ليث الصندوقتأبين متأخر كالعادة إلى فؤاد سالم

-  دو –

كلّ صباح

يُلقيه الحرّاسُ من القلعة موثوقاً للبحر

فتحوّل جثتَهُ الأمواجِ إلى ألحان

توقظ رائحةُ الدمّ الصخّابةُ في عشْب البحر الرغبةَ في الرقص

ومن الدوّامة يصّاعدُ كبخار الفجر صُداحٌ مجروحٌ

هل صوتُكَ هذا؟

أم صرخاتُ الغرقى المعجونة من الآف الأعوام بطين القيعان؟

أم هو صوتُ تكسّرِ ألواحِ الشمس بأسنان الحيتان؟

**

ومساءً تقذفُهُ الموجةُ للقلعة ثانية

ليُعيدَ على أسماع الحرّاس مواويلَ الحرمان

- ري –

في آفاق لم تثقبْها أنفاسُ القنّاصة

كنتَ إذا ما أغرتكَ الريحُ وطرتَ بعيداً

تركتكَ وعادتْ تتنفّسُ روحُكَ عِطرَ العشّار

**

إعتدتَ على الطعناتِ

فما عادتْ توجعُكَ الطعنات

وعلى الجلاّد تعوّدتِ الأبوابُ

فهيَ لمرآهُ بلا طَرْقٍ تُفتحُ عن بُعدٍ

أصبحَ لفحيح الجَلاّد مذاقُ فناجين الأقدار

تترقّبُهُ كحبيبٍ غائب

فإذا ما طالتْ غيبتُهُ

أرسلتَ إلى الغابة بحثاً عنه المنشار

- مي –

كانوا يُرعبون ما في جوفكَ من طيور وأسماك

يُلقون سنّاراتهم في جوفك

فتعود محمّلةً بالقبلات

كانوا مرعوبين

يرون إليك تُحلق فوقهم

فتتفكك أجسادهم مثل قِطع الميكانو

لقد جردوا صوتك من جواز السفر

فظل يتنقل

متخذاً رُتبهم العسكرية منصّات انطلاق

بينما كانوا يُطرَدون من أسِرّة نومهم

وأيديهم تحمي رؤوسهم من صفعات الشمس

عندما فشلوا في اقتحام أسوارك

كلفوا الموت بإدارة المعركة

ومنحوه صلاحيات مطلقة

يومئذ كنت منهكاً

لكثر ما هرّبتَ إلى القمر من آهات العاشقين

صار الموت يتقدم من سريرك على حذر

مخافة أن تباغته بلحن جديد

يتقدم خطوة

ويتراجع خطوتين

وأنتَ تصرخ في وجه :

لماذا الجُبنُ

وفي ترساناتكَ كلّ هذه الأسلحة

- فا –

كلّ صباحٍ

تدفعُ عن نبضات القلب ضرائبَ للشيطان

ألأفقُ يضيقُ

فتوسِعُهُ بإزالة سدّادتِ قناني الخمرِ

وتحريرِ الغيلان

لكن حين تضيق على العنق الأنشوطةُ

تتحوّلُ أسرابُ الطير بفيكَ إلى ذؤبان

- صول –

يخفق بجناحيه فلا تُفلتُهُ الريحُ

يهمسُ للغاباتِ

فتُنضجُ أنفاسُ اللحنِ عَراجينَ النيران

ولكي يُنقذَ صرختَهُ قبلَ تفتتها في أملاح النسيان

سيعودُ مساءً

يضفر أمواج المدّ حبالاً

وبها يتسلق أسوارَ الأمل الحجرية

وينام إلى صبح الموت التالي في ذاكرة الحيتان

- لا –

لم يكُ يسترضي الموتَ ، ولا يستبطئهُ

بل يستمتع كان برشف الكأس المرّة

وكما تُخفي صرختَها في لحم ضحاياها العُقبان

خدعَ الحراس

فأخفى اللحن بأحداقِهُمو الصمّاءَ

وأخفى الكلماتِ بحشواتِ الأسنان

- سي –

منذ قرون غادرتَ البصرة

لكنك حتى في موتكَ تشتاقُ إليها

والبصرةُ ما عادتْ في سُفن التجار دوارقَ طيبٍ

رابعةُ العدويةُ إعتكفتْ لله

والسيّابُ تخلى عن حِصّتِهِ للموت بنُزْل الأقنان

والطاغيةُ حسيرُ الرأس تخلى عن سُفرته

لطغاةٍ بعمائِمَ من خِرَقِ الأكفان

يُلقيه الحرّاسُ من القلعة موثوقاً للبحر

فتحوّل جثتَهُ أوتارُ الأمواجِ إلى ألحان

توقظ رائحةُ الدمّ الصخّابةُ في عشْب البحر الرغبةَ في الرقص

ومن الدوّامة يصّاعدُ كبخار الفجر صُداحٌ مجروحٌ

هل صوتُكَ هذا؟

أم صرخاتُ الغرقى المعجونة من الآف الأعوام بطين القيعان؟

أم هو صوتُ تكسّرِ ألواحِ الشمس بأسنان الحيتان؟

**

ومساءً تقذفُهُ الموجةُ للقلعة ثانية

ليُعيدَ على أسماع الحرّاس مواويلَ الحرمان

- ري –

في آفاق لم تثقبْها أنفاسُ القنّاصة

كنتَ إذا ما أغرتكَ الريحُ وطرتَ بعيداً

تركتكَ وعادتْ تتنفّسُ روحُكَ عِطرَ العشّار

**

إعتدتَ على الطعناتِ

فما عادتْ توجعُكَ الطعنات

وعلى الجلاّد تعوّدتِ الأبوابُ

فهيَ لمرآهُ بلا طَرْقٍ تُفتحُ عن بُعدٍ

أصبحَ لفحيح الجَلاّد مذاقُ فناجين الأقدار

تترقّبُهُ كحبيبٍ غائب

فإذا ما طالتْ غيبتُهُ

أرسلتَ إلى الغابة بحثاً عنه المنشار

- مي –

كانوا يُرعبون ما في جوفكَ من طيور وأسماك

يُلقون سناراتهم في جوفك

فتعود محمّلةً بالقبلات

لكنهم كانوا مرعوبين

يرون إليك تُحلق فوقهم

فتتفكك أجسادهم مثل قِطع الميكانو

لقد جردوا صوتك من جواز السفر

فظل يتنقل

متخذاً رُتبهم العسكرية منصّات انطلاق

بينما كانوا يُطردون من أسِرّة نومهم

وأيديهم تحمي رؤوسهم من صفعات الشمس

وعندما فشلوا في اقتحام أسوارك

كلفوا الموت بإدارة المعركة

ومنحوه صلاحيات مطلقة

يومئذ كنت منهكاً

لكثر ما نقلت على ظهرك إلى القمر من مواد البناء

صار الموت يتقدم من سريرك على حذر

مخافة أن تباغته بلحن جديد

يتقدم خطوة

ويتراجع خطوتين

وأنتَ تصرخ في وجه :

لماذا الجُبنُ

وفي ترساناتكَ كلّ هذه الأسلحة

***

شعر / ليث الصندوق

 

 

فرات اسبرالقلب لؤلؤةٌ ، تضيء، تبحث عن مصيرها الغامض.

تشرحُ لهذا المحيط، عن المساحاتِ الواسعةِ الأبعادِ،

عن اختلاف الفصول، في القارة الجديدة، حيث الصيفُ يكونُ الشتاء وحيث الربيعُ، يكونُ الخريفَ.!

إنها حربُ المسافات التي تفصلُ ما بين الكراهية التي نَمتْ كشجرةٍ  وبين الحب الذي نمّا في بحرٍ ميتٍ .!

للضوء سيرةٌ ناقصةٌ، لا تكتمل إلا في دورة الحب .!

كانت أغنية، كتبتها لكَ في سنوات التيّه، حيث كانت أصابعنا تشتعلُ بحروبها . كم من مرةٍ حاولتُ كسرهَا، تلك الأيام، تلك التي كانت جرحاً  مغسولاً بالملح .

اليأسُ خلقَ سماءً بيننا، أعطىَ معنىً لي بأن لا أعودَ إلى المتشابهات أنت  من طين ٍ وأنا من ماء .

كلما جُبلنا ازددنا ابتعاداً . هل هو الجفافُ الذي صنع الأغنية التي فرقتنا.؟

المطرُ لا يفرق بين ذكرٍ وأنثى، يسرقُ الكلمات من قصائدي ويلومني .

يقول لي:

لا تكتبي أشعاراً للحب.

لا تعطي للكراهية معنىً ، ازيلي الغشاوة عن عينِ الشمس، كي تري ماخلفها من ظلام.

أحببتُ الصدقَ في المطرِ، وتعلمتُ الخوفَ من العواصف، وما بينهما،كنت أذهب إلى، حيث تفيضُ الأنهار بالحب .

قلتُ لكَ : أنا لا أومن بالحداثة، حتى الجنون بكل أشكاله، عجز مني،

وفي لحظة اليقظة العظيمة لعقلي الواعي أدركت ُكم أخطأتُ بحق نفسي،

بحق الورود التي كنت أزرعها من يأسي وأنتظر جفافها من يأسي وأعيد زراعتها من يأسي وكلُّ عامٍ انتظرها من يأسي..!

تتكرر دورة الحياة في يأسي وكأنني ماءٌ لا يحدهُ غير الماء، فاغرقْ معي أيها الحب، ولا تتنفسْ، احبسْ انفاسك في أنفاسي، فلقد فَقَد الهواءُ الأوكسجينَ، إنني أسمعُ أنفاَس الكربون تتقدم .

لا أودُّ أن أتكلمَ عن شغفِ الماءِ بعناصره، اسمي، ما زال يعني لي الكثير،حتى أصبحتُ ينبوعاً ، ينبوعاً تأتي إليه عصافير الجنّة وتشهدُ:

تلك امرأةٌ، لا تشبهُ النساء في الحبِ ولا في التيه.!

في هذه اللحظة التي تفصلُ بين الأصابع التي كانت في حربها الطويلة،

الأصابع التي كانت تعدُّ الأيامَ وتحسبُ الزمنَ، تحولت إلى أسماكٍ فضية .!انظر  إنّها أصابع يدي الناقصة ،المكتملة، قد نَسيت إيقاعَ أولِ قصيد ةٍ  كتبتُها عنك ..

أيّها الحب:

أغنيةٌ أنت في أذني التي لا تسمع وفي عيني التي لا ترى.

فاذهب إلى مصيرك، حيث الصوفي والعاشق والمنسي، الواهمون بوجودك، ويصورونك بالبديع من الجُمل.

اذهبْ إلى عين الشفق، هناك حيث يتبعثرُ الضوء على وجوه المحبين، لكنك لن تراني، سأكون قد مضيت عالياً وبعيداً هناك في عينِ الغسقِ...!

 

فرات إسبر

 

 

نجيب القرنعن أي شيء تبحثون 

هذا الضباب لم يغادر بيتنا

والمدينة  شاخص رتاجها

يرنو لكف حامية  

وطيور بهجتنا التي ..

ظننتَ جاء ربيعها  

مرت ولكن دون لحن ِشدوها

يا سادتي

كم صرخنا تحت سفح بروجكم

وجه المساء طال

لا وقت أن تغازلوا كواكب الأسحار 

وتشهروا في العتمة القرطاس والأقلام

أو ترسلوا (لقمان) أو (سحبان) للحوار

يا سادتي

لم يطلع الصباح بعد عندنا

أو أنه لم يكتمل

هو لن يُطل دونما احتدام

لن يجيء هكذا ..

إن ظللنا نرفع الأكف للسلام

وللسماء بالدعاء ألف عام

يا سادتي

أبعد ما  تحطمت مرآتنا 

وروع الهزار

واصفر لون الجلنار

نبقى على انتظار

يا سادتي

لأنكم لم تصرخوا في أول النهار

لم تركلوا الأبواب

لم تكتبوا على الرصيف نحن ها هنا

لم تشحذوا سيوفكم

ولم تجربوا لغة الجنون مرة

لذا لن  يرحل الظلام

 ***

شعر: نجيب القرن - تعز

24 / 11/ 2011م .

 

محمد المهديسُهادُ اللّيل يَأسرُ وَساوسَ النّهــار

و مُقْلَتــي،

حين تَؤُوب في دواخلي شُمُوسُ الحَنين،

وتَخْـبو جَدوةُ اليومِ و الغَـِـد الهَـروب.

ليْس يُغريني انحــناء الغَسَـق،

صوبَ عيوني الُمكْحلَــة بالتّــيــه..

و لا تَعبُـرُ مِن عَلى وَجْنتـي أنفاسُ الفجـر العَليل !

كنــتُ هُنــاكَ وَ كُنْـــــتِ،

حين كانتِ الشّمسُ والقمَـر..

وكانتْ عيون اللّيل تَـرقُبُ هَمْسَنــا،

وأنــا أَرقبُ انْشِطارَ الدِّفْـئ في مُقلتيـكِ!!..

أُبْحِـرُ دُونَـمـا قـــارب،

وأَغــــرَقُ في لُجَّـــةٍ من سِحـــرٍ دفيـنٍ..

خالَـطَ نَـهْــــدَ النّـــدى

و عَبيــرَ الخُــدود..

فكان مِـزاجُــهُ تِــرياقٌ من سُهـــاد،

وانفــلاتٌ من سَطْوَة الأنـيــن.

لَيت الليلَ يُؤجِّل مواعيدَ الرّحيـل !!

أنا و أنتِ و عَبَقُ السَّواد..

نَرسُم خُطى الأفلاك حين تَبوح بأسرار العُشّاق.

و نَكتبُ حكايات النّجوم المُتَمَنِّعَةِ عن الضّياء..

لعلّ الصّبح يَأْتينا بِغَـدٍ ظَلَلْنــا نَرقبُهُ

منذ الأزل..!!

