 نصوص أدبية

الأشياء الضائعة

محمد نجيب بوجناح(مسرحية في فصل واحد)

الشخوص:

- عبد الحميد: في الستين من عمره.متقاعد منذ يوم فقط.

- سارة: زوجة عبد الحميد

المكان: مكتب عبد الحميد في بيته. رفوف المكتب مرصوصة بالكتب والتحف الصغيرة.

عبد الحميد: (يبحث بعصبية في أدراج المكتب) أين القلم..وضعته على المكتب منذ لحظة..من أخذ قلمي.

(تدخل سارة وفي يدها أكلة خفيفة)

سارة: ماذا هناك؟ لماذا تصرخ كالمجنون؟

عبد الحميد: قلمي. لم أجد قلمي.

سارة: (بتهكم) ومتى كان لك قلم في البيت؟

عبد الحميد: هذه المرة وعلى غير عادتي أدخلت قلما جافا للبيت. إنه آخر ما أخذت من مكتبي قبل أن أغادره إلى الأبد.

سارة: مكتبك؟ ليتك لم تغادره..

عبد الحميد: لماذا، أليس من حقي أن أتقاعد؟

سارة: ياله من تقاعد! بدأ حقاً كما كنا نحلم به.

عبد الحميد: (متظاهرا بعدم سماعها) أين القلم؟ لا بد أن أجده.

سارة: (تأكل) ابحث عنه تحت المكتب. إن لم يكن فوقه فلا بد أنه تحته.

عبد الحميد: ( يهم بالبحث تحت المكتب فيسقط نظارته ويصطدم برجل المقعد. يتأوه..ينهض بعد لحظات مشهرا القلم بيده اليمنى) وجدته..وجدته..يا له من قلم حرود. لماذا يهرب مني؟

سارة: (تضع باقي الأكلة على المكتب وتمد له نظاراته) لعله خائف من هواماتك!

عبد الحميد: هوامات؟ هل تسمين الكتابة هوامات؟ (ينتبه إلى الأكلة على مكتبه) ما هذا القرطاس؟

سارة: أكلة خفيفة.

عبد الحميد: أكلة خفيفة على مكتبي؟ لماذا ولمن ومن أين؟ ألم يبق لنا طعام في البيت؟

سارة: لعلك نسيت أننا منذ ساعات كنا على وشك السفر، لذلك افرغت الثلاجة وأعطيت ما تبقى لنا من خضر وزبدة وجبن لجارتنا.

عبد الحميد: ليس هذا سبب كاف لتدخل أكلة خفيفة، قذرة إلى المنزل (يتشمم الأكلة بتقزز)

سارة: (تأخذ منه القرطاس) قلت لنفسي بما أننا عدلنا عن السفر فإنه من حقي أن أواسيها ببعض الأكلات الخفيفة التي كنا سنتناولها بعيداً عن هنا. تحت الشمس.

عبد الحميد: لكننا سنسافر. ما إن انتهي من كتابي حتى آخذك أنى تريدين.

سارة: في إنتظار إقلاعك، سأجلب الطعام إلى البيت من مطعم يوناني يوماً وصيني يوماً آخر، وسأضع بذلة البحر في البيت.

عبد الحميد: لا تكوني عنيدة يا سارة..إن تأليف كتاب لا يستغرق وقتا طويلا.

سارة: كان يمكن لك أن تؤجل ذلك إلى ما بعد عودتنا.

عبد الحميد: لكنني لا أستطيع يا سارة..لا أستطيع تأجيل لحظة الإلهام. عندما تحضر يجب أن نقبض عليها وإلا فإنها تذهب بلا عودة.

سارة: (لنفسها) أتساءل لماذا لم أسافر بمفردي.

عبد الحميد: لن تستطيعي.

سارة: (بغضب) لماذا لا استطيع السفر..هل رأيتني مقعدة في كرسي متحرك أو أتوكّأ على عصى حتى لا أستطيع السفر بدونك؟

عبد الحميد: (محرجاً) لا أقصد ذلك..بل لأنك لن تستطيعي أن تتركيني بمفردي في مثل هذه اللحظة الحاسمة من حياتنا.

سارة: (ساخرة) حاسمة..حاسمة بالنسبة إليك ربما..

