الأعمى مزمار، فراح يهتف:

- ها هي الشمس حقاً!

لكن الشمس لا تُشبه لا الناقوس ولا المزمار، وأن الأعمى لا يستطيع أن يميز بينهما وبين الشمس، لأنه لم يراهما، وإنما عَوّلَ على شرح الناس.

**

قَطْعُ شجرة الجُميز

في حديقة أحد الرجل، يبست شجرة الجميز. فقال له جاره:

- الشجرة اليابسة تجلب النحس. فأفضل ما تفعله هو أن تقوم بقطعها.

وحالما قطع الرجل الشجرة، راح جاره يتوسل إليه لمنحه بعض الحطب.

فكر صاحب الشجرة اليابسة بغضب: "يحتاج جاري إلى الحطب". "ولهذا السبب جعلني أقطع الشجرة. لقد كنا جارين جيدين حتى الآن، لكنه الآن غلبني، ولسوف أنتقم منه".

**

العثور على ورقة الملكية لعقارات

عثر رجل من مقاطعة سونج أثناء سيره على ورقة الملكية لعقارات فقدها صاحبها على قارعة الطريق، فحملها وعاد بها إلى داره وخبأها هناك. وكان بين الحين والآخر يخرجها ويحسب سراً قيمة العقارات المدرجة فيها.

- لو تدري كم أصبحت غنياً! – هكذا صار يتباها أمام جاره.

**

الرجل الذي لم يرَ أحدا

في مقاطعة كوي، عاش رجلٌ كان تواقاً لأن يمتلك قطعة من الذهب. في إحدى الأيام ارتدى ملابسه والتحف معطفاً وخرج إلى السوق. فوقف عند تاجر الذهب الذي وضع تواً قطعة من الذهب في ميزانه، فأخذها هذا الرجل ودسها في جيبه دون أي كلمة ومضى.

وبعد أن القى الشرطي القبض عليه سأله:

- كيف سولت لك نفسك أن تسرق أمام أعين كل هؤلاء الناس؟

- عندما رأيت الذهب، لم أرَ أحدا، لم أرَ أحدا. ما رأيت شيئاً غيره قط – أجاب الرجل.

**

الحُوذِيّ المتكبر

جلس يان زي رئيس وزراء مقاطعة كوي في عربته الفارهة وأخذ يتجول في المدينة. كانت زوجة حوذي العربة واقفة في الباب تتطلع إلى زوجها وهو جالس في مقعده الأمامي ممسكاً بعنان الخيول الأربعة بكبر.

عندما عاد الحوذي إلى بيته أخبرته زوجته إنها ستهجره. فسألها الزوج عن السبب فقالت:

- السيد يان زي رئيس الوزراء يعرفه كل الناس في المعمورة. وعندما كان يتجول، شاهدته غارقاً في التفكير ولم تبدو عليه علامات الغطرسة. وأنت حوذي لا غير، ورغم ذلك فأنت معتد بنفسك ومتغطرس، لذلك سأدعك وأذهب.

ومنذ ذلك الحين أصبح الحوذي أكثر تواضعاً. وعندما سأله يان زي في إحدى المرات عن سبب تبدله المفاجئ هذا، أخبره الحوذي بالحقيقة. فقام يان زي ومنحه وساماً حكومياً.

**

مَثلٌ عن التعَلم

تأليف: بينغ تونغ

قال الأمير "ين" لعازف السيد "بيك"، الموسيقي الضرير" شي كوانك":

- ها قد بلغت الستين من عمري، ولازال هناك ما ينبغي عليَّ تعلمه، وكم أرغب في قراءة العديد من الكتب! ولكنني أظن أن الأوان قد فات.

- وهل الشمعة لا تضئ؟ - سأل شي كوانك.

فغضب الأمير وقال:

- وكيف يسمح لنفسه من هو أدنى أن يمزح مع سيده؟

- أنا الموسيقي الضرير كيف اسمح لنفسي بمثل هذا؟ - اعترض شي كوانك.- كان مقصدي فقط، هو أن من يكرس شبابه للتعلم، فسيكون مستقبله متألقاً كالشمس المشرقة، وإذا ما انغمر في التعلم حتى صار رجلاً، فمثله كمثل الشمس في الضحى، وأما من يتعلم في الكبر، فهو كضوء الشمعة. صحيح إن ضوئها غير ذي بريق، ولكنه أفضل من أن تتخبط في الظلمة.

 

.....................

من مجموعة قصص الحكمة الصينية القديمة

هذه بعض القصص من المجموعة التي قمت بترجمتها عن المجرية والتي تحتوي على مائة وواحد وعشرين قصة قصيرة. تعتبر من أجمل القصص الصينية وأعمقها حكمة. كُتبتْ في الفترة ما بين القرن الثالث والرابع قبل الميلاد، والقرن السادس عشر والسابع عشر بعد الميلاد. تميزت الفترتان بحقيقة أن تلك القصص والحكم تتجلى فيها الصوفية في اعلى مستوياتها.

في القرنين الثالث والرابع، قبل الميلاد بدأت القوة الإقطاعية لسلالة تشو تتراجع: ناضلت المقاطعات لغزو واحتلال بعضها للآخر. وعندما فقد الإقطاعيون ممتلكاتهم من الأراضي؛ بدأ المواطن العادي في العودة والاستحواذ على الثقافة، وعندما لم تعد السلطة قادرة على تأمين امتيازات الأرستقراطيين. شجعت روح العصر ظهور وازدهار العديد من المدارس والتعاليم. وراح مثقفو العصر، وعلماء التاريخ الذين يجيدون القراءة والكتابة، يجوبون البلاد بشكل منهجي، ومع نزولهم إلى الطبقات الفقيرة من الناس، قابلوا حكاياتهم. فاستخدم الكتبة هذه الحكايات للتحدث ضد السلطة، أو للجدل مع علماء من مدارس التفكير الأخرى، أو لصياغة مبادئهم ووجهات نظرهم بمساعدة تلك الحكايات، وفي وقت لاحق استخدمت لكتابة كتبهم. قام هان فاي زي و تشوانغ زي و لاي زي (Han Fei Zi, Zhuang Zi, Lie Zi) بعمل رائع في هذا المجال. لقرون، تم تسليم حكاياتهم إلى الأجيال من خلال إثراء الثقافة الصينية.

بعد إعادة توحيد الصين خلال عهد أسرة هان (القرن الثاني قبل الميلاد)، تعززت الدولة الإقطاعية. وأصبحت الكونفوشيوسية هي السائدة، وسقطت مدارس التفكير الأخرى وتراجعت تماماً. ولم يكن ملء مكاتب الدولة ممكناً إلا لمتعلمي الكونفوشيوسية. ومن الظريف بمكان أن الناس العاديون راحوا يستخدمون الحكايات للنيل من زبانية الدولة والاستهزاء بهم، وكذلك في انتقاد المجتمع، في حين اعتبر الكتبة مثل هذه القصص نوعاً من الثرثرة والأحاديث الملفقة ورفضها تماماً على ان تكون أدباً. ونتيجة لذلك، تم تسجيل عدد قليل من الحكايات وتم تجزئة وتفكيك جزء كبير منها. ومع ذلك، ينبغي هنا ذكر اسمين مهمين وهما: ليو زونغيوان مؤلف سلسلة من حكاية القرن الثامن، و سو شي الذي سجل أعمال آي زي في القرن الحادي عشر. على الرغم من أن أيا من الكتاب لم يشتهر في حياته، إلا أن حكاياتهم - بسبب كتابتهم الاجتماعية الساخرة - تحتل مكانة بارزة في التاريخ الثقافي الصيني.

(المترجم)

 

حسين علي خضيربقلم: يوسف برودسكي

ترجمة : حسين علي خضير

***

ما هو الجميل في تموز؟

ما هو الجميل في تموز؟

الحر الشديد.

الدبابير تلسع كالرصاص.

وأزيز البعوض.

المطر يتهرب بعناد

من الأرصفة والسقوف.

وفأر الحقل

أنهكه الحفر.

الهواء خانق للأغنام في الحقل

وأكثر خنقاً للموظ**.

طوال تموز اِسبح في النهر

بدلاً من سمك الشبوط.

 

.......................

* يوسف برودسكي: شاعر وكاتب روسي حاصل على جائزة نوبل في عام 1978. (المترجم)

** الموظ : نوع من أكبر الأيائل . (قاموس المعاصر الكبير/ روسي - عربي)، (المترجم).

 

صالح الرزوقللشاعرة: هاغيت غروسمان

ترجمة: صالح الرزوق

***

في أواخر الليل أفتح باب

البناء. أفكر بالتهام بعض البندورة. كنت جائعة

ولا أعلم من أين آتي بالبندورة. الصور الفوتوغرافية المعلقة على الجدار

تشبه البندورة وهكذا قفزت من البوابة وتسللت في صورة

لماريان المخلصة، كان خداها مثل بندورتين

وعيناها مثل هيئة مالك الحزين الأبيض، ورغبت أن

أغوص في عينيها وأتعلم فلسفة

أولئك الذين تخطوا محنة الموت الأبيض.

في هذه المرة لم تنطق ماريان ولم تنشد،

فقط ألقت نفسها في الماء الحار

وساقاها البيضاوان تبعتا خطا صاعدا بشكل دوائر أحلام قرمزية

وأردت أن أدخل في الحوض الممتلئ بالسيادة،

وأمزق بأظافري المسافة الفاصلة بيننا

وأهمس لها بلطف  بالغ أن لوسي جوردان لا يجب

أن تقفز من السطح، حتى لو أن عائلتها لم تشاهد

كم نزف  جسدها من حياته.

ثم أسكب لها البيرة وأريح رأسي على كتفها.

 

...................

* من مجموعتها (رعشات المدينة) الصادرة في لندن عام 2016

 

عادل صالح الزبيديبقلم: جوي هارجو

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

(1) منزلي هو الأرض الحمراء

منزلي هو الأرض الحمراء؛ يمكن أن يكون مركز العالم. لقد سمعت عن تسمية  نيويورك او باريس او طوكيو بمركز الأرض، لكنني أقول انه متواضع على نحو فخم. قد تجتازه في سيارتك ولا تلاحظه. يمكن للأمواج اللاسلكية أن تحجبه. لا يمكن للكلمات أن تشيده لأن هناك بعض الأصوات تركت للشكل المقدس عديم الكلمات. مثلا: ذلك الغراب الأحمق، الذي يفتش في القمامة قرب الزريبة، يفهم مركز العالم على انه عروق شحم دهنية. اسألوه فقط. ليس عليه أن يقول إن الأرض استحالت قرمزية بفعل المعتقد المفترس، بعد قرون من الفجيعة والضحك—انه يحط على زبدية السماء الزرقاء ويضحك.

***

(2)  لا تزعج روح الأرض

لا تزعج روح الأرض التي تسكن هنا. إنها تعمل على قصة. إنها أقدم قصة في العالم، وهي مرهفة ومتغيرة. إن رأتك تنظر فستدعوك لتناول القهوة، تعطيك خبزا حارا، وستكون ملزما بالبقاء والاستماع. لكن هذه ليست قصة عادية. عليك أن تتحمل الزلازل والبرق وموت من تحبهم جميعا، واشد الجمال إبهارا. إنها قصة آسرة إلى حد قد يجعلك لا ترغب بالمغادرة أبدا؛ هكذا توقعك في الفخ. أ ترى ذلك الإصبع الحجري هناك؟ ذلك هو الوحيد الذي هرب على الإطلاق.

***

(3) سمك غير مرئي

يسبح السمك غير المرئي في محيط الأشباح هذا الذي ترسمه الآن أمواج الرمل والصخر الذي تآكل بفعل الماء. قريبا سوف يتعلم السمك الكلام. ثم سيأتي البشر إلى الشاطئ ويرسمون الأحلام على الحصى المحتضر. ثم بعد ذلك، بعد ذلك بكثير، ستنتشر الشاحنات الصغيرة مثل علامات الترقيم على قاع المحيط، حاملة ذرية الحالمين وهم يذهبون إلى المتجر.

 

.....................

جوي هارجو: شاعرة أميركية من الهنود الحمر (من قبائل مسكوجي) ولدت عام 1951 في مدينة تولسا بولاية أوكلاهوما. تعد واحدة من ابرز ناشطي وممثلي الموجة الثانية لما يعرف بنهضة سكان أميركا الأصليين خلال أواخر القرن العشرين. حاز شعر هارجو على جوائز عديدة، ومن عناوين مجموعاتها الشعرية: (الأغنية الأخيرة) 1975؛ (أي قمر ساقني إلى هذا؟)) 1979؛ (المرأة المعلقة من الطابق الثالث عشر) 1983؛ (المرأة التي سقطت من السماء) 1994؛ و((كيف أصبحنا بشرا)) 2001. نترجم لها هذه القصائد بمناسبة اختيارها مؤخرا لمنصب شاعر الولايات المتحدة الأميركية وهو منصب يمنح لأول مرة لشاعر من الهنود الحمر.

 

ضياء نافعقصيدة للشاعر المكسيكي اوكتافيو باس

(1914 – 1998)

ترجمها عن الروسية: أ. د. ضياء نافع


جسدان

يلتقيان

بعض الاحيان –

موجتان

في مياه البحر

ليلا..

**

جسدان يلتقيان

بعض الاحيان –

جذران متشابكان

في اعماق الارض

ليلا..

**

وفي بعض الاحيان

هما –

حجران باردان

في الصحراء

ليلا..

**

وبعض الاحيان -

سكيّنتان

حادتان،

يتلامعان

ليلا..

**

وبعض الاحيان -

نجمان

من السماء

يسقطان،

وفي الفضاء

يتلاشيان

ليلا..