***

محمد المهدي - المغرب

 

 

عبد الرزاق داغر الرشيدأتظنَّ أني

سأبقى راكعةً بين يديك؟

أتظنَّ أني

سأمنحك اغتصابي

كما الأمسِ

وتهلهل

بين ثنايا جسدي

الذي ما عاد

يستهوي

حاقداً

نتناً..بائساً

يتصرف كما الحيوان

حينَ يجوع

**

أغمض عينيَّ

إن دانَ ظلكَ

أحفر جمجمتي

كي أخرج

أكاذيبك

وكل ما استقر

في ذاكرتي

من وعود

وشهوة العبيد

**

يا رجلاً

ما عدتَ فارسا

ولم أعد أنا

استراحةً

للمقاتل

المتقهقر

الجبان

**

واهمٌ أنتَ

مهما تقدم من عطايا

ومهما تذل نفسكَ

وتتوسل

وتقبل أرضي السمحةِ

وتسفكُ دماً

لنْ أعودَ إليك.

***

عبد الرزاق داغر الرشيد

 

 

حيدر جاسم المشكورما لي أراك عصيّ اللقاء

وبيني وبينك ضفاف نوارس

وبستان زهور ونخلة

موعدنا الحبُّ

غرة الياسمين

عند ارائك الآس

نُقبّل بسمة الشمس على الجبين

وطيوف من الفراشات ترفرف في رحيق الأمل

تبارك لنا عبق اشواق مجنونة

تتسلق جدران قصب الماضي

هناك.. حيث نطوي المسافات بمرسال

بخيط أملٍ ودخان

بلحظةِ سُكرٍ دافئةِ الالوان

نطرز الورق بحواشٍ من قلوب والهة

ونبال مارقة الحنان

يعيشُ قلبي عامه الزجاجي الاول رغم الكسر

وتشظي مرايا الخجل

يراكِ في كل شظيةٍ ألقَ أرقٍ

يعاضد ذكراك ويثمل

على همس مزمار البريد

(اجراس دراجته البالون)

وحقيبته الوحيدة التي تحمل في طيّها المعقود

بشرى الوصال المرتقب

ما يسد رمق الانتظار الطويل

وظمأ اللهفة والحنين

***

حيدر جاسم المشكور

العراق/ البصرة

 

 

احمد الحلي(كنتُ في سالف الأيام شاباً، وفتاة، وغصناً مزهراً، وطائراً، وسمكة تسبح صامتة في البحر).. إمبادوقليس

كنتُ زورقاً

بوسعي ان اتذكّرَ أيضاً أني كنتُ ذاتَ يومٍ  زورقاً خالياً يطفو فوقَ سطحِ ماءِ البحرِ تتقاذفُهُ الأمواجُ وتؤرجحُهُ الرياحُ . علمتُ بعد ذلك بناءً على إيحاءاتٍ خفيةٍ ان الزورقَ الذي هو انا لم يكن خالياً تماماً . فثمةَ روحٌ جبّارةٌ لماردٍ تتحكمُ بي وتختارُ الوجهةَ التي سأذهبُ إليها، إذن فلا خوفَ عليّ من الغرق علمت ايضاً أن مهمةَ محددةً أوكلت إلى هذا المارد تتمثلُ في التقاط ارواحِ غرقى هذا البحر الفسيحِ وتعبئتها في قارورةٍ زجاجيةٍ يمتلِكُها ومن أجل ذلك كنت أرى ظلالَ الماردَ وهو في حركتِهِ السريعة الدائبة ذهاباً وإياباً وفي كافةِ الاتجاهات، وبعدَ ينالَ منه التعبُ كنت أراهُ يستلقي ويصدرُ شخيراً مزعجاً وفي اوقات استراحته كنت اراه يفتحُ سدّادةَ القارورةِ بحذرٍ شديدٍ ثم يضعُ اذنَهُ عند الفتحةِ وهو في حالةٍ من النشوةِ  والطربِ والانشراح  فانتابني الفضولُ لمعرفةِ ما يسمعُ ولما كنتُ على علمٍ بمدى حذرِهِ فإني حرصتُ على إختيارِ الوقتِ واللحظةِ المواتيةِ والتي تتمثلُ باحتسائِهِ جُرُعاتٍ من الخمر وهي اللحظةُ ذاتُها التي كان الماردُ يفضّل فيها ان يفتحَ السدّادةَ ويُصغي للأصوات .

وضعتُ أذني وأتيحَ لي ان أسمعَ صوتَ جموعٍ غفيرةٍ وهي ترددُ بصوتٍ منغّم :

نحنُ شعبُ القارورة

أبعدتنا عنها المعمورة .

**

نافذة

بوسعي ان اتذكر اني كنت ذات يومٍ نافذةً في بيتٍ مهجورٍ تُطِلّ على ثنيةِ طريقٍ اعتادَ ان يلتقي عندَها عاشقانِ . كنتُ أستشعرُ النشوةُ والبهجةَ وانا أرقبُ في شوقٍ تلاقيهما واللحظاتِ الحميمة الأثيرة أرى وأسمعُ ما يدورُ بينهما من نجاوى تجعلُ الدماءَ تتدفّقُ في عروقي مجدداً أنا التي تدخلُ الآن في طورِ الكهولة ....

في ذاتِ يومٍ رأيتُ الفتاةِ تأتي إلى موعدِها كان المطرُ ينهمرُ بغزارةٍ ولكنّ الفتى لم يحضر وبقيت العاشقة تنتظرُ لبعض الوقتِ ثم ذهبت لحالِ سبيلِها مكسورةَ الجناحِ . كنت أستشعرُ مرارتَها وعمقَ حُزنِها وخمّنت أن الفتى ربما عرضَ له عارضٌ طاريءٌ منعه من الحضورِ.

وفي موعدِ الأسبوعِ التالي تكررَ المشهدُ المؤسي، تحضرُ الفتاةُ ولا يحضرُ الفتى ثم أراها وهي تجرجرُ خطاها  المتعـثرةَ عائدةً من حيثُ اتت وكأنها تنزلقُ في هاوية .

ولكنها مع ذلك ظلت مواظبةً على الحضور في الموعد المقرر .

كانت تحدوني الرغبةُ لأن اعرفَ ما الذي يجري . فكرتُ في الأمرِ مليّاً وتوصلت إلى الحلّ . كانت ثمةَ حمامتانِ تقيمانِ لديّ منذُ امدٍ بعيدٍ فأطلعتُهما على سري واني أرغبُ بمعرفةِ ما الذي حدث للفتى . فأخبرتاني انهما كانتا أيضاً تراقبانِ عن كثبٍ نموّ العلاقةِ بينَهما وأعلنتا لي أنهما راغبتانِ بل ومتحمّستانِ لتلبيةِ رغبتي وإسداءِ المعروفِ لي كنوعِ من ردّ الجميلِ ووعدتاني خيراً .

ومرت بعدَ ذلك أيامٌ وأيام .

ثم لاحظتُ ان الحمامةَ اختفت وبقي الذكرُ وحيداً في عُشّهِ ينوحُ ويندبُ حظّهُ واستمرّ الحالُ هكذا للأيامِ التاليةِ، عاشقةٌ تحضرُ لموعدِ اللقاءِ ولا يحضرُ عشيقُها وحمامةٌ تهجرُ عُشّها من دونِ سابقِ إنذار . وبقيتُ في حَيرةٍ من امري اضربُ كفاً بكفّ على تقلّب الأقدار وأخيراً اتيحَ لي ان أدركَ أن بقاءَ الحالِ من المُحال .

شجرة

بوسعي أن أتذكرَ أنني كنتُ ذاتَ يومٍ شجرةَ سِدرٍ عملاقةٍ أقِفُ منتصِبةً عندَ حافّةِ غابةٍ كانت عشراتُ العصافيرِ تتخذُ مني وطناً لها وكنت سعيدةَ جداً بها وبزقزقاتِها في كلّ صباحٍ وعند اول المساء . مثلما كان يتهافتُ إليّ النحلُ زرافاتٍ ليمتصّ رحيقَ أزهاري .

وفي ذاتِ يومٍ حطّ فوقي غرابانِ نهِمانِ كانا يزعقانِ ويصخبانِ بفرحٍ كأنهما عثرا على كنزِهما فهجما على أعشاشِ العصافيرِ وقاما بتخريبِها والتهما فراخَها وبيضَها وكأنهما يمرحان . وبعدَ ان انتهت حفلتُهما رأيت العصافيرَ المسكينةَ تجتمعُ ثانيةً وتقيمُ لها مأتماً كبيراً على ضحاياها الصغار ويبدو انها كانت تتداول في ما بينها بشأنِ ما سيكون عليه مصيرُها بعد هذه الهجمةِ الشرِسةِ وقبلَ ان يحلّ المساءُ وجدتُها وهي تحزمُ حقائبَها لترحلَ عني إلى غير رجعةٍ .

وفي صباحِ اليومِ التالي استيقظتُ مبكّراً كان الصمتُ مخيّماً والوجومُ مهيمناً وتكرر الأمرُ للأيامِ والأسابيع التي تلت ذلك فانتابتني نوبةُ إحباطِ شديدةِ وأخيراً وبعدَ ان يئستُ من عودةِ عصافيري اتخذت قراري فاومأتُ للحطابِ ان يضعَ حداً لمعاناتي .

**

ورقة

بوسعي أ، أتذكر اني كنتُ ذاتَ يومٍ ورقةً في دفترِ تلميذٍ كسولٍ كانَ الأستاذْ يقِفُ أمامَ السبّورةِ منهمِكاً بشرحِ الدرسِ فيما التلميذُ يتسلّى بمساحتي فيرسمُ طيراً مَقصوصَ الجناحينِ أو قبّعةً مثقوبةً أو يكتبُ كلمةَ أحبّكِ داخلَ قلب. وحينَ يقفُ الأستاذُ فوقَ رأسِهِ ويسألُهُ عمّا يفعلُ يتلعثمُ وقد ارتسمت على وجهِهِ ابتسامةُ بلهاء .

بوسعي أن اتذكّرَ انني كنتُ في يومٍ ما بذرة وأنني تنقّلتُ بين أصقاعٍ وأماكنَ شتّى من دونَ ان تُتاحَ لي فرصةُ الإنباتِ ؤان الريحَ العاتيةَ حملتني ذاتَ يومٍ  في جلبابِها ثمّ ألقت بي في أرضٍ يبابٍ حيثُ لا ماءٌ ولا شجر. كنتُ أكتوي بنارِ الشمسِ الحارقةِ ارقبُ السماءَ لعلَ غيمةً تمرّ . كنت اتحسسُ النبتةَ بداخلي وأهجسُ جذري وهو يتوغّلُ في التربةِ الرطبةِ ؤأرقبُ في حنوّ نموّ اعضائي ووريقاتي ثم أشهدُ تفتحَ ازهاري قبل ان يدركَني الفوات…

ومنذ ذلك الوقت وانا انتظر.

**

بذرة

بوسعي أن اتذكّرَ انني كنتُ في يومٍ ما بذرة

وأنني تنقّلتُ بين أصقاعٍ وأماكنَ شتّى من دونَ ان تُتاحَ لي فرصةُ الإنباتِ ؤان الريحَ العاتيةَ حملتني ذاتَ يومٍ  في جلبابِها ثمّ ألقت بي في أرضٍ يبابٍ حيثُ لا ماءٌ ولا شجر. كنتُ أكتوي بنارِ الشمسِ الحارقةِ ارقبُ السماءَ لعلَ غيمةً تمرّ . كنت اتحسسُ النبتةَ بداخلي وأهجسُ جذري وهو يتوغّلُ في التربةِ الرطبةِ ؤأرقبُ في حنوّ نموّ اعضائي ووريقاتي ثم أشهدُ تفتحَ ازهاري قبل ان يدركَني الفوات…

ومنذ ذلك الوقت وانا انتظر

***

أحمد الحلي

 

 

ريكان ابراهيمفي الحُبِّ يتّخِذُ المكانُ له مكاناً مُستطابْ

حيث الغيابُ له حضورٌ والحُضور بلا غيابْ

وتدورُ فوق رؤوس ِ مخمورينَ فاكهةُ المكان

والحُبُّ ظاهرة لها بَدءٌ وآخِر كُلِّ ذي بدءٍ

مسافاتٌ يُقاُسُ بها الزمانْ

هو كائن ٌ حيُّ اذن، وسفينةُ الزمكانِ

مبحرةٌ به نحو الشموخِ أو الهوانْ

قد كان قبلَ الآنَ لاموجٌّ يهيد ولا شواطئٌ تقترِبْ

لكنهُ زمنٌ مضى، والأمنياتُ كما يحِبْ

وعليه،مهما أعتلَّ مٍمّا فيهِ، أنْ يجدَ الطريقَ الى المكانْ

مَنْ يقتدي بمنِ ألمكانُ أم الزمانْ؟

فأنا حضرتُ وأنتَ لم تحضَرْ

فعاتبني الغيابُ على حضوري

وأعارني ثوباً لأستُرَ سَوْءتي

وأخيطَ فتْقاً في ضميري

ياحُبُّ أيُّ المِيتَتيْنِ تُحِّبُها

موتي أمِ الزمكان في هذا السعيرِ

**

لا شيءَ أرقى في الحياةِ من أمتلاءِ

فراغِ كأسِكَ بالبياضْ

إنَّ البياضَ بدون ألوانٍ هو الألوانُ

أجمعُها وسَيّدُ كُلِّ أزهارِ الرياضْ

وفراغُ كأسِكَ صُورةٌ غنّاءُ من صُورِ المكانْ

بل لوحةٌ تحكي لياليكَ المِلاحَ

وتستعين على ضياعِكَ بالزمانْ

هذا هو الزمكانُ،فاحذرْ أنْ تُحِّبَ

وأنتَ خارجَهُ فتخسَرَ في

الرِهانْ؟

**

أتُريدُ مِنّي أنْ أُلخِّصَ ما أقولْ؟

حسناً ...أقولُ لكلِّ حُبِّ، كي يُسمّى الحُبَّ

شرطٌ في الزمانْ،

حُبٌ أتاكَ مُبكِّراً طفلٌ رضيعٌ لا يُحصِّنُه وقارْ

واذا أتى متأخراً يبدو كساقطةِ الخريفِ من الثِمارْ

ولكي يُسّمى الحُبُّ حُباً فهو يختارُ القلّوبَ له مكانْ

**

الحُبُّ مثلُ قصيدتي هاذي، بَدتْ في صدرِها

سوداءَ مُعتِمةً ومبهمةَ البيانْ

لكنّها في ذيلها فرُجتْ، كذاك الحُبُّ يبدأ معتماً ليصيرَ

آخِرُهُ جميلاً في النوايا والعبارةِ واللسانْ

***

د.ريكان ابراهيم

 

 

وليد العرفي كأنَّكِ في مدى الرُّؤيا سرابٌ

                         تجلَّى في لذيذِ الأمنياتِ

فعرّشَ سعفَ نخلٍ في رموشي

                 وطيفاً في عيوني المُغمضاتِ

أُداني تمرَهُ كفّي  بهزٍّ

                       وقدْ تاقَ القطافُ لدانياتِ

أمدُّ أصابعي  فتعودَ نزفاً

                    وقدْ  دميَتْ بشوكِ الحانياتِ

وما كنْتُ المُعمَّى في شعوري        

                   ولا كانَ التَّغابي  منْ سماتي

ولا شحَّتْ بقنديلي زيوتٌ 

                    وما كنْتُ المُضيَّعَ في الفلاةِ

ولا جملي مشَى في تيهِ وادٍ

                ولا كانَ الصَّدى صوتَ الحُداةِ

ولا عقَّبْتُ آثارَ القوافي 

                    ولا ناديْتُ في سمعِ المواتِ

ولمْ أرمِ السّهامَ بغيرِ سمتٍ

                   ولا ضلَّتْ ببوصلتي جهاتي

ولا كنْتُ الأُريْنِبَ في مسيري

                        لتسبقني بدربٍ سلحفاتي

ولا غنّيْتُ إلَّا نايَ صوتي     

                    ولمْ أسمعْ نقيقَ الضَّفدعاتِ

ولا أخطأتُ عنوانَ السَّواقي   

                     ولا كدَّرْتُ  ماءَ الصَّافياتِ

ولمْ أخنِ المراكبَ غادرَتْني   

                  ولا عصفَتْ رياحي مُنكراتي

ولا حاربْتُ مَن هجرَتْ حنيني  

                    سلاماً كنْتُ أدعو هاجراتي

فما ساهمْتُ في نَبْلٍ  ضلالاً 

                   ولا سيفي انتضى بالتُّرهاتِ

وكمْ هبَّتْ رياحُ الوقتِ تترى  

                     فما لانَتْ لعاصفةٍ قناتي؟!

