 نصوص أدبية

موت الاعزب

ناجي ظاهرانتشر في مقبرة الناصرة التحتا خلال دفننا جثمان الصديق  ساهر الاخرس، في لحظة اسية من عام 1985، غبار غريب اتفقنا، نحن اصدقاء الراحل، اننا لم نشاهد مثله من قبل واتفقنا على انه حمل الينا رسالة الفراق الابدي لرجل مُهجّر عزيز وغال. بعد ان قمنا بواجب العزاء وتفرقنا كل في طريق، استوقفني صديق ثالث، وسألني عن رأيي في انتشار ذلك الغبار فهززت رأسي اشارة الى انني اود لو اسمع رايه هو، لكن ذلك الصديق لم يجب وبادر بسرعة الى سؤال اخر عما اذا كنت اعرف قصة حياة الراحل الكريم، في السابعة والخمسين من عمره وعدم زواجه رغم انه لم يكن ينقصه لا مال ولا علم ولاجاه، فأجبته بالنفي، فأضاف يقول انها قصة حزينة ملآى بالألم والمعاناة واعتقد ايها الكاتب ان كتابتك لها ونشرها ليقرأها الناس يعتبر امرا مهما لما حفلت به من معان وفاضت به من رعشة المأساة، وشدني محدثي من يدي طالبا مني ان اقتعد بقايا مقعد خشبي قام قريبا من المقبرة وشرع يروي قصة ساهر الاخرس منذ بدايتها المبشرة حتى نهايتها المنذرة. قال:

ولد ساهر الاخرس في مدينة يافا الفلسطينية- عروس البحر، لعائلة موسرة فأبوه يعمل مديرا لمدرسة وامه تعمل في سلك التعليم ايضا، لهذا حرص والداه على تربيته افضل تربية، وحفزاه دائما ليقرأ امهات الكتب العربية والاجنبية، ما جعله يمتلك ثروة ثقافية نادرة اغنت حياته واثرتها، والهته عن الارتباط بابنة الحلال، وكثيرا ما كان والداه في ليالي الشتاء العاصفة يقولان له.. وسط صخب البحر وعنفه، ان الوقت حان لأن ترتبط بابنة حلال تنجب لنا حفيدا ينوّر حياتنا ويخلّد ذكرنا، فكان الاخرس يرسل نظرة حالمة إلى البعيد، ويتصور انه سيرتبط بحورية بحرية تليق به ويليق بها، ويقول لهم على مهل. وعندما قارب عمره العشرين، حاولت والدته ان تضعه تحت الامر الواقع فهمست ذات سهرة في اذنه انها تنوي ان تخطب له ابنة خالته، فانتفض قائلا لها انه لن يتزوج بالطريقة التقليدية وانه يفضّل ان يتزوج بطريقة تليق به وبثقافته العالية، وان يعثر برغبته الخاصة على ابنة الحلال المناسبة. واغمض عينيه ليرى حوريته البحرية تغمز له بعينها الشهلاء.. فتخلب لبه.. واعدة اياه بان تكون له وان.. يكون لها.

يبدو ان الحاح والدة ساهر عليه بان يرتبط وينجب، ينوّر ويخلّد، قد اثر فيه أيما اثر، فراح يبحث بعينيه الحالمتين عن حوريته في كل زاوية وركن حلّ فيه، زاد في وضعه هذا نظرات والده المتسائلة الصامته، وقد بقي وضع الاخرس يجري على هذه الحالة، الى ان وقعت له حادثة غريبة ستتسبب في اقوى انعطافة في حياته وسوف يكون لها ابلغ الاثر على ما تلا من ايامه وسنينه.

كان ذلك خلال جلوسه ذات مساء على صخرة شاطئية ومناجاته  بحره.. وتساؤلاته الابدية الى ما ستصير اليه البلاد، وقد خرجت من ثورة ودخلت في حرب، واي مستقبل ينتظره؟ وينتظر والديه بالتحديد، في تلك اللحظة شاهد مجموعة.. سرعان ما تبين له انها من الشبان اليهود، تعترض طريق صبية لم يسبق له ان رآها هناك من قبل، رغم جلوسه اليومي على صخرته تلك، لكن سرعان ما تبين له من لكنتها وملابسها انها فتاة عربية قروية، واثار حنقه ان اولئك الشبان قاموا بمعاكستها، ما تسبب لها بشيء من المضايقة ونشر الاشمئزاز على محياها، عندها تقدم طالبا منهم ان يكفوا عن معاكسة الفتاة، وعندما سألوه عن سبب تدخله ذاك، اجابهم قائلا: انها خطيبتي. ابتسمت الفتاة ودنت منه حيث عاد للجلوس على صخرته.. مؤدية دور الخطيبة، وسرعان ما سرت دماء المحبة في عروق الاثنين، فأرسل كل منهما نظرة نحو الآخر، وكأنما هو يود ان يقول له إنني عثرت عليك اخيرًا. ابتعد الشبان اليهود عن ساهر وخطيبته، مفسحين لهما المجال لأن يعيشا لحظة يتمنى كل شاب ان يعيشها، وليجري الحديث فيما بعد رقراقا مثل مياه البحر الحبيب. مضى الوقت على الاثنين غاذًا خطاه نحو الليل ونجومه.. وقمره، ولم يفترق الاثنان الا بعد ان تعرف كل منهما على الآخر، وكان اهم ما عرفه ساهر عن تلك الفتاة انها وفدت مع ذويها من احدى القرى المجاورة، بعد مقتل والدها على يد العصابات الصهيونية الغازية، وتركه اياها ووالدتها مكلومتين ووحيدتين.. وانها تدعى مريم الطوافشة. ودفعت مشاعر المحبة الاخرس لأن يسأل مريم.. متى سيراها مرة اخرى.. فردت عليه وهي مولية مثل حورية بحرية فاتنة، مساء غد على تلك الصخرة.. وقبالة ذاك البحر.

