ريكان ابراهيم

على هولِها..

أُحِبُّ مَشاهدَ يومِ القيامة

أُحِبُّ الجِبالَ إذا سُيِّرتْ

وشمْساً إذا كُوِّرتْ

أُحِبُّ العِشارَ إذا عُطِّلتْ

أُحِبُّ انكدارَ النجوم...

فيومُ القيامةِ عُرْسُ الإلهِ

على اليابسةْ

وفي آخِرِ العُرسِ تنطفئُ الأضويةْ

ويخلَعُ عُرسانُهُ الأرديةْ

**

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ القيامةَ حَقٌّ تحقّقَ،

يعني: انتَصرْ

وقد عِشتُ عُمْراً ولم أرَ حقّاً

على باطلٍ ينتَصرْ

**

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ الجِبالَ التي أفحمتْني بقاماتِها

ولمْ تَحْنِ هاماتِها

أراها تسيرُ أمامي ذليلةْ

وقد أعْدمتها النهايةُ كُلَّ وسيلةْ

فما عادَ فيها الشموخُ ولن تدّعي الكبرياءْ

وما من قويٍّ أمام القضاءْ

**

أُحِبُّ القيامةْ

ففيها أرى الشمسَ قد كُوِّرتْ

وكانتْ إذا أشرقَتْ أحرَقتْ

وقدْ أحرقتْ لي ثيابي

ولكنّها اليومَ باردةٌ مثلَ خَمْرِ

الخوابي

تُفتِّشُ عن كُوّةٍ من ضياءْ

وعن آمِنٍ من مكانْ

لتخلَعَ عن قُرْصِها العُنفوانْ

**

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ العِشارَ بها عُطِّلتْ

وكانت إذا ولَدتْ تَلِدُ الفاجرينْ

فيزدادَ كُفْرٌ

ويُزهِرَ عُهْرٌ

وتزدحِمَ الأرضُ بالساقطينْ

**

أُحِبُّ القيامةْ

ففيها يُغادِرُ تلكَ النجومَ الضياءْ

ويَسودُّ وجهُ السَماءْ

ويعتذرُ البدْرُ عن نورهِ

ويُطفئُ مِصباحَهُ في حَياءْ

**

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ القيامةَ  عُرْسٌ لكلِّ مُعذَّبْ

ويومٌ به يأخذُ الضُعفَاءُ

جميعَ الحقوقِ من الأقوياءْ

ويحبو به الظُلمُ حَبْوَ الرضيعِ

أمام الفَناءْ

**

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ القيامةَ تَعني القيامَ

من الذُلِّ في كبْوةِ الصادقينْ

**

أُحِبُّ القيامةْ

لأنَّ قيامَ القيامةْ

دليلٌ بأنَّ هناكَ قيامةْ

وإلّا فلن ينتهي العُهْرُ يوماً

ولن يكتسي فاجِرٌ بالندامةْ

***

د. ريكان إبراهيم

 

 

عبد الله سرمد الجميلوعمِلْتُ في غسلِ الصحونْ،

في مطعمٍ متوسِّطٍ وأُميِّزُ الأشخاصَ من وجباتِهم وصحونِهم لا بالعيونْ،

منهم تعودُ صحونُهم بيضاءَ لا شيءٌ بها،

ولرُبَّما أكلوا الزجاجَ كأنهم من ألفِ عامٍ جائعونْ،

منهم تعودُ صحونُهم فيها دماءٌ لا تزولْ،

عِشْتُ الحياةَ معَ المطابخْ،

طولي يُقاسُ بطولِ أعمدةِ الصحونْ،

فقصائدي مكتوبةٌ فوقَ الصحونْ،

وحبيبتي فوقَ الصحونِ رسمْتُها،

فرشاتيَ السكّينْ،

مُتغزِّلاً فيها همسْتُ: كمثلِ شوكاتِ الطعامِ أصابعي،

فخذي يديَّ لإيِّ عُضوٍ ترغبينْ،

لكّنني جدّاً حزينْ،

غسّالةً جلبُوا،

يدي تشتاقُ للماءِ السخينْ،

***

د. عبد الله سرمد الجميل

 شاعر وطبيب من العراق

 

صحيفة المثقفالفايروس

الذي يمقتُ الحب،

يهوي على العشاق،

يتلذّذ بالفرقة،

وبالخصام.

 

رسائل،

كلّ ما يصادفنا،

ليس إلا رسائل.

 

أين العناق،

أين رَبتة على الكتف،

أين مَسحٌ على رأس اليتيم،

أين صدور الأحبة،

عليها نرتمي.

 

أحضان الأمهات قِفار،

وقبلات العشاق أبْكِمت،

فلا كفّ إلى كفّ تُمدّ،

ولا شفة من شفة،

ترتوي.

 

الطبيب،

الجلادَ غَدا:

تجنّبوا العناق،

احذروا الحب،

وظلالَكم تأبّطوا في الجدران.

 

ألم تكن قبلُ تدّعي أن

العناق سلسبيل إلى الروح،

وأن الاحتضان به تُعشب الحياة؟

 

رسائل،

كلّ ما يصادفنا،

ليس إلا رسائل.

 

مولانا العاشق اصرخ،

فنحنُ النيام.

أعلينا تستكثرُ دعابة الأحلام؟

 

الهليكوبتر،

تقرع السماء بعجلاتها

" فِس.. فِس.. فِس "

مبيدات كيماوية تُرشّ.

 

مهزلة هو العالم.

 

مخطئ من يتمتم

إننا لسنا دمًى

مخطئ  من لا يرى الخيوط

تُحرّك الماريونيت،

مخطئ من يتمتم

إن الحرب تميز بين خصام،

ووئام.

حشراتٌ، دمًى،

دمًى، حشراتٌ،

القبضة ذاتها،

السمّ ترشّ،

ثم تُلعق العسل.

 

مهزلة هو العالم.

 

أتقنوا التصفيق،

بعد قليل قد تفقدون أكفكم،

بعد قليل،

ستلوّحون للسماء،

بأذرع مصعوقة،

بعد قليل،

هذا العالم سيتحول إلى صومعة،

تحتسي الخمور.

تلك الهياكل ستحتسي الخمور،

صفقوا جيدا،

التصفيق،

أتقنوا جيدا.

 

رسائل،

كلّ ما يصادفنا،

ليس إلا رسائل.

 

كم من أسرار،

يفضح الموت.

أخشى أن يهتك الموت يوما من الأسرار،

ما لم تُعرّهِ نفسي.

 

 

اكتشفت فجأة

أني كبرت  قليلا،

كثيرا كبرت،

وأني يتيمة الأمهات،

. منذ أن ابتلعتني المنافي

 

لم أعد أبكي أمي،

لم أعد أبكي أبي،

لا شيء أبكيه،

الشجرة العجوز أنا،

جذوري بالتربة تتشبّث،

وفي كل خفقة،

لأجلها بالوعد تهلّل.

 

أيها الوعد،

غادرتك أمي،

غادرتك أمهات المنافي،

وبقيتَ الوعد،

الوعد شائب الجبين،

المكتنز بالرّحيق اللذيذ.

 

رسائل،

كلّ ما يصادفنا،

ليس إلا رسائل.

 

القهوة التي أرتشفها،

تغري ذبابة صغيرة حالمة بالغطس.

 

أبخرةُ العطر الأسود شعوذة،

تسحرها،

أُدْني قهوتي،

أبعدها،

وتتراكم الأخيلة.

حيث تهبط الظلمة

 

تتراكم الأخيلة،

رويدا رويدا،

عالمي ينتشي بالصمت،

واللهاث.

الكون المدهوش في روحي،

يهدأ.

 

وراء الشبابيك أعقاب حكايات،

مع المساء تباشر بصيصها،

اللصوص جنادبُ الليل،

سُرّاقُ الروايات.

العشاق في أكواخ مطفأة الأطياف،

يوأدون.

 

في مركز المدينة،

جنيات يتهيّأن للرقص مع العابرين،

وفي عيونهنّ كثير من الدمع الأحمر.

 

مركز المدينة رفوفٌ، أسطحٌ،

ومرايا للسماء،

وأنا يشدهني" الفلوت" تعزفة صبيّة صينيّة،

أغلقت على " كورونا " الراحتين،

وفي المدى،

بعيدا تغوص مثلي.

 

 

رسائل،

كلّ ما يصادفنا،

ليس إلا رسائل.

 

قد يكون متشرّدا،

قد يكون جُرَذ  شوارع،

قد يكون عابثا،

قد يكون متعبا،

ظمآنَ قد يكون،

منتظرا، مُهادنا، متمرّدا،

قذرا، سكّيرا، مُعربدا،

متألما، لائما، فرحا، نَتنا، متسّولا.

 

عاشقٌ بشدة.

شيخ البحر،

"همنغواي" ذاته.

 

عيناه الخرزيّتان،

تنهلّان من زرقة مثيرة،

يختصرها انشداهي،

وهجرة المرافئ اللامكترثة.

 

ضحكة طفولية،

تنتح من دمي بين الفترة والأخرى.

 

حكاية أخرى،

قلبي، يُسرّها.

 

رسائل،

كلّ ما يصادفنا،

ليس إلا رسائل.

 

كم من صياح،

مع الماء يضيع،

كم من صراخ يغدو،

بذرة، شفقًا،

أو براعم تتعبّد الصباح.

 

شبابيكُ على المحيط،

ذراعا بحار،

هنا تكمن اللهفة،

وتتراكم الأسرار.

ماذا لو اختفى البحر عبر ناظريّ،

ماذا لو اضطررت للعيش

بين جدارين من الرمال؟

 

خُطّاب بَنات أفكاري،

في غرف الانتظار يتوارون طوابير،

من عزلتي أبتسم لعاشق،

يتلعثم بالانتظار.

 

رسائل،

كلّ ما يصادفنا،

ليس إلا رسائل.

كل شيء يتألّق،

العطر، الماء، اللجين،

ريشة طائر ألقاها على شرفتي،

غصن ييبسُ في مخاض الخريف.

مطر ينزف موسيقى،

عشّاق هي الكائنات،

تعرف لمن تهب ذاتها،

مطر يخطف الأرواح،

يحيلها الجنيّات،

فوق استواءات المدن،

دمعٌ

أحمر، أصفر، أقحوانيّ، بنفسجي،

غيث.

غيث.

غيث.

 

رسائل،

كلّ ما يصادفنا،

ليس إلا رسائل.

***

 أمان السيد

كاتبة مقيمة في سيدني

 

 

 

زهرة الحواشيبالأمسِ كنَّا وكان الودُّ يجْمعُنا

           واليومَ في اليمِّ قد تاهتْ مراسينا

لا الشّوقُ دام كعبْقِ الورْد يغْمرُنا

               فيُورقُ زهرُ اللوْز أيام تلاقينا

بل اسْتحال فِجاجًا فجّة وجوًى

                رياحُ قفْرها طِيعًا في وَجانينا

حسدْنَك في بهاءٍ كنتَ تزْهو به

        والعهْد صافٍ وخمْرُ الوصْل ساقينا

فيسْتبدُّ عنادا صارخا حِممًا

              منْ فوق بِيضٍ يواقيتٍ مراجينَا

تغارُ منكَ عليْه الشمسُ والشُّهبُ

                 وتنْحنِي حين تلقانِي تَغازيلا

يصُدُّها الشَّوق ذاك ... تغْدو يائسةً

            لعيْنيكَ موْتًا ... وأيْكٍ كان يأْوينا

وكنتَ تُنشد وجْدا شاكيًا ولَعًا

          " شوْقا إليْكمْ ... ولا جفَّتْ مآقيِنا "

وكنتَ تُمضي الليالي حائرا أرقاً

             تملمِل النَّوم حينًا ... ساهدا حِينا

لا الوجْد دام ولا الشَّكوى اغتابتْ زمنًا

      بل انْبرتْ هجْرا ... وداعًا باتَ يُدْمينا

أتذْكرُ العهْد كمْ كانتْ تُلاطِفنُا

            حمائمُ الوادي بالهمْس ... فتدْنينَا

ويرْقصُ السّيسبانُ عنْد مطْرحِنا

               والتُّربُ ترْطبُ سجّادا ياسَمينا

والْغيدُ ينْعسْن هُدبا فِي نَواظِرها

                 خجْلى ...فتُذكي المُلتقى فِينا

ألستَ تذْكر شجْوا كانَ يطْرحُنا

               إذا سرى بيْننا الْواشي وناهِينا

وكمْ مَرارًا سقانا البُعد والعَزل

         إنْ أنت ناسٍ ...فلا انسابتْ سَواقينا

ولا طلَعتْ شمْسُ فجْرٍ عنْد مشْرقِها

          ولا أمطرتْ مطرٌ فوقَ رَوابينا ...

       ***

الشاعرة التونسية زهرة الحواشي

(من كتاب حرف ودمعة)

 

علي القاسميبناءً على مراسلاتٍ سابقة مع جامعة السوربون، نزلتُ في "المدينة الجامعية" الواقعة على جادة جوردان في باريس. وتتألَّف هذه المدينة من عشرات البنايات، وكلُّ بنايةٍ تابعة لإحدى الدول التي تبعث بطلابها إلى فرنسا للدراسة، فينزل طلابها في تلك البناية أثناء دراستهم في باريس. وتضمُّ المدينة الجامعية مطعماً لجميع النزلاء. أنزلوني في بناية " ابن سينا" في المدينة الجامعية. وكنتً أستقل قطار الأنفاق كلَّ صباح من محطة المترو الواقعة في جادة جوردان إلى محطة حديقة لوكسمبورغ القريبة من السوربون.. وعبر جادة جوردان، يطالعك منتزه مونتسوري الجميل الذي اشتهر كثيراً بعد أن ذكره الشاعر جاك برفير في إحدى قصائده الأخّاذة، "الحديقة":

آلافٌ وآلافٌ من السنين،

لن تكفي للتعبير عن تلك اللحظة الخالدة،

حينما قبّلتِني، حينما قبلتُكِ،

ذات صباحٍ في الضوء الشتائي،

في منتزه مونتسوري في باريس،

في باريس، على الأرض،

الأرض التي صارت كوكباً.