عبد الحميد: وبالنسبة إليك أيضا..ألا يهمك أن أصبح كاتبا؟

سارة: في الستين من عمرك؟ يوم تقاعدك؟ ألا ترى أنه قد فات الأوان؟

عبد الحميد: (جاداً) كثير من المبدعين المشهورين بدأوا الكتابة في سن متقدمة عن سني.. لا أستطيع ذكر الأسماء لكنهم وجدوا..أو ربما سيوجدون قريبا..بالتأكيد.

سارة: أتساءل لماذا استسلمت لإلحاحك..هذ الرحلة التي أعددنا لها منذ مدة طويلة كانت ستخلصك من الكثير من الأوهام.

عبد الحميد: لماذا تلحين على إفساد هذه اللحظة التي انتظرتها مند ثلاثين سنة.. ثلاثون سنة أحلم بأن أُخرج كتاباً للناس.

سارة: ثلاثون سنة ولم تكتب أبدا..واليوم تقرر ذلك..يوم رحلتنا..رحلة العمر التي ظللنا نعد لها منذ أكثر من ثلاثين سنة.

عبد الحميد: صدقيني يا سارة، انني لا أتعمد ذلك..أن أيضا أرغب في هذه الرحلة لكن الإلهام تملكني اليوم فقط..منذ ثلاثين عام أؤجل هذه اللحظة من حياتي..ثلاثون عاما ادفع عني رغبة الكتابة..تجتاحني وأدفعها.. أدفعها..(حالماً) كل مرة كنت أهم فيها بقراءة كتاب، مهما كان نوعه، علما، سياسة، أدبا، إقتصاداً..إلا وشعرت بأنني قادر على تأليف كتاب مماثل ..ربما لهذا السبب لم أقرر الكتابة حتى الآن..كنت مقسما بين كل هذه الاختصاصات والأنماط: مسرح، رواية، فلسفة، تأملات، شعر، إقتصاد..في الإقتصاد  نفسه عدة اختصاصات: إقتصاد المؤسسة..إقتصاد السوق..الإقتصاد المخطط..الكتابة أيضا يا عزيزتي رحلة..رحلة ممتعة.

سارة: (ساخرة) رحلة طويلة في قطار سحري..لكنك بقيت واقفاً على عتبة الباب. لم تصعد ولم تنزل.

عبد الحميد: (غير مبال) وأنت، ألا تهمك الكتابة. لن أستطيع أبدا أن اكتب بمفردي رغم كل عزيمتي..

سارة: لا تعول علي في مساعدتك.

عبد الحميد: بلى، بلى يا سارة. سنكتب معاً. حياتنا حتى الآن كانت حياة واحدة. وكتابي، الكتاب الذي أنوي تأليفه سيكون كتابنا نحن الإثنين..سنتقاسم حقوق التأليف والجوائز والمجد.. والكتابة أيضاً..من المستحيل، بل من الحمق أن أكتبه بمفردي.

سارة: منذ لحظات كنت تقول أنك ملهم، أما أنا فإن الإلهام لم يزرني أبداً.

عبد الحميد: ستلهمين، ستلهمين. والحقيقة أن ما أشعر به الآن ليس بالظبط الهاماً..انها بعض العزيمة ..العزيمة.. ذلك ما يلزم الكاتب.لقد ألهمت عدة مرات في الماضي..كل مرة فتحت فيها كتابا إلا وانتابني الإلهام. لا أنهي الكتب التي أفتحها..أتوقف عن القراءة بعد عشر أو عشرين صفحة. وفي كل مرة أتصور خاتمة من خواتمي..أدخل شخوصي في الروايات، أخلاقي وتصوري للعالم في الكتب الفلسفية. فرضياتي ونظرياتي في الكتب العلمية، برامجي في المؤلفات الإعلامية. نفس الحكاية مع كل مؤلف..كل كتاب كان مغامرة جديدة وإلهاماً جديداً ولكن كانت تنقصني العزيمة. ال..ع..ز..م..ة. لم تكن لي أبداً العزيمة التي تجتاحني اليوم. في هذه اللحظة بالذات.