وقدْ تتقاذفُ الشُّطآنُ رملاً     

                      ويُوهنُها اقْتلاعُ الشَّاهقاتِ

وما الأشجارُ إلَّا الجذر يبقى 

                  ولو جفَّتْ غصونُ المثمراتِ

وما كنْتُ الكليمَ أهيمُ ناراً    

                ولا رمي العصا منْ مُعجزاتي

فكمْ أبحرْتُ ظمآناً بروحي  

                  وعادتْ مثلها ظمأى لهاتي؟!

وما غيرُ الحنين إليكِ أسرى  

               ومعراجي وصولكِ في صلاتي

تُعاكِسُني رياحُ الوقتِ فرْحاً   

                   كأنَّ صدى المراثي أغنياتي

يُحرّكني على قلقٍ سكونٌ          

                           يمدُّ الأمسُ بلواهُ لآتِ

وتضحكُ منْ مآسيها دموعي   

                        وفي ملهاتِها تبكي أناتي

فيا مَنْ كنْتُ أرجوها أماناً  

                   لتصبحَ خنجراً منْ طاعناتِ

ولي في كلِّ نبضٍ منكِ ذكرى

                 حضورُكِ حسبما اتَّجهَ التفاتي

وفي بوحِ المرايا وانتظاري  

             وصمْتُ العين ِ يحكي مُضمراتي

سأذري حبرَ ذاكرتي رياحاً 

                        وأكسرُ ما تبقَّى منْ دواةِ

وأغلقُ دفترَ الأحلامِ بيضاً   

                        لأصبغَها بسودٍ مُعتماتِ

وأنسى مدَّ بحرٍ صارَ جزراً  

                         وموجاًعابقاً بالذّكرياتِ

برملِ  الشَّوقِ كمْ ذكرى كتبْنا

          ورسمُ  الاسمِ  كمْ خطَّتْ حصاتي؟!

سأنسى ذلكَ العهدَ احتراقاً  

                        لعلَّ رمادَهُ يُحيي مماتي

وأبعثُ كالمسيحِ بموتِ ذكرى

                   وتنهضُ  مثلما العنقا رُفاتي

وأعرفُ ذلكَ النّسيانَ وهمي

                      وأنّي لوْ نسيْتُ قتلْتُ ذاتي

                               ***

د. وليد العرفي

 

 

سمية العبيديينزلقون من الأكفِّ

بعضٌ الى الموت

وبعض للرحيلِ

فظلّهم الخواءُ

كبقعة مسكتها يد القصّار سهواً

أو خربشات بالقلم الملون

محاهن جنون المطر

والذكرى شبح ْ

موت تغلّف بابتسامة ْ

ومنديلٌ يلوّح للوداع ْ

سكك الحديد تمططت الى الأمداءِ

متعبة َ المتون

والافق منبسط بغير نهاية ٍ

ليت الرِكابَ تعفّنت

والحقائبَ خاصمت أقفالها

فدمع ٌ سلسبيل مؤجلُ

يضوع

وضلوع نفس ٍ .. ومهما تؤسرُ

يأبى عطرها المنزوف الا ان يفوح َ

وترتبك الخطى

والايماءات بغير أصابع ٍ

عمياء لا تعرف طريقا

والاسفلت قاس ٍ قلبه ُ

كقريبه المرمرِ

المقطوف من قمم الجبال ْ

كلُّ الحبال تصرّمت

كل الحبال ْ

والمفرداتُ تعثـّـرت واواتها

والحناجر يابساتُ

والصرر الغوالي

فيهن الوصايا المزهرات ُ

بلا لقاح ٍ

تسكن في الخزائنْ

لا وصال َ

ولا اتصالَ

ولا بريدْ

وأطراف القلوب تنمّلت ْ

والحضن يبرد من جزع ْ

وفستان الضراعة حارَ

مثل دب  أبيض

تاه

في حقل الجليدْ

وجه المساء مغلف بالصمت ِ

لا جرس يقبل بابا ً

ولا بصمات

فوق حديدها المطلي بالقصص الجميلة

مرت الأيام

لا قشيب ولا جديد ْ

مرّت الايامُ

فالنسيان يعتمر القلوب ْ

بعد آن ٍ

كمثل قبعة الشتاء ِ

تهدلت فوق العيون

النسيان

لا ريب يعتمر القلوب

ذو النون عاد

من حوته المنذور

فهل يعود الطيبون

***

سمية العبيدي

 

 

نبيل عودةاستاذ الفلسفة يطرح سؤال للتفكير:

- هل ماهية الأشياء تسبق وجودها ام وجودها يسبق ماهيتها؟ ما هو الصحيح حسب تفكيركم؟ لم اسمع جوابكم ولا أرى ارتفاع أي اصبع.

ساد صمت عميق، أستاذ الفلسفة يجول بعينية السوداوين على وجوهنا، كأنه اداة فحص لمدى حضورنا في درس الفلسفة، بعد ان قضينا أسبوعا من الأعياد والعطل.

- تعالوا نعيش أجواء الدرس الفلسفي؟ ما هو معنى الحياة؟ هل توجد مصداقية تجعلنا نبحث وراء حقيقة ما، بينما نحن نعرف، وهذا واضح للجميع ، ان الحقيقة المطلقة غير موجودة ?

يواصل أستاذ الفلسفة بسخرية:

- يبدو جليا ان وزنكم ازداد في الاسبوع الماضي، كنت آمل ان يزداد وزن تفكيركم.

بعد برهة، تأمل فيه طلابه بصمت، تابع يقول وكأنه يواصل حديثا انقطع:

- الفيلسوف الدانماركي سيرن كيركغور واجه في حياته مآس عديدة ودخل في حالة يأس. كان متدينا، طرح تساؤلات عن منطق الحياة في واقع شديد الذاتية. يعتبر في تاريخ الفلسفة من مؤسسي الفلسفة الوجودية، هل سمعتم عنها؟ هل تعرفون اسماء أشهر فلاسفتها؟ اليوم سنبدأ الحديث عن الوجودية وعن بعض فلاسفتها. هل انتم على استعداد ذهني كامل اليوم؟

صمت لحظة ينتظر جوابا، ارتفع أصبع طالب يجلس في وسط القاعة:

- هات ما عندك

- أظن ان الكاتب الفرنسي سارتر هو ابو الوجودية؟

- سارتر كان وجوديا ومؤسس مدرسة في الوجودية، في الفلسفة الوجودية انتشرت مدارس عدة متناقضة، نجد التيار الملحد وأبرز ممثليه سارتر وتيار ديني وابرز ممثليه مؤسس الفلسفة الوجودية كيركغور الذي ذكرناه في البداية ...

اضاف استاذ الفلسفة بعد توقف قصير:

- من لديه سؤال آخر ؟

ساد الصمت جميع الطلاب. بان الضيق على وجه استاذ الفلسفة وأضاف:

- الصمت في الفلسفة غير مستحب .. انتم طلاب ارقى المواضيع الذهنية، اتوقع منكم معلومات أكثر من مجرد معلومات عامة حول المواضيع التي نطرحها .. لا يمكن تعليم الفلسفة لطلاب لا يلتهمون كتب الفكر في المكتبات، خاصة وان برنامجكم الدراسي واضح. أنتم لستم طلاب اول ابتدائي .. حتى من طلاب الثانويات يطلب معرفة مسبقة عامة ...هل من قيمة للإنسان بدون معرفة واطلاع بلا حدود؟ إذا لم يكن دافع المعرفة من داخلكم فلن تتقدموا في العلوم وفي الفلسفة!!

كان الصمت ثقيلا وكئيبا، شعور الخجل من توبيخ المحاضر زاد من ارباك الطلاب.

- حسنا.. سنتابع وآمل ان تجيئوا الى الدرس القادم بمعلومات كافية لندخل في تفاصيل هامة ورائعة. لا شيء اروع من الفلسفة، حتى لو لم نقبل طروحات فلسفية لبعض الفلاسفة، الا ان دراستها تثري عقلنا ومعرفتنا، يبقى اعتماد العقل هو المميز لموضوع الفلسفة، أي كان اتجاهها، حوارنا للطروحات هو تطوير للوعي وتطوير للعقل وتطوير لمفاهيمنا الحياتية بكل تفاصيلها، الأهم ان الفلسفة هي تطوير لإنسانيتنا وقيمتنا كبني بشر مميزون عن سائر المخلوقات بأننا نستعمل عقلنا ولا نتحرك بغرائزنا وعصبيتنا القبلية.

كانت طالبة ترفع اصبعها بشيء من الحياء، حتى انها تبدو مترددة بين ان تنزل اصبعها او تطلب حق الكلام، لمحها المحاضر في اللحظة التي كادت تيأس من الاستجابة لطلبها وتتنازل عن قول ما لديها:

- جمانة .. آسف، لم انتبه لك، اطلبي حق الكلام بقوة، نحن لسنا في معبد، تفضلي ..

- هل تعني الوجودية ان لكل شخص وجودا محددا؟

- بدأنا في الفلسفة من نقطة رائعة مع جمانة. أجل يا جمانة اين قرأتي هذا القول؟

- سمعت طرفة ، ولكني أجد صعوبة في قصها؟

- انت في درس الفلسفة ولا نقبل أي عذر.. نريد سماعك

ترددت جمانة بحياء ما، تلفتت حولها كأنها تطلب النجدة، ثم حزمت أمرها وبدأت تتحدث بشيء من الصعوبة:

- كان ... رجلا .. في السرير مع زوجة صديقه، سمعوا سيارة الزوج. قفز الصديق عاريا واختبأ في خزانة الملابس. دخل الزوج الى البيت قلع جاكيتته وفتح خزانة الملابس ليعلقها .. فاذا صديقه عاريا في داخلها. سأله مستهجنا:

- ماذا تفعل هنا يا صاحبي ؟

اجابه:

- كما ترى يا صديقي ، حسب الفلسفة الوجودية لكل شخص يجب ان يكون وجود في مكان ما!! "

بعد ان خفت ضحك الطلاب قال المحاضر حتى دون أن يبتسم:

- السؤال الفلسفي هنا بسيط ، كيف نفسر للزوج ان صديقه من بين كل الناس هو في حالة "وجودية" معينة داخل خزانة ملابسه .اما الصديق فله تساؤل وجودي آخر: لماذا شخص ما (أي الزوج) يوجد في مكان ما بدل ان لا يكون في أي مكان آخر؟ فقط الفيلسوف الألماني هيغل يستطيع الإجابة على تساؤل معقد ومركب مثل هذا. لأنه كان يعتقد انه قفز خارج التاريخ، وهو ينظر من فوق الى ما يجري، وبالنسبة له كل شيء من فوق يبدو سليما مكتملا. وانا لست هيغل. بينما الماني آخر هو نيتشه كان أكثر مبالغة، كان يظن انه يرى التاريخ من وجهة نظر الاهية. أي وضع نفسه بمرتبة الإله وقد تقمص هتلر فلسفته ... ورأينا الكوارث التي حلت بالبشرية نتيجة وهم الألوهية الذي سيطر على هتلر!!

أضاف استاذ الفلسفة:

- اذن ارى انكم دخلتم في الجو .. هل فهمتم الآن أهمية معرفة مسبقة لمضامين ما سندرسه؟ الدرس يصبح ممتعا لكم ولي، أصعب المسائل يمكن تفسيرها بطرفة مناسبة .. هذه من أهم خواص الفلسفة ..

- ارى اصبعا جديدا مرتفعا ، تفضل يا طلال

- تعلمنا ان الفلاسفة من فلسفة معينة ، يحملون نفس الأفكار ونفس المعتقدات، لكنك ذكرت ان مؤسس الوجودية الدانيماركي كان متدينا، نحن نعرف ان سارتر كان ملحدا بل وقريبا من الماركسية المعروفة بفكرها الالحادي أيضا ، كيف يتلاءم سارتر الملحد مع كيريغور المؤمن ؟

- رائع ، لماذا حافظت على صمتك حتى الآن ؟ هذا سؤال هام ، سنوضحه في الحديث عن الوجودية وتعدد وجوهها . ولكن الآن أقول ان الخلاف ليس حول الشكل القائم، انما حول صيرورته. مثلا هل ماهية الأشياء تسبق وجودها، ام وجودها يسبق ماهيتها؟ الانقسام في الاجابة يعني وجود اتجاهان رئيسيان، الأول مثالي يرى ان تجسم الماهية تسبق الوجود، والثاني مادي، يرى ان الوجود يسبق الماهية. بمعنى آخر كيف يمكن فهم ماهية الشيء قبل ان نعرف التفاصيل التي تجسم وجوده؟ هيغل كان يرى الماهية تتمثل بالفكرة المطلقة .. الإله بمعنى مبسط. ماركس ناقضه ورأى بالوجود المادي سابقا لأي ماهية او فكرة مطلقة ..