كان برنامج اللغة الفرنسية وحضارتها الذي التحقتُ به يتألَّف من ثلاثة دروسٍ كلَّ صباح، تجري في غرف صغيرة، غالباً ما تعقبها محاضرةٌ عامة لجميع الطلاب في القاعة الكبرى "الأمفيتياتر" في بناية السوربون الرئيسة في شارع المدارس. ولم تكُن هنالك أية دروس بعد الظهر، فكنتُ أغتنم الوقت لزيارة المتاحف، وما أكثرها في باريس، خصوصاً متحف اللوفر الذي يستلزم أياماً وأياماً من الزيارات للاطلاع على بعض كنوزه، أو التنزُّه في الحدائق العامة والمتنزهات، أو التمشي في الأحياء القديمة في المدينة حيث يشاهد المرء المعالم الشهيرة مثل كاتدرائية نوتردام دي باريس، ومسلة كيلوبترا، وقوس النصر في الشانزلزيه، وبرج إيفل، وغابة بولونيا حيث كنتً أكتري قارباً بمجدافين لممارسة الرياضة في بحيرتها الاصطناعية، وغير ذلك كثير..

كان أحد الدروس في الجامعة "درس المحادثة" الذي يرمي إلى تدريب الطلاب الأجانب على التحدّث باللغة الفرنسية بطلاقة وبنطقٍ جيّد. ويُعطَى هذا الدرس ثلاث مرات في الأسبوع، أيام الاثنين والأربعاء والجمعة.  ويقتصر عدد الطلاب في هذا الدرس على عشرة طلاب فقط لكي تُتاح لكلِّ واحدٍ منهم فرصةٌ كافية للتكلُّم والتمرُّن.  وعند التسجيل في ذلك الدرس، يدفع الطالب 15 فرنكا عن كلِّ حصَّة.

كانت أُستاذة "درس المحادثة" شابّةٌ فرنسيةُ حسناء اسمها جولييت دو بارو. وتدلّ كلمة "دو" في الأسماء الفرنسية على أن ذلك الشخص ينتمي إلى إحدى أسر النبلاء الأرستقراطية التي تمتلك ضيعةً زراعية تضم قصراً تسكنه تلك العائلة أو تملكه..

كانت جولييت نموذجاً للأُرستقراطية الفرنسية في شخصيّتها المتزنة، وملابسها ذات الألوان الهادئة المنسجمة، وطريقة حديثها المؤدَّبة؛ فهي تتكلّم بصوتٍ خفيض أقرب إلى الهمس، وبنبرةٍ مريحةٍ تبعث الطمأنينة إلى نفس السامع، ولا تفارق ابتسامتُها شفتيْها، بل تضفي تورُّداً متوهجاً على خدَّيْها الأسيليْن، وتكشف قليلاً عن الغمازتيْن الساحرتيْن فيهما. كان نطقها للغة الفرنسية واضحاً منغّماً، بعكس ما نسمعه أحيانا عند بعض الباعة الذين يتكلَّمون الفرنسية الدارجة، فيبتلعون أجزاءً من الكلام فيمسي ناقصاَ مشوّهاً يصعب على الفهم، أو على فهم الطلاب الأجانب الذين لم يتعوَّدوا بعد على الدارجة.

كانت جولييت تتعامل مع الطلاب بلطفٍ واحترامٍ بالغيْن، حتّى أنّها تخاطب كلّ طالب بـصيغة الاحترام "أنتم" وليس بصيغة الألفة، " أنتَ" أو "أنتِ". وإذا أرادت أن تصحِّح نطق أحدنا، لا تشير إلى الخطأ مطلقاً ولا تكرِّره، بل تقول للطالب:

ـ " أحسنتم"، ثمَّ تعيد العبارة بالنطق الصحيح المنغّم الجميل.

ذات يوم، وفيما كنتُ جالساً وحيداً في غرفتي في المدينة الجامعية، طرأت على بالي فكرةٌ مضحكة تتعلّق بثمن درس المحادثة، بعد أن لاحظتُ أنني خلال حصَّة المحادثة ذلك الصباح لم يُتح لي الوقت إلا للنطق بثلاث جمل، بحيث إن الجملة الواحدة تكلِّفني خمسة فرنكات.

قلتُ في نفسي: ماذا لو دعوتُ فتاة فرنسية لتناول فنجانَ قهوةٍ في إحدى مقاهي الحي اللاتيني الجميلة القريبة من الجامعة، واستمعتُ إليها وتحدثتُ معها مدَّة ساعةٍ كاملة، فإن ذلك لن يكلِّفني أكثر من 10 فرنكات فرنسية وهو ثمن القهوة آنذاك. وهذا أرخص من درس المحادثة، وسأتمرّن على الكلام بالفرنسية وقتاً أطول مما في الدرس. بيدَ أنني سرعان ما استدركتُ قائلاً في نفسي: ولكنني لا أعرف فتاة فرنسية بذاتها. وأضفتُ متسائلاً: وماذا لو وجهت الدعوة إلى أستاذتنا جولييت نفسها؟ وجاءني الجواب: ومَن أخبرك أنَّ هذه الشابة الجميلة ستقبل دعوة طالب أجنبي لمصاحبته إلى مقهى؟ فقد تكون متزوجة أو مخطوبة، على الرغم من أنني لم ألمح خاتم زواج في بنصرها اليسرى ولا اليمنى. وأضفتُ مُحاججاً نفسي: لا بُدّ أنَّ لها صديقاً، فشابَّة بمثل جمالها ومكانتها الاجتماعية لن تبقى بلا صديق في مدينة باريس، التي يسمونها مدينة النور والحرّية. وهكذا خسرتُ الحجاج مع نفسي، وقررتُ صرف تلك الفكرة السخيفة المضحكة من دماغي. والطريقة الصحيحة لصرف فكرةٍ سلبية من ذهنك، لا تتم بنهي نفسك عن التفكير فيها، فذلك يمنحها طاقةً تهبها قوةً وديمومة. بل ينبغي أن تأتي بفكرة إيجابية تحلُّ محلَّ الفكرة السلبية وتطردها.

ولهذا فقد تناولتُ رواية "مدام بوفاري" لغوستاف فلوبير التي كان علينا مناقشتها في درس النقد الأدبي ذلك الأسبوع، وانغمست في تفاصيلها. وهكذا تناسيت دعوة مادموزيل جولييت دو بار إلى مقهى، وحلّت محلَّها الجميلة مدام إيما بوفاري، التي كانت تبحث عن رجلٍ غني يحقّق أحلامها وطموحاتها، ويُشبِع نهمها لملذّات مدينة كبيرة، ويخلّصها من زوجها الطبيب القروي غير النابه في بلدته الخاملة.

ولكن في درس المحادثة يوم الاثنين التالي، خُيّل إليّ أنَّ ابتسامة الأستاذة جولييت كانت تخصُّني وحدي. وهو محض خيال أو تمنٍ، لأن جولييت توزِّع ابتسامتها بالعدل والقسطاس على جميع الطلاب، تماماً كما توزع عليهم اهتمامها وأسئلتها وتشجيعها. وعادت تلك الفكرة المضحكة، فكرةُ دعوتها لتناول فنجان قهوة أو شاي في مقهى، تستحوذ على ذهني وتصرفني عن التركيز على الدرس. ولكي أطرد تلك الفكرة الاستحواذية وأنبذها نبذاً تاماً، عزمتُ على مفاتحة جوليت بتلك الدعوة. وقلتُ في نفسي: لن أخسر شيئاً إذا حاولت، فإذا رفضت فإنها ستريحني، ففي بعض اليأس راحة.

بعد انتهاء درس المحادثة، سرتُ بجانب الأستاذة جولييت وهي تخرج من غرفة الصف، وقلتُ لها بلطف:

ـ كنتُ أود أن أدعوكم لتناول فنجان قهوة معي في إحدى المقاهي التي تفضلون، ولكنَّني خشيت أن لا وقت لديكم لذلك.

ولشدَّ دهشتي، قالت بابتسامةٍ ودود وبصورةٍ طبيعية:

ـ بكلِّ سرور. إذا كان يناسبكم الوقت، فإنَّني متفرِّغة بعد درسي معكم يوم الأربعاء..

قلتُ وأنا أحاول التحكُّم بالفرحة التي غمرت قلبي:

ـ شكراً. إلى يوم الأربعاء إذن.

عندما انتهى درس المحادثة يوم الأربعاء، حرصت على أن أسير معها بعد مغادرتها قاعة الدرس. خرجنا من الباب الرئيسي للسوربون، المفضي إلى شارع المدارس، واستدارت يساراً في اتجاه شارع سان ميشيل، وفي هذا الشارع، استدارت يميناً وسارت في الشارع مارَّةً بمتحف كلوني، متحف العصور الوسطى، حتى وصلت إلى ساحة نافورة سان ميشيل، واختارت أن تجلس في مقهى تطل على الساحة والنافورة، وهي تقول:

ـ هل يعجبك هذا المكان؟

ــ طبعاً، رائع.

وبعد أن اتخذنا مقعدنا، سألتُها لمجرَّد بدء المحادثة:

ــ لماذا وقع اختياركم على هذا المقهى؟

قالت بجملة معترضة:

ـــ يمكنك أن تخاطبني بصيغة الألفة، فنحن لسنا في الدرس. ثم أجابت عن السؤال، بقولها:

ــ لأنّ هذا المقهى قريب من السوربون، وشارع سان ميشيل نابض بالحركة. .

جاء النادل ليسأل عن طلباتنا، فقالت ببساطة: قهوة بالحليب منفَصليْن، من فضلكم. وقلت: مثلها...

وعلى الرغم من أنني أكبر سناً منها، فإنني لم آخذ المبادرة في الحديث، وغلب عليّ الحياء الناتج من تربيتي في طفولتي. ولعلّها شعرت بما كان يعتريني من خجل وتردُّد، فعندما وضع النادل إبريقَي القهوة والحليب مع فنجان فارغ لكل واحد منا، شكرتْه، والتفتت إليّ سائلة:

ـــ هل قرأتَ قصيدة جاك بريفير " فطور الصباح"؟

قلتُ:

سبق أن درستُها منذ وقت طويل ونسيتها، ويسعدني أن أسمعها منك.

اعتدلت في جلستها، وأخذت في تلاوة القصيدة مع حرصٍ ملحوظ على إضفاءِ مسحةِ حزنٍ على قسمات وجهها الصبوح ونبرات صوتها الرخيم، وذكرت اسم القصيدة والشاعر في البداية، ولم تفارقها ابتسامتها الحيية، ولكنها أضحت ابتسامة حزينة:

فطور الصباح لجاك بريفير:

صبَّ القهوة

في الفنجان،

وصبَّ الحليبَ

في فنجان القهوة،

ووضع السكر

في القهوة بالحليب،

وبالملعقة الصغيرة

خلطها..

شربَ القهوة بالحليب،

وحط الفنجان

دون أن يكلّمني...

أشعل

سيجارة

ونفث دخانها

على شكل دوائر في الهواء.

وضع عقب السيجارة

في المنفضة

دون أن يكلِّمني

دون أن ينظر إليَّ..

نهضَ،

وضعَ قبعته على رأسه،

ارتدى معطفه المطري،

لأنَّها كانت تمطر،

وانصرفَ.

تحت المطر،

دون أن ينظر إليّ.

أمّا أنا، فقد أخذتُ

رأسي بين يديَّ،

وبكيت.

قلتُ: رائع جداً، آنستي. كلمات بسيطة ولكنّها مؤثرة.

قالت: سمّى الشاعر ديوانه " كلمات"، لأنه يستعمل كلمات قليلة منتقاة كاللآلئ، ولكنَّه يصوغ منها عِقداً ثميناً يزدان بالفكر والفن.

قلتُ: الآن أدرك لماذا اختاروا تعليمنا هذه القصيدة في المراحل الأولى من دراستنا اللغة الفرنسية.

ـ انتقل جاك برفيير بالشعر الفرنسي إلى البساطة، فأسلوبه هو السهل الممتنع بعينه.

في أعماق نفسي المتهيّبة المضطربة، كنتُ أتساءل عن أسباب اختيارها لهذه القصيدة. ترى هل أدركت القصد الدنيء من دعوتي لها لأتعلم النطق منها مقابل عشرة فرنكات ثمن فنجان قهوة؟ أم أنّها تعرف أن لقاءَنا لقاءٌ عابر سينتهي بعد تحقيق أغراضه القريبة؟

قلتُ في نفسي: لماذا أعذِّب نفسي في البحث عن مقاصد الكلام؟ ولماذا لا استمتع بجمال اللحظة الراهنة وأترك المستقبل وما يخبئُه للغيب؟

وهكذا أخذتُ أرتشف قهوتي بنوع ظاهر من التلذُّذ، بفضل جمال جولييت الأخّاذ وعذوبة حديثها الحلو، كما لو كنتُ أمزج القهوة بطعم شفتيها وهما تنّغمان ألفاظ القصيدة الحزينة، وبريق عينيها وهما تفيضان بالأسى. قالت، كما لو أنّها أحسَّت بما يختلج في أعماقي:

ـ كيف وجدتَ نكهة القهوة؟

ولأني كنتُ قد قرأتُ ذات مرَّة أنَّ الفتاة الفرنسية تستعذب أن يثني الرجل على جمالها وذكائها معاً، فقد اغتنمت الفرصة لأجيب على سؤالها بالشكل التالي:

ـــ رائعة. نكهتها مستمدَّة من سحر ابتسامتكِ وحلاوة حديثكِ وعمق أفكارك، آنستي.