 

 

عادل صالح الزبيديللشاعر: إي. إي. كمنغز

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

بعد الله طبعا يا أميركا

احبك با أرض الهجرة والى آخره

هيا قولوا أ يمكنكم ان تروا في الفجر الباكر

وطني... قرون تأتي وتروح

وما عادت وليس علينا ان نقلق عما صار وما هو صائر

بكل اللغات حتى بلغة الصم–بكم

يهتف أبناؤك تمجيدا لاسمك ببركات

الرب الأب الابن الدم والشعارات الوطنية

لماذا نتحدث عن الجمال ما الذي يمكنه ان يكون

 أجمل من الأبطال السعداء الأموات

الذين اندفعوا كالأسود نحو زئير المجزرة الهادر

لم يقفوا ليفكروا بدلا من ذلك ماتوا 

فإذاً هل سيصمت صوت الحرية؟"

خطب وشرب على عجل قدح الماء.

 

.....................

إي. إي. كمنغز (1894-1962) شاعر أميركي من مواليد ماساتشوسيتس. نشر أول مجموعة شعرية له بعنوان (زهور تولب ومداخن) عام 1923 تلتها إحدى عشر مجموعة من الشعر الذي يتراوح بين التقليدي كالسونيتات التي كتب العديد منها وبين الشعر التجريبي الطليعي الذي يتميز بانزياحات وخروقات لغوية عنيفة سواء في النحو أو في المفردة الشعرية أو في طريقة تنقيط الجمل. ويحظى شعر كمنغز رغم تفرده بشعبية كبيرة كواحد من أهم شعراء الحداثة في القرن العشرين. القصيدة التي نترجمها هنا كتبها الشاعر بصيغة السونيتة الا انه تصرف بهذا الشكل الشعري الصارم ليوظفه توظيفا يخدم غرض القصيدة الأساس وهو هجاء الوطنية الزائفة والتوجهات العدوانية للسياسة الأميركية والسخرية من القادة السياسيين من خلال محاكاة ما يرددونه في خطاباتهم من كليشيهات وعبارات مكررة ومبتذلة او محرفة او مجتزأة يقتطعونها او يقتبسونها من نصوص الأغاني الوطنية او عبارات من النشيد الوطني الأميركي او من عموم قاموس الوطنية الذي نسجه هؤلاء الساسة ليصبح جزءا من الثقافة السياسية في الولايات المتحدة. يرد نص القصيدة كله على انه خطاب سياسي مفعم بالمشاعر الوطنية على لسان احد السياسيين فيما عدا السطر الأخير الذي يعلق  فيه الشاعر بتهكم وسخرية على هذا الخطاب المفترض.

 

 

محمد صالح الغريسيشعر: لويز آكرمان

تعريب: محمد الصالح الغريسي

***

"اضربني مجدّدا "جوبيتير"، أخزني،

شوّه العدوّ المجندل الضّعيف الّذي تعلم !

أن تسحقني لا يعني أنّك تنتصر،

و الصّاعقة الّتي لا طائل من ورائها،

سوف تنطفئ في دمي،

*

قبل أن تتمكّن من ترويض الفكرة البطوليّة،

الّتي تجعل من رجل " التّيتان" الشّيخ، ثائرا إلهيّا،

فهي الّتي شجّعتك، أنت وغيظك الأحمق؛

لم ترسخ فوق تلك الجبال سوى صورة زائفة، لا تسمن ولا تغني من جوع.

سوف لن تسلّط ضرباتك إلاّ على قليل من الطّين؛

ستفلت من غضبك روح "بروميثيوس"

حرّة من روابط هذا الجسد الهشّ.

*

تحت مخلب نسر ما فتئ ينهشني بلا توقّف،

ثمّة حبّ خفيّ ما يزال يخفق في أشلاء قلبي الممزّق.

*

إذا كانت هذه القمم المعزولة الّتي تحاصرها العاصفة،

قد شهدت على معطفها الثّلجيّ دموعا لم تكن عيناي أحيانا قادرة على كبحها،

و أنت تعرف ذلك، فرغم الصخور الرّاسية والأسوار الرّاسخة، لم أشعر إلاّ وأنا أرتجف من الرّعب.

كانت دموعي تصدر من أحشائي، والإشفاق هو ما كان يدفعها إلى التّدفق.

*

لم يكن مجرّد استشهادي كافيا على الإطلاق، فهذان الجنبان العاريان، وهذا الصّدر الّذي مزّقته ذراع إلهيّة، هو ممتلئ شفقة على آخرين تعساء.

إنّي لأراهم ينخرطون في صراع أبديّ؛ فالصّورة المرعبة تكمن هنا؛ والشّرور الّتي ستنصبّ فوقهم، ماثلة رؤيتها أمام بؤبؤ العين.

هذا المشهد المفجع يلازمني وما ينفكّ يزعجني.

عذاب لا يغتفر يتوالد باستمرار، فنسري الحقيقيّ والوحيد هو التّفكير المرير، تفكير لا شيء يمكن أن يقتلعه من أصله البائس إلاّ حقدك المزروع في جسدهم وفي دمهم.

*

و مع ذلك فأنت من خلقت الإنسان يا "جوبيتير"؛

أنت من صوّرته .. أنت من شكّلته،

هذا الكائن الضعيف، العاجز، الأعزل الّذي

يرى الخطر والرّعب والعذاب في كلّ ما حوله،

و يغلق على نفسه في دائرة أيّامه الضيّقة،

يكبت نفسه ثمّ يجادل، ويجرح نفسه ثم يبكي حظّه.

كنت تعرف أيّ المصائب ستحلّ به حتما،

و تعرف أنّه كان ثمّة من ينازعه مكانه ومصدر رزقه،

و أنّ نفخة واحدة كانت كفيلة بقتله،

و أنّ الطّبيعة العمياء كانت ستدفنه في فتوره وعدم اكتراثه.

لقد عثرتُ عليه محشورا تحت بعض الصّخور الرّطبة،

أو زاحفا في الغابات، شبحا هزيلا خجولا،

لم يكن يسمع أينما حلّ، سوى الهدير والزّئير،

كان الجائع الوحيد، الحزين الوحيد في مأدبة الكائنات،

في أعماق المياه، في أعماق الأرياف دائم الارتجاف مخافة أن يطلع عليه أحد الأعداء.

*

لكن ما الأمر! بسبب هذا الشيء من حقدك الّذي لا يبلى،

فها أنا ذا برغم طيشي وحمقي ألين.

كنت أقدح الفكرة ثمّ ألقي الشّرارة في الظّلام الموحل الّذي عجنتَه.

فما من عمل كنتَ تصمّمُه، إلاّ وأَنْجَزْتُهُ.

كان عليّ وأنا ممتلئ أملا وجرأة في تطلّعاتي الرّحبة، أن أنهب السّماوات،

لأمنحه من ثمرات ما سرقته.

كنتُ كلّما أنجزتَ فتحا اختطفت منك النّار

و انتزعت من يديك طيفك الّذي كنت تجلّه.

أيّها الإله العظيم ! لقد انفجرت صاعقتك على رأسي في الوقت المناسب؛

 كانت محاولةُ اغتيال أخرى كافيةً ليتحرّر الإنسان !

*

هذا إذا هو ذنبي الفظيع العظيم.

المواساة، يا لها من جناية ! الإخلاص يا له من جريمة !

ما الأمر ! أكان عليّ أن أفتح للمضطهدين ذراعيّ المحرِّرَتين؟

كم أنا أحمق ! حين أندهش عندما تكفّر الرّحمة عن خطئها !

و مع ذلك فــ"بروميثيوس" .. نعم، هو نفس المذنب

الّذي لم يمض زمن طويل مذ كان يساعدك في الانتصار على " التّيتان".

لقد كنت إلى جانبك في هذا العراك السّاخن، ففي حين كانت نصائحي تقود المحاربين،

كانت ضرباتي تربك البيت المكلّل بالنّجوم.

لقد كان الأمر في تقديري يتعلّق بمصير الكون:

كنت أريد أن أقطع نهائيّا مع الآلهة المنحرفة.

*

كانت فترة سلطانك على وشك أن تفتح لي هذا العهد الهادئ الآمن،

الّذي كان قلبي هذا الّذي أحمله في صدري، يحيّيه بأمنياته.

 لم يكن للشّمس الرّائعة أثناء مرورها الأثيريّ، أن تضيء إلاّ على الكائنات السّعيدة.

لقد كان الرّعب يفرّ هاربا، مزيحا حجب العتمة الّتي كانت توشح ابتسامتك العطوف الغنيّة عن الذّكر،

و شبكة الحاجيات البائسة من البرونز، كانت تنكسر من تلقاء نفسها تحت أقدام سيّد محبّ عطوف.

كان كلّ شيء متوفّرا، من فرح وحبّ ونهضة وازدهار؛

فالله ذاته لم يكن سوى إشعاع من الطّيبة الخالصة ضمن القوّة المحضة.

*

يا أيّتها الشّهوات الخدّاعة ! يا حلما تبدّد !

إنّ العين ما تزال بعد مبهورة بمثل روائع هذا الحلم،

أن أجد نفسي أمام ظلم السّماء.

أمام إله أعمته الغرة، يضرب ويحقد،

فأقول في يأسي من الفزع :

 » من كان على كل شيء قدير، هو من أراد لنا الألم ! « 

*

لكن لا تنخدع قطّ بنفسك! فلن تراني مطلقا، أخضع على هذه الصخرة المنعزلة.

لقد غير الفكر الثّائر وجه الأرض،

و ها أنا منذ اليوم، قد اخترت من يرثني.

و سيواصل إنجاز ما بدأته، بالسّير على أثري،

ما دام مثلي، قد ولد ليضلّ ويشقى.

إنّي لأوصي من بعدي، بجرأتي لمن تحرّر من البشر،

ميراثا مقدّسا لا يبلى أبدا.

فالعقل يزداد متانة ورسوخا، والشكّ جاهز ليرى نور الحياة.

و البشر الفانون يقفون أمامهما، وقد يلغوا من الجرأة ما يجعلهم يسائلون أسيادهم،

و سيقولون لك على سبيل المثال:

لماذا يعانون هذا الشّقاء؟ ولماذا هذا الصّلف منك وهذا الحقد؟

نعم، إنّ القاضي الّذي سيحاكمك - ألا وهو الضمير الإنسانيّ؛ هو بانتظارك،

و لا يمكنه أن يغفر لك، ولكنّه قرّر أن يلغيك.

*

ها هو ذا المنتقم الموعود لنجدتي عند الضّيق !

آه ! يا له من نَفَسٍ قد وهبه الحبُّ نقاءً ومرحا،

سوف ينشرح قلبي يوم يكون أقلّ جرأة من كريم شهم،

فعوض أن يُوَجَّهَ إليه إصبع الاتّهام، فإنّ ضحيّتَك الموقّرةَ

سو ف تتبرّأ من مضطهدها!

و سوف ينبذ الإنسانُ طغاة البشر

و هو الّذي تحرّر من الإيمان كما لو كان حلما ثقيلا،

سوف لن يكون أبدا فريسة لرعب لا يهادن،

يتلوّى عند أعتاب مذابحك.

سوف يعتقد أنّ السّماء خاوية، وقد أنهكه أن يجد نفسه أصمّ.

إنّ الطّبيعة وهي تلقي عليك حجابا أبديّا رائعا،

قد حجبتك بعد عن نظره؛

و حين يتعلّق الأمر في المستقبل بأيّ إله، فسوف لن يكتشف في هذا الكون الّذي لا حدود له،

، سوى ثنائيّ أعمى كئيب، هما القوّة والصّدفة.

*

هيّا اظهر " جوبيتير"، ولتنفجر إذا وتتشظّ في وجه هذا الهارب الّذي أفلت من نيرك !

و هو يتخبّط في شقائه رافضا أن يرى يدك الإلهيّة، فسوف يدّعي أنّ سلطان القدر قد أصابه.

سوف يسقط دون خوف، دون شكوى، دون صلاة؛

و حين تمنح نسرك ورعدك؛

لتسمعه يو هو يطلق صرخة واحدة تنطق لك بالسبّ والتّجديف،

سوف يتمسّك بالصّمت: هذا الصّمت الهائل سوف يكون عقابا لك.

*

لن يتبقّى لك في امبراطوريّتك سواي، كي تثق في نفسك أكثر أيّها الإله المؤذي.

بل لتتيرّأْ من النّهار والهواء الّذي أتنفّسه،

 فما من قوّة وحيدة سوى قسوتك.

*

في هذه السّماء الصّافية، على هذه الارتفاغات الشّاهقة،

آه ! رأيت عن الفظائع والجرائم كثب ؛

لقد مضى عليّ زمن تحت ضرباتك، تألّمت فيه ونزفت كثيرا،

إنّ الشكّ لمستحيل في قلبي هذا المهان.

نعم ! ففي حين أنّ شيئا من الشرّ، من منجزات غضبك،

         سيتخلّى مستقبلا عن سبر المجهول،

يرسل شعلته بعيدا عن العقل البشريّ،

و حدي أنا، سأعلم كلمة سرّ هذا اللّغز الغامض،

و سأكون تحت وطأة التّعذيب، قد اعترفت أنّ إلها قد حلّ في جلاّدي.

 

لويز آكرمان

..........................

 

Prométhée

Louise Ackermann (1813-1890)

Recueil : Poésies philosophiques (1871(.

***

Frappe encor, Jupiter, accable-moi, mutile

L'ennemi terrassé que tu sais impuissant !

Écraser n'est pas vaincre, et ta foudre inutile

S'éteindra dans mon sang,

*

Avant d'avoir dompté l'héroïque pensée

Qui fait du vieux Titan un révolté divin ;

C'est elle qui te brave, et ta rage insensée

N'a cloué sur ces monts qu'un simulacre vain.

Tes coups n'auront porté que sur un peu d'argile ;

Libre dans les liens de cette chair fragile,

L'âme de Prométhée échappe à ta fureur.

