 نصوص أدبية

البومة التي كانت الرب

عادل صالح الزبيديبقلم: جيمز ثيربر

ترجمة: عادل صالح الزبيدي

***

كان يا ما كان في منتصف ليلة عديمة النجوم كان هناك بومة على غصن سنديانة. حاول اثنان من حيوانات الخلد ان يتسللا بهدوء هاربين دون ان تلاحظهما. "أنتما!" قالت البومة. "من؟" قالا وهما يرتعشان من الخوف والمفاجأة، لأنهما لم يستطيعا ان يصدقا ان بإمكان احد ان يراهما في تلك الظلمة الكثيفة. "أنتما الاثنان!" قالت البومة. أسرع حيوانا الخلد مبتعدين واخبرا مخلوقات الحقل والغابة الآخرين يأن البومة أعظم الحيوانات جميعا وأكثرها حكمة لأنها تستطيع الرؤية في الظلام ولأنها تستطيع الإجابة عن أي سؤال. قال الطائر الكاتب: "سأتحقق من ذلك،" وفي إحدى الليالي ذهب لزيارة البومة حين اشتد الظلام مرة أخرى. سألها الطائر قائلا: "كم مخلبا ابرز؟" قالت: "اثنان،" وكان ذلك صحيحا. ثم سألها الطائر: " أ يمكنك ان تعطيني عبارة أخرى مقابل عبارة ’بعبارة أخرى’ او مقابل ’بمعنى’؟" قالت البومة: "تو-وت." و"لماذا يذهب العاشق الى معشوقته؟" فأجابت البومة: "تو-وو."

هرع الطائر الكاتب الى المخلوقات الأخرى وأخبرها ان البومة هي حقا أعظم الحيوانات وأكثرها حكمة لأنها تستطيع الرؤية في الظلام ولأنها تستطيع الإجابة عن أي سؤال. "هل تستطيع الرؤية في النهار أيضا؟" هكذا سأل ثعلب احمر، فأجابه حيوان الزغبة وبودل فرنسي: "نعم." "هل تستطيع الرؤية في النهار أيضا" هكذا رددت المخلوقات الأخرى جميعها ضاحكة بصوت عال على هذا السؤال الساذج، وهجموا على الثعلب وأصحابه وأخرجوهم من المنطقة. ثم أرسلوا رسالة الى البومة يطلبون منها ان تكون قائدة لهم.

حين ظهرت البومة بين الحيوانات كان الوقت تمام الظهيرة والشمس تشرق ساطعة. مشت ببطء مما أعطى مظهرها قدرا كبيرا من الوقار، ونظرت حولها بعينين كبيرتين محملقتين مما أضفى على هيئتها أهمية كبيرة. صاحت إحدى الدجاجات: "أنها الرب" فردد وراءها الآخرون، "إنها الرب" وتبعوها أينما ذهبت وحين كانت تصطدم ببعض الأشياء كانوا يصطدمون بها هم أيضا. أخيرا وصلت الى طريق كونكريتي فارتقت الى وسطه وتبعتها الحيوانات الأخرى جميعها. في هذه اللحظة شاهد صقر كان يلعب دور الغريب شاحنة متجهة نحوهم بسرعة خمسين ميلا في الساعة فأبلغ الطائر الكاتب والطائر الكاتب ابلغ البومة. قال الطائر الكاتب: "هناك خطر أمامنا." فسألته البومة: "تو-وت؟" أجابها الطائر الكاتب ثم قال: "أ لست خائفة؟" فقالت البومة بهدوء: "وو؟" لأنها لم تستطع رؤية الشاحنة. صاحت الحيوانات جميعها مرة أخرى: "انها الرب" وواصلت صياحها وكانت لا تزال تصيح "انها الرب" حين صدمتها الشاحنة وداست فوقها. أصيبت بعض الحيوانات بجروح فقط ولكن اغلبها قتل بما فيهم البومة.

