 نصوص أدبية

احذري

يوسف جزراوياحذري أن تقتفي أثر مهاجرٍ

منحته الغربة جنسيتيّن

يأبى ساسة وطنه

منحه جواز إقامة!

فماذا دهاكِ

لتقعي في حُبِّ

مواطنٍ بِلا وطنٍ؟!

**

احذري  التعلّق بعراقيٍّ

عيناه كشاشةِ تلفازٍ

تبثُّ أحزان العِراق

قضى عقدًا ونيّفًا

يحفرُ نفقًا في غربتهِ

ودون غرّةٍ اكتشفَ

أنَّ ذلكَ النفق

لا يؤدّي إلى وطنه

بل إلى غربةٍ أخرى !!

**

ما الذي جذبكِ إلى إنسانٍ

نصف غائم

اعتاد رَسَم الفرح

على وجوهِ النّاسِ

بريشةِ أحزانهِ!

ربّما لأنّه أوّلُ طفلٍ

 خرجَ من بطنِ أمّه مُبتسمًا

يومَ ناداه الوجود

بصوتهِ الحزين

ليقدّم له الشّقاء

على أطباقٍ من ذهبٍ !

فكان وما يزال طَلّسَمًا

في لوحةٍ ثمينةٍ جميلةٍ

  غير مفهومةٍ

اسمها الحياة !!

**

شيءٌ ما يُغريكِ

في المًضِيِّ إليَّ

فاحذري  ولا تغالي بالإعجاب

فأنا لستُ الحلّاج

ولا المتنبيّ أو جبرانًا

ولا  الجواهريّ

ولستُ مانديلا

 أو جيفارا أو ميسي

ولستُ المسيح

بل رحّالٌ في دّربِ الجُلجُلةِ

لأعلِّق على الصليبِ

سنوات منفاي

سنةً سنةً

ففي كلِّ منفى

كان لديّ صليبٌ

مع صَالبٍ ومسمارٍ

لذا هدّئي من روعكِ

وشَذّبْي عنكِ اللهفة

 فيومًا ستبكين تحت صليبي !!

**

 اهدئي وتمهّلي

وآمل أن تخطئي الوجهة إليَّ

ففي الطّريقِ

ستتعثّرين بأحجارِ الجسور

الّتي تهاوت بيننا

بفعلِ فاعلٍ

يُدعى أنا !

**

ما الذي أشعلَ فيكِ

نار العشق في مرءٍ

 له مزاجٌ مُتغيرٌ

فصولهُ متعدّدةٌ

متقلّبة الأنواء !

يستهويه التجديد

ويمقت الرّتابة

لأنّها  كمياه البركةِ الرّاكدة*

**

مرءٌ له عمق كالمحيطات

يجيدُ كتم الأسرار  كالأبار

يسير دومًا للأمام كالأنهار

لا يلتفتُ مطلقَا للوراء..

لذا من المستحسن لكِ

ألّا تمضِيّ في دروبٍ

تفضيّ إليَّ

وأنا بدوري

لا أودّ أن أعرف

الطّرق المتعرجة

 المؤديّة إليكِ*

**

لا تسألي : من أكون أنا؟

فقط أسالي عنّي البحار والمتاحف

والطّبيعة ودُور الموسيقى

 وبيوت الصّلاة

فقد صار شائعًا لديهم

أنّني أكتبُ عن دجلة

وأصلي لأجل بلاد الفرات

ولكن احذري

ممّن أغرق البحار

ولم يغرق !

**

إنْ تماديتِ بالسّؤال

فسأجيبكِ:

لستُ سوى الآلات موسيّقيّة شرقيّة؛

(قيثارة سومريّة)

(كمان بابليّ)

(رَبابة آشوريّة)

(عود عربيّ)

لها سيمفونيّة وجعٍ

كوجعِ طفلٍ

عالقٍ بين الإنقاض

لا يقوى الغيتار الغربيّ

على عزفها!*

**

أنا قلمٌ

من نخيلِ بغداد

مُلقى قرب موقدِ النَّوَى

يسهر الّليل  وينام  الصّباح

على سريرِ القرطاس

مَحبَرته ماء العين

فلا العين صَامَت

ولا الدّمع عرفَ الاعتصام !

**

أنا شجرةٌ

في غابةٍ موصليّةٌ

أسرفت حرائق الأشرار

 في حرقِ قطوفها الدّانيّة

فاحذري الاقتراب  مني

فلا يزال لأغصاني

 احتراقٌ صامتٌ

فقط إنْ شأتِ

انثري الورود

على بقايا رمادي !!

**

أنا من بلدٍ غنيٍّ

عمرهُ ثمانيةُ آلاف عامٍ

فيه أوّلى الحضارات

 وكلّ ما يلزم

ليكون ملكوت الله 

على الأرض

يعيش على أرضهِ

 أفقر شعبٍ!

