 نصوص أدبية

رحلتي الى البصرة

عادل الحنظل(مشاهد و مشاعر)

ألقاني بابُ مطارٍ دوّار

في باحةٍ أرضِ جرداء

الّا من بضعة أكراشٍ وشوارب مغبرّة

وعيونٍ حُمر تتربصُ بالغرباء

تحسبها تخرجُ من لجّة حقد

لطمتني رشقةُ رمل

بصَقَتها في وجهي

ريحٌ عبَرَتْ جمرَ الاسفلت

وأنا أنظرُ في أفقِ قاتمْ

سخّمَهُ محراقُ النفط

أيقظَني من عجبي الأبلَهْ

أولاء الأموات الأحياء

سوّاق الاجرة

نثروا فوقي أحسن أسعار البورصة

و تعالى بينهم السبّ

لمّا كفّ مزاد الاغراء

شتَمَ السائقُ فيما بعد

كل بلادِ الأعراب

ورمى الحسرةَ تلوَ الحسرة

وشكا سطوةَ أرذالٍ

لعبوا بالدين وبالألقاب

2

أيُّ خرابٍ حلّ بنجم الفجر

هل تلكَ هي الفيحاء

غيداءُ الامصارِ وحسناءُ البحر

وأميرةُ كلّ البلدان

رَحِمُ النحوِ وبيتُ بحورٍ الشعر

وقلادةُ درّ في عنقِ الازمان

كيف غدت

مثل لقيطاتِ الحظّ العاثر

تلفظُ احشاءَ حواريها

فوق أرصفة الطرقات

وتئنُّ كمذبوحٍ بقطعةِ صخر

ترنو كالثكلى للقادمٍ من بعد

تترجّى أخبارا عن ماضٍ مقتول

حزنَ النخلُ

وملّ الذلّ

فغادر

وبدت من غير جدائلها

كتوابيتٍ ضمّتْ جثثَ الاحياء

من ذا رَبَّقها في الأسر

من أمعنَ فيها الغِلّ

من جعلَ البدرَ بها أسوَد

من دنّسّ عذرةَ أنهرِها

وسقاها ماء الأموات

ايّ  قضاءٍ صيّرَ أمّ الجاحظِ

تبكي القهر

وتنودُ  بربقةِ جائر

ويحَ الزمنِ الفاجرِ

ألقى سيدةَ التاريخ

 في قبضةِ غادر

**

عادل الحنظل

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (16)

This comment was minimized by the moderator on the site

اخي المبدع ا.د.عادل الحنظل .وصلت إلى قناعة في نفسي انك لا تكتب القصيدة انما هي التي تكتبك وهذه السمة هي ارقى حالات الإبداع. نقطة أخرى هي انك تستطيع ان تجعل القارئ يعتقد أن المفردات البدائل في لغتك وفيرة كثيرة قديرة ان تحتل موقعها متى ما شاء عادل . ستشكرك البصرة على وفائك ولو انه لا شكر لابن وفى لأمه. تحياتي اليك .

د.ريكان ابراهيم
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الشاعرالجميل والناقد المثابر دكتور ريكان
يشعرني وصفك لي بالاطراء والارتياح واتمنى ان استحق كل هذه الثقة الادبية. قبل عشرين عاما عندما كنت أدرّس في ليبيا قال لي أحد النقاد انني استخدم بدائل لفظية كثيرة، وها انت بحنكتك النقدية تقولها لي مرة اخرى، لكنني حقيقة لم انتبه لهذا الجانب ولم اتقصده، ربما هي عادة وليست صنعة.
أكرر شكري لك وامتناني للملاحظات الدائمة والمشجعة ايها الاخ الكبير دكتور ريكان.
دمت بسلام وأمان
عادل

