عبد الاله الياسريدفاعاً عن موقف أَولادنا العراقيّين

 المتظاهرين سلماً في سوح النضال*

***

كفُّــــوا لســــانَكـــمُ عن الثـــــوَّأرِ

مــا بعــدَ عارِكــمُ لنـا من عـــــارِ

 

مــا أَبعــدَ الغـربـــانَ في نَعَقـاتِهــا

عن زأَرِ آســــادٍ وصَــدحِ هَـــزارِ

 

ولأَنتـــمُ بئـسَ النـدامَى.كأَسُـكـــمْ

مَـلأَى بســـمِّ الحقــدِ والأَوغـــــارِ

 

مــاذا أَقــولُ لشتمِكــمُ شهــداءَنـــا

سَـفَهاً وأَرزَنُـه نهيــــقُ حمـــــارِ؟

 

أَمستْ سـبـايـا في منابــرِجهلِكــمْ

أَحلَى بنــاتِ النثــــرِ والأَشـعــــارِ

 

أَوَ تَهزأُون بسيـلِ نـزفٍ قد جَـرَى

ليصدَّ عن شرفِ الفراتِ صحاري

 

أَم بانبــلاجِ صبــاحِــه من بعدمــا

صفعَ الظــلامَ براحــةِ الأنــــوارِ؟

 

طُوبَى لمُنتفِـضٍ تَبـــاهَى صـــدرُه

مُتضمِّخــاً بنـزيفِـــــه المعطــــــار

 

قــد ســارَ أَعــزلَ غيـرَ أنَّ ثبـاتَــه

أَزرَى بجيــشِ حكومـــــةٍ جــــرّارِ

 

للَّـــهِ درُّه من مُخيـــفٍ لـــــم يكـنْ

ذا أَنْـيُــبٍ في الغابِ أَو أَظفــــــارِ!

 

لاقَـى المنــــونَ ببسمـــةٍ وطنيَّــــةٍ

ورصاصَ قنَّـاصٍ بصـدرٍ عـاري

 

ما خاف من موتٍ على جسـدٍ لــه

لكـنْ على عَلَــــمٍ هَـوَى وشِعـــــار

 

وبحسبِــــه أَنْ قــد تَحــدَّى صامداً

أَعتَى جيـــوشِ النفــطِ والــــدولارِ

 

نَـزعَ السـنينَ شــبـابُـه,ورَمَى بها

للســائـليــنَ رَثــاثــــةَ الأَعمــــــارِ

 

حتّى تَوشَّـــحَ بالربيــــــعِ خلـــودُه

مُســـتهـزِئـاً بمَهـــامِـــهٍ وقِـفــــــارِ

 

هل من وســــامٍ بعدَ هذا في العُلَى

يُرجَـى لذي بَــذلٍ وذي إِيثــــــارِ؟

**

ياسَـــافِكي دمِــــهِ.لقــد قَـــرَّبْتــــمُ

من عنقِ آمـرِكـــمْ مُـدَى الجـــزَّارِ

 

لم تُخمِــدوا نــاراً بهَـرقِ دمائِـــه

بـلْ زدتـــمُ حطباً لجـــوعِ النــــارِ

 

كــمْ من (حسينٍ) قـد قتلتمْ غِيلةً(1)

فيـــهِ,وكــمْ من آلِـــه الأَطهــــارِ!

 

تَبكونَ إِذ لـمْ يَنصروه بـ (كـَرْبَلا)

ولَــهُ ذَبحتــــمْ خيـرةَ الأَنصـــــارِ

 

شَــوَّهتـــمُ للعـاشـــقيـنَ مــــزارَه

يــاشـــرَّ مَن عبثــوا بخيــرِ مَزارِ

 

تجـري لإِشفـاقٍ عليـه دموعُهـــمْ

ودموعُكـــمْ تجري على الدينــار

 

مـاكـانَ أَكـذبَ حبَّـكــمْ لأَبيــه في

عَـدلٍ لـــه,وجنـوحِــــه ليَـسَـــــارِ

 

كم من حسامٍ لـ(ابنِ مُلْجِمَ)مُصلَتٌ

فيكمْ,ونزفٍ من(عليٍّ)جاري!(2)

 

فقْتُــــمْ (زيـــــاداً) وابنَــــه بتســلّطٍ

وغبـاوةَ الثيــرانِ والأبــقـــارِ(3)

 

مـاأَنـتـــمُ؟مـاطينُكـــمْ؟مـادينُكـــم؟

من أَيَّةِ الأَجنـــاسِ والأَمصــــارِ؟

 

غَضِبَ الجـدارُ عَلَيَّ إذ شبَّهتُكــمْ

لقســاوةٍ في القلـبِ بالأَحجــــــارِ

 

ومن الحجــارةِ ماتصـدَّع خاشعـاً

أَو مـاتَفجَّــرَ غامِــرَ الأنهـــارِ(4)

 

لابورِكتْ صِدَفٌ أَتتْ سهواً بكـمْ

في ســاعــةٍ من غفلــةِ الأَقــــدارِ

 

فـــإذا بكــمْ زعمـــــاءُ في دبَّابــةٍ

جمَعَـتْـكــــمُ مــن مخبـــأٍ للفـــــارِ

 

وإِذا (البغـاثُ بأَرضِنا مُستنسِرٌ)

مُتـأَمْـــرِكُ الجنحيـنِ والمنقــــــارِ

 

مـاانفـكَّ مُنتقمــاً شـــديــداً بأَسُـــه

لكـنْ على زُغْبٍ مـن الأَطيــــــارِ

 

أَأَمـــامَ إِســــرائيــلَ أَنتـــمْ أَرنـبٌ

وعلَى العراق ومُعدِميه ضواري؟

 

أَلكـمْ ديــونٌ في العـراقِ قديـمـــةٌ

أَم تَطلبـون.وحـانَ أَخــذُ الثــــارِ؟

 

حَقِــرَتْـكــمُ بغــــدادُ ثائـــرةً كمــا

حَقِــرَتْ عـروسٌ بالـيَ الأَطمـــارِ

 

إِنْ كنتـــمُ (شِـمْراً) فإِنَّ بِــرِحمهــا

للـ (شِـمْرِ) آلافاً من (المُختارِ)(5)

 

لابـــدَّ من قبـــــرٍ لجثَّــةِ ســـلطـةٍ

عفنتْ حكـومتُـهــــا ومن حفَّـــــارِ

 

عبدالإله الياسريّ

.....................

* ... في تشرين الأَوّل/أكتوبر2019م؛ وتكريماً لدماء الشهداء والجرحى منهم؛ومناصرةً لصوتهم الوطنيّ الداعي إلى الحريَّة والعدل والمساواة.

(1) الحسين بن عليّ بن أبي طالب.أَبَى أن يبايع يزيد داعياً على استبدال الحكم الإستبدادي.اصطدم بالجيش الأموي في العراق,وقُتل في كربلاء مع أَهل بيته وأصحابه سنة 61 هـ.

(2) إغتال عبد الرحمن بن ملجم المراديّ عليّ بن ابي طالب في مسجد الكوفة سنة 40 هـ.

(3) زياد بن أبيه وعبيدالله بن زياد من أشدّ ولاة العراق قتلاً لأَصحاب عليّ وابنه الحسين في القرن الهجريّ الأوّل.

(4) إشارة إلى الآية الرابعة والسبعين من سورة البقرة.

(5) أَدرك المختار الثقفيّ ثأره من قاتلي الحسين لاسيّما الشمربن ذي الجوشن سنة 66 هـ.

 

 

رفيف الفارسكلّكم "مؤمن" مستكين مستهين

هذا ينادي بالقتل وذاك يصيح آمين

كلّكم حفّارٌ للقبورِ

يلعن.. يهتف... يُقَسِم ... يسمم

كلّكم جوقة نشاز

ولكلّ صوت آخر... يُكمّم

والحامي يلهو بسبحته

يحرّك التماثيل على رقعته

فإن سقط جندي هناك

                 لا بأس...         

                 له من الغافلين ألف...

وله من العمائم بلون لحيته

على الرأس... على الخصر... تلتفّ

                               تلتفّ بالدم والهمّ 

                                  وعلى الأعناق تلتفّ

وأضلاعي تتساقط

لم يعد للقلب نبض

لم يعد للحلم جفن

الربيع ذابل الحنايا

           النخيل تائه الجذور

                  الجبال تبكي مهانتها

                          والهور يصرخ... منحور

                                حتى نأخذ بثأر عراة الصدور

وأضلاعي تتساقط

كالسنابل المرهونة بالنار

                    كدموع اليتامى ...

                             كليلٍ بلا دثار

سنجمع بقايا أضلاعنا رغم الأقدار؟

                      سنكسر هذا الطوق والإسار...

                 ***

رفيف الفارس

 

 

صحيفة المثقفحين تغني الريحُ

تستيقظُ  أورْ ..

يبحثُ عن عشبتهِ "كلكامشْ"

في أعماقِ اليمْ

كي ينثرَ من بينَ أصابعهُ

دفقاتُ النورْ..