تورّد خدّاها حياء، وغضّت من بصرها، وقالت هامسة:

ـــ شكراً.

سألتُها لأغيّر الموضوع:

ـــ وكيف حظيت السوربون بأستاذةٍ مثلكِ؟

ـــ إنني لستُ أستاذة. أنا مساعدة أستاذ، لأنني لا أزال أشتغل على أطروحتي للدكتوراه في السوربون. والجامعة تختار بعض المساعدين من بين طلبة الدكتوراه، لإعانتهم مادّياً وإمدادهم بالخبرة.

فسألتها:

ــ وعمَّ تدور أطروحتك؟

ـــ حول التغيّرات الثقافية والاجتماعية خلال عصر الأنوار، فأنا أفترض في أطروحتي أن الأفكار الأثيرية تستطيع أن تُحدِث تغييرات مادّية في الفرد والمجتمع..

قلتُ لكي أجعلها تتحدَّث أكثر ولكي أستمتع بالنظر إلى وجهها وشفتيْها الباسمتيْن:

ـــ في حقيقة الأمر، لا أعرف كثيراً عن عصر الأنوار.

ـــ المقصود بعصر الأنوار في فرنسا هو القرن الثامن عشر الذي تميَّز بحركة فكرية تهدف إلى تأكيد حرّية الإنسان بتخليصه من سلطة الكنيسة واستبداد الحكم، ومن أجل تمتُّعه بحقوقه الطبيعية والمدنية والسياسية، وتحكيم العقل في قبول الآراء أو رفضها. وكان من مفكِّريها مونتسكيو صاحب كتاب " روح القوانين" وجان جاك روسو صاحب كتاب " أميل " أو التربية الطبيعية، وفولتير صاحب الفلسفة الساخرة والروايات العديدة التي هاجم فيها الطغيان، ودعا إلى المساواة والحرّية وكرامة الإنسان.

سألتُها بلطف:

ـــ وهل سمحت السلطة القائمة آنذاك لهؤلاء التنويريين بنشر أفكارهم؟

ـــ كان تطوّر هذه الحركة الفكرية في فرنسا خلال القرن الثامن عشر نتيجة لتطور الطبقة البرجوازية خلال عهد الملك لويس الرابع عشر الذي سمح بحرّية العمل الثقافي وحرّية الفكر والنشر، فظهرت في عهده الصالونات الأدبية، والكتب والموسوعات ومعاجم العلوم والفنون، وهي أدوات استغلَّها التنويريّون في نشر أفكارهم، من أجل قيام مجتمعٍ جديد على أساس من الديمقراطية والحرّية والمساواة. وقد أدّت هذه الأفكار إلى اندلاع الثورة الفرنسية في آخر المطاف..

ـــ هذا معنى كلامكِ حول تحوّل الأفكار الأثيرية إلى أفعال مادّية.

ـــ وأكثر من هذا، فإن حرّية الفكر التي دعا إليها هؤلاء المفكرون أسهمت في تقدُّم المعرفة وانتشارها، فتحوّلت الأفكار إلى مخترعات، ونتجت عنها الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر.

ـــ هذا رائع، في وسعكِ الدفاع عن أطروحتك بسهولة: الفكر الأثيري اللاملموس له قوَّة مادّية ملموسة.

قالت بأسى:

ـــ ولكن ما الذي نتج عن الثورة الصناعية؟ تعاظمـت قوَّة الدول الصناعية الأوربية، واستعمرت بلدان آسيا وأفريقيا لنهب المواد الأولية منها، وجعلها أسواقاً لمصنوعاتها، ما أدّى إلى التنافس التجاري بين الدول الصناعية، واندلاع حروب طاحنة كالحرب العالمية الأولى والثانية التي قُتِل فيهما ملايين البشر. وهذا عكس ما كان يرمي إليه مفكرو عصر الأنوار.

قلتُ بتعاطف:

ــــ هذه هي الهوة الدائمة بين الفكر والسياسة، بين النظرية والتطبيق.ـ

قبل أن نغادر المقهى، سألتها ما إذا كان في إمكاني أن أسعد بلقائها مرَّةً أخرى. أجابت:

ـــ بكلِّ سرور، هل يناسبك هذا الوقت من كل أسبوع؟

وهكذا صرتُ أحظى برؤية جولييت كل يوم أربعاء بعد الدرس، إضافة إلى الالتقاء بها في ثلاث حصص في الأسبوع.

ذات يوم أربعاء، اختارت جوليت أن نتمشى إلى حديقة لكسمبورغ القريبة من الجامعة، وبعد أن تنزهنا في الحديقة الفسيحة، وتمتعنا بمنظر شجيرات الزهور المتنوعة الألوان والمرتبة بهندسة بديعة، ووصلنا إلى قصر لوكسمبورغ الذي يضمُّ مجلس الشيوخ الفرنسي، وجلسنا في مقهى قريبة تطلُّ على الحديقة. وفيما كنا نتناول قهوتنا بالحليب كعادتنا، أخبرتُها أن برنامج اللغة والحضارة الفرنسية ينظِّم رحلة طلابية اختيارية لزيارة قصور سهل نهر اللوار للراغبين من الطلاب، مدَّة يوميْن خلال عطلة نهاية الأسبوع، من عصر يوم الجمعة إلى مساء يوم الأحد، وسألتها ما إذا كان من المفيد لي الاشتراك فيها. شجعتني قائلة:

ـــ رحلة مفيدة جدّاً. ستطَّلع من خلالها على جوانب هامَّة من الثقافة الفرنسية. فنهر اللوار هو أطول أنهار فرنسا، ويشكِّل سهلاً كبيراً يقع في وسط فرنسا، وفي عصر النهضة الذي بدأ في القرن الخامس عشر اتَّخذه أعظم ملوك فرنسا الملك فرنسوا الأول، راعي الفنون والآداب والعلوم، مقراً لبلاطه وشيَّد فيه أفخم قصور فرنسا على الإطلاق وهو قصر شامبورد سنة 1519. ويشتملُ هذا القصر على 450 غرفة ويحيط به منتزهٌ تبلغ مساحته حوالي 5500 هكتاراً مربعاً، وطول سوره 32 كيلومتراً.  إنه قمّة العمارة الفرنسية، وتضمُّ أجنحته الفاخرة كثيراً من اللوحات الفنّية النادرة والتحف الرائعة..

كانت جولييت تتحدَّث بفخر وحماس عن تراث بلادها الثقافي، وختمت حديثها بنصيحة لي:

ـــ لا تفوّت هذه الفرصة.

وبناء على نصيحة جولييت، ذهبت إلى الإدارة الجامعية وسجّلت اسمي في قائمة المشاركين في هذه الرحلة ودفعت التكاليف.

وفي الوقت المحدَّد من عصر يوم الجمعة، كانت حافلةٌ تنتظرنا في شارع المدارس قرب السوربون، ووقف الأستاذ المشرف على الرحلة بالقرب من باب الحافلة. وعندما صعدتُ على متن الحافلة، حرصتُ على الجلوس في المقعد الأول على اليمين، لأنَّني قرأت ذات مرة أنَّ أفضل مكان في الحافلات السياحية هو المقاعد الأربعة الأولى لأن الجالسين فيها يستطيعون أن يستمتعوا بالمنظر المتاح منها أكثر من غيرهم. وعادة ما تبقى هذه المقاعد فارغة، لأن معظم الناس لا يختار الجلوس في المقدَّمة وكأنّه، بصورةٍ لاواعية، لا يريد تحمُّل مسؤولية القيادة.

 

يبعد سهل اللوار الذي نقصده عن باريس حوالي 160 كيلومتراً، وكنا نتوقَّف في أماكن جميلة منتقاة للاستراحة أو لتناول الحلويات والمشروبات. وكان بعضنا يغيّر مكانه في الحافلة بعد الاستراحة للجلوس مع زميل أو زميلة التقى بها أثناء السفر. وعند وصولنا الفندق الذي تمَّ الحجز لنا فيه في مدينة بلوا، وزَّع الأستاذ مفاتيح الغرف علينا بحيث يشترك كل طالبين أو كل طالبتين في غرفة واحدة، تخفيضاً للنفقات. وفي صباح اليوم الثاني أقلتنا الحافلة لزيارة القصور الشهيرة وفي مقدِّمتها قصر شامبورد وقصر شيفرني وقصر شنونسو.

وشعرتُ أثناء الرحلة أنني افتقدتُ جولييت وحديثها الحلو وابتسامتها الأخاذة، وتمنيتُ أكثر من مرَّة وانا أتجول في منتزهات بعض هذه القصور الفخمة لو كانت معنا في هذه الرحلة.

انتهت رحلتنا مساء يوم الأحد حين عادت بنا الحافلة إلى شارع المدارس حيث وقفت أمام بناية السوربون. وكنتُ في أشد الشوق لرؤية جولييت في درس المحادثة صباح يوم الاثنين..

وبعد درس يوم الأربعاء، اختارت جولييت أن نسير إلى الضفة اليسرى لنهر السين التي لا تبعد كثيراً عن السوربون، فعبرنا إلى الضفة اليمنى لنجلس في أحد المقاهي في ساحة كاتدرائية نوتردام دي باريس. وفيما كنا نسير مستمتعين بمنظر النهر الذي كانت تمخر فيه أنواعٌ مختلفة من القوارب والسفن، توقفتْ عند أحد أكشاك بيع الكتب القديمة المنتشرة على رصيف الضفة اليسرى من النهر، وسألت صاحب الكشك عن الطبعة الأولى لديوان " كلمات " للشاعر جاك بريفير، فأخرج الرجل الكتاب واقتنتْه جولييت.

عبرنا جسر سان ميشيل الحجري القائم على ثلاثة أقواس حجرية جميلة مغروسة في نهر السين. وعطفنا إلى اليمين في اتجاه كاتدرائية نوتردام دي باري، واختارت جوليت مقهىً جميلاً يطلّ على ساحة الكاتدرائية الشهيرة التي كانت تعج بالسياح. وبعد أن جلسنا فتحت حقيبتها وأخرجت الكتاب الذي اقتنتْه من كشك الكتب القديمة وقدمته لي قائلة:

ـــ اقتنيته لكَ، لتجد فيه قصيدة فطور الصباح التي قرأتها لك في لقائنا الأول.

قلتُ، وأنا مدركٌ أن الفرنسيّين في علاقاتهم العاطفية، يستمتعون بلعبة الصيد ومجرياتها أكثر من الحصول على الطريدة ذاتها:

ـــ جزيل الشكر، هذه الهدية غالية جداً لا تقدّر بثمن، لأنَّ قراءتك للقصيدة هي بذاتها قصيدة نادرة. وسيتموسق صدى صوتك في أعماق روحي كلّما وقع نظري على هذا الكتاب.

قالت:

ـــ ما دام الأمر كذلك، دعني أكتب إهداءً صغيراً على الكتاب.

ناولتُها الكتاب، فكتبت على الصفحة الأولى، "لصديقي العزيز سمير، مع تمنياتي القلبية".

ووضعت توقيعها الأنيق، وأردفته بكلمة "باريس" وتاريخ ذلك اليوم.

وضعتُ يدي بلطف على ذراعها وأنا أقول:

ــ شكراً لا حدّ له، آنستي.

في تلك اللحظة، فتحتُ حقيبتي، ومن بين كتبي أخرجت قنينة عطر " إيف سان لوران "، وهي مغلفة بورقٍ ملوَّن زاهٍ، وقدّمتُها لها قائلاً:

ـــ أرجو أن تتقبّلي مني هذه الهدية المتواضعة، على الرغم من أني أدرك أنكِ أنتِ العطر الفاخر النادر الوجود الذي ينتشي كلُّ مَن يشمّه فيحلِّق في سماوات الخيال والجمال.

وكنتُ في حقيقة الأمر أقول ذلك وفي خاطري بيتُ شعرٍ لأمير الشعراء الجاهليّين أمرؤ القيس:

ألم ترياني كلَّما جئتُ طارقاً ...   وجدتُ بها طيباً، وإنْ لمْ تُطيَّبِ

وكنتُ قد اقتنعتُ بصحَّة هذا البيت بعد أن قرأتُ رواية " العطر" للكاتب الألماني باتريك زوسكيند، وأتبعتها بالاطلاع على بعض الدراسات العلمية التي تؤكِّد أن لكلِّ فرد عطرٌ طبيعي ينبعث من جلده، وأن العطر الصناعي تختلف رائحته من شخصٍ إلى آخر، لأنَّه يتفاعل مع رائحة الجلد الطبيعية وينتج رائحةً تختلف من فردٍ إلى آخر.

ثم أخبرتها بأن برنامج الحضارة واللغة الفرنسية قد أعلن عن رحلة جديدة إلى " جبل سان ميشيل " في منطقة النورماندي لمدَّة يوميْن خلال عطلة نهاية الأسبوع هذه الجمعة. قالت بحماس ملحوظ:

ـــ اشترك في هذه الرحلة، يا سمير، فهذا جزءٌ من دراستك في السوربون..