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

عادل الحنظل الشاعر المرهف
ودّاً ودّا

قصيدتك الجميلة هذه تكاد تصف مشاعري أنا أيضاً حين زرت البصرة
بعد غياب دام ثلاثة عقود .
وهو ذات الإحساس الذي أحسّ به جميع المغتربين العراقيين الذين زاروا
العراق بعد غياب .
بصرة طفولتنا وشبابنا لن تعود يا صديقي وإذا تغير حالها الى الأحسن
فلن تكون بذات المواصفات التي نعرفها ونحبها نحن .
البصرة في دواخلنا هي الآن مزيج غير متجانس من بصرة فتحنا أعيننا أطفالاً
على جمالها الطبيعي وطيبة أهلها وشيء من ماضي البصرة العريق قرأناه
كغيرنا إضافة الى أطلالها الجديدة التي يبكي عليها الزائر .
أتفهّم تماماً وأحس بحرقة قلبك وهي حرقة قلبي أيضاً حين أقرأ شعرك .
دمت في صحة وإبداع أخي عادل .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع والناقد الفذ جمال مصطفى
بالفعل هذا هو أحساس الذين غابوا طويلا وعادوا. ذهبت الى باب سليمان وليتني لم اذهب حفاظا على الصورة الجميلة المخزونة في ذهني. خراب كبير، لم أعرف الشوارع ولا البيوت، البساتين الوارفة أختفت. لدى والدتي قطعة أرض في منطقة بين (بكيع و جيكور) كنا نقضي بها اوقاتا كثيرة، لم أعرف طريقها ابدا، وحين سألت الساكنين هناك وهم غرباء اجابوني الا وجود لما أقول، لا اعرف من استولى عليها وبنى بها دارا. في هذه الارض كانت شجرة همبه (مانجو) عملاقة، في موسمها نشم عطر الثمار من بعد. قالها قبلنا أبو ماضي (كلها ضاعت ولكن كيف ضاعت..لست أدري).
حياك الله اخي الحبيب جمال وممتن جدا لتفاعلك مع النص الذي هو نظم وصف اكثر مما هو شعر.
دمت بسلام وأمان، وصحة.

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
هذه المشاهدات الحية يكتبها البعض بالسرد النثري . وانت تخالف المألوف وتكتبها شعرياً بروح مرهفة ومتلهفة . بهذه الصراحة الصادقة في صور القصيدة , التي حملت شفافية منسابة في تدفق عدستها الحية . في الرصد والترصد والملاحظة . تلتقط هذه العدسة المرئية وتسجل الموجودات الفعلية , في تغير السلوك والتصرف وحتى الاخلاق , التي لم نألفها ونشاهدها قديماً , وبدت للمغترب غريبة وهجينة . تجد الخراب حل في كل مكان , حتى في العادات والتقاليد . بأشياء يستهجنها العقل العراقي في الماضي . واذا كانت البصرة بلد النخيل . ان يجد التخريب والقطع قد طالها . حتى جداول المياه , التي كانت الاغاني تعزف عليها , المركب والمشحوف . اصبحت صحراء قاحلة بالتخريب , الذي يعصر القلب حزناً وتوجعاً . فنحن في بغداد التي كانت تشمخ بتباهي في شارع الرشيد , اصبح مقلع القمامة والازبال . وحتى معالم بغداد الجميلة اختفت , كانت قديماً بغداد عروسة الشرق تتباهى في العلى . اصبحت عجوزة بشيبها الابيض والامراض والاوبئة الخبيثة تنهش جسدها بالخراب . من دعاة الدين والتدين والفضيلة والمذهب , وهم اسوأ واحقر من الابالسة والشياطين
تحياتي ودمت بخير وصحة

