"لحظات من الخلوة والتامل تحقق لي الهدوء والتوازن التركيز، وتدفع في نفسي قوة هائلة لمواصلة الطريق"..برتراند راسل

تامل، يوكا، هايكو، زن..كل هذه المفردات النابعة من رحم الطبيعة تصب في مصب واحد وهو التركيز، سنتناوله تباعا وبشئ من الشرح الموجز.

يعتبر التامل حالة من الصفاء والتوازن التي تهدف الى تركيز الطاقة الذهنية، كما انها تعتبر نوعا من الطب التكميلي للعقل والجسم الغاية منه الوصول الى حالة عميقة من الاسترخاء والشعور بالطمانينة وصولا الى السلام الداخلي.

ففي اثناء التامل تقوم بتركيز انتباهك الى شئ ما وتغوص في اعماق ذلك الشئ، لتبتعد عن زحمة الحياة والتشويش الفكري والضغط النفسي وصولا الى الهدوء والسلام والتوازن الداخلي الذي ينتج عنه التوازن الخارجي، الذي من شانه ان يقلل المشاعر السلبية ويؤدي الى زيادة التخيل والابداع..

ووفقا لما قاله "مايكل بيم" في اساسيات الطب التكميلي والبديل فان التامل يسمح للشخص بتجربة المشاعر الشديدة تماما دون فقدان رباطة جأشه وان نتيجة التوازن العاطفي الذي هو عبارة عن رؤية اكثر ثراءا فيما يتعلق بافكار الفرد ومشاعره وافكاره، وييسر التامل احساسا بالهدوء والتعاطف وقبول الاخر، ويعتبر علاجا تكميليا للحالات المرتبطة بالتوتر، كاضطرابات الهلع والقلق العام والادمان والاكتئاب وغيرها من الامراض، وقد اثبت تاثير التامل وخصوصا"اليوغا"على كثير من الحالات المتعلقة بالاثار السلبية للاجهاد.

وبما ان الهايكو يعتمد اعتمادا مباشرا على تامل الاشياء وخصوصا الطبيعية والابحار في مكنوناتها الخارجية والداخلية للانتقال من العام وهي الطبيعة الى الخاص وهي البصمة التي تركها مشهد معين في النفس ..

ويقول روبرت ابستاين الكاتب والعالم النفساني الشهير في جامعة هارفارد"الهايكو الجيد يتساءل عن الروح المنهكة"، وان هذا النوع من الكتابة مفيد جدا في علاج الادمان والاكتئاب من خلال العودة الى الطبيعة وتامل مفرداتها والانغماس بمواسمها وطقوسها .

وقد ارتبط الهايكو ب"الزن"وهي ممارسة قديمة جدا وتعني استغراق التفكير او التامل وممارسها يجب ان يكون متقبلا لهذا العالم الحسي لالتقاط اللحظة وبدوره يدرك عالمه الداخلي، فهي اداة رائعة يمكن من خلالها تعلم  التامل وتوليد مشاعر الهدوء والسلام والرحمة، ويعتبر"باشو" الشاعر الاكثر شهرة في "ايدو"/اليابان واحد الاشخاص الاكثر شعبية في استخدام الهايكو، والقصيدة الجيدة هي قصيدة قادرة على التقاط جوهر اللحظة، لحظة من الوقت بين الروح والطبيعة، فنجد الحيوانات او النباتات او معالم الطقس الموجودة في البيئة الغنية دلالة على المواسم الاربع والحالات النفسية والسياقات الاجتماعية والثقافية التابعة لتلك المواقف كل هذا يلخص في صورة ذهنية مركزة ومبسطة في اطار تجربة فردية لتلك اللحظة.

وقد دخلت تجربة الهايكو الى العربية عن طريق الترجمة للنصوص الاصلية لكن سرعان ماانتشر هذا الفن الادبي الرفيع في بلادنا العربية حملته الطيور المهاجرة والرياح الحاملة لرائحة الطلع واريج المطر والورود واخذ نصيبه كفرع من فروع الادب له شعراء ومتذوقين .

واذا اردنا ان نبدا هذا الفن العلاجي سندرك التاثير الكبير الذي يتركه مشهد ساحر من مشاهد الطبيعة الذي يجعل المرء ياخذ نفسا عميقا ويزفره بعمق اكبر كنوع من الانتشاء والاندهاش، هذا الشهيق العميق الذي اخذه هو المفتاح الذي ياخذه الى عالم التامل، فما ان يتنفس بعمق حتى يشعر بان كما هائلا من التعب يزاح مع الزفير، وان ثقلا كان جاثما على الصدر بدا يتلاشى، ويشعر بتدفق الدم في جميع اجزاء الجسم واحساسا بالراحة ليس له مثيل، هذه الراحة تتمثل بفتح "الشاكرات السبعة"والتي تمثل نقاط الطاقة الكامنة في الجسم وكل نقطة مسؤولة عن عمل معين وان اي خلل او انسداد نتيجة الاهمال او العادات غير الصحية في الحياة، والانهماك بالعمل وعدم الخروج الى الطبيعة لاخذ قسط وافر من الراحة واستنشاق الاوكسجين النقي والمشي بشكل يومي، وممارسة الرياضة، وسنتعرف من خلال الفقرات التالية على معنى الشاكرات السبعة واهميتها في جسم الانسان:

تعرف الشاكرات على انها مراكز الطاقة السبعة في جسم الانسان- حسب الثقافة الهندية- والكلمة اصلها من اللغة السنسكريتية وتعني العجلة او الدوران، ووفقا للطب الهندي يطلق على الشاكرات مراكز القوة اوجدلات الطاقة وتعتبر هذه الدوامات بؤر استقبال الطاقة وقد وصفت بانها شبه محطة لتخزين وانتاج الطاقة وتصبح هذه الدوامات اكثر قوة عند سحبها طاقة الكون فالانهار الرئيسة (ايدا وبنغالا وسوشومنا)،هي الاجهزة العصبية (الودي واللاودي والمركزي) تسير داخل العمود الفقري في مسار منحني ويتقاطعون مع بعض عدة مرات وتشكل نقاط التقاطع هذه مراكز قوية تسمى الشاكرات، وهناك ثلاثة انواع من مراكز الطاقة في جسم الانسان، ويعتقد ان الشاكرا هي مركزلنشاط طاقة بيولوجية منبثقة عن العقد العصبية الرئيسية، حيث تبدا من قاعدة العمود الفقري متجهة صعودا الى اعلى الجمجمة وتعتبر الشاكرات نقطة التقاء الفيزياء الحيوية او" البرانا" لجسم الانسان والتي تتحكم في حالته النفسية والجسمانية، وهي المسؤولة عن امداد الجسم بالطاقة الايجابية المتزنة، مما يضمن اسلوب حياة صحي وتقسم الشاكرات الى قسمين فردية وزوجية، فالفردية تهتم بالطاقة الخارجة من الجسم للعالم المحيط وهي خصال ذكورية مثل اظهار القدرات، الرغبات، التحكمات النابعة من الفرد لكل ماحوله، اما الزوجية فهي تهتم بالطاقة الكامنة والداخلة للانسان من البيئة المحيطة وهي خصال انثوية مثل الشعور بالطمانينة، الهدوء، التفتح، الحكمة، وللتعرف على ماهية شاكرات الانسان وتاثيرها في جسم الانسان ساوجزها بالاتي:

- شاكرا الجذر او القاعدة:

ورمزها الاحمر وتقع نهاية العمود الفقري وهي تمثل اساس الانسان والمسؤولة عن الموروث والانتماء والمعتقدات والارتباط العائلي.

- شاكرا العجز:

ويرمز لها باللون البرتقالي وتقع اسفل السرة، وهي مسؤولة عن الوظائف العاطفية والرغبات الجنسية.

- شاكرا الظفيرة الشمسية: ورمزها الاصفر

 وتقع في منطقة المعدة اعلى البطن وهي مسؤولة عن الشعور بالثقة والقدرة على التحكم بالحواس .

- شاكرا القلب وتقع فوق القلب مباشرة ورمزها الاخضروتمثل نقطة التقاء الشاكرات الثلاث السفلية (عالم الحاسة) والعلوية (عالم العقل)

- شاكرا الحنجرة ويرمز لها باللون السماوي التركواز وتقع عند الحنجرة وهي المسؤولة عن التواصل.

- شاكرا الحاجب اوالعين الثالثة ورمزها الازرق وتوجد في منتصف الجبهة بين العينين وهي مسؤولة عن التركيز، التخيل، الحكمة، التفكير، القدرة على اتخاذ القرارات

- شاكرا التاج ورمزها البنفسجي وتقع في اعلى الراس وهي المسؤولة عن الجمال الداخلي والخارجي، ومن الجدير بالذكر ان المسلم حين يسجد فانه يضع جبينه وخصوصا بين العينين (الغدة الصنوبرية) على الارض لاكتساب الطاقة الايجابية تارة وتفريغ الطاقة السلبية اخرى- سبحان الله-

اذا تاملنا الوان هذه الشاكرات لوجدناها تمثل الوان الطيف الشمسي وتلك الالوان موجودة اصلا بتفاصيل متفرقة بالطبيعة بكل مفرداتها وكائناتها ومخلوقاتها وان اهمال هذه الشاكرات وانسدادها يؤدي الى مشاكل صحية كثيرة ساشرحها لاحقا في موضوع مستقل.

 كل هذه الامور تدخل تحت بند التامل الذي اذا مورس بشكل صحيح يعطي شعورا رائعا بالاسترخاء ويجعل المرء يتصل بنفسه الطبيعية ثم التفكير بشكل انضج وعلى نحو ابداعي يتجه الى خلق كل ماهو جديد ومبدع في الحياة، هذا الشعور الذي يتركه مشهد جميل معين في الطبيعة او لوحة تمثل الطبيعة بفرشاة رسام ماهر تجعل المرء اجبارا يتامل مفرداتها، وهو نفس التاثير الذي تتركه مقاطع الهايكو التي تشرح نفس اللوحة بمفردات قليلة دلالتها كبيرة مكتنزة بالمشاهد بعيدة عن التكليف والمحسنات اللفظية، بسيطة كماء رقراق، مشرقة كشروق الشمس، ساطعة كالبدر، عابقة برائحة المطر واريج الورود تجعل الانسان ينتشي بكل حواسه فهو يشم رائحة الورد والطلع والمطر ويطرب لزقزقة العصافير وخرير الماء وحفيف الشجر، ويستشعر حركة الريح ووقع حبات المطر على النافذة، من خلال مقاطع ساحرة احضرت الطبيعة بما تحوي الى غرفته اوشرفته او اي مكان يختلي بنفسه ليحتسي فنجانا من الصفاء مع مفردات الطبيعة الساحرة، لذا فان الطبيعة تنعم على شاعر الهايكو بخاماتها الرائعة الذي يقوم بدوره بنقل الصورة الحية كماهي مضيفا اليها من روحه التي يقدمها الى القارئ بطبق من ذهب، ذاكرا كل ماتقع عيناه عليه وهو جالس يتامل سحر الطبيعة ومخلوقات الله، فمثلا ممكن ان تجذب انتباهه نملة تحمل حبة قمح اكبر من حجمها اضعافا واجتهادها ودابها لتعزز عنده فكرة العمل، او تلك النحلة التي تنتقل من زهرة لاخرى وتلك الخلية الدقيقة الابعاد بهندستها الرائعة وذلك العسل الذي يخرج من بطونها بحلاوته وقدرته على الشفاء، ذلك المعسكر الرائع الذي ياخذ الانسان من حالته المرتبكة الى حالة اكثر اتزانا تجعله يقول سبحان الله، تفتح ازهار الناز صباحا تحية للشمس واغماضتها عند الزوال، زهرة الشمس التي تتجه دوما باتجاه الشمس، تسابيح الطيور فجرا، حركة الرياح حاملة رائحة الطلع، حفيف الشجر وغيرها من المشاهد الساحرة التي يشترك بها الشاعر والقارئ في ان واحد.

هذه النشوة التي يتركها مقطع الهايكو الذي يجعلك تشعر بوخز البرد، بشروق الشمس، بسطوع القمر، برائحة الارض، بتمايل السنابل، باقتراب الفجر، بحلول الربيع، بهطول المطر، بزقزقة الطيور، بامتداد الخضار في المروج، بسقوط البَرد، بتلون السماء، بالغسق، الشفق، بالغروب، تترك في النفس نشوة واندهاش وراحة تتمثل بالجمال والسكينة والامتنان لله.

من كل هذا نخلص الى القول ان الهايكو بطبيعته هو فن التامل الذي يتخذ مادته الدسمة من الطبيعة بصورة مباشرة ليعكسها بصورته الغير مباشرة على الورق راسما لوحاته لمتذوقيها الذين يشعرون بنشوة مشاهده التي تحلق بهم فضاءاته بعيدا الى عالم ساحر تجعله يستنشق اكبر قدر من الهواء النقي مالئ رئتيه وعقله وروحه بالدهشة، تلك التفاصيل البسيطة التي يكون وقعها بالنفس كبيرا تؤدي الى الاسترخاء والسلام الداخلي مع خلق حالة من التوازن والصفاء بين الوعي واللاوعي وتلك حالة صحية سليمة لحياة اكثر هدوءا وسلاما وانتعاشا وراحة للروح والبدن.

 

 

مريم لطفي

 

سهام الشجيرياكثر من جسد واكثر من روح رصدتها شبكة مشاعر عبدالكريم الحطاب، المرتبطة حتما بالسرد الشعري، ينتصر للكلمة وللعدل والسماوات المنبوتة في ذاكرة ايامه، والمساءات المحنطة بالجليد، والمنحوتة في زاوية معتقة من قلبه، كل ذلك في قلب مجموعته الشعرية (للوطن همسات حب وكبرياء، صدر عن دار السماء، بغداد، 2019، بـ 136، قصيدة) حسناً، سأصرخ مثله، بل سأطير كما طار بين ذراعي الوطن، عل حلم بين سطورها يتحقق بالوعد ويشجي ديونه، كلها للحطاب قاطرة، تفترش كلماته الطرقات، الوجع، الخوف، رائحة الام، معادلة اينشتاين، زوارق دجلة، المتنبي، صيد الاسماك، الفرج، الاوبئة، السلاطين، الحسرة، وقداسة الخطوة نحو المستحيل، ليصرخ الحطاب (تبا لكم.. تبا لكل من يدعي حب الوطن...)، يستغيث، ينحني، يقفز من شرفات الوقت، الحطاب هنا يؤرشف للأشلاء، (نزرع وتحصدون... نتألم وتسخرون... نجوع وتتخمون... نموت وتحيون...).

مساحة الوقت

يندب عبدالكريم الحطاب مساحة الوقت، ويختار الغياب، يصرخ (الا تبا لكم أيها......) ربما حضوره همٌ، لأنه استعار أضواء الحدائق، كي يكشف ستر الايام، الاغتيال، الجريمة، الهروب، الوحشة التي تنبت في خاصرة السنين، وفي خاصرة أهاته التي يهدرها في شعِره، التأهب، القلق، البغض، القطيعة، صوت الحبيبة، سر العشق والمعشوق، أصوات الأنين في غياهب عاصفة هوجاء يترنح بين اضلُعها حلم ابيض طالما غادر صمته، دائما تحفزه مساحة الوقت، لكن الحطاب يعيش الاماني (فلا ماء ولا كهرباء... ولا بديل..)، يغرس رقصته في جبين عذابات رمادية تعاني الاغتراب، يوثقها على جدار الورق، ويلتزم الصمت من بعيد، يعيد صراخه (آن الاوان...كفاكم...) ويعود ليطبع بصمته في الكلمة الحرة والخُطى الثقيلة المتعثرة، وإشارات المرور، وحملة التبرع بالوجع، الحروب العبثية، وصراخ الثكالى، جمهور ممسرح يصيغه الحطاب بالمشهدية التي تتكأ على زخات وجع مغموس في بؤبؤ الحياة الناظرة، (رحلت.. ولم يئن بعد وقت الرحيل...) غادر بإطلالتها قلبه، هو الوجع وهي صاحبة الشَعر الجميل المغموس بدم الفرسان، وحده يتلكأ مثل كهل في استذكار الشارع، الحديقة، الوجوه، صراخ الطفولة، ملعب كرة القدم، القهوة، طعم الهواء، (حقيقة ام هواء؟..) يتمدد الصراخ في الركض وراء الامل، من يفوز؟ من ينادي؟ من ينتحر؟ من يشرب الدم؟ ومن يتوضآ من عينيك رماد الوطن، وامنيات اللقاء، هنا يدرك الحطاب الحقائق لكنه يرسل المستحيل في بطون الصفحات، يكتب ويكتب بانتظار مساحة الوقت.

حبيبه العراق وحبيبته القضية

1797  همسات حب وكبرياءيرمي الحطاب توصيفاته بسيف كلماته، يلوذ بعبارات الحب للحبيب، ويقصد الوطن، عساه يلوح للغراب ان يستعير خبز الحياة، الانسان بنيان الله ملعون من هدمه، فكيف بقلبه بنيان مهدوم، حائط الوطن يصرخ في طيات حزنه، هكذا آراه في مرمى الشِعر، يلوح للأعناق ان تتدلى،(اعتراف... أنا يا سيدة النساء... رجل يبحث عن هوية...) بغداد لدى عبدالكريم الحطاب عروسة لكنه يدرك الأسى(أدرك أن حبنا ولد في زمن الاحكام العرفية..) لطفا هل هي لوعة عاشق، (هناك امرأة تمحو كل احزاني...) يمسك يدها، يسحب خنجره من غمده، وينعى الحرمان (أسرى الشهوات...بعد أن صارت العرب كالجرب..) لا يلون جراحه، ولا يرتجف من خصلات شعر نخيل الوطن، (تمر الايام والسنون...لا تبحث عن الاستثناء...) جرب مخيلته قبل كفه، دائما يغمض الفجر مقلة الحطاب عن ضياعه في بحور الدم، دائما تتدلى نخلة روحه، ليسمع صراخ التمور، يبحث عن السراب، يتذوق عنب الصبر، نبض القصيدة في امتداد صمته، يجذبه صمت الصراخ، يطارد الوعي والانحطاط، بين القهر والحقيقة، يلمس جبين صخور الوطن، ويرتدي سرابيل القناعة (فالعمر نعيشه مرة واحدة....)، يقطف الحطاب عرقه من بياض سنين التحدي في قلب شذى العراق (قاصدا قلبك.. فهل يقبلني فيه نزيل...)، تراه تعجل السقوط أو(هكذا أراك.. هكذا أحبك.. لك وحدك.. ملهمتي من تكون؟..) يرسم الحطاب شظاياه بين أثداء أيامه لا يغيب، بل يقدم اعتذاره في حضرة عيون الحبيبات، وسحابة روحه تتلألأ بين طيات قميص الدفء حين ترميه الحبيبة بسؤال الغياب(عنك يا حبيبي يتساءلون.. كل الاحبة..)، النار التي اوقدتها اصابعه، تسللت لقطرات مطر الصيف، يشرب وجعه، ويرمي رأسه بين هدب السؤال ورمش الحنين، يلوح للزعفران أن يغوص في شتائل صمته (في بلادي... يمجدون الطائفية، فالقضاء في إجازة إجبارية... الضمير أضاع القضية...) تساؤلات حب الحطاب عسف واقصاء، سيدي يثني أهدابه - كفاك نحساً- زخات لون الوطن تبرق في عنقه، يلملم بريقها، ويغسل أدران شوقه، ينتحل أهدابه، يفيق بين صلوات حنينه، يغوص في أهداب حبيبته بغداد ويستريح على مرمى حجر من طقوس الشيطان، وضالته تقوده  لـ(أغار عليك...) الحطاب هنا يلامس نبض الناس في قصة وطن ينحني، يبكيه في شعره كي تستقيم أضلاعه.

كائنات حية

كل قصائد عبد الكريم الحطاب نتحسس بريقها، نلمس أظافر قدرتها على الصبر والانتظار، نشم شذى عراقيتها فهي كائنات حية تعيش بيننا وتتحرك أمامنا، ونلوذ بملامحها، بل نتنفسها وتتنفسنا، إذ يقول يوري لوتمان في كتابه تحليل النص الشعري: (بأن أي نظام يقنن الشعر لابد أن يتلقى في الأساس باعتباره قيمة ذات مغزى)، أي قيمة دلالية اعتبارية ذات جدلية لا تنتهي ولا تتعارض مع ذاتية الشاعر، حلمه، وطنيته، انشغاله برصد الوعي، محاربة الغفلة، حب الاوطان، صناعة هدف، وبراعته وتطور أدواته الشعرية تجاه الوطن، نسجها وحولها إلى قيمة تعبيرية انفعالية تستهدف الوعي بتصويب الحقيقة في روح التلقي، وكمنظور ورؤيا متنامية لتعرية الحدث والوقوف على علائمه التي توحي بالكثير، فهو يرسل روحه الى قدر المسؤولية، ويجد سعادته إشارة في حضرة روح الوطن، (كيف تتبلور؟.. كل النساء شهرزاد...) نجده يقف بين طيات صمته ليروي البريق (يحدث في بلادي...في الليلة آلاف المرات...تمسح خارطة المأساة...)، يبوح وجه الحطاب بسلة عطف وبستان حلم، بل يحتدم القلق على حضن الوطن، (اطلعي على مأساتي وواسيني... ضميني الى صدرك وأنسيني...تنهي وجعي واسيني...كيف أهاجر... يا نبع الحنان...اعتراف ايضا.. نداء الايمان بين اضلعي.. حب وحرب...)، وهنا فأن الشاعر عبدالكريم الحطاب قاد روحه باتجاه حزن الوطن، وأطلق حنينه عبر سكوت قافلة الحرمان، وأغمض صوته، بانتظار الفرج، شعره ربما سيكون ضوء قناديل لوطن حليم لن تغادره الاجيال.

 

سهام الشجيري

 

 

1798  فارس مطرالعراقي فارس مطر .. شاعر متمرد

صدر مؤخراً للشاعر العراقي فارس مطر ديوان شعري موسوم "الفرح المتأخر يغمرني" مشار في طبعته العربية الأولى بـ "شعر معاصر"، يقع بمائة وأربع صفحات من الحجم المتوسط ويحمل عنواناً ميسوراً ومترامياً على غير ما هو شائع. فالقصائد من أليفها إلى يائها لا تحمل عناوين متواردة تحاكي أو تقترب إعتبارياً من نصوص القصائد بشكل وآخر. ويبدو أن الشاعر أراد بإصرار التفرد بإختيار هذا الأسلوب الإنسيابي، الذي يضم الجمالي والأدبي، سلسلة من لآليء الرومانسية، بأحكام متطابقة بشكل جيد لدرجة أنها تصطف لتشكل وحدة كاملة، وإن كانت مجزأةً، تبقى واحدة  من عوالم ما يعرف بـ "الشعر الملحمي"، في الأساس. وهو ليس أسلوباً مبتكراً، إنما شعر استطاع فارس مطر أن يجعله قصيدة طويلة واحدة بعنوان رئيسيٍ واحد. 

يقيم الشاعر العراقي فارس مطر وأفراد عائلته منذ أربع سنوات في العاصمة الألمانية برلين. ولد في مدينة الموصل سنة 1969 وتتميز كتاباته بالسلاسة. صدر له ديوانين في الشعر: "سنبقى"، تضمنت أكثر من أربعين قصيدة سياسية ساخرة و "تمرات في الربذة" صدرت عن دار صحارى في  العراق عام 2014، وله دراسة نقدية بعنوان "شعرية العشق بين حضور المرأة وغياب المكان الحميم". ومجموعته الشعرية الجديدة "الفرح المتأخر يغمرني" صدرت في يوليو 2020 عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان ـ الأردن. شارك في أماسٍ ومهرجانات شعرية عديدة منها مهرجان جرش 2014 ضمن نشاط إتحاد الكتاب الأردنيين ونشرت قصائده في الصحف الأردنية والعراقية والعديد من مواقع التواصل الإجتماعي وحصل على تكريمات من منتديات أدبية وثقافية عربية متنوعة. 

بدءاً لابد من الإشارة إلى أن الواقعية والرمزية والأسطورة والخيال وحتى التمرد، سمات مميزة في الفن الشعري، قديمة قدم الفن نفسه. إستطاع فارس مطر بلغة شعرية مترعة إستعاضتها في منجزه الأدبي القيّم، بطريقة لا تخلو من إبتهالات جمالية وسيميائية، قيمية وتعبيرية وفلسفية، من النص اللغوي وحتى العلاقة بين المحتوى والشكل، فأحاطها شاهدة تقدير وإعجاب. ولا أنكر أن ترانيم الشاعر، خلال قراءتي، قد استحوذت على مشاعري في تتابع غير منقطع. فهي قصيدة فيها الكثير من المساحات والتفاصيل الفرعية، وتعتمد التفعيلة المدوّرة، لكنها تتفادى استخدام القافية. تتراوح بين حب الوطن والتأمل واسترجاع الذاكرة، ومزيج من المشاعر التي تنتاب الإنسان في الكثير من المواقف الصعبة. ولا تتجاهل الهموم والأحزان الجَمعية التي أحدقت بالمجتمع العراقي والتي تخصّ العيش والوجود والموت، ـ أتون حروب، صراعات، متناقضات، أفراح وأحلام مع جدف من العواطف الزائفة والخلط الطائش لقلب الصورة.. السؤال هل تمكن الشاعر من نفخ روح جديدة في الشعر الملحمي ليسلط نظرة عامة للحياة والمعتقد، أعمال ومصير الإنسان العراقي، رغم كل التداعيات وتنوع الإضطهاد وتوسع التشابك في كل الإتجاهات بما في ذلك الثقافة والفنون؟

أَجهَلُني

لا شيءَ يُعَرِّفُني عَنِّي

أَتَحَسَّسُ أَوصالي

أَبحثُ عن جَسَدي

وأَقولُ لمن يَجمَعُني

لا أَتشابَهُ

هذا ما قالتهُ الحربُ

فلا بأْسَ تَحَمَّل شَكلي

حاوِل ترتيبَ الزَّمنِ المُتَقَطِّعِ

قَدرَ الإمكانِ

ولا تَترُك يوماً أَو طَرَفاً دون مُواساةٍ

سأُشَيِّعُ صوتي الآنَ فأَرجوكم

لُمُّوا أَنفاسي

هذا نَصِّي

زَمني

جَسَدي المُتَفكِّكُ

هاكُم قلقي وَنَشَازَ مُحاولتي

لا شك في أن التراتيل الشعبية والأغاني أصبحت مفهومة بشكل أفضل اليوم مما كانت عليه قبل مائة عام. فما الذي جعل الشاعر فارس مطر (دار النشر) أن يُعرف قصيدته بـ "شعر معاصر"؟ وماذا يعني ذلك؟.. وهل أغمره حقاً، منجزه الشعري تلك الفرحة رغم تأخرها.. وبأي لون؟.

تسمى النصوص والألفاظ غير المرتبطة بآية أو قافية أو إيقاع "مترا " Metrum، نثرًا. ومن ثم، يسمى النثر بالكلام غير المقيد. ويشمل اللغة اليومية، ولكن أيضا الشكل المصمم ملحمياً في الأدب يطلق عليه "فن النثر". والشكل الخاص الذي يقف بين الكلام المقيد وغير المنضم هو الإيقاعات الحرة. إنما المصطلح التقني مشتق من الكلمة اللاتينية (prosa oratio)  خطاب النثر، والتي يمكن ترجمتها تقريباً على أنها كلام مباشر. بمعنى ما هو على المحك سيكشف بشكل أساسي: أن أي شكل من أشكال الكلام الذي لا ينتمي لقاعدة سيكون بالتالي ملزم. بمعنى آخر: حتى لو تم التفريق بين النثر والشعر من حيث أنه غير مرتبط بالقافية أو المترا، فلديها أي "القصيدة"، القدرة على أن تكون شاعرية من خلال الأسلوب واللحن والصور والإيقاع واختيار الكلمات. وهذا ما تميّزت به قصيدة "الفرح المتأخر يغمرني". 

