مصطفى غلمانالأقبية الباردة رداء الروح

قصص الموتى

تعتقنا من أحزان سخينة

**

الأساور لامرأة نائية

من جبل نائي

من طعام بائت

من بئر مهجورة

**

الجدران العالية السائبة العتيقة

من تاريخ أسير الصمت

من فورة تتآكل على أعتاب الديكتاتور الصغير  ..

**

المقامع الحديدية أجراس القيد

سجون الظلام

عماء في زحمة الموت

قبو في قبو

في متاهة سحيقة ..

**

القبور كماشات الأجساد

قصائد الرثاء

عمائم حمر

  هزائم أليمة في حرب ضروس  ..

**

المجد ليس ثورة

بل نصلا في كف المنتصرين

كفنا أو نصرا قصيرا

في أبكار الصبح  ..

**

الجسور التي تسحق التائهين

لا تغصب القطر من التيه خلف العراء

**

الجمال الذي يضيع بين أقماط الثوب وحبائل الجسد

 قمين بالتعرية من عزلة كاتمة  ..

من ماء يضيق بين نهرين ..

يطوي على القلب أسرار الحب

والرومانسية  ...

**

أقص جناح الورد

أهمس في الخدود الوردية

أعتذر للغيمة التي نثرت حقولها

ومضت إلى قصائدي

تبلغ شهوة الوداع ..

***

د. مصطفى غلمان

 

عبد الجبار الجبوري1- لنْ أبُوحَ للرِّيحِ بإسمِها

كانتْ تجيءُ الى بيتِ القصيدة، حاملةً أغنيةَ النهّار، وهمومَ المساءاتِ وتفرشُ أسرارها على قارعة الشوق، عند بوابة المسقى، فيقرأُها الفقراءُ والشعراءُ وأنا، الفقراءُ يشوفونَ فيها بؤسهم، والشعراءُ تعاستِهم، وأنا خيباتي المبعثراتِ طول الطريق إليها، كنتُ أنتظرُ الخميسَ (كلَّ خميس)، أبعدُ من سماءٍ لاتُرى، ويومٍ لايجيءُ، أعدُّ لحظاتِهِ، كأنني طفلٌ ينتظرالحلوى من يدِّ أبيه، وكنتُ طفلَها المُدلّلِ، وعاشقَها المدللِّ، تحدثُّني طلتُها عن كلِّ شيءٍ، عن قامتِها التي تشبه نخلةَ السماء، وعينيها اللتان تُشبهان عيونُ المّها، ونِهداها الخَجلانِ من فم الوردة، وحلمتاها الهاربتان في صحاري المطر، وخصرها المغزولِ بماءِ الكلام، وشعرِها المسدول على جثتي، يااااااااه كم أذوب بإبتسامتها، وصوتها المبلول، برضاب فمي، كم يسعدني الحديث معها، والإنحناء لقامتها، وهي تمدُّ يدها ليصافحَ كفُّها قلبي قبلَ كفي، وتصافحُ عيناها عيوني، وشفتاها شفتّي، لأقفَ أمامها كشجرةٍ يابسةٍ، كلُّ شيءٍ فيَّ يتلعثم خجلاً حتى لساني، هاهيَ تلوّح ثانيةً للبحر، وتفرشُ حصيرتها قرب روحي، وتقولُ للرّيح تعال، هذا ليسَ قلبي، هذا رمادُ حبّهِ، وتقولُ للنخيلِ ظَللّْ على ذلك الرماد، الذي هو قلبي، لاتحزنْ إذا إفترقنا يوماً أيها الرماد، فالنارُ ستخرج ثانيةً من ذلك الرماد، الذي هوأنتَ، وتعيدهُ لجسدي وهو رَميمْ، لاتفتحْ بابَ الليلِ، دَعْهُ مُغلقاً، يتهجّد فيهِ قلبي، ويصلّي، لرمادِ حُبِّكَ المقدّس، هكذا تَبوحُ لي، حينما نَلتقي –وَحْدَنا – تحت شُجيرة القصيدةِ الوحيدةِ، تلك القصيدةُ التي هيَ أنتِ ...

(الموصل طبعا..في 11/10/2019)...

**

2- عيناك واسعتان وقلبي حزين

تعالي، فالطريقُ بعيدٌ (ولو ندري الطريق إبعيد والفركة غصب صارت)، وأنا رجلٌ عليلُ الحرفِ أتلفهُ البُعْد، وأتلفهُ السُّهدُ، وأتلفهُ الوّلّهُ القتّالُ بعينيك، أنتِ قاتلَتي، وصوتُ أيّامي، ودمعةُ وِحْدتَي، وشالُ لوعتي، الذي تُلوحيّن به، كلمّا دَنا الموتُ مِنيِّ، وأنتِ تجلسين قرب روحي، تغزلين حرُوفي قصائدَ عشقٍ أزلّي، وقَلبي يصيح، (عُود اآنا العمر كُلهّن كضن كلهن وياج، ويافيْ النبّع وأطعم عطش صبّير ولافركاج)، ما احلى طعم الصبير على شفتيك، وأنتِ غائبةٌ كنجمةٍ، وحاضرةٌ كصُبحٍ، ياكُلّ كُلّي، وظلَّ ظِلّي وبعضَ بعْضي، تُشبهُني أيامُك الغرثى، كما يَشبهُني فراقكِ السرّمدي، وأنتِ تنامينَ بأعماقِ روحي، على سريرٍ من وَلَهٍ وصمتْ، كنتِ تقولينَ لي (لو فينا نهرب ونطير مع هالورق الطائر)، أينَ نهربُ، والموتُ يتربّصكَ كما يتربصُني، كنتُ اقولُ له تمّهلْ قليلاً أيها الموت، فيزجرني، ويبطيء، فأُلاويهِ ويلويني، يصرعني وأصرعه، ويتركني قِشةً في مهبِّ الرِّيح، لاتعاندْ يقولُ لي، وأنا اتوّسله، وأمسحُ دمعةً نزلتْ من عيونِ الليّل، أنْ يؤجّل موتهُ، حتى أشبَع من عيونها، وأشبع من طلتها، وأُطيل النظر الى قامتها، التي تُشبهُ سماءَ قصائدي، وأنتِ ياأختَ قلبي، قصيدتي، التي كلّما أشرقتِ الشمس يتلّفتُ نحوك، زهرالبيّبون، وهو يُمطركِ بوابل من القُبَلْ، ها أنا أدمنّتُ الخميس، وأنتِ تجيئينُ كنخلةٍ، على صهوةِ الشوّق، ، وكنتُ انتظركِ (على أحرِّ من الجّمر )، عند بوابة الاوركيدة في ميرسين كل خميس، كي تشرقينَ ثانيةً كصباح، وتجلسينَ على دكّةِ قلبي كمَلِكةْ، لنشربَ عصيرالقُبلِ سوّيةً، ويرحلُ البحرُهناك، كما ترحلُ نجومُك هنا، وأنتِ بأحضانِ المَساءِ نجمةً، ترسمينَ فوق رملِ الكلماتْ، فاتحةَ الماءِ، ويأفلُ القَمرْ ....

  

عبد الجبار الجبوري

 

 

صحيفة المثقفبلا نظام

فراشه وثير

خيوطه من باسق النخيل

صدفة ينام

يحلم بالرغيف

مطعم بالنفايات منيف

جلسة على رصيف

كأس خمر عتقت  من عهد نوح

قصر من القصدير والصفيح

ابهة على اسماله تلوح

حورية زينتها

سخام

بخورها ...عطورها

دخان

بحيرة منزوعة اللسان

بعوضوها  حمام

ضفدعة واهنة العظام

طحالب مخضرة من شدة الزكام

عالم بلا نظام

***

احمد زكي الانباري

 

عبد الزهرة شباريالأستاذ الفاضل ماجد الغرباوي المحترم

أهددي لك بوح غادرته الأزمنة لكنه لم يمت، بقي صادحاً ما بقت نور اقيسه تدق في أفاق الشعر والأدب الذي أنت رمزاً من رموزه ومؤسسة من مؤدسساته المبدعة .. دمت أستاذاً ومرشداً ومربياً وأخاً أيها المبدع !!