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز ذو الحضور الجميل والمؤنس أستاذ جمعة
نعم بالفعل هذه مشاهدات قالها وكتبها الكثيرون ممن زاروا بلداتهم المختلفة في العراق ، ولكني احببت ان اضعها في قالب موسيقي منظوم ربما لا يرقى لمنزلة الشعر حتى لا أنسى الالم والوجع الذي أحسسته، تصور حتى سائق سيارة الاجرة لما راى ذهولي قال (عمي انت شجابك).كما تفضلت، ليست الطبيعة وحدها من اصابها الضرر والتلف بل حتى طباع الناس واخلاق الكثيرين منهم ممن فرض عليهم الواقع نوعا من التعامل لم نعتد عليه في حياتنا. نحن عشنا في بيئة ريفية اينما نلتفت أشجار ونخيل ومياه، لكن كل هذا زال. ذهبيت الى مسقط رأسي في دارنا القديمة التي كان يحيطها بستن كبير فلم أجد من ذاك شيئا يذكر، الدار هدمت والبستان تحول الى كتل كونكريتية والنهر آل الى ساقية آسنة. لا أملك سوى التحسر.

أنني في غاية الامتنان لتفاعلك مع النص والتعقيب عليه.
دمت بسلام وأمان أخي جمعة، مع خالص مودتي.
عادل

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المبدع الأستاذ عادل الحنضل..

محملٌ أنت ونحن بروائها
نرتشف سمائها
ومائها سيعصمنا من الشتات.
تبكيك و تبكينا
وأبكت قبلنا السياب

"اليه اليها أنادي: عراق
فيرجع لي من ندائي نحيب"
....
.....
أقول:
كم بصرة بقتْ ؟
كم شاعرا خط على جبينها
شمع روحه ؟

آخر زيارتي لها كانت عام 2004
تحدثت مع السياب... لكنه لم يجب !

شققت المواجع والله يا استاذ عادل
ليغفر الله لنا ولك
بما يماثل جروحنا.

دمت في ألق و محبة

زياد كامل السامرائي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الشاعر الملهم زياد
انت على حق تماما، ابكتنا وستبكينا، هي وكل مدن العراق المنهكة.
لا تعرف الاجيال الجديدة ما نحكي، لم يروا ماضيا جميلا، لكننا نكابد جروحنا وأوجاعنا.
أشكرك على النص الجميل الذي عطرت به التعليق، وعلى الاستشهاد بالسياب الذي ختم مواجعه بالقول
(رجلاي ريح تجوب القفار)، قالها منذ عقود وسوف نستمر نقولها.
دمت بسلام وأمان، وابداع أخي زياد
عادل

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الدكتور الاديب عادل الحنظل
لا تتحدث عن نفسك فقط في هذه القصيدة انت الاخر والآخر انت والشعر العظيم هو الذي يمثل روح المجموع
كانك كتبت هذه القصيدة بالشهد الذي لا بد لنا من ان نصل اليه عبر معاناة الالم
لقد كشفت عن نفسية المكان فهو الذي يبكينا ويقف على اطلال ارواحنا المعذبة
شكرًا لك
قُصي عسكر

قُصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

القاص والشاعرالكبير الدكتور قصي
همومنا واحدة وحبنا لمدينتنا مشترك، محال الا يبكي عليها من عاش فيها صباه ورأى أجمل أيامه هناك.
مؤلم جدا ان يزول كل شيء فيه ذكرى عاطرة، الى متى نظل نتحرق على أشيائنا الجميلة التي ازالتها يد القدر الاغبر.
أمتناني وشكري لملاحظاتك النابعة من بصري جميل.
دمت بسلام وأمان
عادل

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر المقتدر عادل حنظل

مودتي

تتنكر لما قد شببت عليه.. وكأنك تفيق من قيلولة.. متعرقا.. وقد تداخلت
الظلال بعد كابوس عاصف.
هكذا كنت .. وهذا ما وجدتها عليه.. حتى اني لم اتعرف على البيت
الذي قضيت فيه صباي ومراهقتي الا بعد تثبت واستدراك..
لقد جلجلت شرفات ذكرياتنا وانت تذكرنا بالأثلام العميقة لمدينة
نكبتها السياسات

دمت بصحة وابداع

طارق الحلفي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر الكبير المبدع الاستاذ طارق الحلفي
ما أحسنه من وصف هذا الذي قلته (تتنكر لما قد شببت عليه.. وكأنك تفيق من قيلولة.. متعرقا.. وقد تداخلت
الظلال بعد كابوس عاصف). هو هكذا فعلا، كانك تفيق من كابوس لا يزول، جاثوم مستمر، لا نعرف متى يكف عنا.
مثلك أنا، لم أجد اثرا للبيت الذي ولدت فيه وعشت طفولتي بين جدرانه، لا تزال صور كل شقوق الجدران عالقة في ذهني.