ما زال اللَّيلُ فَتِيّاً

وأَنا في أَوَّلِ حَتفي

سادسَتي ورصاصٌ

 

خَمسونَ شَظيَّةَ فَقدٍ

يَتَجَمَّدُ وقتي

أَتَسلَّقُ نَصِّي

 

بحثاً عن هاويَةٍ

عن شَرخٍ مُوسيقيٍّ يَتَغَمَّدُني

تُمطِرُ فوقي

غيمةُ مُنتَصَفِ اللَّيل

تُغَنِّي

تَستَنبِتُنِي

وعلى قلقٍ

تسهرُ حتَّى مَطلَعِ فجرٍ

 

يُقلِقُهَا أَيضاً

شَابَ الفانوسُ

جَدَائِلُهَا شَابَتْ

وأَنا مُنهَمِكٌ في حتفي

يَملَؤني الصَّمتُ

دِمَائي تَكتَظُّ

ووجهٌ مُلتَصقٌ في ذاكرتي

كم كان الوَقتُ رَصاصاً

والرُّؤيةُ بارودٌ

رائحةٌ صَفراءٌ

 

أَبخِرَةٌ

تَختَنِقُ الأَحلامُ

ونَغفو

نَغفو

كعصافيرٍ في ليلةِ بَردٍ

تتنفَّسُ آخِرَ زَقزَقَةٍ

 

وَيَروحُ الوعي

 

أَغيبُ

أَغيبُ

وأَصحو

 

سِيبَاطٌ

وَعناقيدٌ تتدَلَّى

صيفٌ وحصادٌ

ساقيةٌ

يانعةٌ أَنتِ كفاكهةٍ

 

ارسِمْهَا يا شِعْرُ 

في الأصل، كان النثر يستخدم للكتابات العلمية، وبالتالي كان يعني أي تثبيت مكتوب ليس نوعاً من الشعر. وهذا يعني أن النصوص كانت تعتبر نثراً، لها محتوىً تاريخياً وعلمياً وفلسفياً، أو مجرد ملاحظات. في المقابل، كان الشعر مكتوباً في شكل شعر "مقفى" الغرض الأساسي منه هو العرض الشفهي كـ "المسرح". استمر هذا القيد العام بشكل جيد حتى القرن الثامن عشر. ثم أصبح مصطلح "النثر" فيما بعد مصطلحاً جماعياً لجميع أشكال الكلام الذي لا يمكن تسميته بالشعر. في العصور القديمة، كان هناك تمييز صارم بين الكلام المقيد (الشعر الملحمي ، والشعر، والدراما) كشكل من أشكال الشعر والعرض الملائم والهادف من النثر (بيتر دليوس  Peter Deliusالفلسفة والتاريخ (، تم استخدامه كشكل من أشكال التمثيل في وقت متأخر جداً، بدل الخطاب المرتبط بالسرد. وعلى الرغم من وجود أعمال نثرية منفصلة في العصور الأدبية الفردية، إلا أن النثر كما يبدو لم يبدأ بالانتصار إلا في بداية العصر الحديث، والذي سرعان ما أصبح مع ظهور فن سردي جديد، وهو الرواية، وسيلة شعرية للتعبير، أنتج العديد من الأنواع الأدبية ـ رواية، قصة، ملحمة، مذكرات أو قصص قصيرة، ألخ.  

 

وَخَلِّدني مَبهوتاً

عَطِّلْ بئري واسكُبها

وأَعِدنِي للقهوَةِ والخَفَقانِ

وَحَدِّثني عن ذاتي

وَعُرِيِّي

كم كنتُ أَسيراً

لا أَملِكُ إلَّا جَسَدي

طُرُقاتي أَذرَعُها

 

ذِكرى

ذِكرى

أَغرِسُها

تَنمو شجراً وخساراتٍ

 

هل تُبصِرُ دربَ خَرابي

مدنٌ ومياهٌ

 

أَزهارٌ

أَخَذَت أَسرَاري

وَوَشَت بِي

يُتقِنُنُا الحزنُ فُرَادى

يَتَغلغلُ فينا

الآنَ سَأَذهبُ فاقتُلني

لا تُسهِبْ أَرجوكَ

فُصُولُ دَمِي

 

لا تَكفِي حِبرَ روايتنا

حَدِّثني آناءَ القهوةِ كلَّ صَباحٍ

كُن فرَحي وفُرَاتي

خَبَأْتُ اسمَكَ تحتَ صنوبرةٍ

قَلبي يُؤلمُني الآنَ

سأَذهبُ

فاقتُلنِي بِقصيدة نَثْرٍ

 

وانثُرُني 

أخيراً، قصائد الشاعر فارس مطر في ديوانه الجديد "الفرح المتأخر يغمرني"، من ناحية، الإنسيابية الشعرية والإلتقاء في دائرة "الإسطورة الملحمية" بكل معانيها المعرفية والأدبية، هي ليست محاولة تجريبية )نتحدث عن مرحلة ليسنك (Lessing ، بقدر ما أراد لها الشاعر أن تكون قصص متعددة عن أصول وأفعال وسقوط الآلهة. التصادم بأكمله مع الأفكار البربرية المشوهة، مع الارتباك والضبابية والأساليب التي تمس أقدار الناس، مرة أخرى يتم تجريبها بوحشية في بلد بَشَّر بظهور أول ملحمة شعرية في تاريخ الإنسانية. ماذا يعني؟. تعني قيمة ذلك أهمية المبالغة في تقدير وفهم معنى وروح وجودنا تماماً.!

***

عصام الياسري

 

 

رياض الناصريالبعث

لقد تركنا يوسف الخال في (المفازة) يعاني شدة وطأتها؛ إذ:

كانت الأرض شتاءً،

كان موج البحر يرتد

عن الشط عياءً.

كان جوع وصقيع،

كان في المرعى ذئاب،

آه، كان الرعب في الحي شديداً.

...

والكوى مغلقة والسور ينهار،

ووجه الشمس زور،

...

أترى هذا الذي مات إله ؟(1)

فزخرفة الماضي للتعويض عن قسوة الحاضر، لم تعد تجدي نفعاً، فتبدأ هنا مرحلة التساؤلات، من أجل فتح باب جديد يخرج به من(المفازة)، إلى(البعث) من أجل إعطاء الأشياء والزمن والمدن نسغاً ودماً جديدين، والخطوة الأولى باتجاه هذا الهدف، هو أن نؤمن بأن الزمن الميت سوف يحيا، فبحياته تحيى الأشياء الأخرى جميعها، وذلك يتضح من خلال اعتماد الشاعر على أسطورة أدونيس وعشتار، وعلى رمز الحياة الآخر/المسيح(الإله الميت/ الحي)، فإن جراحه للأولين عزاء، ودربُ خلاص لنا،  فإذا ما صلب في زمن اليهود، فأنه سوف يبعث حيّاً "هنا" في زمن يكون الشاعر جزءاً منه :

أتراني أهجر الدار وأمضي،

" يدفن الأموات موتاهم " وأمضي؟

أين أمضي؟

أإلى المأتم في الغابة والميت إلهُ؟

أإلى العرس، وما

في العرس خمر ومسيح؟

أم تراني ألزم الصمت وأبقى،

مثل آبائي أبقى،

جاثما بين عظام

عافها نور النهار،

ملها عتم الليالي،

والعصافير بنت أعشاشها

حيثما حطت بها ريح الشمال؟

آه لا أدري، ولكنّي أصلي! (2 )

هذه الصلاة والدعاء والابتهالات، من أجل فتح باب آخر للفكر والنفس لتنتصر على هذا الزمن الثقيل المظلم، الذي جعل الشاعر يعيش ألماً ممضا ومأساة كبرى، بسبب وعيه، إن زمنه الذاتي وزمن مجتمعه متوقفان،  في عصر يتحرك فيه الجميع، وتنمو حضارات وتزدهر وتتقدم، فللنجاة من إحساس الخوف، والفناء والضجر، والملل،  جعل الخال يتأمل بمجريات الحياة والكون، ويتساءل، وهذه التساؤلات الكثيرة التي تسود في شعره، هي دليل على النزعة التأملية التي يمتلكها، وهي باب من أبواب الاطلاع والمعرفة والثقافة، وتبرز حسه العالي بأشياء الوجود، وعناصر الصراع التي تفرزها مفردات الحياة، وتظهر تعمقه للوجود والوضع الإنساني فيه، لتؤدي به في النهاية إلى (التوقف المؤقت عن الأحكام المسبقة)، أو إلى الشك الصحي!؟  كما يقول "جون ديوي"(3). وليفرز هذا التوقف "رؤيا" جديدة، ومحاولة بعث جديدة، وأبرز قصيدة عند الخال توضح ذلك كله هي:"البئر المهجورة"

وحين صوب العدو مدفع الردى

واندفع الجنود تحت وابل

من الرصاص والردى

صيح بهم تقهقروا، تقهقروا.

في الملجأ الوراء مأمن

من الرصاص والردى! "

لكن إبراهيم ظل سائراً،

إلى الأمام سائراً،

وصدرهُ الصغير يملؤ المدى!

" تقهقروا . تقهقروا.

في الملجأ الوراء مأمن من

الرصاص والردى!"

لكن إبراهيم ظل سائراً

كأنه لم يسمع الصدى

وقيل أنه الجنون

لعله الجنون.

لكنني عرفت جاري العزيز من زمان،

من زمن الصغر.

عرفته بئراً يفيض ماؤها.

وسائر البشر

تمر لا تشرب منها لا ولا

ترمي بها . ترمي بها حجر.(4)

فهذا الإنسان/الشاعر الذي يحاول أن يموت لكي يبرهن أن الإنسان الحديث الذي ينتسب إليه الشاعر/الفدائي، لم يمت، وأنه مازال بطلاً متمرداً عنيداً، لذلك كان التساؤل الذي تطرحه الأسطورة "البئر المهجورة " هو: لو استشهد إبراهيم في معركة الإنسان المعاصر، فهل تكون الأمور على غير ما هي عليه؟ هل يتسنى لنا بناء شعب وحضارة جديدين، وإحراز التقدم والرقي الذي نبغي ونطلب، لإعلاء شأن الإنسان، وصيانة حقوقه، واحترام وجوده وحريته "التي هي هو"، ولذلك– أيضا –كانت الرسالة التي تتضمنها القصيدة، وتبعثها، إلى الإنسان المعاصر، هي أن هناك آبارا مهجورة، كلها خصب وحياة وبعث، أغضضنا عنها الطرف، فلم نشرب من مائها، ولم نرم بها ولو حجراً، وإبراهيم ليس إلا تدليلاً على وجود هذه الآبار في عالمنا، تلك الآبار التي نمر بها ونراها كل يوم ولا نلتفت إليها مطلقاً (5) :

كان حيّاً . أمس شق الفجر عينيه،

مضى يحمل قلباً ضاحكاً للنور، للدفء، مضى

يرفع زنداً، يضرب الأرض بكلتا قدميه،

يصفع الريح على خديه، يجري،

قيل نهر دافق، قيل سكون

حرت الرؤيا به. أو قيل شئ

لا يكون الكون لولاه، أيمضي؟

هكذا، يمضي، ولا يمضي سواه.

يا إلهي . حينما مات ألمْ

يشفع به حسن ؟ ألمْ يشفع

به سعي إلى الأسمى.

فيا ما مزق الشوك يديه،

وقسا الدرب عليه.

ولكم شيد، كم هدم، كم

ثار على الشئ، إذا ضن، إذا

جف، إذا هيض جناحاه،

وكم تاق إلى الفعل، فأعلى

حرماً، أو أنزل الله على الأرض،

إلهي، حينما مات ألمْ

يشفع به الوهم الذي كانا.

أما والآن قد مات، فهل

تحيى أمانيه ؟ تناجيه عروس الجن؟

تحمر الثمار الخضر في الوادي؟

أ يدري النجم؟ يأتيه

مجوس الشرق والغرب؟

إلهي . أغلق القلب على السر ودعني

أجمع الذكرى بعيني، بوعيّ،

لا لأطويها.

" حياتي لم تعد شيئاً.

ترى موتي هو الشئ؟"

ففي الموت عرفناه.

وما كنا عرفناه.

وحق الشئ أن يعرف،

كالحب الذي يعطى،

أو الخير الذي يرجى.

عرفناه

عرفنا ذاتنا فيه:

عالم ُ أوصده النسيان: لا

وقع حصاة،

لا صدى.

عالم مات به جرح الخطايا.

ولكم كان يصلى.

" مدّ لي يا رب شطآن خلاصي.

ها أنا أركض في الأرض

ها أنا أركض في الأرض

وأقدامي حديد، وعلى دربي حديد،

خلّني أمشي على الماء قليلاً

بعد حين يقفر الحي

وظلي يستطيل.(6)

وهكذا يودع يوسف الخال شخصية "اللامنتمي" في فترة ( المفازة ) ليكون بطل  "البعث" يتربع سنا المجد والبطولة، حكيماً يعرف ما يأخذ وما يذر، فارساً لا يهاب عواقب الاقتحام والتقدم والرجولة، صاحب معجزات (خلني أمشي على الماء قليلاً)، إنه شهيد ومجاهد في محراب العلم والتطور والثقافة والجهاد، أراد أن يكون ناراً عاصفة تحرق كل بال وعتيق، لتهب الحياة كل ما هو جديد، إنه كما " آلهة" العصور القديمة، بطل عصره، وعنوان زمانه وأمته؛ وبذلك يحاول الخلاص من آثام "المفازة"، بوسائل يبتدعها ويخلقها، ليتجاوز بها كل طقوس الظلام الضاربة حوله. من فكرة الموت والبعث في أسطورة تموز والمسيح، إلى البطل الشهيد،إلى الرحلة التي سوف تأتي– صوب البحر للالتقاء بأزمنة أخرى، وحضارات أخرى، لجلبها إلى زمنه وبلده وأمته، ليتخلص من مرارة زمنه التي تشقيه، وتشل كيانه، وليتجاوز كل التعاريف القديمة والقوانين القديمة والأزمنة القديمة، فهو يريد أن يتخطى الزمن الخارجي بالزمن الداخلي، وأن يأتي بالحلول من داخل ذاته، لا من الخارج فحسب، وليصهر كل ما تعلمه في حياته من حكايات وعقائد وقيم، وبما عاشه واطلع عليه الآن من عقائد وقيم وأفكار جديدة، في بوتقة الذات، لتفرز لنا نمطاً جديداً ومنوعاً من الطروحات الفكرية، والمشاعر والأحاسيس الذاتية، لتمحى بها خطايانا، وتورق آلام المساكين، خبزاً ودفئاً، ولتلمسنا أصابع الشك، فتمنحنا اليقين:

أعطشان ؟ خذ الصخرة واضربها،

أفي العتمة ؟ دحرجها عن القبر.

وأما عضك الجوع فهاك المنّ والسّلوى،

وأما صرت عرياناً فخذ من ورق التين رداءً

يستر الأثم، يواريه عن الناس.

وفي التجربة الكبرى

تصبر صبر أيوب ولا تهلع

إذا ما استفحل الشر:

صليب الله مرفوع على رابية الدهر .

وفي الشط مناراتُ متى ضاءت

ضربنا جبهة الفجر بأيدينا، وفجرنا

من الصخرة ماءً يجرف الرملَ

إلى البحر، وفي الأفق جناحا طائر

حطا على جمجمة الليل،

وفيه نجمة سمراء تروي قصة

المزود للرائح والغادي . وفي السر،

متى يعرى، إله ملأ العين،

إله لم يمت بعد، إله سكب

الحب على الجرح ِ؟.(7)

ليمنح هذا الحب البرء والطهر، وليحل محل رموز الجدب القديمة، رموز المطر والثمر، والجزر التي لا تعرف " الضجر"، ونرى: بعد معاناة العظام التي لا يطمرها أحد، وجهاً واعداً بكل لذة:

"أنا الجمال: يا جداول النبيذ جُدّلت

على اللّجَين، يا شواطئ العقيق يا فمي!" (8)

وننتهي إلى الأمل بأن وجوهنا، بعد البحث والاعتراف لم تعد مفازة لـ(قدم البوار)، فالبحر والبئر المهجورة، والله، على منال منا.(9) لتزرع الفرح والأمل في سيرنا وتقدمنا، ذلك أن العالم في حدسه الأصلي، ليس سداً أو لا خلاصاً، وإنما هو عوائق وحسب، يواجهها، يمتزج بها، لكنه يبقى متميزاً ومفروزاً كالجسد في البحر، وكالعصفور في الهواء ويبقى أبدا يبحث عما يخلصه منها، لينفذ إلى الصميم والجوهر، مدركاً أن لحظة التماس مع الجذر في العالم، يتدفق منها الدم بقدر ما تتدفق النعمة، ولابد من هذا الدم لأنه علامة التماس، أما النعمة فعلامة اللقاء والوحدة، القصيدة هنا نوع من الصلب الداخلي الدائم، أي نوع من النمو الخفي الدائم. فَهْمُ هذا الشعر يقتضي النظر إليه من هذه الشرفة، أعني كحركة شاملة موصولة بغاية؛ حركة تشكّل، وأن تخللها أحياناً مواقف ومحطات وانهدامات، كلاً واحدَ النسق واحدَ النسغ . (10)

وهذا الحوار القائم بين وعي الانحطاط ووعي التطلع، بين الرماد والتجدد هو علامة الشعر الذي يعيش الحياة وينتصر على الزمن.

لقد كان الخال في مرحلة "المفازة" أقرب إلى الرمزيين الذين احتقروا بيئتهم وأخلاقيات طبقتهم الوسطى، وهو في هذه المرحلة أشد تماسكاً عاطفياً، وتبرز عنده الروح القوية التي تسود القصيدة، وهكذا يتحتم على الشاعر الأصيل أن يكون قاطعا كالسيف، لكي يستطيع أن يرى، وأن يفهم، وأن يضع حدا فاصلا بينه وبين الموت الذي يحيط به (11):

أيها البحر، أيها الأمل البحر

ترفّق بنا، ترفّق، ترفّق!

ما أدرنا وجوهنا عنك إلا

بعدما مَزّق السياط ضحايانا

ولم ترحم العبيد الجراحا،

وهي حُبلى

كل الجراحات يا بحر

حبالى، ونحن مهد عريق

للولادات، أيّ، أيّ إلهِ

ما رأى النور بيننا، ما تربى

كيف يحيا، يشقى، يموت.

ونحن

الشيءُ يا بحر، من زمان قديم

وبنونا حجارة للزمان،

والقباب التي تسّيج واديك

حضور لديك: في كل حوز

من حماها حكاية.ياعجوز الدهر

قُصّي، قُصّي حكايات أمس

ما طوتها كف الرمال الضريرة

ألف جيل يرد في ألف جيل

ردة الموج في المياه الأسيرة

أيها البحر، يا ذراعا مددناها

إلى الله، ردنا إليك، دعنا

نسترد الحياة من نور عينيك

ودعنا نعود، نرخي مع الريح

شراعاتنا، نروح ونغدو

حاملين السماء للأرض دمعاً

ودماءً جديدة.(12)

وأخيراً لعله وجد، جسر خلاصه، بالبحر، إنه يود أن يدير ظهره لكل شئ، وينطلق إلى هذا الرمز العظيم ... الحرية، الشرود وراء الآفاق ... وليبق رفاقه (13):

"رفاقنا الـ هناك في الرمال آثروا

الهجير والنقيق والضجر"(14)

وهنا تبدأ رحلة البحر(رمز الشاعر الجواب للآفاق) في قصيدة "السفر" لتصله هذه الرحلة بالضفة الأخرى، ضفة الحياة والبناء الحضاري الجديد:

وفي النهار نهبط المرافئ الأمان

والمراكب الناشرة الشراع للسفر

نهتف يا، يا بحرنا الحبيب، يا

القريب كالجفون من عيوننا

نجئ وحدنا،

رفاقنا الوراء تلكم الجبال آثروا

البقاء في سباتهم ونحن نؤثر السفر.

أخبرنا الرعاة ها هنا

عن جزر هناك تعشق الخطر

وتكره القعود والحذ،

عن جزر تصارع القدر

وتزرع الأضراس في القفار مدنا

حروف نور تكتب السير.

وتملأ العيون بالنظر

بها بمثل لونها العجيب يحلم

الكبار في الصِّغَرْ.(15)

إنه كما يبدو يجاهد وبحرقة عجيبة للوصول إلى(الإيمان/النعمة) ولكنه لما يصل بعد، لأنه يحاول أن يخرج من ماضيه، لكنه ما زال يحمل جذوراً تربطه به وناوياً لها  "البعث"، والتضحية بنفسه على مذبحه.وحتى يستطيع تحمل هذا الماضي الجاف، الميت، المقطوعة أسبابه بينه وبين الشاعر، يعيش يوسف الخال في ما يسميه إليوت "اللحظة الحاضرة " في الماضي، يعيشها كمن ينفذ حكماً قدرياً(16):

كالزمن

يدور وهو صاعد

مسمّر

يقبع في اللون

وفي الحروف

في حجر

على حجر

في التيه تارة وفي وقوع

خطوة على الأثر

يدور

والشك ورقة

تستر عورة السقوط

عورة الرفض:

سدوم

أم أورشليم

أم ظل أيوب على الأرض؟

يا أيها الراكض في السهول

كالزمن

تبدأ حيث تنتهي

فلا تزول.(17)

ولا تزول معه رحلته، وسفره، لاكتشاف واستكناه الأشياء، داخل الذات وخارجها،  في الشرق الذي قضيته الأساس الروح الميتافيزيقية؛ وفي الغرب الذي مال بكل ثقله إلى العلوم والمنطق والبناء المادي ؛وهو يعيش هذه الثنائية ويتلمسها ذاتيا" وليس على الشاعر من واجب خلقي سوى أن يكون مخلصا لفنه وأن يعبر عن تصوره للحقيقة في أكمل صورة "(18) وهو تلمس شعري حقيقي في هذه المرحلة، فهو البادئ بالثورة ميتافيزيقيا وإنسانيا، والعائش في مناخها، وهو الشعر البادئ بقتل الجامد المغلق في كل شيء، في السماء وعلى الأرض، في الإنسان والمجتمع، في الحياة والفكر، في السياسة والدولة.(19)

ولذلك جهد الشاعر في حدسه ورؤاه، أن يقتلع الفرد من جذوره، ويقتل في حياته جاذبية العبث، وهو يجهد أيضا أن يحّول هذا العالم الكمي، عالم الثورة والعلم إلى عالم كيفي، عالم الروح والخلق.(20)

إن يوسف الخال الذي واجه أنحاء المفازة بجرأة واثقة. ها هو يجوب البحر بالجرأة ذاتها، ويدخل شيئا من التنوع في تجربته، حيث يبرز عنده الآن، الإحساس بالطبيعة، وبجماليات المكان، وبذلك الشوق المرهف للبحر والجبال، وأرض الوطن، ليعيد إلى أذهاننا غناء الرومانسيين للطبيعة، الذين جعلوا منها إلها يعبدونه، حتى في أقسى مظاهرها الوحشية:

أخبرنا الرعاة في جبالنا

عن جزر يغمرها المطر،

يغمرها الغمام والخزام و المطر،

عن جزر يسكنها الحضر.

بها، بمثل لونها الغريب يحلم

الكبار في الصغر.(21)

كذلك حاول الخال في بعض قصائده أن ينعتق من أسار الماضي، على الرغم من أن الجواذب التي تشده إليه كانت توازي أو تقترب من الجواذب التي تشده إلى المستقبل، فإن المعاني التي تصورها قصائده لا تكاد تستشرف المستقبل حتى تشيح بوجهها عنه واجدة طعم الراحة ولذتها والاستقرار في الماضي، غير أن هذه القصائد تحمل الإيمان بأن في مقبل الأيام نوراً، وإن طال احتجابه؛ فتعمل على أن تنهل من الحياة بأعلى قدر ممكن:

أخاف يا حبيبتي

أخاف أن تكون

هذه الهنيهة التي نعيشها

هي الحياة كلها

هي الـ أنا و الـ أنت يا حبيبتي

وما الـ وراء إلا ظلمة

كالموت. كالإله. لا نعرفها

والخير قد يكون أن

نظل لا نعرفها(22)

وفي قصيدة "العمر" يغني لنا الربيع أغنية الفرح:

نزيح موجة الصقيع عن وجوهنا

نحكي لها حكاية الربيع:

كيف يبسم الهواء

تنشد الطيور، كيف

يرقص الشجر

وكيف تفتح النواة في الثرى

عروقها ويعقد الثمر.(23)

فعندما تنزاح الخطيئة والطغيان والقسوة، ويحل محلها إرادة الحرية، وعقل الإنسان، والحب، حب الإنسان وحب الأرض، فأن روح الكون ستكشف روح الحب، وتعود حتى صور العذاب والوحدة والألم، المتتابعة في هذا الشعر، سياجاً من القاربين يقدم الظل والطمأنينة، ذلك أن هذه القرابين تصبح، في آخر الطريق، أزهاراً وينابيع.(24)،  فأن "غاية ما نطلب من الشاعر هو  أن يكون مدركاً مفعماً بالحيوية  في عصرنا هذا. وعليه أن يثبت ذلك بجوهر شعره" (25).

إن هروب الخال عبر البحر، لاسترداد زمنه المفقود، وبغية العودة بالحياة الضائعة الميتة، إلى الوجود ثانية، لتعيش وتنبت وتزهر، من جديد، في أرض بلاده، كان هدفاً مركزياً، يخرجه من إطار الماضي، وتعويضه بصورة مقابلة له، فأن ما يكسو الحضارة، وراء البحر، من تقدم ورقي، هو عنوان تفوق، يماثل ما كانت عليه المسيحية في عصرها الزاهر في نظر الخال، فهذا التفوق يكون بديلاً عن الخسارات التي يعيشها،  باندحار وضياع الطاقات الخلاقة للإيمان. فهذه الحضارة التي أنشد لها إليوت أبشع صورة، وهاجمها بكل عنفوان، كان الخال يرى فيها أحد عناصر التفوق في رسالته (الروحية/المادية) في آن واحد، وهو بذلك يفترق عن فكرة الزمن الميتافيزيقية التي تصوره قوة منفصلة، تصارع الفرد والجماعة، إلى الزمن الواقعي في مراحله الثلاث، الماضي والحاضر والمستقبل، قبل أن يصطدم بفقدان النقاء المعنوي في هذه الحضارة.

هذا الفقدان، للروح في الحضارة الجديدة، أخذ يتولد عنه حنين عميق للعودة إلى الوطن. فإن التطلع إلى البحر الذي كان تفاؤلا وأملا كبيرا، لم يلبث أن غرق في صراع الذات والواقع الجديد؛ وللتعبير عن هذه العودة، استعار الشاعر صورة جماعة يونانية، ابتعدت عن البحر، فضلت الطريق إليه، وعادت للبحث عنه في شبه رحيل ديني، فلما لاح لها من بعد، شعرت أنها وصلت إلى أرض الوطن.(26)

نهار!

وكل نهار جديد

دنو إلى.. أثكا ضياع

لعشر سنين، ضياع وغربة

ونحن نصلي الرجوع . أنصر

هناك بطروادة، بعيدا على

تراب غريب؟

هلمّوا

لنفتح قلوع الصباح ونمضي

على اسم منرفا.

أهلا بمنرفا

وطأنا حصون العدو، عقلنا

جنون البحار، قهرنا

عمالقة الأنس والجن ...

وعدنا.

لريح الشمال هنا، يا أوديس.

عبير أليف."

عبير حلا.

لكل تراب عبير

لأبنائه، ولون، وطعم

وغنة صوت.

-"لنهتف، إذن

ونذبح قرابيننا . ونشد، ونرو

وقائع أبطالنا ..."

ونسرع، فلا

تباغتنا الشمس.

-"نعير الرياح

سواعدنا . فقد نبصر الشط

قبيل المساء."

بلى،

وقد نلمس الأرض

"بأحداقنا

ونبكي. " (27)

لقد عاد يوسف الخال أخيرا، إلى وطنه، بعد ضياع طويل في متاهة البحر، أبعدته عن أصالته؛ ليجد الذين تركهم، مؤثرا السفر عليهم، ومؤثرين البقاء، لم يكن بقاؤهم إيثاراً للبقاء؟ أو عن عجز أو خنوع، بل لأنهم كانوا قادرين على الصمود، أمام ذلك الجفاف! لأنه جزء من تكوينهم، ولأنهم عاشقون له، وقد ألفته نفوسهم، فالأرض التي نبتوا فيها، وصدروا عنها، هي أرض جفاف، منذ عهود لا تخطر بالذاكرة، لكنهم يقدسون شرائعها، وينعمون بنقائها، وصمتها، الذي علمهم الحكمة والصبر، وعلمتهم عبر تاريخها، أن "بعثها"، يولد من "رحمها" وعلى يد أبنائها. و لا يسعه أخيراً إلا القبول بمرارتها، منشدا  ومغنيا، لهذه المرارة، أجمل صورة:

ونبدأ غربتنا من جديد

على أرضنا. يقال الرحى لا تدور

ولا القوس ترمي .

ويأبى السنا أن يعود

ليمسح جفنا بجفن.