Sous l'ongle du vautour qui sans fin me dévore,

Un invisible amour fait palpiter encore

Les lambeaux de mon cœur.

*

Si ces pics désolés que la tempête assiège

Ont vu couler parfois sur leur manteau de neige

Des larmes que mes yeux ne pouvaient retenir,

Vous le savez, rochers, immuables murailles

Que d'horreur cependant je sentais tressaillir,

La source de mes pleurs était dans mes entrailles ;

C'est la compassion qui les a fait jaillir.

*

Ce n'était point assez de mon propre martyre ;

Ces flancs ouverts, ce sein qu'un bras divin déchire

Est rempli de pitié pour d'autres malheureux.

Je les vois engager une lutte éternelle ;

L'image horrible est là ; j'ai devant la prunelle

La vision des maux qui vont fondre sur eux.

Ce spectacle navrant m'obsède et m'exaspère.

Supplice intolérable et toujours renaissant,

Mon vrai, mon seul vautour, c'est la pensée amère

Que rien n'arrachera ces germes de misère

Que ta haine a semés dans leur chair et leur sang.

*

Pourtant, ô Jupiter, l'homme est ta créature ;

C'est toi qui l'as conçu, c'est toi qui l'as formé,

Cet être déplorable, infirme, désarmé,

Pour qui tout est danger, épouvante, torture,

Qui, dans le cercle étroit de ses jours enfermé,

Étouffe et se débat, se blesse et se lamente.

Ah ! quand tu le jetas sur la terre inclémente,

Tu savais quels fléaux l'y devaient assaillir,

Qu'on lui disputerait sa place et sa pâture,

Qu'un souffle l'abattrait, que l'aveugle Nature

Dans son indifférence allait l'ensevelir.

Je l'ai trouvé blotti sous quelque roche humide,

Ou rampant dans les bois, spectre hâve et timide

Qui n'entendait partout que gronder et rugir,

Seul affamé, seul triste au grand banquet des êtres,

Du fond des eaux, du sein des profondeurs champêtres

Tremblant toujours de voir un ennemi surgir.

*

Mais quoi ! sur cet objet de ta haine immortelle,

Imprudent que j'étais, je me suis attendri ;

J'allumai la pensée et jetai l'étincelle

Dans cet obscur limon dont tu l'avais pétri.

Il n'était qu'ébauché, j'achevai ton ouvrage.

Plein d'espoir et d'audace, en mes vastes desseins

J'aurais sans hésiter mis les cieux au pillage,

Pour le doter après du fruit de mes larcins.

Je t'ai ravi le feu ; de conquête en conquête

J'arrachais de tes mains ton sceptre révéré.

Grand Dieu ! ta foudre à temps éclata sur ma tête ;

Encore un attentat, l'homme était délivré !

*

La voici donc ma faute, exécrable et sublime.

Compatir, quel forfait ! Se dévouer, quel crime !

Quoi ! j'aurais, impuni, défiant tes rigueurs,

Ouvert aux opprimés mes bras libérateurs ?

Insensé ! m'être ému quand la pitié s'expie !

Pourtant c'est Prométhée, oui, c'est ce même impie

Qui naguère t'aidait à vaincre les Titans.

J'étais à tes côtés dans l'ardente mêlée ;

Tandis que mes conseils guidaient les combattants,

Mes coups faisaient trembler la demeure étoilée.

Il s'agissait pour moi du sort de l'univers :

Je voulais en finir avec les dieux pervers.

*

Ton règne allait m'ouvrir cette ère pacifique

Que mon cœur transporté saluait de ses vœux.

En son cours éthéré le soleil magnifique

N'aurait plus éclairé que des êtres heureux.

La Terreur s'enfuyait en écartant les ombres

Qui voilaient ton sourire ineffable et clément,

Et le réseau d'airain des Nécessités sombres

Se brisait de lui-même aux pieds d'un maître aimant.

Tout était joie, amour, essor, efflorescence ;

Lui-même Dieu n'était que le rayonnement

De la toute-bonté dans la toute-puissance.

*

Ô mes désirs trompés ! Ô songe évanoui !

Des splendeurs d'un tel rêve, encor l'œil ébloui,

Me retrouver devant l'iniquité céleste.

Devant un Dieu jaloux qui frappe et qui déteste,

Et dans mon désespoir me dire avec horreur :

« Celui qui pouvait tout a voulu la douleur ! »

*

Mais ne t'abuse point ! Sur ce roc solitaire

Tu ne me verras pas succomber en entier.

Un esprit de révolte a transformé la terre,

Et j'ai dès aujourd'hui choisi mon héritier.

Il poursuivra mon œuvre en marchant sur ma trace,

Né qu'il est comme moi pour tenter et souffrir.

Aux humains affranchis je lègue mon audace,

Héritage sacré qui ne peut plus périr.

La raison s'affermit, le doute est prêt à naître.

Enhardis à ce point d'interroger leur maître,

Des mortels devant eux oseront te citer :

Pourquoi leurs maux ? Pourquoi ton caprice et ta haine ?

Oui, ton juge t'attend, — la conscience humaine ;

Elle ne peut t'absoudre et va te rejeter.

*

Le voilà, ce vengeur promis à ma détresse !

Ah ! quel souffle épuré d'amour et d'allégresse

En traversant le monde enivrera mon cœur

Le jour où, moins hardie encor que magnanime,

Au lieu de l'accuser, ton auguste victime

Niera son oppresseur !

 

Délivré de la Foi comme d'un mauvais rêve,

L'homme répudiera les tyrans immortels,

Et n'ira plus, en proie à des terreurs sans trêve,

Se courber lâchement au pied de tes autels.

Las de le trouver sourd, il croira le ciel vide.

Jetant sur toi son voile éternel et splendide,

La Nature déjà te cache à son regard ;

Il ne découvrira dans l'univers sans borne,

Pour tout Dieu désormais, qu'un couple aveugle et morne,

La Force et le Hasard.

*

Montre-toi, Jupiter, éclate alors, fulmine,

Contre ce fugitif à ton joug échappé !

Refusant dans ses maux de voir ta main divine,

Par un pouvoir fatal il se dira frappé.

Il tombera sans peur, sans plainte, sans prière ;

Et quand tu donnerais ton aigle et ton tonnerre

Pour l'entendre pousser, au fort de son tourment,

Un seul cri qui t'atteste, une injure, un blasphème,

Il restera muet : ce silence suprême

Sera ton châtiment.

*

Tu n'auras plus que moi dans ton immense empire

Pour croire encore en toi, funeste Déité.

Plutôt nier le jour ou l'air que je respire

Que ta puissance inique et que ta cruauté.

Perdu dans cet azur, sur ces hauteurs sublimes,

Ah ! j'ai vu de trop près tes fureurs et tes crimes ;

J'ai sous tes coups déjà trop souffert, trop saigné ;

Le doute est impossible à mon cœur indigné.

Oui ! tandis que du Mal, œuvre de ta colère,

Renonçant désormais à sonder le mystère,

L'esprit humain ailleurs portera son flambeau,

Seul je saurai le mot de cette énigme obscure,

Et j'aurai reconnu, pour comble de torture,

Un Dieu dans mon bourreau.

Louise Ackermann.

 

صالح الرزوققصة:  إدنا شميش

ترجمة: صالح الرزوق

***

1-

الطريق هابط باتجاه البحر، كما لو أن العالم حوض شاسع، وكل ما فيه يقود ويستمر وينزلق ويعوم نحو الأسفل. كنت بطريقي لزيارة أمي. وأمتطي دراجتي الهوائية الخضراء القديمة، وأحركها بقدمي بسعادة، كانت أجزاؤها جاهزة، ويداي تقبضان بقوة على المقود الصدئ.

وكان هواء المساء مبتلا ولكن نسمات لطيفة لعبت بشعري ردته للخلف بعكس اتجاه وجهي. وكلما تبرعمت قطرات عرق صغيرة على شفتي كنت أمسحها بلساني، وأتذوق ملوحتها. أسرعت من أمام لافتة مضاءة يعبس فيها وجه ميل غيبسون بابتسامة كنت أعتبر أنها مثيرة. ولكنها الآن باردة. حينما شاهدت فيلم "السلاح الفتاك – ليثال ويبون" لأول مرة ضحكت ضحكة صاخبة على مارتن ريغز الجالس مع روجير مورتو في قارب لماع يقف فوق سهل معشب. فقد ذكرني بالمحيط البيضاوي الذي وضعني فيه والدي مع إيرن، حينما كما طفلين. في أيام الصيف المشمسة، كان الوالد يقف خارج النافذة، ويضغط أنفه على الواقي المعدني ويصيح:"من يريد أن يكون أرخميدس هذا اليوم؟".

صحنا كلانا" أنا! أنا". وتخلينا عن ثيابنا وأسرعنا مندفعين إلى الخارج بثيابنا الداخلية البيض وبشرتنا البرونزية واتجهنا إلى المحيط المثير، محيط والدنا. كان الحوض ممتلئا بالماء المنعش حتى الحافة، ماء بارد أول الأمر، جاء من خرطوم في الحديقة. وأعلن الوالد قائلا:"اليوم سنكون أرخميدس". وانحنى وأشار إلى البحر البيضاوي وأضاف:"هيا، أرياني كم سترشان من الماء اليوم". تبعني إيرن إلى الأعماق وكان العشب الأخضر الغزير يحيط بنا وقد أغرقته أمواج المياه لتثبت الحقيقة غير القابلة للنفي التي عبر عنها قانون أرخميدس والذي شرحه لنا الوالد بصبر. قدم لنا العمود الطويل، وأمسكناه من طرفه وكان يغطيه فطر أخضر واستخدمناه بدل السارية، ربطنا به مربعا من القماش الأبيض، ومن دواعي تشاؤمنا أنه كان مزقة من ثوب قديم خصصته الوالدة للاستجمام. وحينما انتهى كل شيء قبض على الحبل الغليظ المربوط بمقبض الحوض، وصاح:"إيرن، أنت اليوم ماجلان!. وسنبحر إلى تييرا ديل فويجو!". في مناسبة أخرى كنت أنا كريستوف كولومبوس. وأبحرنا بلا وجل غربا لاكتشاف الهند، وكالعادة، حينما حان دوري لأكون كولومبوس سأل الوالد:"حسنا أيها الوجه الصبوح، ما هي أسماء مراكبك الثلاث؟". وبسرعة أمسكت طرف الحوض كي لا ينقلب على قفاه، فقد كان الوالد يجري بسرعة على الأعشاب حول البيت، والحوض مائل، والمياه تسيل، وأنا أرد عليه بصوتي العالي:"نينا، وبنتا، وفانتا ماريا". وانخرطنا نحن الثلاثة بضحكة عالية لأن هذا ما خطر بذهني من أيام الطفولة ولم أكن أعلم أن اسم المراكب "سانتا ماريا". ارتحلنا مع الوالد لعدة بلدان بعيدة. سافرنا إلى السويد لنشاهد فازا (المركبة) التي غرقت على شاطى استوكهولم القديم مع كل طاقمها وسلاحها كما لو أنها في رحلة خاصة. وسافرنا من مرفأ إلى آخر على متن سفينة الحب الرائعة وتوقفنا لنتجول في بويرتو فالارتا، ومرة وصلنا إلى بولينيسيا وهناك توقفنا في جندول مزدوج ولم نغادر. وفي يوم حار على غير العادة رشنا الوالد بماء الخرطوم كي لا نجف، لا سمح الله، وأعلن قائلا:"اليوم سنسافر من عسقلان إلى أركينون وبياريتز، حيث يملك الفرنسيون بيوتا صيفية".

ولكن، أنا الذي درس الجغرافيا في المدارس، قلت وتعبير بريء على وجهي: "هذا غير ممكن يا والدي. فهي على شواطئ الأطلنطي". وأصابت الدهشة الوالد وسرعان ما استرد جأشه وقال:"حسنا. سنعود للعصور القديمة، فهي دائما فاتنة. ما رأيك. دعنا ننضم لأوديسيوس، ملك إيثاكا برحلة عودته للوطن من حرب طروادة؟".

ورسم وجهي تعابير اللامبالاة لأنني لا أحب الحروب. واقترحت ركوب جندول أسود في قناة من قنوات البندقية. "إذا وافق إيرن طبعا". قلت. أعتقد أن هذا حصل في السنة التي كان فيها الحوض البيضاوي صغيرا جدا ولا يتسع لكلينا وتوجب على الوالد أن يبحر بي أولا ثم يبحر بأخي. لم أكن أخاف السفر وحيدا إلى رأس العواصف. وحينما كنا ندور حول القارة قررنا بالإجماع إعادة تسميتها لتصبح رأس الرجاء الصالح.

ولكن نفد صبر إيرن حتى قبل أن نعود للشاطئ ويضع قدميه على اليابسة. وقال:"يكفي يا أبي. حان دوري. أريد أن نبحر إلى غالاباغوز، ألى الأغوانا".

وتعرفنا على عدة مواضع غريبة ورحلات بحرية تاريخية وذلك خلال لهونا المسلي مع الوالد ونحن على الأعشاب. ومرة سأل إيرن بنبرة من التحدي وبحركة من فكيه:"وكم تبلغ مسافة رحلاتك يا والدي؟". غرق الوالد بالتفكير، وخمد الماء في الحوض، وحك رأسه كأنه يحاول أن يتذكر وقال:"أخ، اشتركت برحلة طويلة إلى موثوسين، ثم تابعنا على الأقدام من بيرغين - بيلسين، قبل زيارة أوشفيتز. وهذا من فترة بعيدة جدا ولا أتذكرها حقا، ولكن أستطيع أن أقول ألقيت نفسي في عين العاصفة حتى قبل أن أرى البحر المفتوح..".

