 نصوص أدبية

غنّي بلادي ما تيسرَ مِن نشيدِ الحرف

كريم الاسديهذا النص هو تأسيسٌ وتعشيقٌ شعريٌ

من القصيدة العمودية والقصيدة المدورة


يكبو فنحملُهُ على الأعنـــــــاقِ

هذا عراقُك يا صديقُ، عراقي

 

يصبو فنرسلُهُ الـــى الأفاقِ

ومكانُهُ في القلبِ والأحداقِ

 

يا هاتفاً (عيني) اذا خاطبتَهُ

 ومردداً ( روحي) أوانَ تلاقِ

 

و مكنيّاً (عمّي)، (أخي) لمسافرٍ

أو عابرٍ في شـــــــــارعٍ وزقاقِ

 

بيتُ المضيفِ فناؤهُ رَفَدَ الورى

بالماءِ والفنجانِ والأطبــــــــاقِ

 

بستانُ نخلٍ والتمورُ شواهدٌ

لعراقةِ الأصنافِ والأعراقِ

 

وضفافُ شِعرِ والجميعُ ترنحوا

من فرْطِ ما أهدى الى العشّاقِ

 

هذا عراقُكَ يا صديقَ عراقـي

يمضي فنحضرُهُ من الأوراقِ

 

فالأنسُ فينا ما سعى أنسٌ بها

والجنُ فينا للقيامــــــــــةِ باقِ

***

يكبو فنحملُهُ على الأعناقِ هذا أولُ التكوينِ مهدُ الطفلِ سلَّةُ دجلة والفراتِ ومبتدِيءُ السلالةِ بالمسلةِ والمساءلةِ العظيمةِ للنجومِ وللسماءِ وبالقصائدِ والنشيدِ

غنّي بلادي ما تيسرَ مِن نشيدِ الحرفِ غنّي ثمَّ غنِّي ثمَّ عيدي

الذاهبونَ الى البحيرةِ انشدوا والعائدون من البحيرةِ أنشدوا والفجرُ أنشدَ والغروبُ المازجُ الألوانَ بالأحزانِ أنشدَ ، والطيورُ أتتْ مِن كلِّ صوبٍ،  كلُ سربٍ يعبرُ الأفقُ المديدَ بشوقِهِ يشدو الى أفقٍ مديدِ

 وصفوهُ يوماً سرّةُ الأرضين، أهلُ الأرضِ أفطنُهم وأفصحُهم وأجملُهم من ساكنيهِ ، ترابُهُ سرُ الخصوبةِ ، رافداهُ السرُ في كنهِ العذوبةِ ،  والجلالُ يزوروهُ ماءً وليلاً حيث فيهِ مياههُ انسكبتْ وأنجمُهُ انسبكتْ تصوغُ السحرَ في العقدِ الفريدِ

 ستراهُ في الأعلى على النجماتِ مرسوماً وفي قاعٍ لنهرٍ رائعٍ ثرٍّ ودودِ

ما خانه الّا البليدُ وما تذاكى في النذالةِ والعمالةِ غير منحدرٍ الى جمعِ العبيدِ يقودُهم مَلكُ العبيدِ

انْ طاحَ في هذا الزمانِ لواؤهُ  لا تبتئس يا عاشقَ النهرين انَّ عدوَّكَ الموبوءَ والمأزومَ والمهزوزَ مهزومٌ ومنفصمٌ و منقرضٌ وأنتَ ورافداكَ لآليءُ التكوينِ في سِفرِ الخلودِ

***

كريم  الاسدي

......................

ملاحظات

أ ـ من أدوات النداء والمخاطبة في اللهجة العراقية الشعبية في كل الأمكنة في العراق التي تتحدث في العربية ـ بل وحتى في لغات العراق الأخرى ـ هناك كلمات عيني وروحي وقلبي التي يخاطب بها العراقي ضيفه أو صديقه أو محدِّثه، ومن الواضح ان العين والقلب أعزما يمتلك الانسان أما الروح فكلمة تعني في اللهجة العراقية الشعبية جوهر الانسان أو الأنسان كله، ومن الجدير بالذكر ان مثل هذه الحميمية في المخاطبة لا توجد عند معظم شعوب الأرض، واستطيع ان أقول انها وبهذه الدرجة العالية اختصاص عراقي

ب ـ هناك  ظاهرة أطلاق لقب (عمّي) أو (أخي) على الغريب أو من يلتقيه العراقي في السفر أو في الشارع والمكان العام ولم يسبق له ان يعرفه، 