سارة: لم يبق لك سوى أن تكتب إذن..لن تفيدك مساعدتي في شيء.. أنهيت دائما الكتب التي شرعت في قراءتها..بعض الكتب قرأتها مرتين..بل انني كنت محددة في اختياراتي. لا اقرأ سوى الروايات والروايات الواقعية بالتحديد. استمد منها أخلاقي..لم اتجر أبداً على التدخل في سير الحكايات..احترم الشخوص، الأشرار والطيبين، لأنه بدون الأشرار لا وجود للطيبين.

عبد الحميد: لن يغير ذلك شيئاً فحتى العزيمة والإلهام مجتمعين لن يكفيا لوضع كتاب ولو في صفحة واحدة، لأنه لا بد من الكلمات..الكلمات هي التي تجسم الأفكار وتوصلها إلى القارئ..

سارة: كلا..كلا..لا تعول على كلماتي أرجوك. انني لست متأكدة من أنها ستكفيني لتحمل عنادك وجنونك.

عبد الحميد: كوني عاقلة يا سارة. ليس من منفعتك أن تهمليني.

سارة: (بغضب) هل صرتَ تهددني؟

عبد الحميد: أبداً، لست أهددك. ولكنه برناج حياتي في الأيام القادمة..أقدم لك رسمياً هذا البرنامج: لن أغادر هذه الغرفة قبل أن أنتهي من كتابي. لن أنام سوى ساعة أو ساعتين في اليوم، هنا  وفي هذا المقعد وس..

سارة: (مقاطعة) يمكنك حتى الإضراب عن الطعام.

عبد الحميد: أبداً، لن أضرب عن الطعام. لست معارضاً سياسيا، أو عاملاً مستغلاً. يالها من فكرة رديئة..لكنني استطيع الإنتحار هنا.. في هذه الغرفة.

سارة: يمكنك أن تنتحر منذ الآن إذا أردت..ضع النار في البيت أو ألق بنفسك من النافذة فلن يثنيني ذلك عن الرحيل (تهم بالخروج)

عبد الحميد: (يعترض طريقها) إلى أين أنت ذاهبة؟

سارة: إلى الجحيم! (تجهش بالبكاء) من الأكيد أنهم هناك أقل قسوة منك.

عبد الحميد: ما دخل الجحيم الآن..لقد كنت دائما طيباً معك..أليس كذلك.

سارة: دعني أذهب يا عبد الحميد

عبد الحميد:: اهدئي يا سارة، ليس هنالك من سبب يستدعي غضبك.

سارة: (محاولة التخلص منه) أتركني أذهب.

عبد الحميد: (غاضباً) أبداً، لن تخرجي من هنا. (يجلس على كرسي قرب الباب) لماذا تتركيني وأنا في أشد الحاجة إليك. هل تعتقدين أنني أتعمد إزعاجك..لم أنخرط في مثل هذه اللعبة أبداً..وهل أقدر على ذلك. كل ما في الأمر أنني أشعر بأنني مسلوب العزيمة أمام هذا الوحش ، ألا وهو العزيمة. العزيمة تتملكني من رأسي حتى أخمس قدمي. جسدي كبيت مسكون (يتحسس جسده) إنها في ساقي اليمنى (يقبض على  ساقه) بل في اليسرى ( يقبض على اليسرى) كلا، ليست هنا. (حزينا) طارت..(ينظر إلى الأرض) غريب، انها تقفز (سارة تنظر إليه بقلق) سأجن. ربما جننت بعد (يلطم وجهه ورأسه) انها في كل مكان من جسدي. لا تتركني..يجب أن أعبر عنها. يجب أن أتخلص منها (يرمي بنفسه في مقعده منهارا) أنا متعب.

سارة: (تقترب منه وتضع يدها على كتفه) إهدأ يا عبد الحميد.. ليس بهذه الطريقة يمكنك أن تؤلف كتاباً. ليس هكذا.

عبد الحميد: (يمسك بيدها دون أن يرفع رأسه) هل أنت هنا دائما يا سارة؟

سارة: نعم، إنني هنا يا عبد الحميد.

عبد الحميد: هل ستبقين؟

سارة: ليس لي الإختيار على ما يبدو.