لزمنا أنا وإيرن جانب الصمت واختفى حبورنا. كنا نعرف هذه الأسماء، أوشفيتز، بيرغين - بيلسين، موثوسين، وأسماء غيرها لأماكن مشابهة كانت الوالدة تهمس بها لخالتنا ليلي، فيما إحداهما تبكي بصمت، والثانية تخمد عقب سيجارة صغيرة في صحن رماد زجاجي، وفي حضنها منديل أبيض تعبث به.

لاحظ الوالد أننا همدنا وبسرعة تحرك ليساعدنا للعودة للنشاط. جر الحبل بقوة وكدنا أن نسقط من القارب وهو يقودنا إلى جبل أرارات لتحديد مكان سفينة نوح المفقودة. ثم تحول إيرن إلى عملاق. كبرت يداه، قدماه، رقبته، وأصبحت ثيابه وحذاؤه أصغر من أن تستوعبه، وتبدل صوته وطلب أن نقربه من الشرفة، على الأقل كانت له غرفة خاصة، وأنا غير موجود فيها. وكنت أتحرك مثله. كأننا توأمان، واكتشفت أن أوسنات تستعمل الفوطة، وتساءلت متى سيحين دوري. في نفس الوقت، كنت أرتدي حمالة أثداء واسعة وأضع أحمر شفاه الوالدة كلما غادرت البيت.

في أحد الأيام، تقريبا بعد تفكير متأن، انتقل الحوض إلى الباحة المفتوحة تحت البيت، وهو مكان بارد وظليل تخيم عليه رائحة قوية حيث تأوي قطط الوالدة هربا من الحر. آخر رحلة لنا في حوض الوالد كانت إلى جزر لوفوتين. هناك يكمن لنا خطر عواصف المحيط القاتل. كانت العاصفة تجمع قواها لمهاجمتنا في نوبة من الموجات المرتفعة المتتالية. وأخبرنا الوالد أن هذا معروف حتى في أعمال جول فيرن. العواصف الغامضة التي تسببت بغرق نوتيلوس - وحينما كنت أستلقي ليلا في سريري ملتفا بملاءة، وأنفي بين صفحات "عشرون ألف فرسخ تحت البحر"، سرني أن أعلم أن الكاتب الفرنسي كان محقا.

ولأننا نجونا من الدوامة انحسرت المياه في الحوض وسمعنا أنا وإيرن والوالد باهتمام لأغنية السيرينات. أغلق الوالد عينيه، وحول أذنيه نحو الريح وبدأ بضرب بإيقاع رتيب على خديه بشيء من البهجة. عصر إيرن قميصه المبتل بقوة، ونظر للوالد وعلى وجهه تعبير غير مفهوم، كأن ما رآه لم يره من قبل، وقال بغضب:"ما هي هذه السيرينات التي تتكلم عنها يا والدي، هذه هي الرياح والصراصير النطاطة فقط". واستدار ليدخل إلى البيت. وهو ينقط من البلل. ثم صاح، بصوت مرتفع:"لماذا لا تكلمني أبدا عن كرة القدم؟".

قاطعت أخي فورا. وناديت عليه وهو يبتعد لأخبره أنه لا يفهم شيئا!. كنت لا أزال أسمع غناءها، أصواتها اللطيفة الناعمة، وكنت أنظر إلى والدي، مع أنني بدأت أتساءل كيف يعرف الكثير عن البحارة الشجعان أمثال جون بول جونز والقبطان كوك، وعن البحار النامية والإرساليات المثيرة في أمكنة تسبب أسماؤها لي البهجة وتملأني برغبة مبهمة للاطلاع على ما حولنا.

لم تسبح والدتي إلدا في المحيط، ولا في البركة، وكان الوالد يجرؤ فقط بحالات قليلة وهو يقود سيارتنا سوستيا إلى بير شيبا أو طبريا، وبحالات نادرة يحمل معه كتابا ويجلس للقراءة من الغلاف للغلاف. فتتنهد الوالدة وتقول:" لم يعد لديه جلد للقراءة. صبره مات". وتشد برغي إطار نظاراتها بمفك البراغي الصغير.

في نهاية ذلك الصيف، قبل أن تهب رياح الخريف وتجلد قمم أشجار الأرز على طول أطراف حديقتنا المتهالكة، وقبل أن تبرز نباتات البحر من الأرض الصلبة وتعذبنا بوجودها، في نهاية ذلك الصيف أسرعت الوالدة إلى البيت وفي عينيها تعبير يدل على الخوف. كانت تعشب الحديقة وشاهدت ثعبانا أرقط يختبئ تحت البيت. خرج الوالد، ونظر من بين أشجار الدفلة وحدق لفترة طويلة في الشق البارد والمظلم بين الأرض والبيت الذي فوقها. وحينما نهض على قدميه وشاهد الوالدة عند الباب وهي توضب ثنيات تنورتها مد ذراعه- وقال:"لا يوجد ثعبان هناك". ولكن حينما قابلت نظرته عينيها المرعوبتين وشاهدها تنكمش إلى الخلف انحنى مجددا مع تنهيدة وبحذر حمل كل النفايات المتراكمة تحت البيت خلال سنوات: أسطوانة من الأسلاك المعدنية لبيت الدجاج ولا نذكر لماذا اشتريناها؛ دراجة إيرن، وقد تخلى عنها بريقها، والمنظار الذي صنعناه من خشب مضاعف وزجاج مرايا، وتقريبا بقطعة واحدة وعلى الأغلب لم نستخدمه لحينه. وحينما جر الحوض الصغير رأيت ببالغ الأسف أن الزمن قشر سطحه وحوله إلى صدأ أحمر بني وحفر فيه الثقوب مثل إحدى مطرزات الوالدة التي تغلف بها الوسائد في كنبات غرفة المعيشة، وكانت منشاة ومتصلبة. مرت الأيام ببطء، ثم أسرعت بخطوها. واستيقظت الرياح من ركودها الصيفي كما لو أن أحدا نبهها. وقطفت الوالدة الرمان من الشجرة واحتفظت بها في طبق صلصال أزرق أبرز ألوانها الوردية المصفرة. معظمها كانت تهاجمه الحشرات، ولكنها تبدو محببة للنظر. أما أغصان الكرمة فكانت مثقلة بوزن عناقيدها الممتلئة. كنت أنا وإيرن نمد أيدينا نحو الكرمة الملتفة ونمسك النموات الحديثة ونجر الثمار الناضجة لنلتهمها بفمينا. وحينما تعود طيور الذعرة وتنقر الأرض يكون الخريف قد وصل والصيف تحول لذاكرة ضعيفة. ويذهب معه أثر رحلاتنا ومغامراتنا داخل الحوض. تصل الغيوم من البحر وتزدحم في زوايا السماء مثل خراف متجمعة. وتجلب الليالي البرد والمطر. وبعد أيام من الهطول الذي يجلد الأرض في كل الأرجاء بقوة غير معهودة يتحول المطر إلى رذاذ هادئ وخفيف. تجولت في الخارج لساعات بمعطف المطر الرمادي، وأنا أرى أحلاما عميقة في المياه الصافية كالمرايا. وعند وصول العاصفة التي تضرب على أغطية النوافذ بتوحش، تقول الوالدة هذه أغنية بجع الشتاء. وأجمل ما في الموضوع في هذا الطقس أن تكون تحت الغطاء وعين العاصفة تزمجر. وقد تعلمنا من الوالدة أن عين العاصفة هو آمن مكان حين تكون في البحر خلال زوبعة قوية، وهذا بعكس الاعتقاد السائد. وحتى الوالد، والسفن يمكن أن يبحروا في عين العاصفة دون خشية. وهكذا، إذا انتهى المطر في ذلك الشتاء بعاصفة، سنكون مطمئنين أننا في حماية عين العاصفة.

في صباح يوم ما سقطت آخر برتقالة من الشجرة استجابة لتعليمات صامتة وبدأت بالتعفن. كان الربيع قصيرا في تلك السنة والصيف حارا جدا ومزعجا. كان إيرن قد انتهى من سنته الثانية عشرة في المدرسة. ويعدو كل أمسية لساعة من الزمن على طول الشاطئ. وأذكر أنه عاد من مقر تدريبات فريق الإنزال البحري مرضوضا ومتعبا، ومغبرا ومريضا، ولكن مع ابتسامة انتصار على شفتيه. وفي النهاية لم تقبله وحدة الإنزال البحري ولم يكن بمقدور أحد أن يخفف عنه، ولا حتى صديقته نتزا. في الخريف كان إيرن قد انضم بالإكراه إلى وحدة أخرى، وانتهى من تدريباته بدرجة ممتاز، وفي النهاية تأقلم مع لون القبعة الأحمر القرمزي وهو لون وحدته، وعاد إلى نتزا، ولكن لقي حتفه في إحدى الليالي بكمين في جنوب لبنان. ولاحقا، هبط الصمت على البيت وساد فيه للأبد. أبحر البحارة والمكتشفون الشجعان الذين اكتشفوا الأرض الجديدة وملأوا أحلام طفولتنا وابتعدوا بسفنهم لما وراء الأفق. وراياتهم تخفق ولم يعودوا. وبقينا مزروعين في الأرض. لملمت الأم آلامها ودفنتها في داخل صدرها وقالت- "لا يزال لدينا طفلة في البيت"- وانغمس الوالد بكبريائه في مياه البحر الباردة- كان يسبح إلى جزيرة صغيرة حتى تخور قواه أو يقوم بنزهات طويلة على الشاطئ، ويخوض في الأمواج بنفس الاتجاه الذي سار عليه إيرن كل ليلة في نهايات أيام الصف الثاني عشر، وهو يخطو بثقة ويبحث عن أثر أقدام ابنه، وظهره مقوس، وقلبه ثابت.

2

وقفت عند ضوء أحمر، مع صوت فرامل مرتفع. مسحت العرق من وجهي وعدلت وضع حامل الحقيبة على الظهر. وشاهدت من بعيد خيال البحر الباهت وهو يندمج بالسماء بمساحة رمادية متصلة وبلا حدود. و يخترقها ضوء أشهب من النجوم ومن مصابيح الشارع على طول منعطف الشارع نحو الجنوب. وعندما تبدل الضوء إلى الأخضر تابعت طريقي نحو المرفأ. كان البحر الغامض يختفي أحيانا وراء بحر واضح بسبب لافتة ضخمة تعلن عن جزيرة يونانية للاستجمام.

في واحدة من الصدف القليلة التي كان فيها لدى الوالد والوالدة ما يكفي من النقود والطاقة للقيام برحلات قصيرة، ذهبنا نحن الأربعة إلى إيلات. كانت الرحلة طويلة وأخاذة.

قال إيرن:"كأننا في إفريقيا". كان مفتونا بأشجار الأكاسيا التي تكافح لتعيش في طقس حار وجاف، وكانت تبدو كأنها تهرب منه بنفس السرعة التي نقترب بها. وأخبرتنا الوالدة أن المؤونة التي أكلها الإسرائيليون في الصحراء لم تسقط من السماء، كما هو مكتوب في التوراة، ويعتقد العلماء أن المادة البيضاء الإنجيلية، هي في الواقع، عصارة حلوة المذاق يفرزها النمل الذي يعيش على أغصان الأكاسيا. وتابعت تشرح لنا معنى التكافل الحيوي، وقلت لها أنا وإيرن فورا:"آه، إفرازات من النمل...". وهنا التفت أخي وأقسم أنه شاهد زوجة لوط. وأنا صحت إنني شاهدت تيسا يقفز على السفوح.

وصلنا إلى إيلات جائعين ومغبرين. كانت مياه البحر الأحمر زرقاء داكنة والشاطئ منحنيا وذهبيا. وبساط من الخيمات القماشية تزهر فوق الرمال. وقبل هبوط الليل أقمنا خيمتنا أيضا من ملاءات رقيقة خفاقة حملتها قبضات المكانس. وقد وقفت سيارتنا السوسيتا بجانبها. وفي النهاية وزعت الوالدة علينا الشطائر المفضلة.

بعد الطعام دخلنا في الماء، باستثناء الوالدة. تراشقنا بالماء وسبحنا وأكدنا أننا شاهدنا سمكة العقرب وسمكة الببغاء وحرصنا أن لا تلدغنا أعشاب البحر الأسود. ولم تفلح محاولاتنا لإقناع الوالدة بالسباحة ورفضت الاقتراب من الماء. أول من يئس هو الوالد، وقال:"اتركوا ماما وحدها". وأشار بيده معلنا أنها حالة ميؤوس منها. ثم بلل شعره الأسود. وقال:"هل نسيتما القطط؟". طبعا لم ننس. لاحظت الوالدة أحد الجيران يغسل ثلاث هريرات في دلو معدني كبير واقتربت لتنظر، وشاهدت الرؤوس والأطراف الصغيرة ترتعش تحت السطح البراق. بما تبقى من قوة حاولت الهريرات الهرب من قبضة الرجل المحدودب بظهره فوق الدلو وهو ينظر من زاوية عينه لابنة الجيزان، أمنا، وقال لها: "أنت تعلمين ماذا تفعل القطط في الحديقة، تعول كل الليل كأنها تتعرض للذبح؟. ثم تلد وتأتي الهريرات بالبراغيث. هذا يتكرر كل عام وأمهم لا تتعلم درسها". لم يفلت أجسامها المخططة حتى همدت وسكنت المياه في الدلو. ومنذئذ انتشرت شهرة الوالدة ووصلت لكل القطط الشاردة في الحي، وأتت إليها بحثا عن ملجأ. وبعد ذلك - كما نفترض- تجنبت الوالدة الماء بقرار لا تراجع عنه. وحينما بنت المدينة بركة للسباحة كانت لا تدخل فيها إلا بمستوى كاحليها، ولم ترفع عينيها المرعوبتين عن إيرن وعني مع أننا نسبح كالدلافين. وحينما وضعنا الوالد في الحوض البيضاوي وتخيله بحرا وتحول إلى قبطان شجاع كانت الوالدة تراقبنا باستمرار وهي جالسة على سلالم مدخل البيت.