فكلمة (عمّي)  تُطلق على الأكبر في العمر وكلمة (أخي) تُطلق على المقارب في العمر.. وفي هذا أِنماء للغريب الى العائلة و أقرب درجات القربى، وهذا حاصل ميراث انساني كبير حيث الجميع أخوة في الإنسانية

ج ـ بيت الضيافة العراقي مؤسس أصلاً للكرم وتأدية وظيفة اجتماعية وأخلاقية واشتراكية فعلاً لا قولا من خلال تقديم الخدمات مجاناً  من أكل وشرب ومبيت والمساعدة في حل المشاكل لكل وافد بغض النظر عن أصله وعرقه ودينه وطائفته ومستواه الاجتماعي أو التعليمي أو المالي أو الوظيفي

د ـ أصناف التمور في العراق عديدة ومتنوعة تنوعَ اشجار النخيل ويصل عددها الى اربعمئة صنف، وتختلف هذه التمور في الحجم واللون والشكل والحلاوة والملوحة والنكهة والصلابة ودرجة و زمن النضج ، ومن الفلاحين مَن يسمح لمتسلقِ نخلةٍ من بستانه ان يحوي من الرطب أو التمر ما يكفي لحاجته دون ان يأخذ معه ما يفيض عن الحاجة  الشخصية، وفي هذا التوجه اشتراكية ماقبل نظريات الأحزاب بقرون نهجها على أرض الواقع فلّاحون عراقيون أميّون ... ومن هذا كله نريد أعادة تعريف العراق الحضاري والإنساني والعظيم لعالم السلطة والمال الجاحد ولأبناء العراق الذين فاتهم في غمرة الفوضى والتزوير والتدجين موقع بلدهم في التاريخ الأِنساني وأهميته لبني الانسان مثلما نطمح الى صيانة الملامح العظيمة التي كوّنت الشخصية العراقية وصاغت قوام العراق النبيل ، وعدم إحلال تفاهة العولمة محل الذهب الذي سبكه التاريخ وصاغته التجارب الإنسانية الكبرى، واذا كان لابد من إضافات بحكم مرور الزمن وتبدل الأحوال فلتكن أضافات جميلة وخلّاقة وبناءة ولا تهدف الى تدمير روح الانسان ومسخه تمهيداً الى تدمير ومسخ وطنه

ه ـ زمان ومكان كتابة هذه القصيدة في يوم الثاني من أيلول  2018 وهي إعادة وتطوير عمل لقصيدتي العمودية  بعنوان (يكبو فنحملُهُ على الأعناقِ) التي كتبتها في الثلاثين من تموز 2018 في برلين وسبق ان نشرتها، حيث أنسج هنا و أقوم بتأسيس نصٍ جديدٍ هو تعشيقة من القصيدة المدورة والقصيدة العمودية في نصٍ واحد

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (12)

This comment was minimized by the moderator on the site

الشاعر العزيز كريم الأسدي
قصيدتك جميلة هادفة تحمل الكثير من المشاعر الصادقة التي تروج للمبائ والقيم النبيلة والشريفة المتأصلة في انسان نظيف شريف مؤمن بوطنه وعروبته
ما خانه الّا البليدُ وما تذاكى في النذالةِ والعمالةِ غير منحدرٍ الى جمعِ العبيدِ يقودُهم مَلكُ العبيدِ
أنت ممن يعيدون للشعر مكانته ورونقه الذي يليق به وبهذه الأمة التي تتململ للنهوض رغم كل المكائد والكائدين. لك مني باقة اقحوان من سفوح جبال الجليل يا ابن العراق الأشم.
تحياتي ومودتي

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

يكبو فنحملُهُ على الأعنـــــــاقِ

هذا عراقُك يا صديقُ، عراقي

يصبو فنرسلُهُ الـــى الأفاقِ

ومكانُهُ في القلبِ والأحداقِ

هذا عراقُكَ يا صديقَ عراقـي

يمضي فنحضرُهُ من الأوراقِ
انه حنين جارف الى العراق العظيم والى مراعي الطفولة والاحلام والصبا ..
احسنت والله اخي كريم .. احس ان قلبك تشكيلة من حنين تسبل دما وارجا ورياحين..
نعم انه نص يقطع الاوردة ويحفر عميقا في المشاعر والقلوب..
دمت متألقا