***

يومها غنّتْ المطربة فيروز أغنيتها الشهيرة (الأن الأن وليس غداً ...أجراس العودةِ فلتقرع) !!، رد عليها مجموعة من الشعراء*

ورد الشاعر العراقي الشحماني عبد الزهرة لازم شباري يقوله :

سلمت سناء سلمت

فشعرك كان الأمتعْ،

من قال العرب ستموت ...

من قال ستخضعْ،

إن الإيمان قوياً ...

والإسلام هو الأرفعْ،

عفواً لشعراء الأمة،

من رحلوا ولمن يقرعْ،

ما كان اليأس خطاباً ...

ولا يوماً أبداً ينفعْ،

سلمت سناء سلمت

فهذا البوح هو المدفعْ،

سيأتي المهديُّ حتماً

وخيل الله والأنزعْ،

ويغور الظلم بعيدا

من أرض الله ويخضعْ،

ويباد الجبن ذيولاً ...

وقرودا ومسوخا ً ...

بالصديد يوما ترتعْ،

ويكون الإسلام الأسعد

والقدس الأمتعْ،

ستعانق قبته الأقصى

والحرم المكّيّ يقنعْ،

عفواً نزار وبرغوثي

عفواً لتميم وعراقي

وذاك السوداني الألمعْ،

الغيرة ما زالت فينا،

فانظر لعراقنا الأرفعْ،

هب الهور هب النخل ...

هبّتْ أمجاداً بسيوفٍ

تلمعْ،

ملئت كل ساحات الدنيا ...

وكل الموقعْ،

قهرت طاغوت الظلم ...

قهرت حيتان المسمعْ،

شكراً سناء شاعرتنا

فالقدسُ يومها هي المرتعْ،

ونصلي نصلي ...

خلف المهدي في يوم ...

أتي بالموقعْ،

بشراك يا أخت الشعر

بشراك لفيروز تُسمَعْ،

وناقوس الكون سيقرعْ،

حتما حتماً ...

ما دام الغيرة لن تجزعْ،

ما دام البيض لن تصرعْ  !!!

***

عبدالزهرة لازم شباري

في البصـــ19/11/2019ــــــرة

.......................

رد عليها وقتها الشاعر الكبير نزار قباني:

(من أين العودة فيروز ُ ...

والعودة تحتاج لمدفع،

عفواً فيروز ُ ومعذرةً ...

أجراس العودة لن تقرع،

خازوق دق بأسفلنا ...

من شرم الشيخ إلى سعسع) !

**

أما تميم البرغوثي رد على نزار يقول:

(عفوا فيروز ونزار ... فالحال الأن هو الأفظع،

إن كان زمانكما بشعْ،

فزمان زعامتنا أبشعْ،

أوغاد تلهو بأمتنا

وبلحم الأطفال الرضّعْ،

والموقع يحتاج لشعبٍ ...

والشعب يحتاج المدفعْ،

والشعب الأعزل مسكينٌ ...

من أين سيأتيك بمدفعْ ْ ؟)

**

رد الشاعر العراقي لم يذكر أسمه على قصيدتّيّ نزار وتميم البرغوثي:

(عفواً فيروز ونزار ...

عفواً لمقامقما الأرفعْ،

عفواً تميم البرغوثي إن ...

كنت أقول الأفضعْ،

لا الأن الأن وليس غداً

أجراس العودة تقرعْ،

بغداد لحقت بالقدس

والكل على مرأى ومسمعْ،

والشعب العربي ذليلٌ

ما عاد يبحث عن مدفعْ،

يبحث عن دولار أخضر يدخل ...

ملهى العروبة أسرعْ،)

 **

ورد عليهم الشاعر السوداني فيس عبدالرحمن عمر بفوله:

(عفوا لأدباء أمتنا ...

فالحال تدهور للأبشعْ،

فالثورة ما عادت تكفي

فالسفلة منها تستنفع،

والغيرة ما عادت تجذبنا

النخوة ماتت في المنبعْ ،

لا شيء عاد ليربطنا

لا دين بات يوحدنا

لا عرق عاد فيرتفعْ..

عفواً أدباء زماني

فلا قلم قد بات يوحد أمتنا ...،

والحال الأن هو الأبشعْ )

**

وردت عليهم الشاعرة السودانية سناء عبدالعظيم بقولها:

 عفواً فيروز ونزار عفواً لمقامكما

الأرفعْ،

عفواً لتميم وعراقي إنّي ...

بكلامك لن أقنعْ،

عفواً لأخينا سوداني من أيدي

شعراء أربعْ،

النخوة لا زالت فينا شيبا شباناً

أو رضّعْ،

سنعود نعود كما كنا وسترفعُ

أمتنا الأشرعْ،

وتسير سفينة أمتنا وتخوض

الموج ولن تصرعْ،

ونقود الناس كما كنا في عهد

محمد لم نجزعْ،

فيروز أنتظرِ عودتنا

كادت أجراسك أن تقرعْ،

قباني صبراً قباني المدفع ...

يحتاج المصنعْ،

والمصتع أوشك أن يبنى،

والخير بأمتنا ينبعْ،

عفوا لتميم البرغوثي فالشعب

محال أن يقنعْ،

مهلاً لعراقي شاعرنا أجراس

التأريخ ستقرعْ،

وتعود القدس وبغداد ونصلي

في الأقصى مع المهدي ونركعْ،

لن نرضى أبداً بالذل

وقريباً للشام سنرجعْ،

سنعود لنهج محمدنا ولنهج

علي الأرفعْ،،

ويعود المجد لأمتنا ونقود الدنيا نتربعْ،

فالله وعدنا بالنصر

ومع نصر الله نتطلعْ،

سيعود العز لأمتنا ...

ولغير الله لن نخضعْ)

 

فالح الحجيةإ نّ الحيــاة َ إذ ْ انْســابَتْ شـَــمائِلُهُــا

عِندَ الرجــا ءِ بنــــورِ اللهِ تَحيــــــانا

.

هذا العُــراقُ بكــل ِ الحُبِّ يَغْمُرُنـــا

فوقَ الجّبال ِ وَتحتَ النّخْــل َمسْعانا

.

شـــاقَتْ لَــه الرّوح ُ في شوقٍ نـُرَدِدُهُ

في زحمَـةٍ صَدَحتْ في النفسِ أ لحانـا

.

صَبرا ًضَمدّتُ جِراحَ النفسِ في شَـــجَــنٍ

إن سارَت الروحُ تُزجي الشوقَ اشـــجانا

.

في القَلـبِ وِدٌّ - لِكلِ الناسِ أحْمِلَه

وأُشْهدُ اللهَ ما في النفس - إيْما نـا

.

أحْببتَكــم فَرَحــــــاً في اللهِ إخْوَتَنـــــــأ

في نظــــرةٍ من سَـــناء اللهِ تـَــزْدانــا

.

أهْـواكَ يا وَطني بالنّـورِ تَغـمُـــرُنــــــا

انحَسَرْتَ فأنتَ الضوءُ يَلقـــا نـا لمّــــا

.

 

أفديكَ صِدقــاً بكلِّ الحُـبِّ يـــا وَطَـــني

اذْ كلّ مَنْ فيــــكَ مِن إنســانِ إخْــــوانا

.

ما أطيَبَ الـــودُّ والاحْبــــابُ تَحْــمِـلُــهُ

باسم الاخــوةِ : في مَسارِ الخَيْرِ تَسْما نا

.

ما أطيبَ الحبّ والاشجانُ تَزْرَعُهُ

عُبْقَ المَوَدّةِ تَنْساب نـُهْـرانــــــــــا

.