بعد مقتل إيرن فقد الوالد إحساسه بالزمن. كان يجلس وحيدا في الحديقة لساعت طويلة على كرسي من الخيزران المتعفن بسبب الزمن والشمس، متكوما في الظل الرقيق لشجرة الليلك الفارسي، وهو يلهو بحبل قديم، كما لو أنه يتفحص الدروس التي علمنا إياها في طفولتنا: أنشوطة الصياد، وأنشوطة اليدين، وأنشوطة الحيد البحري. كانت أصابع الوالد ثخينة وبطيئة. أول مرة علمنا فيها ألعاب الخفة بالأنشوطة قال:"أنت تعرفين كيف تعقدين رباط حذائك، صحيح؟. هذه مثل أنشوطة". وحينما رأيته جالسا بتلك الطريقة في الحديقة المظللة شعرت بالرعب وعصرت قبضة قوية قلبي: كان الوالد يرتجف ويبدو أنه ضائع وبحاجة لمن يدله على وجوده.

أتخيله يميل نحوي ويفسر بصبر أين يجب أن أضع أصابعي وكيف أصنع أنشوطة من الحبل وكيف أسحب وأعقد لتكون العقدة متينة، ولكن لا أتذكر بالضبط ماذا جرى بعد ذلك.

وهكذا تابع الوالد الابتعاد عنا حتى اختفى بصمت من حياتنا، نراه في لحظة، ثم يبدأ الوهم، والشفافية، حتى يبتعد ويختفي- ويهبط إلى منطقة بلا نهاية، حيث الأفق وحفرة الموت، أو نهاية البحر. ولم يعد بمقدورنا رؤيته.

وها أنا أطير على سفوح الهضبة على الدراجة، والريح تعبث بشعري وترميه للخلف، وتبرّد جسمي. انتقلت الوالدة من البيت القديم منذ فترة طويلة. والآن، مع أن هذا يبدو غير معقول، فهي تعيش في البحر. بالحرف الواحد فوق البحر. كان رجل بشعر أبيض يحب والدتي لصمتها وللحزن الذي يحاصر روحها، وأتى بها إلى بيته. كان هو الاستقرار الذي تبحث عنه الوالدة دائما والشاطئ الآمن الذي وصلت له، ووجدت نفسها تعيش على قاربه الصغير المتأرجح الذي يرسو على مرفأ يافا. في صباح أحد الأيام تنهدت الوالدة وقالت لي:"بيتنا كبير وفارغ، ويشبه المتحف. إيرن رحل نهائيا. والوالد كذلك. وأنت لك حياتك الخاصة، ولا أريد أن أعيش هنا بعد الآن. البيت الآن لك وحدك. بكل محتوياته. وبكل ما فقده على مر الأيام. كله لك. وإن كنت لا تود أن تمكث فيه يمكن أن تبيعه. الاحتمالات أمامك خمسون بالمائة مقابل خمسين بالمائة". ولم تنتظر الوالدة حتى أبيع البيت - ولم أقرر أنا ماذا سأفعل. ولكنها حزمت بعض الحقائب الصغيرة وذهبت لتعيش مع أختها تالما. وبعد فترة فارقت أختها لأنها تعرفت على هربيرت. وكانت تلك أول مناسبة تدعوني فيها لبيتها الجديد. وصلت إلى الشاطئ وأنا أضرب الأرض بقدمي. ربطت الدراجة بعمود الكهرباء وفحصت المنطقة لتحديد مكان أنوار القارب الذي تكلمت عنه بالهاتف. قالت:"على الدفة كتبت عبارة: أنت وإيرن والوالد محبوبون دوما". وضعت أمامي لغزا نعرف حله من قديم الأزمنة، ثم أضافت كأنها تفاجئ نفسها:"لن تصدق هذه الصدفة". وغلب في ظني أن العبارة هي إشارة عن أن هذا الرجل روح شابة أيضا. ابتسمت لنفسي. لدقيقة من الوقت جلست أنا وأخي مجددا في الحوض بمياهه المتلاطمة، والشمس تزحف على رأسينا، وكررنا مع الوالد الحقيقة السحرية أن "كل الأنهار تصب في البحر ومع ذلك البحر ليس مليئا". لمست أنا وأخي سطح الماء وكان الجواب موجات هائجة، وحاولنا أن نفهم كيف كل الأنهار تتجه إلى البحر ولكنه لا يمتلئ.

وقفت تحت نور الشارع، وقدماي في بركة الضوء، ويداي على خصري. تأرجحت قوارب كبيرة ومراكب صيد صغيرة وحركت مياه الشاطئ. وبالقرب تحطمت الموجات ببطء على صخور الرصيف. وانتشرت في الهواء رائحة السمك المميزة مع نكهة الملح التي حملتها الرياح إلى الشاطئ. وفي الليل الفاحم لم أجد قاربا أو بيتا من الشعر على دفة قيادة.

ولكن بفضل الهاتف الخليوي تمكنت من العثور على أمي وهربيرت، الذي صعد إلى متن القارب اللماع الأبيض وبدأ يلوح لي بمصباح مضيء. ابتسم لي ابتسامة طيبة ومد يدا مرتعشة حينما شرعت بتسلق بيته العائم. نظرت له باهتمام بالغ، إنه الرجل القادر على إنجاز ما لم ينجح به الوالد- لقد انتزع والدتي من اليابسة. تبعته إلى قاع القارب، وكانت ملامح والدتي تعبر عن الترجيب، وعيناها تبرقان، ونهضت لتعانقني بقوة وقالت باعتزاز لشريكها الجديد:"هذه ابنتي". وقال هربيرت:"أنا مسرور، مسرور فعلا بلقائك".

اهتز القارب بتؤدة حينما نظرت للوالدة بتشاؤم. ردت بنظرة مماثلة تشوبها ثقة بلا مبرر. كانت عيناها تؤكدان أن كل شيء على خير ما يرام. زال التوتر من بصري. فالوالدة بعهدة حب جديد. وكل شيء يسير بخير حال. أشارت الوالدة لي فجلست أمامها على الدكة المفروشة بالقماش. وخيرني هربريت من فوره بين الشاي الحار أو الكولا الباردة. أيهما أفضل. سألت الوالدة عن وجهتها. ردت بهدوء:"ليس من هدف معين يا عزيزي. ليس لنا هدف. ولم أغير عادتي. لا زلت أكره النزول في الماء. ولكن هربيرت أكد لي أن القارب موثق بقوة بالرصيف. وأن المرساة في الماء وبالعادة الحوض القريب من الرصيف يكون ناعما كالزبدة. نحن في بيتنا حاليا. وهذا كل الموضوع".

"اعتقدت أنك أخيرا نسيت حكاية الهريرات".

هزت الوالدة كتفيها وقالت:"لماذا تعتقد ذلك. سنعيش هنا. ولكن في الشتاء سننتقل لشقته في جيفات أولغا". وأشرقت بابتسامتها وتابعت:"لم يعد هناك أرض لم نكتشفها بعد". شكرت هربيرت وهو يقدم لي كأس الشاي الحار مع حركة لطيفة وسأل إذا كنت أفضّل مكعبا من السكر وهل أحب الإبحار، أم أنني "على شاكلة الوالدة".

رشفت الوالدة بتمهل وقلت له؛"كلا، هي ليست مثلي. أنا شيء آخر. لم أبحث عن المغامرات، إنما من يعلم؟. الإنسان له حياة واحدة".

ربت هربيرت على رأسها بدماثة ونظرت للكأس الذي في يدها.

قالت الوالدة:"كما تعلم يا هربيرت، في أحد الأيام سأتحلى بالشجاعة اللازمة وسنبحر نحن الثلاثة غربا، ربما إلى جزيرة ديف قبالة مرسيليا. ويمكننا التوقف قرب قلعة سانت جان، وربما يلوح لنا دانتيس من خلف قضبان سجنه".

نظرت للوالدة بدهشة. هل كانت تستمع حينما قرأ الوالد لنا الكونت دي مونت كريستو؟. لا أتذكر أنها قرأت الرواية أبدا.

ابتسمت لي للتشجيع. كان خيال الوالد، طويل ومبتهج، يومض بيننا. وانجرفت أفكارنا إلى إيرن الذي بدا لفترة قصيرة يشبه الوالد بهيئته. حتى أسرعت نحونا مركبة ضخمة لصيد السمك. وحينما ناورت في طريقها باتجاه المرسى اضطربت المياه وتأرجح قارب هربرت. وقفزت قطة مخططة على ركبتي الوالدة ولم أكن قد لاحظتها من قبل. وانطوت على نفسها في حضنها مثل حلزون. وتفحصتني بعينيها نصف المفتوحتين، وسرعان ما أغلقتهما مجددا. وسمعت الوالدة تسأل:"هل قررت كيف ستتصرف بالبيت؟". وأجبت شاردا:"كلا، ليس بعد". كنت أفكر بالدراجة الخضراء المقيدة بعمود النور في الشارع عند المرفأ. وأنه يتعين علي أن أكدّ بها لصعود السفوح الطويلة التي قادتني إلى المياه. وربما كان الأفضل أن ألقي تحية الوداع وأغادر.

 

........................

من مجموعتها "امرأة رقيقة". 2019 .

إدنا شمش Edna Shemesh كاتبة مولودة في رومانيا عام 1953. لها خمس روايات وقصص متفرقة.

 

قصي الشيخ عسكربقلم القاصة الروسية: أولغا زلبيربورغ*

ترجمها عن الانكليزية: قصي الشيخ عسكر

***

 

* ب-

اختبار الأمومة يكون من خمسة أجزاء تحريرية

وخمسة أشياء شفهية.

 

* كيف تفرح قلب زميلتك بالعمل؟.

ابعث لها صورة زهرة نرجس بيضاء بلون الورق.

وقد علقت على كيفية نمو هذه  الزهرة بشكل دراماتيكي.

يوميا تقوم الزهرة بعمل جديد، وبالأمس سقطت أوراقها، واعتقدت لأنها لم تحصل على ضوء الشمس الكافي، وقد  قامت بنقل الزهرة إلى القرب من النافذة. واليوم انتصبت أوراقها وانتعشت.

 

* ايميل

وفي هذه المرحلة من مهنتي أصبح صندوق بريدي  يشبه أحفورة قديمة للأفكار الجيدة. ولحسن الحظ إن أكثر هذه الأحفورات ليست نادرة، ومن حق العامة أن يجمعوا عينات منها لا يزيد حجمها عن حجم كف اليد. وبهذا أعني أنني أستطيع أن أنجز مهامي، وبالتالي أنحي من طريقي مراسلاتي العاجلة. ولكن إذا جاءني طلب يتطلب مني أدنى درجة من المبادرة، شرارة مبتكرة مثلا، أو فكرة أصيلة، سوف يتحول ذلك الحرف إلى شيء له اعتبار، مثل ديناصور عاشب، وعليه أن ينتظر دوره لأضعه في مكانه، كانه في متحف.

 

* المشاركة

 كان لإنسانة ما طفل، وشريك حياة،  طفل مشترك، تعلمت منه أن العلاقة مع الأولاد هي علاقة فردية، أو علاقة خاصة فعلا. ولكن علاقة شريكها مع الطفل لم تؤثر بها إلا قليلا، وبشكل غير مباشر. لقد جعل الشريك الطفل يضحك. وهذا شيء يمكن تقاسم الإحساس به. كانت ضحكة جيدة- وبعد ذلك سرعان ما عادت إلى عزلتها، ومعها ابنها.

 

 * أربع وخمسون دقيقة والعد مستمر

أجلسونا في حلقة. كم يحتاج الإنسان من وقت ليعلم بأن طبقا من الكعك المملح يدور من شخص لآخر. وأن من دواعي سروره أن يتمكن من الاحتفاظ به وهو يتكلم. ولكن للأسف بالنهاية عليه أن يمرر الطبق للشخص التالي المجاور له.

 

.........................

 

Like water: short short stories

Olga zilberbourg

B-

The test of motherhood consisted of five oral and five written parts.

How to Cheer up a Sick Coworker

Send her a picture of a paperwhite flower. She’s commented on how dramatic this flower's growth is. Each day it does something new. Yesterday its leaves had fallen, and she speculated that it wasn’t receiving enough sunshine. She moved it closer to the window. The leaves stand up straight and tall today.

Email

At this juncture in my career, my inbox has become the fossil preserve for good ideas. Fortunately, most fossils are not rare, and the public is allowed to collect specimens no larger than the size of their palms. By which I mean that I can delegate most of my tasks so the urgent correspondence is shuffled out of the way. But if a request comes in that requires the slightest degree of initiative, a spark of creative, original thought, that letter turns into a stegosaurus and has to wait its turn to be interned in a museum.

One’s Share

One has a child with one’s partner, a shared child, only to learn that the relationship with one’s child is individual, solely one’s own. The partner’s relationship with the child has little bearing, and only indirectly, on one’s own relationship with the child. The partner does make the child laugh. at can be shared. A good laugh—and then back to one’s own solitude, now with the child.

Forty-five Minutes and Counting

We’re seated in a circle.

How long does it take a man to figure out that the bowl of pretzels is

making the rounds, and that it’s cool if he wants to hold on to it while he’s speaking, but then, eventually, he must pass the bowl to the next person?.

***

From her book: like water and other stories. Wtaw press. 2019.

 

 

ضياء نافعللشاعرة الصربية المعاصرة لوبيتسا ميليتيج

ترجمها عن الروسية:أ. د. ضياء نافع

***

نشيد الرهبان

 من ذلك الجانب هناك،

وهنا انت،

 وهناك

ايضا انت.

اين اذن

انت؟

***

ينبثق فجأة

ضحكك،

يفلق الصلاة

اسمك.

