 نصوص أدبية

تتويج مرفوض

مالكة عسالفي سريري أقسَم النوم ألا يلامس جفني، فطفقت رأسي تتدحرج بين الأغطية والأسقف، وبلْيَتا عيني تحدقان في شريط النور المنزلق عبر بسمة الباب.. فخيل لي أو أنا اعتقدت .. لا أدري.. أنني في محراب الأدب مقيدة بمواقفي، مجبولة بتأمل ذريع للكون والإنسانية، موشحة برؤية جديدة، تأتينا بغد فخم، موَسّم بأزهار الرونق والمجد؛ تعاهدنا على الوفاء لبعضنا البعض؛ أن يغسلني مما يصيب البعض من الإنسان من رذائل الطمع، والسطو والغش والخداع والمكر؛ وأن أصونه من قذفه في مستنقع، لا يليق بشيَمه السديدة، ومقاصده المقدسة.. وعليه، علقت في جيده ثلاثَ تمائم متراصة:

ـ التميمة الأولى ألا يخضع للمساومة، وألا يعرض نفسه في سوق النخاسة، ليباع كما تباع قطعان الأغنام في الأسواق، أو كما تباع زيوت الشعر والأصباغ والمساحيق في المحلات على الهوامش..

ــ التميمة الثانية، ألا يبني نفسه تحت الطلب، فيخنع للرغبات الطائشة، تزيد من لجْمه بأسوار العتمة، مما يغلق أمامَه آفاق الضوء، فيعيش أبد الدهر تحت نقرات سياط المذلة، تنتهي أخيرا بتشييعه في مستنقع الأوكار المهجورة..

ــ التميمة الثالثة: ألا يخضع للتشكيل، فيهَب نفسه لأياد مصلحية، تهيكله في إطار مجمّد كيف شاءت؛ فيصبح كالمخلوق الذّميم، يُقوّم ملامحه بعمليات تجميل متلاحقة، تُفقده ملامحه الأصلية، فيصبح غريبا عن نفسه..

ولقحني هو بثلاثة أمصال نزيهة..

- المصل الأول: ألا أنساق لأصوات الأبواق المبحوحة، أصوات جعجعة دون طحين، بينها وبين الواقع، مقابر، وأموات، وتوابيت حِيكت من لغة الخشب..

- المصل الثاني : ألا أعلق مغامراتي الأدبية على مشجب أطماع مُنهَكة، في زمن، تُواجَه فيه الثقافة بالعصي، وتُهَلّل على أنقاضها أعراسٌ من التلهية، تتوهج بالتيه والضلال، في طريق فسيح عريض يفضي إلى سرداب ...

- المصل الثالث، أن أتسلح بمبدأ أكون أولا أكون، أتحمل اللسْع لو وضعتُ يدي في عش الدبابير؛ أي أحلل العابرات المارات من فوق الهامات، وأكسر أصابع الإبهام، التي تسدد طلقاتها لزرع الخلل في الأمكنة المحظورة..

على طاولة التحدي وقعنا المعاهدة بحضور الذات والنفس والفكر والصفائح والأحبار.. لنترك معا، بصمة ذهبية في دفترنا الأبيض.. لما غادرنا المكان، استوقفتنا منصة منصوبة، وهتاف وأهازيج...

قيل لنا كان التتويج للدف والدربكة، و(هز ياوز) في انتظار إعدام الفكر المتلألئ في محرقة...

 

مالكة عسال

بتاريخ 26/05/2020

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذة المحنرمة مالكة عسال صباحك ورد ومحبة
تتويج مرفوض: نص جميل يحدد للكتابة معالمها في أطر الإلتزام
ليبقى المثقف سيدا وتبقى الثقافة روضة ساحرة بكل جميل وأن يكون
كل تتويج في مكانه واعطاء القوس باريها بعيدا عن المجاملات
وهذا ما يجب أن يرسم معالمه كل كاتب نزيه حتى لا يصبح أداة في
يد غيره تسعمل لأغراض ومواقف تشوه الأدب والمزاج.
تحية تليق أستاذة مالكة . ودمت في رعاية الله وحفظه.

الأستاذ / تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية للأديبة مالكة عسال بمناسبة نشر هذا النص الأدبي الجميل المرصع بالفكر والمسبوك بأسلوب سلس جذاب.
علي القاسمي

علي القاسمي
This comment was minimized by the moderator on the site

الفاضل علي، النص لا مكانة له دون قارئ متفحص يتذوقه..تحيتي لردك الطيب

مالكة عسال
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي تواتيت، لقد أعطيت للنص حقه، ووضعت إصبعك بالضبط على مقاصد الكاتبة، بل وأضفت شيئا لم يكن في علمها، وتكون بهذا قد زرعت دماء جديدة في جسد النص ليحيا ..أحييك بكل معان الكلمة الراقية

مالكة عسال
This comment was minimized by the moderator on the site

نص يوثق بإحكام الاغتسال بصباح من رئات البياض.. ومقيدًا
باقتدار بصقيل من رخام القناعة المخمرة بنبض الفيض الرشيد..

دمت بعافية الكتابة

طارق الحلفي
This comment was minimized by the moderator on the site

حين تتناسل الحفر في القلب، ليس لنا غير الحرف لردمها ..مودتي لومضتك الرقيقة سيدي طارق دمت طيبا

مالكة عسال
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5014 المصادف: 2020-05-28 02:49:44