ــ ولكن دعيني أصدقك القول: في الرحلة السابقة اجتاحني شوقٌ عارم لرؤيتك. وتمنيتُ لو أنكِ كنتِ معي أو أنني بقيتُ في باريس والتقيتكِ أثناء عطلة نهاية الأسبوع..

ـــ ولكنَّنا سنلتقي كثيراً بعد رجوعك من جبل سان ميشيل. وهذه الرحلة هامّة جداً. أرجوك أن تشترك في هذه الرحلة بالذات، ولن تندم، يا سميرـ

في الوقت المحدَّد من عصر يوم الجمعة، كانت الحافلة تنتظر بالقرب من مدخل السوربون في شارع المدارس، فصعد على متنها الطلاب والطالبات واحداً واحداً. وكعادتي، وجدتُ المقعد الأوَّل شاغراً، فجلستُ فيه قرب النافذة. وبعد أن اكتمل صعود الطلاب والطالبات على متن الحافلة، ولشدّة دهشتي وفرحتي، خرجت جولييت من باب السوربون وتوجَّهت إلى الحافلة وصعدت فيها. كانت مفاجأة سارة لي. لقد كانت هي المكلَّفة بمرافقة الطلاب في رحلتهم إلى جبل سان ميشيل.

قمت من مقعدي، وأشرت إليها باحترام للجلوس فيه. قالت:

ـــ شكراً سأجلس في المقعد المجاور لك لسهولة تحركي.

وجلست إلى جانبي بالقرب من الممرّ..

كانت هذه الرحلة هي أجمل ذكريات عمري. لقد تحقَّق الحلم الذي راودني خلال رحلتنا إلى قصور سهل نهر اللوار. لم أشعر بالساعات الثلاث والنصف التي استغرقتها الرحلة. كانت أقصر من ثلاث دقائق ونصف، بل أقصر من ثلاث ثوان ونصف. وفهمتُ في تلك اللحظة نسبية الزمان في نظرية أنشتاين.  كنتُ في عالَمٍ سماوي بعيد كلَّ البُعد عن الحافلة وركابها، ولم يتناهَ إلى سمعي لغط الطلاب، ولا هدير الحافلة. كانت جولييت تحدثني وأنا منصرف إليها بسمعي وبصري وجميع حواسي. كنتُ أحسُّ بأن عينيْها تلتهمان وجهي كلَّه، وأنا غارق في بحر عينيْها الأزرق الذي لا ساحل له. كان وجهانا يقتربان كثيراً من بعضهما، حتى إنني كنتُ أخشى أن أفقد التحكُّم في نفسي وأطبع قبلةً طويلة حارة على شفتيْها الممتلئتيْن المنفرجتيْن بابتسامةٍ ساحرة وهما تقتربان من وجهي، قرباً يتجاوز حدَّ الخطر، بإغراء لم أواجهه في حياتي كلِّها أبداً، لا قبل باريس ولا بعدها. كنتُ أتمنى أن تستمرَّ هذه الرحلةُ الحلمُ إلى ما لا نهاية، إلى أبد الآبدين.

وأخيراً وصلنا جبل سان ميشيل وهو جزيرة صغيرة تبعد حوالي كيلومتر واحد عن ساحل منطقة النورماندي في الشمال الغربي من باريس. وترتفع هذه الجزيرة التي على شكل جبل من صخور الغرانيت حوالي 80 متراً عن سطح البحر. وخلال القرون الوسطى بُني عليها ديرٌ وحديقة يُعدّان من روائع العمارة القروسطية. ونشأتْ حول الدير قريةٌ سياحية تكثر فيها الفنادق والمطاعم والمقاهي.

وعلى الرغم من أن الفنادق خارج الجزيرة أرخص بكثير من الفنادق التي تقع داخل جزيرة جبل سان ميشيل، ولا يستغرق الوصول إلى الجزيرة من معظم هذه الفنادق أكثر من سير كيلومتر واحد هو المسافة الفاصلة بين البر والجبل الجزيرة، فإن الجامعة حرصت على أن تحجز لهؤلاء الطلاب وأكثرهم من الأجانب في فندق داخل الجزيرة لتكون متعتهم كبيرة في تمضية ليلة داخل البحر. كان الفندق الذي نزلنا فيه هو فندق " الفرس الشقراء " الذي يقع على سفح الجبل الذي بُني الدير على قمّته. وهو فندق صغير ولكنّه نظيف جداً. وتضم صالة استقباله بعض اللوحات الفنّية القديمة.

كان موظفو الفندق في استقبالنا. طُلِب إلينا أن نستريح في الصالة ونتناول بعض المشروبات في حين اتجهت جولييت إلى موظف الاستقبال، فسلَّمها، مجموعة من مفاتيح الغرف، وعادت إلينا وبيدها القائمة والمفاتيح. وأخذت توزع الغرف، غرفة لكل اثنين من الطلاب أو اثنتين من الطالبات، وتؤشر على القائمة التي بيدها. وكان كلُّ من استلم مفتاح غرفته ينصرف مع رفيقه أو تنصرف مع رفيقتها إلى الغرفة للاستراحة قليلاً قبل الذهاب إلى مطعم الفندق لتناول طعام العشاء. وأخيراً بقيتُ وحدي، آخر مَن يستلم مفتاح الغرفة ولم يبقَ معي زميل.

أقبلتْ عليّ جوليت وفي يدها مفتاح وعلى شفتيْها ابتسامة عجيبة، ابتسامة ماكرة ساحرة، لم أشاهد مثلها من قبل، وقالت:

ــ هذا هو مفتاح غرفتك. ولكن لم نجد لك زميلاً، لأن عدد الطلاب الذكور فردياً. وأنصحك بأن لا تقفل باب غرفتك لأنني قد أقوم بجولة تفتيشية بعد منتصف الليل تماماً.

وفي تلك الليلة التي لا يجود الزمان بمثلها، كان هدير البحر وارتطام أمواجه بصخور الجزيرة متواصلاً طوال الليل.

***

قصة

بقلم: علي القاسمي

..................................

* أُضيفَت هذه القصة إلى الطبعة الثالثة لمجموعتي القصصية " الحبّ في أوسلو" التي صدرت عن دار الثقافة بالدار البيضاء مطلع هذا العام 2020. وهي من القصص التي أخذتُ أكتبها مؤخراً لتقديم معالم ثقافةِ بلدٍ من البلدان، مثل قصتي " الجريمة الكاملة" التي نشرتها صحيفة المثقف الغراء سابقاً، وفيها معالم الثقافة الهندية. 

 

 

نجيب القرنمن حقك أن تحزن

أن تغضب

أن تصرخ ملأ الكون

ولكن ..

ليس لك الحق أن تختم نزواتك أو غزواتك باسم الرب

هو يأمر أن تحمل في صدرك عقد الحكمة

أن تمسك في كفك بعض بذور الصفصاف

ترميها بين شقوق القلب الموغل في الإسراف

أن تهدي للجيران اريج الحرف

لتعرفك الأحياء الشعبية

من قبقبة نعالك حين تمر

أن ترى الخلائق من بؤبؤ قلبك

كي ترسم صورتك على الأهداب

أن تغسل عقلك من نقع الأخبار الفاشية

الاله يريدك أن تغدو مثل الفنار

ترسل من عينيك جسور الضوء ليعبر حتى الأعداء

فلماذا تعبث بالتوقيت على حائطنا الزمني

وتفاجئ سكان مدينتنا

باللعب على كرة ملتهبة

أعرف ماذا ستجيب

وأنت تدلك لحيتك الكثة

وانت تجول بعينيك إلى الأعلى

ستقول :

لا أعرف جذر اللين على قاموس الأرض

لم أتعلم فن الاسترخاء

ولم أسمع يوما عن سحر (الهاواي)

لن تجد المفتاح إذن

حتى تخرج من تيه دوائرك المنغلقة

لن تعبر نحو الباب الأزلي

المفتوح على مصراعيه

وتدخل في مدن الاستجمام

حتى تصبح مخضرا

تشبه شجر السرو

حتى تخلع نعلي فكرتك الرقطاء

المبتلة بالطيش

والمخصوفة منذ سنين

بحروف رقاع صفراء

***

شعر: نجيب القرن

عضو اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين .

 

 

خالد الحليحزيـنُ النفسِ بالكَ مـستثارُ

فكورونا يجورُ ولا يُجـــارُ

 

وبيتـُك خيرُ مأوى فابقَ فيه

وحيـداً لا تزورُ ولا تــزارُ

           **

حين استيقظتُ صباحاً هذا اليومْ

قلتُ لنفسي، و أنا أمزحُ:

صحَّ النومْ.

فكرت بأن أُكمِلَ ماكنتُ بدأتُ بكتابَتِهِ أمسْ

لم أتذكرْ تدوينَ التاريخِ،

فماذا كانْ ..؟

الحادي و العشرونَ من الشهر الثالث؟!

آهٍ .. كيف نسيتُ أنا ما كنتُ أفكّر  بأني لن أتساه؟!

ميلادي في هذا اليومِ، و نوروزَ، و عيدُ الأمِّ، و يومُ الشّعرِ، و أعيادٌ و مباهجَ أخرى

هل أنساني كورونا أجملَ ما أعشقهُ من أعيادْ؟

كورونا .. كورونا

غدرُكَ لا حدَّ له أو أبعادْ

غدرُكَ لا تنجو منه الأجسادُ، و لا الأعيادْ

***

شعر: خالد الحلّي - ملبورن

22/3/2020

 

 

جمال مصطفىكالدَراويشِ

 خَمْرتي مِن زَبِيِبِي

ومَداري

 مَجَرّةٌ في الرحيبِ

 

إنَّ

 مِعراجِيَ انعتاقُ جبالي

كغيومٍ

على خُطى مَحبوبِي

 

آيَتي

 بُؤرةُ ازدلافِ المَعاني

ذَوَباني

 حَلّى مرارَةَ كُوبي

 

وافْتِتاني

 بِما وراء افتتاني

مَحَقَ الصُغْرَياتِ

 أعْني ذنوبيِ

 

طالَ شَكّي كدَوْحةٍ

 منذُ أضحى

 لي يَقينٌ

 كَحَيْرَةِ العَنْدَليبِ

 

وجنونٌ قد بُحَّ

 فهْوَ حَنونٌ

مُذْ تَسَكَّعتُ مُفْلِساً

في الدروبِ

 

 ومِدادٌ كالطَلِّ

 ما مِن دَواةٍ

عَلّمَتْني

 استراقَ وحْيِ الغُيوبِ

 

غَلْطتي

 يالَغَلْطتي وَهْيَ صِفْرٌ

تَتَمادى

 في غَيِّها التَكْعيبي

 

فرْكُها الكَهْرمانَ:

 بَيْتُ قصيدٍ

فيهِ فاحَتْ

 مَجامِرُ الألْفِ طِيبِ

 

قلَقي

 جَنّحَ الرياحَ وقد كا

نَ وما زالَ ضالِعاً

 في الهُبوبِ

 

 هكذا النفْسُ

 قلعةٌ سَهَّدَتْها

طيلةَ الليلِ

خَشيَةٌ مِن دبيبِ

 

ليسَ عِنْدي

 سِوى تَقَلّبِ نَرْدي

والتَداوي

 بِمَضْغِ ظَنٍّ رطيبِ

 

ما بَلَغتُ الفِطامَ

 إني لَكَهْلٌ

كيف أنسى

 وقهوتي بالحليبِ ؟

 

بَقَراتٌ

 لكنْ لنا مُرْضعاتٌ

لا مجازاً

 بل أُمّهاتُ الشعوبِ

 

سَنَحَ الظبيُ !

