 نصوص أدبية

أمينة المجنونة

امان السيد الطفلة التي كنتها ما تزال تشعرني حتى اليوم أن لـ" أمينة المجنونة" حقّا عليّ، وعلى الحارات، وأطفالها، وعلى شرفة بيتنا حيث لم أكن وقتها قد تجاوزت بطولي أصص الورود المستّفة عليها، أقف أراقبها، وأتابع أترابي يقذفونها باسمها عابثين، وقد كسروا النّون فيه كما لهجة منطقة " الحَفّة " التي ننتمي معا إليها، أمينة التي لم تسلم من محاكاتي إياهم فناديتها مرة بالمجنونة، فما كان منها إلا أن اعتلت سلّم بيتنا بخطوِ فيل أهوج، وأخذت تخبط الباب باحتقان، وصراخ غير مفهومين لم ينقذني منهما غير جدتي لأبي، وقد كانت معتادة عليها، والتي أقبلت مسرعة تهدّئ من روعها، وتحتضنها ساحبة إياها بعيدا عني، وعن بيتنا تاركة وراءها قلبي الصغير يخفق بشدة.

كانت "أمينة" فارعة الطول صهباء بشعرها الغزير الملقى بلا اكتراث فوق كتفين عريضتين، تحزمه بقبعة  كبيرة من القشّ أشبهت المظلة تحميها من الشمس، فتستحضر هيئتها في المخيلة تمثال الحرية الشهير.

احتاروا في تفسير إصابة المرأة بالجنون، فمن النسوة من تغامزن بحكاية طريفة أنها فقدت عقلها في ليلة دخلتها حين خلع العريس ثيابه، فنفر منه ما أفزعها، وأصيبت من ساعتها باللوثة، ويحتجون بكون أمينة تتنقّل دائما مرخيّة فوق بدنها بوقا عريضا معكوفا، وتتجول مرددة باللهجة المحكية بضع كلمات ما تفتأ تكررها: " بدو يموتني، أبعدوه عني"، أما فستانها البرتقالي المزركش فقد دلّت منه حمالات صدر عديدة، حصلت عليها من نسوة البيوت التي تمر بها بعد أن تتكمش بأثدائهن حتى لتكاد تنزع  تلك الحمالات عنها نزعا، أما الشيء المثير حقا، فقد كان الصورة التي غمرت من أمينة معظم ثوبها لتبتلع جانبا من حذائها طويل الساقين المعقود على رجليها بشرائط متصالبة، وكانت لرجل ضخم أسمر، وسيم الملامح يصدر في خطاباته عن صوت مهيمن أخّاذ، شعاراته القومية التي ينادي بها، كانت تُلهج أكفّ العرب بالتّصفيق في تلك الحقبة من الزمن، صوره تلك لم يكن يخلو منها بيت، أو شارع.

أمينة" كانت تحرص على متابعة الخطابات مثلهم، بل، وأكثر، من خلال راديو ترانزيستور تسنده إلى أذنها كي لا تفوتها كلمة، تنصت باهتمام، وهي تتنقل في زقاقات "الحفّة"، وتصفق مع المصفقين بنشوة تصدح أصداؤها حولها. كانت " أمينة" والسدّ في منطقتنا ختمين تتداخل فيهما الخصوصية بالدهشة.

زمن هادئ وادع، ونقيّ، ذاك الذي احتضنني و"أمينة" بتفاوت عمرينا، غير أنه لم يكن يقلّ في توقّده، وحماسه المصاحب، عما نعاصره اليوم من انشداه العامة الأزليّ، برموز السلطة وفراعينها، ولعلّ بوق "أمينة"، أو نعيق عريسها، أو مذياعها بما كان يحرك، قد أعاد إلى الحياة قيامتها، لتشبّ أمينة خدرا جديدا في أجساد ترفض أن تشفى من دائها.