***

كيف يمكن ان احكي لك

الشئ

الذي لا تعرفه؟

كيف يمكن ان احكي لك

رأسا كل شئ

لا تعرفه ؟

كيف يمكن ان احكي لك

كل شئ.....؟

***

وهنا انت،

وهناك انت.

اين اذن انت ؟

 

عادل صالح الزبيديبقلم: و. س. ميروين

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

إنني لا افهم العالم يا أبي.

جنب بركة الطاحونة في نهاية البستان

ثمة رجل يجثم مصغيا

الى الدولاب الذي يدور في التيار،

إلا انه ليس هناك دولاب يدور.

*

يجلس في نهاية آذار،

الا انه يجلس أيضا في نهاية البستان؛

يداه في جيوبه. ليس الرجاء

ما هو منكب عليه، ولا الأمس

ما هو مصغ اليه. انه دولاب يدور.

*

حين أتكلم يا أبي،

فالعالم هو ما يتوجب عليّ ذكره,

انه لا يحرك قدميه ولا حتى يرفع رأسه بالقدر نفسه

خوفا من أن يشوش على الصوت الذي يسمعه

مثل ألم دونما صرخة، في المكان الذي يصغي منه.

*

لا اعتقد أنني مولع يا أبي

بالطريقة التي دائما ما يهيئ نفسه فيها

للإصغاء قبل أن يصغي.

انها غير متكافئة يا أبي،

مثل السبب الذي يدور به الدولاب، ولو انه ليس هناك دولاب.

*

أتكلم عنه يا أبي،

لأنه هناك ويداه في جيوبه،

عند نهاية البستان

يصغي الى الدولاب الدائر الذي ليس هناك،

إلا ان العالم يا أبي، هو ما لا افهمه.

 

......................

و. س. ميروين (1927-2019) شاعر أميركي من مواليد مدينة نيويورك؛ تلقى تعليمه في جامعة برنستون حيث درس لغات الرومانس التي جعلت منه فيما بعد مترجما بارعا للشعر اللاتيني والاسباني والفرنسي. سافر الى فرنسا واسبانيا وانكلترة ليستقر في لندن خلال الخمسينات وليعمل في الترجمة. عند عودته إلى أميركا أصدر أولى مجموعاته الشعرية بعنوان (قناع للإله جانوس) التي اختارها الشاعر و. هـ اودن لتفوز بجائزة جامعة ييل للشعراء الشباب عام 1952 مثنيا في مقدمته لها على براعة الشاعر الشاب الفنية واللغوية. في العقد التالي بدأ ميروين بنشر مجاميع شعرية بشكل منتظم يظهر فيها تأثير الشاعرين والاس ستيفنز وروبرت غريفز فضلا عن المدرسة الصورية وتتناول موضوعات أسطورية ورمزية متنوعة. في عام 1960 أصدر مجموعة بعنوان (السكارى في الأتون) يظهر فيها تغير في الموضوعات ونزوع متزايد نحو الذاتية والشخصانية فتميز شعره خلال الستينات بجرأة التجريب في الأوزان والشكل الشعري والسردية غير المباشرة وقد بين ذلك في مقال له بعنوان (الشكل المفتوح) عام 1969 . تعد مجموعتاه (القمل) 1967 و(حاملو السلالم) 1970 (فازت هذه الأخيرة بجائزة البوليتزر) أفضل مجموعاته الشعرية وأبعدها تأثيرا. تميل مجموعاته الأخيرة إلى تناول بعض موضوعاته القديمة بأساليب جديدة وتتميز بمزيد من التكثيف الصوري والحلمية وتمجيد العالم الطبيعي. له أعمال عديدة في الشعر والنثر والترجمة وفازت أعماله بالعديد من الجوائز.

 

 

محمد صالح الغريسيشعر: لويز آكرمان

تعريب: محمد الصالح الغريسي

***

راكب السّفينة المظلمة، حين يسمع

 صخب الأمواج من حوله،

 ويرى مياه البحر الشّاسع المظلم،

ترتفع على مرمى البصر لتغمره،

*

دون أمل في الخلاص، وحين يُفْتَحُ الجسر مواربا

من بين الصّواري المرعوبة المعطوبة،

يرفع جبينه خارج الماء الّذي يغمره،

و يطلق في عرض البحر آخر صرخة.

*

صرخة بلا جدوى ! صرخة تمزّق القلوب !

ارتجفت لها الطّيور المحلّقة أو العابرة

خلف السّحاب من الرّعب،

بينما الرّياح الهائجة في الفضاء،

تردّد في خنقها وهي تصرخ.

*

مثلَ هذا المسافر في بحار مجهولة أتيه،

و أكاد أختفي وسط الأمواج الهادرة؛

الهوّة عند قدميّ، والغيوم فوق رأسي، 

تتراكم، تحيط بها الصّواعق من كلّ الجوانب.

*

الأمواج والسّماء يطوّقان ضحيّتهما،

يصارعان الضّجيج والظّلام بكلّ بسالة؛

و مركبي، بعد أن فقد صاريته،

ظلّ يجري بلا بوصلة:

 فريسة لصراعاته

*

 

لكن، هذه أمواج أخرى..

إنّها حقّا لعاصفة أخرى

تشنّ معارك في الفضاء المظلم؛

فالبحر أشدّ عمقا، والغرق بالذّات

لا مفرّ منه، وهو أكثر هولا.

*

إنّها للعبة جلبها الإعصار وهو الّذي يتحكّم فيها،

مليئة بالكنوز وبمعدّات السّفينة تغمرها المياه،

فهذه السّفينة المفقودة، محورها الإنسان،

و نحن هم الغرقى.

*

و طاقم السّفينة المذعور،

 يناور في الظّلّ دون جدوى؛

غير أنّ الرّعب واليأس والحزن

يجلس أمام دفّة القيادة،

يوجّهه القدر نحو حاجز صخريّ.

*

أنا إن لم أعترف، لست سوى قدر أعمى

صعد على ظهر سفينة غريبة معطوبة،

ثمّ، لا أريد أن أنتهي لقمة سائغة

 في فم ذلك القدر الأصمّ المتخاذل.

*

ما دام رفاقي ذوو الوجوه الشّاحبة،

قد بقوا صامتين،

مذهولين في خضمّ المحن العصيبة القصوى،

فعلى صوتي أن يزيل هذا الرّكام من اللّعنات

الّتي تتهاطل ضدّا السماء.

*

و لكي يتفجّر فجأة في دفق أكثر حيويّة،

كان لي وأنا أقاوم هجوم الأمواج السّوداء،

من كلّ القلوب ما يشبه مركزا وحيدا

تجمّعت فيه كلّ مشاعر الإحباط.

*

فلتهتزّ إذن نبراتي الجريئة بكلّ ما أوتيت من قوّة،

و لتختلج هذه السّماوات الصمّاء ذاتها من هول المفاجأة؛

فلا الأجواء ولا الأمواج الغبيّة كلاهما بحاجة إلى قشعريرة تثبت أنّهما قد فهما.

*

آه ! يا لها من صرخة مقدّسة، فليكن لكلّ صرخة احتضار:

أن تحتجّ، أن تتّهم وهي تتلاشى.

طيّب ! ها أنا ذا قد أطلقت صرخة الجزع والرعب الّذي لا ينتهي،

و استطعت أن أغرق.

***

لويز آكرمان

..........................

Le cri

Louise Ackermann (1813-1890)

Recueil : Poésies philosophiques (1871).

***

Lorsque le passager, sur un vaisseau qui sombre,

Entend autour de lui les vagues retentir,

Qu'a perte de regard la mer immense et sombre

Se soulève pour l'engloutir,

*

Sans espoir de salut et quand le pont s'entr'ouvre,

Parmi les mâts brisés, terrifié, meurtri,

Il redresse son front hors du flot qui le couvre,

Et pousse au large un dernier cri.

 

Cri vain ! cri déchirant ! L'oiseau qui plane ou passe

Au delà du nuage a frissonné d'horreur,

Et les vents déchaînés hésitent dans l'espace

À l'étouffer sous leur clameur.

*

Comme ce voyageur, en des mers inconnues,

J'erre et vais disparaître au sein des flots hurlants ;

Le gouffre est à mes pieds, sur ma tête les nues

S'amoncellent, la foudre aux flancs.

*

Les ondes et les cieux autour de leur victime

Luttent d'acharnement, de bruit, d'obscurité ;

En proie à ces conflits, mon vaisseau sur l'abîme

Court sans boussole et démâté.

*

Mais ce sont d'autres flots, c'est un bien autre orage

Qui livre des combats dans les airs ténébreux ;

La mer est plus profonde et surtout le naufrage

Plus complet et plus désastreux.

*

Jouet de l'ouragan qui l'emporte et le mène,

Encombré de trésors et d'agrès submergés,

Ce navire perdu, mais c'est la nef humaine,

Et nous sommes les naufragés.

*

L'équipage affolé manœuvre en vain dans l'ombre ;

L'Épouvante est à bord, le Désespoir, le Deuil ;

Assise au gouvernail, la Fatalité sombre

Le dirige vers un écueil.

*

Moi, que sans mon aveu l'aveugle Destinée

Embarqua sur l'étrange et frêle bâtiment,

Je ne veux pas non plus, muette et résignée,

Subir mon engloutissement.

*

Puisque, dans la stupeur des détresses suprêmes,

Mes pâles compagnons restent silencieux,

À ma voix d'enlever ces monceaux d'anathèmes

Qui s'amassent contre les cieux.

*

Afin qu'elle éclatât d'un jet plus énergique,

J'ai, dans ma résistance à l'assaut des flots noirs,

De tous les cœurs en moi, comme en un centre unique,

Rassemblé tous les désespoirs.

*

Qu'ils vibrent donc si fort, mes accents intrépides,

Que ces mêmes cieux sourds en tressaillent surpris ;

Les airs n'ont pas besoin, ni les vagues stupides,

Pour frissonner d'avoir compris.

*

Ah ! c'est un cri sacré que tout cri d'agonie :

Il proteste, il accuse au moment d'expirer.

Eh bien ! ce cri d'angoisse et d'horreur infinie,

Je l'ai jeté ; je puis sombrer !

Louise Ackermann.

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المَجَريّ (الغَجَريّ):

كاروي بَاري

ترجمة: عامر كامل السامرّائي

***

لم تخن أبداً أخاديد الأرض المفتوحة حتى قلبها،

تطرق ذئاب العُزْلَة الخرساء بابها كل ليلة،

تُدخِلهم، وتُهَدْهدَهُم إلى جَنْبها في السرير،

وبمخالب - كالمذراة،

يطرُدن القطط البرد من فناء دارِها،

يَنزلنَ في البئر ليُمسكنَ بالقمر،

يَجئنَ به، ويُعلقنَّه في مَطبَخِ أمي: أضيء!

*

تجلس أمي في مَطْبَخها

تتلوى في كفها وردة،

يَقضِمُ ضَفِيرتها

شعاع القمر المُسَمَّر على الحائط:

فتلمعُ عِقْصَتُها في ضوئِه.

*

في شُباكها تصدح ديَكة بريّة،

توقظُ الفجر

بحناجر لُحمت بنار،

وأمي جالسة،

ألا تراها؟ ابنها ايضاً جَانِبٌ بنفسه،

لا يأكل، يملأ قصائده بالنحيب،

يملأ قصائده بالنحيب، قصائده.

*

 في أخاديد الأرض المفتوحة حتى قلبها

 ستختبئ مَرّة،

سأبحث عنها:

وسأنتزع بأسناني من على وجهها

كل القبلات المتخثرة كالحجر،

وأَسِنُّ بعظامها

مِحراثها الذي ورثته.

 

بن يونس ماجنانا واحد من الغرباء فقط

***

 

By Ben Younes Majen

I’m just another stranger in town

I’m just another stranger on the street

So please ignore me

If you see me

Do not say hello

Just walk right on

Like you’ve never saw me before

 *

Just walk and walk right on

 *

I could swim the sea

And be noticed

I could fly the horizons

And be spotted by the clouds

But I’m just a stranger on this Earth

A specimen from the flow of the crowds

So just walk past me

Do not even stare at me

 *

I could wear a mask

Paint my face blue

Write a poem

Sing a song for you

Or sit on a park bench without you

 *

I could be famous

In my own way

Or an unknown entity

You can either take it

Or leave it

To rot in the obscurity

Don’t let that trouble you

So if you see me again

Just ignore me

Don’t nod or waive your hand

Because I’m just a stranger on your land

 

 

عامر كامل السامرائيللكاتب المجري: إشتفان أوركين

ترجمة: عامر كامل السامرائي

***

"مكالمة هاتفية في 12/ كانون الأول/1969"

- أتكلم مع الكاتب؟

- نعم.

- قرأت في الصحيفة تواً، بأنهم سيعرضون مساء اليوم في التلفاز مسرحيتك المعنونة "فورونييج"، وقرأت تصريحاتك أيضاً، فهل حضرتك نفس الشخصية؟

- نعم سيدتي.

- ذَكرت، بأَنكَ كَتبتَ تلك المسرحية وأنت في مخيم لأسرى الحرب. أَهذه حقيقة أَمْ قلتها لأجل الإثارة فقط؟

- بل حقيقة.

- أرجو المعذرة، لأنني اتصلت بكم من دون سابق معرفة، لكنني أود أن اذكر اسماً فقط، واحبُ أن اعرف إِن كنتم تتذكرونه أَمْ لا. فهل باستطاعتي ذِكرِه الآن؟

- تفضلي.

- بيتر بوغنار.

- بيتر بوغنار.

- نعم أنا أُمُه.

- أعتذر جداً سيدتي. لا أتذكر اسم ابنكم. أين تظنين التقيت به؟

- في أيار عام 1942 استدعي ابني إلى الجبهة، وحضرتك كنت في (فورونييج)؟

- نعم.