**

تستيقظُ أورْ

تنهضُ بابلَ من بينَ الأنقاضْ

تنفضُ عنها غبارَ الأسطورة

ينتحرُ الحقد  زرافاتٌ

عندَ تخومِ السورْ..

**

لا نعرفُ لونَ الطينْ ..

حينَ يُبيحُ غزاةَ القرنِ دماءً

وتحتَ قبابِ مراقدنا

يغتصبُ الجندُ ببلدتنا حور العينَ..

**

ما عادتْ بابلَ تلهو فوقَ جنائنها

قالوا .. إنَ السبيَ تماهى منذ قرونْ

في التاسعِ من نيسانْ..

جاءَ الغزو لبغدادَ رهيباً

في التاسعِ من نيسانْ..!!

وما بينَ نيسان السبيِ

ونيسان الغزو

حقبٌ  وزمانٌ

تمددَ فيهِ الحقدُ

وصارَ يجاري الموتَ لمحقِ الأوطانْ ..

**

لمْ تخمد رائحة البارودْ ..

ونشيدُ المطرُ الدامي

يغمرُ نجمةَ داوودْ ..

في مزرعة الأحقاد الجرداء..

**

ما عادتْ بابل تحلمُ بالإيقوناتْ..

آلهةُ الحربَ تراءتْ

تُراقصُ عشتارَ

وطبولُ الحربَ

تظلُ تقارعُ " حمورابي "

كي تسحقَ قامَتَهُ

وعندَ مسلًتهِ أكوامُ الأشلاءْ..

كانتْ صرخاتٌ تنداحُ معَ السكينْ

تخرجُ من جوفِ التنينْ..

ما بينَ " الفأو "

"وخور" البصرة

ونهر الزاب

ترهنُ بغدادَ ضفيرَتها

تضيقُ الأرضَ

تنهضُ أكداسَ الموتى

وتثورُ قرى آشورْ..

حيثُ صليلُ السيفْ

يهمي فوقَ صهيلُ الخيل

القادمةُ من أرضٍ

مر بها  "نبوخذ نصر"

**

"نبوخذ نصر" هدمَ هيكلَ بني صهيون

وكانَ صداهُ عندَ عتاة العصرْ

حيثُ طقوسُ النارَ

والرقصُ يلفُ ويدورُ..

لكنَ  نبوءةُ  " كلكامشْ "

تظهرُ عندَ تخومُ الأنهارْ..

دجلةَ تنهضُ عبرَ مسارات الوحلْ

وفراتٌ يمتشقُ السيفَ ولا يعبأ بالثارْ..

والبصرةُ ترسمُ للحبِ طهارَتهُ..

تستبقُ قبلتهُ بغدادَ

لتعيدَ إلى الحقِ بكارتَهُ..

ودموعُ الفرحةِ طافتْ كل الأرجاء

تفيضُ دروبُ الحرية..

عشبة " كلكامش "

عادتْ تحيى إنسان الحرية..

سيعودُ النهرُ يُغني للريحِ

موالاً  ورصاصاً

يرجعُهُ الصيادْ..

يرددهُ الأحفادْ..

في وجهِ الجلادْ..!!

***

جودت العاني

20/10/2019

 

سعد جرجيس سعيدبراءةٌ من النَّدى

من قاربٍ للشَّمْسِ ألقَى مَوْعِدَا

من طائرِ عادَ إلى مَنْزِلِهِ القديمْ

من قَمَرْ أرسلَ للبَحْرِ يَدَا

براءَةٌ

من طفلةٍ خائفةٍ

قالتْ لها أحلامُها

على طريقِ العُمْرِ تلقى وَلَدَا

من ضِفَّةٍ

تشتبكُ الحياةُ في شُرُوقِهَا

من شاعرِ... قصيدةً قصيدةً

ظلَّ يزورُ ليلَها

حتى رأى الوُجُود شَعْرَاً أسوَدَا

براءَةٌ

من جارِنا القديمِ...

من عُكَّازِهِ

من صوتهِ الحزينِ...

يَرْوي قِصَّةَ الفُرْسانِ والعِدَى

براءَةٌ

من نخلةٍ... واقِفَةً

تقرأُ شِعْراَ للمَدى

براءةٌ من دَمْعةٍ صّلَّت على جبينِهِ الشَّهيدْ

من حُزْنِها

وهي ترى عينيهِ في حِكَاية الرَّدَى

براءَةٌ

براءةٌ

إذا يظلُّ اللصُّ فِينَا سَيِّدَا

إذا رفَعْنَا صُورَةَ الجَبان فَوْقَ الشُّهَدَا

إذا بقولٍ كاذِبٍ

دوما ختَمْنَا المَشْهَدَا

براءَةٌ

فكلُّ شارِبٍ سُدَى

وكلُّ ثورةٍ ستبقَى زَبَدَا

إذا عراقُ الشَّمْسِ في ظلامِهِم

يبقى كانَّهُ

ما كان قبلُ الأمْجَدَا

**

ما احسنَ اللظى

ما أنبلَ الدَّما

ما أشرَف المُدَى

ما أعظمَ الصوتَ الذي يقولُهُ الرصاصْ

فكلُّ شيءٍ دونَهُ صَدَى

**

من كُلِّ غَيْبٍ يهبِطُ الجِيَاعْ

من كلِّ غيمٍ ينزلُ الشعبُ الذي تَشَرَّدَا

من كلِّ شمس يُرْسَلُ الجيلُ الذي

عن صمته تجرَّدَا

فدىً لكَ السَّارقونَ القَاتِلونَ فِدَى.. الشامِتُونَ فِدَى.. الحَاكِمُون فِدَى

غداً سيعلمُ الذين أحْرَقُوا أعْمَارَنا

واستنزَفُوا أمْطارَنا

.............. لا لن يظلَّ الشعبُ في مَزَاغِلٍ

بين الضَّلالِ الهُدَى

غداً

سيعرفونَ صوتَنَا غَدَا

***

سعد جرجيس سعيد

شاعر وأكاديمي/ العراق

 

 

فتحي مهذبقبل نومه زهاء غيمتين ونيف..

يوصد روحه بمزلاج حديدي..

ينظف إوزة اللامبالاة

التي خلفها المشاؤون الجدد

تحت إبطيه..

يقص ريشها الكثيف بعناية فائقة..

لئلا تطير باتجاه جزر الواق واق ..

اللصوص كثر..

ملك الموت يجوب الشوارع

ممتطيا حصانا بسبعة رؤوس..

ثعلب يرصد صيصان ذكرياته بدهاء ..

قبل نومه يدلك روحه جيدا

بزيت القراصنة ..

وينظف الكدمات الزرقاء..

التي سببها تصادم قطارين من الجنون الخالص..

بين مفترق سكة كتفيه ..

يرسم خيطا واصلا بين صورتي

نيتشة والمسيح..

لاستدراج المتناقضات إلى غد أفضل..

وإلهاء الفلاسفة بسرد بنيوي مركب..

قبل نومه زهاء زفرتين ونيف

يطلب الرحمة والغفران بتقنية المونولوغ الناعم..

رافعا يديه المعقوفتين مثل منقار النسر..

يا رب هبني مسافة أطول من الأيام القادمة على مهل..

لأدجج العالم بنصوص ناسفة..

وأستولى على خاتم سليمان

وبريد الهدهد الليلي..

قبل نومه البدهي

يترك حبال المخيلة مدلاة على كتفيه..

ليساعد سكان روحه المنكسرين

على الهروب من حرائق اللاوعي..

ليفرغوا كيس التأويل في مكان آمن .

***

فتحي مهذب

 

عبد الامير العباديالذينَ قبَّلوا ايادي الامهاتِ

وجباه اباءهم

وعفروا اجسادِهم بتربتكَ

ياوطنَ الاحزانِ

قالَ الربُ هولاءِ تجذَّروا

في جناني

هؤلاءِ انا ارسلتهم حُراساً

للعراقِ

لا تقلقوا دمَ الثوارِ

(نورٌ وحقٌ)

**

الذينَ لا يهابون الشمسَ

والرصاصَ

ويبصقون بوجه الطغاةِ

يزرعون في ساحاتِ التحريرِ

ورداً سقياهُ الدمِ

انا الربُ الذي اوصى

جوادَ سليم بنصبِ الحريةِ

ليجمعهما فوقَ اشجارِ

الجنةِ

**

الذين يحملون حقائبَ

رياضِ الطفولةِ بيدٍ

ووردةٍ في الاخرى

وينشدون صباحاً موطني

حرٌ سعيدٌ

حينَ يسقطون برصاصِ الطغاةِ

انا الربُ قلتُ للملائكةِ

مياه جناتي غسيلُ اجسادهم

**

الذين يعشقون بصمتٍ

خشيتهم عوادي الازمنه

تتناثرُ ارواحهم بينَ اليقضةِ والحلمِ

اغانيهم مقطوعةٌ سماويةٌ

انا الربُ ارسلتُ لهم ميثاقاً

الجنةُ تحتَ اقدامكم

وكل الطيورُ ترفرفُ فوقكم

**

الذينَ يدفنونَ بدمهم

وسادتهم عيونكَ ياوطني

الكواكبُ تحملُ نعشهم

انا الربُ قلتُ ياكواكبَ الاكوانِ

طوفي بهم  حماماتِ سلامٍ

***

عبدالامير العبادي

 

