 نصوص أدبية

عبد الكريم قاسم ثانية

كريم الاسديالراجعونَ على رجعِ الصدى رجعوا  

والسامعونَ على وسعِ المدى سمعوا

 

ستون عاماً مضتْ ، والاسمُ صاعقةٌ

حيناً ، وحيناً ندىً في الغصنِ يلتمـعُ

 

عبد الكريم ومــــا أسماكَ مرتبةً

بينَ النجومِ بليلِ الصحوِ تستطعُ

 

عادوا اليكَ ، الى نبعٍ وســاقيةٍ

من الشمائلِ تزهو حينَ تجتمعُ

 

فالجودُ والنبلُ والأِشفاقُ أكرمهُ

والطيبُ والحبُّ والأِقدامُ مندلعُ

 

مثل الحريقِ سرى يزري بمظلمةٍ

حتى أصابَ عِداكَ الخوفُ والهلعُ

 

ففي كفاحــــــــــكَ جيفارا ورفقتُهُ

وأنتَ فردٌ ، وهمْ بِضعٌ اذا جُمعوا

 

ما أنتَ منفردٌ بالحكمِ يا أبتي

بل أنتَ منفردٌ بالنبلِ يرتفعُ

 

أرجعتَ للبائسِ المغدورِ ثروتَهُ

مِن الوقارِ ومِن مالٍ بِهِ طمعوا

 

هرعتَ صوبَ عــراقِ اللهِ تسندُهُ

فحرَّكَ الشرَ خبثُ القصدِ والفزعُ

 

يامَن مشيتَ دروبَ الليلِ منفرداً

حتى تعودَ مريضاً مسَّهُ الــوجعُ

 

يا قاسمَ الراتبِ الشخصيِّ تحملُهُ

في جيبِ بَدلةِ جنديٍ به ولَــــــعُ

 

انْ يطعمَ الناسَ من كفّيهِ اِنْ سغبوا

ويكتموا ذِكرَ هذا الفضلِ اِنْ شبعوا

 

اِنّا نحبُّـــــكَ أسمى الحبِّ تسندُنا

بواسقُ النهرِ وِتْراً سوفَ  ينشفعُ 

              *** 

بالسالكينَ طريقَ الحقِّ طالَ بِهمْ

وجمرُهُ في صميمِ الكفِّ يلتذعُ

 

بالصائحينَ تهدُّ الظلمَ صيحتُهم

ومِنْ دهورٍ لها الأصداءُ ترتجعُ

 

حتى كأنَّ هتافَ الحقِ مُختَزَنٌ

طيَّ السماواتِ لا يخبو ولا يقعُ

 

والعابرينَ الى سوحِ الصراعِ على

غابٍ بِهِ ألسنُ النيرانِ تندفعُ

 

تُذكى وقدْ أشعلَ الشيطانُ جذوتَها

وهمْ نفوسٌ معَ الشيطانِ تصطرعُ

 

أنهارُهمْ آنَ لَفْحٍ لاهبٍ شرسٍ

أرواحُهمْ ، وفيوضُ الوجدِ تتسِعُ

 

وسْعَ السماءِ وما ضمَّتْ كواكبُها

وسْعَ البحارِ بها الأسرارُ تنزرِعُ

 

لَأنتَ فيهمْ اِمامٌ من أئمتهمْ

شفيعُهُ انّهُ عونٌ لِمَنْ شَفعوا

***

 كريم الاسدي

.......................

ملاحظات:

1 ـ عبد الكريم قاسم هو مؤسس الجمهورية العراقية بعد التغيير الذي حدث في 14 تموز 1958 . كان رئيس وزراء العراق منذ هذا التاريخ وحتى انقلاب الثامن من شباط  1963 .  أستشهد مع بضعة رفاق له في وزارة الدفاع في بغداد وهو يحاول صدَّ الانقلاب الذي استعان بالطائرات ..ما معروف عنه انه انسان بسيط من الشعب ، كان يوزع راتبه الشخصي على الفقراء والمرضى والمحتاجين ، ويجالس العامّة ، ويتمشى ويتفقد أحوال الناس بدون حماية . الى هذا فهو متواضع جداً في ملبسه وطعامه وسكنه . حينما مات لم يكن يمتلك قصراً أو عقاراً أو مزرعة أو رصيداً في مصرف عراقي أو عربي أو أجنبي ، كان يقيم مع أهله في بيتهم البسيط مثل عوائل كادحي العراق ، وكل ثروته بعد مماته كانت أقل من عشرين ديناراً عراقياً أي ما يعادل ستين دولار .. هذا ما يرويه عنه أعداؤه ويعرفه أصدقاؤه ..