- أرسل لي مع رفيقه الذي عاد إلى الوطن معوقاً، قصاصة ورق كَتب فيها "نحن في كوشينتشكو".

- أهو الذي رآه آخر مرة؟

- ليس هو. فقد وصلتني منه رسالة ثانية من مخيم "تامبوف" لأسرى الحرب.

- أنا أيضاً كنت هناك سيدتي.

- حضرتك أيضاً؟ في تامبوف؟ ولم تتذكر بيتر بوغنار؟

- كنا الآف المجريين هناك. وماذا كتب ابنكم العزيز من هناك؟

- في عام 1942 عاد إلى الوطن شاب من مخيم تامبوف، وجلب معه قائمة طويلة بأسماء الأسرى الذين كانوا يعيشون هناك.

- هذا غير ممكن سيدتي.

- ما الذي تريد قوله؟ ما هو غير الممكن؟

- أرجو المعذرة، لا اقصد إلامك، فربما أخطأت برقم السنة. ففي عام 1943 لم يستطع أحد العودة إلى الوطن من تامبوف.

- أنا كلمته شخصياً. كان عبارة عن جلد وعظم. وقد أراني اسم ابني في القائمة.

- حصل هذا بالتأكيد، ولكن ليس في عام 1943.

- لماذا ليس في عام 1943؟

- لأن تامبوف تقع في الشرق، وبعيدة، في أقصى الاتحاد السوفيتي، وكانت الحرب آنذاك على أوجها، لذلك لم يتمكن أحد من العودة إلى الوطن. ليس في تلك السنة فحسب بل وفي السنة التي تلتها. وحتى في عام 1945 كان من النادر أن يحدث مثل ذلك.

- إذن لندع أرقام السنين. حضرتك كم بقيت في تامبوف؟

- ما يقارب الثلاث سنين.

- ولم تتذكر بيتر بوغنار؟

- كنا كثيرين جداً، وتغيرنا باستمرار، إضافة إلى أن قابليتي على تذكر الأسماء سيئة. ولكن عدم تذكري هذا لا يعني شيئاً. فاذا كان ابنكم قد وصل إلى مخيم تامبوف فمن المؤكد إنه لم يكن من المفقودين.

- أن يكون ابني قد فُقد؟ كيف استنتجت ان ابني مفقود؟

- أنا لم أقل ذلك سيدتي، بل بالعكس تماماً. نحن فقدنا ستين ألف قتيلاً في فورونييج، من بينهم عشرات الألوف اختفوا دون أثر. بعدها همنا على وجوهنا نتخبط بشكل عشوائي خلف خطوط الجبهة لعدة أسابيع، ولكن الذي استطاع الوصول إلى مخيم تامبوف مثلاً، فهذا قد ترتبت أموره ضمن تلك الظروف. فسجلوا اسمه في سجل، وكانوا يقرأون الأسماء بالترتيب يومياً، ويقدمون المواد الغذائية، وكذلك أرسَلوا إلى المستشفى من أصيب بمرض... فاذا كان ابنكِ هناك فبالتأكيد لم يكن من المفقودين.

- لكنك لم تتذكره؟

- كلا، للأسف. لقد مضت أعوام طويلة على ذلك.

- كان ابني صديقاً حميماً ل "إِمْرهَ شالايي". هذا أيضاً لا تتذكره؟ كان عضواً في الحزب قبل استدعاءه للجبهة بسنين. ألم تسمع عنه حتى بهذه الصفة؟

- كلا، يا سيدتي.

- ولكن مثل هذه الأمور واضحة مهما بلغ عددهم.

- هذا صحيح.

- لو كنتَ مع أسير كهذا، فهل ستستطيع نسيانه؟

- لا أريد أن أحزنك يا سيدتي..

- لكنني أُريد أن أعرف. هل بإمكانك خلال سبعة وعشرين عاماً أن تنسى صديقاً مثل "إِمْرهَ شالايي"؟

- كلا، ما كنت سأنساه سيدتي.

- قل لي بصراحة. هل تظن أن ابني لم يكن في تامبوف؟

- أنا لم أقل ذلك سيدتي.

- قبل قليل قلت إن ذلك الشاب لم يعد إلى الوطن من تامبوف.

- قلت فقط، إنه لم يكن باستطاعته العودة إلى الوطن في عام 1943.

- أنتظرُ عودته منذ سبعة وعشرين عاماً. إنه ابني الوحيد. منذ ذلك الوقت فقدت زوجي أيضا. مع ذلك، أرجوك لا تشفق عليَّ، فأنا أريد معرفة الحقيقة، الحقيقة الساطعة. إذا لم يعد الشاب من تامبوف، فمن أين كتب لي ابني؟

- الجواب على هذا صعب سيدتي.

- انتظرْ لحظة من فضلك، لقد تبادر إلى ذهني شيء ما. ألا يوجد بطريق الصُّدْفة في الاتحاد السوفيتي مدينتا تامبوف؟

- تقصدين مدينتين بنفس الاسم؟

- ولمَ لا؟ إحداهما التي كنت فيها حضرتك، والأخرى التي كتب منها ابني. أهذا مستحيل؟

- ليس مستحيلاً.

- هاا، اليس كذلك؟ القائمة رأيتها بأم عيني، والشاب قابلته أيضاً، لقد كان عبارة عن جلد وعظم... هو الذي جاء من تامبوف الثانية، لأنه لا يوجد تفسيرٌ آخر لهذه القضية.

- في الحقيقة ليس هناك تفسيرٌ آخر.

- ولذلك لم تلتقِ حضرتك بابني؟

- لذلك لم التقِ به سيدتي.

 

عادل صالح الزبيديللشاعرة: امتياز داركر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

 ***

جميع الناس يرتدون السواد.

خارجين من مواقف المواصلات،

متزاحمين في الحافلات، عابرين الشوارع،

متكدسين في المصاعد

*

يبدون مثل حروف هاربة

من الكلمات التي أحاول جاهدا أن افهمها.

ليس هناك طريقة لإصلاحهم

تجعلهم الحركة والمرايا والزجاج المصدع

ضبابيين كما هم.

*

957 امتياز داركرأحاول أن أدوّنـَك

على هذا الفراغ الأبيض

بخط غير مختزل، ابعث فيك الهدوء

ابعث فيك السكينة

أحيطك بذراعيّ،

ألمس وجهك،

أتحسس وجنتك،

 أضمك وقتا

يكفي لأن تقرأ

الكلمات التي كنا نركـّبها

 

.................

شاعرة وفنانة وصانعة أفلام وثائقية بريطانية باكستانية ولدت في مدينة لاهور بولاية البنجاب عام 1954 من أبوين باكستانيين هاجرا الى اسكتلنده ليستقرا في غلاسكو مع طفلتهما الرضيعة. نشرت عدة مجموعات شعرية منها (بطاقات بريدية من الرب) 1997؛ (أتكلم باسم الشيطان) 2003؛ (الإرهابي على مائدتي) 2006 و(فوق القمر) 2014. تعد امتياز داركر من ابرز شعراء بريطانيا المعاصرين وقد نالت جوائز عديدة وتبوأت مناصب أدبية مرموقة. نترجم قصيدتها هذه بمناسبة رفضها منصب شاعر البلاط البريطاني مؤخرا فمنح للشاعر سايمون آرميتاج.

 

صحيفة المثقفقصائد نثر للشاعر الروسي: إيفان تورجينيف

Poems in prose

ترجمة: قحطان جاسم

***

"عصفور الدوري"

كنت عائدا من الصيد،

أتمشى على طول جادة الحديقة،

وكلبي "تريزور" يركض أمامي.

فجأة أبطأ خطواته، ثم بدأ النظر الى الأمام كأنه يتعقب صيداً.

نظرت على طول الممر، رأيتُ عصفور دوري على الأرض،

تحيط الصُفرةَ منقاره وأسفل رأسه.

كان قد سقط للتو من العش (كانت الريح قد هزت اشجار البتولا، بعنفٍ، على طول الممر)،

وجلس  غير قادرٍ على الحركةِ،

مرفرفا بجناحيه الصغيرين بيأس.

كان كلبي يقترب ببطء منه، عندما أندفع عصفور دوري أسود،

نازلا من شجرة قريبة كالحصاة، أمام أنفه تماما،

منفوش الريش، مفزوعا، بزقزقات يائسة وشفوقة،

أفرد جناحيه مرتين أمام الفكين الفاغرين ذات الأسنان اللامعةٍ.

قفز لينقذَ فرخَه؛ ألقى بنفسه أمامه..

لكن كلّ جسده الصغير كان يرتعش رعبا؛ إنذاره كان قاسيا وغريبا.

كان متهالكا من الذعر، مضحيا بنفسه –

أيّ وحش هائل قد بدا الكلب له !

ومع ذلك، لم يمكنه أن يبق على غصنه العالي بعيدا عن الخطر..

قوة أقوى من إرادته دفعته الى الأسفل.

وقف تريزوريّ ساكنا، وانسحب..

فقد ادرك هو ايضا هذه القوة بجلاء.

أسرعت وطلبت من الكلب السائب أن يتوقف،

وابتعدنا مفعمين بالإحترام.

بلى! لا تضحك. شعرت بالإحترام لذلك الطائر البطل الصغير،

لباعث حبه .

الحب، فكرتُ، هو اقوى من الموت أو الخوف من الموت.

الحب هو الوحيد المعين والمحرك للحياة.

1878 نيسان

***

"حساء الكرنب"

مات الأبن الوحيد للفلاحة الأرملة،

الفتى ذو العشرين، وأفضل عامل في القرية.

السيدة مالكة الإقطاعية، عند سماعها عن محنة المرأة،

ذهبت لزيارتها في نفس يوم الدفن، فوجدتها في البيت.

واقفة في وسط الكوخ، أمام الطاولة.

كانت تغرف بيدها اليمنى، دون استعجال،

وبحركة متناسقة، حساءَ الكرنب (يدها اليسرى متراخية وممتدة بلا حياة الى جانبها)

من قعر قدر إسوّد من السخام،

وتبلعه ملعقة بعد ملعقة.

*

كان وجه المرأة صفيقا وقاتما،

عيناها حمراوان ومتورمتان..

لكنها حافظت على صلابتها واستقامتها كأنها في كنيسة.

بحق السماء ! فكرت السيدة،

"كيف بوسعها أن تأكل في مثل هذه اللحظة..

أيّ مشاعرٍ فظة لديهم حقا، كلّهم !"

*

في تلك اللحظة تذكرت السيدة، أنّها، لبضع سنوات خلت،

عندما فقدت إبنتها ذات التسعة أشهر، رفضت وهي في حزنها،

قصرا ريفيا جميلا قرب بيترسبورغ، وقضت كل الصيف في المدينة!

في هذه الثناء واصلت الفلاحة إبتلاع حساء الكرنب.

لم تتمالك السيدة نفسها في النهاية. " تاتيانا" قالت..

أنا مندهشة حقا !  هل من الممكن أنك لا تعيرين أهمية لابنك ؟ كيف لم تفقدي شهيتك ؟ كيف يمكنك أن تأكلي ذلك الحساء !

ولدي فاسيا مات، قالت الفلاحة بهدوء، وانهمرت دموع الأسى مرة اخرى على خديها الغائرين " إنها نهايتي أيضا، بالطبع؛ أنه ينزع قلبي مني حيّة. لكن ينبغي عدم ضياع الحساء ؛ فثمت ملح فيه.

هزّت السيدة كتفيها فحسب وغادرت. لم يكلفها الملح كثيرا.

أيار 1878

***

"ثريان"

عندما اسمع المدائح عن الرجل الغني روتشيلد، الذي وهب من ثروته الكبيرة آلافا كاملة لتعليم الأطفال، رعاية المرضى، ولدعم العجزة، أبجّله ويهزّ مشاعري.

لكن حتى وأنا أوقره ومتأثر به،

لا يسعني إلاّ أن أتذكر عائلة الفلاح البائسة التي استقبلت حفيدتها اليتيمة

لتعيش معهم في كوخهم المتداعي الصغير

" أذا أخذنا كاتكا " قالت المرأة" فسنصرف آخر فاردينغ  لدينا عليها"

ولن يكون لدينا ما يكفي للحصول على ملح لتمليح قطعة خبز لنا."

"حسنا" سنأكله بدون ملح، أجاب زوجها الفلاح.

ولذا فأمام روتشيلد طريق طويل ليصل ذلك الفلاح.

July 1878

***

"اللغة الروسية"

في أيام الشك،

في ايام التأملات الكئيبة عن مصير بلادي،

أنتِ، الفن الوحيد

يا لغتي الروسية العظيمة، الحرّة  والصادقة!

بقائي ومعيني،

لكن، كيف لا أنغمر من أجلكِ في اليأس،

وأنا أرى كلّ ذلك الذي يجرى في البلاد ؟

لكن مَن بوسعه أن يفكر أن لغةً كهذه، ليست موهبة شعب عظيم !

June 1882.

***

"الاحمق"

عاش ثمتَ أحمق،

عاش لفترة طويلة في سلام ورضى؛

لكن إشاعات بدأت تصل اليه تدريجيا؛

أعتبر من كل النواحي مثل غبي سُوقيّ

خَزِيَ الأحمق وبدأ يفكر بكآبة

كيف يمكنه أن يضع نهاية لتلك الشائعات الكريهة

فكرةٌ مفاجأةٌ أضاءت عقلَه الصغير البليد..

وبدون أقل تأخير، وضعها قيد التطبيق.

إلتقاه صديق في الشارع، وطَفِقَ يمدح رسّام مشهور..

" عجيب !" صاح الأحمق، " ذلك الرسام  أنتهى منذ فترة طويلة..الا تعرف هذا ؟ لم أتوقع منك ذلك ابدا..أنت متخلف عن ركب الزمن تماما."