يقال أجيناس جنّ، وأخميد

مّزق عضوا فعضوا. يقال القبور

تغصّ بأحرارنا، والحقول

موات . يقال ... وحكامنا

رعاة خنازير.

لا ! لا !

سنبدأ غربتنا من جديد

وعودتنا. ضياع الغريب

على أرضه ضياع أمرُّ

به لا يرجّى رجاء

(بأوديس)

يُرْجَى. سنرفع هاماتنا للسماء

ونحمل راياتنا

ونمشي . ويهرع كّل إلينا

ويبسم طفل:

حياة فنحيا.(28)

فما أراده يوسف الخال، وجعله عنوانا لإرادته وطموحه، وتكثيفا لتجربته الشعرية، منذ أن ولج في أول خطوة عالم الشعر، ذلك الاقتباس من(أوديسة هوميروس) كان قد تحقق عبر هذه الرحلة:

"أين ذاهب أنت، أيها التعس!

شاردا فوق هذه التلال،

وغريبا في هذا القفر من الأرض،

ووحيدا...

هو ذا شعبك!

داخل الجدران حبيسا

كقطيع من الخنازير...

... ماذا؟

أذاهب إليهم أنت،

لتطلق سراحهم،

وتجعلهم أحرارا ؟"(29)

إن هذا الاقتباس/العتبة الذي وضعه الشاعر في صدر ديوانه الأول"الحرية" يوازي أو يمثل إرادة الخال للرحيل والبحث عن النصر، وإرهاصا لما ستؤول إليه هذه الرحلة، فإن شيئا لم يتحقق في هذه الرحلة الشاقة عبر الشعر والبحر، إلا إرهاص "العودة الخاسرة" ليفتش عن الطمأنينة و"البعث" في وطنه، فبعد كل هذا العناء من دوار البحر  فأنه لم يطلق سراح شعبه، ولم يصل بهم إلى ضفاف الانتصار والحرية، وكذلك فأن هذه الرحلة لم تجعل الصدمة المدمرة لكابوس المفازة أن تندمل؛ فإذا ما أريد "للبعث" أن يتحقق فعلا، فينبغي أن يكون هناك "الله/المسيح"؛ وهو موضوع القراءة القادمة.

 

د. رياض الناصري

...........................

الهوامش

1- الأعمال الشعرية الكاملة، ص 218 .

2- الأعمال الشعرية الكاملة، ص 201 وما بعدها .

3- ينظر: تعليم الطلاب التفكير الناقد، شيت مايرز، ترجمة:عزمي جرّار، مركز الكتب الأردني، 1993، ص8.

4- الأعمال الشعرية الكاملة، ص206 .

5- شعرنا الحديث إلى أين ؟، ص136وما بعدها .

6- الأعمال الشعرية الكاملة، ص214 وما بعدها .

7- الأعمال الشعرية الكاملة، ص221وما بعدها .

8- الأعمال الشعرية الكاملة، ص238 .

9- ينظر: النار والجوهر، ص46 وما بعدها .

10- ينظر: قصائد مختارة، ص11 .

11- ينظر: قصائد مختارة، ص18 .

12- الأعمال الشعرية الكاملة، ص228 وما بعدها .

13- يوسف الخال من البئر المهجورة إلى قصائد في الأربعين، علي الجندي، مجلة الأديب، لبنان،ع يونيو1961، ص26.

14- الأعمال الشعرية الكاملة، ص234 .

15- الأعمال الشعرية الكاملة، ص232 وما بعدها .

16- ينظر:مسيحية المنطق وعبثية الإيمان، ص99.

17- الأعمال الشعرية الكاملة، ص306 وما بعدها.

18- مختارات من النقد الأدبي المعاصر، د.رشاد رشدي، مكتبة الإنجلو المصرية، بدون ط أو ت. ص1.

19- ينظر: قصائد مختارة، ص19 .

20- نفسه، ص20، وما بعدها .

21- الأعمال الشعرية الكاملة، ص234 .

22- الأعمال الشعرية الكاملة، ص251، وما بعدها .

23- نفسه، ص321.

24- ينظر: قصائد مختارة، ص14.

25- اتجاهات جديدة في الشعر الإنكليزي، ف. ر. ليفز. ترجمة:عبد 26- الستار جواد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1987، ص12.

27- ينظر: البئر المهجورة ليوسف الخال، ص141 .

28- الأعمال الشعرية الكاملة، ص332 وما بعدها.

29- الأعمال الشعرية الكاملة، ص334 وما بعدها.

 

هناء القاضيانجذبت لعنوان ديوان الشاعرة المبدعة د. هناء القاضي "ايلول وضوء القمر"1 قبل ان اقرأه ، وكما هو معروف ان القمر يستمد الضوء من الشمس والشمس مؤنث بينما القمر المعتم مذكر، وهي صورة مركبة تشترك عدة حواس لاستخلاصها والتمتع بشعريتها وبساطتها غير المتوقعة كما انه "العنوان" يحمل مسحة رومانسية جاذبة يمكن ان تتجسد بمخيلة القاريء لعدد المرات التي لا تحصى التي يشد بها القمر الناظر اليه ولكن اضيف له شيء من الخصوصية بتفرده بشهر ايلول دون غيره ربما يقترن لدى الشاعرة بذكريات خاصة لها وقعها الخاص في نفس الشاعرة او ذاتها الشاعرة على درجة من الانبهار الذي يمكن ان نستنتجه من اللوحة التي رسمها كلمات العنوان القليلة والمعبرة .

  البساطة المقترنة بالدقة في احد تجلياتها تعبير عن التصالح بين الذات وخارجها ، تلك لمسة شفيفة مما توحي بها قصائد الشاعرة وشعريتها العالية ، تشكل المرتكز الاساسي لما تفيض به المشاعر وتجلياتها الذاتية غير المنغلقة بل المنفتحة على افاق غير محدودة من التأملات والتداعيات والذكريات بحديها السار والمحزن .

الاغتراب ولا شك يولد صورا غريبة احيانا ، ولكنها في الواقع ليست كذلك الوحدة والغياب والحنين لشيء ما بفتقده المغترب والانتظار الذي دائما يكون ما لا طائل له هموم ليست عابره او مشاعر مبعثرة بلا معنى وانما حالات شعورية يتميز بها المغترب وتكون اكثر وضوحا لدى الكتاب والادباء والفنانين ، وهذا ما لمسته كخيط رفيع وغير مرئي يشد قصائد الشاعره يتنظم هنا وينفرط هناك كأنه الثيمة العالقة التي لا مفر منها:

والوقت ..

يكسرنا .. يبعثرنا

يفيض علينا بالوحشة

يولد الغبش في حاضر رسمته .. من دونك

ص18

6 hanaa

ويحضر السرد الشعري في بعض القصائد وهو عندي اجمل الشعر ، لانه متعدد الثيمات ، يجمعها هدف واحد لا يخلو من المناجاة:

كم حلمت ..

ان ننهي المشوار ..

قابعين في كهولتنا ..

وانت ..

لا تكف عن التذمر

وكذلك انا

لكننا نقيضين .. يصلحان لبعضهما

غب .. ما شئت

ستبحث عني دوما .. وتنتظرني

.. وانا ..

في الفراغ الذي تركته .. بي

ساتيك ..

ص24

مشاعر الاغتراب شفيفة لحد الوضوح من خلال انعكاساتها على الشخوص ودائما ما تأتي من طرف واحد "الذات الشاعرة" لتعبر عن حالة او ذكرى عابرة ولكنها مؤثرة او حنين لحالة تجسد ذكريات مضت وبقت اصداءها في الذاكرة .

وبين ذلك يأتي الوطن بصور واشكال تجسد حنيا لغياب حاضر :

ساترك شباكي مفتوحا للرياح

هلا تاتي مع رائحة القداح

شاركني قدح الشاي بطعم الهال

او

اوهمني ان التاريخ ما زال يحتفظ ببقايا فضيلة

هل تاتي

كاحلام ظهيرة نيسان

ص16

لا التباس هنا بين العاشق والوطن الذي يحمل اجمل الاشياء لمحبوبته حلما او واقعا .

لغة القصائد مركبة تمتاز بخصوصية لا تمنح نفسها للقراءة غير المتمعنة او العابرة ، قراءة الشعر تختلف عن قراءة المقال او الخبر الصحفي وما شابه ، تحتاج الى فسحة من التأمل والهدوء ، لذا عدت اكثر من مرة لقراءة بعض القصائد رغم ما تبدو عليها من بساطة ظاهرة ولكن لها تداعيات ذهنية تتجسد بصور مباشرة وغير مباشرة تجذب القاريء باتجاهات مختلفةواحيانا تجعله مشاركا للشاعرة باحاسيس الاغتراب والوحدة والانتظار .

 

قيس العذاري

21.8.2020

.........................

 * ايلول وضوء القمر، لهناء القاضي، اصدار مؤسسة المثقف العربي سدني استراليا والعارف للمطبوعات بيروت

 

علاء اللامي(هذه القصة كتبتُها دفعة واحدة من الساعة العاشرة مساء حتى السادسة صباحاً. تجمّدت ساقاي حتّى أنه أصبح مِن العسير عليَّ أن أسحبهما مِن تحت الطاولة. المجهود الهائل والغبطة الغامرة، كيف تطوّرت القصة أمامي، وكيف تقدّمت في فيضان... كيف يمكن أن يقال كل شيء، كيف تُعدُّ نار متأججة لكلّ الخواطر وأكثرها غرابة، تحترق وتنبعث. كيف أصبحت الدنيا زرقاء أمام النافذة. مرّت عربة. وعبر رجلان الجّسر... كتبتُ الجملة الأخيرة. إطفاء المصباح وانتشارُ ضوء النهار./ كافكا ..من اليوميات)

معروف أن دراساتٍ وكتباً كثيرة ناقشت وحللت نقديا أعمال كافكا في أوروبا وخارج أوروبا وخصوصا قصة " المحاكمة "، مما يجعل أية مقاربة نقدية جديدة لهذه القصة أو لسواها من أعماله عرضة للاتهام بالتكرار وإثارة السأم، خصوصا إذا كانت تلك المقاربة تعج في أكثر من نصفها بمناقشة لآراء النقاد السابقين كما يقتضي التقليد الأكاديمي أو العرف التأليفي والبحثي المألوف في دراسات ومقالات نقدية كهذه. ولكننا هنا لن نعمد إلى استعراض آراء الآخرين، إلا لماماً، وبما يخدم السياق العام لمقاربتنا النقدية، ولكننا سنحاول أن نقدم مقاربة شخصية يمكن الحكم على جديتها واقترابها أو ابتعادها عن تحقيق أهدافها بعد الانتهاء من مطالعتها. هذا الكلام لا يعني التشكيك المجاني بالمنهجيات التي اختطها الآخرون، ولا بالثوابت الأكاديمية التي انطلقوا منها، بل هو مسعى لجعل محاولتنا أكثر شخصية، و بالتالي أقرب إلى طبيعة المنطلقات التي اقترحتها واعتمدتها بشكل شخصي.غير أن تناول أعمال كافكا أو سواه من كتاب عصره، وحتى من عصور أقدم من ذلك بكثير، ليس أمرا مرفوضا بحد ذاته، أو أنه قليل القيمة النقدية والفكرية، إذ لا أحد يستطيع أن يوقف الاهتمام في يومنا هذا بالأعمال الكبيرة القديمة كالإلياذة أو الشعر العربي القديم أو أعمال شكسبير ودوستوفسكي وحتى الملحمة الشعبية ألف ليلة وليلة وإعادة قراءة هذه الأعمال منهجيا والنظر إليها بعينين مختلفتين، أو يُراد لهما أن يكونا مختلفتين؟ لا أحد يستطيع أو يسعى إلى ذلك، غير أننا قصدنا شيئا آخر يتعلق بآليات القراءة النقدية انطلاقا من تجربة خاصة نسعى إلى جعلها أكثر أسئلة وأقل أجوبة وأحكاماً معيارية كما هو شائع في هذا النوع من الدراسات.

تطرح قصة "المحاكمة" ومنذ بداياتها سؤالا مهما عن ماهية الموضوع الذي تخوض فيه وتجعله مادتها وخلاصتها، وأيضا عن طريقتها الخاصة لقراءة وتقديم ذلك الموضوع. وقد اختلف النقاد ومتابعو أدب كافكا في موضوع هذه القصة اختلافا بيِّنا بلغ في حالات معينة درجة التناقض الجدي، وسنقدم بعد قليل جردة سريعة ومبتسرة لبعض وجهات النظر، محاولين أن تكون مكثفة ومفيدة.

هنا، في غمرة هذا الاختلاف والافتراق العميقين يمكن أن نتلمس نوعا خاصا وفريدا من الغنى المضموني، وتلك خصيصة يمكن للباحث أن يجدها في أغلب أعمال كافكا التي كانت هي الأخرى موضوعا للاختلاف حول موضوعها الأرأس.ولعلنا نلمس من خلال هذه الخصيصة جزء ثابتا من الهوية الإبداعية لكافكا ولنصوصه، بمعنى أن هذا الغنى والتنوع المؤكَد باختلاف القراءات يمكن أن يساعدنا كثيرا على التأكد من هوية عدد من النصوص التي تنسب لكافكا ولكنها موضع شكوك وتمحيص كما هو الحال مع مسرحيته " بنات آوى وعرب". على أن السمات العامة لأدب كافكا، المرصودة جيدا من قبل نقاد متميزين، والتي تطرقنا وسنتطرق لبعضها في مناقشتنا هذه، تضم هذا الجزء الثابت على بساطته إلى جانب أجزاء أخرى شكلية ومضمونية، وكل هذا يعطي لأدب كافكا هويته الحقيقية.

 

سنتنازل أيضا عن "حقنا" في تقديم خلاصة ضافية لأحداث القصة " المحاكمة" على افتراض أن القارئ يعرف عمَّ نتحدث وما هي تلك الأحداث ولكننا سنكتفي بخلاصة مكثفة نقول فيها: إن بطلها استفاق صباحا ليجد نفسه معتقلا وملاحقا قضائيا من قبل محكمة لا يعرفها، ومتهما بتهمة لا يعلم ماهيتها، ولسوف يبذل جهودا خارقة لا ليثبت براءته التي هو متأكد منها، بل ليعرف السبب وراء اتهامه والقبض عليه في غرفة نومه. وخلال ذلك كله، يتعرف على عالم المحاكم والمحاماة الغريب العجيب والكابوسي حتى تنتهي القصة بصدور الحكم عليه بالإعدام، ومن ثم ينفذ الحكم طعنا بالسكين من قبل اثنين من موظفي تلك المحكمة الغربية والغامضة، وكان كافكا قد روى هذه النهاية ضاحكا في جلسة مع أصدقاء مما يؤكد طبعه المرح وغير المتجهم والسوداوي - بالمعنى الكابوسي للعبارة- لشخصيته. وأسجل هنا، أن هذه المعلومة التي تتحدث عن كافكا وهو يقرأ ضاحكا لأصدقائه الخاتمة الدامية لمسرحيته، جعلتني في حيرة من أمر هذا التصرف وكيفية تفسيره. وقد ناقشت مع نفسي عدة احتمالات لتفسيره لما يعنيه أو يستبطنه من قيمة معينة، وكنت أميل إلى احتمالين: الأول، هو أن كافكا ظل يحتفظ في أعماقه بشعور من السخرية التي قد تبلغ الازدراء لهذا الموظف غريب الأطوار والذي يخلط الحكمة بالسذاجة بالتهور و بصلف البرجوازي الصغير الأوروبي عهد ذاك حتى دفعه إلى هذه النهاية، التي لا أشعر شخصيا بأنها الأكثر منطقية وانسجاما مع مجرى الأحداث. والثاني، هو أن كافكا ربما كان يقرأ هذه الصيغة للخاتمة ضاحكا، دون أن يقطع، وبشكل جازم، أنها الخاتمة النهائية، وربما كانت لديه أكثر من صيغة لنهايات أخرى. غير أن هذا الذي أقوله هنا من احتمالات يبقى مجرد ترجيحات ورجما بالغيب قد لا يؤدي إلى أي شيء مهم على صعيد فهم المضامين، خصوصا وأن طابع الفكاهة السوداء يخترق النص من بدايته إلى نهايته. وعليه، يمكن النظر إلى هذه الخاتمة بالذات كجزء من تلك الفكاهة السوداء ولكن مع القهقهة التي تصدر عن المؤلف.

نترك أحداث القصة مكتفين بالتعرف على ما كان مهما وضروريا من وجهة نظرنا، ونحاول الآن أن نقدم وصفا للحالة النفسية والعقلية والروحية التي كان عليها كافكا شخصيا، وللكيفية التي كتب فيها قصته هذه خلال ليلة واحدة ولكن بقلمه هو. إنها كيفية لا تقل غرابة عن موضوع وماهية القصة، وبل يمكن أن نجازف بالقول إنها جزء وطيد من النص المنتج من قبل كاتب كان يعيش حالة من الفيض أو التوهج الإبداعي العجيب. لنترك كافكا ذاته يصف تلك الساعات العاصفة والغامضة في يومياته في النص التالي:

(هذه القصة "الحُكْم [1]" كتبتُها دفعة واحدة ليلة 22 – 23 من الساعة العاشرة مساء حتى السادسة صباحاً. تجمّدت ساقاي حتّى أنه أصبح مِن العسير عليَّ أن أسحبهما مِن تحت الطاولة. المجهود الهائل والغبطة الغامرة، كيف تطوّرت القصة أمامي، وكيف تقدّمت في فيضان. عدّة مرات في هذه الليلة حملت ثقلي على ظهري. كيف يمكن أن يقال كل شيء، كيف تُعدُّ نار متأججة لكلّ الخواطر وأكثرها غرابة، تحترق وتنبعث. كيف أصبحت الدنيا زرقاء أمام النافذة. مرّت عربة. وعبر رجلان الجّسر. في الساعة الثانية نظرتُ إلى الساعة للمرّة الأخيرة. وإذ دخلتْ الخادمة الغرفة الأمامية للمرّة الأولى، كتبت الجملة الأخيرة. إطفاء المصباح وانتشارُ ضوء النهار. آلام القلب الخفيفة. النُّعاس الذي زال منتصف الليل. الدخول المرتجف إلى حجرة الأختين. قراءة. قبل ذلك التمطّي أمام الخادمة والقول: "لقد كتبتُ حتّى الآن". منظر الفِراش الذي لم يُمَسّ، وكأنه أُدخِلَ لتوه. والقناعة التي تأكدت أنني بكتابتي الروائية إنّما أُوْجَد في قيعان كتابة مزرية. (أما الآن) فهكذا فقط يمكن الكتابة، فقط في مثل هذا السياق، وبهذا الانفتاح الكامل للجسد والروح ....[2])

أعتقد إن الذين جربوا نعمة و متعة الكتابة الإبداعية، أو غيرها من أشكال الإبداع الفني، التشكيلي أو سواه، شعروا وهم يقرأون أسطر كافكا هذه بأنها تخصهم هم، أعني تخص كل واحد منهم، وقد شعر بها هذا المبدع أو ذاك ذات مرة وهو في غمرة عملية إبداعية أو بعد الانتهاء منها بقليل.

لا أعتقد بأن هناك تصويرا دقيقا وراقيا لهذه الحالة من الفيض الإبداعي عبر عنه كاتب آخر كما عبر عنه كافكا في هذه الأسطر القليلة الكلمات والمتوهجة بالفرح والسحر والتحليق الجمالي في سماء الإبداع .

هناك رواية أخرى حول كتابة هذه القصة، لا محيد من الإشارة إليها على سبيل العلم بها على الأقل، تذهب إلى أنه كتبها ولم يتمها بين عامي 1914 و1915، أي في الفترة التي اندلعت فيها الحرب العالمية " الأوروبية " الأولى، وتلك فترة مهمة في التاريخ الأوروبي تنطوي على عوامل ومقومات نمذجة تاريخية واجتماعية وحضارية غاية في القوة والوضوح، الأمر الذي يسهل كثيرا عملية التقعيد " التنميط" لهذا العمل الأدبي التأسيسي والذي ندر أن يوجد عمل مهم يشابهه في التعبير عن طبيعة العصر الذي كُتب فيه. وتواصلا مع ذلك، فقد ذهب عدد من النقاد والمفكرين إلى اعتبار كافكا واحدا من أهم المبدعين الذين عبروا عن عصرهم تعبيرا جماليا و أدبيا نموذجيا وأخاذا. فالفيلسوف الألماني المعروف ثيودور أدورنو يقول إن كل من تمر عليه "عربات كافكا" سيفقد حتما وإلى الأبد سلامه مع العالم، وكأني بأودورنو يعني أيضا: إن من يقرأ سرديات كافكا المفعمة بالشعر الروائي – كما أسماه كونديرا - الشفاف والصلب كالكرستال، و المعبرة بنجاح عن عصره، الذي هو عصرنا أيضا مع الفارق، سيفقد إلى الأبد سلامه الداخلي المعتاد، ولكن أي معنى يمكن أن تستبطنه عبارة " السلام الداخلي" غير ذاك المساوي لجهلنا بالعالم الذي نحياه، أو بكلمات أخرى : للعالم كما رأيناه وعبرت عنه كتابات مختلفة نوعا وبعمق لكتاب آخرين لم يروا من العالم إلا ظلاله أو سرابه.

ويماثل أديب أوروبي آخر هو دبليو . إتش . أودن بين كافكا ودانتي وشكسبير وغوته من حيث تعبيرهم عن العصور التي عاشوها، وكتبوا فيها وعنها. ويبدو لي إن الاسم الأكثر إغراء من بين هذه الأسماء الواردة في عملية التماثل هو "دانتي أليغيري" وخصوصا إذا ما برق في الذهن اسم عمله التأسيسي الضخم الكوميديا الإلهية بشقيه : الفردوس والجحيم . أما الشاعر الفرنسي الكبير بول كلوديل فهو يضع كافكا في مصاف "راسين" الذي يعتبره أعظم كاتب، وقد تكون هذه المقارنة شخصية أكثر منها موضوعية وعامة وبالتالي فهي أكثر "فرنسية" من سواها، الأمر الذي لا يغمط القيمة العالمية لأدب راسين من وجهة نظر شاعر كبول كلوديل ولكنه يبقى الأقل توفيقا بين المقارنات الأخرى.

من هنا، فإنه لمن قبيل المقاربة الواعدة و التقييم الموضوعي القول بأن كافكا كان يعتبر من بين جميع مجايليه وزملائه المبدعين الأوروبيين، عشية الحرب الأوروبية " العالمية" الأولى، الممثل الأبرز والمعبر الأدق عن روح العصر الحديث، عصر القلق والحروب والصراعات والاغتراب والتشيؤ الإنساني، عصر غزو وتدمير واستعمار الشعوب والأوطان الأخرى غير الأوروبية وصمود وصعود تلك الشعوب والأوطان المستهدفة بالعدوان الغربي.

يزيد من خصوصية تجربة كافكا الإبداعية الحالة الشخصية العاطفية والصحية التي كان عليها آنذاك، فقد كان يعيش آنذاك تفاصيل وتداعيات فشله في علاقاته العاطفية والغرامية التي تأوجت بفسخ خطوبته رسميا من الآنسة فيليس باور، إضافة إلى ظهور العلامات الأولى لإصابته بداء السل الذي سيضع حدا لحياته بعد ذلك بعشر سنين [3]. ولكننا نميل إلى عدم الأخذ بهذه الرواية، لأن سابقتها وردت في يوميات كافكا نفسه، مما يجعلها أكثر موثوقية وصدقية. وربما يمكن فهم الرواية الثانية على اعتبار أن كافكا كتب المسودة الأولى للقصة وبقيت على حالها دون مراجعة، أما القول بأن القصة بقيت دون نهاية حتى جاء ماكس برود فهو قول يتنافى مع وجود النهاية الحدثية المنجزة فيها بتنفيذ حكم الإعدام ببطلها "ك"، أما القول بأن هذه النهاية أضيفت فيما بعد، أي بعد رحيل كافكا عن عالمنا، فهو زعم مختلف لا يمكن تأكيده بسهولة، وقد مررنا في هذا الفصل على ما يؤكد أنها هي النهاية الحقيقية ولم تضف بعد وفاته، وأن كافكا كان قد قرأها ذات مرة لأصدقائه ضاحكا.

بالعودة إلى الكيفية التي كتبت بها القصة خلال ثماني ساعات من ليلة واحدة، نجد أن المؤلف كان أشبه بضحية لحالة من الانفجار الإبداعي المحموم والتحرير النفسي والروحي عبر نوع من الهذيان المشوب بالفرح والغبطة الملازمَين لحالات كهذه. هنا تحديدا، يمكن لنا أن نتفهم حالات الغموض وصعوبة التماسك التي قال بعض النقاد إن كافكا كان يعبر عنها أحيانا حين يتكلم عن موضوع وتفاصيل وأجواء هذه القصة، حتى تبدو القصة أحيانا، وكأنها كتبت من قبل شخص آخر. غير أن بصمات وروائح ومواصفات أخرى تؤكد اللُحمة الفنية والمضمونية التي تمتاز بها أعمال كافكا الأكثر أصالة وعمقا.

لنطرح الآن، تساؤلا بسيطا في ظاهره، ولكنه قد يكون في غاية الفائدة لنا في مقاربتنا لهذا العمل المهم: ما موضوع هذه الرواية ؟ يمكن لنا في الواقع أن ندرج مجموعة من الإجابات المختلفة عن بعضها إلى هذه الدرجة أو تلك، فالإجابة على هذا السؤال يمكن أن تكون:

- قصة عن العبث البيروقراطي والفساد الرهيب في أجهزة القضاء.

- أو عن الصراع الدائم ومحاولات فرض الهيمنة والتسلط والقمع بوجهيه التوتاليتاري والبطريركي في مجتمعات أوروبا الغربية في بداية القرن الماضي.

- أو هو انعكاس لتجربة شخصية مرَّ بها كافكا حين فشلت علاقته العاطفية مع الآنسة فيليس باور وخضع – كما يروي أحد النقاد دون توثيق - لمحاكمة عائلية مذلة، فُضِحَ فيها كخائن لخطيبته باور من قبل صديقتهما المشتركة غريت بلوخ، وقد تطرقنا لوجهة النظر هذه في الفصل السابق من الكتاب، وهي وجهة نظر عبر عنها أحد نقاد كافكا هو إلياس كانتيني.أما هلموت كايزر فقد ذهب بعيدا حين قال إن جوزيف ك كان (يعاني من اضطراب غريزة وكبح جنسي وأنه تعذب بسبب احتقان الشهوة الجنسية التي لم تعط إمكانية لإشباعها..)

- أو إنها قصة عن رسالة دينية مبطنة في ثنايا النص القصصي لتكون أمثولة دينية وعرضاً لبحث الإنسان عن الله، وهذه هي وجهة نظر ماكس برود الذي ورد ذكره في مناسبات عديدة في هذه الدراسة بوصفة الشخص الأكثر إضرارا بكافكا وبتراثه وإنجازه الفني الروائي .

- أو هي قصة عن الهوية اليهودية ومعاداة السامية ضمن مناخات البيروقراطية الأوروبية، حيث اليهودي كما يزعم البعض "متهم دائما وعليه إثبات براءته".

- هل القصة تعبير عن حالة عزلة إنسان بدايات القرن العشرين المتشيئ والمغترب عن عالمه وحياته أم إنها – كما يعتقد كونديرا – تعبير عن اختراق تلك العزلة بشكل لا إنساني

- أو لعلها قصة عن المصير الإنساني البائس وعبث الوجود الذي ينتهي بالموت دون أن يقيم اعتبارا للبراءة .

- وقد تكون القصة انعكاس لحالة الفزع الذي عاناه كافكا بسبب قسوة أبيه المستبد.

واضح أن هذه الإجابات الاحتمالية مجتمعة لا يمكن أن تكون نهائية وكاملة ومحقَّقة، بل ربما كانت صورا مختلفة لمحاولة طرح إجابة شخصية في جانب منها، وقد تعبر مجموعة منها عن وجه أوسع من أوجه الحقيقة التي يستبطنها نص كافكا، أما الحقيقة الكاملة فلا وجود لها في عالمنا الأدبي والجمالي الذي نحن فيه، بل قد لا تكون لها أية أهمية تفوق حقائق أخرى تتعلق بنسيجها أو تعبيراتها الفنية الأخرى.