2 ـ  زمان ومكان كتابة هذه القصيدة حتى الفاصل الأول: اليوم العاشر من تموز 2018  ، في برلين ، أما الأبيات التي بعد الفاصل الأول فشرعتُ في كتابتها في يوم 15 من تموز 2020 ، وفي برلين أيضاً.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (15)

This comment was minimized by the moderator on the site

اذا يقتل غدرا في وطن أشرافه فماذا تنتظر من جوف السماء أن تمطر؟
الاخ الشاعر كريم الاسدي کما يقولون العصی لمن عصی، فالشعب الخشن كيف يقبل بأنسان مرن متوازن ان يحكمهم؟ ولا يزال احفاد قتلة الحسين احرار يصولون و يجولون في العراق کيفما يشاءٶن، ولا تنسی ماقاله الملك فيصل لقاتله الضابط (عبدالستار سبع العبوسي)في المنام: لماذا قتلتني وما أضرت بك أبدا.. فظاهرة تواضع عبدالكريم القاسم صارت حلما لا يتحقق في الواقع بد، لكن کان من الاجدر به ان يناضل من اجل احداث انقلاب في مفاهيم الناس و عقولهم، لأن التغير الحقيقي يبدء من هناك، و شكرا لجهودكم الطيبة و معدنكم الجميل و هذه القصيدة الراقية التي تعبر عن احلام کل الشرفاء.

متابع
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ / الزميل الذي كتب باسم متابع ..
تحياتي ..
فترة حكم عبد الكريم قاسم كانت حوالي أربعة أعوام ونصف فقط ..احداث انقلاب في مفاهيم الناس وعقولهم ايجابياً عملية شاقّة وطويلة تحتاج الى عقود . عمليات التدمير سهلة على الأغلب ولكن عمليات التأسيس والبناء صعبة جداً في هذا الصدد.. ومع هذا فقد انجز عبد الكريم قاسم ورفاقه في هذه الفترة القصيرة منجزات مدهشة على صعيد التعمير والاعمار والانشاء والتأسيس في البنى التحتية ، وهناك قائمة بأكثر من مئتي منجز في عهده ، وما انشاء مدينة الطب في بغداد سوى منجز واحد من هذه المنجزات .
حبذا لو كتبتَ باسمك الحقيقي ، ولا سيما ان رأيك ايجابي الآن بهذه القصيدة.

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

ستون عاماً مضتْ ، والاسمُ صاعقة
حيناً ، وحيناً ندىً في الغصنِ يلتمـعُ
---
إنها المآثر الباقية مآثر الزعماء والعضماء الذين ما مسهم
مس من التغيير والتبديل
تحية تليق الشاعر الفاضل كريم الأسدي ودمت في رعاية الله وحفظه

تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الكريم الشاعر تواتيت نصر الدين ..
تحياتي ..
عبد الكريم قاسم انسانياً ووطنياً ينتمي بالفعل الى صنف القادة الكبار عالمياً مثل المهاتما غاندي وتشي جيفارا هؤلاء الذين قنعوا بالقليل والخشن وأعرضوا عن الكثير الترف وكان جل هدفهم خدمة الشعوب والبشرية. لقد عجز أعداؤه عن ايجاد أي ثغرة تمكنهم من التشهير به بعد موته ، وبعضهم أعترف ونشر اعترافه في كتب ومقالات ..
بالمناسبة هو من أعظم مؤيدي الشعب الجزائري والثورة الجزائرية .. سمعتُ ـ ولم أكن متأكداً ـ ان هناك شارعاً في الجزائر يحمل اسمه. أتمنى ان يكون الأمر صحيحاً فأنا اتابع أخباره انصافاً لشخصه العظيم حقاً ومسيرته الرائعة بالفعل ..
تسلم أخي تواتيت..

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز كريم الاسدي،

جميل ذكراك وشعرك حول شخصية عراقية بهذا النبل والحضور التاريخي الجميل النادر في عالمنا العربي.
قصيدة وفاء للذكرى وهذا حقا مروءة منك ...

حتى كأنَّ هتافَ الحقِ مُختَزَنٌ
طيَّ السماواتِ لا يخبو ولا يقعُ

دمت في خير وعافية أخي الشاعر الجميل.

