 نصوص أدبية

إذا لــمْ..

صحيفة المثقفعلى النظــام أنْ يرحل ويختــارَ شعبــاً آخــر!!

في صباحٍ برلينيٍ مُكفهرٍّ، فَضّت الشمسُ حيزاً لها في جدار الغيمِ .. أطَلَّتْ بهيةً . كنتُ أرقدُ في المستشفى، بعد أجراء عمليةٍ لأستبدالِ ركبتي المعطوبة بأخرى صناعية، أتابعُ مجريات الأنتفاضة التشرينية.. إستوقفني مشهد ليلي لساحة التحرير، تُصاحبه خلفية موسيقية بتوزيعٍ أوركسترالي بطيء لأغنية " فوگ النَخَل"التراثية. شعرتُ بدمعتينِ ساحتا على خدّي.. لَمَحَهُما زميلي نزيل الغرفة، فسألني " أوجاع ..؟" هززتُ برأسي موافقاً، وكل منّا يقصد معنىً آخر لـ"الوجع"!! في تلك اللحظة أحسستُ بحاجة لكتابة شيء عن إنتفاضة، لأنها أصيلة، يصمتُ العالم عنها.. لم أجد خيراً مما قفزَ إلى ذهني من قصيدة "الحل" لبرتولد بريشت عن الأنتفاضة العمالية ببرلين في 17 حزيران/ يونيو 1953 كان قد كتبها بأسلوبٍ ساخر، مُتهكِّم، بعدما نشرت "نويس دويتشلاند" صحيفة الحزب الحاكم في ألمانيا الديمقراطية آنذاك في 20/6/ 1953 تقريعاً لعمال البناء المنتفضين في "جادة ستالين"* كتبه سكرتير إتحاد الكتاب، يومذاك كورت بارتل، جاء فيه :

"أتشعرونَ بالخجلِ مثلي؟!

سينبغي عليكم أنْ تبنوا كثيراً، وأن تتحلّوا بذكاء وفِطنةٍ إستثنائيين،

قبلَ انْ تُنسى مخازيكم .

فإصلاحُ بيوتٍ مُهدَّمة، أمرٌ يسير، لا يُداني إصلاحَ ثقةٍ فُقِدَتْ ."

أستفزّتْ تلك الكلمات المهينة للعمال المنتفضين بريشت، فكتب بمرارة قصيدة "الحـل":

"إثرَ إنتفاضة 17 حزيران/ يونيو، أمر سكرتير إتحاد الكتاب

بتوزيع بياناتٍ في جادة ستالين، كتب فيها

أنَّ الشعبَ خَسِرَ ثقة الحكومة،

ثقةٌ لا يمكنُ إسترجاعها إلاّ بجهودٍ مضاعفةٍ ومشقّةٍ مضنية.

أما كان من الأجدى  والأسهلَ  للحكومة أنْ تحلَّ الشعبَ وتنتخبَ آخراً غيره ؟ "

 

يحيى علوان

برلين : 8/11/2019

...........................

* بعد تحرير ألمانيا من النازية في الحرب العالمية الثانية، كان الشطر الشرقي من برلين تحت النفوذ السوفيتي . فقام الجيش الأحمر بالمساهمة في إعادة بناء المدينة من ركام الحرب. كان من أكبر مشاريع البناء التي أهداها الجيش الأحمر لسكان المدينة ما سُمّي حينها " جادة ستالين "، التي تغير أسمها إلى "جادة كارل ماركس" بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي في الإتحاد السوفيتي ... ثم جرى تغيير الأسم بعد الوحدة الألمانية ليستقر على إسم " جادة فرانكفورت"، وهو شارع واسع مليء بالشقق السكنية والمحلات المميزة، على طراز المعمار الروسي، لا يزال قائماً حتى اليوم .

كان الشارع من أكبر ورش البناء في المدينة، إشتغل فيه عشرات الألاف من عمال البناء . في 17/6/1953 قام العمال بأنتفاضة مطالبين فيها بتحسين أوضاعهم المعيشية ... إلاّ أنها قُمعت بعنف السلطة. فكتب بريشت قصيدة "الحل" رغم أنه كان مناصراً للأشتراكية، مادياً، وضد النازية والنظام الرأسمالي ... ي.ع.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب القدير
الصديق العزيز تحياتي بعطر المحبة والاحترام
اتمنى لك الشفاء العاجل وقد احزنني الخبر أستبدال الركبة المعطوبة باخرى صناعية ممكن تكون احسن الف مرة . وهذه من روحك الثورية الوثابة في جبال كرستان في فصائل الانصار . وانت تجتاح جبال كردستان نحو الحدود الايرانية , والحجز في معسكر الاعتقال الحدودي لتحقيق , ثم اجتياز الحدود الايرانية الافغانية في ظروف صعبة وقاهرة وفي ركبة معطوبة تمشي عليها نحو الحدود حتى لا تقع في الاسر وحالتك الصعبة لا تطاق . ان روايتك تصلح الى فيلم سينمائي , واتمنى اليوم ان تكون فيلماً سينمائياً رائعاً . لم اكن اتصور انساناً بهذه الروح من التحدي والصمود امام اوجاع الركبة المعطوبة . انسان ثوري ذهب الى كردستان وترك عائلته من اجل حلم ثوري كان يداعب عقله ووجدانه . لكن يا صديقي العزيز هذا الحلم الثوري الذي ضحيت في سبيله . الآن يحيا في ساحة التحرير , ويصبح حقيقة واقعية ساطعة يخطف قلوب الملايين من الشعب العراقي . يعني بكل تأكيد ان المعاناة والعذاب القاسي الذي قدمته للوطن لم يذهب سدى . وهذا ما يخفف اوجاعك وألمك , ويزرع الفرحة في قلبك . ان شباب التحرير رفعوا رأس العراق الى الاعلى العلى . هذا الجيل العظيم يستحق التضحية . تصور انا اعيش الفرح النفسي بعد المرارة من الوطن . وسيعود العراق الجميل كما رسمناه في الحلم الثوري . والاصل الاصيل لا يضيع . كما عاد شارع فرانكفورت الى اسمه الاصلي . سيعود العراق الى اسمه الاصلي .
ودمت في صحة وشفاء عاجل , وتحياتي بعطر المحبة

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الصديق العزيز أبا سلام،
معذرة لأنني طريح الفراش ، لذلك لم يكن بمقدوري التواصل مع الأصدقاء والأحبة .
تغمرني ، يا أبا سلام ،بشلال رياحينك،مما أعجز عن مجاراته...
دم معافىً ، وعزيزاً شامخاً كنخيل وطننا المنكوب !

يحيى علوان
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4821 المصادف: 2019-11-17 00:49:10