إرتعب الصديق، ووافق الأحمقَ فوراً.

" مثل هذا الكتاب الرائع قرأت البارحة !" قال صديق آخر اليه.

" عجيب" صاح الأحمق، استغرب انك لست خجلاً. ذلك الكتاب غير مفيد لأي شيء؛

الجميع فهموا حقيقته منذ فترة طويلة. الا تعرف هذا ؟ أنت متخلف عن ركب الزمن تماما."

إرتعب هذا الصديق أيضا، ووافق الأحمق.

" ايّ زميل رائع صديقي ن.ن.!" قال صديق ثالث الى الأحمق. " الآن، ثمت مخلوق كريم حقا !"

" عجيب" صاح الأحمق " ن.ن. وغد مشهور ! خان كل علاقاته. كل فرد يعرف هذا.

أنت متخلف عن ركب الزمن تماما !

الصديق الثالث كان مرتعبا ايضا، ووافق الأحمق وتخلى عن صديقه.

أيّا كان ومها كان الممدوح في حضور الأحمق، فلديه ذات الإجابة عن كل شيء.

بعض الأحيان يضيف بتأنيب: " وهل مازلت تؤمن بالسلطات؟

"حقود ! خبيث !" بدأ اصدقاؤه يقولون عن الأحمق." لكن أيّ عقل !

" وأيّ لسان !" سيضيف آخرون، " أوه، نعم، أن لديه موهبة !"

وانتهى الأمر عند محرر صحيفة مقترحا على الأحمق أن يتولى تدقيق عمودهم (اليومي).

وراح الأحمق ينتقد كلّ شيء وكل وفرد بدون أن يغير، على الاقل، اسلوبه، أو صيحات تعجبه.

الآن هو الذي خطب ضد السلطات، يكون نفسه سلطة، والشباب يوقرونه ويخافونه.

وأيّ شيء آخر بوسعهم أن يفعلونه؟ ورغم أن على الفرد، كقاعدة، أن لا يبجلّ أي شخص..لكن في هذه الحالة، اذا لم يبجله أحد، سيجد الفرد نفسه متخلفا عن العصر!

يملك الحمقى وقتا طيبا بين الجبناء.

April 1878.

***

....................

* في عام 1985 كنتُ قد نشرت، وبأسم مستعار ق. المالكي، بعضا من قصائد نثر لإيفان تورجينيف في صحيفة " صوت الرافدين" التي كانت تصدر في سوريا، وفي مجلة القاعدة الفلسطينية، واليوم أعيد نشر عدد من هذه القصائد اضافة الى قصائد جديدة .وعلى حد علمي لم تترجم تلك القصائد الى العربية باستثناء خمس قصائد  ترجمها عن الروسية ونشرها في صحيفة إياف السعودية عام 2005 الكاتب برهان الشاوي، وفيها واحدة من قصائدي المنشورة آنذاك، والتي أعيد نشرها هنا ايضا، واعني بها " حساء الكرنب". لم تختلف ترجمته كثيرا عن ترجمتي تلك الا في بعض مواضع قليلة، رغم انه ترجمها عن النص الاصلي.

أعيد اليوم ترجمة تلك القصائد مضيفا اليها قصائدا جديدة، ولا تختلف ترجمتي الحالية عن الترجمة الاولى، باسثتناء وجود بعض الاختلافات الطفيفة، التي تعود أما الى قلّة خبرتي آنذاك،  أو الى أن النصوص التي نقلتُ عنها تختلف بعض الشيء عن النصوص الحالية التي أنقل عنها.

يمكن أن اضيف هنا، أن ترجمة  نص عن لغة غير اللغة الأم للنص المترجم عنه، ليس بمثلبة أو إساءة أو يقلل من قيمة النص المترجم لو كان مترجما عن لغته الاصلية، إذا تم نقل النص عن  ترجمة رصينة لمترجم يمتلك خبرة طويلة عن تلك اللغة.

تكمن اهمية هذه القصائد في أنها تكشف جانبا مهما، وهو أن قصيدة النثر لم يكن روادها الفرنسيون فقط، بل تستمد عناصرها من جهات مختلفة في العالم.

طبعت قصائد تورجينيف النثرية لأول مرة في جريدة " البشير الاوربي" في عام 1882،سمّاها. وقد أوضح في واحدة من رسائله، التي عزم أن تكون مقدمة للقصائد :" اعزائي“ Senelia”

القرّاء، لا تقرؤوا هذه القصائد دفعة واحدة، إذ أنها من المحتمل أن تنهككم، وبالتالي، سينزلق الكتاب من بين يديكم. اقرؤوها منفصلة واحدة اليوم، واحدة غداً، وفيما بعد، ستثير واحدة منها، أو أكثر في قلوبكم شيئا ما، حتما ".

أما في طبعة جريدة "البشير الاوربي" فقد جاء :"  أن تلك الملاحظات والافكار والتصورات العابرة التي دوّنها الشاعر تحت إنطباعات الحياة المعاصرة، العلنية والسرية، كانت للسنوات الخمس من عام 1978 حتى عام 1882.

* ستصدر ترجمتي لقصائد النثر لإيفان تورجينيف كاملة خلال هذا العام. 

* بعض هذه القصائد ترجمت عن مجلة الأدب السوفييتي 1983، ع .12، والبعض الآخر تُرجمت عن  شبكة الأدب .

 

عامر كامل السامرائيللكاتب التشيكي: هاشيك ياروسلاف

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي

***

أسوأ ما يمكن أن يحدث للإنسان، هو أن يقع بين براثن سيدة تحب الأدب، والتي تدعو عشاق الكتاب إلى صالة بيتها ليتجمهروا حولها، وتقيم لهم لقاءات أدبية يتم خلالها تقديم الشاي وقطعتين من الكعك هي نصيب كل صديق للكتاب.

حقاً، ما كان ينبغي عليَّ الذهاب إلى دار السيدة - هرزانوفا - لحضور حفلة الشاي الأدبية لكنني رغبت في تلبية دعوة صديقي، الذي أقنعته مرة بأنني أملك في بيتي نسخة أصلية من ديوان الشاعر الفارسي حافظ مجلدة بجلد بشر. فقام صديقي بنشر هذا الخبر بين محبي الأدب وراعيتهم السيدة هرزانوفا التي عبرت عن رغبتها بتقديمي لها للتعارف.

في الصالة وجدت 12 وجهاً متحمساً، كنت أرى في بعضها الأدب العالمي نفسه يحملق بي. كان مجيئي موضع ترحيب وسرور واضح. وفي رأيي أن صاحب كتاب كهذا مغلف بجلد بشر للشاعر حافظ يستحق بجدارة أن يكون من نصيبه أربع قطع من الكعك. فعليه التقطت من الصحن أربع قطع من الكعك، بحيث لم يبقَ للآنسة صاحبة النظارات الجالسة بعدي شيء، فبلغت بها الحسرة بسبب ذلك إلى الحد الذي جعلها تتحدث عن غوته وكيفية اختيار الأقارب.

جلس أمامي شاب يبدو وكأنه مؤرخ أدب، وبشكل مفاجئ وجه لي سؤالاً على النحو التالي:

- هل جنابكم تعرفون غوته بالكامل؟

فأجبته بجدية:

- من رأسه حتى أخمص قدميه.

كان الشاب يحتذي حذاءً أصفرَ ذا شرائط وعلى رأسه قبعة بُنية اللون من جلد الماعز، ويعمل رقيباً للضرائب في دائرة جمارك الأغذية، ويسكن في شارع الراهبات في غرفة بإيجارٍ شهري.

نظر إليَّ أصدقاء الكتاب بشيءٍ من الأسف والامتعاض، ولكي تُغشي السيدة المضيفة على هذا الحَرَجْ سألت:

- حضرتك أيضاً من المهتمين بالأدب جداً اليس كذلك؟

فـأجبتها:

- سيدتي الموقرة، في وقت ما قرأت العديد من الكتب منها: الفرسان الثلاثة، وقناع الحب، وكلب بيشكرفيلي، وروايات أخرى، وقد كان جاري يحتفظ لي وبشكل مستمر بالروايات الست السياسية المسلسلة لكي أقرأها كلها مرة واحدة أسبوعياً. كنت مهتماً بالقراءة بشكل غير معتاد، وكنت أتوق دائماً لمعرفة هل ستقبل الكونتيسة ليونا بالزواج من القزم ريتشارد الذي لأجله قتلت والدها، والذي بدوره أطلق الرصاص على خطيب ليونا وأرداه قتيلاً بسبب الغيرة. نعم، فعلاً للكتاب سطوة عجيبة. وعندما ساءت أحوالي، قرأت شاب ميسينا. ذلك الشاب المسكين الذي صار لصاً وهو لا يزال في التاسعة عشر من عمره. وكان يُدعى لورينسو. بالتأكيد، قرأت الكثير، ولكن ما عدت أقرأ. لا تهمني الكتب مطلقاً.

امتقعت وجوه أصدقاء الكتاب تماماً، فسألني شخص طويل القامة ذو عينين شائكتين، بحزم وبصوت جارح وكأنه قاضي تحقيق:

- هل تهتم بأميل زولا؟

- لا أعرف عنه سوى القليل – قلت – ولكنني سمعت أنه سقط في حصار باريس أثناء الحرب الفرنسية -الألمانية.

- تعرف من هو موباسان؟ - سألني ذات الشخص غاضباً.

- قرأت له كتاب لمحات عن سيبيريا.

- أخطأت حضرتك! – تأوهت بها الآنسة صاحبة النظارات التي تجلس بقربي:

- حكايات عن سيبيريا كتبها كورولينكو و سيروسيفسكي، و موباسان كاتب فرنسي!

- ظننته هولندياً – قلتها بهدوء. – ولكن ما دامه فرنسياً فلربما هو الذي ترجم قصص سيبيريا تلك للغة الفرنسية.

- ولكنك تعرف تولستوي اليس كذلك؟ - سألت السيدة صاحبة الدعوة.

- شاهدت تشييعه في السينما. ولكن من وجهة نظري، شخص بهذه الشهرة مثل تولستوي الذي اكتشف عنصر الراديوم، كان يستحق تشييعاً أكثر بهاءاً.

خيم الصمت في الصالة لعدة لحظات. مؤرخ الأدب الذي يجلس قبالتي، شخصني بعينين محمرتين وسألني بصوت لاذع:

- غير أنك بالتأكيد تعرف الأدب التشيكي جيداً؟

- ببيتي تستطيع أن تجد في دولاب ملابسي الداخلية كتاب الأدغال، أظن هذا يكفي – قلتها بشموخ.

- ولكن كيبلينغ كاتب إنكليزي! – قالها باكياً ودفن وجهه بين كفيه سيد غلب عليه الصمت طوال الوقت.

- لم أتكلم عن كيبلينغ! – صرخت شاعراً بالإهانة.

- أتحدث عن توجيك مؤلف كتاب الأدغال.

سمعت رجلين وقورين يهمسان، بأنني حيوان، هاذان الشخصان المجهولان كانا يهمسان بصوت عالٍ لكي يُسمعاني ما يقولان.

توجه نحوي شاب طويل الشعر شاحب الوجه شابك يديه وكأنه يُصَلّي.

- حضرتك لا تفقه من جمالية الأدب شيئاً، ولستَ قادراً على تقييم الأسلوب، ولا على معرفة الترتيب الرائع للجُمَل، بل حتى الشِعر لا يثير حماسك. هل سمعت بتلك القصيدة العاطفية للشاعر ليلينكرون، التي يستشعر بها جمال الطبيعة: "يسير الغمام عالياً، الغمام الأزرق يحلق فوق الجبال وفوق الهضاب، وفوق حزام الغابات غامقة الخضرة"؟

وأكمل رافعاً صوته ومتكئاً على كتف صديق الأدب الجالس بقربه:

- وماذا تقول في نار دانونزيو؟ ليتك قرأت احتفالات البندقية، إنها تمثيل جميل ومعبّر للحب الذي يدور في خلفية الرواية...

نظر إلى مصباح الغاز، ومسح على جبينه منتظراً بماذا سأجيب. فقلت:

- بالفعل لم أفهم تماماً لماذا أضرم النار دانونزيو هذا في أوقات الأعياد؟ بِكَم حُكِمَ عليه؟

- دانونزيو أشهر شاعر إيطالي – أوضحت لي بلا كلل الآنسة صاحبة النظارات.

- غريب – قلتها ببراءة ملائكية.

- ما الغريب في هذا؟ سأل صارخاً أحد السادة الذين لم يتفوه ولو بكلمة يتيمة لحد تلك اللحظة. – وأضاف، هل حضرتك تعرف ولو شاعراً واحداً من شعراء إيطاليا على الإطلاق؟!

أجبته بشكل مهيب:

- بالطبع. روبنسون كروسو!

نظرت حولي مثل قائد حرب منتصر.

أما محبي الأدب الاثنا عشر وأصدقاء الكتاب فقد شابت رؤوسهم في تلك اللحظة، فحملني محبي الأدب وأصدقاء الكتب أولئك الاثنا عشر الذي شابوا بوقت مبكر وقذفوا بي جميعهم وبقوة من نافذة غرفة الطابق الأرضي إلى الشارع.

 

.................

نبذة عن الكاتب:

ياروسلاف هاشَك : كاتب تشيكي ولد في 30 أبريل عام 1883 وتوفي في 3 يناير عام 1923.

كان صحفياً وكاتباً فكاهي وبويهيمي فوضوي. اشتهر بروايته " The Good Soldier Švejk"، وهي مجموعة غير منتهية من الحوادث الهزلية حول جندي في الحرب العالمية الأولى وهجاء لاذع لشخصيات السلطة عديمي الكفاءة. تمت ترجمة تلك الرواية إلى حوالي 60 لغة، مما يجعلها الرواية الأكثر ترجمة في الأدب التشيكي.