ياسين الخراساني
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الكريم الشاعر المغربي ياسين خراساني ..
تحياتي ..
في عصرنا هذا من الصعب مقارنة عبد الكريم قاسم بأي حاكم عربي فيما يخص الزهد والنزاهة والعفَّة والتواضع والشجاعة والعدالة والتسامح والانتماء الى هموم الناس والفقراء والكادحين منهم خاصة .
انه ومن هم من صنفه عاشوا في الأرض ومكانهم الحقيقي في السماء لكنهم لا يأفلون ولا يخبون مثل الكواكب والنجوم ، ولا يقعون مثل النيازك والشهب والأمطار ، انهم في الأعالي دائماً لأن المجد حليفهم الأبدي..
دمتَ بأحسن حال أخي ياسين.

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ كريم الأسدي تحية لائقة بقصيدة جميلة لشخصية أجمل
وليت أن الشعراء يمدحون من يستحق فقط ولو كان المديح موضوعيا فكم سنجد عندها من قصائد المديح في شعرنا العربي منذ النابغة الجاهلي وصولا إلى النابغة الأسدي عاطر التحايا

د. وليد العرفي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الكريم الشاعر د. وليد العرفي ..
تحياتي ..
أبغض ( الشعر) عندي هو مدح مَن لا يستحق المديح لذا أحذفه من قائمة الشعر ..
لا أستطيع مجرد التصوّر انني سأمدح يوماً حاكماً عربياً .. لا ، لا أفعل هذا حتى مقابل الملايين من الدولارات.
أما عبد الكريم قاسم فهو أب العراقيين ، والذي يوزع راتبه على الناس ويستدين من رفاقه الى رأس الشهر هو أبو الناس وأبو الشعب ..الزعيم عبد الكريم قاسم كان يأكل وجبة الغداء اليومية المتواضعة جداً مثل أي كادح عراقي في مكتبه البسييط في وزارة الدفاع ومن قدور الصفرطاس ـ أو السفرطاس ـ الذي ترسله له عائلته يومياً وهو عبارة عن ثلاثة أو أربعة أوعية أو قدور صغيرة من الألمنيوم مرّكبة فوق البعض .. يسمونه الآن صفرطاس الزعيم وفي ألأمر وجه مقارنة واستغراب .
سلمتَ أخي وليد ودمتَ في صحة وابداع..

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

"يا قاسمَ الراتبِ الشخصيِّ تحملُهُ
في جيبِ بَدلةِ جنديٍ به ولَــــــعُ".

عبد الكريم قاسم بما له وعليه، سيبقى زعميًا للفقراء.
كان زاهدًا فزهد به الشعب.

قصيدة رائعة أخي الاديب والشاعر الكبير كريم الاسدي.
دمتَ مبدعًا تحت رعاية الله
مع الود والتقدير

يوسف جزراوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الأب الفاضل الأديب يوسف جزراوي ..
تحياتي ..
اعتقد ان عبد الكريم قاسم كان متأثراً جداً بشخصية عيسى بن مريم ، وفي سلوكه شبه من سلوك المسيح والامام الحسين عليهما السلام .. لذا كان مقتله غدراً وهو صائم في رمضان يشبه مقتلهما ، حيث ان هذا السلوك النبيل يوغر صدور الاعداء ويخيفهم بنفس الآن ، وفي بعض الأحيان يجتمع الغدر مع القسوة بسبب جُبن الغادر وخوفه..
أمنياتي لك بالابداع والصحّة والتوفيق ..

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الشاعر الصادق كريم الاسدي
باقات ورد عطرة

اسمح لي ان أخالفك الرأي. فقصيدتك هذه ليست قصيدة مدح كما أشرت في أحد ردودك. ولا قصيدة مناسبات كما يسميها بعض الأخوة. هذه قصيدة وجدان. هذه قصيدة نازفة من ضمير يعشق الحرية ويحترم الشرفاء. هذه قصيدة عشق طاهر نقي للقيم والمبادئ. وليس كذلك المديح.
هذه لوحة شموخ وإباء مرسومة بخلجات قلب نقي ونبضات ضمير حي لا يداهن ولا يهادن.
هذا النوع من القصائد يكون مسبوكاً بدماء القلب ونبض الروح وزفرات الشوق الصوفي المقدس. ولا يجوز تسميته بالمديح والتقليل من شأنه. لنسمي هذا النوع بالوجداني أو بالضميري أو بالعشقي. لأنه لا إرادي وفوق السيطرة. يشق طرقه ويفرض حاله دون استئذان. وهذا النوع لا يكتبه إلا العشاق الكبار أصحاب النفوس العفيفة الأبية والضمائر الحية الصادقة.
رحم الله حبيبنا عبد الكريم قاسم هذا الأبي النقي التقي.
مودتي واحترامي