بعد ساعات من لقاء ساهر بحوريته مريم، عاد إلى بيته.. لترى والدته في عينيه فرحا طالما انتظرته وعملت على اخراجه للنور والحياة، ولتسأله عن سبب فرحه ذاك، فاخبرها بما حصل، منذ البداية المقلقة الى النهاية السعيدة، فعادت تسأله عما اذا كان سيقوم بخطبة الطوافشة؟ فابتسم الاخرس، لتفهم امه ان عقدة عزوبيته قد انحلت، وانه انما يقف حاليا على ابواب الجنة المتمناة... ابتسمت الوالدة الفرحة وعيّنت خيرا.

توجّه ساهر قبل مساء اليوم التالي الى صخرته البحرية العتيدة وهو يفكر في حوريته وما اذا كانت ستأتي ام ستخلف ميعادها.. كما تفعل بنات تلك الايام، وما ان اطل من زقاقه الضيق على الفضاء البحريّ الرحب حتى رآها.. رأى مريم تقتعد صخرته، وترسل انظارها الى البعيد كأنما هي حورية خرجت من هناك وتود ان تعود الى منبتها البحري. انتابت الاخرس حالة من المحبة توجها فهمه انه انما التقى اخيرًا بشبيهته الابدية وتوأم روحه.. قلبه وعمره.. التقى بالمرأة التي قرأ عنها في امهات الكتب وتغنى بها اروع الشعراء مشيرين الى مواصفاتها وخصالها الفاتنة. عندما اقترب الاخرس من الطوافشة، كانت موليّة وجهها للبحر، لذا حرص على مفاجأتها، فاقترب رويدا.. رويدا. وفاجأها سائلا اياها: ماذا تفعلين هنا؟ وخلافا لكل توقعاته، ردت على مفاجأته بمفاجأةٍ مُساويةٍ: بل قل لي ماذا تفعل انت هنا. كان واضحًا من كل حركة وكلمة ان اتفاقًا مُضمرًا قد ابرم بين الاثنين وانه ما على كل منهما الا ان يهيئ نفسه لأجمل الايام، واطيب الاحلام.

تواصلت اللقاءات بين ساهر ومريم، وتعمّقت اواصر المودة بينهما، وعندما تأكد الاثنان من ان حياة كل منهما لن تستمر الا مع الآخر و.. برفقته، اقترح ساهر على مريم ان تحضر معه لزيارة أمه في بيتها البحري، وما ان تقدم اليها باقتراحه هذا، حتى ابتسمت ووضعت يدها على فمها وهي تقول له ان عمره اطول من عمرها وانها كانت في تلك اللحظة بالذات تنوي ان تدعوه لتُعرّف والدتها عليه، في تلك اللحظة بالتعيين والتحديد، استمع الاثنان الى هرج ومرج في الشارع رافقه لعلعة رصاص وتراكضات في الميناء وقريبا من السفن الراسية هناك. امسك ساهر بيد مريم، وركض باتجاه بيته، إلا أن قذيفة مجنونة انفجرت بقوة رهيبة بين الاثنين لتفرق بينهما..، ولتدفع كلًا منها لان يركض في اتجاه.

بعد ان وصل الاخرس الى بيته وجد امه واباه قد حزما ما خف وغلا ثمنه من امتعتهما، وتوقفا تحت شجرة الليمون الكبيرة في باحته، وبدون ان ينطق احد بأية كلمة، انطلقوا جميعا نحو المجهول، وطارت بهم السيارة باتجاه الناصرة، مبتعدة عن يافا وبحرها.. حوريتها وعروسها ايضا. في الناصرة اقامت العائلة عند اقارب لها ريثما استأجرت بيتا في حي النمساوي، وهناك قررت ان تستقر فيه ريثما تهدأ الامور.. وتعود الى مسقط رأسها، الا انها لم تعد، وقد حاول الاخرس اكثر من مرة البحث عن الطوافشة، إلا انه لم يعثر لها على أي اثر، وقد اقسم وهو يودع امه.. وهي على فراش الموت.. الا يرتبط بامرأة غير مريم، فبكت امه إلا ان دموعها لم تسعفها هذه المرة. بعد رحيل امه رحل والده مكلوما حزينا، فأقام الاخرس في بيته المستأجر في حي النمساوي على امل ان يلتقي فاتنته ويتزوج منها كما رتّب وخطط، الا ان الايام والتهجير خالفاه فرسما له مصيرًا آخر.. غير ذاك المتوقع.. وبقي ينتظر الطوافشة حتى يومه الاخير..

*بعد ان نطق محدّثي بكلماته الاخيرة هذه همت دمعة من عينه.. واخرى من عيني.. فتهت في يافا وبحرها، في عريسها وعروسها.. ولم يخرجني من متاهتي تلك الا صوت محدّثي يقول لي: هل عرفت سبب انتشار ذاك الغبار خلال دفننا له؟ فهززت رأسي علامة الموافقة.. ومضيت في متاهتي العن التهجير ومسببيه.

 

قصة: ناجي ظاهر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5007 المصادف: 2020-05-21 04:12:23