مصطفى عليبين الشغيلةِ والطليعةِ برْزخٌ لا يبغيان

فبأيِّ ألامِ الجياعِ تُكذّبان

تائيّةٌ أُخرى إليهم وذلك أضعفُ الإيمان

***

قلْبي على الجهةِ اليُسرى يُؤمِّلني

               أنَّ اليسارَ إرتقى عرشَ المساراتِ

حيثُ الفُؤادُ يساريٌّ بفطْرتهِ

                      للكادحينَ رمى سهْمَ المُوالاةِ

وما تياسرَ إلحاداً وحذلقةً

             ولا (تَنرْجَسَ) عشقاً في هوى الذاتِ

لكنّهُ كافرٌ بالجوعِ في وطنٍ

                   صُدَّ الجياعَ بِهِ عن نبعِ خيراتِ

أعياهُ مرأىً لشحّاذٍ بطاستهِ

                  فإستلّ من روحهِ سيفَ المُساواةِ

رأى الجياعَ طيوراً حوْلَ مأدُبةٍ

                       صالَ اللئامُ عليها مِثْلَ آفاتِ

يحنو على قِطَطٍ جوعى يشاركها

                       أفراخُ أرملةٍ غوثَ النفاياتِ

بكى وأبلغهم سِرّاً حكايتهُ

               هل تُطعمُ الخلقَ أسرارُ الحكاياتِ؟

صوفيّةٌ صرختي طارتْ على مَدَدٍ

               أودعْتُها مَنْ لظى الوجدان شاراتِ

معزوفةٌ ردّدتْ أصداءَ من عبروا

                   جسراً على صمتِنا والّلا مُبالاةِ

فيها تُحاكي لظى المحرومِ قافيتي

                     وإن رأى ناقدي عُقْمَ المُحاكاةِ

إذ لا مجازَ بها أو طيفَ أخيِلةٍ

                  صلعاءَ يفضحها فقْرُ إستعاراتي

مسّتْ دواتي بها داءاً بحارَتِنا

                    أعيىٰ المُداوي لَهُ سرُّ المُداواةِ

مدادُها من دَمِ السارينَ في غَبَشٍ

                  ما لاحَ نجمٌ لهم في فجرنا الآتي

مسمومةٌ كُلُّها الراياتُ في وطني

                وذي الجياعُ سُكارى خلْفَ راياتِ

ناديْتها (رَثَّةً) دانتْ لسارِقها

                        لعلّها أدركتْ قصْدَ المُناداةِ

مُهمّشينَ صدىً الحرمان يرفعُهم

             من بئرِ حِرْمانِهمْ صوْبَ السماوات ِ

مُهشّمينَ فُتاتاً للضباعِ وقدْ

                 خطّوا على هامشِ الأسفارِ آياتِ

صاحوا : الإمامةُ للمحرومِ وإنتفضوا

                من بعدِ ما أدركوا زيْفَ القداساتِ

هاموا سُكارى ولم يسطوا على نَسَبٍ

                 حازتْ قُريْشٌ به سُحْتَ الجِباياتِ

يرعى ولايتَهم صوْتُ الضميرِ فَدَعْ

               تلكَ اللجاجةَ عن فوضى الولاءاتِ

يا عُروةَ الورْدِ يا سُلطانَ مملكتي

                 قمْ يا مسيحَ المُنى من بينِ أمواتِ

يا ميْسمَ الورد إن الروحَ قد ذَبُلتْ

                        أوقدْ بِقنْديلِها زيْتَ الذُبالاتِ

 

يا ذَا الفقيرُ بأقصى الأرضِ من وطني

                           قلبي تَلهّفَ شوقاً للمُلاقاةِ

إنّي الفقيرُ وذي كفي التي بُسِطتْ

                هاتِ اليدينَ الى سوحِ المُنى هاتِ

ما بيننا عُرْوةٌ وُثْقى وما إنفصمتْ

                      ترقى الكرامةُ فيها للكراماتِ

دينُ العميلِ ومالُ السُحْتِ في عَسَلٍ

                      والمُعدمونَ لهم حورٌ بجنّاتِ

ذي قسْمةٌ ، سارِقي ، ضيزى فَزِدْ تَرفاً

               حتى ترى في دمي للحقِّ صولاتِ

يا كانزينَ كُنوزَ الأرضِ من ذهبٍ

                   لن يسْتُرَ التِبْرُ للسُرّاقِ عوراتِ

كم جامعٍ مالَهُ نهباً وعدّدهُ

                أغراهُ صمتي على جورٍ وويلاتِ

ولّى الطغاةُ الأُلى زفّوا مواسِمَنا

               الى مهاوي الردى في فصلِ ملهاةِ

أمّا الغلاةُ فزادوا طينها بَلَلاً

                    دسّوا الحرامَ بأفيونِ الخرافاتِ

ما للشغيلةِ والزُرّاعِ قبلهمو

                    صاروا عبيداً لأشياخٍ وساداتِ

عافوا المطارِقَ أَمْ ملّوا مناجِلَهم

                 أم أشبعوا كَذِباً في النفسِ حاجاتِ

أمّا الطليعةُ فالأوهامُ ديْدنها

                 غنّتْ كفاحاً على طبلِ الخطاباتِ

أبهى الفنادقِ والصالاتِ خندقها

                     سكرى تُكافحُ ساقيها بكاساتِ

أمسِ إستجارت بدُبِّ القطْبِ ناذرةً

                    دهراً لساحتهِ الحمراءِ طاعاتِ

واليومَ كعبتها (بيتٌ) فأبيضهُ

                   يُغري القلوبَ بِحجٍّ دُونَ ميقاتِ

هل أطعموا طبقاتِ البؤسِ من طَبَقٍ

                         دسَّ الغزاةُ به سُمّاً بأقواتِ

يا سائلاً مانعَ الماعونَ مكرُمةً

                  ما في اللئيمِ سوى طبعِ المُراءاةِ

يا منزلاً بايع الأقنانُ ساحتَهُ

              ما كُنْتَ يوْماً سوى قيء الشعاراتِ

**

ياسيّدي يا شهيدَ الخُبزِ من مُقلي

               أهديكَ في أضعفِ الإيمانِ دمعاتي

أهدي الى أمّكَ الثكلى وبي خجلٌ

                 رغيفَ قلبي ولن تكفي مُؤاساتي

سِرُّ الشهادةِ بالنيّاتِ مُنْعَقِدٌ

                   حيْثُ السَريرةُ تصفو مِثْلَ مِرآةِ

كواتمٌ أدمنَ الأوغادُ لوثتها

                هرّتْ على فِتيَةٍ من دونِ أصواتِ

تشرينُ من رَحِمِ الحرمانِ أمطرهم

                   فجراً وعمّدهم في طين ثوراتِ

إنّا أرَدْنا سُدىً طيبَ الحياةِ لكم

                       لكنّ سِرّاً بها يُفني الإراداتِ

طوبى لناشِئةٍ طاروا الى زُحَلَ

                     في الليلِ وإتّقَدوا نوراً بِمشكاةِ

كيما نعوذُ بها من شرِّ سارِقنا

                   أو شرِّ من أدمنوا خمرَ المُغالاةِ

جادوا بأنفسِهم والحقُّ غايتهم

                 يا ذُلَّ من شكّكوا في خيْرِ غاياتِ

             ***

مصطفى علي

 

ريكان ابراهيمأمسِ استفقتُ على صُراخ قصائدٍ

                  في وجهِ مغتصبٍ بكارةَ صدقِها

ورأيتُ كيف تُدافعُ الكلماتُ عن

                 أعراضِها وتموتُ صَرعى حَقِّها

كانت تُقاتِلُ بالقوافي ظالمًا

                     وبحرقة المظلومِ صانِعَ رِقِّها

وقفَتْ مُضمّخَة الثيابِ بطُهرِها

                   من أَخمصِ القدمينِ حتى عُنقِها

لفّت مآزرها على أوساطها

                 وحمَت ضفائرُها مواطنَ عِشقها

فلمحتُ في حُزنٍ شتيتَ جموعها

                    ونفضتُ عنها ما أحاقَ بفَرقِها

ربّتُ بالأيدي على أكتافِها

                        وتركتُها تدنو بكاملِ شوقِها

شاهدتُ أدمُعَها تسيلُ حرائقًا

                  والخطبُ أيبسَ أحرفًا في حَلقِها

ورأيتُ قومًا لا تجفُّ لهاتُهم

                     عن لوكِ خائنةِ الكلامِ ونُطقِها

جمعًا من الشعراء مات ضَميرُهم

                 في ذبحِ صادقةِ الحروفِ وشَنقِها

جعلوا قصائدهم وسيلةَ عيشِهم

                  في الموبقاتِ فرِزقُهم من رِزقِها

إنَّ القصائِد كالنساءِ، يَصونُها

                     شرَفٌ وتفضحُها دناءةُ خُلْقِها

أو كالزجاجِ، خدوشُهُ لا تَمّحي

                         مهما تفنّنَ مَاهرٌ في رَتْقِها

فإذا زَنت حَقّت عقوبةُ جَلدِها

                  وإذا اعتدت صحَّ القرارُ بحَرقِها

ما أشبه الحالين؛ حال قصيدةٍ

                 تزني، وحالَ رخيصةٍ في فُسْقِها

           ***

د.ريكان إبراهيم

 

عبد اللطيف الصافيالهوجاء

مسلحة بهواجس النمل

أينعت في حقول الرمل

أسندت جذعها لظل مترنح

فوق الأرصفة العارية

ومدت جدائلها

حول خصر متقرح

ينزف شظايا نارية

ثم حملت وعودها إلى أبعد مدى

حيث لا سماوات تندى

لا سحاب ينجب رعدا

بعيدا عن المدينة الخرقاء

التي باعت زفرتها المحمومة

وحكاياتها المرشومة

للصوص القوافل الجدد

وقدمت أسرار غبارها

و حصاد هزائمها

الموشومة

تحت اقدام الرعاة

والدعاة

على طبق من زمرد

لآلهة الحديد والمزامير

وصانعي ألعاب البورصة

ومروضي النوارس في فناء الجامع الكبير

الريح الحمراء

الهوجاء

تحملني مكللا بالطين

بعيدا..بعيدا

حيث تورق المدن في الأرحام

تتدلى كروما وعناقيدا...