حتى كَأنّ اللهَ بالازْهـــا رِ يَكْلَؤها

فَتَنَوّرّتْ بِأ ريجِ السّـعْـدِ تَضْحانـا

***

شعر: د. فالح الكيلاني

 

 

صادق السامرائيبذي قارٍ مَواكبُها عــــــراقُ

دماءُ الروح مِنْ وَجعٍ تُراقُ

 

فِدى وَطنٍ وأحْلامٍ ومَجدٍ

وســــاريةٍ برايَتِنا تُساقُ

 

بها وَطنا أرادتْ حينَ ثارتْ

وأنّ شبابَها فيهِا انْطـــــلاقُ

 

أبَتْ ذلا ومَتْبوعــــا لغَيْرٍ

وقالتْ إنّ ثوْرَتَها انْعتاقُ

 

ســلامٌ يا ذُرى أملٍ كبيرٍ

ومُعجزةٍ يُخلقها اعْتراقُ

 

شبابٌ في شوارعِها لهيبٌ

كأنّ مَسيرَها سَيْلٌ دِفـــاقُ

 

تحدّى كلّ جبّــــــارٍ عَنيدٍ

وأضْحى في تقدّمهِ انْبثاقُ

 

هنا الشعبُ الذي صَنعَ ابْتداءً

لأنوارٍ يجسّدها اخْتــــــــراقُ

 

هنا الأرضُ التي بَعثَتْ أصيْلا

يطــــــوفُ بهِ على زمنِ بُراقُ

 

هنا المجدُ المزكّى من خَبيثٍ

تسامى في مَواطنها الخَــلاقُ

 

هنا العشرينُ قد وَلدَت شبابا

يُضاهيها ويُلهمُــــــهُ انغباقُ

 

هنا الجلجامشُ المغوارُ أرْسى

مَحاسنَ فكــــــرةٍ فيها اشتراقُ

 

دماءُ الشعبِ يُهْرقها السُكارى

بتضليلٍ وأوْهامٍ تُحـــــــــــاقُ

 

ومأفونٍ بمـا جَلبتْ رؤاهُ

ومَتبوعٍ يُحاوطهُ النُعاقُ

 

عَجائبُ ضَيْمها بلغتْ ذراها

يُسوّقها على بشرٍ نِفـــــاقُ

 

تَفيْهَقَ جـــــاهلٌ وطغى عَليلٌ

ونفسُ السوءِ يأمُرها ارْتزاقُ

 

لماذا القتلُ في وطني مُشاعٌ

وكــــــلُّ جَميلةٍ فيها اختناقُ

 

لمــاذا الشِبْلُ تدْهَمهُ المَنايا

وذئبُ الدين يَحْدوهُ الشقاقُ

 

بكيتُ على شبابٍ ماتَ ظلما

يُطالبُ حقّهُ والحُكْمُ عـــــاقُ

 

كأنّ بلادَنا سوحٌ لغــابٍ

وأنّ حياتنا فيها انْزهاقُ

 

شبابٌ في مرابعها تربّى

ويأبى أن يقيّدُهُ اسْتراقُ

 

فكيفَ بها إذا طفحتْ وفاضتْ

وأوْجَعها التناحرُ والفِــــــراقُ

 

عشائرُها تصدّتْ واستشامتْ

وغيْرتها يُساقيها السَمــــــاقُ

 

فذي قارُ العلى أبدا ستحيا

مُباركةً يؤازرها اتْفــــاقُ

 

وذي قارٌ كضَوْءِ الشمس أذْكتْ

تمازجَ طيْفِنا فزهى العـــــراقُ

***

د. صادق السامرائي

1\12\2019

 

 

سردار محمد سعيدواويلتاه، الزبانية زرق الوجوه ينتظرون

وصلت عربة العمر مشارف قعر الواد

محملّة 

بسلّة قهر وسلّة حزن

وبسلال من الكذب 

أتعرفين يا منْ ضاع منّا الفرح 

كنت تسميني الحبيب  ،كذبة كبرى فاقت الوجود

نتأوه معاً  فيعبق ريّا الورود

نشهق معاً فتهتزاركان الخلود

 نبرد معاً، فتقشعرالجلود

تحتضن الخدود الخدود

ومعاً ننام ،ونستيقظ كالحمام 

هكذا أعددنا الصليب للحب

شيّعنا جنازته ، رثيناه

وعندما أقمنا له مأتماً

قام من قبره

مرّ بنا ساخراً

إذ تفننّا

بالكذب والتمثيل 

برعنا في إثارة ما لايثار

وسادتنا  التي اكتنزت الآهات

شرشفنا المبلل بالصرخات

وعلمتني

كيف أكون لصّاً

متى أسرق

وماذا أختلس

متى أكون صلفاً

ومتى أغدو ليّناً

وعلّمتها

كيف تكون شهيّة

كيف تهمس

ومتى تخنس

كيف تعصر العنب

وتحتسي خمره

أن تكون " عشتار " القويّة

قالت :

أن لا ذكر دائم الثبات

ولا أنثى

قلت :

مَن سخر ممن ؟

قالت :

همسة منك

وآهة منّي

لوعة منك

وكذبة منّي

 أنزعتناعباءة القيم معاً

 وشبّ نار العناق

كنّا نتبادل الأدوار " نيرون " و" روما "

لم أكن الضعيفة وأنت القوي

ولا أنت الضعيف وأنا القوية

نحن ضعاف بقوة

تخاذلنا بعنف

ما أروع ذاك التخاذل

وتداخل الروح بالروح

أتعرفين ؟

أني تخاذلت مرات ومرات

يوماً كفارس الميدان

ويوماً كجندي مطيع

وتسلقت حصون أميرات القصور

اتدري ؟

أنا مثلك

يوماً جارية

ويوماً أميرة بلا تاج

شبّاكي وطيء

وسريعاً يتهشم الزجاج

والرتاج

كنّا عفاريتاً

ولكن بيض القلوب كالعاج

نعشق سواد الليل ليسترنا

أرواحنا بيضاء

أحلامنا

كذْبنا

وما زال الرطب ينتظرهزة الجذع

وفرّقتنا الحقيقة الوحيدة

كذبتنا الصادقة

***

سردار محمد سعيد

نقيب العشاق - أربيل .

 

 

ياسمين البطاطملح المدامع بلا دمع

وصرخة جريح خرساء

أنّة الأرض الموجوعة التي

تنتظر وابل غيمة لتسقيها

أنت وإن لم أكتبك فَلِم الكتابة؟

طفلة صغيرة بحلم وردي

وفي يدها جوري أخذ لونه خديها

تتعقب الغيم على السماء تفترش الأرض

لتنثر من رحيقها على الضفة المسلوبة

طفلة ليست كأي طفلة بعد أن

تراقصت أطرافك الرقيقة على جمر تشرين

وبمهجة الحنين الرقيق

أجدت الرقصة في كل مرة التهبت الأرض أكثر بجناحي حمامة خلف ظهرك حلقتِ

حتى بجناحيك المتكسرة، حلقتِ

عرجت إلى السماء السابعة ببياض ثوبك

ثوبك الذي ما زال يعيدني

إلى شواطئك المنفية

و كلما الحسن اختفى نراه فيك

يختبئ بدفء حضنك 

حتى بدمك المسال على خديك

وبحة صوتك بعد كل صرخة

تأوهك، وبعد كل آه على جرحك

يسمعني قلبي صداكِ الحزين

على أرضك،

حيث انفتاح الجرح في الضلوع

وبكاء الغيم ماء مائلا للحمرة

وكأن الغيث قد نادى بدم الشهداء

خمسونك يا عراق يا قبلة الحب

"يا دجلة الخير يا أم البساتين"

"يا من أخذت نفس الصبا فإني

بعثت لك الهوى عرضا وطولا"

خمسونك يا عراق وقلبك عامر

و زهوي ولهوي في ذكرك متعة

خمسون لوعة وصرخة آه

زرعت على ضفاف شطيك

ولا تغرد البلابل عندك، لا لا تغرد

تغني المواويل ودمعها على خديك

أنا لا أبالي بالأنام إنك حسبي

فقد ملأت المهج الخرساء حبا ولهفة

أراك كل شيء وأنا لم أراك

في كل نخلة خجولة كريمة

وكل النجوم في سمائي

في صفحات الكتب القديمة

وبمياه تنساب برقة على يدي

بلا يد أشعر بك وبلا

غابتا نخيل ساعة السحر أراك

كل الأشياء وأنت الأشياء كلها

أراك

فامسح على قلبي

اشف الغليل الذي كل ما

قرأتك هاج وسط تراتيلي

ثم خشية من ضياع الحروف

مهابة انتهاء الحبر المسيل

أترك القلم بلا وداع

لأعاود قراءتك من جديد

ومرة بعد أخرى؛ أكتبك

بتراقص أطرافي

على جمر أتراح تشرين

***

ياسمين البطاط

 

علاء اللاميإلى ذكرى الشهيد البطل ابن ثنوة، صفاء السراي،

ورفاقه شهداء انتفاضة تشرين الأماجد.