قدور رحماني
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الجليل الكاتب الجليلي حسين فاعور الساعدي ..
تحياتي ، وشكري على تعليقك المؤثر والجميل ..
للشعر رسالة في الحياة يا أخي ، ومن جوهر هذه الرسالة الانتصار للإنسان ومباركة الحق والجمال في الحياة ..
اذا اعتبرنا أو اعتبر بعضنا ان الشعر شأن جمالي خالص ولا علاقة له بما تصنعه السياسة ، فماذا سنقول حين يحول السياسي المغرور بسلطته وأمواله ومرتزقته العالَمَ من حوله الى أرض يباب ، وماذا سنقول للذي يتسبب في اليتم والثكل والترمل والفقدان والتصحر وخراب البيئة والبستان والانسان وصولاً الى حرق المكتبات وسرقة المتاحف والآثار الفنية وتحطيم اللوحات والتماثيل ..
أكتبُ من زمان في هذا الاتجاه ولم أزل في مركز الحقل الجمالي مثلما أعتقد.. فالعدالة مطلبٌ جماليٌ أيضاً إضافة الى كونها مطلباً أخلاقياً..
دمتً بكل صحة وتوفيق يابن الجليل البهي ..

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الكريم الشاعر الرائع قدور رحماني ..
تحياتي اليك والى النبض الشعري والجزائري الحر فيك ..
أنت تقرأ الشعر بعينيك ولكن أيضاً بقلبك وروحك أيها النبيل ، فالأِبصار عندك عينيٌ وقلبيٌ وروحيٌ ، فلتسلم ويسلم قلبك وروحك وعيناك.
ما حدث مع العراق من قصد تدمير وتحطيم ، ومن تدمير وتحطيم فعليين ، أمرٌ يجل عن الوصف ..
الأِخلاص للعراق من وجهة نظري هو اخلاص للإنسانية والانسان والتاريخ الإنساني بل ومستقبل الانسان ، فهو جدير بمعادلة الكفة المائلة وتصحيح وضع الميزان المقلوب ، بهمّته وهمّة أبنائه الغيارى الطيبين ، وبأِسنادكم انتم أخي قدور..

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

السيد المحترم الشاعر الأستاذ كريم الأسدي
أرجو أن تنتبه
أنّ الموساد الإسرائيلي يدخل أحيانا باسم قبائل عراقية .. الحذر . كلّ الحذر
احترامي

علي الصافي
This comment was minimized by the moderator on the site

كريم الأسدي مساؤك عراقي أيها الشاعر المبدع قصيدتك نفحة عشق ورشة عطر من رائحة النخيل وموال عراقي جميل
وإن قبلت مني أفلا ترى معي أن شرح الشعر يفسده ؟ لقد استمتعت بنشوة الإحساس الميل الذي يتدفق عبر القصيدة شجنً وحباً وحسبك هذا من الشعر أن يصل فيؤثر
تقبل مودتي

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الكريم الشاعر د. وليد العرفي ..
تحياتي ..
أسعدني تعليقك واعجابك بالقصيدة..
أقبل منك النقد حول ان الشرح يفسد بعض الأحيان نشوة الاستمتاع بالشعر..
بيد ان هناك استثناءات حين يحاول الشاعر إيضاح خصوصيات بيئة مكانية معينة ، طقوس شعب، عادات وتقاليد مجموعة بشرية ، ميزات لنوع من النباتات التي تعيش في وسط معين ، ولا يستطيع شرح وتوضيح هذا كله في المتن الشعري فيستعين بالهوامش والملاحظات الموضحة ..أنت كشاعر وابن بيئة عربية قريبة قد تفهمني ، ولكن ماذا عن اخوتنا القراء الآخرين ، وحسب علمي من دراستي للأدب المقارن والأدب العربي في جامعة برلين واشتغالي بعد هذا بالتدريس الجامعي ان بعض قصائدنا تترجم الى لغات أخرى وتُدرّس ..
الملاحظات والشروح اعانة للغريب عن وسطنا في فهم موضوع القصيدة ومقاربة فحوى البوح الشعري فلا يبقى محض ألغاز ، ولا سيما ان القصيدة تنتصر لبلد وشعب وتاريخ ..
دمتَ بصحةٍ وسرور ووحي ابداع أخي وليد.

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الى صاحب التعليق المعنوّن باسم ( علي الصافي ) ..
لا أعرف حقاً شخصاً بهذا الاسم ، ولم يسبق لعلي الصافي ان علّق على مواضيعي المنشورة وعددها بالمئات ، حيث انشر منذ أكثر من ربع قرن.
اليوم يأتي تعليقه ولا يتحدث عن القصيدة والجانب الشعري والفني ، بل يحذِّرني من المخابرات ..
سواء كان اسمك حقيقياً أم مستعاراً لا تعلّق على مواضيعي المنشورة بعد الآن ..