ممتن منك لمشاركتي في الهم.

دمت بسلام وامان، وعمر طويل.
عادل

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

عزيزي المبدع

عادل الحنظل

تعودْنا على قراءة أدب الرحلاتِ في تراثنا نثراً

و ها أنتَ تصوغه لنا شعراً نديّا طافحا برحيق و دموع

الوِجد والوجدان .

أرى في إسمِكَ الحنظل لكنّ في روحكِ عسل البرحيّ

و حلاوة (نهرخوزْ )

دمْتَ مبدعا

مصطفى علي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الشاعر الجميل مصطفى علي
يا صديقي، حتى حلاوة نهر خوز لم تعد كما كانت.
أقتبس منك:

ما الذي أرجوهُ أو أسعى لَهُ

حينما أكتُبُ نصّاً قد يُسمّى

في الدواوينِ قصيدةْ ؟

نعم ما الذي يرجوه أي منا حين يضع أوجاعه على صفحة دفتر، ما يسمونه قصيدة ليس سوى آلام
وهموم يبثها القلب لتتساقط أحرفا حارقة. بالتأكيد أي شخص يزور ارضه التي فارقها منذ عقود ويجدها خرابا
سيأتي بأحسن مما قلت أنا.
أشكرك لانك وجدت في الحنظل نقيض معناه، أما عن البرحي فشوقي الجارف له يجعلني اتخيل التمر شفاه نساء.

دمت بسلام وأمان

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

أ.د عادل الحنظل...

تحية و احترام...

شتَمَ السائقُ فيما بعد
كل بلادِ الأعراب
ورمى الحسرةَ تلوَ الحسرة
وشكا سطوةَ أرذالٍ
لعبوا بالدين وبالألقاب

الله عليك يا دكتور عادل و أنت تصور حال
البصرة الفيحاء ثغر العراق الباسم و ما حل بها...
على أيدي من لعبوا بالدين و بالألقاب.
كانت هناك عبارة مشهورة تقول :
ما راى العراق من لم ير البصرة..
لكن للاسف اليوم البصرة كما باقي أخواتها
مدن العراق مدمرة خربة.
ألا شلت أيادي المجرمين على هذا
التدمير الممنهج.
تقبل تحياتي أ.د عادل.

حسين يوسف الزويد
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الشاعر الملهم دكتورحسين
والله من يرى الدمار والخراب في البصرة وفي غيرها يبكي دما، لا يمكن وصف الحال مهما بلغت الكلمات من
القوة. للاسف ليست الارض وحدها من تلف بل البشر أيضا، كيف سينصلح كل ذاك، لا أدري.
لا أتمنى لأي انسان يحب بلده ان يراه مدمرا، الاحسن ان يبقى بعيدا حاملا صوره الجميلة القديمة.
ونحن صغار نسمع المثل الشائع (بعد خراب البصرة)، واليوم نراه واقعا أمامنا.
منذ أيام قرأت شيئا من مذكرات امرأة رحالة فرنسية سافرت من البصرة الى بغداد في سفينة خشبية، وتصف البصرة بأوصاف حتى نحن الذين عشنا أيامها الذهبية لم نر مثل ما تقول. جنة زالت.

تحياتي وشكري لمشاركتك معي في هذا الهم

دمت بسلام وأمان|
عادل

عادل الحنظل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4791 المصادف: 2019-10-18 01:56:05