***

1- قَسماً بأمي والفراتِ الجاري     

                       أحمي العراقَ بمهجةٍ كالنارِ

2- كالنارِ تَصْلي مَنْ يَرومُ بهِ الأذى

                        أو يَرتضي بِتَحَكُمِ الأشرارِ

3- قَسماً بتشرينٍ وما جادتْ بهِ   

                       مِنْ تضحياتٍ شامخاتُ الدارِ

4- قسماً بأوحدَ واحدٍ وموَحَدٍ 

                           لا تابعاً لا خاضعاً للجارِ

5- قدْ كانَ أُسّاً للحضارةِ لم يَزَلْ  

                             عَلَماً به للعقلِ خيرُ فنارِ

6- سِلمٌ لمن شاءَ السلامَ وللعِدى

                              بتارُ مَغسولٌ بلفحِ شرارِ

7- هو سُرَّةُ الدنيا وسِرُّ خلودِهِ  

                            عدلٌ وعقلٌ كعبةُ الأحرارِ

8- نِعْماً بناتَ الرافدينِ سِلِمْنَ لي  

                            درعاً يقيني فادحَ الأخطارِ

9- أرضي وشعبي حِصتي وحَصانتي

                               زاهٍ بها حراً من الأغيارِ

10- حرٌّ لغيرِ اللهِ لم أركعْ ولنْ 

                           أرضى بحكمِ الفاجرِ الغدارِ

11- حرٌّ سأمحو ما يَرينُ على الرُّبى

                           مِنْ راسِبِ الأدرانِ والأنهارِ

12- قسماً بأُمي ما أعودُ لحُجْرِها   

                            حياً بغيرِ النَّصرِ صِنوَ الغارِ

                       ***

علاء اللامي

.................................

معاني بعض المفردات الواردة في النشيد:

أسُّ = أصل.

البتار= من أسماء السيف.

الأغيار = الآخرون وهي تأتي هنا بالمعنى الذي أراده أقطاب التصوف أي الآخرون المخالفون المعادون للحق والحق عندهم من مرادفات لفظ الجلالة "الله".

يرين = يغطي ويكسو.

صنو = نظير ومثيل.

الغار = ورق الغار "الرَّند" رمز النصر.

 

عدنان الظاهر(جعلتني أعودُ لمخيّلتي أبحثُ فيها عن نفسي لم أجدها أكثرَ وضوحاً ونضجاً إلّا من خلال توصيفاتك لي. أنا لا أمانعُ، إذا أحببتَ، أنْ تُظهرَ إسمي عَلناً ... بالعكس، سيكون هذا شرفاً أحملهُ على اكتافي ما حييتُ . أنت حرٌّ بجغرافيتي إفعلْ بها ما تشاء . توقيع: فاطمةُ الزهراء . في رسالة منها لإبن مُقلة بعد أنْ فاتحها في أنْ يتخذَ منها موديلاً لرسوماته يعرضها ثم يبيعها والرزقُ مناصفةً بالتساوي).

وصلت سيدتنا البتولُ مرسمَ الخطّاط (إبن مُقلةْ) فلم يصدّقْ عينيه وهو المُصّدَّق أبداً. تلعثم وتعثّرَ بأذيال جلبابه الواسع الفضفاض ولم يدرِ ما يقولُ ولا كيف يرحّبُ بهذه الزائرة التي خالها هبطت عليه من السماء العاشرة علماً أنه هو الذي دعاها لزيارته هناك وهو مّنْ أعطاها الكارد الخاص به وما فيه من معلومات تفصيلية حول عنوان البيت وأرقام تلفوناته الثابت منها والمحمول . عرض عليها في حينه في لقائه الأول معها خلال اللقاء التلفزيوني أنْ يتخذَ منها نموذجاً، موديلاً، يعرضه في معارضه القادمة ويتنافسُ به مع باقي كبار خطاطي ورسامي العالم من مختلف الشعوب والأقوام بما فيهم الإسباني بيكاسو والعراقي هاشم محمد الخطاط ورسام الكاريكاتير البغدادي الساخرالمعروف غازي وغيرهم من المشاهير . هكذا يتصرفُ بعض الناس حين يداهمهم أمرٌ مفاجئ جاء قبل موعده أو من غير موعد . قادها إلى حديقة داره وأعدَّ لها مائدةً جديرةً بها وبأمثالها من الضيوف الساميين . طلبت مع الطعام الشاي الأخضر مع النعناع واللوز كعادة أهل الشمال الإفريقي فكان لها ما أرادت . لزمَ الفنانُ الصمتَ طوال فترة الغداء إحتراماً للضيف السامي والعالي المقام تاركاً لها حرية التصرّف فإنْ شاءت تكلّمت وهي في الأصل والطبع قليلة الكلام كثيرة الإنصات ... وإنْ شاءت لاذت مثله بالصمت حتى يحين أوانُ الكلام وتنضجُ فُرصةُ تفتح القرائح والرغبة في الحديث . كان إبن مقلة الخطاط مبهوراً بها مسحوراً بما يرى غير مُصدِّقٍ حقيقةَ كونها وصلت القارةَ الأمريكية وإنها تجلسُ معه وتشاركه مائدةَ طعامه وإنها سوف تجلس أمامه موديلاً لم يرَ مثيلاً له من قبلُ لا في أمريكا ولا في الشرق الأوسط ولا في شمال إفريقيا ... لا بين البربر ولا في الأمازيغ . أرادَ أنْ يسألها هل وجدتْ صعوبةً في الوصول إلى داره؟ إبتسمت فغرّدت البلابل واصطفقت الغصونُ وصدحت موسيقى وخيّلَ له أنْ قد حضر بيتهوفن وموتسارت وسيد درويش وفريد الأطرش بصحبة شقيقته أسمهان يمشي خلفهم الرسامُ الهولندي رمبرانت والفرنسي رينوار وفان كوخ مجدوع الأذن . أين فائق حسن؟ سألهم إبن مقلة فقالوا بصوتٍ واحد: سيأتي بعد قليل بصحبة حافظ الدروبي وجواد سليم. قدّمهم للضيفة العزيزة فقالت عن الرسامين أعرفهم واحداً واحداً وطالما زرتُ بلدانهم ودخلت متاحفهم وشاهدت معروضات لوحاتهم . أما باقي الضيوف من مشاهير الموسيقى فموسيقاهم لا تفارقني ولا أفارقها وهي معي في النهار كما هي معي في الليل وخاصةً في ليالي الشتاء الطويلة حين أجلس أمام جهاز التلفزيون لعل صاحب الإنترفيو الذي جمعني وإبن مقلة ذات يومٍ أنْ يظهرَ فيه مرةً أخرى يقدّمُ بعض برامجه الذائعة الصيت . نشر الخطاطُ إبن مقلة شاشةً سينمائية واسعةً جداً في حديقة داره فذُهلَ الضيوفُ جميعاً إذْ رأوا صاحب الإنترفيو فيها يقابلُ الفنان مُصَدَّق الحبيب في بغداد يوجّهُ له السؤال الأول: ما سبب زيارتك بغدادَ والموديل الذي قد إخترتَ بعد أنْ وقعتَ في غرامه هناك في هذه الساعة، في بلدك أمريكا ؟ قال شاحبَ الوجهِ مرتعدَ الفرائصِ والكفيّن: جئتُ لأصطحبه معي ضيفاً سامياً أرسمُ لوجهه نماذجَ كثيرةً منوّعةَ الهيئاتِ والحجومِ والقياسات مختلفة الألوان ثم أختار بموافقتها بالطبع واحداً منها أُشاركُ فيه في معرض دولي قادم ثم أعرضه للبيع في محلات سوذبي Sothbey لبيع اللوحات الفنية في لندن وأتقاسم الأرباح معها 50 % 50 مناصفةً . تململت الضيفة الموديل مقرّبةً كأسَ شاي النعناع الأخضر من قرمز شفتيها فدارت الدنيا في رأس إبن مُقلة صاحب الضيافة! الموديل المثالي ها هو ماثلٌ في بيته أمامه بحضور جمعٍ غفيرٍ من كبار الرسامين وملوك الموسيقى فكيف يزورُ مصدق الحبيب بغدادَ الجواري والف ليلة وليلة باحثاً عنها ليختارها أنموذجاً يرسمه لكي يبيعه في أسواق النخاسة لا أسواق الفن ؟ الفن ليس للفن.. الفنُ للحياة وفي خدمة أغراضٍ إنسانية، قال رمبرانت رافعاً كأسَه وصوتَه معاً، وليس للبيع والشراء وتزيين جدران الملوك والسلاطين والأثرياء . هزَّ بيتهوفن رأسه مؤيداً إعلان رمبرانت رغمَ أنه لم يسمعْ شيئاً مما قال الرسام الهولندي . كان الحَرَجُ واضحاً على قسمات وخطوط وجه البتول الموديل الأنموذج الذي أطار بعقول الفنانين كأنهم لم يروا في حياتهم مثلَ هذا الوجه وكأنهم لم يرسموا له ما يماثله أو يدانيه أو يضاهيه بل وكأنهم ما أمسكوا يوماً فرشاةً ولم يخلطوا لوناً ولم يعرضوا صورةً . مرّت حيواتهم سُدىً هباءً في هباء . نعم، أحرجها ظهور مصدق الحبيب في بغداد يبحث عنها ليوقّعَ عقداً معها أمده عامٌ واحدٌ يتحملُ خلاله كافة نفقاتها الحياتية واليومية مع تأمينٍ صحيٍّ كاملٍ وسَكَنٍ عاليَ المستوى ثم يتقاسمان الأرباح التي تدرّها عليهما ما يبيعان من لوحات لها ولوجهها في شتى الأوضاع.