عبد الحميد: (يقبلها على جبهتها) شكرا يا سرور..سترين. لن يكون ذلك أمراً صعباً..بمئة صفحة يمكن أن نؤلف كتابا هذه الأيام. هل ستساعدينني؟

سارة: سأبذل قصارى جهدي.

عبد الحميد: إذن إلى العمل (ينهض متأوهاً) أحس بدبيب نمل في كامل جسدي. لعله شكل من أشكال العزيمة.

سارة: ربما.

عبد الحميد: من الأكيد

(صمت)

سارة: ماذا نفعل؟

عبد الحميد: بماذا؟

سارة: بالكتاب.

عبد الحميد: لست أدري.

سارة: لابد من أن تكون لك فكرة.

عبد الحميد: ولا واحدة.

(صمت)

سارة: (بحزن) ولا واحدة؟

عبد الحميد: ولا واحدة..أو تقريبا..ولكن ليس ذلك أهم ما في الكتابة. البعض يقول إن الأفكار تُغرف من نهر الحياة، وأن وحده شكل الوعاء الذي نستعمله يميز بين هذه الأفكار..

سارة: (متهكمة) لا أصدق!

عبد الحميد: بلى، بلى. ذلك أن هنالك تفاعلات بين الأفكار والأوعية التي تصبغها وتخرجها مختلفة للناس، رغم أنها نفسها في البداية.

سارة: الأوعية؟

عبد الحميد: بل الأفكار. إنه مجرد تشبيه..الأوعية هي أشكال الكتابة والله وحده يعلم كم هي متعددة.

سارة: وماذا سنفعل؟

عبد الحميد: يجب أن أقرر. يجب أن أختار بين الأشكال الموجودة إلا إذا كنت أنوي تطوير شكل جديد.

سارة: ليس ذلك ضروريا بالنسبة لكتاب أول. اكتف بالأشكال الموجودة.

عبد الحميد: أنت على حق..إذن هنالك الرواية، المسرح، الشعر، القصة..

سارة: أكتب رواية.

عبد الحميد: (بعد تفكير) كتابة رواية عملية صعبة..يلزمها العديد من الحكايات..والحكايات تستلزم الخيال، والخيال لا يكون إلا بالتجربة، والتجربة تستدعي حياة طويلة.

سارة: إنك في الستين من عمرك، ألا يكفي ذلك،

عبد الحميد: ليس بالسنوات تقاس الحياة ولكن بالتجارب. انها حياة داخل حياة ولكنها تغلّفها.

سارة: لا بد أن يكون لك شيء من ذلك.

عبد الحميد: كلا..لا شيء.

سارة: ولا شيء؟

عبد الحميد: (بأسى) ولا شيء يا سارة. ليست لي تجارب خاصة أو تجارب أصيلة، متميزة. ليس ذلك سهلا أتعلمين.. كنت دائما رجلا عاديا. ربما كانت لي بعض المواهب لكنني لم أطورها..لم اعتن بها.

سارة: إنها مشلكلة فعلا.

(صمت)

عبد الحميد: في حياتي العاطفية مثلا لم أعرف سوى إمرأة واحدة.

سارة: (تقف) إمرأة؟

عبد الحميد: (حزينا) لم أعرف سواك يا سارة.

سارة: (تجلس) لن تندم على ذلك الآن..

عبد الحميد: أبداً لست نادما.. إنني سعيد معك. أو لنقل أننا لم نعرف مشاكل تذكر. منذ لقائنا الأول أحسست أننا خلقنا لنعيش معاً. كان ذلك في المطعم الجامعي..أذكر كل الجزئيات. كنتِ جالسة خلف طبق من فولاذ. جلست بجانبك وقلت لك إن البطاطا جيدة الطبخ..(متذكراً) لم تجيبي. سألتك كم الساعة. لم تقولي أنك لا تحملين ساعة. فسألتك إن كنت تقبليني زوجاً..بعد شهر تزوجنا..

سارة:(لنفسها) ربما تسرعنا.

عبد الحميد: الأمر بسيط..لم أتألم في حياتي أبداً.. لا يخلق الشيء العظيم سوى الألم العظيم.

سارة: هل أنت متأكد..على كل حال لم تبذل مجهوداً من أجل ذلك..من أجل أن تتألم.

عبد الحميد:: ليس لنا  أطفال.