قاطعته مرام:

- نيتشة له قول مشهور يقول فيه بأنه اذا كان لديك ما تعيش لأجله تستطيع تحمل كل شيء!!

- اسمعيني جيدا يا مرام ، هذا القول يفسر بدقة مضمون الفلسفة الوجودية ، فهي فلسفة واجهت في طروحاتها المشاكل العينية للوجود البشري من جميع اوجهه بغض النظر عن فهم فلاسفتها واتجاهاتهم المتناقضة لما هو السابق، الماهية ام الوجود المادي. الخلاف قائم في الفلسفة ولا نهاية له بين الوجوديين المتدينين والوجوديين الملحدين. بين التيارات الالحادية ونقيضها التيارات المؤمنة، تكاد تكون الوجودية من أهم الفلسفات التي ظهرت بعد الماركسية، الفيلسوف الفرنسي سارتر حاول الدمج بين الفلسفتين، الوجودية والماركسية، خاصة وان منطلقات سارتر الحادية في جوهرها مثل منطلقات ماركس وفهمه قريب جدا من فهم التاريخ الماركسي وفهم العوامل الاجتماعية كما طرحتها الماركسية. أكثر فلاسفة الوجودية قرروا ان "الجنائني الساحر" قد مات. والقصد ان الله مات، لذلك، حسب فلسفتهم، أصبحت هذه مهمة البشر "تربية الزهور ورعاية الحدائق" بدل الجنائني الذي مات. طبعا هذا رمز يعني ان الانسان يجب ان يتحكم بحياته وليس ان يكون تابعا لفكرة غيبية، فكرة مطلقة، فكرة الهية. نحن لسنا الآن في تقرير ما هو الصحيح. نحن ندرس الفلسفة بكل مركباتها، عقلنا يقرر ما هو المنطق الموافق لتفكير كل واحد منا، هذا لا يعني ان خياراتكم ستكون متشابهة .. وقالوا أيضا انه بين الزهور تنشا أشجار الصبار الشائكة، التي تعيق حياتنا وهنا نتساءل: هل نواصل الحياة حتى مع الأشواك؟ او نعيش في صحراء قاحلة خالية من الأشواك ومن النبات؟

اذن الحياة حسب تصورهم ليست أمرا ميسرا وسهلا، انما صراع من أجل الأفضل. الجمال لا يوجد بدون نقائض، الحب لا يوجد بدون كراهية، الوجودية طرحت أمرا هاما ما زال يشغل الفلاسفة والمفكرين، هل سقطت الأيديولوجيات بعد الحرب العالمية الثانية التي أظهرت وحشية الانسان وابتعاده عن كل الفلسفات الانسانية وحتى عن الفكر الديني الذي يدعو الى التسامح؟ ألقيت قنبلة نووية مدمرة على هيروشيما وأخرى على نيغازاكي قتل وشوه مئات الألاف في المدينتين؟! بل وبعضهم قال ان الوجودية أيضا سقطت!!

سارتر برز في دفاعه عن الوجودية ومدها بحياة جديدة بعد الحرب العالمية الثانية، مفسرا شكل العلاقة المطلوبة بين الفرد والمجتمع، مفهوم الحرية بعد الحرب الرهيبة وامتلاك السلاح النووي ذو الطاقة التدميرية الرهيبة. وقف سارتر مع ثورة الجزائر من منطلقاته الفلسفية الرافضة لاغتصاب حقوق الآخرين وحريتهم، وايد حقوق الشعب الفلسطيني من نفس المنطلق. هذه الفلسفة تراجعت مكانتها بعد وفاة سارتر.

ارتفع صوت جمانة:

- لدي حكاية ربما ذكرها الفيلسوف هايدر في تفسيره لمفهوم الوجودية، هل أرويها ام أتركها للدرس القادم؟

- الحكايات تخفف من الضغط الفكري .. حدثينا بما لديك يا جمانة

- سأل شخص صديقه: ما هي الكآبة؟ انت حتى الآن لم تعش لتعرف الكآبة، عندما اقول اني عشت فأنا اقصد الحياة مع التفكير الدائم عن الموت، وقال ان الوجود البشري هو التحضير من أجل الموت، وقال ان الحياة بظل الموت تجعل الفرد شجاعا أكثر.

أضافت جمانة: اجابه صديقه اسمع هذه القصة يا صديقي لتفهم معادلتي: قتل ثلاثة أصدقاء بحادث طرق. قال لهم ملاك الموت: سأُلبي لكم آخر أُمنية، ماذا تريدون ان يقولوا عنكم محبيكم وأصحابكم قبل الدفن؟

قال الأول: ليقولوا انه كان معلما بارعا وموته خسارة للعلم

قال الثاني: ليقولوا انه كان كريم الأخلاق محبا لمساعدة الغير وسوف يفتقده مجتمعنا

قال الثالث: ليقولوا .. توقفوا لا تدفنوه .. انه يتحرك!!

اضافت جمانة:

- هذه هي الوجودية ، كما فسرها هايدر . انه يتحرك، فهو موجود بين الأحياء.

وصفق المحاضر استحسانا.

***

قصة فلسفية بقلم: نبيل عودة

 

 

بكر السباتينلأوّل مرة سيجرب عصامُ حظه مع الغش حينما وجد نفسه في مواجهة امتحان نهائيِّ لم يكن مستعداً له.. ماذا سيفعل إزاء هذا الموقف العصيب وهو ذلك  الطالب المتفوق طوال حياته! لا ريب ستداهمه الهواجس، كأنه خارج لتوه من القبر كي يواجه مصيره المحتوم ، قال في سره:

فإما الفشل أو فضيحة مدوية بين الطلاب لو اكتشف أمري".

يتخيل عصام نفسه وهو في غمرة القلق الشديد  كأنه ضال يسير حذراً على  الصراط المستقيم المشدود فوق نيران تتوهج.. فتتراءى لعينيه التائهتين من بعيد جنة التفوق والنجاح؛ لكنها كانت تبتعد عن ناظريه حتى يلتهمها الخوف! وها هو يتخيل مصيره كأشرعة سفينة تائهة في عرض البحر.

 السكون يسود قاعة الامتحان.. أنفاس الطلاب مكتومة كأنما على رؤوسهم الطير.. سوى وقع خطوات المراقب وهي تطوف بين الأدراج إذْ بدت  وكأنها تطرق رأس عصام وعيناه تتقلبان في كل اتجاه، فيما أذناه مشنفتان باتجاه وقع الخطوات وهي تطرق الأرض.

 وبغتة! شعر عصام وهو ينتزع لفافة الورق من ثنية كمه بأنه سيخسر كل شيء في لحظة جنون.. يتهامس في أعماقه:

" ليس هذا ما اعتدت عليه أيها القبطان الماهر عصام! أمخر بسفينتك عباب ذاكرتك العميقة قبل أن يلتهم الوجلُ بقاياها المنثورة في وجه الزوابع والقلق"

لقد جنى عصام على نفسه حين أهملها.. داهمته الأفكار من جديد.. الوقت ضيق حتى كادت الساعة تنفجر في وجهه وهو يختلس النظر إليها كل حين..  فيتذكر ذلك الموقف الذي أدّى به إلى هذه الحال.. ويضغط على رأسه المصدوح بيديه وهو يستعيد تلك اللحظات القاسية، حينما ألقى كتابه على الأرض كي يختطف من حبيبته التي هجرته نظرة وداع، قبل أن تذوب في الغياب كقطرة ندى تسيل على جبين الانتظار، ربما إلى الأبد.. لم يكترث حينئذْ بامتحانه الدراسي المنتظر في اليوم اللاحق، بينما هو يتجاوز الفناء إلى بوابة البيت الخارجية، راكضاً صوب الميناء كطفل غرير فقد أمه، يتخيلها غائمة العينين.. مرتعدة الفرائص من هول الفراق.. قلبها غدا حطاماً وروحها حبيسة الفراق.. كأنه تناسى ما قالته يائسة ذات يوم، حين أشاحت بوجهها المربد عن وجهه المكفهر الذي تيبست في عروقه الوعود بالمطر:

 " كنت وغداً يا عصام حين تخليت عني.. تركتني ضحية صفقة جائرة أبرمتها زوجة أبي مع مهاجر عجوز.. تجاهلت وأنت متسمر مكانك صفق الأبواب المتهالكة ورائي! فكيف تسمح لنفسك بأن تراقب الضحية من وراء نافذة الوهم كلص سرق قلبها.. لماذا تترقب خطواتي وهي تأخذني إلى مصير تفوح منه رائحة عفنة.. كأنها جيفة تلتهم بقاياها العقبان.. لماذا تلاحقني  ما دمت تنكس راياتك مستسلما لأمزجة الرياح.. أنت وغد وجبان فاخرج من حياتي إلى الأبد".

 كانت حشايا عصام تردد آخر حوار دار بينهما.. وخاصة أنها ابتسمت ساخرة حين أجابها صاغراً:

" إنها ظروفي!! دراستي.. مستقبلنا!! ها أنت تتركينني في نفق الانتظار ملوع القلب، بينما تذهبين إلى النبع المظلل بالنخيل مع رجل طاعن في السن لمجرد أنه غني!! من الذي جنى على الآخر! كان عليك أن تصبري عامين آخرين حتى يتم المرام فأطلب يدك من تلك العقربة، زوجة أبيك، فقط أصغي إلى خطواتي وأنت تتقلبين على فراش الانتظار بلهفة.. سيسرك سماع صوت أبي وهو يطلبك لي.. يا حبيبتي! أنا مقبل على آخر امتحان كي أحقق نتيجة الامتياز.. هي مسألة وقت فحسب ".

فردت عليه بقسوة:

"الشِّعْرُ والزواجُ لا يتفقان.. كن واقعياً واتخذ موقفك أو اتركني أمضي بسلام".

 ثم استعادت المعشوقة دموعها التي طفرت من عينيها.. وها هي جدائلها تلتف حول ذراع زوجها الذي انتزعها من قلب عصام العاجز.. كأن حالها يقول:

"أنا امتحانك الحقيقي أيها التافه المراوغ! وقد رسبت فيه".

 وفي غمرة كل ذلك عاد عصام إلى البيت مهزوماً.. مسلوب الإرادة.. فلم يكترث، وهو يتجاوز الطاولة التي اعتاد الدراسة عليها، بالكتاب الذي ألقاه على الأرض أثناء خروجه، وقد أعيد إلى مكانه بواسطة والدته قبل أن تغادر البيت لاحتساء القهوة عند جارتها.. واستلبه القلق حتى تصدع رأسه.. تناول حبة مسكن لألم الرأس فتراخى جسده وهاجمه النوم لتستبدَّ به الكوابيس.. فيحلم في منامة بحمامة جريحة كانت تئن.. محبوسة في قفص خُضِّبَتْ قضبانُه بالدماء..  تحملها يدٌ غريبة، لا مبالية بوجعها، وقد تزينت أناملها بفصوص من الأحجار الكريمة الملونة. وأثناء نومه لم يشعر أيضاً بيد والدته الحانية وهي تسحب الغطاء حتى رأسه متمتمةً بحنو:

" نم يا عصام.. موفق بإذن الله يا ولدي" .

 وفي الصباح الباكر أدرك عصام حجم المصيبة التي حلت به.. فقد داهمه الوقت دون أن يستعد جيداً للامتحان.. أربكه الموقف.. وتبخرت من رأسه كل تمارين الطاقة الإيجابية التي كانت تساعده على تهجين الذاكرة كلما تعرضت لعاصفة كهذه.. بدأ ينسخ ما يستطيع من معلومات على قصاصات صغيرة من الورق كطالب فاشل.. وها هو يتصرف مثل اللصوص.

 كان الأستاذ يتجول بين المقاعد وعيناه تراقبان الطلاب بانتباه.. أما عصام فكان يظن  بأنه خارج دائرة المجهر كونه من المتفوقين.. وحسب بأنه سيعالج الموقف بعيداً عن رصد المراقب.. تصبب جبينه عرقاً.. خجل من نفسه.. بحث عن ذاته في أعماق عقله الباطن.. جاءه هاتف من بعيد.. إنه صوت حبيبته.. شعر بهمساتها وهي تنبض بالرجاء.. تعززت في أعماقه طاقة إيجابية كأنها عبق زهرة النور:

" يا حبيبي لا أريدك وغداً حقيقياً.. كل شتائمي الموجهة إليك خرجت من قلب مكسور.. لا تأبه بي.. فقط لا تكن صغيراً أمام نفسك.. هدئ من روعك.. ذاكرتك منجم عميق".

وها هي تلك الذاكرة  تتعافى فتشرئب البراعم فيها.. نَقَّبَ فيها عن البيانات اللازمة بدقة.. الأجوبة أخذت  تزهر على الورقة البيضاء.. يُعَجِّنُ عصام وريقات الغش بيده ويلقيها عبر النافذة.. فتمطر ذاكرته بسخاء.. حتى تحولت ورقة الامتحان إلى حقل سنابل.

 قال في نفسه:

"باقي من الوقت ربع ساعة"!

 سيراجع الإجابات كدأبه.. قلبُهُ يدقُّ.. الساعة أوشكت على الانفجار من زخم الوقت.

 وفجأة!! ربتت يد المعلم الحانية على كتفه.. همس في أذنه:

"أحسنت صنعاً أنك ألقيت الشر من النافذة".

 أربكه الأمر.. تصبب جبينه المحمر عرقاً.. لكنه استعاد رباطة جأشه، بلع ريقه.. قال متلعثماً:

 - يا أستاذ أقسم لك!..

- لا بأس.. أنت طالب يثير الإعجاب لأنك أحسنت التصرف.