لكي يعالجَ حَرَجها ويُداريهِ قال لها إبنُ مُقلةْ  أمام بقية الضيوف: هل تفضلين يا مليكتي وخالقتي من جديد، هل تفضلين العملَ مع ذاك الباحث عنك في بغداد أو العملَ معي هنا في الولايات المتحدة الأمريكية وأنا كما ترين في نعمةٍ وافرةٍ سابغة أمتلكُ داراً واسعة حولها حديقةٌ عامرةٌ وفي الكراج سيارتان من أحدث الطُرُز فماذا يملك ذاك الآخر الأستاذ الأكاديمي المهلوس الذي قضى عمره في تدريس الأولاد ولا يعرفُ أين أنتِ في هذه الدنيا . لم تستطعْ مليكةُ وساحرةُ الفنانين أنْ تعلّقَ أو أنْ تُجيبَ. كان واضحاً لبيتهوفن أنها تميلُ لذاك الآخر المثقف الأكاديمي وإنْ كان متواضعَ الحال إذا قورن بأوضاع الخطّاط الذي جمع ثروةً طائلةً يبيع ويشتري ويسمسرُ وثقافته محدودة . أطرقت السيدةُ المَهيبةُ إطراقةً طويلة وهي غائبة في تفكير عميق لا قرارَ له . حين تُطرق السيدةُ البتولُ تتدلى بعض خُصلات شعرها الكستنائيِّ الطبيعيِّ فتغطي جانباً كبيراً من جبينها العريض المستوي الفخور المُجلل بالكبرياء الخالي من التكبّر. أعبدُ هذه الملاك حين تغرق في التفكير . عالماها غريبان أشدّ الغرابة، عالمٌ ظاهرٌ ملموسٌ يتحرّكُ وينطقُ ويمشي ويأكلُ الطعامَ، ينفعلُ ويتألمُ ويكظمُ الغيضَ وقد يخرجُ عن طورهِ . أما عالمها الآخر فإنه أشدُّ غرابة وأبعدُ غوراً وأشدُّ تماسكاً وأكثرُ هيبةً . عالمها مزدَوَجُ الطبيعة، عالمٌ ملموسٌ محسوسٌ وآخرُ ليس مرئياً وغيرَ ملموسٍ. لها القدرة على دمجهما معاً وإحلالهما في جسد واحد حاضر ـ غائب، متحرك ـ ثابت، ناطق ـ صامت، فاعل ـ مُنفعل، مضيء ـ مُعتم، ساحر ـ مسحور، بشر ـ ملاك . أجلْ، لفاطمةَ القدرة على جمع كل هذه المتناقضات وصهرها معاً في صهريج خفيٍّ سرّيٍّ حرارتُهُ كحرارةِ الشمسِ وأكثر . وحين تبردُ الشمسُ أو تغيبُ تتجلّى مليكةُ الفنِّ وسيّدةُ الفنانين لرائيها في أعظم وأروع صورةٍ مع ميلٍ قويٍّ للصمت وفي صمتها المزيدُ من قوّة السحرِ والمزيد من الغموض الآسر. جمالُها الآخّاذُ حصيلةُ جمع المزدَوَجاتِ والسحرِ الإضافيِّ ثم الجمال . لذا أحبّها صامتةً ففي صمتها خشوعٌ وصلاةٌ ونجوى، وفي خشوعها أبديةٌ مطلقةٌ . لم تقطعْ في الأمر . طلبت مهلةً مناسبة لتفكّرَ فيه وتراجعَ مجمل أوضاعها الإجتماعية والشخصية والوظيفية فالخيارُ صعبٌ والبتُّ فيه أكثر صعوبةً .

حين آوت لفراشها في حجرة نومها الخاصة إتصلت عبر الموبايل بالدكتور التائه في بغداد وعرضت عليه الأمر طالبةً رأيه وهل لديه رغبة فيها لأنَّ الرجلَ الآخرَ راغبٌ فيها . أجابها على الفور بما يلي: قضيّتُ عمري أبحثُ عن موديل يشبهك وها قد وجدتك فكيف لا أرغبُ فيك؟ هذا أنا لكنَّ القرارَ قرارُكِ أولاً وآخِراً . قالت بل قد قررتُ وانتهى الأمرُ الذي كنتما فيه تختصمانِ . إني معك أيها الإنسانُ المثقفُ الفنانُ . إني معك فقيراً أكنتَ أم مُوسِراً ثريّاً . إني أقفُ مع وبجانب الإنسان لا مع المالِ والثروةِ والجاهِ . جوهرُ الوجود الأسمى لا من وجودٍ حقيقيٍّ له إلا في الإنسان الإنسان مثلك . قال، وقد أغضىً حياءً، أخجلني قولكِ هذا يا سيدتي ثم أضاف، لكنك أنت الآنَ مع الخطّاط في بيته ضيفةً فكيف السبيلُ للوصول إليكِ سيدتي؟ قالت لا من مشكلة في هذه المسألة . إما أنْ تتركَ بغدادَ ومفخخاتها وأحزمتها الناسفة وتأتي ثانيةً لهذا البلد الذي أنا اليومَ فيه، أو أنْ أتركَ أنا هذا البلدَ المنسوفَ أصلاً وآتيكَ ملتحقةً بكِ في بغدادَ وخيرات دجلتها السابقة ! فكّرَ الفنان مُصَدَّق طويلاً وهو ينفثُ أدخنةَ سيجاره الذي يحملُ صورةَ كاسترو بلحية تشبهُ لحيته.. فكّرَ ونفثَ ثم فكّرَ وأعاد النفث الكثيف ثمَّ قال: هل لديكِ سيدتي مانعٌ في أنْ أستشيرَ صديقي صاحب الإنترفيو السابق الذي جمعني وإياكِ ذاتَ يومٍ فيه؟ قالتْ لا مانعَ لديَّ، أعرفُ رأيَ صديقك الثقة . قال لها تصبحين على خير يا مالكةَ زمامي ومليكتي وحبّي وموحيتي وإمامي.

