 نصوص أدبية

مرثية لشجراتي الغاليات

 صحيفة المثقف(نص مفتوح)

ظلت تسكن هنا تلكم الشجرات الرائعات في هذا المكان المعزول البعيد في الركن القصي من عالمي الذي عرفت فتصورت إنه نهاية مدينتي الحبيبة بل ربما تصورت إنه نهاية العالم . عرفتهن وأنا طفلة  وعشقتهن باسقات أرفع رأسي عاليا حتى أرى قممهن شبه المدببة، أما عن الاخضرار الذي يلبسنه فلم أعهد في أيّما شجرة اخرى مثل هذا اللون الجميل وأما عن ظلهن فكلهن وارفات الظل يتمنى المرء أن يبقى حيث هن أبدا ليتمتع بالفيء اللذيذ . اقترنت صورتها بواعيتي  قبل ما يزيد عن ستين عاما فلزمتها.. يومذّاك في سنة 1954 أو السنة التي تليها كان الفيضان يهدد مدينتي العزيزة ولم يكن من حديث لأحد سوى عنه، وكأن دجلة الخير غاضب من شيء لعلي لم ادركه لصغري فهو يفور ويغلي ضاربا صفحا عن المستوى والخطر . كانت الاسر في ركننا من المدينة الكبيرة تخرج يوميا لترى مستوى ارتفاع الماء في النهر لتطمئن وتهدأ، تخرج الاسر لترى أبناءها وهم يصارعون الفيضان بسواعد الخير وبأكياس الرمل يكدسونها فوق حافات النهر التي يرون فيها ضعفا أملا أن لا  "يكسر" عليهم دجلة منها . أما أنا الطفلة فلم يكن لي من عمل سوى التحديق بشجراتي السوامق والتي تتدلى أغصانهن حتى أسيجة الدار العامرة التي تحتويها في حديقتها الفسيحة . تلك الدار التي تطل وهي في ركنها المكين على شارعين وتشكل مقدمتها الشارع الثالث الصغير ولما تزل . لم تكن الشجرات تحمل ثمرا يؤكل لكنها تحمل للروح غذاء لا ينضب من الجمال الذي أغدقه الله على البشر وكنت أنا واحدة من السابحين في ملكوته المتنعمين بجمال خلقه . ما أن تصل اسرتي الى المكان لهفى لمعرفة أخبار الفيضان وما آل اليه الماء ارتفاعا أو انخفاضا حتى أعبر الشارع الهادىء والذي يشكل أحد أضلاع الدار لأظل تحت الظل الوارف المرفرف بهدوء وتعال وكبرياء أنظر الى شجراتي وما حباهن الله به من جمال. كان بعض الأطفال من عمري فأصغر أو ربما أكبر يلعبون في الشارع الهادىء ريثما يكمل ذووهم ما جاءوا لأجله. أما أنا فلم أكن لأفعل أي شيء سوى التمتع بشجراتي . لم أكن أعرف أسماءهن ولم أسأل أحدا عن أسمائهن ليومنا هذا غير إني أحفظ الى اليوم شكل أغصانهن المدلاة وتركيبة أزهارهن ولونها فبعضهن تشبه أزهارها كرة صغيرة صفراء مزغبة  وبعضهن تشبه أزهارها البنفسجية الرائعة شكل عناقيد العنب  أما النوع الثالث فله ما يشبه الثمرة وكأنها البازلاء تصطف في جرابها الأخضر اليانع .

بعد أن نمت المدينة وتوسعت بل تفجرت سكانيا ومكانيا تحول سكني مع اسرتي الى الجهة التي كنت أظنها نهاية العالم، لذا صارت شجراتي في طريق ذهابي وإيابي اليومي الى حيث الدراسة ثم العمل وكنت ولا أزال اعزها جدا طوال عقود لا يبرح نظري يعلق بها جيئة وذهابا  فأتمتع وأحس إن الدنيا ما زالت بخير وإن النعمى لم تزل تغطي مدينتي بوشاحها الرائع وظلها الوارف وجمالها الفتان . وما حزَّ في نفسي مؤخرا إن الأحفاد اقتسموا دار جدهم فابتنى كل منهم لنفسه دارا فيها - ولا ألومهم - على حساب الشجرات التي زانت المكان وعمرت نفسي كما عمرت نفوس مئات الآخرين الذين لا أعرفهم ولا أحصيهم وعمرت المكان ما يربو بكثير عن ستة عقود من عمر مدينتي الحلوة أدامها الله لأهلها وأدامهم لها .

***

سمية العبيدي - بغداد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4612 المصادف: 2019-04-22 11:26:27