حسين فاعور الساعدي
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الحبيب حسين ..
تحياتي ..
من الأشياء التي تؤسفني ان المتنبي كتب قصائد مديح .. أرى الأمر اجحافاً بحق موهبته .. أعتقد ان الملوك والامراء ومملكاتهم واماراتهم كانوا في ذاك الزمان مثل المعاهد والمؤسسات الثقافية الحاليّة التي تتعهد بعضَ الادباء والشعراء وترعاهم وتدعمهم مالياً ، وفي كل حال هناك ثمنٌ يدفعه الشاعر واحيانا من شخصيته وعلى حساب قناعاته ، اللهم الّا اذا كان الممدوح نبيلاً وصديقاً مُثمِّناً للأدب والشعر ويستحق ما قيل فيه .
كتب أبي ـ رحمه الله ـ على مدى أعوام قصائد للجمهورية العراقية ولثورة 14 تموز ومجَّد بلد الرافدين و العراقيين وقائدهم عبد الكريم قاسم في قصائده التي كانت تذاع من اذاعة الجمهورية العراقية في برنامج للشعر الشعبي يشرف على تقديمه شاعر شعبي عراقي اسمه أبو ضاري ويقرأ قصائد الشعراء بصوته آنذاك .. وأنا لا أعتبرهذا مديحاً أيضاً لأن والدي كان مقتنعاً ان ما يقوله بحق العراق والعراقيين وزعيمهم عبد الكريم قاسم صحيح ، وأنا مقتنع بهذا أيضاً لأن أبي لم يمدح الرؤساء الذين أتوا بعد عبد الكريم ولا الملوك الذين حكموا قبله ..وكان للقصائد أثرٌ في رفع الهمم وتعزيز الأمل الشعبي العام حيث كان الفلاحون من أبناء المنطقة ينتظرون القصائد من الاذاعة ويسمعونها في المضايف وبساتين النخيل من المذياع الذي يحملونه معهم . الاشادة عن قناعة بزعيم أو رئيس سلك درب الحق ونهج سبيل العدل وضحّى من أجل وطنه وشعبه وانتصر للانسان والانسانية أمرٌ صحيح لأن فيه اسناد للصحيح .. أنت محقٌ تماماً في تحليلك ورأيك .
ان من يشيد بالمهاتما غاندي أو بالثائر جيفارا يختلف عن الذي يمدح ملكاً من ملوك النفط تُقام على أرضه القواعد العسكرية الأجنبية ، وتنطلق منها الطائرات لتقصف اخوته المدنيين وأطفالهم في بلد شقيق ..
سلمتَ أيها الشاعر والأديب والناقد والى المزيد من الابداع..

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

هرعتَ صوبَ عــراقِ اللهِ تسندُهُ
فحرَّكَ الشرَ خبثُ القصدِ والفزعُ

يامَن مشيتَ دروبَ الليلِ منفرداً
حتى تعودَ مريضاً مسَّهُ الــوجعُ

الصديق الشاعر الوطني كريم الاسدي
نحن من الجيل الذي شهد سنين عبدالكريم قاسم كلها بوعي متوسط، فقد كان عمري 11 سنة حين انقلب الشر على الخير وقتل الزعيم. كنت ارى في صغري الكثير من الفقراء يترحمون عليه وقد بكوا كثيرا لمقتله. كان الرجل وطنيا بحق ولم يستطع احد من اي جنس ان يتهمه بالعمالة او الفساد او الاسئثار بالسلطة المطلقة. ولكن حين كبرنا عرفنا ان القائد مسؤول عن تصرف رعيته، ولهذا في الدول المتقدمة نرى ان الوزير يستقيل اذا تسبب احد مرؤوسيه بكارثة كبيرة، رغم انه بريء منها. ما اتحدث عنه هو الغصة التي لاتزول بقتل وسحل افراد العائلة المالكة، صغيرها وكبيرها. ربما لم يكن للزعيم ضلع في الامر ولكنه لم يعاقب ولم يلم الفاعلين الذين ثاروا معه. الجريمة لا يمكن ان يمحوها التقادم، واليوم لا يجد احد مبررا لتلك الفعلة الهمجية.
رحم الله روح زعيم العراق، بخيره وبغير خيره، والتاريخ ولسنا نحن من نحكم.
القصيدة جميلة وتحمل معان سامية، وقد صيغت باسلوب قوي.
دمت مبدعا ووطنيا وفيا أخي كريم