 وتخيل عصام في غمرة هذا الموقف المحرج ابتسامة حبيبته كأنها تحييه على شجاعته!! حتى أيقظه صوت المراقب من غيبوبة التلاقي:

"انتهى الوقت.. سلموا أوراقكم"..

فاستجاب عصام مشرئب الرأس، ثم غادر القاعة كأنه ذاهب إلى موسم الحصاد وقلبه يغني.

***

(قصة تحفيزية قصيرة)

بقلم بكر السباتين

عمان- مايو 2017

 

 

نور الدين صمودأخذتُ أحاول، منذ الصباحِ، الدخولْ

بأجنحة من خيالْ

وللعالم المستحيل بعزم الشباب أردتُ الوصولْ

لقلب القصيدة لكنْ

عليَّ استحالَ الدخولْ

ولما وجدتُ مفاتيحَهـا

وأوقدتُ في الظلماتِ مصابيحها

ومن فرط ما فاض من زيت زيتونتي

بمِشكاة روحي التي ألهمتْ بالأغاريد شـُحرورتي

غـَدَوْتُ أرى كل حين بها صورتي

بمِرآة وجنتها الناصعهْ

وفي ضوء أعيُنِها اللامعهْ

وما كنت أبغي سواها

ومنذ ابتداء انطلاق الفراشة في الأفـْق صعَّدْتُ طرفي

وأطلقت نحو السماواتِ كفـِّي

ورحت أحاول، منذ الصباحِ، العُروجْ

لأُفـْق القصيدة/ كالصقر/ خلف الطريدة/ لكنْ لعَمري

عليَّ استحالَ العُروجْ

وحاولت، من سجن كل القوافي، الخروجْ

كما قد تأبـَّى على الفتح في البدء باب الوُلوجْ

ورمت ُتـَسَلـُّقَ شرفة (بُرْعَاجِها)منذ بدْءِ القصيدهْ

قـُبيل النزول على الرمل حافية القدمين

تكاد تطيرُ على الضفتين

بخفين ِ أنعم من خفيْ حُنيْنْ

وأنصعَ، في شمس رَأدِ الضحَى، من  مُذابِ اللجينْ

وألـْيَن من ريش ِ بيض النـّـعامْ

وأشبه بالورد في اللون من حمرة لمعت في صدور النـُّحامْ

ولكنَْ عليَّ استحال الخروجْ

ولما وجدتُ مفاتيحَهـا

وأوقدتُ في الظلماتِ مصابيحها

ومن فـَرْطِ ما فاض من زيت زيتونتي

بمِشكاة روحي التي ألهمت بالأغاريد شـُحرورتي

غدوتُ أرى كل حين بها صورتي

ولا ألـْتقي بسواها

ومنذ شروع الغزالة في الركض نحو الأُفـُقْ

أخذتُ أُصَـعَّـدُ نحو السماواتِ طرفي

وفي الأفـْق أرفع  كفـِّي

ولكنْ أضعتُ هنالك قلبي المُذابْ

وقلت لمن سَلبتنِيه/ من بعدما منحتنيه/ منذ الشبابْ:

أ يا منبع السحر في الكأس صبي عصيرَ السرابْ

وهاتي معاني الحنانْ

وبنتَ الدنانْ

ليخفق في قفص الصدر قلبي إليها

ويبقـَى، بأجنحة من خيال، يرفُّ عليها

ويوشكُ، من  قفص الصدر شوقا، يطير

ويركض ركض الجواد الأصيلْ

إذا ما مضَى سابقـًا ظله في الرّبَى والسهولْ،

فهل من سبيلْ

إلى مقلتيك

وهل من دليل

إذا ضاع في بحر عينيْكِ مَنْ يهتدي بالـ(بُوصولْ؟)

وقلبي الدليل لذاك الوصولْ.

***

نورالدين صمود

 

علي القاسميدخلتْ منظِّفةُ المنزل عليَّ في مكتبي في الطابق العلويّ، دون أن تطرق الباب، وقد ارتعدتْ فرائصهاً، وامتقع وجهها، وارتعش جسدها، وارتجفتْ يداها؛ وقالت بصوتٍ متهدِّجٍ، وأنفاسٍ متقطّعة:

ـ ثَمّة ... حنش ... في البيت.

لم أسمع العبارة بوضوح، أو لأنّني أردتُ أنْ أتأكّد مما تقول، فسألتُها:

ـ ماذا في البيت؟

رفعت صوتها المرتعش قليلاً، وقالت:

ـ حنش.

كنتُ، قبل دخولها بوهلةٍ، أُحرّر ـ بمصادفةٍ عجيبةٍ ـ مادَّة " ح ن ش " في المعجم المدرسيّ الذي أتولى تأليفه لوزارة التربية، وقد نقلتُ، من المصادر الموثوق بها، التعريف التالي:

"حَنَشٌ، جمعه أَحْنَاشٌ: حيّةٌ سوداء ليستْ سامة."

ولهذا ابتسمتُ بشيءٍ من الاستخفاف، وسألتها:

ـ أين؟

قالت، وما زالت أنفاسها متقطّعة:

ـ تحت الزربيَّة... في مدخل البيت ... التفَّ هناك ...

خرجتُ من المكتب، ووقفتُ في أعلى الدرج المفضي إلى مدخل المنزل. تبعتني هي تاركةً مسافةَ أمان كافية. ألقيتُ نظرةً على الزربية. لم أرَ الحنش. أضافتْ السيِّدة موضحة، وهي ما زالت ترتعدّ فَرقاً:

ـ هناك ... تحت... الزربيّة:

فعلاً، لمحتُ انتفاخاً في وسط الزربيّة.

في تلك اللحظة، خطرَ لي أنّ تلك السيدة المسكينة ليست لغويّة ولا معجميّة، فهي لم تُصِب من التعليم الابتدائيّ إلا اليسير، وأنَّ كلمة " حَنَش" في اللهجة المغربيّة العربيّة اسماً عامّاً لجميع أنواع الحيّات، وأنّ ما تسمّيه هي " حَنَش"، قد يكون حيّة خبيثة، أو ثُعْباناً سامّاً، أو أفعى خطيرة، أو صِلاً من أقتل الأفاعي، أو كوبرا سامّة جداً، أو حتّى حيّة تنفخ سمّها في الهواء فتقتل فريستها عن بُعْد.

وهنا شعرتُ في داخلي بنوعٍ من الفزع، بل بهلعٍ شديد، حاولتُ أن أُخفيه عن السيّدة المرعوبة التي كانت تقف مرتجفة، وهي تصوِّب عينيْها إليّ، في انتظار أن أفعل شيئاً، كي تعودَ إلى عملها في الطابق السفليّ من المنزل.

لم تكُن لي خبرة سابقة في الحيّات، فأنا معجميّ بالمهنة، ولم أدرس ما يتعلّق بالأفاعي في الجامعات التي ارتدتُها، ولم أتعلّم شيئاً من وسائل الإسعاف الأوّليّة في المدارس. كلُّ ما أعرفه عن الحيّات هو ما كنتُ أسمعه في طفولتي في بلدتنا الصغيرة المجاورة للحقول والبساتين. سمعتُ آنذاك أنَّ أحدهم لدغه ثعبان سامّ فمات في الحال. وفلاح، كان يعمل في الحقل، لدغته أفعى خبيثة في إبهامه، فسلّ خنجره، وبتر تلك الإصبع لئلا يتسرَّب السمُّ في الدم إلى قلبه فيقتله. وفلاح آخر لدغته حيّةٌ سامةٌ في قدمه فاضطر، في تلك اللحظة، إلى قطع قدمه بالمسحاة التي كانت بيده لينجو من موت مُحقّق. ولكنّها حوادث كنتُ اسمع بها دون أن تكون لي مجابهةٌ فعليَّةٌ مع أيِّ ثعبان من أيِّ نوع. ولا أعرف كيف أميّز الحيّة السامّة من غير السامّة. ولا أملك خنجراً ولا مسحاة.

الحكاية الوحيدة التي سمعتها عن حيّةٍ مسالِمةٍ في طفولتي، كانت تلك الحكاية التي دأبتْ أُمّي على ترديدها لجاراتها مراراً وتكراراً.  تقول الحكاية إنّ أُمّي توجّهتْ إلى الرحى في منزلنا ذات صباح لتطحن الحنطة وتعدَّ لنا الخبز، فوجدتْ حيّةً طويلةً،  وجسدها ملتفّ حول الرحى مرتين أو ثلاث، فبادرتها أُمّي بتلاوةِ بعض الآيات من القرآن الكريم، فما كان من الحيّة إلا أن انصرفتْ منسابةً خارج الدار. والآن، هل تنفعني قراءة آياتٍ قرآنيةٍ على هذا الحنش الكامن تحت الزربيّة؟

في الحقيقة، أنا سمعت حكاية أُمّي عدّة مرّات، ولكن لم أرَ تلك الحيّة. كما لم أشاهد أيّة حيّة أخرى في حياتي.  بلى، في ساحة جامع الفناء في مدينة مراكش الرائعة، لمحتُ بعض الحيّات عن بُعْد، يتقلّدها الحُواة ملفوفةً حول أعناقهم، مثل قلادةٍ، لِيُسلّوا بها السُّيّاح. من المؤكَّد أنَّ هؤلاء الحواة يعرفون كيف يتعاملون مع الحيّات، ولهم خبرة في اصطيادها، وقلع أنيابها لتكون آمنة، وترويضها. ومع ذلك، كنتُ كلّما رأيتُهم من بعيد، اقشعرّ بدني، وبالغتُ في الابتعاد عن طريقهم. ولكن، أين أجد هؤلاء الحواة الآن لمساعدتي؟ بل كيف أستطيع الخروج من المنزل، والحنش متربِّص تحت الزربيّة في الممرِّ المفضي إلى الباب؟

التفتُ إلى السيِّدة الخائفة، فألفيتُها ما زالتْ واقفةً، وهي تصوّب نظراتها إليّ، تتوقع منّي أن أفعل شيئاً. طبعاً، فأنا صاحب المنزل، ولا يوجد غيري فيه.

قلتُ لها كسباً للوقت:

ـ ما طول الحنش؟

قالت: " التفّ بسرعة تحت الزربية. ربّما طوله... " ثم مدّت كلتا ذراعيها.

هنا شعرتُ بالخوف يدبّ في أوصالي، ويتملّك كياني. فقلتُ لها وَجِلاً:

ـ هل هو غليظ؟

ـ نعم، نعم.

أيقنتُ بأنّني مضطرٌ لخوض معركة، لم أخترها بنفسي، وإنّما فُرِضتْ عليَّ. سأخوضها مع عدوٍ خطِر، اجتاح داري، وقد يقضي عليّ أثناء النوم إذا تركتُه الآن. إذا استطاع هذا الحنش أن يلدغني لدغةً سامةً، كيف أصل إلى المستشفى، فداري تقع على شاطئ البحر، وهي بعيدةٌ عن المدينة. ومَن يحملني إلى المستشفى؟ فهذه السيدة المسكينة لا تعرف قيادة السيارة، وسيارات الأجرة نادراً ما تمرُّ بالقرب من دارنا. هل أستنجد بالحارس الليليّ؟ إنّه غير موجود الآن، فهو يغادر مكانه عند انتهاء الحراسة في الصباح؟ هل أطلب من المارّة أو الجيران، إنْ وُجِدوا، مساعدتي؟ ماذا أقول لهم؟ ألستُ رجلاً؟ والدار داري وليست دارهم. واجبي أن أدافع عنها وأحميها. وعلى كلِّ حال، فلا سبيل إلى الوصول إليهم دون المرور بالزربيّة التي يختفي تحتها ذلك الحنش اللعين. تُرى، هل سيهاجمني عندما أقترب من الزربيّة؟ لا شك في أنه سيسمع خطواتي وأنا أنزل الدَّرج، فيتأهّب للانقضاض عليّ.

قلتُ للسيدة المسكينة، وهي تنقّل نظراتها بسرعة بيني وبين الزربيّة في الممرّ أسفل الدرج:

ـ راقبيه جيداً لئلا يغيّر مكانه. سأرتدي ملابس سميكة وأعود إليه.

دخلتُ غرفة نومي في الطابق العلوي. لبستُ سروالاً سميكاً وجوارب غليظة. أمضيتُ بعض الوقتِ في البحث عن قفازات صوفيّة كنتُ أرتديها قبل شهور، أيام الشتاء الشديدة البرد. وجدتُها بعد لأي. بحثتُ عن جزمة كنتُ أستعملها قبل سنوات طويلة، عندما كنتُ أمارس رياضة ركوب الخيل التي تخلّيتُ عنها بسببِ الآم الظهر التي أصابتني، نزولاً عند نصيحة الطبيب الّذي أشار عليّ بالتوقف عن التنس وركوب الخيل، ومزاولة المشي والسباحة فقط. كانت تلك الجزمة في خزانة خشبيّة لم أفتحها منذ سنين طويلة.  ما إنْ فتحتُها، حتى قفز منها شيء أرعبني. كان فأراً مذعوراً. لبستُ الجزمة، وتناولتُ عصاً طويلةً استخدمها في تماريني البدنيّة كلّ صباح. عدتُ إلى حيثُ تقف السيدة وأنا أقول بشيء من اللوم:

ـ عثرتُ على فأر في الخزانة الخشبية. إن لم يُنظّف هذا المنزل جيِّداً، سيمتلئ بأنواع القوارض والزواحف والثعابين السامّة.

بقيتْ السيدة صامتة. واصلتُ سيري. عزمتُ على المجابهة. سأقتلُ هذا الثعبان. أو بالأحرى سأقاتله. فأنا لا أعرف إذا كنتُ سأستطيع القضاء عليه، فقد يتمكَّن هو من لدغي وقتلي بسهولة. كيف يموت الإنسان؟ بأسبابٍ كثيرةٍ، وأحياناً بلا سبب. ربَّما بلدغة أفعى. هكذا اختارتْ كيلوبترا أن تموت. والعِداء بين الإنسان والحيّة مستحكمٌ منذ أيام السومريِّين، فقد سرقت الحيّة نبتةَ الخلود من جلجامش، ملك أوروك، وقُضِي على الإنسان أن يموت ويموت.