يتناقل أهل الحفّة عن "أمينة" أنهم عثروا بها ميتة قرب السدّ معانقة صورة الزعيم الأسمر الذي كان خطابه الجماهيري ينطلق وقتها من راديو الترانزيستور. كانوا يرددون: إنها مجنونة، والمجانين أحرار في أن يصلوا بمشاعرهم إلى من يحبون، ويهوون مهما علت بهم المناصب، والكراسي!

 

أمان السيد

سيدني - أستراليا

.....................

* قصة من المجموعة القصصية: قصة من " نزلاء المنام"

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة
لفت الاستاذ محرر المثقف نظري لهذه القصة باعتبار انني مهتم بالقصة السورية.
تبدو لي قصة ريفية بامتياز و لو انها عن بلدة متوسطة من سوريا.
انها امتداد مشروع لقراءة قصة الخمسينات بما عرفت عنه من بساطة و عفوية و لغة سهلة تهتم بالانسان و بما حوله.
و ان كان سبقنا لذلك الطيب صالح في عرس الزين و دومة ود حامد. و ابو بكر خالد في القفز من فوق الحائط القصير و كلاب القرية لنفس الكاتب.
اتمنى للسيدة اماني (التمني مشتق من اسمها) النجاح و طيب الاقامة في اقصى جنوب الكرة الارضية.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك على الاهتمام، والقراءة، والمشاركة بالتعليق. الحفة، منطقة جبلية رائعة وهي تنتمي إلى اللاذقية، وهي من المصايف المهمة في الساحل، وتلك الأحداث حقيقة كانت محورية جدا في تلك الفترة من الزمن، وقد أردت أن أسجل بالقصة جانبا منها يطول به الحديث، وقد تكون لي وقفة مطولة أخرى مع ذلك الحدث في كتابات قادمة.
أستاذي الكريم، أشكرك على التمنيات الطيبة المتعلقة باسمي، ولكني أحب أن أنوه أن اسمي" أمان" لا " أماني" وهو من السلام، والاطمئنان الذي نجهد لنحظى به في هذا الزمن المر.
تقديري لك، وللموقع الكريم..

أمان السيد
This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذة الأديبة والقاصة أمان السيد أسعد الله مساءك بالخيرات واليمن والبركات وجمعة مبارك
للمجانين طقوسهم وحياتهم الخاصة في تفاعلهم مع المجتمع وكثير من المجانين من كان مربيّا
وناقدا للمجتمع وكثير منهم من كان ينطق بالحكمة والإصلاح الذي اعتور المجتمع .
قصة أمينة المجنونة ذكرتني بوقائع سنين الجمر للكاتب الجزائري رشيد بوجدرة الذي حول
لفلم من اخراج المخرج الجزائري لخضر حمينة وقد فاز هذا الفلم ب(السعفة الذهبية )في مهرجان
كان السينمائي الدولي عام 1975.
وقد لعبت شخصية المجنون (الميلود) دورا رائعا في أحداث الفلم .
القصة جميلة ورائعة في سردها وحكايتها الزمكانية وأبطالها وخخوصها أثناء عملية السرد
التي كانت نهايتها لا تخلو من الجمال والقراءة التأويلية للنص .
تقبلي تحياتي ودمت في رعاية الله وحفظه

رابط: https://shanti.jordanforum.net/t21802-topic
تمنياتي لك بجلسة مريحة مع الفلم

تواتيت نصرالدين - الجزائر
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي. أثمن تعليقك، ورأيك في تلك الفئة، ولعل الجنون هو حالة الوعي الكاملة، أو ما بعد الوعي أيضا، شفافية مطلقة، أو روح آلمها الواقع، فارتأت الطفو، والسراح في عالم خاص، وكم من فائق الذكاء، فقد العقل، ليغيب في ذلك العالم الخاص، وكم منهم من اتهم بالجنون لتعاليه على واقع مر، وهو قد بلغ من الحكمة أوجها المطلق.
أسعدني أن القصة لاقت هذا النفاعل المحب والراقي والمثمر، وأشكرك على الرابط الذي سأراه وساستمتع به حقا.
كل التقدير والاحترام لكم.

أمان السيد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5092 المصادف: 2020-08-14 03:55:45