لا يمكن في المقابل أن نتجاوز أو نهمل، عمدا ودون تمحيص أو تدقيق، وجهات نظر أخرى تعترف بعجزها أو بالتعبير الفلسفي المدرسي " لا أدريتها "، ومن بينها مثلا وجهة نظر الكاتب "توماس مان" الذي قال إن عقله ليس معقدا بشكل يكفي لفهم رواية المحاكمة، يقاسمه هذه الفكرة الشاعر كورت توخولوسكي ( 1890-1935)، الذي يعتقد إن "المحاكمة" كتاب لا يقدر إنسان بمفرده طوال حياته أن يفسره تفسيرا كاملا، وحتى كافكا نفسه – كما يظن توخولوسكي – لم يكن قادرا، أو أنه لم يكن يريد أن يفسره سوى بطريقة تجعل التفسيرات بحاجة إلى تفسيرات جديدة. وضمن هذا السياق يمكن التذكير بما قاله كونديرا ذات مرة من أن بعض الأفعال الإنسانية لا معنى لها ولا تفسير، وليس هناك ما يستوجب ذلك التفسير،إذ أن الحياة الإنسانية مليئة بأفعال وتصرفات من هذا النوع.

في مقاربتنا هذه، سنحاول قراءة " المحكمة " بوصفها تعبير سردي مشتبك وممتزج بما هو شعري عن حقيقة الإنسان "الفرد" في بدايات القرن الماضي المأساوية، والإنسان العام والمختوم بالمصير والنهاية القدرية التي هي الموت، ولكن بطريقة إبداعية هي - من حيث الشكل الفني - مزيج من الواقعية شديدة البساطة والسخرية السوداء تحاول أن تقدم أكثر أوجه ذلك الإنسان مأساوية وحيرة وضياعا، وتضيء على طريقتها الخاصة جوانب العتمة والشحوب التي تتكاثف في داخله فتجعله يعاني ويتجرع اغترابه وحيدا مواجها عبث الوجود كقدره الخاص بكفين عاريتين ومجردتين من أي سلاح حتى يسقط أخيرا مضرجا بأسئلته ودمائه:

يستيقظ جوزيف ك صباحا، كما استيقظ قبله غريغوري سامسا ذات صباح عادي جدا، ولنتذكرْ هذه "العادية" التي لن تتلاشى بفعل غرائبية ما سيلي من نص القصة، فوجد نفسه وقد استحالَ حشرةَ صرصر ضخمة، فيجد بأنه مقبوض عليه في بيته من قبل عدد من موظفي إحدى المحاكم الغامضة والغريبة. لعل هذه البداية، ليست مفاجئة تماما في نصوص كافكا، ويمكننا تشبيهها بضربة طبل مدوية بعد صوت كمانٍ أو نايٍّ حالم ينساب برتابة، تنفتح ضربة الطبل - بعد ذلك- على نسيج معقد من النغمات المختلفة نوعيا والتي تتألف منها السمفونية، وهي قد تكون محاولة لتعزيز شعور القارئ بغرائبية النص والموضوع الذي بين يديه، كما أنها تصلح لتكون فاتحة ذات طبيعة كوميدية ساخرة تؤكد الطابع الساخر للنص في طبقته الأولى، ويمكن ثالثا أن تكون مزيجا من الغرائبية والسخرية معا بوصفه القالب الشكلي والفني الذي يتضمن المعنى العام أو المضمون المركب للقصة. في الواقع لا يمكن تجاهل الجملة الأولى التي يبدأ بها النص والتي تقول ( لا بد وأن أحدهم افترى الأكاذيب على ك، لأنه - ودون أن يرتكب خطأ ما - قبض عليه صبيحة يوم مشمس ...) لقد أدت هذه الجملة مهمتها الفورية في التمهيد لأجواء القصة، كما إنها قد تكون أوحت بمعنى الافتراء الخام أو البدئي أو بأية صيغة قريبة من " الكذب"، ومن ثم، بدلالته المفارقة والمناقضة للحقيقة ومشمولاتها، ومن تلك المشمولات ما تعبر عنه كلمات من قبيل : الواقع، المتناهي، المعقول .. الصادق الخ . بمعنى معين، قد يكون لهذه البداية، على المستوى المضموني، مفعولا داخليا يتلبس تلك الأجواء، ويخترق المحمول الغرائبي والمفارق للواقع الحياتي كله في النص الذي بين أيدينا.

يبدأ النص وينتهي بطريقة هادئة وشديدة الواقعية، تبرق في تضاعيفه، بين الفينة والأخرى، طرفة أو سخرية مريرة أو سؤال عميق. من ذلك مثلا : وصفه لأحد الشخصيات بأنه (سمين لدرجة يضيع فيها السوط بين ثنايا لحمه إن ضرب) وكقول أحد الجلادين لجوزيف ك (سنفقد فرصتنا في الترقي إلى رتبة جلادين لأنك شكوتنا إلى المحكمة) ووصفه لوجه أحدهم بأن ( فيه ابتسامة هي بسبب تشوه عضلي وليس لأنه مسرور) وبالمناسبة، فلا يكاد شخص من شخصيات الخط الثاني في أعمال كافكا يخلو من تشوه ما، أو علامة فارقة معينة. ثمة أيضا، شكَّه الذي لا يخلو من شعور بالسخرية في براءته الشخصية والأكيدة حين يسأل السيدة فراولين بروستنر: لماذا تعتقدين بأنني يجب أن أكون بريئا؟

ولا يمكننا في هذا المضمار إلا أن نتذكر قوله، حين يرى مجموعة من الأطفال قرب مبنى المحكمة الغريب: لماذا لم أجلب لهم بعض الحلوى أو عصا لضربهم ؟ وقوله : هذان الموظفان اعتادا الجو الفاسد في المحكمة فأزعجهما الهواء النقي في الخارج.

أو قول التاجر لجوزيف ك حين تساءل عن الكيفية التي عرف فيها القضاة أو موظفو الحكومة شيئا عنه أو عن قضيته : إنهم يعرفون أن قضيتك ستنجح أم لا من خلال شكل شفتيك! ويمضي ك يسأل التاجر جادا لا هازلا : وهل ترى شيئا شاذا في شكل شفتي؟ فيجيبه الآخر بالنفي ضمن حوار ساخر و ينم عن شيء من العبثية، ولكنه جاد أيضا بطريقة ما و يا للتناقض!

وهذا مشهد آخر: جوزيف ك يسأل أحد المتهمين في الطابق العلوي : ما الذي تنتظره هنا ؟ فيجيبه الآخر شاردا:إنني أنتظر ..! يضيف كافكا موضحا المشهد : لكن الرجل لم يكمل إجابته، وكان من الواضح أنه ينوي أن يدلي بإجابة دقيقة على هذا السؤال لكنه لم يكن يعرف كيف يستمر.

يمكن أيضا أن نورد ضمن سياق الأمثلة على الأسلوب الساخر في الرؤية والتفسير والأحداث قضية أنواع البراءة الثلاثة التي يشرحها الرسام لجوزيف ك : الأولى، براءة مطلقة لم يحدث قط أن نالها أحد، أو براءة ظاهرية صورية يطلق سراح المتهم بموجبها ولكنه يبقى ملاحقا، والنوع الثالث هو تأجيل المحاكمة إلى أمد غير مسمى بمعنى أن المتهم يطلق سراحه ولكنه لا يعرف متى سيفتح ملف القضية ثانية ويستدعى من جديد للمحاكمة.

ويستمر تيار السخرية المرة يسري مخترقا طبقات السرد ونمو الأحداث وترابطها حتى نهايتها، فحتى المشهد الأخير في القصة وهو مشهد تنفيذ حكم الإعدام بجوزيف ك يحاول موظفا المحكمة إقناعه ولكن دون كلام بل من خلال تبادل المدية بين الرجلين بأن يقوم هو بطعن نفسه ولكنه يمتنع عن فعل ذلك فيبادر أحدهما إلى طعنه في قلبه ويدير المدية داخله مرة ومرتين فيسقط أرضا وهو يتهدج بالقول: ها أنا أموت مثل كلب حقير.ويعلق الراوي بضربة طبل أخيرة يقفل بها هذه السمفونية العجيبة يقول نصُّها: وكأنما أراد بذلك أن يخلد العار الذي لحق بالبشرية ! وهنا تعود إلى الذاكرة، ذاكرتي أنا القارئ على الأقل، تلك المعلومة الخاصة بالكيفية التي قرأ بها كافكا هذه النهاية المأساوية، وترن في الأذن ضحكاته هو يختم قراءة القصة لتتكرر التساؤلات التي طرحنا بعضها قبل قليل .

إذا ما غضضنا النظر عن فجائعية خاتمة النص فإن كل هذه الأمثلة، وثمة غيرها الكثير، قد تعطي انطباعا أوليا للقارئ عما قصدناه بالسخرية، ولكن تلك الأمثلة وغيرها قد لا تكون كافية لتبيان أهمية هذه السخرية في الأسلوب الروائي إلا إذا قرأنا قصة " المحاكمة " كلها كنص مخترق بهذه السخرية السوداء وروح العبث من بدايته إلى نهايته وليس كنص جدي ومتجهم يحاول كاتبه تطعيمه ببعض الطرف والنوادر لمقاومة سأم القارئ المتوقع.

إن عددا من النقاد المتخصصين في أدب كافكا يعتبرون هذه الواقعية المذهلة في أصفى وأبسط صورها، والممزوجة بدراية وقصدية مع تلك الغرائبية الغامضة واللاواقعية في مضامين ما يكتب، هما العنصران الرئيسيان اللذان قام عليها صرح كافكا السردي المتميز والمعبر عن عصره بتلك القوة والدقة والانسيابية والسخرية.

سخرية سوداء و واقعية شديدة في الوصف والرموز وتفاصيل الأحداث الصغيرة، والغرائبية المذهلة بل والصاعقة في الحادث الرئيسي ( شخص يستيقظ من نومه ليجد نفسه وقد انمسخ صرصرا وآخر يستيقظ فيجد نفسه معتقلا وملاحقا من قبل محكمة مجهولة ثم يعدم ) هذا الحادث الرئيسي يصير فيما بعد هو مفتاح المضمون الأصيل والأول للعمل كله. تلك هي بابتسار الركائز التي ينهض عليها إنجاز كافكا السردي إذن، وكأنه بذلك يصنع أمامنا مثلثا إبداعيا يخصه وحده : ضلعه الأول هو واقعية المكان والزمان والتفاصيل الصغيرة المحيطة بالحدث المركزي، وضلعه الثاني الأسلوبية الساخرة السوداء المندغمة بأجواء الغموض والشحوب الشامل، وضلعه الثالث غرائبية ولا واقعية الحدث المركزي. وقد يبدو من قبيل التأمل أكثر مما هو بناء استنتاجات وأحكام القول بأن حركة اشتغال هذا المثلث الكافكوي تعطينا في النهاية صورة خاصة جدا لغرائبية ولا واقعية العالم والعصر الذي عاشه من الناحية الجمالية ولغرائبية وعبثية ولا عدالة هذا العالم والعصر من الناحية الأخلاقية والقيمية.

لقد بذلت محاولات كثيرة للوقوف على المضمون الأول لهذا العمل كما سلف القول، وكل محاولة انتهت لما انتهت إليه، دون أن تكون حاسمة من حيث الخلاصة والاستنتاجات، غير أن من المفيد التعرض لتناول آخر لهذه الحيثية، وذلك من داخل النص، أو إن شئنا الدقة، من داخلِ نصٍّ داخلَ النصِّ وذلك من خلال قراءة وتحليل أحد فصول هذه القصة، وهو الفصل الخامس عشر والمعنون " في الكتدرائية "، والذي ربما يكون محاولة خاصة من المؤلف للتعريف بالموضوع والمضمون الأساسي للقصة. إن هذا النص الصغير الذي سنعرض خلاصته المركزة بعد قليل يمكن اعتباره النواة الأولى للمضمون الأساسي للقصة فعلا، بل هو - بلا مراء - قلبُها إن صحَّ التعبير، رغم إننا يمكن أن نتجاوزه أو نعزله عن السياق الحدثي لها دون أن تتأثر بيتها الكلية كثير. بمعنى معين، يمكن القول أن هذا الفصل يتمتع بشيء من الاستقلالية التأليفية، ومما يعزز هذا الرأي واقعة مؤكدة مفادها أن كافكا انتبه إلى هذا الأمر أو قل إنه ربما تعمده فنشر هذا الفصل كعمل مستقل سنة 1916 بعنوان " أمام القانون ".

هذه نبذة حكائية مكثفة لهذا الفصل وسنعود لاحقا لمواصلة تحليلنا: يُسْتَدْرَج بطل قصتنا جوزيف ك إلى كاتدرائية المدينة الضخمة بحجة تكليفه بمرافقة أحد الزبائن الإيطاليين للمصرف الذي يعمل فيه. غير أن الزبون الإيطالي يتخلف عن موعده، فيُمضي ك وقته في مطالعة ومشاهدة الأعمال الفنية الموجودة في تلك الكتدرائية ليجد نفسه فجأة أمام قس تابع للمحكمة التي كانت تقاضيه. يخبره القس بأن قضيته – المعروضة أمام المحكمة - تتجه من سيء إلى أسوأ. ولسبب غير واضح، يحكي القس لجوزيف ك حكاية عن متهم آخر، هو رجل من الريف ظل تنتظر عند باب القانون سنين عديدة دون أن يسمح له حارسها الغليظ والفظ بالدخول في كل مرة يحاول فيها ذلك. تمضي السنون، والمتهم الريفي يواظب على الحضور والوقوف عند باب المحكمة، والحارس يواصل منعه من الدخول. وذات يوم، ينتبه المتهم الريفي، الذي شاخ واقترب أَجَله إلى أنه الوحيد الذي يأتي ويقف عن باب المحكمة وليس ثمة أحد آخر غيره فيسأل الحارس عن سبب عدم قدوم أي شخص آخر فيجيبه بأن هذا الباب، إنما وجد من أجله هو فقط، وأنه ليس إلا واحد من حراس كثيرين أقوى منه وأكثر غِلْظة وفظاظة وأنه سيغلق الباب الآن نهائيا وإلى الأبد لأنه سيموت.

هذه القصة الصغيرة، داخل القصة الأكبر، تغرينا كثيرا بإيراد ومسح العديد من الدلالات والمغازي، ولكن من الواضح أنها جميعا لن تكون كافية لوضع النقاط على الحروف - كما يقال - بصدد المضمون الأول والأساسي للعمل ككل . وقد نختلف مع وجهة النظر التي عبر عنها برادبري والتي تقول بأن هذه القصة (تشكل الأساس الأسطوري لقصة المحكمة التي تبين طبيعة القانون الذي يحكمنا والذي لا يمكن اختراقه أو الكشف عن سجفه ) إذْ أنَّ الأمر لا يتعلق بأي شيء أسطوري،بالمعنى السائد للأسطورة ومشمولاتها، فهي قصة قد تكون مجرد حكاية أو أمثولة حاول كافكا من خلالها تسليط شيء من الضوء لمساعدة الباحثين عن المعنى الجوهري لعمله، بل أن هناك ناقدا مرَّ ذكره هو توخولوسكي تحدث عن احتمال قد لا يكون قد خطر بذهن الكثيرين وهو أن كافكا نفسه ربما لم يفهم تماما هذا المعنى الأول والأساسي لعمله. ولكن يمكن لنا - مع ذلك - تقويم ما قاله برادبري بخصوص ما سماه "طبيعة القانون الذي يحكمنا" إنما ليس بالمعنى المألوف والقضائي للقانون بل بالمعنى الوجودي العام وسنوضح هذا المذهب والتحفظ الذي يستبطنبه كالتالي:

من الأمور المركزية على الصعيد المضموني، يمكننا الإشارة إلى الأساس العبثي " الوجودي " العميق، الذي ينهض عليه هذا العمل، وإلى المصدر الغائي المتسائل عن المعنى والأسباب، أكثر مما هو مهتم بالاتجاه والنتائج وحتى الكيفية، الذي يَنْشَدُّ إليه جوهر النص. وقد يعتبر البعض، كونديرا مثلا، أن ذروة العبث واستبداد القوة المجهولة بالمصير الفردي للإنسان، بلغا مع جوزيف ك درجة أوصلته إلى تشكيكه بنفسه وببراءته. ففي أكثر من مناسبة يراجع الرجل ذاكرته بحثا عن ذنب اقترفه أو خطأ قام به و نساه في حياته. إنها الذروة ممثلة بمحاصرة الذات المتهمة،والمدفوعة الآن إلى ممارسة نوع خاص من الانتحار اتخذ شكل التشكيك الذاتي بالبراءة، ليست براءة الأخر بل الأنا المهشمة بالعبث القدري من جهة وبالاستبداد الذي تنتجه الحياة اليومية الأوروبية ومؤسسات المجتمع البيروقراطي من جهة أخرى. هنا، سيكون مفيدا التذكير بأن حادثة اعتقال جوزيف ك، التي يبدأ بها النص، تحدث في يوم عيد ميلاده بالضبط، أما اليوم الذي نفذ فيه حكم الإعدام طعنا بالسكين فيقع عشية عيد ميلاده التالي! هذان التحديدان الزمنيان ليسا – البتة - نتاج للمصادفات المحضة، بل هما تنطويان على إشارات قوية وواضحة و مقصودة إلى جوهر العبث الوجوي معبرا عنه بعبثية الميلاد المنتهي بالموت دون أن يكون للإنسان المولود والمحكوم عليه سلفا بهذه النهاية يدٌّ في كل ما يجري .

هذا الاستنتاج يدفعنا - شئنا أم أبينا - إلى التخفيف من قوة حضور ثنائية العدالة والظلم، بمعناهما القضائي والجنائي، لمصلحة اعتبارها مجرد وسيط مادي" سردي بالأحرى " أو مناسباتي لطرح قضية العبث الوجودي لا أكثر ولا أقل. إن البحث عن العدالة في هذا العمل ليست بحثا عاديا وباتجاه واحد عن ثيمة العدالة المطلقة، أو عن ثنائية أو جدلية العدل والظلم القانوني في بعدها الاجتماعي، بل هي – إن شئنا التبسيط - مجرد مرحلة وسطى في مناقشة المشكلة الوجودية الكبرى والتي يلخصها السؤال العتيق الحارق والقائل: لماذا يحكم علي بالموت سلفا مع إنني لم أطلب من أحد ان أولد؟ ولماذا أجد نفسي معتقلا باشتراطات هذا الوجود بمجرد ولادة لم أكن سببا فيها؟ يمكن بالتالي أن نقرأ كل ما له علاقة بالتهمة، وعدم مناقشتها أو طرحها، أو حتى عدم اهتمام المتهم بها، كمجرد نتاج لهذا الفهم" المبسط من جانبنا"، فما قيمة البحث والتساؤل عن سبب الاعتقال أو نوع وماهية التهمة الموجه إذا كان كل شيء يمضي قدما بقدرية عجيبة وفولاذية وبصورة مقررة سلفا من طرف قوة مقرِّرة غامضة لا اعتراض عليها أو راد لها.

كلمة أخيرة بخصوص الشعرية التي تغمر وتتواشج وتتغلغل في هذا العمل ممتزجة بمياهات السخرية السوداء من أدناه إلى أقصاه: إن جفاف وشحوب العوالم الزمكانية في البُنية العامة لهذه القصة، ربما تكون قد لعبت دورا مهما من الناحية الفنية، وربما تكون قد مارست تأثيرا بالغا حتى على الكيفية التي يستقبل بها المتلقي أجواء ومضامين العمل. حيث أن سيادة ضوء الشموع الشاحبة والأصوات المتهجدة أو الهامسة وعتمة السراديب والأنفاق في بنايات وأماكن لا توحي بأنها تنتمي لكوكب الأرض أحيانا، أو – أقلها- إلى مدينة أوروبية مألوفة في عصرنا، حيث أن كل هذه التفاصيل والحيثيات لعبت دور المناخ النفسي الضاغط والمساعد على تلقي النص بهذا الشكل وليس بأي شكل غيره. كما أن المفعول الداخلي لكل هذه الحيثيات وبالترافق مع الإيقاع الداخلي للأحداث، ونمو الشخصيات، ساهما إلى حد بعيد في تقديم نوع خاص جدا من الشعر الروائي عالي القيمة من الناحية الفنية، ولكن – و فقط- بالمعنى الذي تكلم عليه ميلان كونديرا حين قرأ لنا عملا آخر لكافكا هو "القصر " فكتب بضعة أسطر تغرينا مرارا بإعادة الاستشهاد بها والتفكير بتلك المماثلة والدمج بين الشعر والرواية للخروج بمركب إبداعي وجمالي جديد هو الرواية قد صارت شعرا أو الشعر وقد أصبح رواية.. يقول كونديرا إذا : لقد نجح كافكا في تحقيق ما كان يبدو مستحيل التصور قبله ألا وهو: تحويل مادة مضادة للشعر بشكل عميق هي مادة المجتمع البيروقراطي إلى شعر عظيم للرواية، وهكذا تحولت "القصر" من رواية عن حادثة مبتذلة لموظف لا يستطيع الحصول على وظيفة موعودة إلى أسطورة، إلى ملحمة، إلى جمال لا يعرف له مثيلا من قبل.. انتهى

 

 علاء اللامي

...........................

[1] - يبدو ان هذا هو اسم القصة الأولي ثم تحول إلى المحاكمة فيما بعد

[2] - اقتبسه ناصر ونوس في مقالته "مشروع لإعادة ترجمة كافكا بأسلوب جديد" الذي يتناول فيها قصة "الحُكْم" وترجمة إبراهيم وطفي لها

[3] - عبد الوهاب ابو زيد/ مدخل إلى عالم كافكا الروائي

 

 

بشرى عبد المجيدمقدمة: إذا كان تاريخ البلاغة هو تاريخ بلاغة التصوير الشعري لاحتفائها الكبير بالصورة الشعرية، فإن الصورة النثرية لا تقل أهمية عن ذلك، إذ البحث عن فاعلية الأساليب البلاغية في التشكيلات السردية الجمالية هو إطار نوعي مغاير لما عرف في الكتابة الشعرية. ثم إن الاحتفاء بالصورة النثرية والانطلاق منها في مجال التحليل الروائي، إلى جانب العناية بالسياق ودور الصورة وفاعليتها في تحقيق القصد والغاية يعد حقلاً بكراً في ميدان الدراسات السردية.

موازاة مع هذه الرؤية وهذا التصور تركز دراستنا السردية لرواية ” زنقة بن بركة “(2) للروائي والقاص العراقي محمود سعيد(3)، بهدف الكشف عن تشكيلات الصورة الروائية وفضائها الأسلوبي وما تنطوي عليه من مصادر وموضوعات وأنماط … عبر مجموعة من المحطات منها:

أولا: مظاهر اشتغال الرؤية السردية في رواية زنقة بن بركة

تختلف مظاهر توصيل الرؤية السردية من كاتب آخر، واعتمادا على هذا الاختلاف تسعى الدراسات التحليلية إلى كشف وتبيان الطرائق المعتمدة في ترتيب الحكاية التي في جوهرها هي أحداث واقعية مبطنة بجلباب الخيال وتكمن أدبية ساردها في اختيار الطريقة والأسلوب الذي تقدم به هذه الرواية.

وعليه، فالخطاب السردي لرواية ” زنقة بن بركة ” هو نموذج تتماهى فيه هوية الراوي (الروائي الحقيقي) مع الآخر (الرجل الشرقي)؛ وهذه العلاقة عبارة عن ذات تخيلية ساردة في مواجهة تحول أحيانا الأنا إلى الآخر، وتحول الآخر إلى أنا أخرى. وهو ما قاله الراوي في استهلال الرواية: ” تُحدّد العطلة عندي من خلال حدث يبدو، في الأقل، أكثر أهمية من المعتاد، ولقد نسجت الصّدفة ما جعلني أحسّ أيام ذلك الصيف المتوتر الذي قضيته في المحمدّية ” فضالة ” عام 1965، أنيّ أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوّق أحلام كلّ شاب. “(4)

الأنا في الرواية شخصية الراوي ـ كما أسلفنا ـ وهي شخصية فاعلة، بل إنها الشخصية المحورية التي تجذب نحوها العديد من الشخصيات الأخرى، وهذا التماهي يخلق رؤية جديدة وهي (الرؤية مع) … في رواية “زنقَة بن بركة” أبدع الكاتب في التعبير عن الواقع وتجسيد همومه بعد الارتكاز على صيغ فنية اعادت تشكيله بصور مبنية على التقاطع بين الحلم والحقيقة، على الرغم من أن الرواية تظهر على شكل سرد قصصي واحد لا يتباين فيها الزمن، وكأن أحداثها جرت في زمن واحد ـ زمن قصير ـ فلا نجد تقسيما في الرواية إلى فصول كما جرت في أي رواية أخرى، لكننا نجد ” وقفات هي فرصة لاسترداد الأنفاس إذا جاز الوصف، إذ قصّ الروائي أحداثها قطعة واحدة من ناحية، وانطبق المبنى على المعنى باتساق آخذ مبهر. فلا توجد استطالات سردية، ولا إفاضات وصفية، ولا حشو لغوي زائد، ولا إيغال مفرط في معاينة الحوادث. “(5) غير أنها عبرت عن رؤية متوحدة في مسار تقديم السرد الروائي.

أما شخوص الرواية فتبرز ثلاث شخصيات هي؛ سي الحبيب وسي صابر والرجل الشرقي وامرأة ـ قريبة سي الجزائري واسمها رقية ـ التي برع محمود سعيد في تقنيات رسمها وصف باعتبارها من الشخصيات النامية المشحونة بالعواطف في الرواية. لقد رسم ملامحها الجسمانية والصفات النفسية في مشاهد متقطعة ومتباعدة سياقيا، فيقدم جزء من الملامح ثم يستأنف الوصف بعد صفحات أخرى، حتى غذت لوحة ناطقة متميزة ضمنت لنفسها النجاح في إثارة الدهشة وشد انتباه المتلقي، ” امرأة غارقة في جلاّبة من التركال، قديمة، فضفاضة، مخططة، خمار أخضر صاعد نحو منتصف العينين اللتين لا يمكن تمييز لونهما الأدكن. كانت ترفع رأسها فينزل خمارها متوتراً حادّاً مكوّنا هبوطا اضطراريا بين مرتفعين ينتهيان فوق الجلاّبة بين الثديين” (6)، ثم يستمر في الوصف فيقول: ” كان ذلك أول صوت يصدر منها . نغمة متكاملة، عشرات الآلات الموسيقية المتكاملة في انسجام ترسل النغمات من صدى بعيد…. حتى يسخن الماء وضعت الحقيبة ومرة أخرى بدأت الأنغام تبحر بي في طريق غامض”(7)، ونجد في هذا الوصف المتقطع شحنة التشويق والإثارة للمتلقي. لقد توزع الوصف الجسماني لشخصية “رقية” على ثنائية وصفية تقابلية:

وصف المرأة المنقبة ذات الجلابة اللباس التقليدي المغربي، ومرأة عصرية ترمي الحجاب حين تقابله في شقته، تتصرف بتلقائية وتفضح عواطفها ولا تكبحها، قائلا: ” خانني التعبير؛ ماذا أريد أن أقول؟ ستبدو كل كلمة مثالية لمن يشكّ بخاصة. أنقذتني وضعتْ أصابعها البضّة على شفتي بحركة اعتيادية، كأنها تعرفني منذ آماد طويلة. حركت أماني كثيرة… تمددتْ على سريري كنت متكئا على الشباك وصدرها المتفجر يعلو ويهبط.”(8) .

تقديمها كعنصر مكمل لشخصية البطل في تقابل بين ألأفتها وشغبها وجفاء السياسة وجحوده ” لا يمشي الإنسان برجل واحدة”.

تقديمها كمعادل للحرية فقد كرر أكثر من مرة قوله: “أتمنى أن أمسخ بلبلا لأرافقك إلى الأبد”.