سارة: رفضتَ أن يكون لنا..ولم يكن ذلك يزعجني.

عبد الحميد: أعترف بذلك..ولكن لو كان لنا أطفال لكانت لنا بعض المشاكل..ليست سوى فرضية.(صمت) إنها المشاكل التي تنقصني اليوم.

سارة: ألم تعرف مشاكل طوال ستين سنة؟ (صمت) أنا أيضاً.أمر غريب.

عبد الحميد: نعم.. غريب. هل إقتنعت بأنني لا استطيع أن أكتب رواية. لم أُهيء لذلك.

(صمت)

سارة: أكتب مسرحية.

عبد الحميد: (بعد تفكير) كلا..غير ممكن.

سارة: لماذا؟ لا بد أنك قادر على ذلك..كنت دائما تختلق مشاهد تتركني مندهدشة.

عبد الحميد: ليس نفس الشيء يا سارة. جربوا المسرح قديما على الهضاب، في الشوارع، والمصانع ولكن لا أحد جرب المسرح في البيت..وحتى لو أن هذا المسرح موجود فإنه غير معترف به..غير مصنف وسيكون من الصعب علي أن أفرضه على الجمهور..

سارة: بما أن المسرح لا يناسبك أيضا فإنني لا أرى حلاً آخر. (صمت) أكتب الشعر..

عبد الحميد: أكره الشعر..لغته صعبة. إنه مثل الرياضيات لا وجود لها إلا في رؤوس من ابتدعوها ورؤوس من رضخوا لها. لا، الشعر لا يناسبني أيضا.

سارة: من الأفضل أن تتنازل عن هذه الفكرة يا عبد الحميد. ربما كان من المتأخر الآن تأليف كتاب. أجّل ذلك لمرة اخرى. يمكننا دائماً السفر. قد يساعدك ذلك على الكتابة في المستقبل.

عبد الحميد: لم يعد ذلك ممكناً. لقد إلتزمت. دبيب النمل في كامل جسدي. يتحرك..يغوص في عروقي..في قلبي..يضغط على معدتي. لن يتركني النمل أبداً. أعرف ذلك. لو أن هذه الرغبة في الكتابة اجتاحتني قبل ثلاثين سنة لكانت غيّرت أشياء كثيرة في حياتي. لكنت كيّفتُ أيامي حسب نسقها وعدّلت طموحاتي على تموّجاتها. (حزينا) لم أبالغ أبداً في طموحاتي. كنت واقعيا. ربما واقعياً جداً.

سارة: لا فائدة من التندم الآن. كنت دائماً قنوعاً بما يحصل في حياتك. تشتغل ثمان ساعات في مكتب فاخر..ثمان ساعات ونصف أحيانا. كنتُ أتبع نسق حياتك. لم يحرجني ذلك أبداً. نخرج مرة في الأسبوع، نشاهد فيلماً أو نتعشى في مطعم صيني ..كل سنتين نقضي بعض الأيام في الجبل..لم نشتك أبداً من نسق حياتنا.

عبد الحميد: كلا..لكنني الآن أشعر بثقوب في ذاكرتي لأن عيني لم تمتلئ بالأشياء التي كانت تبصرها. أرى نفسي واقفاً أما عربة مكتظة بالمسافرين، لكنني أجهل كل ما يحدث داخلها رغم أن النوافذ شفافة. مجموعة من الأطفال تمر أمامي دون أن أميز بين ألوان محفظاتهم أو طول شعورهم. لا أقدر على أن أقترب منهم أو أن أخاطبهم رغم أن الكلمات لم تنقصني أبداً. كانت لي أفكار أيضاً..أين اختفت الكلمات والأفكار الآن.

سارة: ابحث في ذاكرتك. إذا كانت قد وجدت فإنها لن تضيع . الذاكرة تحتفظ بكل شيء. هنالك اللاوعي أيضاً. كل شيء محفوظ يا عبد الحميد.

عبد الحميد: يجب أن تساعديني يا سارة.

سارة: سأساعدك يا عبد الحميد للخروج من هذه الحالة لكنني لا أعرف ما المطلوب ..ماذا تنتظر مني؟

عبد الحميد:الكلمات..الكلمات توقظ الأفكار..الأفكار تتفاعل مع العزيمة فنصنع كتاباً.