 ثُمَّ ماذا ؟

 فَدَعْهُ

جُلُّ ما أبتَغيهِ

 تَهذيبُ ذيبي

 

فنُكوصي

 بَعْدَ انخراطي مُريداً

كاهتراءِ الكتابِ

 بالتقليبِ

 

كانَ شِرْكي

 مِن فَرْطِهِنَّ كَرَبّا

تِ جَمالٍ

 يُعْبَدْنَ بالتَشبيبِ

 

قبّةُ الليلِ

 بَعثَرَتْني نُجوماً

فَتَفَلَّكْتُ

واستَحالَ هروبِي

 

 إنَّ في هذه القصيدةِ

ثُقْباً

عنْجَهِياً

 يَرومُ بَلْعَ الثقوبِ

 

هِيَ

 مِلْحاحةُ السؤالِ، تَجَلّي

ها

 حُدوساً

 يُضيءُ قلْبَ اللبيبِ

 

وهْيَ كُلٌّ

فَلا يَصحُّ انشغالي

بِشمالٍ مِن حُسْنِها

 عن جنوبِ

 

أوهَمَتْني

عَصايَ زوراً وبُهْتا

ناً سَتَسعى

 كَالأفْعُوانِ المَهيبِ

 

لا جُناحٌ

 على جَناحٍ وحيدٍ

إنْ تَراءى

كنافِرٍ مُستَريبِ

 

أزرقَ الموبقاتِ أزْعمُ: فيرو

زٌ

حصايَ المَصقولُ

 بالتَجريبِ

 

ليس

 بيني (سوى قَوافٍ) وبيني

شَرّقَتْني

 بِنَرْدِها التَغريبي

 

فِيلَها عشْتُ

أزْدَهي يا بَياضي

أنتِ بَعضي:

(عاجي) الذي يُودِي بي

 

إنّ لِي خَيْبَتَينِ:

صُغْرى ومَرّتْ

ثُمَّ كُبْرى تَفرُّ

 مُذ صِحْتُ: خِيبي

 

إنَّ (لَيتَ) اتيَ اللواتي

 حُبالى

وأُكَنّى

 (أبو انتظارِ) النَصيبِ

 

هيَ جَمْري

 أنا بهِ أتَلَظّى

مِن غرامي

 دَسَسْتُها في جيوبي

 

كافأتْني

على لُهاثِ خيالي

خلْفَها هائِماً

 بِـ (يا يَعْسوبي)

 

أنا شَحّاذُ سرِّها

 وسؤالي

يَتَعاطى ارتكاسةَ التأنيبِ

 

فَوّضتْني:

 إذهَبْ مُهندسَ فوضى

وأشادتْ

 بمعْولي التَخريبي

 

لَمْ

 أُسابِقْ مُنافِساً قَطُّ غيري

أكرَهُ الكأسَ فائزاً

 باللعوبِ

 

يا إمامَ الصَفْصافِ

 إني غرابٌ

مُسْتَظِلٌ

 بآيةِ التَرحيبِ

 

لَيس عنْدي

 سوى تَقَلُّبِ نَرْدي

وازدراعِ المرْجانِ

 بالتَشعيبِ

 

جوسقيّاتُ قنْدسٍ

 وسدودٌ

وتَقَصّي تَذَبْذُبِ المَنْسوب

 

إنَّ جَزْري

 قَفا المُغادرِ مَدّي

حكْمةٌ

 أنْ أذوقَ طعْمَ النُضوبِ

 

هكذا الناسُ:

 غدَّةٌ واحتياجٌ

ومُداراةُ جانِبٍ مَعْطوبِ

 

في اختلاطٍ:

 بَراءةً واختِباثاً

واغتِلاطٍ

 كَفاعلٍ مَنْصوبِ

 

كمقاليدِ حَضْرةٍ

 لَيس فيها

مِن حُضورٍ

 سِوى صدىً مَرْهُوبِ

 

مِبْضَعُ الروحِ

 والنِطاسِيُّ يَدري

لا تَراهُ

حتّى حُدوسُ الطبيبِ

 

أعْرفُ القَصْدَ

 طيّةً مِن جوابٍ

 طَيَّ اُخرى

 في لا جوابِ المُجيبِ

 

أنا عَطّارُ عَطْسَتي

 كدْتُ، كادَتْ

كَمُصيبٍ يَظنُّ

غيرَ مُصيبِ

 

إنّ وزنَ القيراطِ

 في الأصلِ مِنها

يا لَقيراطِ

حَبّةِ الخَرّوبِ:

 

في قرونٍ بُذورُهُ

 مُغْمَداتٌ

كُلُّ قرْنٍ

 حَوى ثَماني حُبوبِ

 

أتَسلّى:

  سِنجابُها في الليالي

مُقْمِراتٍ

 بِبَغْتَةٍ مِن وُثوبِ

 

لا عَلى

 كسْتَناءةٍ سنَحَتْ لي

بلْ على

غِبْطةِ انعدامِ الرقيبِ

 

شجَرُ الصَمْغِ غابتي

لَيس فيها

غيرُ نَزْفٍ

مُخَضرَمٍ مَرْغوبِ

 

رَقْصُ أشباحِها البليغةِ

شِعْراً

رَصَدَتْهُ مَزاغِلي

 مِن قريبِ

 

ليس عندي

 سوى تَقَلّبِ نَرْدي

مِن زمانٍ

 كغالبٍ مغلوبِ

 

عُجْمةٌ

حُسْنُها تَعَنْدَلَ لَمّا

نَوَّطَتْهُ    

 سلالمُ  

 التَعريبِ

 

ما لِنُعْمانَ

 مِن شقائقَ إلاّ

ما تَدَلّى

 كَعُرْفِ فجْرٍ كَذوبِ

 

هل رأيتَ الغيومَ

تَبلَعُ بدراً ؟

هذهِ

 لعبةُ المَجازِ القريبِ

 

المجاز البعيدُ:

 لَثْغةُ بَدْرٍ

قال: (غائي)

مثْلُ الهلالِ الخصيبِ

 

كَمْ بُراقٍ مُجَنَّحٍ

 مِن رُخامٍ

طارَ عَمَّنْ

 دَنا بِقَصْدِ الرُكوبِ

 

ثَمِلاً كُنْتُ ليلةً

 في رجوعي

أتَوَكّا

على عصا تَسْري بِي

 

قَبْلَ بَيْتِ القَصيدِ

 إذْ هاجَمَتْنِي

عصْبَةٌ

 شاعِريّةُ التَسْلِيبِ

 

كانَ ضَرْباً

مِن الجنونِ المُقَفّى

أتَعاطاهُ

 دونَ باقي الضُروبِ

 

أخَذوهُ

 مَعَ البُراقِ

 وطاروا

كانَ طُوبى

 فَيا عصابَةُ طُوبي

 

هُمْ يَظَلّونَ

 صورةً في المرايا

أوْ صَداها

 في آيةِ التَضبيبِ

 

كان تَمّوزُ

 في الحقيقة مِنهمْ:

يَعرفونَ المآلَ

 قَبْلَ الشعوبِ

 

يَرسمُ الوشْمَ

واقِعاً بابِلياً

بِرمادٍ

على شغافِ القلوبِ

 

لَيس عنْدي

سِوى تَقَلُّبِ نَرْدي

واجتِراحِ الأسبابِ

 بالتَسبيبِ

 

لَكأني

 مهندسٌ عنكبوتٌ

وشِباكي

 أرجوحةُ الأسْلُوبِ

 

ليس بَيْتاً

 أرجوحةً ليس إلاّ

إنّما

 صيدُها الحلالُ ذنوبي

 

لَيس بيتاً،

 نَصبْتُها كَمَضيفٍ

إنّها

 ورشةٌ لِشغْلٍ دَؤوبِ

 

يا لُعابي

 وحِبْرَ بيْتِ قَصيدي

أيُّ دلْوٍ أنا

وأيُّ قليبِ

 

تاجراً كنْتُ،

 قَشُّهُ زعْفرانٌ

عَصْفَرَتْهُ

 قوافلُ التَهريبِ

 

إنَّ زرقاءَ

 في اليمامَةِ كانتْ

تَلْمَحُ المُخْتَفي

وراءَ الكَثيبِ

 

صَدّقيني زرقاءُ

 إنَّ جبالَ ال

كُحْلِ هذي

 لِشاعرٍ غِرْبِيبي

 

إنّها لَسِلْسِلَتي

 صَدّقيني

فأجابَتْ:

 صدقْتَ يا أكْذوبي

 

بيْنَما كانَ لَيْثُها

 مُسْتَريحاً

خارجَ البابِ

 هَشَّمُوهُ بِهِيبِ

 

فَتَشَظَّتْ حضارةٌ

 ظَلَّ مِنها

كِسَرٌ

 مِن رُخامِها المَنْهوبِ

 

تلكَ بُهْتانُ: قَرْيَةٌ

 ذاعَ فيها

صِيتُ طَيْرٍ

 مِن الطيورِ عجيبِ

 

يَرْشقُ الناسَ طائِراً

 بِخراءٍ

فَيُداوي

 ذوي المِزاجِ الكئيبِ

 

وبِبُهْتانَ

 كانَ ثَمَّةَ مَيْدا

نُ

رِماياتِ دورةِ التَدريبِ

 

يَعْصِبونَ العيونَ

 أوْ في ظلامٍ

عِنْدَها يَشْرعونَ

 بالتَصْويبِ

 

فهرسيُّاً تَظَلُّ:

 كُلُّ كتابٍ

وجَعَلْناكَ

 آخرَ التَبويبِ

 

لَيسَ عنْدي

 سِوى تَدَحْرجِ نَرْدي

وانتِظارِ

 المُؤَمَّلِ المَطلوبِ

***

جمال مصطفى

2019 /9

 

صحيفة المثقفسأعودُ إليكِ..!!

فلا تتجردي،

أنتِ المُعلى

والعوابق في غدي..

أنتِ التي

في معبدي وتعبدي..

 روحٌ تطال

سحابتي،

وبحور تهجدي..

في كل يوم مائج

يشكو، ذميم ترددي..

ما زال طيفك ماثلاً

في عتمتي وتمردي..!!

***

لا تسألي،

 هلْ عطلَ الساعات خلفه..؟

وها هو ذا،

يرسم المأساة، حتفه..

انه الوهم وقد ضل طريقه

وشفيعه،

انه يحمل الدمع

 هياماً فوق كِتفه..

ليسَ في قتلكِ (فنَ)

ليس في كأسه (جنَ)،

يحتسيه..

فدعيه

يتماهى

ينهل الوحدة من همٍ

ويرحلْ،

هل يغاضي سحر عينينِ

 وفي الجفنين همس الليل

ويرحلْ..؟!

هل عطل الساعات خلفه،

وتقحل، ؟

هل يريد الفوز بالمنفى

هل يشأ أيام حتفه..؟

 وغيابٌ، كان قهرهً

ليعيد الحب في معبد صبره..

 محرابه حبٍ تهادى

ليريك العشق معنى

ثم معنى،

هل عزمت الصحو

عند الخطوة الأولى،

 إثر اخرى ..

 تخلق الحزن لغيث في السماء

أحجيات من دعابات المساء..

  ودروب مائجٌات،

يسبحُ الدمع فيها والوفاء..

من  يلملم

ما تبقى من  شظايا الروح

في المنفى،

ويدفن في صقيع البوح

اسمكْ ..

ربما بحيا،

بعد موتٍ في رحابكْ ..!!

***

جودت العاني

 

ياسين الخراسانياليوم الأول

لَسْتَ في قَفَصِ الإتِّهامِ إذَا مَالَتِ الإحْتِمَالاتُ نحوَ طَريقِ الكِتَابَةِ،

أَعْرِفُ أَنَّكَ أَصْبَحْتَ لا تَشْتَهِي كُوبَ شَايٍ ولا قَهْوَةَ الفَجْرِ.

لا يَعْبَثُ الوَلَدُ الطَّيِّبُ اليَوْمَ بالمَوتِ. لا يَمْحَقُ الأشْقِيَاءَ

ولا يُتْعِبُ القَلْبَ بالجَرْيِ بينَ الحُروفِ.

يُبَاعِدُ بينَ الكَلامِ: سَتَمْسَحُ عَنْ دَفْتَرِ الشِّعْرِ

فَائِضَهُ مِنْ غُبَارِ القَوَافِي.

تَعَلَّمْ مُتَابَعَةَ الأُقْحُوانِ كما نَحْلَةٌ

تَسْتَقِي مِنْ غَدِيرِ الرَّوابِي رُضَابَ المَلائِكَةِ الفَذَّ.

لا تَكْثَرِتْ للسّحابِ وإنْ لَوَّثَتْهُ المُخَيِّلَةُ المُسْتَحيلَةُ بالأسْوَدِ الفَحْمِ.

لا تَبْسُطِ البَصَرَ الرَّحْبَ نَحْوَ بِلادِ الكِنايَةِ، أَنْتَ كَغَزَالِ المَجَازِ

يُصَادُ بِشِبَاكِ الكَآبَةِ. لا لَوْمَ إنْ غَاصَتِ الرِّجْلُ في الوَحْلِ،

هَلْ أَنْتَ كُفْءٌ لِوَصْفِ الغَديرِ وَرَصْدِ الحَمَامِ وَعَبِّ الهَوَاءِ

بِلا حَاجِزٍ مِثْلَ أصْحَابِكَ السُّعَداءِ...

تُعِيدُ السُّؤَالَ بِلَا ضَجَرٍ:

هَلْ يَحِقُّ لِراعٍ غِنَاءَ الرَّبَابَةِ مَا دَامَ ذِئْبٌ يَهُشُّ على غَنَمِ الكَلِمَاتِ؟

وَهَلْ حُقَّ للخَائِفٍ اليَوْمَ بِالنَّوْمِ مِثْل الجَمِيعِ بِعَيْنَيْنِ مُغْمَضَتَيِن؟

**

اليوم الثاني

مَالَتِ النَّفْسُ نَحْوَ نُجُومِ السّمَاءِ.

أُرَتِّبُ حَالِي قَبْلَ المَنَامِ لِكَيْ يَبْزُغَ البَدْرُ

فِي حُلَّةٍ لا تُعِيفُ المُثَابِرَ فِي رَصْدِ جُرْمِ السّمَاءِ.

أُمَسِّدُ صَدْرِي مِنْ تَعَبِ اليّوْمِ: أُخْرِجُ مِنْهُ ضَبَابَ بِلادِ الشّمَالِ،

كَرِهْتُ البَيَاضَ وَلَوْنَ الرِّدَاءِ عَلى شَبَحٍ عَالِقٍ فِي الهَوَاءِ،

سَئِمْتُ الخُرُوجَ مِنَ البَيْتِ تَحْتَ غِطَاءٍ مِنَ المَاءِ.

لَسْتُ أَرَى فِي المَدَى أُرْجُوَانَ السّمَاءِ

يَسِيغُ كَمَا رَشْفُةٌ مِنْ نَبيذِ الدّوَالِي...

تَذَّكَّرْتُ أَنِّي عَلَى أَمَلِ النّوْمِ: لَنْ أُكْرِهَ النّفْسَ

بالكَلِمَاتِ السّخِيفَةِ عَنْ حَالِ بِلادٍ أَراهَا كَمَا هِيَ:

تَفْتَحُ بَابَ المَعَاشِ

وتُغْلِقُ

كُلّ النَوَافِذِ

كُلّ المَسَامِّ على الجِلْد

**

اليوم الثالث

هَا أَنَا أُكْمِلُ الوَرَقَ الأَبْيَضَ المُتَنَاثِرَ فَوْقَ البَلَاطِ.