ونجد وحدة المكان على مستوى أحداث الرواية التي تظهر فيها نوعا من العلاقات الداخلية والخارجية التي تقدم ملامح الواقع اليومي بصدق، مليء بالخبرة الإنسانية التي تنعكس على عوالم الشخصيات وعلى أسلوب لغة الكتابة. وصورة المكان في الرواية هو جزء من نمو الأحداث وتطورها، وجزء من البنية النفسية والسلوكية للشخصيات، وجزء من الحبكة الفنية وليس المكان مجرد بقعة جغرافية محايدة أو فضاء سماويا منعزلا عن العناصر الفنية الأخرى في الرواية(9)، وقد توافق البعدان النفسي والدلالي في الرواية إذ مزج الروائي ـ منذ البداية ـ المكان مع الشخوص مزجاً دلالياً نفسياً وفنياً، قائلا: ” في بداية الشارع تبدأ المدينة الحديثة منشقّة عن القصبة القديمة، تزهو بشبابها المتألق يبتسم للمستقبل بعد أن قطعت أواصر سيطرة الفرنسيين …. وإذا كان ما جذبني إلى هذه البقعة هدوؤها وجمالها وتاريخها، فلعلّه كان العامل المشترك الذي جذب الحمام المتجمع قرب لبسور وبابه على شكل زرافات، يتمشى متهاديا، أمينا، منقبا بين ثنايا الطابوق القديم عن حبٍّ ساقط، مرفرفاً بين الحين والآخر فوق بعضه، نازلا بهدوء صاعداً بصخبٍ، يمنح المراقب بين الحين والحين التمتع بلذة من لذائذ الجنس البدائية الدائمة.”(10)

ويصف الروائي ارتباط المكان بـ(سي الحبيب) الذي أجبر على الاقامة في المحمدية ” كان سي الحبيب قد أُجبر على الإقامة في المحمدية إثر الأحداث العاصفة التي طحنت البلد …. أجبر على تحديد الإقامة لكن هل خيّر في المكان؟ لم أسأل عن هذه النقطة فمدن الساحل كلها فائقة الجمال، بيد أنه كان يحب المحمدية ويفضل اسمها القديم ـ فضالة ـ لأنها فعلاً درّة الساحل التي اكتشف قيمتها الحقيقية، قبل أكثر من نصف قرن…”(11) في توصيف المكان يختلط الواقع بالخيال فينشئ علاقات واقعية بمنتهى الخيال السردي، ويلجأ الراوي إلى الشرح والتعليق والتحليل لأن المكان بمثابة المرآة العاكسة للشخصية.

ثانيا: المستوى التركيبي.

مظاهر الاتساق النصي في الرواية:

نحيط في هذا المجال بالعناصر اللغوية لرواية ” زنقة بن بركة” التي تؤكد التماسك بين مكوناتها، وتهتم بالوسائل اللغوية الشكلية التي تصل بين العناصر المكونة لها، وتحقق ترابطا للعناصر السطحية والوصفية، وحتى نتمكن من ذلك نرصد في الرواية الإحالات القبلية والبعدية والضمائر، ونركز على وسائل الربط المتنوعة.

للاتساق النصي أهمية كبيرة فهو يعنى بالعلاقات أو الأدوات الشكلية والدلالية التي تسهم في الربط بين عناصر النص الداخلية، وبين النص والبيئة المحيطة من ناحية أخرى، ومن بين هذه الأدوات المرجعية:

الإحالة بالضمائر:

الإحالة من أكثر الوسائل الاتساقية أهمية في الربط بين أجزاء النص، إذ قلما يجدُ المتلقي نصا خاليا منها، ولا نذهب بعيداً إذا قلنا إن نظرية الاتساق تعتمد بالدرجة الأساس على مفهوم الإحالة ووظيفتها، بوصفها وسيلة لغوية من وسائل تحقيق التسلسل أو التتابع للجمل على المستوى التركيبي لتأكيد الترابط المضموني… ونقف بصورة جلية في الرواية على تحولات الضمائر من متكلم إلى مخاطب إلى غائب تلازمها القرينة التي تساعد على إزالة الابهام منها، وتفسير غموضها من ذلك قوله: ” وهكذا رجعنا إلى البيضاوات في أقل من ربع ساعة، كنَ يجففنَ شعورهنَ بغنج العذراوات اللواتي يشعرنَ باعتزاز لأنهنَ يملكنَ شيئاً يتعلق بمصير الكثير من سكان العالم بشكل ما هتف المراكشيّ، ونحن حول المائدة المدورة : ها نحن ثلاثة وأنتنَ ثلاث، كانت كبراهن التي فتنت البقاليّ لا تتجاوز السابعة عشرة، هيفاء، ملتهبة أضاف البحر إلى شعرها لونا برونزيا خمريا، وكان الماء يقطر على وجهها وبشرتها…”(12) .

نجد في هذا النص حركة للضمائر تبدأ بنون النسوة في ” كن, يجففن, يشعرن” ثم ضمير المتكلمين ” نحن” ثم يعود إلى نون النسوة، يراد من خلال هذه الحركة معان متعددة عميقة، ولا يمكن التجرد من الضمير باسم يعود عليه لأن الصيغة الصرفية هي وسيلة التوليد والارتجال في صياغة العبارة، ثم نقيس المعنى الذي نريد التعبير عنه على المعاني التي تدل عليه الصيغ(13)، ومن هنا ندرك أن وراء احالة الضمائر علاقات بين افكار وانفعالات لا يتحكم فيها الراوي وإنما تتسلط عليه وتفترض، وتولد ولادة طبيعية لا قيصرية، فمن خلال اللغة تظهر جوانب اللاشعور التي تتحكم في المبدع. فالإحالة في قوله:

ـ وهكذا رجعنا إلى البيضاوات في أقل من ربع ساعة .

ـ كن يجففنَ شعورهنَ .

ـ بغنج العذراوات اللواتي يشعرنَ باعتزاز.

ـ لأنهنَ يملكنَ شيئا يتعلق به مصير.

أحدثت الاتساق في هذا المقطع بفعل الضمير المستتر” هن ” والضمير الظاهر “ن” ؛ أي أن الضمير العائد جاء مخفيا حينا وملفوظا مطابقا حينا آخر، فلا يمكن معرفة شعور الراوي بجمال الفتيات دون الرجوع إلى السطر الأول من المقطع، وبالتحديد كلمة ” البيضاوات ” كما لا يفهم العنصر الإحالي ” النون ” في ” كن، يجففن، شعورهن، يشعرن، لأنهن، يملكن” إلا بالعودة إلى عبارة ” رجعنا إلى البيضاوات ” . فنجد تنامي في وصف البيضاوات من خلال إضافة عناصر دلالية جديدة صنعها الراوي؛ ويستمر بوصف محاسن النساء متنقلا بينهن، فيصف احداهن فتنت رفيقا معه.

ـ كانت كبراهن التي فتنت البقاليّ.

ـ لا تتجاوز السابعة عشرة.

ـ هيفاء سمراء.

ـ ملتهبة اضاف البحر إلى سحرها لوناً برونزياً خمرياً.

ـ وكان الماء يقطر على وجهها وبشرتها.

في الرواية نجد تكرار ضمير المتكلم وهو ما يسميه البنائيون ” الرؤية مع” Vision avec” ”، وهي رؤية تسمح للراوي بأن يشغل حيزا في مجرى الأحداث، أي أنه واحد من شخوص الرواية كما تسمح له أيضا بأن يعرف عن الشخصيات ما تعرفه هي أيضا عن نفسها، ومعنى هذا أن هناك حقيقة ثابتة عن سلوك وهوية الاشخاص تنتقل بينهم هم أنفسهم(14) . البطل في الرواية ” سي الشرقي” هو نفسه الراوي ـ كما ذكرنا ـ يتحدث عن نفسه ويعرف به، قائلا:” ماذا كنت ُأطلب أكثر من هذا؟ أيحكم الغريب بأكثر من أن يجد جميع ما يحتاجه على بعد لا يتجاوز عشر خطوات من البار إلى الجزّار؟ أحسستُ بعد خمس وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والقسوة والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة أني سقطتُ في جنة يحسدني آدم عليها.”(15). الراوي يعرّف بنفسه ويتجاوز أزمة غربته في اختياره الواضح للمكان الذي سيستقر فيه، فضلا عن ذلك نجده يصف الشخصيات الأخرى ويعددها ويرسم ملامح بعضها، قائلا:” في صباح ذي شمس دافئة أواخر نيسان، أشّرَ لي سي ابراهيم فعبرت الشارع تلقفني سي الوكيل، كلفني ممتناً بإيصال طابع نادر إلى سي صابر، وبادرني سي ابراهيم وهو يرفع صندوق شليك بيده، مزهواً: أتزرعونه في بلدكم؟

ـ لا ..

لم أرَ غير سي صابر كان يتناول ملفّاً إلى يسار الباب، فيحجب ما وراءه.

ـ هتفت: جئتك بفطور

ـ ضحك: كم شربت البارحة؟

وضعت العلبة الصغيرة على المنضدة فوق الأوراق، كان رأس الشليكة الأحمر فوق تكوينها البرتقالي يرسل لألاءه المثير: تفضل يا سي:

ـ أعرفك سي الحبيب فوجئت به يجلس إلى يساره بهدوء، وينظر إليّ بتمعن، صافحته، نهض قليلا، وانحنى.”(16).

ثم يذهب أكثر من ذلك في تفصيل سلوكيات الشخصية ورسم ملامحها بصورة دقيقة، كما عمل مع شخصية ” سي الحبيب” إذ أخذ وصف هذه الشخصية وتصنيفها حيزا كبيرا، نجد سلطة الراوي في الوصف كبيرة ونراه يصور عالما متكاملا وشخصيات يتوافق سلوكها مع صفاتها الذاتية، نذكر من ذلك قوله:” ابتعدتُ إلى الشباك، لم أكن في حالة نفسية تسمح لي بمجاراة الحوار الذي بدأ شائكا ومتقطعا مليئا بالرموز. كنت أعرف وجهة نظر سي الحبيب بشكل مفصل وآراء الناس أيضا.”(17). الضمير الظاهر في ” ابتعدت” والمستتر في” أعرف” فيهما تلازم طبيعي تشي بحالة الاتساق، فكلاهما يتحدث عن حالة الراوي وانكسار نفسيته، وهي حالة تفاعل مع هاجس الألم والحزن الذي يطارد “سي الحبيب”، فالضمير في الفعل الناقص “كنت” وهو اسمها، والضمير المقدر في ” أكن” كلاهما يتحدث عن هذا التفاعل الذي أقحم الراوي نفسه فيه بوصفه شريكا في حوار وليس طرفا فيه…

إن قصدية الراوي تطلب مظاهر التعلق الشكلي للوقائع اللغوية على سطح الخطاب الروائي، وربطها بواقعه الاجتماعي ومتغيراته وتقلباته، لذا نلحظ أن الراوي أفاد من اسهامات لغة الحكي وما تقدمه له من مرونة في حشد الضمائر ومرجعياتها، ثم تداعي أفكاره والهواجس التي تراوده جعلته ينوع في الضمائر ولا ينفك من اتساقها النصي. فضلا عن ذلك تنوعت الضمائر في رواية “زنقة بن بركة” وتباينت مكانتها تبعا لتنوع الشخصيات ودرجات تقربه منها، كما أن عودة ضمير المتكلم في الخطاب السردي ارتبط بعواطف الروائي نحو قضيته وتصوراته تجاه واقعه وقناعاته بقضيته… وحين استعمل الإحالة بضمير المتكلم ربط النص بشخصه وقرب الشخصيات الأخرى نحوه، فلم يجعل من خطاب الرواية مجرد محاكاة جافة، بل صنع فضاء نفسياً ومقاما أسلوبيا خاصا يقتضه الخطاب السردي في الرواية.

تتابع الأفعال

تتبع حركة الأفعال في الرواية أسلوب عمد إليه المؤلف من أجل بناء تراكيب تساعد على توظيف الصورة الحسية والتجريدية، من ذلك : ” وفي الفترة التي قضيتها أغطّ في نوم عميق، كانت هناك أصداء أصوات انثوية رقيقة، لمسات، محاولات جادة لا يقاضي . افتح عيني على أثرها فتلتصق بجفوني صورة امرأة حبيبة، هائلة الجمال، مجللة بالأزرق، تغوص معي في أحلام عريضة، اتبع خيالها فوق الغيوم ألمس يدها الخارجية من شباك طائرة، أشد على أصابعها خوف السقوط لكنها تسحب يدها وهي تضحك فتملأ الدنيا سعادة، أسقط فأراها تحتي تسقط وموسيقى ثرة تنبعث من ضحكاتها”(18) .

تتراسل الأفعال في هذا النص بشكل واضح، مترابطة الواحد يتلو الآخر، مقسمة من حيث اسنادها للفاعل إلى ثلاث مجموعات تمثل المجموعة الأولى سرداً ذاتياً، سرداً يمثل الروائي المشارك، والعليم، والمتمركز في وعي البطل يحتفي بمرونة التنقل في زمن واحد، واختراق وعي القارئ؛ وهي:

ـ قضيتها

ـ أغط في النوم

ـ افتح عيني

ـ أتبع خيالها أفعال مسندة إلى المتكلم (الراوي)

ـ ألمس يدها

ـ أشد على أصابعها

ـ أسقط

ـ فأراها

ويتشكل أيضا في النص صوتان هما : صوت الحبيبة، وصوت صورة الحبيبة.

ـ تسحب يدها

ـ تضحك

ـ تملأ الدنيا سعادة الحبيبة

ـ تسقط

ـ تلتصق بجفوني

صورة المرأة

ـ تغوص معي

هذه الملازمة النحوية من حيث إسناد الأفعال مرة إلى ضمير المتكلم الغائب ومرة أخرى إلى ضمير المخاطبة الغائبة، يحاكي مضموناً أنثوياً، ويحاوره بوعي وإدراك وإحساس. عمد إليه الراوي وخلق منه توازنا بين الجمل؛ إذ يتعالق حدوث الفعل بشكل منتظم ومترابط من دون أن يستعمل أدوات العطف، فتبدو الجمل متساوية من حيث الصياغة والجرس الموسيقي الداخلي، يغيب فيها كلها الفاعل باستثناء جملة ” تلتصق بجفوني صورة امرأة”.

شكلت الأفعال على امتداد الرواية هاجس السعي عند الروائي في اختيار الفكرة وتقديمها، وتحقيق أمنيات شخوص الرواية إذ لكل شخصية أمنية تحاول تحقيقها، أو استردادها … وتبدو أغلب أفعال الرواية متراسلة مترابطة لتحقيق منظومة لغوية خاصة، تحفظ لروائي العراقي سعيد محمود سلطته الأسلوبية، وتترك هذه الأفعال للقارئ ردود فعل تفتح الاشتهاء نحو المتعة والمفاجأة.

ج- الاستدراك

كان الراوي يدرك شغف المتلقي بكلّ ما يناقض الكلام أو يخالفه، وفضوله في معرفة الغموض وما يتطلب من الاستدراك في الكلام، لذا أكثر من الروابط التي تنظم العلاقات الكلامية المستدرك عليها، ومنها:” لكن، بينما، بالرغم، مع أن، مع ذلك، حتى …” من أمثلة الاستدراك في الرواية قوله:” أضافت كل الرجال يحبونني، يخضعون لي، لكني لم أجد الحب العظيم الذي يجعلني أجثو على ركبتي في سبيل إبقائه والاحتفاظ به، وها قد وجدته في شخص سي الحبيب.

ـ لكنه لم يحبك

ـ ربما، لكنه إذا أحب فسيحب بكل ما يملك …”(19).

يحاول الروائي في هذا النص استمالة الحبيبة وهي تصف له حياتها وحب الرجال لها، استعمل الروائي الرابط الاستدراكي ” لكني” لتفسير مشاعرها، ثم يستدرك مرة أخرى بالرابط نفسه منعرجا بالخطاب الروائي لبناء الحدث له، ومحاولة إقناع الحبيبة بترك فكرة حبها لسي الحبيب، تستدرك مرة أخرى وتحاول إقناع ذاتها والبقاء عل حب ” سي الحبيب ” فالاستدراك هنا ربط بين رغبتين متقابلتين، جعل من القارئ منتظراً لمعرفة رغبة المرأة في البقاء على حب ” سي الحبيب ” أم عدمه.

وفي موقف آخر، يقول: ” الماضي موجود في الجرائد نعلم به أكثر من الغرباء، تكلم عن الحاضر لسعتني كلمة الغرباء لكنها لم تجرحني، لو سمعت هذا الرد الجاف من أي شخص لانزعجت، لكن أسلوبها، صوتها، سحرها، جعلني أعجب من نفسي، من تجاهل الإساءة.”(20)

على الرغم من انزعاج السارد من طريقة طرح السؤال من قبل السائلة نلحظ أن الاستدراك يبنى هنا على دلالة الحدث الزمنية فالحدث جزء من مبنى فعل، والزمن صيغة دلالتها وقوع الفعل، والاستدراك ربط بين الدلالتين وفق توافق البنى الحدثية الزمنية مع الشروع والاستمرار في السرد الآني.

وفي هذا النص الخيالي الذي يحاول فيه الراوي ملأ الفراغ العاطفي في حياته، فيتصور عشقه لمرأة حبيبة هائلة الجمال مجللة بالأزرق ـ كما يصفها ـ تغوص معه في الأحلام يتبدى الاستدراك بصورة جمالية أكثر تماسكا، وذلك حين يقول :” أغط في نوم عميق… اتبع خيالها فوق الغيوم، ألمس يدها الخارجية من شباك الطائرة أشدّ على أصابعها خوف السقوط، لكنها تسحب يدها وهي تضحك فتملأ الدنيا سعادة، اسقط فأراها تحتي تسقط وموسيقى ثرة تنبعث من ضحكاتها فتذيبني ثم تستقر على الأرض نقطة سماوية بعيدة، فيزول هلعي، لكني ابقى معلقاً بين الأرض والسماء، وهي تتمرغ في العشب تحتي.”(21)

ثالثا: المستوى الدلالي

التشبيه

تنوعت مصادر الصورة التشبيهية لتعدد الأصوات وتفاعل المعمار الفني للعناصر الروائية، إذ أن لغة الرواية لغة تلقائية تولد في لحظات الابداع التي ترتبط بالسياق النفسي للكاتب. أسهب الروائي في وصف المكان وأضفى له مشاهد شخصية وجدانية ففي هذا المشهد السردي يتعانق المكان مع الزمان في قوله:” كان يقول إنه يحسّ أن المدينة كلها منزله ـ فضالة ـ فالخضرة الدائمة في هذه البقعة الصغيرة تنعش القلب، ترسم بيد رشيقة فنانة أرصفة حالمة تزغرد، ذات أنفاس مبهورة، وممرات إسفلتية دقيقة صارخة، وبين فسحة وأخرى يندلع شلال ورود قرمزية وبنفسجية وصفراء محاطة بأخرى في ألوان شتى، تاركة المدينة رقعة شطرنج تُبدي حدائق غير مسيّجة، غابات صغيرة تحتضن الطرق في كلّ منحى وممر. وفي الفجر تغرق المدينة في ضباب هلامي هائل، لا يلبث أن يتفتّت مرغوبا أمام أشعة الشمس التي تحيله إلى قطرات ساحرة تبلل كل شيء، لكنها تترك على أوراق الشجر دموعا كالدرر اللامع يتوهج تحت الأشعة الحنون.”(22) نجد صورة المدينة ” فضالة” في عين أحد ابطال الرواية “سي الحبيب” يرويها لنا الروائي، صورة تتماهى مع نسيجه النفسي، وتمتد لتتماهى مع الشخصية في آن واحد، وهذا التمازج الوجداني قدمه الروائي بلغة شعرية تمازج فيها ايقاع الصورة وأطيافها الوجدانية؛ وبالعودة للنص لتحديد الصور التشبيهية نجد منه محذوف الأداة، كقوله:

تاركة المدينة رقعة شطرنج، الأداة محذوفة والتقدير” كرقعة شطرنج“.

غابات صغيرة تحتضن الطرق، الأداة محذوفة، التقدير” كغابات صغيرة تحتضن الطرق”.

دموعاً كالدرر اللامع يتوهج، الأداة مذكورة ” تشبيه مفصل مجمل “.

الروائي يمتلك حساسية إزاء سحر المكان لذلك جسده وفق منظوره الانطباعي المتوافق مع بطل الرواية، فنجد صورة الزمن تمتزج وجدانيا مع حالة المكان، ففي الفجر تغرق المدينة بضباب هلامي هائل، وتأتي أشعة الشمس لتفتت الضباب فتحيله إلى قطرات تترك على أوراق الشجر دموعا كالدرر اللامع المتوهج … فالفجر والضباب وأشعة الشمس عناصر فنية تتداخل مع المكان، تشكل المكونات النفسية للشخصية، وهي حاجة نفسية أكثر من وصف تقني فني جسده الروائي بلغة ليست دخيلة بل لغة إحساس شعري.

تبرز في الرواية تقنية أنسنة وصف الأشياء مستعيناً بالتشبيه، ينتقل معها المتلقي من فضاء سرد الأحداث إلى تأملات شاعرية، كقوله: ” وكأن الصوت يجمع بنغماته خيوطاً تلتفُّ على مقاومة أي رجلٍ فتسحبه نحو تلك الطاقة المندلعة من العينين المحرقتين ليذوب في نارها لم اضبط نفسي وقفت, حدّقت فيها, وجه يحوي من الحلاوة ما يكفي نصف فتيات العالم.”(23) وكقوله:” ابتسمت: قبلتني في جبهتي قبلة خاطفة: أتكفي هذه؟ مرّة اخرى, على الرغم من أني كان يتنازعني شعور ثائر لمعاملتي كطفل مدلل.”(24)

لقد كانت صور التشبيه مستمدة من واقع بيئي، تثير بالموازاة وصفا خياليا لما تحمله من إشارات صريحة تشي بتماثل فني بين المشبه والمشبه به، وتبقى أداة التشبيه عاملا فعالا في المقارنة بين طرفي التشبيه.

الاستعارة

في رواية “زنقة بن بركة” أخذت الاستعارة التشخيصية مساحة واسعة و لاسيما في وصف المرأة ونخص بالذكر قريبة الجزائري، إذ وصف مفاتن جسمها بأوصاف عدة غلبت على صورة الوصف الطابع الاستعاري التشخيصي، الأكثر عمقا في الوصف إذ يضفي المبدع فيه الصفات الانسانية على الأشياء الجامدة، فتبدو أشياء متحركة، تعمل، وتتأمل، وتمارس شغبها، وتواصل فعل الإبداع… فاسمعه يقول:” أهدابها الطوال ترسم على بياض خديها أشعة شمس سوداء متناسقة.”(25) الاستعارة في تشخيص الأهداب وهي ترسم أشعة الشمس على بياض خديها، والرسم صفة وعمل الانسان وليس أي إنسان بل إنسان فنان متمرس يتقن رسم الوجوه وتفاصيلها وتقاسيمها، ويقارب بين الألوان لأن أشعة الشمس ذهبية وليس سوداء كما ذكر المبدع، فعلى الفنان أن يتقن الابداع التشكيلي ووضع مقاربة وصفية تخيلية لتلك اللوحة وكل هذا نجده في أهداب المرأة الموصوفة.

تشكل الاستعارة التشخيصية لغة شعرية تجسد المعنى وتقارب في جعل الشيء الجامد شيئا متحركا متفاعلا ومتماهيا مع الحدث السردي، من ذلك قوله: ” قالت العبارة الأخيرة بشكل مشفق، وكانت موجات صوتها المعذّب رحلة ممتعة فوق النجوم في ارتفاع وانخفاض يهيمان بي وأنا أحلّ ألغاز الحروف البشرية.(26) وقوله: ” كانت ترتدي ثوبا أبيض يتموج برشاقة حركاتها الرّاقصة، ويشتد التصاقا عند الكشح الرّقيق لكنه كان يندلع عند الصدر وينتهي عند الكتفين ليخرج زندين بضّين كادا لرقتها يسيلان.” (27) وأيضا: ” كان هذا الثوب الثالث الذي يتحدث بصراحة واضحة عن جمال ثدين عامرين بالفتنة والجمال خلال اليوم.” (28)

إن هذا الاشتغال على الاستعارة التشخيصية يعكس لنا الغنى الرائع الذي تتميز به صور المبدع في الرواية، ولا يمكن في هذا المقام إعطاء معطيات عددية لهذه الصور وإن كانت تفيدنا في تقديم فكرة أولية عن تواتر وتوزيع عنصر الاستعارة التشخيصية، وتحديد عددها عن غيرها، لكن اكتفينا بهذا الكم من الصور الاستعارية التي تعطي انطباعاً كافياً عن المجال الحقيقي للصورة الاستعارية في رواية ” زنقة بن بركة”، والتي لا تخرج عن الطابع العام لجنس الرواية، كفن تشخيصي بامتياز. يهدف إلى تقديم أشخاص وأحداث مقنعة للمتلقي بواقعيتها في تفاعلها مع عنصري الزمان والمكان.

ج- التضاد

لا ينهض هذا المتغير الأسلوبي على تبيان قدرة المبدع في الاتيان بالمتضادات لإثارة الدهشة والتأمل، بل التلذذ باكتشاف المتلقي لموهبة المبدع في ايجاد العلاقات بين الألفاظ المتضادة أو المتباينة فضلا عن الجرس الموسيقي لاسيما إذا اقترب المتضادان أو المختلفان في البنية الإيقاعية والصرفية.

إن رواية ” زنقة بن بركة ” دخلت مخاض التضاد، من خلال مجموعة من العناصر منها:

السرد الذاتي للراوي والسيرة الغيرية.

ما عرضه الراوي في إشكالية تعدد المواجهة بين شخصية ” سي الشرقي” وشخصية المرأة ونقصد “رقية قريبة الجزائري”، التي كان مبهورا بجمالها، دقيقا في وصف مفاتنها وكل حركاتها.

ولا يخفى أن الرواية ـ عموما ـ أكثر الانواع الأدبية قابلية لامتصاص الفنون البلاغية بسبب مساحة الحرية المتوافرة في تقنية السرد، وتفاعل عناصر البناء الفني للرواية مع الخصائص الفنية للأنواع الأدبية الأخرى، والتضاد من هذه الفنون التي تتجلى من خلاله صور السرد وفاعلية الشخصيات وتفاعلها.

وبتصفحنا لصور التضاد في الرواية نقف على قوله:” كان سي الحبيب قد أُجبر على الإقامة في ” المحمدية” إثر الأحداث العاصفة التي طحنت البلد أوائل الستينات، وكان هارباً في طريقه إلى الشرق حينما أُلقي القبض عليه، ولم ينقذه من حبل المشنقة سوى الجلطة القلبية الشديدة التي طرحته وقتا طويلا معلّقا بين الحياة والموت في سجن المستشفى، في عناية الأطباء وممرضين يخفون تعاطفهم بقناع متجهّم من تأدية الواجب، وحين انتهت الأزمة بسلام بإهمال المسؤولين البالغ… “(29)

الراوي لم يتكلف المجيء بالتضاد صنعة وإنما السياق السردي فرض هذه المتغيرة بأشكال عدة، لتكوّن الصورة الواقعية المؤثرة؛ نجد الطباق في (الحياة / الموت) كلمتان متضادتان في المعنى في دائرة المفارقة السردية، إذ لولا مرضه وإصابته بالجلطة القلبية الشديدة التي طرحته وقتا طويلا في الفراش لكان ميتاً. ثم نعثر في النص ذاته على مقابلة سياقية، وفي هذه المقابلة يُنظر فيها إلى موضع البنية وعلاقتها بالبنى التي تجمعها علاقة البدلية، أو ما يسمى بالمقابلة المعجمية … هذا النوع من المقابلة لا يعتمد على المرجعية اللغوية للألفاظ وإنما على موقعه السياقي الدلالي، نلمس المقابلة في موضعين في هذا النص:

” عناية الاطباء وممرضين يخفون تعاطفهم بقناع متجهّم من تأدية الواجب” أي هناك تعاطف وحب إلى هذا المناضل لكن خوفهم من بطش السلطة، وقوانين تأدية الواجب يخفون حبهم له.

” وحين انتهت الأزمة بسلام، أحيط بإهمال المسؤولين البالغ”، يفترض أن يكرّم ويأخذ حقه مقابل ما قدمه من تضحيات وبطولات نضالية أوصلته إلى حبل المشنقة. يفترض أن يكرّم حاله حال المجاهدين الكبار الذين جاهدوا الاستعمار الفرنسي، لكن وقوف بعض الانتهازيين ضده حال دون ذلك…

يجد المبدع في المقابلة السياقية مرونة في التعبير، فهي تفصح عن قدرته على التصرف غير المقيد بالتقابل اللغوي الحرفي للألفاظ، مما يمنحه طاقة دلالية جديدة ويسبغ على المقابلة عمقا أو يجعلها أكثر قدرة على رسم صورة أو تصوير حركة، ومثل هذا وجدناه كثيرا في رواية زنقة بن بركة، من ذلك قوله:” ضحكت بغنج، حدّقت بي : ألم تتعجل؟ كل هذه المدة تقضيها معي ولا تعرف اسمي! ابتسمت: أنت قريبة الجزائري فقط: وقفتْ ذاهلة، زوت ما بين عينيها، عادت جلست على السرير: يا للمسكين! استمرت تضحك، أضافت من دون أن تسمح لي بالكلام، وقد أدركت أنها هي المقصودة في أحلامي : ضحية جديدة. أخذت أضحك أنا أيضا كنت مثارا ولا أعرف كيف أسيطر على تلك الإثارة، تجهم وجهها قليلا لكنه لم يفقد فتنته: لا أستطيع أن أحبك، فاقطع الخط .”(30)

تظهر في هذا النص ثلاث مقابلات سياقية ساعدت اثنتان منها على تطور الحدث في المقابلة الثالثة، وهي تعد ذروة النص فنجد في الأولى مدة معرفته بها، وهي مدة تعد طويلة ثم عدم معرفة اسمها مع طول مدة معرفته بها، والثانية ” تجهم وجهها قليلا ولكن لم يفقد فتنته”، والثالثة وهي ذروة الصراع العاطفي إذ “سي الشرقيّ” كانت أحلامه وردية اتجاه قريبة الجزائري، وكان يأمل أن يقطف أزهار حبها ويرتشف من عبيرها، لكن ظنه ذهب بعيدا، فهي تحب ذلك المناضل والبطل الأسطوري ” سي الحبيب ” بالرغم من انشغاله بحياة أخرى، وأشياء بعيدة كل البعد عن العواطف وحب النساء، نؤكد ذلك بقوله:” سألته: ما رأيك يا سي الحبيب؟… نعم يا سي الحبيب: ما رأيك في الحب؟

ـ ابتسم: لا أفهم قصدكِ

ـ ألا تعرف معنى الحب؟

ـ بلى، أنا أحب الناس .