حيث المرأة مجردة من خطيئتها الأولى

معافاة من حب لا يبتلي

ومن الاكاذيب التي لا تبلى

لا أحصنة امتطيها كفارس جاهلي

يبحث عن سيرته بين بقايا الدم المهدور

دم الفلاسفة والانبياء

والشعراء

الشهداء

لا ذاكرة تحن

أو تئن

أو تثور

لا ظل يستظل به

ولا نور يستضاء به

وحده الليل يقيني

من البداهات المترسبة في شجوني

وحده الليل يبقيني

يقظا في حلمي

حالما في يقظتي

يحررني من كربي

ومن غضبي

يضيء مدنا تعصف في شراييني

ثم يتلاشى

رويدا رويدا

في ضوء يقيني.

***

عبد اللطيف الصافي - المغرب/ كلميم

 في: 17/10/2018

 

شوقي مسلمانيماذا تدبِّر؟

تدبّر بركاناً؟

تدبِّر زلزالاً؟ تدبِّر رصاصة؟

تدبِّر غرَقاً؟ تدبِّر اصطدامَ قطارين؟

منذُ البدء تدبِّر

مرّةً قرناً، تدبّر مرّةً مخلباً

وعندَ منعطفٍ لصٌّاً، عندَ البنك لصّاً

وكانت معاكسات، وسماءٌ قاسيةٌ وأرضٌ قاحلة. 

**

الجودُ عنده، النخوةُ

 الشهامة، إفتداءُ الآخَر

الأنفَة، الشجاعة

وهو في آنٍ سريعُ الغضب

لأتفه سبب 

يشنُّ الغزوات، يقتل وينهب

كانت له أسواقُ نخاسة

وكان منه صعاليك

يطالبون بالحريّةَ غير منقوصة

لهم كلمة مع قطّاع طرق حقيقيين. 

**

يهتمّ، لا يهتمّ

يحتمل، لا يحتمل 

يسعى، لا يسعى، له رأس

وليس له رأس

ذاته ذو الخناجر، ذاته ذو الأساسات

تُفسِحُ القِلّةُ للكثرةِ كي تكون ضربةُ منجلٍ واحدة 

رأى عواصفَ، أعاصيرَ، آثارَ أممٍ غابرة 

أمماً تئد أمماً، ما لا يُحصى

أنهارَ دمّ، سهاماً، نابالم وفراشات

رأى مَنْ يقول ومَنْ يصمت

رأى مَنْ يعقل ومَنْ يجهل 

رأى مَنْ يُحذِّر ومَنْ لا يعتبِر

رأى مَنْ يُدبِّر ومَنْ يتهوَّر

رأى الجريئ والرائي والمقفَلَ المحاصَر

رأى حكماء بعضهم على أتن

تتبعهم أمم ولكنْ قلّما وصلوا

رأى حكماء بعضهم فاتح

ولكنْ قلّما انتصروا.  

**

بعيدةٌ بلاد، جريحةٌ بلاد، وجهُهُ البلاد

في بلادٍ ظهرُه محنيّ وفي بلادٍ رأسُه مرفوع

الصوتُ وازِنٌ، الموسيقى وازِنة 

العنوانُ وازِن، الصديقُ وازِن، الجديّةُ، التكاملُ 

والمسألةُ ليست في التشويق، هي في محلٍّ آخر

كيف يعمل، كيف يفكِّر، بماذا يحلم 

ما حجم مسافتِه بالألم؟ 

رأسُه، في آن، رأسُ عصفور، رأسُ حيّة 

رأسُ بابون، رأسُ أتان ، رأسُ كبش

رأسُ ديناصور، رأسُ سلحفاة، رأسُ جبل

رأسُ حَمل، رأسُ نملة، رأسُ صاروخ، رأسُ إبرة 

المسألةُ ما دام هذا الرأس هو حتماً له أسباب هي جزءٌ مِنَ التكوين 

وما دامتْ جزءاً مِنَ التكوين، يجب كي تفهمَ التكوين أن تفهمَها

يقولُ قائل أنَّ الناس لهم شؤونهم، الحقيقةُ هي أنَّ السؤالَ يسبق

وهذا مِنَ البديهيّات، وفي آن ليس من البديهيّات

ليس كلّ بديهي بديهي، ماذا أن يُقال لا جوابَ قبل سؤال؟

السؤالُ سخاؤه لا ينضب، يبعث، ينطقُ، يعمِّرُ، يرفعُ، يزرعُ، يصنعُ 

هو أوّلُ مَنْ نزلَ، ومنذُ آلاف السنين، على سطحِ القمر 

فيما الجواب يأتي ولو بعد حين. 

***

محور مائل (2)

شوقي مسلماني

 

جمال امحاول...مِنْ بين السبايا نِسوة

يُجَرْجِرنَ ما تبقى منَ الحزن

...في قبضةِ أكبرِ السرايا

نسوةُ المدى بين الأسْرَى،

...جُلِبنَ من المدار

تٌزَفُّ منْ بينهن،

غِيدٌ حِسان

...كعرائسَ مكبلاتٍ بأغلالِ العشق

تُزف واحدةٌ تلوَا الأخرى

كقُبلةِ مَلَكٍ هاروتِي

...عاد من ذنبه المُغتَفَر

قابَ شكلُ قلوبهنَّ كصلْدٍ،

لم يشقُّه نَهْرُ الصداءِ المعفرِ

...كشقِّ الأنفُسِ في الأجسادِ المتلبِّدةِ بالموت

واحدةٌ منهن

قد تحوَّلتْ بنفسها إلى طاووس

...كحيلةٍ لتتحررَ من رِقِّها وتُشْكلَ الأمرَ عويصًا

طلبتْ لنفسها قصرًا أعلى،

من جبلِ الصقيعِ الشفاف

... في مهبِّ التيّارِ منَ الرياح المعصرات

من سردابِ الأسر

ذلك السحرُ يُحدِّثها بضرْبِ الرملِ خطًّا

وما تُخفيه أحرفُ الكف

...في خطوط الأحدَاث المعوقات

للمرةِ الألف

تجتمعُ نِسوةُ المدى

...على اجْتثاثِ جذعِ سبايا الإستواء

المكيدةُ تجري

بفضفاضِ التمتمات

حولَ آيَةِ الوجعِ السَّامي

الذي

.كوى قلباً، امْتدتِ العينُ إليه

...في صمتٍ، توارتْ وجوهٌ خجولة

تراختْ ملامحُ البحر

والشمسُ بقفطانها الذهبي

تُذوِّبُ القصر

...على حدباتِ ريشِ الطاووس

وتجري لُجَّةُ العطرِ بين أرجُل السبايا

ليستحمْن وينتفضْن

ليتوشحْن بمناديلِ السحاب

ويَختفِين في الأفق

حتى تستفيقَ شعلةُ الحرية

...من أسرِالظلام

***

جمال امْحاول - المغرب

1997/07/12

 

سوف عبيدفي داخلنا طفلٌ يبكي

ولا يرى دُموعَه أحدٌ

**

غُصَصٌ في صُدورنا

تظلّ مَوؤودةً في أعماقنا

ولا يسمعُها أحدٌ

**

في غَياهِب عُيوننا

 إذْ نُغمضُ جُفونَنا

تتراءَى لنا رُؤًى

لو كشفناها

لن يُصدّقَها أحدٌ

**

ومع ذلك

نبتسم

 والدّمعةُ تتلألأ في عُيوننا

نَصمُتُ

 والآهةُ في صُدورنا

ونضعُ نظاراتٍ سوداء

  ونمضِي

فلا يعرفُنا أحدٌ

***

سُوف عبيد ـ  تونس

 

جميلة بلطي عطريشُقَّ كَبِد الصّمتِ

يا حرفًا يستقِي المِدادَ مِنْ مُهجةٍ حائرةٍ

لا ترتبكْ

اخلعْ رِدَاء الذّهول

اِرْكَبْ سواقِي الحِسّ

وَميضَ ضياءْ

اِزْرعْ فِي درْبِ الوصولِ الزّنابق

أوْ

عَلّقْ نُجومًا علَى ساريةِ الوعْد

راقصْ لحظتكَ الغضّة

مِنْ عُمق الهَجِير حَرِّرْ صوتَكَ

فالرّبوةُ استدعتْ لكَ الغيمَ

في انتظاركَ نصَبتْ موائد الهَطْلِ

ملأتْ فناجينَ الرّفاهِ صَفَاء

شُقَّ كبدَ الصّمتِ أيّها الحرفُ

أنتَ أيْقونةٌ

بَلْ مَعزوفةُ الزّمان يُردِّدُها فِي فَمِ الكوْن غِناءْ

فِي رياضِ البيانِ

نضّدْ أزاهيرَ السّحرِ

تُطفئُ عَطَشَ البوْحِ ارْتِواءْ.