سارة: (محرجة) لا أفهمك.

عبد الحميد: انطقي ببعض الكلمات..انطقي بها بصوت مرتفع حتى تلامس ذاكرتي..تهزها.

سارة: أي نوع من الكلمات؟

عبد الحميد: كلمات ذات معنى. وحدة..صداقة..حب

سارة: (تعيد الكاملات بطريقة آلية) وحدة. صداقة.حب.

عبد الحميد:لا، ليس هكذا. انها تبدو جافة. أريد كلمات مشحونة.

سارة: وحدة

عبد الحميد: غليظة. بخط كوفي.

سارة: (بحزن) وحدة. صداقة.

عب الحميد: نعم..نعم..هكذا (يقود سارة من يدها وهي في شبه غيبوبة ويمدّدها على المكتب) انطقي كلمات من إختراعك..سأجلس للكتابة (يجلس خلف المكتب)

سارة: وحدة..صداقة..حب..روتين..أنانية..طفولة..أمومة..شيخوخة

عبد الحميد: ( يأخذ القلم ويحاول الكتابة عند كل كلمة دون نتيجة) لقد كانت لي أفكار.. (تنهض سارة يائسة) الكتب..الكتب (ينظر إلى رفوف المكتبة) الكتب..يكفي أن أفتحها. (يصعد على كرسي. يأخذ الكتاب تلو الآخر، يتصفحه لحظات ويلقي به على الأرض. فجأة يفقد توازنه. يتشبث بالرفوف..يسقط وتسقط معه الكتب والتحف. يصرخ. تهرع إليه سارة.)

سارة: عبد الحميد! ماذا حدث؟

عبد الحميد:(متألماً) لا شيء..سقطت من السماء.

سارة: (تبحث بين ركام الكتب) أين أنت؟

عبد الحميد: هنا.

سارة: هل تتألم؟

عبد الحميد: بعض الشيء

سارة: (تهرع إلى الهاتف) سأطلب النجدة. مما تتألم بالظبط.

عبد الحميد: ليس الأمر خطيراً..لا داعي لإزعاج أحد.

سارة: قل لي مما تتألم عوض أن تتأوه هكذا.

عبد الحميد: (متألما) لا أستطيع التفكير يا سارة. لم يزرني الطبيب أبداً..(محرجاً) لم أعرف جسدي..أسئلتك كثيرة..ثم إنني لا أتألم من شيء..(يتألم) تقريبا من لا شيء. تعالي إرفعي عني هذه الكتب.. إنني أختنق.

سارة: حالاً،حالاً. (تترك الهاتف وتقصد كوم الكتب ترفعها بعجلة. تصطدم عفوياً برف آخر فيلقي بكتبه على عبد الحميد)

عبد الحميد: (صارخاً) سأموت يا سارة.

سارة: لا تيأس.

عبد الحميد: أحبّك.

سارة: لن تموت يا عبد الحميد.

عبد الحميد: ستملين من الحياة وحيدة.

سارة: كلاّ كلاّ..بعض الشيء.

عبد الحميد: إعتني بالحديقة.

سارة: أية حديقة؟

عبد الحميد: حوض النافذة.

سارة: سنعتني به معاً.

عبد الحميد: ليس لنا أصدقاء..ماذا ستفعلين بمفردك؟

سارة: كوّنّا عالماً خاصاً بنا وكنا سعيدين فيه.

عبد الحميد: لم نعرف الأشياء إلا بأبعادها..الفصول بمقاييس الحرارة. لو أخرج سليماً سأكتب كل هذا..

(سارة ترفع دائما الكتب. يصمت عبد الحميد)

سارة: عبد الحميد! أجبني..عبد الحميد..عبد الحميد.

ستار.

***

تأليف: محمد نجيب بوجناح

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

نص شيق و متميز للشاعر و المهندس نجيب بوجناح.
يتجاوز به نفسه و نصوصه المنشورة سابقا.
لغة دافئة و نخبوية تناسب الأزمة الحضارية التي نمر بها و تعزينا في زمن النكسات و السقوط و المحن.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4960 المصادف: 2020-04-04 04:07:28