ـ بدأ الحب يتكسّر بين شفتيها: وأنا من هؤلاء الناس؟

هزّ سي الحبيب رأسه: نعم.

فهي لا توافق أن تكون من ضمن الجميع، تريده حبا خالصا لها لوحدها، لكن سي الحبيب لم يتغير بالرغم ما شاهده من مفاتن امرأة جميلة جدا عرضت عليه حبا، فكان ينظر إلى الأمر كمتفرج ليس أكثر.

في هذه الرواية تظهر لنا المقابلة السياقية بشكل واسع لاسيما في رسم صورة المحب وسلوكياته، وحين يسند صورة التعب ومعاناة والهموم إليه وصورة تقابلية أخرى هي صورة طرف آخر لا يظهر له الوجد، وقلبه الذي برح به الوجد والسقم، وصورة تقابلية أخرى هي صورة المحبوب تخلو من حبه له. وبهذا تعكس المقابلة السياقية في الرواية صورة ثلاث شخصيات: الراوي نفسه ورقية وسي الحبيب. تعكس حالة الانفصال والانفصام بين هذه الشخصيات.

خاتمة

في نهاية هذه القراءة الاستقرائية الأسلوبية لرواية ” زنقة بن بركة ” أسجل مجموعة من النتائج التي توصلت إليها:

الخطاب السردي في رواية “زنقة بن بركة” يعرف نوعا من التماهي بين شخصية المبدع وشخصية ” سي الشرقي” أحد أبطال الرواية، وتدخل في أحداث الرواية وتتعالق مع الشخصيات الأخر كذلك، مما يسمح بملامسة حلول ذات المبدع في الآخر، لتبقى الذات هي الشخصية المحورية فتخلق رؤية جديدة هي ” الرؤية مع “.

الرواية تظهر على شكل سرد قصصي واحد لا يتباين فيها الزمن، وكأن أحداثها جرت في زمن واحد، زمن قصير فهي تفتقر إلى تقسيم يراعي تسلسل الفصول فصول كما جرت العادة في جنس الرواية، لكننا نجد وقفات هي فرصة لاسترداد الأنفاس إن جاز الوصف، إذ قص الروائي أحداثها قطعة واحدة من ناحية، وانطبق المبنى على المعنى باتساق آخذ مبهر دون استطالات سردية، أو إفاضات وصفية، وفي بعد عن أي حشو لغوي زائد أو إيغال مفرط في معاينة الحوادث.

وراء إحالة الضمير علاقات بين أفكار المبدع وبين انفعالاته، لا يستطيع التحكم بل تفرض عليه نفسها، فتنوع الضمائر وتنوع خصوصياتها ناجم عن تنوع عواطف الراوي.

عمد المؤلف إلى ترتيب حركة الأفعال من حيث هي حركة الفاعل، من أجل بناء تراكيب تساعد على توظيف الصورة الحسية والتجريدية، وشكلت هذه الأفعال هاجس السعي عند الراوي في اختيار الفكرة وتقديمها، ثم تحقيق أمنيات شخوص الرواية على امتداد أحداثها.

عمد المبدع إلى استخدام أدوات الاستدراك خاصة ” لكن ” مع اسنادها إلى الضمير، وغايته ربط دلالات الأحداث وفق البنى الكلامية، وشرح وتوضيح الغموض الذي يقف أمامه المتلقي بشغف كي يفهمه.

كانت لغة الرواية لغة تلقائية ولدت لحظة الابداع لذلك نجد تنوعا في الصور، لاسيما الصور التي تقوم على التشبيه، والتي ترتبط بالسياق النفسي الابداعي. وكانت صوره مستمدة من واقع بيئي وتثير بموازاة ذلك وصفا خياليا، وهي إشارة واضحة إلى تماثل فني بين طرفي التشبيه الرئيسين .

أخذت الاستعارة التشخيصية ” الاستعارة المكنية ” حيزا مهما في الرواية، لما لها من حيوية كبيرة تمتح مصادر مشعة تحيل على جمالية النص وطرائق اتصاله بالمتلقي، وتشخص الجماد وتجسده بهيئة كائن حي وسبيلها في ذلك الانزياح باللغة الاعتيادية إلى غير المألوف والمعتاد.

التضاد في ” زنقة بن بركة ” مفعم بدلالات نهضت بها السياقات، وكان قد خرج من مستواه المعروف إلى مستوى أسلوبي أكده طبيعة الخطاب السردي في الرواية، فالمقابلة السياقية التي تعتمد على المرجعية اللغوية أخذت حيزا كبيرا، لأن المبدع يجد فيها مرونة في التعبير غير مقيد بالتقابل اللغوي الحرفي للألفاظ.

 

أ.د. بشرى عبد المجيد تاكفراست

جامعة القاضي عياض / كلية اللغة العربية

......................

الهوامش

جاءت هذه الدراسة رغبة منا في إطلاع المتلقي العربي على هذا النوع من المنجزات الكتابية التي تؤرخ وتصف الواقع المغربي وأحداثه وشخصياته في فترة الستينات من القرن الماضي بعيون مشرقية، بالإضافة إلى أن رواية ” زنقة بن بركة فقدت في السوق بعد طبعتها الخامسة.

رواية “زنقة بن بركة” كتبت سنة 1970 .فازت بجائزة أفضل رواية عراقية سنة 1994 استعار محمود سعيد أجواءها من مدينة المحمدية، وهي مدينة ساحلية صغيرة مغربية، وبالضبط في شارع الزهور الذي يفصل المدينة،. بطلها سي الشرقي/ الراوي. عربيّ جاء إلى المغرب للعمل كمدرّس، هاربا من الاضطهاد الذي عاشه في بلده العراق، و” سي الحبيب” المحكوم بالإقامة الجبرية في هذه المدينة، إثر الأحداث العاصفة التي عرفها المغرب في منتصف الستينات القرن الماضي. تبدأ الرواية في عطلة الصيف… تقدم لنا الرواية رصدا شرقياً لزقاق ابن بركة بمدينة فضالة / المحمدية، ونظرا محتشدا بشخصيات لم تستطع الأقنعة المحلية أن تخفي قسماتها الحادة، وكانت عين الشرقي حادة وهي تزيح النقاب عن الوجوه المغربية وتخترق الأجساد والعقول المعذبة بقضايا مجتمع لم يتخلص بعد من سلطة الفقر والجوع والجنس …

محمود سعيد روائي عراقي من مواليد مدينة الموصل سنة 1935. أكمل دراسته واشتغل معلما، كانت توجهاته يسارية تقدمية، لذلك اصطدم بالسلطة واستمر ذلك حتى غادر العراق مضطرا… كتب مئات المقالات في الصحف والمجلات. كما أن له أكثر من عشرين رواية ومجموعات قصصية، ويحتفظ بمسودتي كتابين في التاريخ وقواعد اللغة العربية ينتظران النشر… من مجموعاته القصصية: “نهاية النهار” نشرت في القاهرة 1996، و”طيور الحب والحرب” ونشرت في القاهرة 1997، و”المنسدح” وهي مجموعة قصصية نشرت سنة 2005، و”الجندي والخنزير” ونشرتها دار فضاءات في عمان، و”مساء باريس” ونشرتها الدار ذاتها سنة 2009…. ومن رواياته: “هل انتهت الحرب” ونشرت في دار الحياة ببيروت و” الموت الجميل” والتي نشرتها دار المدى بدمشق 1998 و” قبل الحب – بعد الحب” ونشرتها دار المدى بدمشق 1999 و”الضالان” ونشرت في بيروت 2003 و”الدنيا في أعين الملائكة” ونشرتها دار ميريت 2006 و”بنات يعقوب” ونشرتها دار فضاءات في عمان بالأردن 2008 و”الطعنة” ونشرتها دار فضاءات في عمان 2010 و”الشاحنة” ونشرتها دار شمس في القاهرة 2010 و”نطة الضفدع” التي نشرتها دار الغاوون في بيروت 2011 و” وادي الغزلان” ونشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 2011… كما كتب مجموعة من قصص الأطفال بعنوان: “شجاعة امرأة” ونشرت سنة 1999.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد / العراق، ط5، 2013، ص7.

تحليل رواية زنقة بن بركة، حسين سرمك حسن، مؤسسة النور الثقافية، W.W.W alnoor.se/artiele.asp?id=90436

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص16.

نفسه، ص21 ـ 23 .

نفسه، ص25.

قضايا نقدية معاصرة في الرواية والقصة القصيرة، عمر عتيق، دار دجلة، عمان / الاردن، ط1، 2016، ص 12 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص8 .

نفسه، ص 10ـ 11.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص33 .

اللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان، عالم الكتب للنشر والتوزيع والطباعة، القاهرة، ط5، 2006م، ص 82 .

أسلوبية الرواية، مدخل نظري، حميد لحمداني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1989، ص 48 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص8.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص9ـ10.

نفسه، ص42.

نفسه، ص52 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص 125.

نفسه،ص27 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص52.

نفسه، ص11.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص23.

نفسه، ص55.

نفسه، ص25.

نفسه، ص155.

نفسه، ص157.

نفسه، ص167.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص10.

نفسه، ص55.

 

 

انطوان القزيينصب للحرية عروشاُ بين الكراسي العفِنة

"الطيور لا تبني أعشاشها على شواهد القبور"، ورقصة القناديل لا تغادر ثغور الجداول قبل إشراقة الغسق.. ويحيا السماوي لا يبلّ ريق ريشة قبل أن تعصر المناديل أحداق الدموع، ولا يغافل المساءات قبل أن يطمئن الى الثريّا وهي تدغدغ الجفون وتهدهد أطفال الرافدين، ولا يسلّم السيف قبل أن يرى مروحة النخيل تطارد سكان القصور حيث "الخلافة باتت منتهية الصلاحية".

هو الشاعر الذي صاح ديك العراق على أقباس بيانه، والحانوتي الذي وزّع ماء الحياة على نفوسٍ تستمطر الرجاء، وهو السندباد العائد يشقّ قوس قزحِه ، يلوّن الجنائن التي حوّلوها إلى يباس.

يعود يحيا السماوي مع "ملحمة التكتك" على حصانه الأبيض، شراعه يرسم إشراقة الإنتظار ويراعه يزنّر خريطة وطن "ليس للبيع والإيجار في حوانيت المحاصصة".

يقولون هو شاعر، لغته القلب والعيون والنجوم، فكيف يتحدث عن لصوص وسارقين.

ويقولون هو رقيق ولمّاح، فكيف يقارب كلاماً عن الذئاب والظالمين.

ثم يقولون كيف تطلّ "الضاد" من يديه كالعنقاء سحراً وبهاءً وهو ينازل وحشة الظالمين؟!.

لا يا سادة، فيحيا السماوي كما أعرفه، ليس حبراً أو قلماً أو سرداً، بل هو ديوان وجودي، حالة إنسانية، وطنية، أوجدته حكاية العراق كي يحمل مناراتها إلى مراسي الكون، وأخصبته جنائن بابل كي يزيد عطر ورودها، ووافته شهرزاد كي يكمل مشوار ألف قصيدة وقصيدة ويعيد الى الرحلة مفاتنها،  يعيدها الى التاريخ الذي يمحوه مارقون، يدنّسون أعتاب وطنه وينشرون راياتهم العالية فوق صباحاته الرمضاء.

1778  ملحمة التكتك

يحيا السماوي في "ملحمة التكتك" وهج أولم  لدرر الكلام وسيف يومض جنون البرق وناموس جديد برسم المنافقين والفاسدين والقتلة.

من بغداد، الى الكرخ والرصافة، والسماوة والبصرة، الى كل مكان في هذا الفضاء الرحب، يقارع يحيا السماوي الفساد وهوليس سياسياً ، يحمل السيف وهو ليس قاتلاً، بل ينصب للحرية عروشاً بين الكراسي العفنة.

...وأنت أيها الشاعر، ترمم الجسور، تطيّب الخواطر، لتلفّ أعناق الزنابق برذاذك المسافر.

وأنت تعصر الحبر من شفاه البنفسج، تدمن الجرح مع لذة الوجع "لأن عذوبة نهر الثورة ولا يعكّرها رصاص القتلة ".

وأنت تغافل الكلمات الى الينابيع ومسارب الامطار، أراك "تغسل الضمائر الوسخة"، وتدخل الميادين مزهواً لانك انتصرت لشعبك، ولانك ايها الشاعر العذب تحمل فاكهة الفرح الى بيوت أنهكتها لافتات الحداد ، تأخذ بأيدي بني قومك من الكهوف الى مطارح الضوء".

يحيا السماوي، علّمتنا كيف ندفن حبّة القمح لتغدو سنبلة، علّمتنا ان نعبر حفاة فوق رصيف الصابرين كي نتوجه الى ساحة التحرير.

وأخيراً علّمتنا ايها الكبير، "كيف يظلّ خطو الحر ضوءاً مستقيماً مهما تعرّجت الدروب".

يحيا السماوي، لن نغادر الأسوار ولا أحد قادر ان يحرق عشبنا ، وستبقى أنت كوكباً يعانق ظلال الناس، يسامر مراياهم ، ودعني أقول فيك ما قالت النحلة في البحر: "ان البحر لا يساوي عندي قطرة من الندى.. أيها القطرة الجميلة المتأرجحة بين ضفاف الفرات ودجلة".

 

بقلم رئيس تحرير "التلغراف" الأسترالية أنطوان القزي

 

 

اسامة غانمليس من الممكن أبداً أن نستبعد قيام قراءات نقدية متعددة – قراءة جدلية – قراءة بنيوية – قراءة رمزية – قراءة شكلية – قراءة وجودية – قراءة سوسيولوجية – الخ في قراءتنا لرواية (ظلال على النافذة) * لغائب طعمة فرمان، والبعض من هذه القراءات ستظهر في أثناء تحليلنا للنص الروائي، والبعض الآخر نشير إليه مجرد إشارة، وأحياناً قراءتين في ذات اللحظة، رغم التزامنا بالمنهج النصي – السوسيولوجي، فعصرنا هذا يخضع (للرجعيين) والثوريين، عصر الخروج الجذري على المعتقدات السابقة عن المعنى والقراءة والنقد الأدبي، ولابد للمرء أن يعتنق الثورة، أو أن يدافع عن التقليد السائد ضدها)(1)، وعليه يبقى النص – الروائي مغلقاً لحين مجيء الناقد ليفض أسراره، وليفضح المعنى الذي يتولد من القراءات النقدية المتعددة .

لم يحد فرمان في روايته (ظلال على النافذة) عن تناوله للمجتمع البغدادي، كما في رواياته السابقة جميعها، ففي هذه الرواية يتناول فرمان حياة عائلة بغدادية، وما يجري لها من خلال الواقعة التي تصبح (مأساة العائلة) ص40، مع تشخيص ردود الأفعال الإنسانية المختلفة لكل واحد منهم تجاه هذه الواقعة الاجتماعية التي زلزلت بنية تكوينهم، ومدى عمق الرد، وما تتركه في الذات الإنسانية من ألم و تمزق، مع تبلور موقف واضح ينشأ من الصراع المتفجر مع بدء الأزمة للكشف عن حدة التناقضات الباطنية المغلّفْة باللامبالاة، وحين تعرضها لأول صدمة حقيقية تظهر وتبرز بشكل حاد وعار، وتطفو على السطح لعيان تاركة عوائقها وراءها .

تبدأ الرواية بفصل تدميري(2) ، وذلك بهروب زوجة الابن الأوسط من الدار الجديدة التي انتقلوا إليها في حي الوشاش، وتكون الزوجة – حسيبة قطب الجذب والشد في الرواية، مع كونها مرآة عاكسة بانورامية لما يعتمل في دواخلهم من انفعالات وأفكار وسلوكيات مختلفة متباينة أزاء الموقف الحاصل، وسيكون هذا الانعكاس متبادل معها بطريقة جدلية متشعبة مفتوحة على كافة الاتجاهات، ولكن جميعها تدخل نقطة واحدة .

والغياب هو الوحدة الوظيفية الأولى(3)، في بداية الرواية حيث (تغيب فجأة إحدى الشخصيات الأساسية غياباً مفاجئاً وقد يترك هذا الغياب 5ضرراً)(4) بالغاً للآخرين، وستلحق بها وحدة وظيفية ثانية هي البحث عن الغائب – حسيبة، وتكون بموازاة الوحدة الوظيفية الأولى – الغياب(5) .

وهذا الغياب كان نتيجة هروب حسيبة من الدار لأسباب كما يعزوها الأب عبد الواحد الحاج حسين إلى:

[1- زعل واختفاء عن الأنظار .

2- تمرد وعصيان .

3- أم خفة تصرف أرعن ؟] ص 10 .

الفقرة الثانية تقرب كثيراًٍ من التحليل الموضوعي الجدلي، فالمنهجية الجدلية بكونها (معرفة الواقع ليست ممكنة التطبيق إلا من وجهة النظرة الطبقية)(6) فلقد حوصرت حسيبة مع مقاطعة علائقية ضمنية داخل الدار رغم أنها تعيش وسطهم بسبب النظرة المتعالية والشعور الشوفيني تجاهها، وأنها دخيلة على العائلة لأن زواجها تم بطريقة غير مألوفة، وهي ريفية تركمانية (أنا من قزرباط) ص106 والبعض يعتبرها لقيطة من (أحشاء المجتمع) ص215، فهذه النظرة الطبقية خلقت صراعاً اجتماعياً ايديولوجياً محتدماً منذ دخولها الدار، ولا يزال الصراع مستمراً حتى حين غادرته بصمت، بل ازداد ليكون صراعاً ضارياً بين أفراد العائلة الذين كانوا يبدون بنية واحدة متماسكة ظاهرياً فقط، لكنهم في داخلها متناقضين، كصورة ورق اللعب: (إن طرفي التناقض يجتمعان مع بعضهما وينظر أحدهما في وجه الآخر وينعكس أحدهما في الآخر، ويعرفان ويفهمان بعضهما البعض)(7)، لكن حسيبة لم تستطع اختراق وضعها بمغادرة الفسحة التي وضعوها فيها، ولم تستطع أيضاً التفاعل مع الآخرين لأن الآخرين عاملوها كنكرة وكطارئة مفروضة عليهم وكبنية لا تنسجم معهم، لذا لم يفسحوا لها موضعاً لائقاً بينهم، إلا بحدود متوترة تتغذى على الوهم والشهوة من جانب الأخ الأكبر، فكانت المعادلة كالتالي بينهما: هي المشجعة على التغزل بها، وهو تجتاحه الرغبة في قضمها، ولم تبين لنا الرواية مدى عمق العلاقة بينهما ولا إلى أين وصلت ! .

إن حسيبة دخلت الدار وغادرتها كـ (جسد) فقط، أي عن طريق المهبل، اللذة – الوجود، فالمهبل في هذه الحالة يقوم بأداء وظيفتين مهمتين، منح الذكر المتعة الجنسية القصوى ومنحه البدائل من الذكور، ولكنها أخفقت في إنجاب البدائل، وماتت كـ (جسد) من وجهة (نظرهم) وأصبح وضعها لا يطاق لذا (قامت بعمل احتجاجي صارخ)(8) على ظروف معينة موجودة فانسلت هاربة متوارية ولتعاقب (جسد) ها بتعهيره .

كانت حسيبة الشخصية الإيجابية الوحيدة في الرواية باتخاذها موقفاً تجاه الأحداث فهي لم تتكلم، لم تصرخ، لم تعاتب، بل تمت المخاطبة بلغة قوية مؤثرة هي لغة الصمت، وكانت تدري ما يدور حولها وتقابل بالمثل فالأوسط تزوجته والأصغر احتقرته والأكبر احترمته، وهذا يثبت بأن لها تجربة حياتية ولها وعيها ووجهة نظرها في الآخرين، ورد فعل متحفز مع علاقة بالعالم غير مقطوعة ولا مفصولة ولا محصورة نهائياً و (وحدهم المجانين الذين يجهلون كل شيء عن العالم)(9)، ورغبتها في البديل الأفضل وفي الحرية من وضعها المأزوم تترك الدار هاربة طلباً للخلاص، ولكن خلاصها يكون في بيت للعاهرات تنبعث منه صدى الضحكات الفاجرة ورائحة الشهوة، فقد داست حسيبة على البلاطة – اللغم الذي فجّرها وفجّر العائلة تاركة الجميع ينزفون باستثناء شامل فأن (حب الحياة يجاور التعطش لتحطيم الذات، الطهر والعفة يفهمان الإثم والشهوانية)(10).

اللافت للنظر أن حسيبة هي المهيمنة والمسيطرة على الحدث بل هي الحدث للرواية، وهي البؤرة، وكما قلت هي مركز الشد والجذب ويبقى الصوت الإشاري لها هو المتحدث، رغم عدم وجود الصوت الحسي لها، فالصوت الإشاري (السيميولوجي) يكتسب سمة إنسانية قوية ويكون موجوداً في كل الحوارات للرواية . ويكون كطابع البريد ملصقاً على طرف كل ظل من ظلال الرواية . هنا نتساءل بقصدية، ماذا أراد فرمان من حسيبة كرمز ؟ أو نعيد السؤال بصيغة أخرى، ما هو الرمز الذي تقترن به حسيبة كما أراد فرمان من ذلك ؟ عندما نوزع الشخصيات والمواقف والأحداث على رقعة لعبة الشطرنج، تظهر لنا المفارقة الحادة بكون أن حسيبة صممت أصلاً كرمز، وهذا ما يقوله فرمان في إحدى مقابلاته:

(أنا كنت أرمز بشخصية (حسيبة) لشيء معين)(11) .

فما هو هذا الشيء المعين الذي يقصده فرمان ؟ .. لنحرك ببطء بعض قطع الشطرنج، لابد أن تتغير الرؤية وتتضح الصورة أكثر من ذي قبل، مما تسمح لنا هذه الرؤية بأن ندلف إلى المعاني – الرمزية على اعتبار أنها (ليس الرمز صورة، إنه تعددية المعاني نفسها)(12).

على هذا النحو تبرز لنا حسيبة وهي تحتوي على المعاني الرمزية المتعددة منها – وهذا ما أتصوره الشيء المعين – أن ترمز إلى مرحلة تاريخية – سوسيولوجية – سياسية مر بها العراق أواسط الستينات، وهناك وجهات نظر رمزية عند بعض النقاد، كالناقد العراقي ياسين النصير الذي يرمز إليها – ربما – على أنها ثورة 14 تموز:

(يعطي غائب لحسيبة رمزية واضحة، فيرمز لها بقضية عراقية أوسع – ربما كانت ثورة 1958 أو شيئاً من هذا القبيل)(13) .

لكنه يذكر فيما بعد أن حسيبة يمكن التعامل معها على عدة مستويات رمزية مع النص، وان النص – الروائي يمتلك مجالات كثيرة للتعامل معه على أساس هذا التوجه وقابلية هائلة على احتوائه على إشارات تدلل على الرمز، وهذا يفسح المجال لنشوء معانٍ رمزية متعددة أو تأويلات لا تحصى لإشارات موضوعية والتعدد في التصور الرمزي يمنح حسيبة والرواية قيمة جمالية عالية شفافة .

ويمكن أن تكون المرحلة التي تلت هزيمة حزيران والتي جاءت لتكشف عن مدى عمق المأساة التي يعيشها الوطن آنذاك الزمن وعن عمق الأخطاء والسلبيات قبل الهزيمة التي كانت تمارس من قبل الأنظمة الرجعية اليمينية في المنطقة والفوضى التي سادت وسيطرة الفكر اللاعقلاني والغيبي على الساحة الثقافية وتكريس هذا الفكر بين المثقفين والعمل على نشره وتكريسه من قبلهم بين الجماهير، ومن الأمثلة على ذلك أن بعض المثقفين العراقيين كانوا يعتقدون بأنهم (يستشرفون صفاء العالم من خلال ثقب في جورب مومس)(14) .

لقد جعل فرمان من كل شخصية في الرواية تمثل فئة اجتماعية فأفكار وأحلام وتداعيات وتصورات الشخصية تكون أفكاراً ومنطلقات وأيديولوجيات تلك الفئة، أي أن هذه الشخصية تكون الممثل الرسمي لتلك (الفئة) على المستوى الدلالي .

الأب يراعي العائلة كلها ويعمل على تحسين مستواها الاقتصادي – الاجتماعي دائماً وعلى الحفاظ على التقاليد والشعائر التي نشأ عليها، وحين تختفي حسيبة يستفز ذاته للبحث والاستقصاء عنها وحده ويدع الأسرة مغلقة، والبحث يتم بمساعدة امرأة اسمها نعيمة كان لها سابقة مع الأب عبد الواحد أيام شبابه، ولم يرغب بمساعدة أحد غيرها، وتعثر عليها عند عطية العمية ولكن لا تخبر الأب عبد الواحد عن مكان مبيتها إنما تخبره عن مكان اشتغالها لأجل الانتقام والتشفي منه، لأجل الملامسات التي لم تكتمل في الخرابة . وهذه المرأة (نعيمة) هي من الخارج والأب عبد الواحد من الداخل يربطهما حب قديم، حب محنط، لم يبق منه إلا لفافات متيبسة هو من أعطاها كلمة السر رغم أنه يعتبر ان الهروب (فضيحة للعائلة كلها) ص10 وهي من حلت لغز هذا السر، فالعائلة كلها لم تفعل شيئاً إزاء الهروب، ولم يستطيع احد منهم العثور على الهاربة، ولكن هذا البحث يتم بواسطة شخص من خارج دائرتهم، وتُسلم حسيبة على طبق من زجاج ملون، وحال ملامسته يتكسر، يتفتت، ساحقاً معه فترة زمنية عاشتها حسيبة عندهم، و(البيت يتحول إلى سجن حقيقي) ص105، فالأب ينهار والابن يتيه في عوالمه البائسة ويبدأ بمقاطعة ومعاقبة نفسه والآخرين من خلال انغماسه بمعاقرة الخمرة التي تصبح طقساً يومياً له، مع عدم مواجهة أحد، وإذا تواجه يكون نائحاً مستشرفاً اللاعودة لزوجته (فهربت ولن تعود) ص49، وانسحب هذا الوضع على زمنه المتوقف عند نقطة الاختفاء نقطة الذكرى المجمدة ويبقى فاضل يعاني، يتألم، كالجواد المجروح دون أن يسقط .