أقفلتْ الموبايل ونامتْ لكنَّ صاحبَ ضيافتها الخطّاط إبن مقلة لم ينمْ . كانَ طوالَ وقت المكالمة التلفونية هذه يسترقُ السمعَ من خلالِ لواقطَ صوتيّةٍ سريّةٍ منصوبةٍ في أماكنَ مخفيّةٍ من حجرة نومها .  

 

عدنان الظاهر

27.04.2009

 

قصي الشيخ عسكرالمشكلة التي اتحدث عنها لم تكن تهمني في البدء إطلاقا، فنحن معشر الحمير لا نبالي بالشكل، ولا نشعر بالنقص لزيادة عضو في جسد حمار او نقصان عضو اخر.. تلك مشكلة الانسان نفسه، وعلى ضوئها حدثت مأساتي مع ذلك لا أنكر اني كنت ذات يوم محور احداث مهمة خطيرة استمرت فترة غير قصيرة.

المشكلة، أقول ذلك من باب المجاز، اذ لا تعد مشكلة بمفهوم الحمير، ان صاحب هذه الاعترافات ولد وله يذلنا، وانا هنا أسجل الحقيقة من دون زيادة او نقصان، فأقول:عشت سعيدا في المرج الواسع مع مجتمعي واترابي، وهو أشبه بغابة آمنة من شرور الحيوانات المفترسة، نتقاسم ما نجده من حشائش طول اليوم من غير نزاع او مشاجرة.

اعتقد اني لو كنت بشرا ولي ثلاث أياد، او ارجل، او ثلاث عيون لكنت مثار سخرية وهجاء، اما هنا في مجتمعنا فكنت أعيش دونما احراج، الشكل لا اثر له مطلقا في شخصيتك، الانسان نفسه يحاول الان ان يزيل الفوارق الطبقية والعنصرية، اي يروم الوصول الى مرحلة تجاوزناها نحن قبل آلاف السنين. طبعا نحن لا نرضى بالتشبيه الأدنى. لو ان حمارا سب اخر وقال له: انت إنسان، فتلك طامة كبرى، قد تصل الى الركل والرفس ولا اكثر من ذلك.

على أية حال كنت اشعر بإحراج من نظرات الناس .يأتون الى المرج في فصل الربيع للسياحة فيتركون بقية الحمير ويتجمعون حولي. أجدني مضطرا الى مجاراتهم: احيانا أحرك الذيلين معا، او أهز ذيلا واحدا فقط، مع العلم اني كنت اضحك منهم في سري.

كانت تصرفات بعض الناس مؤلمة لنا الى درجة تجعل اي حمار يفقد صبره الذي انحدر اليه بالوراثة، وفي مقدمة هؤلاء: الصبيان وبعض الشباب المراهقين . انهم يبتكروا وسائل مختلفة لتعذيبنا، لو فكرت بالطرق الخبيثة التي يخترعها أطفال البشر لتعذيبنا، لوقفت عاجزا حتى يراودني اعتراف خطير او قرار بان الجنس البشري اكثر ذكاء منا.

في احدى المرات رأيت مجموعة أطفال تسير خلف زوجتي، وبيد احدهم عصا طويلة.ظننت الامر عاديا، فالضرب لا يؤلمنا كثيرا، بل اعتدنا عليه الى ابعد الحدود . المهم رحت أراقب مجموعة الأطفال حتى اقتربوا مسافة كافور فيها آمنين من أية ركلة، عندئذ ادخل كبيرهم عصاه في موخزتها . حين احست المسكينة بالالم رفعت رجلها ترفس الهواء .كان الأطفال يضحكون، وكلما ابتعدت الاتان أعادوا الكرة مرة ثانية. المنظر جعلني افقد أعصابي .لعلني قررت وكلهم بكل قوتي، غير انهم انفضّوا مسرعين عندما رأوني مقبلا، وفي عيني حمرة الغضب.

فهل اكون مخطئا متحيزا اذا قارنت بعد ذلك بين أطفال الحمير الجميلة الوادعة التي لا تؤذي سواها واطفال البشر البشعين الذين تعودوا على العنف والخشونة.

***

قُصي الشيخ عسكر

........................

ملاحظات:

أودّ الاعتذار لأصدقائي في المثقف عن انقطاعي فترة في التواصل لظروف خارجة عن ارادتي كذلك اعتذاري لصحيفتناالراقيةالمثقف.

رواية للحمار مطبوعة في كتاب مصادفة عثرت عليها في مجموعة كتبي المهملة القديمة لذلك انتقلت صفحتين منها اي ورقة على الآي باد وطبعا هذا الجهاز يهمل همزتي الوصل والقطع والشدة وغير ذلك.

* رواية صادرة  عام ١٩٩٢عن دار الحضارة بيروت

 

عبد الرزاق اسطيطوقال اكتب

فقلت ما أنا بكاتب

قال اكتب على اللوح المحفوظ

ما شئت من الحروف..

والحروب والمرافئ والخيول

قال اكتب

فقلت ما أنا بكاتب

قال اكتب ماشئت على أوراق الشجر

وبياض الثلج من رؤى وأوطان

وموانئء وأسفاروأوتار

يأتونك من كل فج عميق

ويفتشون صدرك

ومابين الحرف والحرف

وما تخفيه من رؤى بين الفواصل

هوتأويل لرؤياك

ويرفعون مايشاؤون من الحروف

وينصبون لك على الطرقات

والساحات..والشرفات

ما يشاؤون من البنادق والمشانق

ومن كل حدب وصوب

تأتيك الطلقات والطعنات

قال اكتب

فقلت ما أنا بكاتب

قال اكتب سفر

وسحر.. ووطن ووتر

فقلت دثروني بأغصان الأشجار المترفة

ورشوني بماء البحر

وردوا إلي سيرتي الأولى

عل الرؤى تحملني

خفيفا..شفيفا..كجناحي فراش تحملني

قال اكتب

فقلت ما أنا بكاتب

قال اكتب يصير البياض شرفة

والجدار لوحة..

والسفرتوحد..

واشتعال

وترى الأفق نارا

فإن توهجت فخذها ولا تخف

فهي نور وأنوار

***

عبدالزاق اسطيطو

 

ميمون حرشقرون

رأى الأطفال شيخاً له قرنان، نقلوا الخبر..

يتندر الشباب في المقاهي بحديث القرون وهم يشجعون "البرغوث"..

أما النساء، فقد أضربن عن القدور، وبدأن يتحسسن رؤوس الأزواج..

(...)

رجل منهم كفر بما سمع، واكتفى بقرون أبقاره..

وامرأة منهم لم تعترف سوى بقرن بعلها..

يظهر الشيخ ، يصمتُ الجميع. انشغلوا بولادة طفل بذيل.

**

قارورة

في زمن حبنا الجميل، ملأتُ نصفَها ماءً فُراتاً، ولأن حبيبي "ترابي" فقد بلغ الطين الزبى..