كنتُ قد فكّرتُ أثناء ارتدائي الملابس السميكة في غرفة النوم، أَنَّ أفضل طريقةٍ لقتل ذلك الثعبان هي الدعس المتكرّر بكلتا قدميّ على الزربيّة، على أمل أنْ تصيب ضربات الجزمة رأسه فيموت.  أخذتُ أنزل الدرج بخطواتٍ ثابتة تنمّ عن عزمي على خوض المعركة، ولكن دون إحداث أيّة ضوضاء. بقيتْ السيدة الخائفة واقفة في مكانها في أعلى الدرج، وقد اتسعتْ حدقتا عينيّها.

كنتُ على وشك الوصول إلى الدرجة الأخيرة بالقرب من الزربية، وأنا أحمل العصا الطويلة مثل رمح بيدي اليمنى، عندما غيّرتُ خطَّتي فجأة. لا بأس، فمشاهير الجنرالات قد غيّروا خططهم أثناء المعركة في ضوءِ المُعطيات المستجدَّة. فكّرتُ أنّه ينبغي ألّا أجازف بالاقتراب كثيراً من الأفعى المختبئة تحت الزربيّة. الأفضل أنْ أضربها بالعصا الطويلة وأنا بعيدٌ عنها بمسافةٍ آمنة.

وقفتُ على الدرجة الأخيرة، رفعت العصا بلا ضوضاء، تمنيتُ لو كانت تلك العصا مثل عصا النبي موسى، بحيث تتلقف ذلك الحنش اللعين دون أن اضطر شخصياًّ لخوض تلك المعركة التي لا أعرف نتائجها.

هويتُ بالعصا بقوّةٍ على الجزء المنتفخ من الزربية. فجأةٌ خرج ثعبانٌ من تحتها بسرعةٍ، ورأسه مرتفعٌ في الهواء، متأهِّبٌ للضرب وللدغ. كان طوله حوالي الذراع، ورأسه كبير مثلث، ولونه أزرق داكن أقرب إلى السواد. لا بدّ أنَّه سام. لا أدري لماذا ارتبط السمّ باللون الأزرق في ذهني. رفع الثعبان رأسه في الهواء، أرتدّ به إلى الوراء، ولدغَ رفَّ المكتبة السفلي الذي جاءت الضربة من جهته (الممرُّ يشتمل في الناحية اليسرى على رفوفٍ مليئةٍ بالكتب). وكرّر تلك الحركة واللدغ عدّة مرات، وفي أماكن مختلفة، كما لو كان أعمى. في تلك اللحظة وفي خضم المعركة، سمعتُ جرساً يجلجل بطريقةٍ مخيفةٍ. خلته صادراً من الثعبان وهو يرفع رأسه في الهواء. لا بُدَّ أنَّه من نوعِ الأفعى ذات الأجراس المرعبة. فازداد قلبي خفقاناً. استمرَّ رنين الجرس. ثُمَّ تبيّن لي أنّه صادرٌ من هاتفي المحمول. هذا الهاتف الملعون، يختار أسوأ الأوقات ليرنَّ بإلحاح: وأنا أسوق السيّارة، وأنا أحاول جاهداً الإجابة على سؤال صعب بعد محاضرة ألقيتُها، أو وأنا في صميم المعركة.

وبارتباكٍ ظاهرٍ، هويتُ بالعصا على الثعبان بضرباتٍ متلاحقةٍ. لم تكُن تُصيب الثعبان الذي كان يلتوي ويراوغ. ربَّما أصابتْ إحدى الضربات ذنبه. فهذه العصا ليست عريضة بما يكفي لتنال منه، فنوع السلاح ذو أثرٍ في كسبِ المعركة. وفجأةً، التفتَ هو إلى الخلف، وزحف بسرعةٍ إلى الرفّ السفلي واختفى بين الكتب.

في تلك اللحظة شعرت بتحوّل في مشاعري، مثل تحوّلات الضوءِ عند الغروب. لا أعرف شيئاً عن كيفيَّة نشوء العواطف أو تبدُّل الأحاسيس، فليست لي درايةٌ في علم النفس، أو الطبّ النفسيّ. كنتُ قد حاولتُ ذات مرَّةٍ دراسة كتاب فرويد عن تفسير الأحلام، فبدا لي مختلطاً كما لو كان أضغاث أحلام، فانصرفتُ عنه وعن كتب التحليل النفسيّ الأُخرى. كلّ ما أحسستُ به بعد أنْ هرب الثعبان واختبأ خلف الكتب أنَّه، هو الآخر، مذعورٌ مثلي، خائفٌ على حياته؛ وربما كان مثلي لا يريد الدخول في معركةٍ، وإنّما اضطر للدفاع عن حياته بعد أن فاجأتْه ضربة العصا. ربما دخل الدار خطأً، دون أن يقصد الأذى. مَن يدري؟ لعلَّه مجرَّد حيَّةٍ غير سامّة. فها هو يهرب ويختبئ طلباً للنجاة. كلانا يطلب النجاة والبقاء والحياة. فشعرتُ بالرأفة تجاهه.

اغتنمتُ فرصة اختفاء الثعبان خلف الكتب وخلوِّ الممرِّ منه، واتجهتُ قفزاً نحو باب الدار في آخر الممر وفتحتُه على مصراعيْه. لا أدري لِمَ فعلتُ ذلك؟ بكلِّ تأكيد لا لأهرب إذا ما مالتْ كفَّة المعركة إلى غير صالحي، فمِن المستحيل أن أتخلّى عن الدار للثعبان. فهذه الدار أصبحت الآن هويتي، وعنواني، وحياتي، خاصَّة بعد أن تقاعدتُ من العمل الرسميّ، وأخذتُ أزاول الكتابة والتأليف فيها.  لا يمكن أن أترك الثعبان مختفياً بين كتبي التي أستعملها بكثرة. سيلدغني سرعان ما أمدُّ يدي لأتناول كتاباً. لعلَّني فتحتُ الباب آملاً في خروج الثعبان من الدار دون أن أقتله. فقد شعرتُ بنوعٍ من الرحمة في أعماقي، كما ذكرتُ، وكأنَّني أعمل بالحكمة المأثورة: ارحموا مَن/ما في الأرض، يرحمكم مَن في السماء.

عدتُ إلى رفِّ الكتب حيث يختفي الثعبان. ومن بُعْدٍ كافٍ يضمن سلامتي. استعملتُ العصا الطويلة لإسقاط الكتب التي يختفي خلفها الثعبان. أنكشف مَخبؤه. خرج هذه المرّة مصمّماً على خوض المعركة. أنزلتُ بعض الضربات في اتجاهه، ولكن من جهة الدرج وليس من جهة الباب، دون أن أرمي إلى إصابته. توقفتُ للحظة أفكر في اتّباع طريقة أخرى. اغتنم الثعبان فرصة توقّف الضربات. اتّجه نحو مصدر الضوء الآتي من فتحة الباب. لم أتبعه حالاً. لا أدري ما إذا كنتُ خائفاً من أن يرتدَّ نحوي فيلدغني، أم كنتُ راضياً بخروجه بحيث تكون نتيجة المعركة متكافئة، لا غالب ولا مغلوب. بعدَ لحظاتٍ، تعقّبتُه عن بُعْد لأتأكّد من خروجه، ودون أن أهاجمه بالعصا. خرج من الباب الداخلي. زحف بشكل متقطع: يتوقف بين وهلة وأخرى، ينظر في اتجاهي، ثمَّ ينظر في اتجاه الشارع.  قطع الساحة الصغيرة المخصَّصة لوقوف السيّارة نحو الباب الخارجيّ الخشبيّ المشبّك.  انساب من تحته، وأنا أتعقبه عن بُعد. أسرع للاختفاء في مجموعةٍ من الأعشاب النامية على حافة الطريق أمام الدار، عند عمود الكهرباء. لا بُدَّ أنَّه اختبأ في غارٍ هناك. هويتُ بالعصا بقوَّة على عمود الضوء مُحدِثاً صوتاً كبيراً، كأنَّني أريده أن يختفي في الغار بعيداً عني. انكسرتِ العصا إلى نصفيْن قصيريْن. رميتهما على الأعشاب، وعدتُ إلى منزلي وأوصدتُ الباب خلفي.

وما إن اقتربتُ من الزربية في الممرّ، حتّى فززتُ: كان الثعبان ملتفّاً مختبئاً تحتها.

***

قصة قصيرة

بقلم: علي القاسمي

............................

* نُشِرت هذه القصة في مجموعة " حياة سابقة " القصصية التي صدرت طبعتها الثالثة عن دار أروقة للطباعة والنشر بالقاهرة هذا العام 2020 بالنشر المشترك بين النادي الأدبي بنجران ودار أروقة.

 

 

سردار محمد سعيدالدفء يدور في البلاد

باحثاً عن الذي جاب الصقيع في الواد

عن ثقب في لحاف يتيم

عن فاكهة تدثرت بالأوراق

والأوراق  بالغصون

عن بنفسجة حمراء

عن سراويل مرتثة 

لكن البرد يخشى ارداف النساء

زق الخمر

رمل الصحارى

وزفرات العشاق

في نقطة يلتقيان

نهاراً للدفء

ليلا حصة البرد

إلا أن دم الشهداء يرفض القسمة هذي

كأن صدورالشباب قدور

أثافيها الضلوع

توقد من روح الشهيد

وصراخ الساحات لهب

مذ كان تلميذاً تعلم سرّالغضب

تنبجس الينابيع من الحجر

النفط يستعر

بقدر نموغضب الأباة 

تنكمش عقول الطغاة

تبت يدا ابي لهب

وتب

انتبه التاريخ

ما أوسخ المطلوب

وما أنقى الطالب

واحد يأوي إلى الله

يعطركتب التاريخ

وواحد يعوي على الله

يكتب السيناريوهات السخيفة 

يهدم هيكل الله

إياك وبناءه

لولا نظرت اللهَ  بقلبك

لرأيت أفواه الأمهات

تكبر للنحور السخيات

والدماء الفائرات

تتسلق تلقاء الأعالي

ليتك كنت حقاً خليفة

تكنى

الراشد السادس

***

سردارمحمد سعيد - اربيل

 

 

يوسف جزراوي‎مِنْ طِينِ العِراق

جَبَلَ اللهُ آدَمَ

ونَفَخَ في أنفهَ نَسَمةَ حَيَاةٍ

" فَصَارَ ادَمُ نَفْسًا حَيَّةً" ( تكوين ٢ : ٧)

فَدَعُيَ إلى الوُجُودِ

بعدَ أنْ سَرَى

نَبَضُ الرُّوحِ في عُروقِهِ

فعاشَ معَ زَوْجَتهِ حَوَّاء

الْمَخْلُوقَةِ مِنْ ضِلْعهِ ( تَكْوين ٢: ٢١- ٢٢)

في جَنَّةِ عَدْنٍ بالعِراق ( تَكْوين ٢: ٨)

يِسقيها نهرًا

ينقسمُ إلى أَرْبَعَةِ رؤوسٍ:

دِجلَةُ (حدّاقال) الجاري شرقيّ آشور.

والفُرَاتُ.

وفيشون وجيحون - وقد اندثَرا- ( تَكْوين ٢: ١٠ - ١٤)

لكَنَّ آدَمَ العِراقي وزَوْجَتهُ الْعِرَاقيَّةَ

اِرْتَكَبَا أوَّلَ خَطِيئَةٍ في الخَلِيقَةِ

في رِبوعِ العِراق ( تَكْوين ٣ : ٦)

غيرَ أَنَّ اللهَ الخالقَ

لَمْ يلعَن الإِنسانَ

بَلْ لعَنَ الأرضَ. "ملعَونةٌ الأرضُ بِسَبَبكَ"( تَكْوين ٣: ١٧).

كما أَنَّ ابنهمُا قايين

قَتَلَ أخَاه الأصغر هابيل ( تَكْوين ٤: ٨)

بِسَبَبِ الغَيْرَةِ وإِرضاءً للذّاتِ المُتَغَطْرِسَةِ!

فكَانت أوّلَ جَرِيمَةِ قَتْلٍ في التَّأريخِ

تحّدثُ عَلَى أرضِ العِراق أيضًا!

**

أجَلْ في البَدْءِ كَانَ العِراقُ

ومِنْ أرْضِهِ خُلَقَ الإنسانُ الأوّلُ

فكَانَ الشَّقَاءُ والغَمُّ!

ربَّما لأنَّ اللهَ ومُنذُ البَدْءِ

لَمْ يُنفق الكثيرَ

من طِينِ السَّلامِ عَلَى بَلدٍ

جَبَلَ مَنْهُ جَبلتهُ الأولى.

**

في البَدْءِ كَانَ العِراقُ

فكَانَ إبراهيم أبو المؤمنين

في أوَرِ الْكَلْدَانِيِّينَ ( تَكْوين ١٥ : ٧).

فهي مَسْقِطُ رَأْسِهِ.

إبراهيم كَانَ مُبَارَكًا مِن الله( تَكْوين ٢٢: ١٧-١٨).

ومَعْلُومٌ أنَّ إبراهيم المؤمنَ

وَجَدَ في رِحَلةِ الإِيمَانِ

ما هو أهمُّ وما هو أَوْلَى وأَبدَى

مِن قَرَابَةِ الدَّمِ والّلحْمِ والأرضِ

وأنَّ إيمانهُ مُقاسٌ بِوسعِ ذَاتهِ

وذَاتهُ أكثرُ اِتّسَاعًا

مِن أنْ يَحْتَوِيهَا القَلِيلون

حَتّى لَو كَانوا مِن الْأَقْرَبِينَ والأحِبَّةِ

فنَفى مِن قَلْبهِ الحِسَّ العَشَّائريّ

والاِنْتمَاءَ الْقَبَلِي والتَّعَصُّبَ الْعِرْقي

وَسَائرَ أَشْكَالِ التَّعَصُّبِ الْقَومِي والدّيِنيّ

مُبتَعدًا عَن التَّمْيِيزِ العُنْصُريّ

دُونَما نِسْيانِ الفرّادةِ والْخُصُوَصِيَّةِ

فاِنْطَلَقَ رَاحِلاً مِن أوَرِ الْعِرَاقيَّةِ

حَامِلاً مِشْعَلَ التّوْحِيدِ

نحوَ شُموليّةٍ أَوَسَعَ

وبِرِسَالَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ وَسَمَاوِيَّةٍ

لَيْسَ للْبُلْدانِ الْأُخْرى

أنْ تُنَافَسَهَ في عَراقتِهَِا

وأَصَالَتِهَا وَعُمْقِهَا وتَنَوُّعِهَا.