***

بقلمي...جميلة بلطي عطوي – تونس

 

بكر السباتينصادفها في مناسبة ثقافية.. أخذتهما التفاصيل إلى عدة لقاءات وحوارات هاتفية حتى اختتام الفعالية بنجاح.. ثم افترقا.

لكن صورة كل واحد منهما ظلت تتجاوب في رأس الآخر إلى حدود العربدة المفتوحة على المتخيل المحظور.. ولأنه شاعر وقاص فقد أخذها معه كأنها عشتار، ولاذ بها إلى ما درج على تسميته ببستان الروح في ذاكرته العميقة.. وهي منطقة مفتوحة على فضاءات لا حدود لها، مفعمة بغبار الطلع المتناثر في تناغم سحري مع أنفاس القصيدة وهديل الشوق وتسابيح النسائم. يحلق فيها مع أناس يحبهم ويستوحي منهم شخصيات قصصه ورواياته. شيء يساعده على التوغل أكثر في أعماق النفس البشرية كي يختبر أبطاله قبل أن يورطهم في خضم الأحداث وتفاصيلها، والحوارات المنسوجة، ومسالك النهر المرفود بالأحداث المتداخلة وصولاً إلى العقدة، وتفكيكها عبر الشلال ومن ثم إعادة تشكيلها وصولاً إلى بحر النهاية.

هذه المرة كان طعم اللقاء يختلف قليلاً، فشخصية عشتار كانت تخلب لبه حتى وهي تتمرغ على وثير القصيدة النابضة في قلب الأسطورة المفعمة بنكهة الربيع المطلل بضحكات زهرة النور، وقد أشبع الندى بتلاتها بالمعنى فيشتعل النهار.

اتصلتْ متوجسة بالكاتبِ الذي بدا لها ذات يوم كأنه مستودع لذاكرة لا تبور، ومشعل للطاقة الإيجابية من خلال بوحهما الذي انساب بينهما أثناء المكالمات الدافئة، هي تحرث اللحظات فيما يبذرها الكاتب بالشعر الدافئ. وكانت تزداد بهاءً بذلك فتحلق أمام مرآة غرفة نومها كأميرة حقيقية تكحلت بها الأساطير، تتلمس ذلك الجسد المرمري بأناملها الرقيقة وترطبه بنظراتها المفضية إلى سحابات الروح وهي تمطر قمحاً، وأنفها الأفطس الصغير كأنه أنف قطة شقية وهو يظلل فمها المبتسم، وقد سحب بغمازتين ناعمتين خفيفتين إلى حدود الفرح، فبدا الأنف كغزالة ترتوي من نبع السعادة الغامرة لترفع رأسها كأنها تبوح بأسرار الورد والماء.. كانت عيناها سوداوين ساحرتين فيهما بريق ويعلوهما حاجبان سميكان، وكانت إذا ضحكت يشرق النهار، وبدا جسدها المرمري البض كأنه تمثال لآلهة إغريقية.. ممشوق القوام وقد أخذت المنحنيات طريقها من الكتفين الرقيقين فالصدر المورق بثديين مكتنزين وصولاً إلى الخصر الضامر المياس والأرداف الرشيقة حتى أخمص القدمين.. كأنه أيقونة تستحم بنور الكلمات، لتورق الروح في انسيابية تفاصيله المرسومة بخيوط الشوق، وروح فنان مغموسة بالوجد وهو يحاور بقلبه الملوع حمرة الغسق في الربيع. وكانت هذه الأميرة تنتعش وهي مأخوذة بجمالها أمام المرآة كلما لمعت في عينيها كلمات الكاتب؛ فتميل بوجهها المحمر خجلاً، حتى يتراقص شعرها الطويل المنسدل من رأسها حتى ما دون الركبتين، كأنها عشتار تحرض الغيم على المطر.. ولهذا كان الكاتب قد ظفر ببطلة جديرة بروايته التي افتقد شخوصها أميرتهم المجهولة.. وكان أن توقف القلم عند كلمة فجاءت الأميرة... .ثم سكت الراوي عن البوح متسائلاً أثناء حيرته التي ألجمته:

ترى من هي!؟ وكيف تكون!؟

لم يجد حينها الإجابة الشافية وظلت الحيرة تأكل رأسه فتُعَثر من مسيرة الأحداث حتى أدمن الراوي النوم على مقعد الانتظار، إلى أن جاءت الصدفة التي جمعته بالحورية ذات الشعر الطويل.. فلم يجد بداً من اختيارها لتشاركه فردوسه الروحي المتواري خلف الزمان والمكان في غياهب قلبه المرهف، وكان يدرك أيضاً أن لكل مبدع فردوسه الذي يلوذ إليه في الأزمات حيث الخيال المنفتح على كل اتجاه.

فماذا جرى حتى تصدمه الأميرة بقرارها المفاجئ!؟ هل كذبت عليها المرآة! فما الذي خدش مزاجها إلى درجة أنها لم تملك أن تسامح رجلاً أدخلها جنة روايته! هي تدرك ذلك لأنها تقرض الشعر وتدمن نبيذه.

ها هي في حيّز وعيه تلقي إليه بحجر. كانت تتغافى في أحضان السؤال الذي لازمها طويلاً حتى تحررت منه، فيتشاقى معربداً على لسانها قبل أن يدمي قلب الكاتب المغبون.

هل كانت قبل هذه المكالمة الحاسمة تجاريه حتى لا تجرح مشاعره فتقول له:

هذا فراق بيننا، فقد بتَّ تزودني بالطاقة السلبية فاغرب عن وجهي.

فيسألها عن السبب فلم يحر جواباً. وبعد إلحاح شديد، رمته بتهمة أنه تقصد التقليل من شأنها.. لا بل واتهامها بالغرور في إحدى ومضاته التي اعتاد نشرها على صفحته في مواقع التواصل الاجتماعي، وقدرت أنها تلك الجميلة التي صارت تزوده (كما يلمح الكاتب) بالطاقة السلبية كونها جميلة وفق وصفه لها.، فهل كانت كلماته فيها مجرد تفريغ لطاقة الملل السلبية أم هي عبث وتزويق أجوف لا عمق فيه، قالت له معاتبة:

أتعبني جمالي الذي بات في نظر البعض كتاج على رأس طاووس.. ألم تلمح إلى ذلك!؟ وقد كنت قبل ذلك في نظرك غزالة قلبك !

ألم يصفها بالسنونو الذي يضج قلبه بالحكايات الجميلة!؟

وها هي تسأله بقسوة:

ألم تتلفَحْ بكلامك الجميل شَعَرِيَ الطويل ووصفته بأنه منسدل على قدّي المياس!

حتى أنك أرسلته ببوحك الجميل ليتشاقى مع الريح!

فما دمت في نظرك مغرورة بجمالها، ومصدراً للطاقة السلبية، فأخرجني من روايتك ولا تسكب مشاعري في نهرها الذي سيأخذه البحر إلى غياهب الحكايات التائهة في دروب السندباد الذي لن يعود .

لكنها لم تصدق بأن الكاتب لا يطلق الكلام كالرصاص على أحد.. يستطيع هو أن يواجه الظلم ويتمترس إلى جانب الحقيقة؛ لكنه سينأى بنفسه عن تصفيد الزهور بالقيود، أو تكميم البلابل كي تُخرَسَ الغابة .. فماذا يفعل الكاتب إذاً إزاء قلب أميرته الذي ما زال نابضاً في روايته! فهل يخرجها عنوة من ظل سنديانة الروح المتجذرة في حشاياه، وهي تفترش فضاءات خياله، في فردوسه الذي يتنعم به المًلهِمُوْن، ليتسللوا إلي عالم رواياته ودوَّاماتِها أثناء غيبوبة الكتابة!

هذه المرة كانت كالريح إذ تمتطي صهوة الجواد، متحررة من عبء السؤال الذي ألقته على الكاتب عبر سماعة الهاتف صارخة: إخرجني من النص لو شئت فقد جرحتني بالأمس وما عدت أحتمل.. فزودتني بالطاقة السلبية التي تذبل الوردة وتجول الحديقة إلى يباب.. تركتني أعوم في دوامة البحث عن الذات .