أَرَى خَوْفَ فَأْرٍ يَجُرُّ إلى جُحْرِهِ دَفْتَراً

يَمْلَأُ الرِئَتَيْنِ صُرَاخًا وَوَلْوَلَةً.

لَنْ يُصيبَ الحَيَاةَ مَعَابٌ

إذَا نَامَتِ الكَلِمَاتُ يُعَانِقُها جُرَذٌ

لَسْتُ أَخْشَى مُفَارَقَةَ الوَرَقِ الرَثِّ لِي:

كَمْ مِنَ الشّعْرِ صَاحَبَ أقْذَرَ مَا يَطْرَحُ الجِسْمُ فِي دَوْرَةِ المَاءِ

بَعْضُ الحُروفِ لِإينَاسِ فَأْرٍ وَحيدٍ:

كَأَنِّي أَرَى هَالَةً فَوْقَ رَأْسِ الكَلامِ المُدَوَّن

**

اليوم الرابع

تَعْرِفُ الأُحْجِيَاتُ طَريقًا يُقَارِبُ بَيْنَ الجَنُوبِ وَرُوحِي.

أَنَا لَسْتُ ذَاكَ الفَتَى يَحْمِلُ القَلْبَ فِي رَاحَةِ اليَدِ،

يَرْمِي بِنَرْدٍ وَيَرْكَبُ مَا شَاءَ جِنِّيُّهُ مِنْ بِسَاطِ الرّيَاحِ.

أَنَا سَائِحٌ لَوَّحَتْ حُورِيَاتُ البِحَارِ لَهُ فَتَشَرَّدَ فِي مَلَكوتِ الخَيَالِ،

أَضَاعَ سَمَاءً مُرَصَّعَةً بالنُجُومِ التِّي كَانَ يَحْفَظُ مِثْلَ المَدَى المُتَشَرْذِم

فَارَقَ أَشْبَاهَهُ لِمُصَاحَبَةِ الظِّلِّ وَالهَامِشِ الفَجِّ

كُلُّ الحِكَايَاتِ لِي مُنْذُ جَلْجَامِشَ المُتَسَائِلِ عَنْ سَبَبِ المَوْتِ،

مُنْذُ حَكَايَا الحِصَانِ المُجَوَّفِ، أَوْ لَعْنَةِ المَلَكِ المُتَكَبِّرِ

لَا يَقْبَلُ الإنْحِنَاءَ لِمَنْ طِينُهُ جَفَّ بالنّارِ والحِقْدِ

لَسْتُ أَعَافُ الحَيَاةَ المُصَابَةَ بالجُذْمِ

لَسْتُ أُريدُ البُكَاءَ عَلَى حَائِطِ الكَهْلِ،

مَا أَشْتَهِيه بَسِيطٌ كَرَشْفَة مَاءٍ:

عُثُورٌ عَلَى النّفْسِ قَبْلَ انْتِهَاءِ الحِكَايَة

***

ياسين الخراساني

 

صحيفة المثقفأهراؤه ملأى1

لسبع

فللكوارث

وجهها البشع

للمنتمى للعقل

رجع أيَّ رجع

فللقضاء رجاله

وللنماء رجاله

ورجاء لص أيَّ نفع

يا للطعام

في فم الأغوال نافلة

وفي فم المحروم رقع

لا تأمنن وسيلة

ما لم تكن لله جدواها

للجوع

في فم الأطفال آها

من يدري منبع شرها

ويدرك منتهاها

رقد الجنون

على الجفون

وعلى المشارف

لا تشتري جرحاً

وليس في يدك المناشف

لله في شأن الورى

شأن ... شؤون

في زمن الوباء

قد تستحيل الكبرياء

الى هباء

ف " تشيل " أمّ جرحها

وينزُّ منها الموت

وعلى مهود صغارها

ينتحر الرجاء

وتغلق من دنف منها

على يأس جفون

من قبل

أن يُنهي

مهمته

وينحسر

الوباء

***

سمية العبيدي

.......................

1- إشارة الى نبي الله يوسف

 

نسيم عاطف الاسدي

هذا قصيدي أتى بالفضلِ عرفانا

والفضلُ يعرفُ أهلَ الطّبِّ عنوانا

 

أمّا السّكوتُ فشكرٌ جاءَكُم خَجِلًا

يرجو أمامَ عظيمِ النّاسِ غُفرانا

 

ما الصّمتُ نسيانَ فضلِ الطّبِّ يقصدُهُ

من ذا سيقدرُ ذاكَ الفضْلَ نسيانا

 

علّمتُمونا بغيرِ السّيفِ مَن وقفوا

إذما تلفُّ بنا الأخطارُ فُرسانا

 

همُّ الخلائقٍ في البلوى نفوسُهُمُ

والهمُّ عندَ أهالي الطّبِّ إنسانا

 

غادرتَ بيتكَ نحو الموتِ متّجهًا

والنّاسُ ناموا وتبقى اللّيلَ سهرانا

 

آثرتَ غيرَكَ يحيا دونما خَطرٍ

والضُّرُّ جئتَ فِدًى للغيرِ مَيدانا

 

أطلقتَ علمَكَ عنّا الشّرَّ تدفعُهُ

والخيرُ جاءَ إلينا منكَ إحسانا

 

ساءلتُ ربّي إلهَ الكونِ حفظَكُمُ

يا مَن حفظْتمْ مِن التّدميرِ أوطان

***

للشّاعر: نسيم عاطف الأسدي

 

 

عصام سامي ناجيفلنرفع رايات العِـزّهْ

          كي نعبرَ تلك المأساهْ

كي نعطي أمتنا الثكلى

          من دمِنا نبضًا وحياهْ

       **

فالماضي شمسٌ ما زالتْ

        والحاضرُ وَجَعٌ وسِفاهْ

 والريحُ العاصفُ لا يهدأ

     وضلوعي تحمي المشكاهْ

والرايةُ في كفّي نبضٌ

             فالرايةُ للفجرِ حياهْ

يا قومُ افتونى في أمري

           فالباغي قد أفغرَ فاهْ

         **

مَن مِـنَّا يحملُ مِعْـوَلَهْ

            ليحطمَ تلك الأوثانْ

ويحرّرُ "همسةَ" عصفورٍ

       ويطاردُ سِرب الغربانْ

فالليلُ الدامي سَربلني

       ما بين سطورِ الأحزانْ

يقضي بنهاية قرآني

           ويبيحُ دماءَ الإنسانْ

فالوالي في بلدي- اِعلمْ!

      إبليسٌ والقاضي شيطانْ

   ***

شعر عصام سامي ناجي

 

جميل حسين الساعديهذه القصيدة كتبتها تأثرا برسالة

وجهتها سيّدة ايطالية إلى قادة الغرب

على إثر انتشار وباء كرونا

لِمَــنْ تشكيـــــــــنَ كارثــــةَ البــلادِ

أللموتــــى بقـــــايا قــــومِ عـــــــادِ

 

فهُمْ لنْ يسمعـــوا شكواكِ .. أمسوا

جماداً، بلْ وأقســــى مِـــنْ جمــادِ

 

هوَ الطغيانُ ـ لوْتدريـــنَ ـ أضحى

شريعتَــــهمْ وإدمــــــانُ العنــــــادِ

 

وبـــاءٌ لـمْ يُعالـــجْ مِـنْ زمــــــانٍ

ويوماً بعـــدَ يــــــومٍ فــي ازديــادِ

 

إلى أنْ جــــاء ( كارونا) مُغيــراً

عليهــمْ مثـــلَ أســرابِ الجــــرادِ

 

وقالَ : أنــا صغيــرٌ غيــر أنّـــي

سأصطـادُ الجميــــعَ وذاكَ زادي

 

حكـــوماتٍ وحُرّاســـاً ببطشـــي

وأنتُمْ عاجزونَ عـــنِ اصطيادي

              **

لمَـنْ تشكيـــنَ والدنيــــا خــداعٌ

فســـــادٌ فـي فســـادٍ في فســــادِ

 

فنحنُ أصــابنا مـِن قبـــلُ ضيمٌ

عظيـــــمٌ فاستجــرنا بالعبـــــادِ

 

ولمّــا لـمْ نَجِــــدْ عونــاً رجعنا

إلـــى بيتينِ مِنْ شعـــرٍ مُعـــادِ

 

(لقدْ أسمعـتَ لوْ ناديـــتَ حَيّاً

ولكــن لا حيــــاةَ لِمَـنْ تُنادي) *

 

(ولوْ ناراً نفختَ بها أضاءتْ

ولكــنْ كُنتَ تنفــخُ في رمـادِ)

***

جميل حسين الساعدي

.............................

الرسالــة كاملة

شكرا سيد ماكرون

السيدة ميركل!

شكراً لأنكم تخليتم عنّا وقت حاجتنا

شكرا لرفضكم امكانية منحنا مجرد كلمات بسيطة

شكرا لرفضكم إمكانية منحنا مجرّد كلمات بسيطة

وأشياء أخرى لمساعدتنا على مقاومة انتشار الفيروس

كنّا سندفع لكم ثمنها ... هل تعلمون ذلك؟

نحن  ــالإيطاليين ــ، الذين تنعتونهم بالمتسخين وغير المهذبين ..

أهل الهمجية والوضاعة !

الفقراء .. وأحيانا مجرمي عصابات

لكننا نذكركم بأننا أيضا أوّل من شيّد الطرقات والمدارس

نحن من علمكم الأبجدية، لتي تستخدمونها اليوم

شرحنا لكم القوانين والحقوق

تنظيم الدولة، ودولة القانون

نحن ــ الإيطاليين ــ

أصحاب التحف الفنية الخالدة في متاحفكم

أصحاب المخطوطات، التي تدرسونها والإرشادات التي تعملون بها

أولئك الذين بتضحياتهم وما قدّموه يمتلكون 70% من التراث الثقافي والفني العالمي !

التي تضعون لها أسعاراً رمزية مقابل زيارتها بمتاحفكم

نحن الإيطاليين، منحناكم معنى الثقافة والفن

الذي تقوم عليه حضارتنا بل وحضارتكم

المعنى الأسمى للجمال، للتناسقوالتوازن

تلك مرتبة لم يصل إليها بشر بعدنا

نحن ــ الإيطاليين ــ

أهدينا لكم الحضارة

التي هدمتموها مجددا حين أدخلتمونا في العصور الوسطى

ثمّ أقمناها من جديد وأهديناكم النهضة

الفن، الجغرافيا، الإقتصاد، الهندسة المعمارية ..

نحن ـ الإيطاليين ــ

ابتكرنا جبن البارمزان، الموتزاريلا، البروشوتو، المورتاديلا

السلامي، الرافيولي، التوتيليني ..

اللازانيا، الجيلاتو، البيتزا

والمزيد .. المزيد ..

نحن من أدخل الكروم إلى فرنسا

نحن من علمكم صناعة النبيذ وزراعة الكروم

نحن أيضا من يحارب كلّ سنة محاولاتكم لتقليد علاماتنا التجارية

ومنتجاتنا الأصلية في عالم الجمال والموضة

أما أنت يا سيد ترامب ..

وأنت يا سيد جونسون

شكرا لأنّكم فعلتم كلّ ما بوسعكم لعزلنا بدل مساعدتنا !

دعنا نذكرك ياسيد ترامب

لولا بحارتنا االإيطاليون لكنت اليوم في أرض جرداء

وليس في أمريكا تلعب دور السيد

ربما ما كان باستطاعتك أن تأكل البطاطا !

لولا بحار ايطالي غامر نحو المجهول

أما أنت يا سيد جونسون

أذكّركَ بأنّ ثروة أمّتك قامت تحت تلك الراية

التي وهبناكم إيّاها لترفعوها على سفنكم لتتجنبوا هجمات القراصنة، راية صليب القديس جورجيو، الذي منحتكم إيّاها مقاطعة جنوى

التي دونها كنتم تُقصفون من أساطيل البحر المتوسط

علمناكم الملاحة التي قمتم باستغلالها جيّدا في توسّعكم إلى اليوم

كلما استعملتم الهاتف، تذكّروا مخترعنا ميوتشي

حين تشاهدون التلفاز أو تستمعون إلى الراديو، تذكروا ماركوني

كلما استعملتم الكهرباء، إن كان في العمر بقيّة

تذكروا جيّدا أنها كانت مستحيلة لولا إنجازات العبقري فيرمي

نحن ــ الإيطاليين ــ

اخترعنا البنوك .. الجامعات ..

الإحتمالات، المعمار، الهندسة، الفلك، الرزنامة ..

الموسيقى

كانوا إيطاليين مثلنا : كريستوف كولومبس، ماركو بولو، ليوناردو دافنشي،

رافاييلو، بروفيليسكي، غاليلو

القيصر أوكتافيو، فيسيازيانو

أوريليو .. ودانتي !

وبإمكاني أن اذكر المزيد من الأسماء لساعات متواصلة

اسمعوا يا أعزائي، حين تذكر اسم ايطاليا ..

يجب عليك أن تقف على قدميك وتطاطئ رأسك !

وأن تدرك بأنّ أصل الحضارة الغربية هنا !

حين طالبتكم ايطاليا بشئ اليوم، كان عليكم أن تركضوا لنجدتها

لأنّكم إذا اقتدتم العالم الغربي مجددا إلى العصور الوسطى

لا أعتقد بأنّها ستعيدُ نهضتكم مرة أخرى

وبعد كلّ هذا لم يعنِكم الأمر

اذن احتفظوا بما لديكم، وحاولوا الإستمتاع بأطنان الحديد التي تكبّل مدنكم

وحين تزورون متاحفكم

أرجوكم .. لا تقفوا عند التحف الإيطالية أبدا ً

هكذا ستنتهي زيارتكم بسرعة كبيرة !