نحن عرفنا أن رواية (خمسة أصوات) هي رواية أصوات خمسة مثقفين، بعدها رأينا صوتاً مثقفاً واحداً في رواية (المخاض)، ثم يظهر لنا صوتان مثقفان في رواية (ظلال على النافذة)، وهما مختلفان عن الأصوات السابقة مع تباين وتناقض، لأن فرمان جعل من كل رواية لها صوتها الخاص بها، أي أن كل صوت في الرواية له ظروفه التاريخية والسياسية والاجتماعية ومواقفه، من هنا يكون الصوت صوتاً لشريحة المثقفين في تلك الفترة، فـ (خمسة أصوات) فترة ما قبل ثورة 14 تموز، و (ظلال على النافذة) فترة بعد الثورة والعراق على مفترق طرق، فترة أواسط الستينات، عندئذٍ قام فرمان برسم شخصيتين مثقفتين تتناسبان وتلك المرحلة الصعبة فكراً وسلوكاً، فـ ماجد الأخ الأكبر وشامل الأخ الأصغر يتوسطهما فاضل العامل الأجير، ماجد درس الهندسة في أوربا وعاد، خروجه من العراق كان شبه نفي إجباري لآرائه السياسية ولاشتراكه في المظاهرات، وماجد قريب الشبه والملاح لـ (سعيد) فهما لا يعرفان ماذا يريدان أو عن ماذا يبحثان وما هو هذا الشيء ؟ويسافران لكن الأزمة تظل ملاصقة لهما وهذا إنعكاس للظرف السياسي – الثقافي – الاجتماعي في فترة الخمسينات والستينات وتبقى أصواتهم (أصوات مزدوجة)(15) ما بين الخلاص من الظرف المأساوي لهم، وبين أن يسود السلام والطمأنينة حياتهم هذا على المستوى العام وبين الانفتاح على المنحى الشخصي ومغادرة نقاط الضعف على المستوى الخاص، وبين العام الموضوعي والخاص الذاتي علاقة جدلية تبين لنا أن (ما يتسم به المثقفون من تذبذب أيديولوجي ومن انجذاب إلى فئات اجتماعية أخرى)(16)، ولكشف (الخرافة الفكرية)(17) التي يعيشها هؤلاء المثقفون البرجوازيون، لتركهم المنهجية الجدلية الحية في دراسة الظواهر والتطورات في كل مناحي الحياة .

إن ماجد كانت له علاقة جنسية مع خادمة، عندما كان يختفي في دار مخدومها لمدة خمسة أشهر، وعندما يرى (حسيبة) يتذكر فوراً (زهرة) التي تحسسه بالذنب وتكون تداعياته متداخلة متشابكة يحتاج القارئ إلى تركيز إضافي لمعرفة عن من يتكلم وأحياناً ليس في الاستطاعة التفريق بين الاثنتين (حسيبة) و (زهرة)، ولتوضيح الصورة بشكل أعمق ولبيان التداخل بينهما أقتبس هذا النص:

(من أين انت ؟ ومن عندك في قزرباط ؟ يعني العائلة كلها

هاجرت ؟ بقيت خالتك وجدتك ؟ طابت لكم بغداد ؟

بغداد تبتلع كل شيء . وكانت تنظر إلي بعينين رائعتين عطوفتين،

كأنها تنظر إلى عجلٍ ولد لتوه . وكنت أحس بفوران الدم في

شراييني، وهي ترمقني رمقاتها القصيرة الساجية . وكانت

تأتيني بالمجلات التي يشتريها أهل البيت، وأغلبها مصورة

صادرة من أرض الكنانة . وتشير زهرة إلى بعض الصور

المترفة) ص201 .

بعدئذ نكتشف من خلال قراءتنا لفصول ماجد، أن علاقته هذه ليست علاقة جنسية فقط، بل علاقة حب عارم ينخر في ذاته إلى النهاية، وحسيبة تذكره بهذا الحب الضائع، وعند بحثه عن وظيفة في دوائر الدولة وعدم عثوره على وظيفة يحول ماجد حسيبة من (قضية للأسرة إلى قضية للبلد، وثورة ورمز)(18) وتبقى زهرة وشمه المحفور في قلبه، رغم سفره وعودته الطويلة وتكون حسيبة بديلة لزهرة في الطيبة والنقاء والعفوية وليس بديلة في مكان آخر كما يوهمنا به فرمان، ويوحيه إلينا، وشغفه بـ زهرة وما تركته من فراغ وإحساسه بهذا الفراغ الذي يمزقه يحاول أن تمليه حسيبة ولو بالأنوثة النقية فقط لا أكثر ولحساسية تلك الفترة التاريخية جعلت يعكس ذلك على الرواية وعلى مثقفي الرواية، فـ ماجد مفرط الحساسية تجاه الأحداث التي تمر بها العائلة والأحداث التي يمر بها البلد وعطالته، وكذلك شامل لديه حساسية مثقف مغايرة تماماً لحساسية ماجد ويمثل فترة ما قبل الهزيمة ويمثل واقعاً مستوعباً من قبله، مغرور، أناني يؤمن بالطريقة الميكافيلية في الحياة، و(يسبغ على الحياة جدية مزيفة)(19)، لايهمه أي شيء يجري حوله، فقط كل ما يهمه نفسه، أما عائلته والآخرون فلا تهمه، لا يتعاطف مع أحد ولا أحد يتعاطف معه، برغماتي (زمن لا تحلق فيه غير الخفافيش، ولا ينعم فيه بالعيش غير المقاولين) ص289، يحوّل مأساة عائلته إلى مسرحية لكنه لم يستطع أن يضع لها نهاية، وتبقى انطباعيته تتقدم على عقلانيته انطباعية ممسوخة بوعي ممسوخ وعقلانية مدموغة بالإحباط (عش كلمة " إحباط " بقدر ما تستطيع وعندئذ ستفهمني) ص291، هذا ما يقوله لأخيه ماجد في نهاية الرواية، طموحاته بلا حدود طموحات تولد في ذهنه ميتة طموحات غير متواصلة مع الناس مع المجتمع، لكنه يصدم بالواقع الذي يعيشه .

ومن أجل الكشف لغطاء بطل فرمان المثقف، علينا أن ننطلق من المعالم الاجتماعية والثقافية له، لأن بطل فرمان المنفصل عن التقاليد السوسيولوجية الثقافية وعن المكونات الحقيقية للإنسان المثقف المنحدر من روح الشعب المنحدر من صفوفه هو ممثل لجيل زائل وهذا الإنسان المثقف يؤمن بفكرة، وهذه الفكرة قد استولت عليه ودمرته، ذلك لأنه لم يتحد ولم يوثق صلاته بالحياة اليومية، لم يوثق صلاته بالمجتمع الحقيقي ولم يؤمن بالتقاليد الثقافية الثورية فكل هذا خلق روح لا منتمية، روح انهزامية لا تستطيع أن تتعايش مع الواقع وضياع الدلالة الثورية .

يتسم سلوك وتصرف أغلب الشخصيات بالخنوع واللامبالاة والانكماش والنكوص، ومن ضمنها الشخصيات الثانوية النسائية، فالأم لا يتعدى دورها إلا مضايقة حسيبة وحالما تغادر ينتهي هذا الدور، أما الأخت فضيلة فهي خُلقت في هذا البيت للخدمة وتوفير الراحة لأفراد العائلة، ووقوفها طوال اليوم في المطبخ فأنها كالإنسان الآلي (الروبوت) لا أحاسيس لا شعور لا عواطف فقط عليها القيام بالأعمال المنزلية، هكذا ينظر إليها الآخرون، لكن في الحقيقة هي أخت محبة وطيبة تعمل على إرضاء الجميع وتحزن على مصير العائلة الذي آلت إليه .

قسّم فرمان الرواية إلى أربعة أقسام (ظلال) وكل ظل يتألف من ثلاثة فصول، الفصل الاول من كل ظل أفرد لـ الأب بضمير الغائب والفصل الثاني من كل ظل أفرد لـ ماجد بضمير المتكلم والفصل الثالث من كل ظل أفرد لـ شامل بشكل حوار مسرحي، وهذا الأسلوب في الروايات العربية لم يستخدم، فمن تقنية روائية بحتة من سرد ضمائر، تداعٍ، فلاش باك، أحلام يقظة منولوجات، أصوات متعددة متداخلة الخ .. أن يلحق فصل كامل في نهاية كل قسم على شكل حوار مسرحي، فهذا شيء جديد لم يسبق أن استخدمه أي روائي عراقي أو عربي – على ما أظن – حوار على شكل مناقشات بين الطلبة وإبداء الرأي وتفاعل الآراء للوصول إلى الأصوب مع تعليقات موضوعية صميمية، ويقول فرمان عن سبب استخدامه لهذا الأسلوب:

(وكان " شامل " في ذهني يلعب دوراً كبيراً وكنت أريده أن يكون شخصية بارزة في الرواية عند سير الأحداث في مجرى كتابة الرواية لم أجد (شامل) يبرز فيها بالصورة الواضحة والقوية المؤثرة التي كنت أنا أريد أن أظهره بها، بعد تفكير طويل لجأت إلى أن أكتب قسمه، خصوصاً وهو طالب في معهد الفنون الجميلة، بهذا الأسلوب)(20) .

رغم أن الحوار هو التقنية الوحيدة في المسرح تقريباً – البعض يستخدم الملصقات – الأفلام – الصور – لكن بالمقارنة مع رواياته، أشعر أن هذا الأسلوب المسرحي لم يأتِ متلائماً مع الرواية رغم أنه لم يضعفها أو أصبح جزء غير منسجم مع بقية الأجزاء المنسجمة، أما فصول ماجد فجاءت قمة في الروعة، عالية التقنية من أساليب مختلفة – تيار الوعي – المنولوج الداخلي، تداخل الماضي بالحاضر بالماضي – الحوار الدقيق، لذا أتى النص مزدحماً بالجمالية داخل بنية الرواية مع رؤيا فنية للناحية التاريخية السياسية .

ومن خلال هذه الأساليب الثلاث تبرز لنا جدلية الأصوات، الأصوات التي تعيش العصر الاجتماعية، السياسية، الأيديولوجية ولتكون الرواية بصمة المستقبل لامتلاكها حضوراً داخل صراع القوى المتعايشة حاضراً ومستقبلاً . كان فرمان يمتلك حرية واسعة في داخل فضاء النص – الروائي لأنه كان على اطلاع عميق بالمراحل التي يكتب عنها لأنه (كلما كانت معرفة الكاتب بفترة ما أعمق وأكثر تاريخية على نحو أصيل كان أكثر حرية في التحرك داخل موضوعه)(21) .

 

أسامة غانم

.............................

الهوامش والإحالات:

*رواية " ظلال على النافذة " – دار الآداب، بيروت / لبنان، 1979.

1- وليم راي – المعنى الأدبي: من الظاهراتية الى التفكيكية – ت / د. يوئيل يوسف عزيز، ص9 دار المأمون بغداد 1987 .

2- ياسين النصير – الصيانية والتدمير – ص51 مجلة الأقلام العدد 7-8 تموز / اب 1992 .

3- فلاديمير بروب – مورفولوجية الخرافة – ت / د. ابراهيم الخطيب المغرب 1986 .

4- فاضل ثامر – الصوت الآخر: الجوهر الحواري للخطاب الأدبي – ص115 دار الشؤون الثقافية بغداد 1992 .

5- يقول فاضل ثامر بأنه يمكن اختزال الوحدات الوظيفية الأحدى والثلاثين كما (أقره بروب وأقرته الدراسات الحديثة التي أشارت إلى إمكانية اختزال الوظائف إلى وظيفتين فقط) ص120 المصدر السابق.

6- جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ت الدكتور حنا الشاعر ص29 دار الأندلس ط2 بيروت 1982 .

7- م . باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي – ت / الدكتور جميل نصيف، مراجعة الدكتورة حياة شرارة ص260 – دار الشؤون الثقافية بغداد 1986 .

8- د. نجم عبد الله كاظم – الرواية في العراق: 1965 – 1980 ص237 دار الشؤون الثقافية ط1 بغداد 1986 .

9- جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي ص212 .

10- م. باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي ص260 .

11- دز نجم عبد الله كاظم – الرواية في العراق ص237 .

12- رولان بارت – نقد وحقيقة – ت . د منذر عياشي ص82 مركز الإنماء الحضاري – دمشق .

13- ياسين النصير – الصيانية والتدمير ص53 .

14- شوكت الربيعي وآخرون – بيان الى المثقفين العراقيين – ص157 مجلة الثقافة الجديدة العدد الاول حزيران 1969، نشر هذا البيان الموقع من قبل (4) مثقفين عراقيين هم: شوكت الربيعي (رسام وناقد) وعبد الرزاق المطلبي (قاص)، سليم عبد القادر السامرائي (ناقد أدبي) محمد ياسين المطلبي (شاعر)، رداً على البيان الشعري الذي أصدره: فاضل العزاوي (قاص وروائي – يقيم منذ سنوات خارج العراق) . فوزي كريم (شاعر – غادر العراق صيف 1978 إلى لندن وقد أصدر في لندن مجلة اللحظة الشعرية) وسامي مهدي (شاعر) وخالد علي مصطفى (شاعر) / في مجلة الشعر 69 العدد الأول مايس 1969، ونحن نعلم بأن فاضل العزاوي وفوزي كريم يمتلكان رؤية وفكراً وأيديولوجية غير التي يمتلكها الشاعران الآخران بل هما على طرفي نقيض منهما .

15- م.باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي – ص238 .

16- جانفيف مورييو – ت رشيد بنحدو ص111 – (البنيوية التكوينية والنقد الأدبي) مؤسسة الأبحاث العربية بيروت 1984 .

17- جورج لوكاش – التاريخ والوعي الطبقي – ص27 .

18- ياسين النصير – الصيانية والتدمير ص52 .

19- م. باختين – قضايا الفن الإبداعي عند دوستويفسكي ص256 .

20- د. نجم عبد الله كاظم – الرواية في العراق – ص236 .

21- جورج لوكاش – الرواية التاريخية – ت / د. صالح جواد كاظم ص239 . وزارة الثقافة والفنون العراقية – دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت 1987 .

 

 

صادق السامرائيهذه قراءة نفسية لنشيد الجبار لأبو القاسم الشابي، ويبدو فيه وكأنه يرمز لواقع الأمة التي كان يمثل روحها وجوهرها، ويؤمن بحياتها وقوتها وقدرتها على البقاء والرقاء.

فهو يتمثل في كيانه الأمة التي تماهى معها وذاب فيها، وراح يترنم بأشعاره المعبرة عن ذاتها، ونبضات ما فيها من الطاقات والقدرات الحضارية الإنسانية الأصيلة.

فعندما يكون هو رمز الأمة وممثلها والناطق بلسان حالها، ندرك المعاني العميقة الكامنة في هذا النشيد المتحدي المتوثب المتفائل المُكابر، الذي يؤكد إرادة الأمة وصلابتها وقوتها وقدرتها على المنازلة والمطاولة والمجالدة والإنتصار.

ولد أبو القاسم الشابي في آذار 1909 في بلدة الشابة التونسية، وقد حفظ القرآن في التاسعة من عمره،  ودخل كلية الحقوق سنة 1930 وتوفي سنة 1934 في سن الخامسة والعشرين .

ويبدو من نوابغ الشعر واللغة، ولو عاش ضعف عمره لأثرى الوعي العربي بما يزعزع أركان الجمود والقنوط.

وكانت قصيدته إرادة الحياة قد إرتجت لها أرجاء الأمة وتم تكفيره بسببها.

هذا الشاعر النابغة مشدود إليه منذ صباي، وقرأتُ قصائده وتأملتُ رؤيته، وكيف إستطاع في هذا العمر المبكر أن يدرك ما لا تدركه عقول عاشت أضعاف عمره.

وأجدني أعيد قراءة قصائده بمنظار عقلي نفسي أدبي إبداعي، يستكنه ما فيها من تطلعات ومنطلقات ورسائل حضارية للأجيال.

يقول:

سأعيشُ رغم الداء والأعداء

كالنسر فوق القمة الشماء

أرنو إلى الشمس المضيئة هازئا

بالسحب والأمطار والأنواء

لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى

ما في قرارة الهوّة السوداء

 

ترى مَن هو الذي سيعيش؟

الشاعر تتماهى أناه بذات الأمة التي ينتمي إليها، ويراها ستعيش وتتطور وتعاصر، رغم ما فيها من أدواء وما يتحاوطها من أعداء.

فالأمة ستبقى باهية زاهية في القمم الشماء، تحدّق بالشمس وتحسبها مشرقة دوما، وتهزأ من السحب والأمطار والأنواء، التي تحاول أن توهمنا بأنها غير موجودة أو غائبة.

وتأبى الأمة أن تنظر إلى الأسفل، أو تحدق بالداجيات الباكيات القانطات، إنها مرفوعة الرأس وذات أنفة وكبرياء.

فالذي سيعيش ليس الشاعر بنفسه، وإنما الأمة التي أصبح مِرآتها الدالة على معانيها وقيمها وهويتها الحضارية.

 

وأسير في دنيا المشاعر حالما

غردا وتلك سعادة الشعراء

أصغي لموسيقى الحياة ووحيها

وأذيبُ روح الكون في إنشائي

وأصيخُ للصوت الإلهي الذي

يحيّي بقلبي مَيّتَ الأصداء

وأقول للقدر الذي لا ينثني

عن حرب آمالي بكل بلاءِ

إنه يتكلم بلسان الأمة ويذوب فيها ويعبّر عنها، وكأنه قد سبر أغوارها وتعمّق في فهم نبضاتها وخلجات أعماقها المتشوقة للرقاء والنماء.

أمة فيها ذخيرة ثرية من الشعراء المصدحين بلسان حالها، وكأنه يراها وقد تمثلها الشعراء وانتشوا بوجودها الخالد، وأفياض ما فيها من المشاعر والعواطف، فهذه الأمة تصغي لأنغام الحياة وألحانها وتستحضر روح الكون في إبداع أجيالها.

وهي الأمة التي إستمعت لصوت السماء الذي أحيا فيها الخصال الحسنة، وألهمها حسن السلوك ومبادئ الرحمة والإيمان.

وقدرها أن تحارب وتتحدى وتكافح وتكون، فهذه الويلات العاصفات في ديارها لن تثنيها عن التوثب لصناعة حاضرها الأفضل.

لا يُطفئ اللهيب المؤجج في دمي

موج الأسى وعواصف الأزراء

فاهدم فؤادي ما استطعتَ فأنه

سيكون مثل الصخرة الصمّاء

لا يعرف الشكوى الذليلة والبكا

وضراعة الأطفال والضعفاء

ويعيش جبّارا يحدّق دائما

بالفجر بالفجر الجميل  النائي

إملأ طريقي بالمخاوف والدجى

وزوابع الأشواك والحصباء

فالأمة ذات لهيبٍ أجّاجٍ يسري في عروقها، ولن تنال منه أمواج العاديات والحروب والويلات، فمهما حاول الأعداء النيل من الأمة والوصول إلى فؤادها وجوهرها، فأنه لن يتأثر بمعاول غدرهم وحقدهم وعدوانهم الأثيم، وسيقاوم ويصمد، ولن يشتكي ويتباكى ذليلا ويتضرع أمام أعدائه، بل تبقى الأمة بكبريائها وعزتها وجبروت طاقاتها وقدراتها، ترنو إلى فجر جديد يعيد لها مجد كينونتها ومقام صيرورتها الحضارية الكبرى.

ومهما حاول أعداء الأمة أن ينثروا المخاوف ويطفئوا أنوار الدروب، ويضعوا المصدات والمعوقات أمامها، فأنها ستسير إلى هدفها الساطع المنير، فهي ذات رسالة إنسانية أنوارها تستمد سطوعها من شمس الحق والرجاء والأمل الدفيق.

وانشر عليه الرعب وانثر فوقه

رُجمَ الردى وصواعق البأساء

سأظل أمشي رغم ذلك عازفا

قيثارتني مترنما بغنائي

أمشي بروح حالمٍ متوهجٍ

في ظلمة الآلام والأدواء

النور في قلبي وبين جوانحي

فعلام أخشى السير في الظلماء

إني أنا الناي الذي لا تنتهي

أنغامه ما دام في الأحياء

ومهما إمتلأت طرقاتها بالعوائق والأشواك فأنها لن تبالي وستمشي وتمشي، وتواجه الضربات والغارات والتحديات بعزيمة بطولية خارقة، ورغم الأخطار، فأنها لن تنسى روحها وما فيها من إبداع وتسامي ونبل وقيم وأخلاق سامية.

الأمة تسير ولا يمنعها أي عائق مهما تقاسى، فهذه أمة النور المتوهج في قلبها، وهو الذي يهديها سواء السبيل، ويضعها على الصراط المستقيم الأمين، ولهذا فهي لن تخشى حلكة الدروب، وتكالب الخطوب، فهي المصدحة أبدا بأحلامها الجميلة الباهية الورفاء.

وأنا الخضم الرحب ليس تزيده

إلا حياة سطو الأنواء

أما إذا خمدت حياتي وانقضى

عمري وأخرست المنية نائي

وخبا لهيب الكون في قلبي الذي

قد عاش مثل الشعلة الحمراء

ويصوّر الأمة وكأنها محيط ماء يزداد فيضا بالعواصف والرعود وتداهم الأنواء، فهذه العدوانية تزيدها قوة وقدرة على الحياة، ويرى بتعبير مجازي تخيلي أن الموت الذي يتوهمون حلوله في الأمة، ما هو إلا قوة طاردة للمقام في عالم الخطايا والكراهية، والتحوّل إلى بناء حالة ذات قيمة أخلاقية وسلوكية متسامية متعالية.

فأنا السعيد بأنني متحولٌ

عن عالم الآثام والبغضاء

لأذوب في فجر الجمال السرمدي

وأرتوي من منهل الأضواء

وأقول للجمع الذين تجشموا

هدمي وودّوا لو يخرّ بنائي

ورأوا على الأشواك ظلي هامدا

فتخيّلوا أني قضيت ذمائي

وغدوا يشبون اللهيب بكل ما

وجدوا ليشوّوا فوقه أشلائي

ومضوا يمدّن الخوان ليأكلوا

لحمي ويرتشفوا عليه دمائي

إني أقول لهم ووجهي مشرقٌ

وعلى شفاهي بسمة استهزائي

ويصوّر القيم الروحية والرسائل السماوية الفاعلة في ضمير الأمة، وهي تنهل من الأضواء العلوية الهادية إلى المجد والكرامة السلوكية التي تتحقق في ربوعها.

وتطلق الأمة نداء التحدي والإصرار والمواصلة، وتقول للذين خرّبوا معالمها وأوقدوا نيران الحروب بديارها، وتوهموا بأنها هامدة متيبسة، وتكالبوا عليها من كل حدب وصوب، ليحتفلوا بولائم إفتراسها وتمزيقها، بأنها تهزأ بهم لأنها أمة حية لا تموت، وتبقى خالدة ويغيب أعداؤها.

 

إنّ المعاول لا تهدّ مناكبي

والنار لا تأتي على أعضائي

فارموا إلى النار الحشائش والعبوا

يا معشر الأطفال تحت سمائي

وإذا تمردت العواصف وانتشى

بالهول قلب القبة الزرقاء

ورأيتموني طائرا مترنما

فوق الزوابع في الفضاء النائي

فارموا على ظلي الحجارة واختفوا

خوف الرياح الهوجاء والأنواء

وهناك في أمن البيوت تطارحوا

غث الحديث وميت الآراء

وترنموا ما شئتم بشتائمي

وتجاهروا ما شئتنكم بعدائي

أما أن فأجيبكم من فوقكم

والشمس والشفق الجميل إزائي

مَن جاش بالوحي المقدس قلبه

لم يحتفل بحجارة الفلتاء

هذه الأمة وعلى مر العصور ما إستطاعت أدوات الغادرين التخريبية ولا نيران حروبهم أن تفت من عضدها، وتمنعها من التواصل والتوثب الحضاري المَكين، ومهما ألقيتم في النيران من جديد الأجيال ونضارة الأفكار، فأنها لن تموت وستنبثق من رمادها أقوى وأقدر.

وكأنه يصف أعداء الأمة بالأطفال الجهلة الذين لا يعرفونها، فيطلب منهم إن رؤوا العاديات وجحافل العدوان تداهمها، وقد إرتقت ونأت عاليا فوقها وصنعت لها ظلا، فعليهم أن يرموا الحجارة على الظل، أي أن الأعداء يحاربون ظل الأمة في الأرض ولا يستطيعون محاربة جوهرها.

واذهبوا إلى مواطن هذركم وتوهمكم بأنكم إنتصرتم عليها، وتكلموا كما تشاؤون فأنكم توهمون أنفسكم، وتسخرون منها، وأنتم المهزومون المنكودون الخائبون، فالأمة شماء وفوق ما تتحدثون به من البهتان والعدوان، فما دامت الأمة تتمسك بإرادة وحي السماء وطاقات الأنوار الروحية المبثوثة فيها، فلن تنال منها إرادة التراب.

وفي الختام فهذه قراءة تشير إلى رمزية النشيد المترجم لإرادة الأمة وكينونتها الصامدة، المقتدرة على تخطي الصعاب والنكبات، التي تحيق بها على مر العصور والأزمان.

وما يبهر حقا هذه القدرة الخارقة للشاعر الذي إستطاع أن يستوعب إرادة أمة ويعبر عنها برمزية رائعة وهو دون الخامسة والعشرين من العمر.

فهل أنها أكبر من موهبة؟!!

 

د-صادق السامرائي

 

 

قراءة نقدية لمجموعة (تيممي برمادي) للشاعر يحيى السماوي

إنّ الإرتكاز على الصوت الداخلي من قبل الشاعر يصبح التخيل الشعري مقاربا الى حس الذات بطريقة تجعل اللغة منهجية التقارب لتصور الشعوري المجاور لكل المعاني الدلالية التي يريد أن يصل لها الشاعر من خلال نصه، أي يصبح التخيل الشعري هو المفتاح الى التخيل الصوري الإدراكي في إخضاع نسق القصيدة، الى طاقة التخيل الوجداني وهذا يعطي المفردة اللغوية شحنا استطلاعيا عميق الصورة الشعرية واسع الرؤيا المنفعلة من التحسس التوصيف المعنوي والترابط الفعلي ما بين اللغة والإحساس التخيلي لذهنية الفكرة التي على ضوئها يكتب النص الشعري، لأن هذا يعطي الشاعر تلقائية اختيار المفردة اللغوية والخارجة من تمازج الحس الخيالي مع فكرة الرؤيا، التي تعتمر داخل ذات الشاعر،حيث تصبح هنا اللغة لغة بلاغية تحمل كل مساحات الذات التي تحاكي العاطفة الرؤيوية المتكونة من المعنى الإيحائي في فكرة سيميائية الصورة الداخلية، والتي تأتي من خلال قدرة الشاعر على استدراج اللغة الحية الخالية من الشوائب والزوائد التي تثقل القصيدة بمفردات ساكنة راكدة خارج معناها المحفز على تكوين البؤرة النصية، ما يجعل النص موجزا ومقاربا الى الصورة الحسية البصرية وحين يحدث هذا التقارب لدى الشاعر فإنه يعطيه القدرة على إعادة ترتيب وموضعة هذه المرئيات وفق علاقاتها الزمانية والمكانية التي تجذبها حالة الذات المتوهجة بعمقها النفسي المنعكس من حالة المعنى الذي يريد أن يوصله، وفق إرهاصات الذات المنفعلة تجاه قلقها، والتي تسعى من أجل أن تعبر عن هذا القلق الإنساني تجاه الأشياء جميعا في كل مفاصل حياة الإنسان، والتي تؤثر بدورها على مشاعره وعواطفه، فتتحول الى رؤيا تلازم إنتاج النص وفق الحضور اللساني التعبيري للغة والتي تعطي الأحداث المقاربة بين التأويل الدلالي وعملية الاستقراء الباطني للفكرة والتي بدورها تؤدي الى إعادة ترتيب الرؤى المتماثلة مع المحسوس والمرئي وفق الملكات الذهنية له، و تعطي التوافق مع رموز الذات الواعية وقد يتداخل كل هذا مع قضايا الفلسفة وعلم الكلام البلاغي و يكون هنا المنظم للكون والمشاعر وفق رموزه التي تحدثها اللغة في الفعل اللساني من تشبيهات واستعارات كي يحدث الاندماج ما بين الرؤى والمرئيات الصورية , وهنا يأتي دوره وقدرته على امتلاك كل هذا بالصيغ الباطنية للمكنون و المحسوس والمرئي لكي لا يتحول الشعر الى حالة طوبائية تجريدية تخضع للذهن أكثر مما تخضع للحس البصري أي لا يتحول الشعر الى نزعة عقلانية بدل ان يكون حالة تنويرية للمشاعر الحسية المعنوية وهذا ما نجده في مجموعة (تيممي برمادي) للشاعر يحيى السماوي ...

نص (سأقوم من قبري) ص (41)

(مطراً من الأعياد جئتِ

وكنتُ قبلك ِ- كالعراق – يتيمَ عيدْ

 

حدقتِ بيْ ..