كانت أميرته كالسنونو يضج قلبها بالحكايات المنثورة كالرحيق في مباسم الزنابق والرياحين. كانت امرأة جميلة، اقتحمت وجدانه المفتوح على فضاءات الروح ، امرأة غاية في الروعة والبهاء.. محجوبة عن عيون الفضوليين.. لكنها ما أن تنسمت عبير حديقة الكاتب الغناءة بالشعر.. حتى فردت جناحيها لتبدي ألوانها.. كفراشة تتهادى على الخزامى كي تعِبَّ من نبيذها الفواح.. تهيم في ظلال المكان أسيرة للكلام المورق كشقائق النعمان على ضفاف النهر.. كأنها أغنية أندلسية تحررت من قيود الوزن في شعر ابن زيدون لتعود إليه كلما جن إليها الليل.. أو حَنَّتْ إلى عبقِها روحُهُ التي يأنفها الغياب . فالتقط الكاتب السؤالَ وطواه تحت لسانِه قبل أنْ تجرح أشواكُه قلبَه المفعمُ بالوجد. ويتذكر الكاتب كيف أغرقتهما الحيرة في الصمت، ونمت بينهما عبر الهاتف دهشة طفولية أخذت تتحرر من قماطها.

يتساءل الكاتب كيف يخرجها من روايته وهي مغروسة في حرثها كحبة قمح! حتى استحوذت على أجوائها السنابل.

و يهمس في قلبه الرجاء:

لا ترحلي يا أميرة الوجد، فشخوص الرواية سيأبون التفاعل مع قلمي لو باغتك الغياب.. بعد أن نثرتِ بذور الحب بينهم.. وملأتِ المكان بطاقة الحياة، وتعلموا منك كيف يضاء النهار.. وكنت تختالين بينهم راكبة فرس البهجة بشعرك الطويل، وهي تصهل بالأحلام الجامحة.. فتتباهى به النسائم وهو منسدل على قوامك الممشوق، وهذا الوجه الذي انتزعه الشِّعْرُ من أعماق الأساطير، وقد اغتسل بابتسامة المنوليزا.. ثم تلقين شَعَرَك على ذراع الريح، فيملأ الفراغ بتكوينات حلزونية تسر البال وتبهج القلوب، كأنها طاقة كونية لخصتها ابتسامتك بالأمل الذي يجلب المطر. تتأملين الحقل فتبتسم السنابل وتبتهج القلوب.. الرواية بدونك يا أميرة الروح أمل مفقود.. وشقاء لكاتب.

***

قصة قصيرة

بقلم بكر السباتين

................

مقطع من روايتي القادمة

 

 

 

جمال مصطفىغـزالـة

في بـسـتـانِ عـمَـر الـخـيّـام

آوَيْـتُـهـا : تـأكـلُ مـا تَـشـتـهـي

مِـن ورْدِ بـسـتـاني

 

غـزالـةٌ عـرجـاءُ مـسْـكـيّـةٌ

وظِـلْـفُـهـا قـاني

 

أصـابَـهُ طـائِـشُ أحـجـارِهـمْ

أولادُ جـيـرانـي

 

أشـربُ والـريَـحـانُ حـانُ الـذي

مَـلَّ مِـن الـحـانِ

 

تَـشُــمّـني شَـمّـاً كـأنَّي بِـهـا

تَـفْـقَـهُ تَـحْـنـانـي

 

فَـكّـرتُ : أصـطـادُ غـزالاً لَـهـا

وَحْـدي وغِــزلاني

 

لـكِـنّـهـا نـافـرةً أدبَـرَتْ

عَـنّـي كَـسَـجّـانِ !

**

يـقـول الـمُـجـنّـحُ :

تَـحـتـي سـمْـرقـنـد

سُـبـاعـيّـتي الـيـومَ : صـبْـرٌ جـمـيـلُ

عـلى شَـرْطِ رنْـثى الـقـديـمِ الـجـديـدِ

 

يُـبـادِرُنـي صـمـتُـهـا : أنتَ غـولُ

اُعـلّـمُـهُ الآنَ عَــزْفَ الـكـمـانِ

 

اُقَـزّحُ أقـواسَـهُ ، لا أقـولُ

ولكنْ يَـقـولُ الـصـدى: مِـن بـعـيـدِ

 

عـلى قَـدْرِ تَـوْقِ الـحـصـانِ الـصهـيـلُ

صـهـيـلٌ لأسـطــورةٍ عـن حـصـانِ

 

يَـقـولُ الـمُـجـنّـحُ : شـوْطٌ نـبـيـلُ

وتَـحـتـي سمَـرْقَـنْـدُ ، رنْـثى أعـيـدي

 

أعـيـدي عـلى الغـولِ ، سمعـي ثـقـيـلُ

اُحـبُّ الـجـوابـاتِ أعـلى فـأعـلى

 

مـقـامُـكِ رنْـثـى

الـشَـمـولُ ــ الـشُـمـولُ

وحـالـي مـدارُكِ حَــوْلَ افـتـتـاني

**

الـسِـحْـرُ الأزرق

تُـغْـرِقُـني في سِحْـرِهـا الأزرقْ

سـاحـرةٌ تَـقـولُ : لَـنْ تَـغْـرَقْ

 

كِـتـابُـهـا شُـبّـاكُ إطـلالَــتـي

عَـليَّ ، إذْ كِـتــابُـهــا أطـبَـقْ

 

وجَـدْتُـنِي في حِـبْـرِهِ سابِـحـاً

وقَـشّـةٌ تَـصـيحُ : لا تَـقْـلَـقْ

 

مَـنْ نَـطَّ مِـن شبّـاكِهـا عـادَ كالْـ

هُـدْهُـدِ مِـن حـدائِـقِ الـمُـطْـلَـقْ

 

فـلا تَـكُـنْ كـضـفـدعٍ خـائِـفٍ

إذْ طـارَ ظـنَّ اصطـادَهُ اللـقـلَـقْ

 

قَـرأتُ فـي كِـتـابِـهـا قـصَّـةً

عـنْـوانُهـا أفعى على الـزنْـبـقْ

 

خـفْـتُ فَـلَمْ أغـرَقْ ويا لَـيـتـني

غـرقْـتُ في طـلَّـسْـمِهـا أعـمَـقْ

**

قـراءةٌ خـلْـدونـيّـة

إلى نـديـم

أنـفُ الـفـيـلِ إنـاءٌ

نجلسُ تحتَ الأشجارِ

غـزالٌ ، بـورانْ

قـفَـزَ الـولـدُ ، الـبـازُ يَـطـيـرُ

إغـسـلْ يَـدكَ ، أكلتُ الـعِـنبَ

نـديمٌ نـامَ ، الـقـمـرُ منـيرُ

الـنـاقـوسُ يَـدقُّ

حـريقْ

**

مـدارُ الـتـركـوازِ

دخـلتْ مـدارَ الـتـركـوازِ

جـوزاءُ ، شـاهـقـة ُ الـمـجـازِ

 

طـمْـأنْـتُـهـا : حـقْـلُ اهـتـزا

زِكِ ذاتُـهُ حـقْـلُ اهـتـزازي

 

وصَـدَقْـتُ لَـمّـا قـلـتُ : إنَّ

يَـمـامـتي أُخـتٌ لِـبـازي

 

بـازي نَـبـاتيٌّ ، وإنَّ الـتَـمْـ

ــرَ صـحْـنيَ بامـتـيـازِ

 

(متَـقـلّـبُ الأطـوار ِ ) هـل

حـقّـاً وتَـلْـمـزُ باغـتِـمـاز ؟

 

حـقّـاً ولـكـنْ مِـن هُـزا

مٍ إنْ طـربْـتُ الـى حـجـازِ

 

الـمـاءُ مـاءٌ إذ يَـسيـلُ ،

وليس منجـمِـداً وغــازي

**

راحَـةُ الأرواح

إرفـعْ أذانَ الـفـجـْـرِ صـدّاحـاً عـلى نـغَـم ِ الهُـزامْ

هـل نَـنـتشي طَـرَبـاً ونُـؤْجَـرُ ؟ أيْ نَـعـمْ رَدَّ الإمـامْ

مُستَـطـرِداً : وَلَـراحـة ُ الأرواح ِ في هـذا الـمَـقــامْ

لـو عـانَـقَ الـطَـرَبُ الـتـلاوةَ أيُّ ضـيْـرٍ ، هـل يُـلامْ

مَـن عَـشّقَ الحُسنى مع الحُسنى فـأبـدعَ واستهامْ ؟

طـوبـى فـكـلّ بـديـعـةٍ حُـسْـنى حـلالٌ كـالـمُـدامْ

إلاّ ضـمـوراً في الـضـمـيـر فـإنّـهُ عـيْـنُ الحـرامْ

**

أبـو نـديـم الـعـطّـار

هـاكَ خَـشخـاشَهـا الـذي يَـتَـدَلّـى

في انـزوائي بـضـاعـةً ومَـحَـلّا

 

أنا عـطّـارُ زهـرةٍ مِـن سَـمَـرْقَـنْـ

ــدَ وعَـشّـابُ وصـفـةٍ لَـيـس إلاّ

 

ومَحَلّي هـل قـلْتُ عُـذْراً : مَحَلّي

هـوَ قـبْـوي :

إنْ زرْتَ أهْـلاً وسَـهْـلا

 

ها هـنا في الجِـرارِ زيتٌ مُصَـفّى

لـيـس في الـسوقِ مِـثْـلُـهُ الآنَ

أصْـلا

 

إنّ مخـطـوطةَ الـفـراديـسِ عـنْـدي:

كيـفَ يُـؤتـى بِـشايِـهـا ،

كَـيـف يُـغْـلـى

 

وإلى الـقـبْـوِ يـنـزلـونَ فُــرادى

ويُـحـيـطـونَ بالـسمـاورِ شُـغْــلا

 

لـيـس شغـلاً ، وإنّـمـا رَشَـفـاتٌ

يَـتَـعـاطى رحـيـقَـهـا الـصَـحْـبُ

نَهْـلا

***

جـمـال مصطـفـى

 

 

فالح الحجيةمهداة لشهداء انتفاضة اكتوبر 2019

***

أفديكَ ياوَطنَ العُروبــةِ عِزّنـــا

كلُ القلــوبِ بِحُـبّـهِا  تَتَـــوَحّــــدُ

.