ربما بإمكانكم أن تزوروا مصانع السيارات الجميلة

ديزل ربّما

اذهبوا لزيارة ما تسمونه أنتم قصورا

وبالنسبة لنا هي مجرد مدن شعبية متواضعة

او اذهبوا إلى العواصم، التي تحاول تقليد فينيسيا، فلورينسا وروما

حاولوا ألا تاتوا لزيارة أجمل بلد في العالم

بما أنّكم طعنتموها في الظهر

لنْ نستقبل بأذرع مفتوحة إلّا من ساعدنا وقت الحاجة !

سنفتحُ لهم مدننا، التي لا مثيل لها في العالم

بإمكانهم زيارة فينيسيا، روما، فلورينسا، جنوى، نابولي، بولونيا، بيزا

سييزي، سيينا، تورينو، باليرمو ..

اقريجنتو، ميلانو، كريمونا، مانتوفا، فيرارا

توسكانا، مونت فيراتو . دولوميتي، لابوليا

صقلية، سردينيا

لقد دمرتم اليونان المسكينة بسياساتكم الإقتصادية

وقد حاولتم نفس الأمر مع ايطاليا، إلا أنّكم فشلتم

الآن ربما تتوقعون خبر نهايتنا

لكن في خضمّ أنانيتكم المفرطة

نسيتم بأنّ الفيروس لا يعترف بالحدود الجغرافية

وإنّه سيضرب الجميع

حتّى أنتم !

لو ساعدتمونا البارحة في محاولتنا لكبح الوباء ..

بدل عزلنا ولومنا

لربما لم تكونوا اليوم في نفس الموقف تبكون أحبابكم

أنانيتكم  رُدّت إليكم

شكراً

توقيع سيدة إيطالية

........................

* البيتان المحصوران بين أقواس ينسبان للشاعر عمرو بن معد يكرب الذي عاش بين525 ــ642م

 

ناصر الثعالبيأُهديتُ فيك وأنت أولَ هادي

        يا عاديا ًبوركتَ كونك عادي*

بيني وبينك مذْ  غنيت لي أَلَمك

                     أنامُ بينَ تفاوتِ النُقادِ

أرخيت حبلَ سفينتي فمشتْ

            كسلى تدكُ مضاربَ الأحقادِ

شمسي وشمسُك لم تكنْ غيرَالرجا

         أنْ يصبحُ الانسانُ طيراً شادي

أمسي تعاتبهُ النجومُ بهمسِها

                 أما مَلَلتَ حكايةَ الروادِ؟

أما مَلَلتَ وأنت تركضُ عارياً

                بينَ الرماحِ معفراً بسوادِ

أشكوك أمْ أدعو عليك بمعجزٍ

              يغتالُ فيكَ تزاحمَ الأضدادِ

أتعبتني دهراً  فما لك لا تعي!

            قد ذقت ذرعاً بالسلام أنادي

أُعْطي السنينَ بكلِ طيبةِ خاطرٍ

             عزلاءَ بالحيطانِ والأصفادِ

وتردُني طيفاً يغازلُ نومَهُ

                لا يستقيمَ بصحوةٍ وسهادِ

وَلَيت وجهيَ صوبَ حتفيَ طالباً

               مجداً أُقايُضهُ ببعض رقادِ

فوجدت أن ألحتفَ أسهل نيلهُ

             من ان أنام بصحبة الأوغادِ

وتعددتْ سبل ُالمنونِ فنلتها

                كلاً وأصبحَ عيشُها كقتادِ

وتنمرتْ شبهُ الرجالِ بجهلِها

            وتَنَمْرُ السفهاءِ عنديَ عادي

          ***

ناصر الثعالبي

.......................

* بسيط، مألوف، معهود، غير متجاوز مستوى عامّة النَّاس

 

 

بليغ حمدي اسماعيلأتحول كل مساء إلى وجه حزين

ما لهذي الليالي تريدني شهيداً،

أو، إماماً مقتولاً قرب الصلاةِ،

وكأني أصارع وهماً أرفضه،          

                     ويمقتني ...

أهربُ من ليلي،

ومن كل المساءات القابعة بحجرتي،

أدخن منذ شهرين، هكذا أدعي شجاعةً أني أراقب موتِي،

ولعلني ألبس الأخضر .. أحياناً ..

ليتكَ يا ولدي المسيحْ،

كي تنطق وتبصر وتسمع بإذن ربكَ،

ليتك تُعْلِمَ أني سماؤكَ، وأني الطلق الفسيحْ ..

وأنك لن تنتظر من يدي هديةً،

فأنا عطيَّتُكَ، وأنا للكيد القتلُ، والمحاولةُ، والضريحْ ..

واضرب بيديك فودي،

علَّني أسَّاقط شوقاً،  وأُمْطرُ فِضَّةً .. وأبوحْ ..

وقل لمن يسوغ مودةً : إنكَ واحدي،

فهل أشرك بكَ،

وأنت المطرُ للعطشى، وأنت الريحْ ..

أيا ولدي، مرحباً ألف دون عناقٍ،

فأنا الهوى بالفضا، وأنت مستقرُ بالفيحْ ...

ابدأ تيهك وقت العصر،

ولا تنتظر صبحاً قريباً يجئ،

فأنتَ حُجَّةٌ في شرخ الفضا،

وانظر في مرآة الريح وجهَكَ،

ما أجمل أن تضيع وحدك أيها الفتى،

وامتلئ وحدي بالنار ...

وتعاطفي معي يا أميرتي حين أغني،

وحينما أرقص، فالأطفال أنفسهم يرقصونْ ..

ولا تدعيني ألعب بالأشجار وحدي،

فالعصافير هنالك ؛  تلهو بصوت حنونْ ..

واقطعي مهلة هجرك لأناملي،

أما رأيت الأنامل لا تجيد العزف بعدك

واختزلتْ الحنينْ ...

يا ليتني علمت أن البعد يورثني نصاً كاملاً

دونما تصحيف، دونما تحريف،

          فسافرتُ منذ سنينْ ....

وأتَحَدَّثُ العَرَبيَّة، فَأنا لا أُجِيدُ سِواها،

وأنا لا أحتاج لسُؤالِ مُفتشِ المطارِ عن هُويتي،

 فَلَونُ سَمْتي أسمرُ،

وأعْتنق الإسْلامَ منذ سِنين بعيدةٍ ؛ دون حُروبٍ،

وأبي مات يقرأ الفاتحةَ بغيرِ لحنٍ،

هكذا أنا ؛

منذ عَرفتُني قبل ثلاثين عاماً وأكثَر، لا أفطن الصَّمتَ

أتحَدَّثُ العربيَّةَ،

لكنَّ وَلَدِي لا يُجِيد هَوَسَ المتنبي، ودَهْشَة أبيْهِ،

وحُرُوفُه مثل حُرُوبي تماماً ؛ فِطْريةٌ

دُونَ نَقْطٍ، أو ضَحَايا

أما عَن امْرأتي التي تُعَانق بِحُسْنها السَّماءْ

فأنا لا أُجيدُ الحديثَ عن النِّساءْ ..

ثلاثون عاماً وربما أكثر،

وشاهدٌ على ثلاثة حُروبٍ، أو ثلاثْ

وثورة مخاضها بغير اكتمالٍ،

مُدجَّجاً بالإحساسِ، هكذا أنا

رَجُلٌ لا أعْتَابَ له،

وتَضِيع سَاعَاته مُنْتظراً

والموتُ ليسَ كَعادَتِه يَفُوته مُتَجاهلاً ..

ألْفُ مرةٍ يزدادُ الليلُ ظلمةً لِغيَابِ نورك

وأنا مُقْتنعٌ أيا وَطَني الغَائب عن الخَارطةِ

أنَّ كلَّ لَيلٍ لَسْت فيها مُشْتَعلاً

                      أنِّي كَذِبٌ،

وسيفٌ دُونَ عراكٍ ..

قَذْفٌ هنالك،

وهنا من يتربَّص بِخِدْرِ نِسَائي في الصَّحْوِ، هي عادته،

أو إن شِئت أيُّها الشُّرطي الدَّولي فقل :

هؤلاء أقوامٌ اسِتأثروا بالوَسَنِ وحدهم،

فما يعنيني أن تَفْجُرَ ذاكرتي بحديثِ حضارةٍ،

أو تفجؤني بِعَلَمٍ ؛

ظنوا أنه يحمل علاماتِ نصرٍ ..

واذكرني في أوراقكَ ككلِّ المدنِ الثَّكْلَى،

وكلِّ التي تحمل اسْماً عَرَبِيَّاً كَجَنِينْ

وتحمل شُخُوصاً عَربيَّة كالمَسْرحيَّاتِ المَرِيْضَةِ ..

هَلَكَ،

واسْتهْلكتْ كل الأصْواتِ النَّائِحَةِ خَلفَ مَوتي،

أمتَقِعُ مُنفَرداً ..

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

 

عبد العزيز قريشلا تترك حبك في حبي

وارحل عني مليا لعلي ألملم ذاتك من ذاتي

فأنت أحزاني

قيد أطرافي

سجن جسدي

غربة روحي

ارحل عني واترك ظلال هواك في هواي

أعانق أطيافه في صمتي

في دموعي

بين خطواتي

على همسات قلبي

ارحل عني واترك كل ذكرياتك في دفاتري

في صوري

على قسمات وجهي

ترسم سفرا إلى أحلامي

تحفر قبرا لبقايا حبي بين أضلعي

حيث ترقد حروف تهواك

تلوح برذاذ عشقي لخيال ناداك

تغمر ثغري بسمات أمل يأتني

بين يديك

على أطراف أقدامي

بين شغاف فؤادي

أحمل ذكراك في شوارع دنياي

وأجري وراء نظرات مقلتيك

أحضنها بكل المطارح

وأصنع منها قوس منام

وأحطم كل الأيام

في طريقي إليك 

***

عبد العزيز قريش - فاس

 

 

 

عبد الجبار الحمديمثلما استباحت سنين عجاف السلطة بكارة فكره، صار لا يتقمص قول الحقيقة حتى في ظنه، فشرع يفترش الوحدة وإياه يتسامران الليل التي فرض عليها ان تكون جارية، بعد ان طوعوها بمسمى جديد قديم فالجواري تباع وتشرى أما هذه فهي دون أجر الكثير من البشر يقتنيها دون ثمن لأنها المؤذن الوحيد الذي لا يصلي وراءة عين دسيسة او أذان مسترق للدولة... بصيرة عيناه يفقد النظر عندما تطاله العتمة التي يستوحيها من ظنه القابع بعيدا عن تفرسات عقل لا يمت لخلايا بمادية التفكير، فراغب في حوار يجهز لسانه الى سطور أدب وثقافة غير أن الواقع الجديد يفرض عليك ان تترصف وانت على الخابور لتسمع خطبة جاهلة عن والي يديه ملوثة بالفساد فقط لأن السلطة تأمر بذلك، ترك المصلين، أخذ وظنه ينظران اليهم وهم يقومون بالتمارين أكثر من العبادة فذاك ينبش خشمة وهذا يداعب خصيتية وأخر يتطلع الى البعيد والكثير يتلصص عمن يراه فيبتسم إليه كأنه يؤدي برنامج صباحي عن نشط نفسك... تلك المرة كانت الأخيرة التي صلى فيها فبعدها كان الورع الديني والتبريكات والتهاني تنصب على قفاه لطما وهم  يلومونه لم قمت قبل الخطبة إن الخطبة كانت تهتم بحاكم الوطن والمناقب التي يحملها فلولاه ما كانت لكم الحرية في الصلاة، لولاه ما كانت لكم حرية التعبير، لولاه ما كان لكم أن تسيروا مشيا في زيارة، كل شيء اباحه لكم جاء بالحداثة ونقر على انوف البغي فلم انت بعيدا عن كل ذلك؟ لم افتح فمي لأجيب فقد كانت اللطمة كفيلة بأن تخرس آدميتي الى الأبد فجررت أذني بأن لا اعود لمثلها، بل طلبت منهم أن يعفوني من الصلاة سأتحول الى شارب خمر أطارح البغايا كي أكون عنوان فساد بتدين جديد، كان الضرب علي أشد فعمدوا الى أن أواضب على الصلاه وحضور الخطبة وإلا... فأجبت سمعا وطاعة

الغريب أن قول الحقيقة لمن أعرف يصدقها لكنه ينكر قولها إلا الخفاء.. لذا جعلت ظني هو من يقوم بالحديث بدلا عني على الأقل اللطم الذي سيتلقاه لا يهدم سوى حواف زوايا مرآة نفسي فهو ظن يتفسر مع دخان عود بخور او دخان سيجارة، الى أن جلست يوما على المقهى الذي كنت في السابق من مرتاديه، رآني صحب تحاشوا الجلوس معي فسلموا من بعيد والبعض أنسلخ بحذائة مبتعدا تاركة جوارب رائحة ظنونه وقد شممتها تقول لنبتعد قبل أن يصيبنا بالشبهة.. لم اتحرج او اعير هَما فأخذت لنفسي كرسيين، انزويت ثم طلبت الشاي لي وحجزت للصديق الكرسي، بدأت ادير رأسي دون أن احركه فعيناي كانتا هما من يفعلان ذلك، بدا الاستغراب على الجميع فكل الانظار تتجه صوبي مددت يدي الى وجهي وشعري المتبقي بعد سقوطه فركا لويلات وهموم والى بنطالي اتحسس ربما كان السحاب مفتوحا ولم اغلقه وإن كان فتحه أو غلقه لا يغير شيء فلقد عركته المنون وبات ما يسكن داخلة مجرد قناة للبول فقط ههههههههههههههههههه، سمعت ظني يقهقه يا لك من خبل حتى في اشد حلكة وضعك تبحث عن النكتة والله احبك حين تدق على جرس الضحك فعالم من القتامة أحطته بنفسك وبي أنا فصرت لا أقص عليك سوى قصص الشؤم والحلكة... كنت احسبك غير ما انت! اعلم جيدا ان إنسانيتك أهينت وقرفصت كبرياء كالمساجين عوقبت بالإهانة لكنها يا خليلي هي عالمك الذي نشأت وترعرعت عليه وفيه قيم، مبادئ، حكايات بطولة ومعارك، ألف ليلة وليلة حضارات متعاقبة، جهل مستورد، دين أزلي بعقده التي لا تنحل، أدمغة بصورة الحزن الأزلي والذنب الباقي حتى قيام الساعة لا يمكنك ان تغيرها بفرقعة أصابع.. لا اقول لك الايام كفيلة بذلك، وإن قلت اكون كاذبا فأنت تعلمني جيدا اني بعيدا كل البعد عن يد المتسلطين، رأسك هو الثمن، فمقصلة الحقيقة والجهر بها ما ان تخرج على لسانك يكون فيها  قرار بقاءك، أليس كذلك؟؟

يا لك من مخبول عندما تظن يوما ما انك ستغير من الوضع، إن جريرتكم الجهل والدين المبرقع فقد حجزتموه كما بقية الاديان التي تتلبسها السلطة، فكل حكام العالم يرتدون عباءة الصلاة أمام شعوبهم وفي خلوتهم يسيرون عراة على سواحل السلطة، خلفهم جلادي الموج العالي الذي لا يركبه سوى الزبد وانت يا هذا الزبد... هيا اشرب شايك قبل ان يبرد..

