 نصوص أدبية

المُتشائل المتفاشل

نور الدين صمودتـُغـازلـُنا الشـمـس إذ تـُشـرقُ

            ويُــطـْـلـعــها بَـحــرُنـا الأزرقُ

وصـفحتـُه كاخـضـرار المُروج

              ويَـمْـنَحَـُـه لـَوْنـَـَهُ الفــُسْـتـــُقُ

وتنمو له زرقة في الضحَى

             كـفــيْـــروزةِ التـَّاج إذ تـَبْــرقُ

به شمْسُنا تـستـحِـمُّ صـبـاحًا،

            وفـي لـُجَّـة الـبـحـر لا تـغــرقُ

وفي الأفـْقِ تسمو كشعـلـة نـار

            تـُـضيء الـوجـودَ ولا تـُحْــرِقُ

وتـسْـعَى حـثـيـثا طـوال النهـار

            إلى مغرب الشمس مُذ ْ تـُشرقُ

وتـغــفـو على الأفـْقِ كلَّ مساءٍ

            وفـي نــَوْمَـةٍ حـلــْوةٍ تــَغـــْرَقُ

وأبـقــَى أُسـامـرُ بــدرًا منيرا

           كـطـلــعــةِ تلك التـي أعــشَـــقُ

إلـى أن تـعـود الغــزالـة ُفـجـرًا

          وتـبْـقَـى لأعــمـارنا تـَــسْـرِقُ...

بـِصُبْح ٍ يُطاردُ جَيْشَ الظلام

             ولـيـــلٍ لأنـــواره يَـــسْــــبـِـقُ

فيُـنـْصَرُ ذاك ويُـهْـزم هــذا

             وكــلٌّ بــصــاحِـــبـِه يَـلـْـحَــقُ

ولم ينــتـصرْ ٌ منها أوّلٌ

               ولـم أرَ ثـانـيـهِـما يُــخـْفِــــقُ

فــلا تـتـشــاءَمْ بـسـيْـر الحـياة

              فـإن الحـيــاة لهــا مـنـْـطـِــقُ

وقانونـُها لا يبالي بشيءٍ

                 عـدا ما إلهُ الورى يـخـْـلـقُ

تظلُّ العنادلَ دومًا تغني

               وإنْ ضمها قـفــص ضَــيِّــقُ

وتندبُ حريةً سُـلـِبَـتـْـها

            ونـَحْـَسَبُها، سِجْـنـها، تـَعْـشـَقُ؟

فليس الطعامُ وليس الشرابُ

              كـيـومٍ سـعــيــدٍ بـه تــُطـلـَـقُ

ويشدو الغــراب سعـيـدًا طليقًا

              وبالـويْــل نـحـسـبه يـنـعــــقُ

(يُـقــلقـل قـافـًا) كـشــيــخ عليم

              بــ(قـلقـلةِ) القاف إذ ْ يُـطـْـبـقُ

بقافيةِ (الغين والقاف) يشـدو

         وألـْسِــنة ُ الغــربِ لا تـَحَـــذِقُ...

لـ(حرفيْه) نطقًا فكان الخبيرَ

             بعِلم الحــروف التي يَــنـطــقُ

ولكنما الغرب لم ينطقوها

              كــنطق الغـَـرابينِ إذ  تـَنعْــقُ

فكلُّ (رقيقٍ) لديهمْ (ركيكٌ)

              (ويُشركُ) عندهمُ (المُشـْرِقُ)

وكل (غريبٍ) لديهم (جريبٌ)

          فـيَـرْتـَـبـِك اللـفــْظ إذ يُــنـْــطــقُ

ومن قال أن البلابل تشدو

            بأقفــاصهــــا إذ ْ بهــا تــُـُرزق

بعيش رغيد وماء نـَمــيــرٍ

            يــجــيئانــها قبـــل ما تــنـــطقُ

ونحسبُ ذاك الغناء الطروبَ

              لـبـهجـة عـيْــش لها رونــقُ؟

وأن الغرابين ليست تغني

             لأفراحها عنــدما تـعـــشـــَقُ؟

ولكنْ نـَظـُن بأنـــا نـــراها

              تنوح من الحــزن إذ تنطــقُ؟

فـَشَدْوُ البلابل عندي شبيهٌ

            بـِصوت الغرابِ مـتـى يَـَنـْعـقُ

فكيف يغني الحبيسُ سعيدا

              ويندبُ، في  جـوِّهِ، المطلـَقُ؟

وما الشعر إلا كصبح وليدٍ

                وشَـدْوُ البلابــل لا يَـصْـدُقُ

فكم  تندبُ العيشَ في سِجنها

                   ومِـن فـقـْدِ حرية تـَـقـلـقُ

ونحسَبها للحياة تغني

                 وتـَبـقى، بأحزانها، تـَغـْرَقُ

وتبقى  تغني كقيسِ المُعَـنَّى

                 بغـُـرة ليلى التـي تـَعْـبَقُ...

بعطر ٍشـَذِيٍّ يخدر حسي

                كخصلة شـَعْر ٍبدت تـبْــرقُ

فإن الحياة كدمية عــاجٍ

                    كساها حرير وإستبْــرقُ

وصَمُّودُ يبصرها غضة ً

                    كزهر البساتين إذ يعـبقُ

               ***

أ. د :  نورالدين صمود

تونس 2019  

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

إلـى أن تـعـود الغــزالـة ُفـجـرًا
وتـبْـقَـى لأعــمـارنا تـَــسْـرِقُ...

قصيدةٌ جميلة ببحرها المتقارب وقافيتها الجميلة المزقزقة .
دمت في صحة وإبداع استاذي الشاعر الأصيل نور الدين صمّود .

جمال مصطفى
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الشاعر الجميل المصطفى السلام عليك من تونس الخضراء وتحية أصفى من غين الحُبارى التي في سحر عينيها لا تـُجارَى، وأشهى من شِواء الديك الوديك، مع الاعتذار على عجزي عن اقتناص عصاقير الكلمات المحلقة
لتصل إليك مرفرفة حيثما كنت فأين أنت؟ وأين قصائدك المستحمة بماء دجلة والفرات قبل أن يدنسهما الناس التـُّحوت ؟

نورالدين صمود
This comment was minimized by the moderator on the site

لوحة الشّمس مرسومة بالكلمات وعقد فريد من لؤلؤ الحروف وقصيدة صاغها شاعر يبدو أنه آخر الفطاحلة العارفين باللغة والعروض
مع خالص المودة

سُوف عبيد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4826 المصادف: 2019-11-22 10:03:45