لكنّه شعبٌ

 طيّبٌ سخيٌّ وشجاعٌ

كسر حاجز الخوف

وهدم جدار الصّمت

لأنّ الصّمت هزيمةٌ وانصياعٌ 

بل هو موتٌ لّلذات

 فخرج   يصرخ :

 " نريد وطنًا "

والوطن ما زال عالقًا

 بين فكّ الأسود والضّباع !

**

أنا مجتمعٌ جماعيٌّ مُتآخٍ

مُتعدّد الأديان

يؤمن بالإنسان

فلا غرابة إذا وجدتيني

أحسنُ قراءة الكنزا ربا

 وترنيم التّوراة

وتلاوة الإنجيل

وتجويد القرآن

فالحديقة لا تبدو جميلةً

إلّا بتنوّع زهورها !

وأنا من بلدٍ

عُرف عن حدائقه

تنوّع ورودها الفريدة

**

أنا رجلٌ

علّمني أبي البغداديّ

 (طيّب الله ثراه)

الّذي أصبح جزءًا

من تراب العراق

أن أكونَ معطاءً

إلى حدٍّ

إذا جاع رغيفي أكلني!!

**

أنا غيمةٌ حُبْلَىٌ بالأملِ

ماطرةٌ بالطّيبةِ

أنظرُ  بروحانيّةٍ

إلى النصف الممتلئ

من كأس الحياة

لكني عشقتُ التمرّد

منذ الصّغر

 لي فكرٌ مختلفٌ

ينبذُ التخلف والتعصب

لا يمتّ بصلةٍ للجاهليّة

أو للعصور الوسطى

لا يستهويني التّخوين

ولستُ من هواة

تمزيق الصّورة الاجتماعيّة للآخرين

فالحياة لا تغدو حياةً

إلّا إذا انتقلت الأنا الفرديّة

 إلى نحن الجماعيّة*

**

أنا مراجعٌ لما مضى

وفاحصٌ للحاضر

 ومتأمّلٌ لما هو قادم

مغرمٌ بالوحدة

ومحاورة الذّات

هادئٌ **طويل الأناة

لي صبر الجَمَّال

صعب المراس

أعيشُ الحياة

وليس من تعيشه الحياة

يوثّق لها من ينابيع الجمال

لكن غضبي عاصفةٌ وإعصارٌ

ومواقفي في الحقٍ كالبركان*

فعلامَ عيناكِ

ترقبُ رجلاً أنهكهُ التّرحال

يبحرً تحت المطر

 شراعهُ لم يكن يومًا

صديقًا للرّياح ؟!

ربّما كنتُ سانْصاعُ لكِ

لو كان بوسعكِ

أن تقايضي المنفى بالوطنِ*

فأهدئي وتمهلي

فيومًا ستشفين مني !

**

لستُ سوى منفيٍّ

في منفى

كلّما أتأملُ خريطة بلادي

يطالعني وجه بغداد الدّامي

ولكن،

رغم سنوات البعاد

ورغم الحروب والدماء

ما يزال قلبي ينبض

بحبِّ تلك البلاد !

فهل عرفتي الآن 

من أكون أنا؟

**

فيا أيُّتها الغربة

 احذري الغرام 

ولا تتشبّثي بتلابيب غريبٍ

فُؤَادهُ غير مُسْتَهَام

اعتاد التحلّيق خارج السّرب

والسّباحة عكس التّيار

لا يشعر بالانتماء

ولا يؤمن بنظريّة القطيع

تزوّجَ من عزلته

فأنجبا طفلةً جميلةً

تدعى الحُريّة

لان مناظر الطّيور

المُكبّلة بأقفاصها لا تستهويه.

**

أنا الذي زرعت عمري

ورودًا للنّاس

بتُ كالفراشات

لا تستطيبني الورود الذّابلة

وكالموسيقيّ لا تطربني

 خشخشة الأوراق اليابسة

على أغصان أشجارٍ

تنعق فوقها الغربان

**

أنا " إنكيدو" زمانيّ

غرسَت فيَّ الحروب

بذورَ الغربةِ والترحال

لأزرع في أسفاريّ

 الذّكر الطيّب

والأثر الحسَن

لكن  المدن الشقراء لا تغريني

 ولا العواصم الباردة البيضاء تستهويني

فالكثير من مدنكِ الجميلة غازلتني

ومدّت لي حبال الودّ

لكنّها فشلت

في استعباد قلبي واستعماره

ماخلا بغداد وأمستردام !

**

لستُ ناكرًا للمعروف

ولكن في مرفأ عيني سفنٌ

لها ترحالٌ طويلٌ

لا يتوقّف !

فالّذين نجحوا في إخراجي

من وطني قسرًا

 فشلوا في إخراج العِراق

 من قلبي!