شربت منها رغم ذلك، فأمطرتْ حشاشتي غُلة مستدامة.

**

ليل

تلبس الأبيض، وتلملم السواد عن عينين سكنهما الأرق..

حكت له، رقصت، وغنت. في الأخير، تعرّت... ثم كوة من ضوء تلوح،

يندلع الحريق، وإذا الدنيا كما تعرفها.

**

شرارة

تخرج من الحمام طازجة، المنشفة على الكتفين مُهملة..

تترك الماء يقطر على تخوم جسد عارِ.. تقرص نهديْن نافريْن، كأنما لتشحنهما بالكهرباء،

تدق الرأس.. ثم ما لبثت أن تولدت، من بقية الأعضاء، شرارات.. أولها صرخة مدوية..

**

عود ثقاب

في العتمة، يتحسّس جيبه.. أوصاله، مدفأته،

تمنى عود ثقاب. أو عوداً وكفى...

ضحك من نفسه، كان هو العود..

تطاله الحمى المسماة حياة..

**

جمرات

يداهمني المطر.. أبتلّ، ولكني أعزم على السفر..

تعترض طريقي ثلاثُ جمرات، مُشعات، ومُتقدات..

ترعد السماء منذرة بالخطر.. وتزداد الجمرات اتقاداً،

استغربت كيف لم يفلح القَطْــر في إخمادها...

سناها أغراني، ومددت لها يدي.. نأتْ قليلاً..

اقتربت من الأولى شحبتُ،

أمسكت بالثانية شهقت،

وحين لمست الثالثة انطفأت..

***

ميمون حرش

 

صالح البياتيسلوا المراثي كم اجرت مدامعنا

                         او المآسي كم أدمت مآقينا

سلوا الحروب التي ما كلَّ صانعها

                             يوماً على إشعالها فينا

سلوا اليتامى قبائل حارَ طاعمهم

                          او الأرامل افواجاً تنادينا

سلوا الحصارات كانت خبزَ جائعنا

                         او المقابر ما عادت تكفينا

سلوا الشباب وقد سيقوا لحرب

                         كقطعانٍ وهم كانوا أمانينا

سلوا الجناة حكاماً لشعب أبي

                            بهم أصابنا الظلم المبينا

فلا بارك الله فيهم حين جاؤا

                 وحين يولوا بعد خزي صاغرينا

وقولوا لمن سكنوا الخضرا افيقوا

                      وانزعوا عنكم ثياب النائمينا

فإن غافلتُم شعبًا صبورًا

                       غداً تهوى عروش الفاسدينا

فشعب ذاق ويلاتا وظلما

                        وضيع عمره ردحاً طويلا

سيثأر ، لن يبقى اسيرُ

                     ألاعيبِ السياسة عند الكاذبينا

                  ***

صالح البياتي

2015

 

خيرة مباركيعصافيرُ وطني تهاجرُ مبكّرةً

تفارق حليبَها الفائرِ في نبض الرّضاعة ..

في رحلة ظعنٍ  غريبة تلبّدت فيها المنائرُ

ما أذّنت للصّباحِ الجديدِ

محضُ صرخات من عويلِ مزنةٍ جريحة

............. اغتالت ضحكاتَنا

وها هي تتقاطرُ على قناطر تنعق للموت،

توضِّئ الاحتفالَ بالدّماء،

.............. وتهمسُ للوداعْ..

تُثقلُ الأهدَاب بخرائط جديدة..

عصافيرنا لا تسعّر خُدودَها

للرّصاصْ،

تستعذِبُ حبابَ الماءْ ..

وتشربُها الأوديةُ الضّاجّة،

ترشُقُها بصُراخِ المواسِمِ الحَزينَة ..

يا للفصول وهي تستنشقها رذَاذًا

في عزّ اشتهَائِها !!

ما لهذا الصباحْ يَصّعّدُ دُخانُه من  صهد أكباد

ويواري أفئدتَها التُّرابْ؟؟؟؟

منْ يطفئ صهيلَ الموْتِ في مراتِعِنَا؟

ومن يُعيد للياسَمين بسَماتَه !!!؟؟

المَقَابر في وطني مكتظّةٌ!!!!

أغرقها الحُزنُ .. غَرِقُوا .. وغَرِقنا

بخصب  السّاعة في غرَقِ القيامة..

أفواهُ زهورِنا يكمّمها الماءْ

تمشّط أهدابَها التحايا

لوطنٍ

يراقصه الموتُ

بعزف سيمفونيةٍ أخيرةٍ ..

***

خيرة مباركي - تونس

2/12/2019

 

عادل الحنظلوجَدَتْ في برّاد المشفى

نورَ إله وجسمَ نبي

أمُّ شهيد

*

منتقلا بين محطاتِ الموت

كنحلةٍ تجذبُها الازهار

التُكتُكْ

*

فراشاتٌ تداوي جراحَ الورد

يخطفُها دبّور

من ضفةٍ أخرى

*

قدسيّةُ الأحجارٍ المغطاةِ بالحنّاء

سقَطَتْ

لمّا اعتلاها قَتَلَة

*

دخانٌ برائحةِ الموت

يخرجُ من رأسِ شهيد

الحرّية

*

أعزل

لا يُشهرُ الّا صرخةَ ضيم

فيُقتَل

*

لا يسقطُ نحو الأرض

قوسُ قزح

دمُ الثوّار

*

تُنبِتُ في الخريف

أزهارا يبّسَها الصيف

الثورة

*

تحتَ نصبِ جواد

ألافُ الأعوام

في صرخةِ ثائر

*

أشفقتُ على هولاكو

حين فجّرَتْ رأسَ غرير

قذيفةُ غاز

*

نظروا الى السماء

لا شيءَ تغيّر

وُلِدَتْ ثورة

*

سراديبُ رياء

غطّتها

مئذنةٌ وقبّة

*

مثلَ مُتحفٍ لاجيالٍ تأتي

ستعرضُ دماءَ الثائرين

أوراقُ الشجر

في سوح التحرير

***

عادل الحنظل

 

ناصر الثعالبيلأنك تأتين مثل السحاب ِ

ومثل نجومِ الصباحِ ِ

على غفلة ٍ من شموس ِ ألضحى

وكون َ المسافات ِ غارقة ً بالضجيج

سأرسل قلبي إليك طريقاً

فهل تقبلين بقلب تُعَبده الأمنيات

ويغرق في لجة الانتظار؟

أناديك ملتحقا بالنوارس في الشط بين القرى

وأصرخ متحدا ً( بالطمامة) (1) والمعدمين َ

تعالي

أمدّ إليك تراتيلَ شوقي القديم

بكل اشتياق مواجع هجرتنا للنخيل

وعودتنا للنخيل

لأني أرى فيك سوقَ (ألمغايز) (2)

تعبره الأمسيات  الثقال ْ

كأن مدينتنا لن تُعلِم َ أطفالنا الرقص بعدُ

لقد غادر الغجر الطيبون السماء َ

فما مطرت فرحا ً

وما عادت  ألأرض تحمل طيب َ اللقاء ِ بنادي (الفنون) (3)

ولم يقرع الطبل للراقصين َ

كأن (الدواسرَ) (4) في البصرة الساهره

يشيخون عبر سواد السنين .. وقبل ألأوان

فلا (الهيوَ) (5) ترجف بين الضلوع

ولا (فرج ٌ) يضرب الطبل بين الصبايا

وسوق (ألمغايز ) يشرب في الفجر صوت النحيب ِ

كأن المدينة َ عادت اِلى الحرب ثانيةً ً

فقد سَرقت نصفها كربلاء ُ

ونصفا ٌ تقاسمه البدو

بين مزاد الحضارات ِ والنفط ِ

ثم اختفينا !!

وبدلنا أهلنا ألأقربون بثوب الحداد ِ

وبعض قشور التصوف ِ

فأنهدّ شيخ يطالبنا بالوفاء ِ

لعشرين قرن مضت !