أرضُ العُروبةِ مَوطِنٌ لِجِهادِنـا

بِنِضالِنــــا  وَوَفائِنــــا تَتَــــورّدُ

.

فالقلبُ يَصْدحُ ساعِيا عِنْدَ اللقــا

مُتَشَـوِّ قاً  للموتِ فيــهِا وَيَـــزْدَدُ

.

هذا العُـراقُ بِحبّهِ تَسْــمو النُّهى

فيهِ الرّجــالُ  تَسابَقَتْ  تَتَجّلّـــدُ

.

وَبِهِ الشّـهادَةُ  تَزْدَهي  بِرِحابِها

والخيرُ كلُ الخيرِ فيمــا تَرْفُــــدُ

.

يا أيّها الوَطن ُ العَظيمُ بشَـــعْبهِ

وَبذِكره ِالفَـوّاح يَعْلـو وَيَصْمُــدُ

.

وَتَسامَتْ الابطالُ في أحْضانِـــهِ

وَتدافعَتْ  نَحو الرّدى  وَلِتَسْــعَدُ

.

الشَّــعبُ أقْسَمَ أنْ يَعيشَ مُنافِحــا ً

ذُ لَّ الهَوان ِ. شُموخُهُ يَتَــجَـدّ دُ

.

زُمَرٌ تُزَفُّ الى الشّــهادَةِ  تَرْتَوي

شَهَدَ الجِنان ِ فَتَبَسّمَتْ  وَتُزَغْــرِدُ

.

يومَ الشّــهيـدِ فَتَعاظَمَت  أ نْــوارُهُ

لِتُضيئَ  فَجْراً في الحَيــاةِ وَتَجْهَــدُ

.

وَتَعالتِ الاصْواتُ في حَلَبــاتِـــه ِ

وَتَزَيّنَتْ عُبقَ الـــوُرودِ وَتَــزْدَ دُ

.

كلُّ البــِـلادِ تَوشَّـــحَتْ بِسَـوادِها

وَالحاقِـدونَ نُفوسُـــهمْ  تَتَسَـــــوّدُ

.

زُمَرٌ وَمِنْ حُفَـرِ الدّماء ِ رَواؤهُمْ

انْ ضاقَ في بَحْر ِالحَيـاةِ المَوردُ

.

وَتَسامَتْ الأرواحُ في أ لق ِ الرَجا

وَتَسامَقَتْ نَحو العُـلى  تَـتَــمَـــرّدُ

.

فالحَــقُّ تَهْـدُ رُ عاليــاً أصْــواتُــه ُ

والخَيـرُ يَنْبُتُ غَرْسُــــهُ  يتــفـــرد

***

شعر : فالح الكيــلاني

 

 

يوسف جزراويجلستُ قَرْب المَوْقِد

أُحدَقُ في تَرَاقص النار

بينما نوافذ البلد

يدكّها عَصَف الإعصار

فلمحتُ قسمًا من شعبي

يجري مُلوّحًا بالزهور

لشبانٍ اِحتَضَنتَهم  القبور!

أما القسم الآخر

كان يركَضُ صوب النّوى

مُلوّحًا للوطنِ المنكود

بكفِ قلبه المكسور!

**

في كلا الأمرين

كنتُ أركضُ معهم

أسرَع من الخيل

إلى مصيرٍ مجهول

ولم يوقفنا

سوى نخيل

أحرقُه رَّمادُ الحروب

***

يوسف جزراوي

 

الهام زكي خابطيا وطني لكَ التحية

لكَ الفجرُ السنـي وليالٍ قمريـة

لكَ البهاءُ المشـرقُ

والحياةُ الزاهيةُ الأبيـة

يا وطني ألفُ تحيـة

لرايةٍ ترفـرفُ

فـوقَ روحِ الشهـداء

لفـداكَ راحتْ ضحيـة

يا وطناً يسكـنُ فينـا

فـي مجلسنا ، فـي مآكلنـا

فـي حاضرنـا وماضينـا

وصـوتٌ كصـوتِ الناي

مـن عمـقِ الرافديـن

يشجينـا

ودمعُ الحنينِ رقـراقٌ

فـي مآقينـا

وعشتارُ ما فتئَت تسـألُ

كيف عبثَ الطغـاةُ

فـي أراضينـا

ما جـاءَ حاكمٌ باسمِكَ يحمينـا

بل ذئابـهُ تطاردنـا وتؤذينـا

مذبوحـةٌ فيكَ

أطيافُ الحريـة

و العـدلُ فـي المدافـنِ

أو ساكـنُ البريـة

هـا قـد صحونـا

على نـواحٍ وعويـلٍ

وهجـرةٍ ظالمـةٍ قسريـة

مـن بيتنا سُـرقَ الفجـرُ

وبسمـةُ الشمسِ الذهبيـة

و رعشـةُ خـوفٍ

فـي قلوبنـا تناسلت

مـن جحيمِ الطائفيـة

ورغـمَ كلَّ الأذيـة

يا وطني لكَ التحيـة

لكَ المجـدُ المعبقُ بالخلـودِ

والثباتُ المسلـحُ

بالصمـودِ

فـي وجـهِ الطغـاة ِ

أولادُ الـزنـا

والمواخيـرَ السلفيـة

يا وطني

لكَ ألفُ تحيـة وتحيـة

***

إلهام زكي خابط

 

آلاء محموديتوق الصامتون الى صخب الحروف

الى مواصلة الرقص

فوق الاوهام

معانقة الفرح ولو كذباً

يحلمون بوطن

يستفيق عشقاً

وينام ثملاً

بلحن حياة

كم من الانكسارات تمضي بقلوبهم

في حقائب مدججة بالرحيل

كم من حلم

دفنوا جثته دون قبر

لأنه لم يكن على مقاس خيبات وطن

يستفزه ضجيج الأحلام

ليس غريباً

أن يعتقلك احساس

أو تسجنك كلمة

فما عادت قلاع القصائد

تحمي من عبثية النهايات المستترة

كل ما يملكونه بندقية صمت

محشوة بحروف عشق

وفي زمن الكبرياء الخادعة ،

قد تقتلك رصاصة غرام

وتحييك قذيفة خداع!!!

***

الشاعرة العراقية آلاء محمود

 

انمار رحمة اللهيتلفّعُ حارسُ المدرسة بشماغه، ثم يهمّ بتشغيل سخّان الشاي الكهربائي، تحضراً منه لليلة أخرى، يبات فيها في غرفته القابعة عند زاوية المدرسة. جولتان تفقديتان له، الأولى بعد خروج التلاميذ، ينتقل بين الصفوف متأكداً من إغلاق أزرار الكهرباء، وحول سياج المدرسة ليستقر بعدها قليلاً عند ناصية الشارع، يمط الحديث مع جاره البقال.. وجولة أخرى قبل أن يدخل إلى غرفته ليلاً، يتأكد فيها من خلو الساحة وما يحيط بالصفوف من ممرات ثم الحديقة.. يرد على أهله حين يقترحون عليه الحذر في عمله:

" من يسرق مدرسة ؟! لا شيء فيها سوى الكتب والرحلات.. أربعون سنة وأنا حارس ولم أر غير القطط في حديقتها تموء وتتكاثر"

يُقرِّبُ طرفَ الكوب من شفته، يرشف الشاي ويضع الكوب مرة أخرى على الأرض، باحثاً عن علبة السجائر خاصته. الريح تزمجر خارج الغرفة، تحركُ الأشجارَ بعنف، وأبواب بعض الصفوف الخالية من الأقفال بدأت تلطم بصوت ارتطام معدني شديد. ينزعج الحارس من هذه الأصوات، ثم يقرر النهوض ودفع (رَحْلة) ووضعها على طرف كل باب بعد فتحه على مصرعيه وحجزه.. يبدأ بأبواب الطابق الأرضي ثم أبواب الطابق العلوي ، يصعد إليه متجهاً إلى الجانب الشمالي منه، ينهي المهمة ثم يعود إلى الجانب الآخر المقابل، يمر على الأبواب ويدفعها بكفه الواحد تلو الآخر متأكداً.. يتسمر في مكانه حين يرى ضوءاً نافذاً من الفتحة أسفل باب الصف الأخير. يستعيد في ذاكرته ويتمتم " عجيب.. كيف لم أطفئ زر النور هنا". يدفع الباب بكفه فيفيض نورٌ مشع من جوف الصف، يكاد الحارس أن لا يرى كفه من شدة النور وسطوعه. ومع النور الساطع يستمع إلى ضحكات وهمهمات ودوي، ثم نقرات منتظمة على الرحلة وصوت جهوري لرجل يهتف " يكفي هذا... اصمتوا قليلاً.. لنبدأ الدرس."