**

رحَلَ قايين عن أرْضِ العِراق

وسَكَنَ في أرضِ نود

شرقي عَدْن ( تكوين ٤ :١٦).

بعدَ أنْ اِستَهانَ بدمِ أَخيهِ

ثُمَّ بنَى أوّلَ مَدِينَةٍ في التَّأريخِ

عُرِفْت باسمَ ابنهِ البِكْرِ حنوك ( تكوين ٤: ١٧).

قايين هو أوّلُ عراقيٍّ مُتَغَرّبٍ

وأقدمُ رحّالةٍ موثّقٍ

في تاريخِ الاغترابِ الرَّافدينيّ

يليهُ إبراهيم عَلَى الصَّعِيدِ الإيمانيّ

ثُمَّ إنكيدو وكَلكَامش

عَلَى مُسَتوًى حَضَاريٍّ.

فمَنْ يدري لَعلَّهم

غَرَسُوا فينَا بِذورَ الغُربةِ

وظَاهِرِةَ الْهِجرِةِ والتَّرْحَالِ

التي أصبحت مُلازِمةً لنَا

وداخلةً في تَكْوِيَننا الْحَضَارِيِّ كعراقيّينَ

على ممرِّ الْعُصُورِ،

فالعِراقيُّ مُنذَ القِدَمِ

نجدهُ تارةً في الطَريقِ

وتارة أُخرى يبحثُ عَن طريقٍ

للحفاظِ عَلَى الحَياةِ قَدرَ المُمْكنِ.

**

في البَدْءِ كَانَ العِراقُ

فكَانت مَلْحَمَةُ كَلكَامشِ

وبَطَلُهَا إنكيدو المُعلِّمُ

ففي المَلْحَمَةِ أعتقُ حَضَارَةٍ

كَانت بوَاكيرَ الفِكْرِ والحَرفِ

لِيبزغَ مِنْ الإنسانِ الرَّافِدينيّ

 فَجْرُ الْكِتَابَةِ والتَّدْوين والعَلمِ

فأَوَفْدَهَا إلى الإِغْرِيقِ والشَّامِ

وبِلَادِ وَادِيَ النّيلِ

لتَسِيرَ الشُّعُوبُ على خُطاه

فعرفوا الْيَرَاعُ والْابْدَاعَ والامْتَاعَ.

فمَا بَالُهُمْ  اليوم سَاسةُ بَلدي

مُنْصَرِفِينَ للْفَسَادِ والْقَتْلِ

يَتَغَنَّوْنَ فقط بأمْجَادِ حَضَارَتيّ

كَطَفِلٍ تُدَغدَغَهُ مُهودُهُ الْمُرِيحَةُ

كَأَنَّهُمْ لا يُرِيدُونَ لَنَا

أنْ نكَونَ بُناةَ الحَضَارَةِ المُعاصَرةِ

لَعَلَّهُمْ نَسُوا أو تَناسَوْا

أنَّ العِراقَ ليسَ مِنْ مُحبّي البَقاءِ

مَتَاحفَ جَميلَةً ومَخْطُوطاتٍ نَفِيسَةً

وآثارًا خالدةً ومَلْحَمَةً تَأرِيخِيَّةً

يَغِلبُ عَلَيْنا الطَّيُّ والنّسْيَانُ.

**

رغمَ الْخَطِيَةِ والْمَوْتِ والتّرْحَالِ

لكَنَّهُ وَطَني لَمْ يُهَيَّأْ نَعشُهُ

إذ تشبَّثَ بالحَياةِ

خَشْيَةَ أَنْ تَفلتَ مِنْ بينِ يَدَيهِ

فرَاحَ يَرطُمُ الغَيْمَ بالغَيْمِ

حَتّى هَلَّ الْمَطَرُ

قَطرَةً ...قَطرَةً

فعُني العراقيُّ القَديمُ  بالْعُمْرَانِ

بَانِيًا مَعالِمَ تُقِيمُ للحَياةِ وَزْنًا

مُشيّدًا الزَّقُّوراتِ والْمَعَابِدَ والْمُدُنَ والْقَنَوَاتِ

أكثر ممّا شَيَّدَ المدَّافِنَ.

بَيْنَمَا المصريون

اهتَمُّوا  قَدِيمًا

بِتكْريمِ الْمَوْتى

وما الأهرامات،

سِوى مدافنَ أُريدَ بِها

تكْريمُ الميتِ وتَخْلِيدهِ.

فمالهُ العِراقُ الْيَوْمَ

يتَدثَّرُ بِعَبَاءةِ الْمَوتِ؟!.

**

في البَدْءِ كَنتَ أنتَ يَا بلدي

هِبَةً جَميلَةً للوُجُودِ

ولَمْ يَكَن بَلدٌ سِوَاكَ

فما بَالُكَ يَا باكُورَةَ الْبُلْدانِ

أشْقَيتني في غُربتي وأبّكَيْتَني

فسَالَتْ مِنْ عَينيّ وتَدَفَّقتْ أدمعي.

فأيُّهَا الْوَطَنُ المُتْعَبُ والمُتعِبُ

مُنذُ فَجْرِ التّكْوينِ

وأرْضُكُ ملطَّخةٌ بالدِّماءِ

فنحنُ العراقيين

لاَ نَحتاجُ إلى مُنَاسَبَةٍ حَزِيِنةٍ

كَمَقتلِ هابيل

أو صَلَبِ السَّيّدِ الْمَسيحِ

أو اِستِشهادِ الإِمامِ الحُسينِ

أو إلى اِسِتِعمارٍ مغوليٍّ أو عثمانيٍّ

أو حاكمٍ طَاغُوتٍ كصدّامْ

أو إلى اِحْتِلالٍ عَسْكَرِيّ

من قِبلِ الأمريكيّ والأعجميّ

لنَسِيرَ في دُرُوبِ الجُلجُلةِ

فحَيَاتُنَا مُنذُ بَدْءِ التَّكْوِينِ

إلى يَوْمِنَا هَذَا

كَانت صَلْبًا واِستِشهادًا ومَوْتًا!

فقد اِعتدنا غَمسَ

الْيَرَاعِ بِمحْبَرَةِ الدَّمِ

لنَكْتُبَ معلَّقةَ السّلَامِ

بِقلمِ الْحُرُوُبِ الطَّوِيلَةِ

ونُرَتَّلَ أناشِيدَ الْفَرَحِ

بِحناجرَ مِلْؤهَا الفَجِيعَةُ!

فإنْ كَانَ السَّيّدُ الْمَسيحُ

قد دَحْرجَ حَجَرَ القبرِ الثَّقِيَلَ

وقَامَ في اليَوْمِ الثَّالثِ

غيرَ أنّي لَمْ أعُدْ أرَى

بَصِيصَ نُورٍ يُبَشّرُّ بِقيَامَتكَ

إلّا أن اِسْتَحالَ الْمُسْتَحِيلُ!

لكَنَّي لن أرثيكَ يَا بَلدي

فالرِّثاءُ لا يجوزُ فيكَ

ومُنذُ مَتَى رَثْى التُّرابُ الأَرْضَ؟!

 فقط سألُتُ المُعينَ عَوْنًا

لَيُهَوِّنَ عَلَيْكَ مَتَاعِبَكَ

ويقُولَ " ليكنْ نورٌ"

على أرْضِكَ الخِرِبَةِ

فمُنذُ التَّاسعِ مِنْ نَيْسَانَ

حَلَّ فيكَ غُرُوبٌ مُظلِمٌ

لَمْ تُشْرقْ مِن بَعْدهِ شَمْسُكَ!!.

***

الأب يوسف جزراوي

 

جوزيف إيليامن وصيّة أبٍ سوريٍّ لابنه


 

عذرًا يا ولدي

فلقد أورثتُكَ صوتَ زوابعْ

 

ورياحًا باردةً سكرى

وغيومًا حبلى بغيوثِ فواجعْ

 

وسنابلَ فارغةً

وفراشاتٍ لا لونَ لها

وبلابلَ شائخةً

ليست تتقنُ غيرَ نشيدِ مواجعْ

 

فامشِ حزينًا بجِنازةِ ضوئي

وارمِ على قبري زهرةَ عفوِكَ

وامضِ لأمِّكَ - إنْ لمْ تخنقْها البلوى -

كفكفْ دمعتَها

واسكبْ كوبَ الشّايِ لها بالسّكّرِ

واملأْ حجرتَها بزنابقِ لطفِكَ

كنْ ياولدي لحديثٍ منها عنّي سامعْ

 

ستقولُ :

- أبوكَ مضى

لينامَ طويلًا فوق فراشٍ لا ينخُسُهُ

فلقد أنهكَهُ سهرُ العمرِ هنا

وهْو يفتّشُ عن غدِكَ السّاطعْ

 

لكنَّ الّليلَ المجنونَ تحدّاهُ

وظلَّ كوحشٍ عن عقْمِ الغيمِ يدافعْ

 

وستخبِرُ عن تاريخي :

كيف بصدقٍ كنتُ أقصُّ جناحَ بلاءٍ

كي لا يغزوَ طائرُهُ الجارحُ أجواءَكَ

لكنّي لمْ أنجحْ

وأنا عنكَ أصارعْ

 

كان البركانُ عنيفًا وفظيعًا

أقوى من شجري

ومدائنِ حرصي

فهربتُ إلى نفسي

وطواحينَ هواءٍ صرتُ أقارعْ

 

ما كان أبوكَ جبانًا

أو صدِئَ الذّهنِ

ولكنْ كان يريدُ بلوغَ المعنى

وهزيمةَ عسكرِ "هولاكو"

غابَ أبوكَ

وجيشٌ من نارٍ ينسفُ أسوارَ حدائقِنا

ستقولُ

وتحكي أمُّكَ عن أشياءَ وأشياءَ

وأنتَ ستصغي مكسورَ القلبِ

وتمضي عنها دامعْ

 

فاعذرْني يا ولدي

إنْ أورثْتُكَ حُلْمي

أتُراكَ لراياتيْ البيضاءِ

ستبقى في الدّنيا دومًا رافعْ ؟

***

القس جوزيف إيليا

 

 

محمد جواد سنبه(طُمُوحُ الحِمَارِ فَي حُكّمِ العِرَاق)

سَأَلَ الحِمَارُ الثَّعلَبَ:

يا صَديقي الثَّعلَبُ، كيّفَ أَكونُ رَئِيّْساً للعِرَاقّ؟.

فَأَكُونُ ذَا سُلّْطَةٍ تَسِدُّ الآفَاقّْ؟.

أَقودُ الجَماهيرَ دُونَ نِفَاقّْ؟.

لأُنّْجيّْهِمّ مِنّْ جَميّعِ المَشَاقّْ.

وأَسّْعِدُ أَحوالَهُمّْ بِكُلِّ الآفَاقّْ.

قَالَ الثَّعلَبُ:

الأَمرُ عَسيرٌ وشَاقٌ وجِدُّ صَعّْبّْ.

عَليّْكَ عِدَّةُ أُمُورٍ طَبِّقّْها بِصَبّْرٍ وَبِلا تَعَبّْ.

وإِنّْ خَرَجّْتَ عَنّها فَسَوّْفَ تُؤْكَلُّ وتُغّلَبّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

عَلِّمنِيّها وسَأَكُونُ صَابِراً وشَاكِراً لكَ بِكُلِّ أَدَبّْ.

قَالَ الثَّعلَبُ:

إِذَنّْ استَمِعّْ وكُّنّْ لَبيّْباً وطَيّبَ الحَسَبّْ.

وَ لا تَنّْكُرَ جَميْلي عِنّْدَمَا تَنَالُ الطَّلَبّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

سَمّعَاً وطَاعَةً أَيُّها الصَّدِيقُ المُهَذَبّْ.

وَعَلَيَّ لَكَ الوَفَاءُ مِنّْي مَا سَارَ حَافِرِي ودَبّْ.

قَالَ الثَعلَبُ:

أُوْلَى الوَصَايَا:

أَنّْ تَجّْعَلَ الوزَرَاءَ مِنَ السَّارِقِيْنّْ.

وَ ثَانِيّْهَا:

أَنّْ تَخّْتَارَ قُضَاةً للبَاطِلِ عَاشِقيْنّْ.

وَ ثَالِثُهَا:

أَنّْ يَكونَ المُسّْتشَارونَ مِنَ الوَضّاعِينّْ.

وَ أَمَّا رابِعُهَا:

اجّْعَلّْ المُدَرَاءَ مِنَ الأَفَّاكِينّْ.

وَ خَامِسُها:

إِخْتَرّْ كِبَارَ المُوَظَّفِينَ مِنَ المُراوِغِيْنّْ.

وَ سَادِسُهَا:

اجْتَهِدّْ لِتَكُوْنَ دَوّْلَتُكَ دَوّْلَةَ المُرتَشِيْنّْ.

وَ سَابِعُهَا:

إِجّْمَعّْ حَوّْلَكَ حَفّْنَةً مِنَ الإِعلامِيينّْ،

كَبيّْرُهُمّْ مِنَ الدَّجّْالينّْ، وصَغيّْرُهُمّْ مِنَ الكَذَّابيْنّْ.

حَتَّى يُصَوِّرُوا لّلنّْاسِ أَخّْطَاءَكَ نَصّْرٌ مُبيْنّْ.

وَ ثَامِنُهَا:

أَنّْ تَتَظَاهَرَ لِلّْشَعّْبِ بأَنَّكَ عَلَى أَحوَالِهِمّْ مَكِيْنّْ.

وَ تَاسِعُهَا:

أَنّْ تُوْعِدَ الشَّعبَ دَوّْماً بِمُسّْتقّْبلٍ مُزّْدَهِرٍ مُبِيْنّْ.

وَ أَمَّا عَاشِرُهَا:

إِيَّاكَ ... إيَّاكَ ... أَنّْ تُقَرِّبَ المُصّْلِحِيْنّْ.

فَإِنَّهُمّْ يُفسِدوا عَليّْكَ الحُكّْمَ وتَصّْبَحُ غَيّْرَ حَصِيْنّْ.