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الفاضل الشاعر كريم الاسدي

يا هاتفاً (عيني) اذا خاطبتَهُ
ومردداً ( روحي) أوانَ تلاقِ

و مكنيّاً (عمّي)، (أخي) لمسافرٍ
أو عابرٍ في شـــــــــارعٍ وزقاقِ

بالفعل هذا هو العراقي الاصيل ابن البلد العريق وليس اولئك الذين غزوا البلد مثل الجراد في عهد انحطاطه المقصود. وهذا ما عبرت عنه ابلغ تعبير:

انْ طاحَ في هذا الزمانِ لواؤهُ لا تبتئس يا عاشقَ النهرين انَّ عدوَّكَ الموبوءَ والمأزومَ والمهزوزَ مهزومٌ ومنفصمٌ و منقرضٌ وأنتَ ورافداكَ لآليءُ التكوينِ في سِفرِ الخلودِ

القصديد بشيقها العمودي والمدور رصينة المبنى والمعنى. وفي رأيي ان القصيدة المدورة ابلغ معنى وامتن بناءا وقد حرصت هنا ايضا ان تلتزم القافية بعد الجمل الشعرية الطويلة. وقد اعطاك هذا المنحى حربة اكبر للخوض في الموضوع رغم تمسكك بالوزن كوحدة واحدة في بناء النص.

دمت مبدعا أخي كريم

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

أعتذر عن بعض الاخطاء الطباعية الواردة في تعليقي

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الشاعر عادل الحنظل ..
تحياتي ، ثم شكري على تعليقك واهتمامك ..
هذا النوع من الكتابة الشعرية في التعشيق والتوليف بين القصيدة العمودية والقصيدة المدورة المشتقة من نفس النسيج ابتدأت بكتابته قبل سنوات رغبة في التجريب والتجديد أولاً ، ثم وبنفس الأهمية لمنح المواضيع التي اكتب فيها حيزاً أكبر من حرية الحركة وأشكال التعبير . لا أعرف حقاً ان كان هناك شاعر قد سبقني اليه .. سابقاً وفي فترة الحصار الجائر على الشعب العراقي وحين بدأ المثقفون العراقيون يبيعون كتبهم وما حوته مكتبات بيوتهم في بسطات في الشوارع كتبت قصيدة تجمع بين العمود والتفعيلة والنثر وأهديتها الى الأديبين محمد خضير وحسب الشيخ جعفر آنذاك ( منتصف التسعينيات ) في القدس العربي في لندن . حينها بدأت افكر جدياً في توسيع مدى التجريب في العمودي والمدور وبقية انواع الكتابة الشعرية.
لدينا مواضيع مهمة جداً نحن العراقيين منها اننا ننتمي الى بلدٍ يتعلم التلاميذ في كل انحاء العالم تقريباً انه أصل العالَم ومبتدئ حضارات العالَم لكن العالَم الذي يسمي نفسه ( العالَم المتحضر ) هاجمه بلا هوادة ومثَّل به ونشر في ربوعه الغازات السامة والأمراض والجوع والفرقة والفتنة
والرعب ، وان بعضنا تطوع لمساعدة المعتدي فحمل معه معول الهدم ضد بلده منكِراً مهد طفولته وموطن شبابه ومسقط رأس امه وأبيه ومكان وزمان نشأته الأولى في بلد نشوء الإنسانية الأول ..
لم أزل امتلك الكثير من صنوف التجريب بعد يسندني خزين هائل اسمه العراق.
أسعدني تعليقك حقاً .. أما الأخطاء الطباعية فطفيفة صححتُها بالقراءة.
دمتَ بصحة وتوفيق أخي أ. د. عادل.

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

كلمات جميلة هذه التي دخلت قاموس الأدب والخلق الإجتماعي (عيني .روحي. قلبي. عمي . أخي)
تحتاج إلى دراسة أنروبيولوجيا الشعب العراقي المتحضر بعلمه وخلقه وعروبته وتاريخه وكل ما يمت
بصلة للإنسان .
الأستاذ كريم لشعرك متعة في قراءة القصيدة بمفراداتها الرائعة ومصاحباتها اللغوية كمن يتمتع برؤية أسماك
متعددة الأشكال والألوان في حوض ماء زجاجي . تحية تليق ودمت في رعاية الله وحفظه.

تواتيت نصرالدين - الجزائر
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4974 المصادف: 2020-04-18 02:07:49