***

يخفت النور شيئاً فشيئاً بعد نفاذ الحارس في سمكه الضوئي، واضعاً كفه فوق جبهته كمن يحتمي من سطوع شمس في ظهيرة لاهبة. يهتف بصوت فضحه ارتعاش شديد" من هنا..؟ ماذا يحدث..؟! ما هذا الضوء وكيف دختلم؟!". التلاميذ يجلسون بشكل مرتب، تلاميذ ضوئيون، عيونهم يتسرب منها بريق مشع، وشعورهم تتماوج كشعلات نيران متقدة. حقائب وكتب ضوئية، وأصوات ضحكاتهم حين سمعوا تلك الكلمات من الحارس كانت ذات صدى يتكرر ثم يذوب في فضاء الصف.. يهتف الحارس بصوت عال" يجب اخبار المدير. يجب إخبار دائرة التربية.. ماذا تفعلون هنا في هذه الساعة، وما هذا الضوء.. يا ربي .. أنا أحلم أم ماذا ؟!.. عليّ النزول والاتصال بالمدير والشرطة فوراً". يلهث الحارس بعد جملته الأخيرة، وزاد لهاثه حين وضع الرجل الضوئي كفه على كتف الحارس وخاطبه بصوت صدوي رخيم" اهدأ... أبا جابر.. إلا تذكرني؟!". ارتعشت ساقا الحارس وهو يطالع وجه الرجل.. ثم خرجت الكلمات من فم الحارس متقطعة بحشرجة " من..؟ أستاذ زكي.. رحماك ياربي.. استغفر الله.. أعوذ بالله.. أستاذ زكي..؟!! ماذا تفعل هنا". ضحك المعلم وضحك التلاميذ و ردَّ الرجل على الحارس "على رسلك أبا جابر.. أنا هنا في درسي.. هؤلاء تلاميذي إلا تذكر؟.. يخاطب الحارسُ المعلم قائلاً " ولكنك متوفي .. أنا بنفسي حضرت مجلس عزائك قبل ثلاث سنوات!!.

***

بعد منتصف الليل.. نتجمع هنا دائماً ( يقول المعلم)

أنتم من الجن .. أنتم أرواح.. دخيلك يا ربي.. أعوذ بالله.. غادروا المكان.. بسم الله الرحمن الرحيم، أعوذ بالله من... ( يصرخ الحارس مغمضاً عينيه)

يضحك التلاميذ..

***

يجلس الحارس على الأرض، يتلمّس ساقيه اللتين خارت قوتهما. يطالع بفم متيبس المشهد أمامه، ويطالع المعلم (أستاذ زكي) الذي يلوّح للتلاميذ ثم يمسك كتاباً يسيل منه رذاذ ضوئي ذهبي. يترك الحارس المعلم ويظل يطالع التلاميذ لبرهة ثم ينفجر متسائلاً:

- أستاذ زكي.. هل هؤلاء التلاميذ أرواح مثلك؟

يبتسم المعلم ويجيب :

- نعم بلا شك.. هؤلاء كلهم تلاميذ أنا درستهم في هذه المدرسة، لقد توفينا جميعاً. سأجعلهم يعرفون أنفسهم أمامك.. لا بأس.. أنت ضيفنا هذه الليلة.

يشعر الحارس بالراحة، بعد أن وضع كفه على صدره قائلاً

- على رسلكم معي.. صدري يؤلمني.. قلبي يكاد يتوقف

يهون عليه المعلم ثم يقف متوسطاً الصف ويشير إلى التلاميذ قائلاً:

- من اليمين.. كل تلميذ يعرّف نفسه ويعود إلى رحلته

يطير أول تلميذ جالس على اليمين، محلقاً في فضاء الصف ناثراً رذاذا ذهبياً، قائلاً:

أنا عدنان.. توفيت في حادث سير

التالي ( يهتف المعلم):

أنا سمير.. توفيت بمرض عضال

أنا معتز.. توفيت في القصف

أنا أحمد.. غرقت في النهر..

أنا أمين .. توفيت في انفجار مفخخة..

أنا... أنا... أنا...

ينتهي التلاميذ من تعريف هوياتهم ..

يشكرهم المعلم..

يضع الحارس شماغه على وجهه وينحب..

***

يستأذن المعلم من الحارس" لقد أنتهى درسنا الليلة" يقول ثم يطلب من التلاميذ تجهيز حقائبهم الساطعة، والخروج بانتظام من باب الصف.. " إلى أين ..؟!" يهتف الحارس فيرد عليه المعلم( أستاذ زكي): " إلى المنزل... هناك.. في ( سوبر نوفا) ويشير بأصبعه صوب السماء ذات النجوم المتلألئة ليلتها.. يطير التلاميذ سرباً الواحد تلو الآخر، ثم يشكر المعلم الحارس ويودعه خارجاً من الصف محلقاً وراء تلاميذه، فتحل العتمة في الصف. يخرج الحارس ناظراً إلى الأرواح المحلقة صوب النجوم.. في اليوم التالي تتوالى التلاميذ إلى المدرسة أفواجاً كعادة الدوام الرسمي الصباحي، يتجمهر التلاميذ في ساحة المدرسة، يقف المعلمون بوجوه جامدة. يُقرأ النشيد كما هي العادة ثم ينصرف الجميع إلى صفوفهم. يطالع الحارس وجوه تلاميذ الصباح، ويتذكر مشهد ليلة البارحة. مسترجعاً مشهد تحليق زملائهم المتوفين صوب النجوم. يتأفف ويشبك كفيه وراء ظهره ويغادر صوب المنزل بعد أن سلم المدرسة للإدارة كما هو المعتاد.. يتمتم مع نفسه أثناء سيره" لن أخبر أحداً بما جرى حتى أهلي.. سيقولون عني مجنوناً خرفاً.. أفضل خيار عندي هو الصمت".

***

يشغل الحارس ( أبو جابر) سخان الشاي، ويضع سيجارة في فمه، متشوقاً إلى رؤية المعلم وتلاميذه مرة أخرى.

" إن لم يأتوا الليلة سيتأكد لي أن ما رأيته البارحة كان وهماً" ( يخاطب نفسه).

ينتصف الليل فيخرج الحارس من غرفته ليطالع المدرسة التي تغط في عتمتها. يصعد السلم المؤدي إلى الطابع العلوي، يقترب من باب الصف الأخير فيرى ضوءاً يتسرب من أسفله فيبتسم..

***

( بعد مرور سنة)

يغني التلاميذ الضوئيون نشيداً بمساعدة الأستاذ زكي. يُفتح الباب عليهم فيدخل الحارس (أبو جابر) فيتوقف الحضور عن الغناء مرحبين بأصوات متفرقة به. يضحك الحارس ويخاطب المعلم " أنا انتظركم أستاذ زكي.. متى تنتهون؟". يرد عليه المعلم " لم يبق لدينا الكثير.. نشيد الذكريات حفظناه وصرت أختبرهم به.. أنت ماذا فعلت؟". يجيب الحارس وعلى وجهه ابتسامة عريضة" أنا ذهبت إلى غرفتي وطالعت أغراضي.. أخذت جولة حول المدرسة، لم يكن الأمر كما في السابق، لقد كنتُ سابقاً أنهي عملي بدقة، أما الآن...!". ضحك المعلم وقال لأبي جابر الحارس " لا بأس.. أنت الآن أكثر راحة من ذي قبل.. سننتهي وشيكاً ونرحل".. ينهي المعلم درسه ويطلب من تلاميذه أن ينتظموا طيراناً في الفضاء. يطير التلاميذ فرحين صوب (سوبر نوفا)..

ينده المعلم على الحارس " ها... أبا جابر.. هل حان وقت الرحيل أم ماذا؟".

يردُّ الحارس متمتماً " نعم بلا شك... هيا بنا.. كنت فقط أتأكد من المدرسة.. اللعين الحارس الجديد لا يبات فيها مثلي سابقاً"

يربت المعلم على كتف الحارس، فيتساقط رذاذ ضوئي مذهب من كتفه، ثم يطير الاثنان صوب السماء.

 

أنمار رحمة الله

........................

* سوبر نوفا: حدث فلكي يحدث خلال المراحل الأخيرة لحياة نجم ضخم، حيث يحدث انفجار نجمي هائل يقذف فيهِ النجم بغلافهِ في الفضاء عند نهاية عمره، ويؤدي ذلك إلى تكون سديم ينشأ، يكوّن غلافاً من رذاذ ضوئي في الفضاء شديد البريق.