تِلّْكُمُّ عَشّْرُ وَصَايَا عَلَّمْنِيْها ابْلِيْسُ الَّلعِيْنّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

تِلّْكَ صِفَاتُ الأَرذَليْنّْ !.

وَ تِلّْكَ سِيَاسَةُ الغَاشِمِيْنّْ !.

فَكَيّْفَ نَسُوسُ البَلَدَ ونَحّْنُ كاذِبيْنّْ ؟.

قَالَ الثَّعلَبُ:

تِلّْكُمُّ وَصّْفَةُ حُكّْمِ الجَبَّاريْنّْ.

وَ لِمَنّْ يُرِيّْدُ بالبَاطِلِ أَنّْ يَحّْكُمَ العَالَميْنّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

أَنَا مِنّْ عِبَادِ اللهِ المُؤْمِنِيْنّْ.

وَ أُرِيّْدُ أَنّْ أَحّْكُمَ حُكّْمَ العَادِلِيْنّْ.

وَ أُرِيّْدُ أَنّْ أُرْضِيَ رَبّْي والعَالَمِيْنّْ.

قَالَ الثَّعلَبُ:

إِذَنّْ ابّْقَ حِمَاراً تَدُورُ فِي فَلَكِ المُسّْتَضّْعَفيْنّْ.

كُلّْ الحَشيّْشَ والشَّعيْرَ وكُنّْ مِنَ الشَّاكِرِيْنّْ.

وَ دَعّْ السِيْاسَةَ لأَهْلِهَا فَهُمّْ بِهَا مِنَ البَارِعِيْنّْ.

قَالَ الحِمَارُ:

تاللهِ قَدّْ خَابَ مَنّْ اسْتَشَارَ المَاكِرِيْنّْ.

فَكُلُّ الثَّعَالِبِ طَبْعُهَا غِشُّ السَائِلِيْنّْ.

وَ سَاسَةُ العِرَاقِ اتَّخَذْوا مِنَ الثَّعَالِبِ نَاصِحِيْنّْ.

أَ هكَذَا تَحْكِمُونَ العِرَاقَ يَا فَاسِدِيْنّْ ؟.

فَضَاعَ العِرَاقُ إِلى أَبَدِ الآبِديْنّْ.

***

محمد جواد سنبه.

 

 

يحيى السماويثـلاثُـةُ جـدران من حـجـرة

 بـمـئـات الـجـدران (*)


 

 

(1) يـقـيـن

لـسـتِ " لـيـلـى "  ..

وأنـا أكـذبُ لـو أزعــمُ أنـي فـي طـقـوسِ الـعـشـقِ

" قـيـسُ "

*

نـكـتـفـي بـالـسَّـمـعِ مـن خـلـفِ جـدارٍ

خـوفَ أنْ تـطـردَنـا مـن جَـنَّـةِ الـخـيـمـةِ والـنـاقـةِ " ذبـيـانُ "

و " عَـبْـسُ "

*

لـيـسَ عـشـقـاً

مـاؤهُ وهْـجُ سَــرابٍ  نـتـسـاقـاهُ خـيـالاً

ورغـيـفٌ قـمـحُـهُ خـوفٌ وهَــمْــسُ

*

وبـسـاتـيـن مـن الأحـلامِ

لا يـنـبـتُ فـيـهـا غـيـرُ شــوكِ الـصـحـوِ

غـرْسُ

*

أيـكـونُ الـوردُ ورداً

حـيـن لا تـنـظـرهُ الـعـيـنُ ولا يـلـثـمـهُ الـنـحـلُ

ولا شــمٌّ ولـمْـسُ؟

*

حِـلـيَـةُ الـلـيـلِ نـجـومٌ

ووشــاحُ الـصـبـحِ شــمــسُ

*

إنـنـي فـي الـعـشـقِ لـيْ طـبـعُ الـيـعـاسـيـبِ

وأنـتِ الـوردُ والـراحُ الـتـي مـن دونـهـا لا يـثـمـلُ الـقـلـبُ

ولا تُرفـعُ كـأسُ

*

لـيـس سـهـمـاً مـن سِـهـامِ الـعـشـقِ فـي فِـقـهِ هُـيـامـي

حـيـن لا يُـطـلِـقـهُ نـحـو ظـبـاءِ الـلـثـمِ

قـوسُ

*

والـضـحـى لـيـس ضُـحـىً

إنْ لـم تُـضـيـئـي فـيـهِ عـيـنـيَّ

ولـيـلـي إنْ تـغـيـبـي فـيـهِ عـن حـضـنـيَ

رِمْــسُ

*

كـلُّ صـبـحٍ ولـنـا فـي الـعـشـقِ مـيـلادٌ  جَـديـدٌ

ولـنـا فـي كـلِّ لـيـلٍ رحـلـةٌ نـحـوَ الـفـراديـسِ

وعـرسُ

***

السماوة 18/6/2020

.................

(2) طـقـوس

وجـهُـكِ الـقِـبـلـةُ إنْ صَـلَّـيـتُ شِـعـراً وتَـبـتَّـلـتُ الـى الـعـشـقِ

ونـادتْ لـلـهـوى مِـئـذنـةُ

*

فـلـيـقـولـوا كَـفَـرَ الـعـاشـقُ بـالـمـعـشـوقِ ..

هـل يَـكـفـرُ  بـالـمـشـحـوفِ  نـهـرٌ سـومـريُّ الـمـوجِ ؟

أو تـهـرَبُ مـن أهـدابـهـا والـجـفـنِ يـومـاً مُـقـلـةُ ؟

*

لـيْ طِـبـاعُ الــنـهــرِ : إنْ سِــرتُ

فـلا ألــتــفِــتُ

*

لـلـئـيـمٍ وخـبـيـثِ الـطـبـعِ والـكـامـلِ نـقـصـاً

فـسَـواءٌ فـي طـقـوسِ الـعـشـقِ يـا مُـلـهِـمـتـي إنْ نَـبَـحـوا

أو سَـكـتـوا

*

بـتـلـةٌ مـنـكِ : بـساتـيـنٌ  ..

وقـطْـرٌ مـن نـدى واديـكِ : نـهـرٌ  ..

فـاشـهـدي يـا حُـجَّـةَ اللهِ عـلـى عِـشـقـيَ يـومَ الـنـشـرِ :

قـلـبـي بِـضـعـةٌ مـنـكِ

ومـا غـيـرُكِ يـا شـمـسَ يـقـيـنـي لِـسـفــيـنـي رحـلـةُ

***

السماوة 20/6/2020

.....................

(3) مـزاح جِـدّي

كـان اتـفـاقـاً بـيـن مـولاتـي وبـيـنـي

حـيـن تـخـطـأُ :

لا تُـعـاقِــبُـنـي عـلـى أخـطـائِـهــا أبـداً

فـإنْ كـسَـرتْ يـدي  ـ مـثـلاً ـ أمـدُّ لـهـا يـدي الأخـرى لِـتـكـسـرَهـا

فـأحـظـى بـالـشـفـاعـةِ

فـهـي تـأبـى أنْ تـكـونَ عـقـوبـةُ الـشـيـخِ الـعـنـيـدِ  مُـجَـزّأةْ

*

فـإذا اشـتـكـيـتُ الـقـيـظَ

تـمـنـعـنـي مـن الـمـاءِ الـقـراحِ  ..

وإنْ شـكـوتُ الـبـردَ

تـلـســعُــنـي بـنـارِ الـمِـدفـأةْ

*

كـان اتـفـاقـاً بـيـنـنـا  ..

مـثـلاً  :

تـعـاقِـبـنـي إذا نـظـرَتْ  بـإعـجـابٍ إلـيَّ ـ بـدونِ أنْ أدري ـ امْـرأةْ

*

وإذا ارتـكـبـتُ جـريـمـةً مـن دونِ قـصـدٍ

كـانــبـهـاري بـالــمُــذيـعـةِ

حـيـن تـقـرأُ نـشـرةَ الأخـبـارِ كـاشــفــةً عـن الـكـتِـفَـيـنِ

تـلـطـمُـنـي بـنـظـرتـهـا  ..

ولـكـنْ

حـيـن أنـظـرُ بـانـكـسـارٍ لـلـعـجـوزِ الـعــمــشــةِ الـعـيـنـيـنِ (**)

تـتـركـنـي أحَـدِّقُ مـا أشــاءُ كـأنَّ عـيـنـي مُـطـفـأةْ

*

مـا زلـتُ أذكـرُ مـا جَـنـيـتُ  مـن الـعـقـاب الأنـثـويِّ

لأنـنـي عَـبَّـرتُ عـن رأيٍّ وتـجـربـةٍ

فـقـلـتُ  :

مُـضَـيِّـفـاتُ خـطـوطِ مـوزمـبـيـقَ لا يـشـبـهـنَ فـي سِـحـرِ الأنـوثـةِ

مـثـلَ  سِـحـرِ مُـضَـيِّـفـاتِ خـطـوطِ هـولـنـدا

فـإنَ الـفـرقَ بـيـنـهـمـا كـمـا بــيــنَ الـحـصـى والـلـؤلـؤةْ

*

فـإذا انـتـهـيـتُ مـن اعـتـذاري ســاعـةً أو ســاعـتـيـنِ

تـظـلُّ شـهـراً بـالـمَـلامـةِ  و " الــتـِـدِرْدِمِ  " والـعـتـابِ مُـعَـبّـأةْ (***)

*

كـان اتـفـاقـاً بـيـنـنـا

وأنـا أحِـبُّ الإتـفـاقـاتِ الـتـي تُـبـقـي مـلاءاتِ الـسـريـرِ

لـحـفـلٍ مـحراثـي وتـنُّـورِ الـعـنـاقِ مُـهـيّـأةْ

*

لـكـنـنـي فـي الـشـعـرِ أنـسـى الإتـفـاقَ

أطـيـعُ زورقـيَ الـعـنـيـدَ إذا يُـغـادرُ مـرفـأهْ

*

الـشـعـرُ أنـشــأني

ولـسـتُ أنـا الـذي قـد أنـشـأهْ

*

والـشـعـرُ مـبـدئـيَ الـحَـنـيـفُ ..

أنـا امْـرؤٌ غـلـبَـتْ طـبـائـعُـهُ الـتـطـبُّـعَ

سـوف يُـردى لـو يُـجـانِـبُ مـبـدأهْ

***

السماوة 22/6/2020

***

يحيى السماوي

...........................

(*) من مجموعتي المعدة للطباعة والنشر قريبا (التحليق بأجنحة من حجر ) والتي كتبتها في سجني القسري خوفا من جائحة كورونا .

(**) عمشة العين: العين  المريضة التي تسيل دمعا  ..

(***) دردم: المرأة التي تروح وتجيء ليلا ـ وفي اللهجة الشعبية العراقية تعني الكلام المتواصل غير المجدي ، وهو المعنى المقصود في النص .

 

 

حسين يوسف الزويدذاتَ شوقٍ وانغماسٍ في متاهاتِ الحنينْ

حَلَّ في القلبِ صداعُ الوجدِ

و انداحَ اليقينْ

جَبلُ الغيمِ مِنَ التهيام أغوتْهُ الهُبُوبْ

من رياحٍ أغرَتِ السفّانَ في نشر الشراعْ

يُنشِدُ الضلِّيلَ من (توضِحَ) و(المقراةِ)

مِنْ أرضِ (دَمُونْ)

سارَ حادي السُفْنِ لا يلوي على

أيِّ ضياعْ

سادراً ينوي رُسُوَّاً عِنْدَ

شُطآنِ المتاعْ

لكنِ الأقدارَ شاءَتْ

غَسَقٌ بالجوِّ لاحْ

وعلى الأفقِ تمطّى من عَتيٍّ ورياحْ

عَبَثاً حاوَلْتُ تثبيتَ شِراعي

في عتوٍ في أقاصي الكونِ  صاحْ :

لا صدى بينَ يدينا

لا دواءً من جراحْ

ضاقَتِ الفكرةُ عندي

أينَ ذيَّاكَ (البسيطْ)؟

أنتَ بحري يا بسيطاً

وبه يعلو الصياحْ

                      ***

قِفْ بالنمِّيصةِ (١) وانظرْ في روابيها

                عَمّا جرى من عذاباتٍ، سَترويها

إبّانَ كانَ الهوى في القلبِ مُضْطَرِماً

                 والنفسُ لا ترعوي، تبغي أمانيها

و كيفَ صبري ودُنيا الحسنِ دانيةٌ

            سكنى الدوارسِ هامت في مآقيها(٢)

قد عِيْلَ صبري ودُنيا الحسنِ دانيةٌ

               قـطـوفُـها وأنـا كالـطـفـلِ أبـغـيـهـا

لو أبصرَتْ ميتاً في التُربِ عاشقتي

                كأنـمـا ذاقَ  مـاءَ العيشِ مـن فيها

قد كانَ بَحرو هواها لاطماً لَجِباً

              وكنتُ غُمْراً، تـجـاريـبـي تُماريـهـا

تجري السفينةُ لا يـنـتـابُها خللٌ :

                  ها قَدْ حَجَجْتُ الى أسوارِ واديها

وَ ذاتَ نَحْسٍ طَغَتْ في الأفقِ زوبعةٌ 

                  وهاجَ في اليَمِّ شيءٌ من عواتيها

حاوَلْتُ أنْ أمنحَ الأحلامَ أشرِعَةً

              كي أُرسيَ النفسَ في أحلى مراميها

لكنَّها سَوْرةُ الأحزانِ قد هَطَلَتْ

               أرْخَتْ سدولاً وما أدرَكْتُ شاطيها

لكنني سوفَ أرقى للنجومِ وإنْ

              تأتِ العواصفُ قلبي، سوف يُدْميها

        وسوفَ أنشرُ فوقَ الغيمِ أجنحتي

               وسوفَ أقطفُ في الأحلامِ، عاليها

و سوفَ أنهضُ كالعنقاءِ مشتعلاً

                 من الرمادِ  ويحبوني المدى فيها

                   ***

 د. حسين يوسف الزويد

.....................

 (١) النميصة : اسم موضع في قرية الحورية بالشرقاط مسقط رأس كاتب هذه السطور.

(٢) كي تتضح الصورة عنذ القارئ فأن موضع النميصة يقع قبالة (تل الحويش)  والذي اتخذه اهالي المنطقة مقبرة لموتاهم.