عادل الحنظل
This comment was minimized by the moderator on the site

أخي الحبيب الأستاذ د. عادل ..
تحياتي ..
سوف احتكم ببساطة الى بديهية تقول : ان سلوك الانسان يدلُّ عليه .
لا يمكن ان يزيّف الأنسان نفسه على مدى أعوام دون ان يلاحظ الآخرون الأمر وعلى الأخص الأذكياء منهم .
انسان يحكم بلداً كاملاً غنيّاً بنفطه وزراعته وثرواته على مدى أربعة أعوام ونصف ولم يسرق ، ولم يتحيّز الى عائلته أو أقربائه ، ولم يبذخ في ملبسه وأكله وشربه ، ويتسامح مع المعتدين عليه الى حد الألم ، ويمنح من مصدر رزقه الوحيد المشروع راتبه الشخصي للمريض والمحتاج الى ان يتكمن من مساعدتهم عن طريق الدولة التي يحكمها ، ويمشى وحيداً أو برفقة جندي واحد أو سائق ليزور مريضاً أو يقضي مهمّة وطنية .. هذا الانسان لا يمكن ان يكون مجرماً قاتلاً .. قام هو بالثورة مع رفاق له ، نعم ، بعد ان بيع العراق من خلال المعاهدات والأحلاف الى الأجنبي ، وطغى الاقطاع في الريف العراقي والمناطق الزراعية الى حد الاستهتار، وتعرض العراقيون الى القمع بالرصاص ان احتجوا وتظاهروا ، وعُلقت جثث العراقيين الأحرار بعد الاعدام في الشوارع ..
المسؤول عن قتل الملك كتيبة من الجيش العراقي كان يقودها عبد السلام عارف .. أرجوك ان ترجع للمصادر وسترى .. عبد الكريم قاسم ورفيقه وصفي طاهر ذهبا في الحال بعد سماعهما بخبر أطلاق النار على الملك الى المستشفى الذي نُقل اليه الملك ليترعا له بالدم لأجل انقاذ حياته.. صورتهما موجودة بعد توجههما للمستشفى وقد غمرهما الحزن والذهول .. وفي ثورة لتغيير الحكم على مستوى بلد كامل لا يمكن اليسطرة على كل شيء ..
عبد الكريم كان ينوي عزل الملك وارسال العائلة المالكة للخارج . وقد حدث ما حدث .. وهو أمر مؤسف للغاية ، لكن لو سألنا أي مؤرخ منصف : هل كان ملوك العراق منصفين حقاً مع العراق والعراقيين ؟!
عبد الكريم برهن خلال فترة حكمه وحتى بعد استشهاده نقاء معدنه وطيبة قلبه وسمو اخلاقة الى جنب شجاعته الكبيرة المعروفة عنه شجاعة الفرسان منذ ان كان قائداً للوحدات العسكرية العراقية المرابطة في فلسطين .. الانقلاب عليه كان بمؤامرة أميركية مثلما يؤكد الباحث ( وليام زيمان ) في رسالة ماجستير قدمها الى جامعة اميركية ، وكل هذه المعلومات موجودة وموثّقة ، ويمكن بسهولة الآن الحصول عليها ..
لقد خسرناه وخسره العراق والعالَم العربي والعالَم الذي يسمونه ( العالَم الثالث !) ، بل خسرته الانسانية كلها.
لم يكن يطمح الى اراقة الدماء في العراق على الاطلاق ، لكن أنّى له وهو الفرد الذي لم يكن منتمياً الى أي حزب ان يسيطر على كل شيء من اليوم الأول للثورة.
مرحباً بك أخي العزيز عادل ، ونحن نتحاور في تاريخ وطننا ومحيطنا لأن الأمر يخص حياتنا ماضياً وحاضراً ومستقبلاً ..
دمتَ بأحسن حال.

كريم الأسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

تصحيح :
في الجملة التي أتت على شكل :
ليترعا له بالدم ..
الصحيح هو :
ليتبرعا له بالدم ..

كريم الأسدي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5065 المصادف: 2020-07-18 04:05:51