لذا حبل الترحال

ما زال على الجرار!

**

فاحذري ولا تتعلّقي بسائحٍ

له في كلِّ مطارٍ

تذكرة انتظارٍ

 يُقلّم أظافر التّرحال

من أجل غدٍ

لم يحن حينه بعد

فهو ككلكامش

كثير الأسفار

يبحثُ عن وطنٍ لخلودهِ

اسمه العِراق

وجهه بغداد

عيناه شمس الصّباح

طلّته بدر تمامٍ

طوله نخلةٌ تعانق السّماء

وسادته على امتداد

دجلة والفرات.

**

فيا غربتي ما الضير

إنْ قلتُ لكِ:

لم ولن تكوني يومًا

 فَارسة أحلامي

 فاحذري

ولا تترجّلي عن جوادكِ

لئلا يزعجكِ صهيل

حصان ترحالي

فأسْرَجي إذًا خيولكِ للفرار

فإنْ شأتِ

 دلّيني الطّريق إلى بلادي

لأنقش "الحنّة"

على كفِّ بغداديٍّ

***

الاب يوسف جزراوي

خرونيكن

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأب الكريم يوسف جزراوي المحترم
ثانية اطل عليك مباركا هذا التنوع الاممي في قصيدتك ..هذا الأنحياز لتاريخنا المشترك ..ها انت تسير على خطا اجدادك العظام ومنذ فجر التاريخ دائمي الترحال ، يثبتون الحكم بالقانون يشيدون مسلته التي تعلم الانسان العدالة الاجتماعيه..هذا انكيدو دائم البحث عن شجرة الخلود يجابهه خمبابا ،هو نفسه الذي يجابهنا عبر العصور

أنا رجلٌ
علّمني أبي البغداديّ
(طيّب الله ثراه)
الّذي أصبح جزءًا
من تراب العراق
أن أكونَ معطاءً
إلى حدٍّ
إذا جاع رغيفي أكلني!!
نعم أنها مفخرة التقشف ونكران الذات .طوبى لكم .دمتم بمسره

ناصر الثعالبي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الشاعر المبدع والأديب المرموق ناصر الثعالبي المحترم
لعلّنا نقترب من بعضنا في خلجات الروح وهمسات الفكر...أعتز بك وبمرورك العطر، فقد بلّلت مداخلتك القيمة اليابس من نصي.
ممتن من حضرتك وأفاخر برضاك وبشهادتك هذه، فهما بمثابة الوسام على صدري .

دمت للابداع عنوانًا ودمت لاخيك

مع عميق شكري وجلّ تقديري
الرب يحفظك

يوسف جزراوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر القدير
انثيالات شعرية في هموم وشجون الوطن بهذه الشلالات المتدفقة من هواجس الوجدان , بين حب غريب الوطن , الذي اصبح مواطن بلا وطن . لان الطغمة السياسية الفاسدة , المتسلطة على خانق الوطن , ترفض منحه جواز اقامة في الوطن . لانه يحمل الشرف والوفاء والضمير الحي للوطن , وهم يحملون البغيضة والشؤوم والتناحر والخصام على تقطيع اوصال الوطن , لانهم ذيول طويلة للاجنبي , لذلك يحملون الكره والسوء للوطن .فلا يمكن ان يتساوى الشريف مع قاتل الوطن , لان الشريف متعلق بهويته واصله وهؤلاء متعلقين بأثياب الاجنبي , ولان الشريف يحمل احزان ومعاناة الوطن اينما يذهب في منافي الغربة , ويحلم بوطن ان يغسل احزانه , انه وطن المجد والحضارات العراقية الاصيلة ويصلي لعتبة الوطن ونخيله والنهرين . وهؤلاء يصلون للحقد والفساد وللشيطان . لان العراقي الاصيل يحمل الحب للوطن ويزرع وردة عسى ان تخضر فسائل خضراء للوطن الحبيب , لتطرد ناكري الجميل من الجراثيم التي علقت في ثوب الوطن في غفلة من الزمن الاسود
كلّما أتأملُ خريطة بلادي

يطالعني وجه بغداد الدّامي

ولكن،

رغم سنوات البعاد

ورغم الحروب والدماء

ما يزال قلبي ينبض

بحبِّ تلك البلاد !

فهل عرفتي الآن

من أكون أنا؟
تحياتي

جمعة عبدالله
This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد الكبير الأستاذ جمعة عبد الله
مرورك العبق على نصوصي يبهجني كثيرًا بل هو شهادة اعتز بها وافاخر.
لك من صميم القلب الشكر والعرفان ومن معبد الروح دعاء له رائحة البخور.
دمت تحت رعاية الله
مع أعتزازي وجلّ تقديري

يوسف جزراوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4887 المصادف: 2020-01-22 02:16:49