الحكمة: يمكنك أن تستغفل العديد من الناس لمدة طويلة من الزمن.

 

.....................

* جيمز ثيربر (1894 -1961) كاتب قصة ومسرحي ورسام كاريكاتير وصحفي ساخر وهجاء أميركي شهير وغزير الإنتاج. اشتهر بقصصه القصيرة ورسومه الكاريكاتيرية والكارتونية ذات المنحى السريالي.  كتب ثيربر العديد من الحكايات ذات المغزى الأخلاقي على غرار الحكايات الخرافية المروية على السن الحيوانات نترجم هنا إحداها. (يجدر ان نذكر ان عبارتي "تو- وت" و"تو- وو" اللتين هما أصوات نعيب البوم استعملتا في هذه الحكاية كإجابتين لسؤالي الطائر لأنهما تشبهان فعلين بالانكليزية، أولهما يعني "يعلم" وثانيهما "يغازل/يتودد" فجاءت الإجابتان في محلهما بالنسبة للطائر السائل.)

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي د.عادل صالح . اشكرك على ترجمة هذا النص .ان كاتبها تقمص معطف بيدبا وانت تقمصت معطف ابن المقفع والحكمة اصبحت كليلة ودمنة في اقبية جورج ارويل. تحيتي اليك ايها الحصيف

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية لبهاء مرورك شاعرنا القدير الدكتور ريكان ابراهيم ويسرني ان النص راق لذائقتك السامقة.
دمت مبدعا ثرا...

عادل صالح الزبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ عادل صالح الزبيدي صياد الفرائد
ودّاً ودّا

(لم تستطع رؤية الشاحنة. صاحت الحيوانات جميعها مرة أخرى: "انها الرب" وواصلت صياحها وكانت لا تزال تصيح "انها الرب" حين صدمتها الشاحنة وداست فوقها. أصيبت بعض الحيوانات بجروح فقط ولكن اغلبها قتل بما فيهم البومة.)

هذا المقبوس من هذه القصة يكاد ينطبق على حالنا اليوم وربما ستدوسنا شاحنةٌ نووية وتدوس بوماتنا معنا , دون أن نستوعب ما حدث
وما يحدث لانحن ولا بوماتنا المقدسات .

دمت في صحة وأمان واصطياد فرائد يا استاذ عادل .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر والناقد جمال مصطفى
تحية ود واعتزاز
لو كانت هذه الشاحنة النووية كقنبلتي هيروشيما وناكازاكي فأنا اول المرحبين بها عسى ان تصعق عقولنا وتحدث المعجزة !
لكن عصور المعجزات قد ذهبت. ترى كيف ستكون نهاية هذه الأمة؟

دمت ودام ثراؤك يا أستاذ جمال...

عادل صالح الزبيدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والمترجم القدير
هذه السخرية اللاذعة والبليغة . في الغابة التي تحكمها البومات , التي اصبحت بمقام رب العالمين . ولا تعرف من اللغة والسلوك سوى كلمتان : الفساد والعمالة. وغيرهما تصاب بالبكم والصم والعمي . ما اتعس وارذل الزمن والقدر . ان تصبح البومات مقدسة , تحمل أسماء الله الحسنى . هذا الواقع الذي نعيشه , في تراجيديته الكوميدية , او ما نسميه : المضحك / المبكي .
مترجم التحف الثمينة
ودمت بخير وعافية

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ القدير جمعة عبدالله
فعلا ما اتعس وما ارذل هذا الزمن وهذا الواقع الذي نعيشه بسبب هذه البومات التي ما انفك تاريخ العراق، ليس الحديث فقط، بل منذ ان عرف ووجد، ان يخضع لحكمها، حكم الحديد والنار والجهل والخرافة والظلام.
دمت بكل خير...

عادل صالح الزبيدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4789 المصادف: 2019-10-16 01:30:49