عدت بعد ان اغلقت سحاب بنطالي ورشفت الشاي مرة واحدة، أردت قول شيء لكني كححت فرميت بالشاي على ثيابي فخجلت من نفسي ... سمعته تقول:

إني لا اخاف الجهر بالحقيقة لكني أخاف على الحقيقة نفسها، فأنا لا اريدها ان تقاد الى السجون فتفض بكارتها وتهان او تقلع اظافرها، أعينها، وأعتقد هذا هين لكنهم أبدا لا يتورعون عن قطع لسانها وهنا يكمن خوفي وفزعي فمن غيرها سينطق بها او يجهر؟! لذا جعلتها أمانة عندك حتى تصرخ بها في يوم ما لعلك تصيب أحدهم في صوان عقله ليقبل حملها كالانبياء الذين حملوا الحقيقة وهم يعلمون نتيجة عذاب وجرم من سيتقبلها..

إذن يا خليلي تريدني أن اكون كبش فداء لأفكارك والحقيقة المُرَة، انظر حولك فجميع من تراهم يحلمون بالحرية المادية، إن عالمهم الافتراضي بالتكنلوجا جعلهم مصفوفات رقمية يجهرون الحقيقة بشكل خدع الكترونية يمتصون الخوف من الاضاءة العادئة والغريب ان اعجاب ما يصيبهم ردا يفرحهم، عالم افتراضي حتى الذم فيه مدح الجميع، علماء وفلاسفة، اخطبوطات معلومات لكنهم في الحقية المجرد عقلية يشوبها الفزع والخوف من سلطة ما... لذا سأتحمل حقيقتك لكن على شرط ان لا تبوح بها فربما ستصرخ بها في حال انفعالك من شيء ما...

لم يكمل ظنه الحديث حتى وقف قبالته شخصان ما ان رآهما حتى صرخ إني لم أفعل شيئا؟ ماذا تريدان؟؟ لم ابح بالحقيقة لأحد!!؟ اقسم لم افعلها سوى أني أسررتها الى ظني وهو بعيد عن الواقع ارجوكم، فأشاروه إليه..

لا مستحيل دعوني أعيش الحلم معه أرجوكم لا تقصلوا ظني فأنا دونه جسد بلا عقل...

فما ان سحبوا ظنه حتى اخذ يرقص .. بلا عقل .. بلا عقل.

 

القاص والكاتب

عبد الجبار الحمدي

 

عبد الاله الياسريفـــداءُ مَن جعلتَني في الهـوَى مَثـَـلا

حسـنـاءُ تَقطـرُ، مِن حُسنٍ لها،عَسـلا

 

كَحَّتْ، فأَدبـرتِ الأَبطــــالُ هاربــــةً

منهـا، ولـم تَلقَ غيـري مُقبِــلاً بَطَـلا

 

أَوشكتُ رغـم (كُـرونا) أنْ أُعـانقَهــا

حُبَّـاً بمـوتٍ علَى صـدرٍ لهــا سَـعَلا

 

دنـوتُ لــــم أَتجنَّبْهــــا وكـــاد فمـي

يَعـبُّ من شــفـتيـهــــا موتَتـي قُبَــلا

 

وصافحتْ كفَّهـــا كفِّي، وصَبَّ لهـــا

مـن مقلتـي أَدمعـــاً حُبِّي لتغتـســـلا

 

أَخــاف منّي عليهـا أَنْ تُصابَ، ومــا

أَخــافُ من لمسِها أَنْ يَجلبَ الأَجـلا

 

وقــد يعيـش مـع الفيـروس ذو ثقــةٍ

وقــد يَمـوتُ بلا فيروسَ مَن وَجِـلا

 

قالتْ: أَمَـا خفتَ من قُـربٍ؟ فقلتُ لها:

أنـتِ الحيــاةُ. وأَمَّـا أَنْ أَخـــافَ فــلا

***

أوتاواــ كندا

 

 

 

مصطفى عليتعزفُ

لحْناً شرقيّاً


مُمْتَنِعاً، ما عَزَفتْ، سَهْلا

         هزّتْ يداها في دمي النخلا

فإسَّاقَطتْ أرطابُ نخلتها

          أعذاقَ ضوْءٍ أغوت الحفلا

رشّتْ عبيرَ الطَلْعِ مُشْعِلةً

         في مُهجتي البستانَ والحقلا

أهلاً وسهلاً بالتي بعثتْ

        في خافقي النهرين يا (أهلا)

دارتْ نواعيرُ ألفُراتِ بلا

           دمعٍ يحاكي دمعتي الثكلى

وإفترَّ  ناعورٌ  بأغْنيةٍ

         حُبلى بهجْرٍ يشتهي الوصلا

تروي فصولاً من حكايتنا

         حينَ إجترحْنا للهوى فصلا

مَدّتْ جُسورَ الحُبِّ وإختطفتْ

          مُهْراً أصيلاً يقتفي الأصلا

أمسى الندامى دونه غجرٌ

     مُذ غادروا أو ضيّعوا (الأهلا)

صاغوا القوافي والرُؤى سُوَراً

            يسمو بها النُسّاكُ لو تُتْلى

ما الشِعُرُ إلّا لحْنُ ساجعةٍ

             من قلبِ خِلٍّ ضيَّعَ الخِلّا

في القلبِ أبوابُ النجاةِ فَتُبْ

             عن أُحْجياتٍ تفتِنُ العقلا

في القلبِ لا في الرأسِ بوصلتي

              وجاهلٌ من خالها جهلا

خُذْهُ دليلاً كُلّما عَسُرتْ

            وإنهلْ وصالاً عانقَ الدَلّا

عزّافةٌ قد أطربتْ أُذُني

            ما ملّها سمعي ولا (كَلّا)

طارتْ وحطّتْ مثْلَ هادِلَةٍ

            يُشجي صداها زادَ أَمْ قلّا

لو عانقتْ أنغامُها حَجَراً

          فرْطَ التجلّي صاحَ وا ويْلا

كَلّا لَإنْ لم ترْشُفي لُغتي

             لن تقطفي أعذاقَها (كَلّا)

أعذاقها قد عُتِّقتْ رُطَباً

          أو مُسْكِراً لا يورِثُ الغوْلا

كم ألهمتْ عُشّاقها غُرَراً

                وألقمتْ عُذّالها الهوْلا

هاتِ نبيذَ الشرقِ عَتّقهُ

                دَنٌّ بقلبِ البيدِ لا يبْلى

غنّتْ مع الأطيارِ سقْسقةً

       إذ دنْدنتْ عصفورتي الجذلى

معزوفةً من ضوعِ ميْسَمِها

           رشّتْ بها الكافورَ والطَلّا

لحْناً شجيّاً فرّ من قفصٍ

            قد روّضَ المفتاحَ وإنْسلّا

كأنّما أنغامه شَرَكٌ

             يصطادُ قلبي حيثما ولّى

ربّاه عفواً ثمّ مغفرةً

                إمّاً فُؤادي شطَّ أو زلّا

مالتْ إليْها كُلُّ موْجِدَتي

             وإلتاعَ قلبي بعدما صلّى

أوْدعْتني عشقَ الجمالِ ولن

         يرضى عتاباً عاشقُ المولى

حيثُ السراطُ المستقيمُ لنا

             عشقٌ عفيفٌ يغفرُ الميلا

في بَهْوِ فِردوْسِ الورى طَرَباً

               نفنى غراماً يأنَفُ الذُلّا

نفنى لِنحْيى في مجامرهِ

              كم داوتِ النيرانُ مُعْتلّا

يندى فُؤادي قُرْبَ حضرتكم

              فإرحمْ فقيراً يبتغي حلّا

قُلْ للبَنانِ الناقراتِ دمي

            كم خلّفً التنقيرُ من قتلى

ترمي رُديْنيِّاً أصابِعُها

          أحْيتْ بروحي طعنةً نجلى

الطيرُ فرّتْ من أناملها

       طارتْ بروحي للسما الأعلى

أظفارُها صالتْ على كَبدي

           ويْحَ (الپيانو) باركَ الفِعلا

حَييوا (الپيانو) إذ عنادلهُ

            تُملي عليها خيْرَ ما يُمْلى

غِمْدُ (الپيانو) قُدَّ مُنْحسِراً

           أمّا فُؤادي فإرتدى النَصْلا

عاقرْتُ موسيقى الهوى ثملاً

            والقلبُ في أمواجها إبتلّا

فإختلَّ نبضٌ مُسرعاً خبَباً

          ثمّ إستوى من بعد ما إختلّا

إذ جالَ فِيهِ بُلْبُلٌ غردٌ

             حازَ السُويْدا منه وإحتلّا

مُذْ دغْدغتْ أزرارَ مِعْزَفِها

          من كُلِّ حدْبٍ جمّعتْ شمْلا

قالوا كلامًا عابراً ومضوا

               لكنّهم ما أحْسنوا القوْلا

قالوا لها رفْقاً بذي شَغَفٍ

                 لا ذِمَّةً راعوا ولا إلّا

لا لم يُراعوا عاشقاً دَنِفاً

           لن يصطلي شعراً إذا مَلّا

ناديتُها يا خيْرَ ساقيةٍ

             علَّ المُنادي يرتوي عَلّا

عيناكِ للشُبّانِ ما ئلةٌ

             مأسورةً بالنظرةِ العجلى

دارتْ على الجُلّاسِ أنبذةٌ

              ما بالُ شيخٍ عاقرَ الخَلّا

تسقي الندامى دونما كسلٍ

            حتى إستفاقتْ ليلةٌ كسلى

تسقيهمو شهداً : جَنى عسلٍ

            ما أكرمَ العسلاءَ والنحْلا

نَثّتْ عليهم وهْجَ حُمْرَتها

        والطعمُ لي من زهرةِ الدُفلى

المرُّ لي واللونُ حِصّتُهم

         ضيزى إذن يا واهبَ العدلا

سائلتها ما ذا جرى عجباً

              في ليلتي الليْلاءِ يا ليلى

لولا حياءٌ شابه خجلٌ

             أشعلْتها رقصاً ولا أحلى

في ذمّةِ الشيطانِ فلسفتي

          ما ذا جنينا من صدى لولا

يا حائكاً أسمالَ حِشْمَتهِ

            لا تُرْهقِ المِنْوالَ والنوْلا

لو نُلْتَ من خيّامنا حِكَماً

            نُلْتَ المُنى ما أسعدَ النيْلا

إذ فازَ باللذاتِ مُقتحِماً

         لا يستشيرُ الخطْوةِ الخجلى

يدلو بدلْوٍ والدِلاءُ لها

                   حظٌّ بماءٍ كُلّما تُدْلى

لا تعْذِلنْ طيشي على كِبَرٍ

           مهلاً، رُويْداً، عاذلي مهْلاً

رأسي غدا بالشيبِ مُشْتَعِلاً

           لكنّ روحي بالصِبا تُصلى

ما حيلةُ المفتونِ مُكْتَهلاً

          ويْحَ الصِبا كم عذّبَ الكهْلا

رقّ الهوى يا طفلتي نغمًا

              أحيى بقلبي ذلك الطفلا

ما الشيْبُ إلا الثلجُ أو حَبَبٌ

           يجتاحُ رأساً جرَبَ الطَوْلا

والفجرُ في الصِدغينِ شقْشقةٌ

                 لِعندليبٍ روحُهُ حُبْلى

فجرٌ وثلجٌ حينما هطلا

            قد علّماهُ الصبر والحوْلا

شيخٌ وقورٌ زانَ مجلسكم

         بِئسَ النُهى إذ تجهلُ الأوْلى

     ***

مصطفى علي