وبدّل أحرفنا مثلما ينسخون

وما يثبت الحرف إلا بصوت ألغناء

وليس بكاء ً على طلل ٍ أغرقته السيول ُ

وجالت على رافديه الخيول ُ

ومازلت طفلاً أتابع كل شرود السحاب ِ

لعل البروق تعيد البهاء إلى بصرتي

وتعلن أن الطبول أتت؟

وتومان (6) لم ينهزم ْ

 ***

ناصر الثعالبي

 ....................

(1) الطمامه: هي إمتداد لمحلة الساعي ألحالية في البصره

(2) سوق ألمغايز: من أسواق البصرة المشهورة ويسمى أيضا سوق ألهنود

(3) نادي ألفنون: أحد أشهر نوادي ألبصرة ألأجتماعيه في سبعينيات ألقرن الماضي

(4) ألدواسر: إشارة إلى فرج شعبان ألدوسري راقص ألهيوَ المشهور في ألبصره وأخيه رزاق ألمناضل المعروف

(5) الهيوَ: رقصة شعبيه أتقنها زنج ألبصرة، أصلها أفريقي إنتقلت إلى بلدان ألخليج ألعربي مع بعض ألتطوير

(6) تومان: أحد أشهر مروّجي دعاية ألأفلام السينمائيه في البصره، هو الذي يعزف (الفيفرا) بأنفه

 

 

عبد اللطيف رعريلا تبتعدي مراكش

 فسلامك على الثريا قد يزعج الرّيح

ابق فراشةً بكل ألوانك

ابق كما رسمناك

 ونحن أطفال....

خريفكِ لن يقترب أبداً

 فضاءكِ يّتسع للحلم,..

لبناء أبراجا من قبس الأنبياء..

.وسطك تتوقف تماثل الحرية...

لسحب رعب العائدين من عراك البقاء

 وكلها العيّون تتأهب للرّحيل

لصدِّ المسافات بينكِ وبين أعراس

طيور الشمس

وكلُّها الأيادي تنثركِ زهرًا من فوهة البندقيات..

من عقم الشائعات..

من جدل الهاربات ,,,

من احتيال العاهرات

لا تبتعدي...

 فكل الكائنات  لا تشبهكِ

وكل المدن تغار منك

 وهذا الجسر الذي بيننا

لا يصمت

 وأنت تخلعي معطفكِ الأسود

 عن ظهر شلال اللعنات...

وهذا الازدحام سينهي ثورة الفزع في عيوننا

وهذا الظل المشجب الصّلب سيحن لنهركِ

 حينها الانحدارُ ثملٌ مسافة العمر

وأنت تمررين بيمانكِ

 سنوات الغفلةِ

لا تبتعدي...

 فصور الماضي حولت أعصابي

 إلى أسلاك

 إلى أشباح ,,

فانتهيتُ كركوزا بمقاس العانسات

 مرة على صدر فيطيب المقام..

وأخرى بين الأحذية ورائحة الحانات

 وما يستحي ذكره تتعففه القلوب ..

لا تبتعديي

فالعشق الأبد ي لما زارك, تطيَّش جريحا

وما أصابك أصابني

انتظري قليلا فأنفاسي تتداخل

 تتقاطع ,....

لنموت معا برصاصة واحدة....

لا تبتعدي مراكش

اتركي لك مسافة الميلاد

 حتى يصافحك الجسر بضياء الخلود

اجعلي أساورك الخشبية هدنة مستباحة للنسيان

 فالقادمون عراة يشحدون...

مراكش

لا تبتعدي ...

فأنت الإكليل المضفور بالعشق

أنت وردة في اتساع المدى

أنت فراشة الحلم

 ***

عبد اللطيف رعري/مونتبوليي/فرنسا

 

حسن السالميسقـوط

يرتفع اللّغط ويختلط بكلمات ساخطة تسقط من أفواه المرضى.. المكان يفيض بطوابير طويلة.. وراء شبابيك الاستقبال ملائكة الرّحمة: زاهرات كاعبات، يتحلّقن حول زميلتهنّ ناظرين إلى شاشة هاتفها...

"ما أجمل فستانها."

"عندما يزول المكياج تعود قردة كما كانت"!

"تلك اللّيلة خرج العريس شبه عار، يصرخ: أيّها العالم، إنّ عروسي عاهرة!"

وتتعالى ضحكاتهنّ، بينما يرتفع أنين المرضى أمام الشّبابيك...

**

شقاق

أوّل يوم من رمضان: السّوق مكتظّة والبضائع على كثرتها تدخل الأكياس والقفاف في حركة متشنّجة لاهبة...

امتدّت أيديهما معا إلى آخر ما تبقّى من مقدونس... في لمح البصر تسابّا وتشاتما وبزقا على وجهي بعضهما.. بعد دقيقة، اتّسعت دائرة النّار فوجّه القوم أفواههم إلى السّماء وبزقوا...

**

قتّال الوقت

الظّلّ ينكمش ويتمدّد...

"قال لي، قلت له... قال لي، قلت له... قال لي، قلت له... قال لي، قلت له... قال لي، قلت له... قال لي، قلت له... قال لي، قلت له..."

فلمّا طار غراب رأسه: "يا ضيعة العمر في القيل والقال."

**

عرش الرّمل

كان يا مكان شعب يقطن الأرض الخضراء. صنعوا من سكاتهم دمية من قشّ، لسانها طويل وذراعاها معوجّتان. وما زالوا على سكاتهم حتّى كُسيت الدّمية لحما، وصار لها بدلة أنيقة وربطة عنق وشعر مستعار...

نطقت الدّمية يوما وهي تدوس على رقبة الشّعب وفي يدها سوط: ابنوا لي عرشا...

ذات صباح شتويّ، هبّت عاصفة قويّة لخبطت ذرّات العرش الرّملي.. عندما سكتت تفاجأ الناس بخنازير وقردة من رمل...

**

حين فقدنا البوصلة

أينما التفتُّ، رأيتُ نارا تنبع من بين ضلوعنا ومن تحت جلودنا. تخرج علينا من ذاكرة لا تشرق فيها الشمس ...

فجأة دخل علينا دبّان: أبيض وأحمر...

صار لنا رأسان في جسم واحد. كلّما فقأ أحدهما عينا لنا أو جدع أنفا، كبّر أحدهما وهلّل، غير مبال بآلام جسمنا الواحد...

مرّ بنا شيخ محنّك. صرخ: "الدبّان هما العدوّان فاحذروهما". وظلّ يكرّرها، فكنّا نراه يحرّك شفتيه ولا يتكلّم...

***

بقلم: حسن سالمي

 

عبد اللطيف الصافيوحدك

في غرفة مغلقة باردة

تدور كساعة رملية مهجورة

في متحف مغمور

تقتنص نبضات قلبك المتناثرة

في فراغ العتمة

يحاصرك صمت

عابر لصدى أحلامك

وأوجاعك المكابرة

ماذا تنتظر

كي ترتق بملح عينيك

شقوق أيامك الغابرة

وتفتح ممرا

في رحم الجدارية المختومة

بأسمائك العابرة

منذ أن اصطدمت رأسك الحبلى

بالاسئلة المتنافرة

بالأرض اليباب

ولوثة الغياب

أخرج من عتمتك

مد بصرك عاليا

كي ترى النجوم

مصابيح تتوهج في لياليك البائرة

أخرج من برجك

وارم بصرك بعيدا

كي ترى الأفق

مزيجا من القرى المتناحرة

و الطيور المهاجرة

اخرج من غرفتك

لترى بعيونك الناعسة

كيف على الباغي تدور الدائرة

واخرج من عزلتك

لتسمع صرخة الريح الثائرة

واطرد الحزن المعشعش في صدرك

لترى حوريات الأرض

بخدودهن السافرة

واترك خلفك

يقينك المتكلس كصخرة يابسة

لتعرف كيف تضمد جراحك الغائرة

***

عبد اللطيف الصافي - كلميم/ المغرب