 وسألتني :من أين أنتَ؟

 فقلتُ : من أعراب بادية السماوةِ

 مسّني عشق ٌفغادرني الرشادُ

 وها أنا الحيُّ الشهيدْ

 

 قبري معي يمشي ولا صحب سوى موتي المُؤجلِ

أقتفي أثر الملاك السومريةِ فانتهيت الى بلاد الغربتينِ

 وها أنا تسع وستون انتهين ولم أجدني فابحثي عني

 صفاتي : نخلة مذ غادرت بستانها عقم النضيدْ)

 حين يكون الوجدان هو المحور الدلالي لحسية اللحظة المنبعثة من الصوت الداخلي يتحول النص أو القصيدة الى أبعاد رؤيوية مشحونة بالعاطفة المتحسسة لكل إدراك شعوري داخلي تجاه كل أحساسات الذات، التي تتحسس كل ما هو غائب عن لحظة التأمل بوجودية الحياة التي يعيشها الشاعر . والشاعر يحيى السماوي هنا طاوع تلقائية اللحظة بالبعد الوجداني المتدارك في شعوره الداخلي، من أجل أن يحدث التجانس المعنوي وفق طاقة اللغة، التي يريد أن يخضعها لتصوره الحسي، أي أنه لا يريد أن يبتعد عن الذات بكل إحساسها الشعوري، لأنها تمثل له لحظة الانعتاق الكلي من أزمته الداخلية وهو يعبر عن الانتمائية الوجودية في الحياة، عندما يشعر بالمخاض العاطفي أو الإنساني تجاه كل القضايا التي يعيشها، لهذا يبقى هو المعبر عن أزمته حين تتصاعد عند المحاولة من الانفصال عنها، ما جعله يذكر بانتمائه الفعلي لكل مشاعره، لكي لا يبتعد عنها كليا، أي يصبح غير منتمٍ الى ذاته الحقيقية في منطقية المكان (بادية السماوة)، أي يريد أن يبين انتماءه الحقيقي الذي هو يشكل له ارتباطا وثيقا في الحياة، كما يريد أن يبين أنه يقبل بكل الخسارات إلا خسارة الذات وانتمائها، والبادية لا تمثل إلا أصالة الأخلاق والقيم الحقيقية أي أنه معتز بنفسه وبقيمه التي ينتمي إليها . والذي يميز نصوص الشاعر هو متابعته لكل إرهاصاته الذاتية، وأسالتها المحورية عن المعنى الدلالي، الذي يكون معناها التأويلي الاستعاري لكل ما يشعر به تجاه أي حالة يعيشها، من الانتماء العاطفي أو الوجودي، لأنه يشعر أن كلتا الحالتين مترادفة في حضوره الحياتي، وهنا يريد أن يبين صفاء روحه لأنه كالمطر يجيء في الأعياد، ولكنه في نفس الوقت يشعر يتيم العيد، أي لا فرح يمتلك لكي يفرح به، وكما يشعر أن موته مؤجل، وهذا أشاره على أنه وصل بالعمر الى أخره فقبره يمشي معه،مع كل هذا، ولا يعيد له الحياة إلا العشق فحين يعشق .. يعشق بكل جوارحه الى حد فقدان الرشاد (مَطراً منَ الأعياد جئتِ / وكنتُ قبلك ِ- كالعراق – يتيمَ عيدْ /حدقتِ بيْ / وسألتني :من أين أنت؟/ فقلت : من أعراب بادية السماوة / مسني عشق /فغادرني الرشاد /وها أنا / الحي الشهيدْ / قبري معي يمشي / ولا صحب سوى موتي المُؤجلِ) ولكي لا يشعر بجسامة الخسارات التي تمر عليه يرجع الى مهده الأول في الحياة، والذي لا يغادره مهما ابتعد عنه (أثر الملاك السومرية) والشاعر هنا يريد أن يبين أنه ما يعيش إلا بقيمه التي لا تغيب عنه، رغم أنه وصل الى (تسع وستون) ولكنه مع هذا يبقى شامخا لا يحيد عن صفاته وانتمائه الاجتماعي لأنه يمثل له الارتباط الحقيقي في الحياة، فإنه إن أبتعد عنه يبقَ كنخلة خاوية غادرت بستانها، ويصاب بالخواء وعقم النضيد (أقتفي أثر الملاك السومرية / فانتهيت الى بلاد الغربتين / وها أنا / تسع وستون انتهين ولم اجدني/ فابحثي عني/ صفاتي /نخلة مذ غادرت بستانها/عقم النضيدْ)

نص (جوابي صمتي الحجري)ص (57)

(تعبتُ من الوقوف على رصيف الليلِ مشلولَ الخطى والدربِ /أعمى القلب لا البصرِ

 

 وأتعبني السؤال الصعب

 كيف غدوت في ذلٍّ علي كبر؟

 

 سَلي واديك يا معصومة البستانِ

 عن مطري

 

 أمثلي في الهوى صبح ضَحوك الشمس دافئها

 ومثلُ رغيف تنوري وكوثر جدولي

 مثلي نديمٌ ساحر السمرِ؟

 

وهل رمح كرمحي عند مشتجرِ؟

 

 وهل طيش كطيشي

أو حياء مثلما خفري؟

 

 ومثلُ تبتلي في غرة السحرِ؟

 

بلى قدرٌ

 ولا منجى من القدرِ !

 

 أنا جمري خرافيٌّ

 ولكنْ ناعم كندى زهور الفل والريحان في وادي الهوى شرري

 

 أنا بشرٌ

 ولكني بعشقي لست مثلَ بقية البشر ِ !

 

 فما البستان إنْ أضحى بلا شجرِ؟

 

 وما معنى الربابة حينما تغدو بلا وترِ؟

 

تريدين الجواب عن السؤال الصعبِ كيف أذلني قلبي؟

 جوابي صمتي الحجري !)

يستمر الشاعر بتوصيف قدرته على أحداث تغير كبير من خلال اعتزازه بنفسه وكبريائه .لأنه لا يعيش كما يعيش الآخرون، ولا يحب كما يحب مثلهم، قد يكون مثلهم كإنسان لكنه يمتلك من الصفات الإنسانية التي تميزه بشكل كبير عنهم، وهذا قد يسبب له التعب من الوقوف، وجعله يرى الحياة كرصيف الليل، لأنه لا يرى ما يريد أن يراه في الناس من أخلاق وقيم،ما يجعله مشلول الخطى والدرب، وقد يكون أعمى القلب، لأنه يحب كل الناس ومن دون تحفظ، لكنه يمتلك بصيرة تجعله يميز كل الأشياء حوله ويميز الناس، لكنه ينساق دائما الى قلبه، ما يسبب له الإرباك في حياته ما يجعله يطرح السؤال (كيف غدوت في ذل علي كبر) وهذا ما يشعر به، لكنه دائما ينتفض ضد كل هذه الإحساسات، ويناشد صفاته الأصيلة التي ينتمي لها فهو ضحوك الشمس كوثري الجدول، و نديم ساحر، وحتى في طيشه غير طيش الأخرين لأنه لا يؤذي أحدا .فحتى جمره خرافي ولكنه ناعم كندى الأزهار، لأنه يعيش الحب بكل جوارحه وأعماقه .فالحب عنده ليس حالة طارئة بل تمثل له صميم الحياة كأنها زهور الفل والريحان، أي يمثل له بهجة الحياة التي ينشدها في حياته (تعبت من الوقف على رصيف الليل / مشلول الخطى والدربِ /أعمى القلب لا البصرِ/ وأتعبني السؤال الصعب / كيف غدوت في ذل علي كبرِ؟،/ سَلي واديك يا معصومة البستان عن مطري / أمثلي في الهوى صبح ضَحوك الشمس دافئها / ومثلُ رغيف تنوري وكوثر جدولي / مثلي نديم ساحر السمرِ؟ /وهل رمح كرمحي عند مشتجرِ؟ / وهل طيش كطيشي أو حياء مثلما خفري / ومثلُ تبتلي في غرة السحرِ؟/بلى قدر ولا منجى من القدرِ !) والشاعر يعيش حالتين متناسلتين من إحساسه الوجودي والذاتي لأنه بشر، لكنه ليس مثل بقية البشر حين ينتمي ويعشق، لأنه يعيش الحياة في كل صميمها ويعطي الكثير من قلبه وروحه الى الآخرين، ولا يقف متفرجا على الحياة فالعشق عنده هو كل الحياة، لأنه مقتنع بهذا إذ ما فائدة البستان بلا شجر وما معنى الربابة أو فائدتها حين تكون بلا وتر، لأنه منهجي ولا يحمل في روحه غير الصدق في كل مشاعره ولا يرضى بالحلول الوسطية التي تتوقف عن العطاء، فهو يضحي من أجل من يحب بإخلاص وتفانٍ، ما سبب به الذل لقلبه لأنه يعطي دون حساب ويعشق دون حدود، هو هكذا ولا يعرف كيف يكون بهذه الصفات التي تعطي دائما ولا ترضى إلا بالعطاء من أجل من يحب، ما جعله لا يعرف ما هو الجواب لكي يرد، و لا يمتلك غير الصمت المطبق كصمت الحجر(أنا بشر / ولكني بعشقي لست مثل بقية البشر؟/ فما البستان إنْ أضحى بلا شجرِ / وما معنى الربابة حينما تغدو بلا وتر؟/تريدين الجواب عن السؤال الصعب /كيف أذلني قلبي / جوابي صمتي الحجري !)

والشاعر هنا أبعد القصيدة عن التمحور العشوائي، وجعلها تتمفصل على الدال الإيقاعي وأعطاها التفعيلة وحدة وزنية وبإيقاع متموج أي ليس راكدا، ما جعل الرؤيا تتسع بصور الوجدانية المشحونة بالانفعال العاطفي، ما أبقاها في البؤرة الشعرية الدالة ، أي يجعل الإحساس العاطفي الانفعالي يتموضع بنسق ارتدادات الانفعال الوجداني الصوري لكل حالة يعيشها، ويكون الوجدان هو المساحة التي تعطي رموزه المفعمة بالحياة والتشظي الإيقاعي الخالي من الشوائب

نص (ندىً من جمر) ص (87)

(جزعتْ من جزعي نفسي

وأضناني عتابي للعتابْ

 

 فأنا بتُ سؤالا مبهما

 ينبش في مقبرةِ الأيامِ بحثا عن جوابْ

 

 نَضبت قارورة العمرِ سوى

بعض حُبابْ

 

 وندىً من حجرٍ شجَّ زهورَ اللوز في وادي المرايا

 فالينابيع لهيبٌ والفراشات صخورٌ والشذا ظُفرٌ ونابْ

 

 فلماذا أتشظى حاسرا عن قلق الرحلةِ

 ما بين ذهاب وإيابْ؟

 

ما الذي تخسره الصحراء لوجَفت السرابْ؟

 

 إنني الأعمى فما الضرُّ إذا أظلم صبحٌ

وإذا البدر عن المقلةِ غابْ؟

 

 أشروقٌ مشمسٌ دون غيابْ؟

 

/ضيعت أشذاءها الوردة

 وأشتاق ترابي لسريرٍ ولحافٍ من ترابْ)

ويبقى يعبر عن جوهرية الفكرة العاطفية بكل نسقها الوجداني، لكي لا يتسطح في معناه، و يبقى خاضعا الى النسق البؤرة الجوهرية للنص، هو يبني جملته الشعرية على شعورية المعنى الداخلي، الذي يتداركه دائما بأهمية الدالة المنتجة الى العمق الانفعالي، لكي يسيطر على التشظي المعنوي في إحساسه الداخلي، لكي لا يحدث الانفلات خارج ما يريد أن يصل إليه في تتابع النص وفقا لدالته، و يصبح المعنى لديه بالتتابع العاطفي بحسة الوجدان، يتسع بتوسع بؤرة القصيدة، بحيث تشمل كل التراكمات النفسية والعاطفية والمتركبة من الرموز التي يستعيرها كمنهاج ارتدادي لمشاعره التي تلتصق به من الداخل، أي أن القصيدة لدى الشاعر هي رحلة المعنى الدالي وكأنها كرنفال دلالي لا يبتعد عن الإنزياحات الشعورية عنده، ما يجعله يبحث عن المعنى الخارجي لكي يثبت ما يشعر به من الداخل، فها هو جزع من كل شيء حوله، لأنه لا يجد ما يريد وما يبحث عنه، والعمر لم يعد لديه سوى رحلة ما بين الذهاب والإياب .لأن كل شيء أصبح مبهما خارج ذاته فالندى أصبح من حجر والينابيع صارت لهبا والفرشات صارت حجرا والشذا صار ظفرا وناب(جزعتْ من جزعي نفسي /وأضناني عتابي / للعتاب / فأنا بتُ سؤالا مبهما / ينبش في مقبرةِ الأيامِ بحثا / عن جوابْ / نَضبت قارورة العمرِ /سوى /بعض حُبابْ /وندى من حجرٍ/شج زهورَ اللوز في وادي المرايا / فالينابيع لهيب / والفراشات صخور / والشذا ظُفر ونابْ/ فلماذا أتشظى / حاسرا عن قلق الرحلة / ما بين ذهابٍ وإيابْ؟) كل هذا يبين أنه يشعر بالشعور الانعكاسي لحسه الداخلي المركب من التناظر الحياتي الذي يعيشه، فتتحول القصيدة عنده ليس فقط زمن تلقي الشعور الشعري في لحظة مخاض الكتابة، بل هو امتداد كامل لكل إحساساته في الحياة، حتى مشاعره البكر التي مازالت تكوّن عنده جوهر حياته، ولعجزه بالعثور على ما يريد، تنطفئ عنده كل الأشياء، ويلقي أسئلته الوجودية على الحياة لأنه وصل الى مرحلة لا يرى الجمال الذي يريد أن يراه في الحياة وكأنه أعمى، لهذا يفضل أن يغادرها ليلتحف سريرا من تراب (ما الذي تخسره الصحراء لوجَف السراب ْ / إنني الأعمى / فما الضر إذا أظلم صبح /وإذا البدر عن المقلةِ غابْ/ أشروق مشمس دون غيابْ /ضيعت أشذاءها الوردة / وأشتاق ترابي لسرير ولحافٍ من ترابْ) .

 حين يحدث التلاصق المعنوي وحسب المفردات اللغوية يحدث التصاعد الدرامي العاطفي ويتخذ من التعبير الإستعاري مساحات واسعة في القناعة التكونية . الشاعر يحيى السماوي يمازج الكلمات لكي يحدث ثراءً رمزيا بلاغيا، لكي يبين العمق في تخيله المتشظي، وما يجعله لا يخضع الى نمطية فكرة النص الشعري، وهذه إضافة الى ما يتميز به الشاعر . قد يكون صحيحا أن لغته تخضع لمنهاج اللغة، لكنها متغيرة في تركيب المعاني المتموجة والتي يتخذ منها الطاقة المتفجرة بالخيال الشعري البعيدة عن نمطية الكتابة الشعرية للكثير من الشعراء، ولهذا يأتي بالقصيدة الصافية من الزوائد، لأنه يعيش الارتداد التلقائي البلاغي، أي لا يكتب الفكرة المتخيلة بل يكتب الفكرة الوجدانية الخاضعة لرؤياه الشعرية وبلاغته اللغوية .

 

عباس باني المالكي

 

الكبير الداديسيشرعت القناة الأولى المغربية في تقديم بعض الأفلام المغربية الحديثة ليلة كل جمعة لتخفيف حدة الحجر الصحي على الأسر ومتتبعي القناة، وتقريب آخر الأفلام السينمائية للجمهور العريض، هكذا كان الجمهور في سهرة 11 شتنبر 2020 على موعد مع طبق سينمائي حصد عددا من الجوائز في مهرجانات مغربية ،عربية وعالمية بعد أن ظل حبيس القاعات والمهرجانات... يتعلق الأمر بالفيلم الطويل "كيليكيس دوار البوم" الصادر سنة 2018، والشريط لعز العرب العلوي كتابة وإخراجا، ومن بطولة ثلة من النجوم المغاربة منهم من محمد الرزين في دور الفقيه وابنيه: أمين الذي لم يظهر في الشريط إلا جثة قضت نحبها في المعتقل، وحسن الذي جسد دوره أمين الناجي، إضافة إلى حسن بديدا الذي لعب دور سعيد وجسدت أسماء سريوي دور ابنته وفاء، فيما حضر كمال كاظمي في دور حميدة ، في حين لعبت دور أمه الفنانة فاطمة هراندي التي انجبته سفاحا، وجاءت نعيمة المشرقي ضيف شرف في دور أم أحد المعتقلين تتعقب آثار ابنها ممثِّلة لأمهات المعتقلين... كما أدى ممثلون آخرون دور شخصيات عسكرية منهم محمد بوصبع في دور الكولونيل المشرف على المعتقل، وجمال العبابسي في دور الكابران وشخصيات (كومبراس) جسدت أدوار الجنود والحرس في توهيم للمتفرج بواقعية الأحداث... وعلى الرغم من كون الفيلم واقعي يقارب قضايا واقعية، ويحيل على أحداث تاريخية... فكثيرة هي اللقطات الحبلى فيه بالدلالات الرمزية....

 يبدأ الفيلم بمجموعة من الرسائل الرمزية أولها تصريحٌ للمخرج يحدد فيه المكان (منطقة صحراوية) الزمان (لم أتجاوز حينها الثامنة من عمري) الحدث (لعبة واحدة حرس ومساجين) والهدف من الشريط ( للحكي للرسم عبر الصورة، عبر السينما، ملامح جرح يأبى النسيان) لينطلق الشريط بصورة لعين تنظر من كوة صغيرة ثم جنود يقودون أسرى مكبلة أرجلهم معصوبة عيونهم تحت جنح الظلام، قبل أن ينبعث صوت المؤذن ينادي للصلاة... ويكون أول مشهد حواري من خلال سؤال استنكاري يسأل فيه الفقيهُ الأطفالَ: "لماذا لا تذهبون للجامع" كأنه ينكر عليهم هذا السلوك ويدعوهم ليؤموا الجامع... كل هذه المؤشرات وغيرها في البداية تفتح شهية المتلقي للتأويل...

من وسط هذه المشاهد المشحونة بدلالات سالبة ينبثق الأمل مع شابين "حسن" و"وفاء" وقد اختار المؤلف اسميهما بعناية فائقة تخدم سيرورة أحداث الشريط يتناوب المشهد الثاني بين صورة حسن يحمل سلال قصب ووفاء المتعلمة تشمخ عائدة للقرية لإنقاذها من الجهل، ونظراتهما تقطر رومانسية وتشع أملا يعد المتفرج باحتمال وجود علاقة عاطفية قوية بينهما واستعدادهما لتجاوز كل ما قد يقف في طريق علاقتهما في هذه القرية المنسية بين جبال الأطلس... من هاتين الشخصيتين تتناسل الأحداث وتكون تلك العلاقة هي الخيط الرابط بين معظم أحداث الفيلم. فرغم هجرة معظم سكان الدوار ظل شيء غامض يشد الفقيه إلى القرية منذ تحويل قصبة الدوار التي بناها الأجداد إلى قاعدة عسكرية... ليكشف تطور الأحداث عن انتظار الفقيه عودة ابنه "أمين" الذي مضى على سفره لمتابعة دراسته زمن طويل دون أن تعرف عنه أسرته شيئا... وفي علاقة حسن بوفاء يتكون ثنائي متمرد رافض للجهل والتسلط ويهدف لتحرير السكان من الأغلال والقيود التي تكبلهم...

فيلم "كيليكيس دوار البوم" يتشابه و معظم أفلام السجون والاعتقال السياسي في اختيار المعتقل في منطقة نائية معزولة، وإيهام الحراس والعسس أن المعتقلين أعداء الوطن والدين، واختيار الحرس من الناس البسطاء السذج الذين يصدقون ما يقوله رؤساؤهم (يفعلون ما يُومَرون) وإبراز الصراع بين السجين والسجان، بين الجلاد والضحية مع التركيز على جبروت السجان، والشطط في استعمال السلطة. فكان الكابران حميدة يستغل سلطته في التبضع من البقال دون أن يدفع ثمن تبضعه، ويستغل الجنود ويحتم عليهم أن يدفعوا له من أجرتهم ويمونون حفلاته الراقصة، وهو يفتخر ويشمخ بتسلطه " أنا لم أدرس وها أنا ذا أتحكم في أولئك الذين درسوا" .لكن ما ميز الشريط خصوصيته المحلية وارتباطه في الوجدان الجمعي المغربي بسنوات الجمر والرصاص وإحالاته المتكرر على معتقل تازمامارت الرهيب وإن لم يذكره بالاسم والصفة. إضافة إلى حسن اختيار المناظر الخارجية حيث جبال الأطلس بقممها وأوديتها تقدم ديكورا سينمائيا قل نظيره، زاده تماهيا مع الأحداث حسن اختيار بعض المؤثرات الخاصة (spéciaux steffe) الأمطار وإنزال هيلوكوبتر في باحة القلعة، ويبقى خلق قنطرة بين الدوار والقلعة أهم مؤثر خاص يحمل دلالات رمزية كثيرة خاصة وأنه وظف أكثر من مرة في نقل النعوش... كل رمز من هذه الرموز والمؤثرات والأحداث في الفيلم تستحق قراءة نقدية خاصة لكن سنقتصر بإيجاز شديد - في هذا المقال القصير- على بعض الدلالات الرمزية التي تفرضها المادة المعروضة ومنها: 

1- رمزية العنوان: إن كان المتفرج العادي يجد صعوبة في تحديد رمزية كلمة "كيليكيس" باستثناء استخدامها رمزاً سِرياً بين المعتقلين، فإن الشق الثاني من العنوان "دوار البوم" يُشرِّع باب التأويل أمام معاني هذا الطائر العجيب فالبوم جمعٌ لكلمة "بومة" وهي طائر ليلي يتميز بعينيه القادرتين على الرؤية حتى في الظلام، وصاحب أقوى نظرة والكائن الوحيد الذي يمكنه رؤية الشيء بالعينين معاً في ذات الوقت، يتميز بدقته في الصيد وسهولة الإيقاع بفرائسه من القوارض (يأكل ما يزيد على 5000 فأر في السنة)... لذلك تتعدد المعتقدات والأساطير الإنسانية حول هذا الطائر بين من يقدسه ويمنع أكله أو صيده، ومن يربطه بالسحر والشعوذة ، من يرى فيه رمزاً للشؤم وجلب الموت، ومن يراه طائرا مسالما صديقا للإنسان يساعده في التخلص من القوارض الذي تهدد مسكنه وحقوله...

والغريب أن كل هذه المعاني واردة في النص السينمائي بَدْءاً بالعين الثاقبة التي كانت ترقب ما يقع، مرورا باعتبار الدوار مكان للشؤم والموت، منذ أن حطت البوم على أسوار القلعة وحولتها إلى سجن ومنطقة عسكرية أرغمت الأهالي على مغادرة أرضهم، واعتبار العساكر بوماً لا تتلذذ بالتعذيب إلا ليلا، ترصد كل كبيرة وصغيرة يسهل عليها صيد الانقضاض على أي قارض بشري ترون فيه تهديدا للنظام... ومن تم فالبوم قد تطلق في الشريط على العساكر، كما قد تطلق على سكان الدوار...

2- رمزية التمر: كان للتمر حضور في ثلاثة مشاهد الأول عندما قدمت الحاجة حبات منه لبوزكري المنبوذ على حواف الدوار. والثاني لما قدمه الفقيه للحاجة وهو يواسيها في مصير ابنها المختطف، والمشهد الثالث في تقديم الفقيه التمر هدية لحميدة الذي قدمه سراً لأمين ابن الفقيه في ذات الكيس الورقي الذي سيستغله لخط رسالته الأخيرة لوالده بدمه ومن تم يتجاوز التمر دلالته الطبيعية كغذاء إلى علاقات وشائج مشحونة بالتعاطف دعمت كشف بعض الحقائق التي كان ينتظرها المتلقي وساهمت في تطوير أحداث الشريط...

3- رمزية القنطرة: على الرغم من كون القنطرة مجرد مؤثر خاص أحسن فريق المونطاج برئاسة غزلان أسيف توظيفها لتلعب دورا أساسيا في أحداث الفيلم باعتبارها صلة وصل بين عالمين يفصلهما وادٍ سحيق يستحيل عبوره دون قنطرة، ومما زاد في حسن توظيف هذه القنطرة استغلالها لنقل الموتى والنعوش فكان لتكرار صورة نقل الفقيه وسعيد للنعوش عبر تلك القنطرة دلالات تحيل على الربط بين عالمي الموت / الحياة، عالمي الحرية / الاعتقال...

4- رمزية النعش: عادة يستخدم النعش لنقل جثث الموتى إلى القبور، لكنه في فيلم " كيليكيس دوار البوم" وإن حافظ على وظيفته فقد جعل له كاتب النص وظيفة دلالية ليصبح رمزا للفرح لما زينه حسن برسم الورود والأزهار على واجهاته وجعل له عجلات ليتدحرج به مع عشيقته وفاء في المنحدر في مشهد مليء بالفرح، كما استحال النعش ذاته في نهاية الفيلم مركبا للنجاة استطاع من خلاله البطل حسن تهريب معشوقته مع السجل الذي يحوي أسماء المعتقلين، كمؤشر على إمكانية كشف اسرار فضائع ذلك المعتقل السري للعموم...  

5- رمزية النافذة: حضرت النافذة في الفيلم في مشاهد متعددة داخلية وخارجية، ليلية ونهارية... فمن خلال النافذة تردد العشيقين (حسن وحميدة) على وفاء أول الأمر، كما كان لقضبان وشكل وصفاء أو ضبابية زجاج النافدة دلالته، فحميدة أرعَب وفاء وأظلم نهارها وهو يطل عليها من كوة نافذة القسم المتكسرة في وضح النهار، فيما أطلت من النافذة ليلا على حسن لتضيء ليله وهو ثمل يعربد أمام البيت تشع الفرحة من عينيها رغم وجود أبيها، وكان تصوير عملية دفن أمين من النافدة عن بعد في غاية الدقة والاحترافية، وعبر النافذة تتوصل وفاء من أبيها بخبر وفاة أمين ، وكما كانت البداية بنافذة اختار المخرج إنهاء الشريط بتوديع حسن لوفاء وخروجه على النعش مما يشبه النافذة ليقدم نفسه فداء ، مفضلا الموت تحت رصاص العساكر بدل الاستسلام لسم الثعبان وينتهي الفليم بمشهد ليلي وصورة قاتمة يخرج فيها الكولونيل يحمل معطفه ووحدها النوافذ مضاءة...

6- القضبان: كثيرة هي المشاهد التي صورت من وراء قضبان خاصة في بداية الشريط في إشارة إلى اعتبار المنطقة سجنا ابتداء من بداية الشريط حين تظهر أم حميدة تمسك قضبان النافدة وتتابع إدخال المعتقلين إلى المعتقل، وتليها لقطة تصوير الفقيه يخاطب الأطفال من خلف قضبان القصب ، فصورة حسن في أول لقاء له بوفاء وقد وضع على رأسه كرسي... كل ذلك يحيل على كثر العراقيل الت قد تعترض هذه الشخصيات... وكانت لقطة خروج حميدة من مكتبة لإحضار كوب ماء لسعيد وتصويره من وراء قضبان النافذة اللقطة الفارقة في تغيير مسار أحداث الشريط..

7- رمزية أسماء الشخصيات: اختار كاتب النص السينمائي أسماء الشخصيات بعناية. فكان من الشخصيات ما يحمل ما دلالات دينية ( الفقيه والحاجة) أو دلالاته العسكرية (الكولونيل والكابران) . كما كان للأسماء المختارة للشخصيات رمزيتها، فكانت أسماء ثنائي البطولة (حسن ووفاء) أسماء على مسميات: وفاء فعلا كانت رمزا للثقة والوفاء، وفية هدفها تعليم فتيات المنطقة وتنوير عقولهن، ومستعدة للتضحية بكل ما تملك من أجل خدمة أبناء منطقتها، وكذلك كان حسنُ حسنَ الخَلق والخُلق ليقدما للقارئ شخصيتين بسيطتين ثابتين على مواقفهما لكنهما بطلان إشكاليان هدفهما التمرد على السائد وتغيير الواقع ... عكس بعض الشخصيات النامية التي غيرت مواقفها مع تطور الأحداث كـ"سعيد" الذي لم يعرف السعادة يوما في حياته، وظل يحمل ما يختلج في صدره من معاناة إلى نهاية الشريط عندما اختار تغيير موقفه وسرقة سجل الأسماء وتقديمه لحسن مع علمه بما ينتظره لو اكتشف أمره... 

8- رمزية الكلب: كان للكلاب في الشريط دوران مختلفان الأول تمثل في دور "لايكا" كلبة الكولونيل المدللة، والتي تحظى من العناية والرعاية ما لا يحظى به البشر وهي مؤنسة الكولونيل الوحيد في ذلك المكان المقفر، واسمها يحيل على أول كائن ثديي يخرج إلى الفضاء ويدور حول الأرض، وأوّل من فقد حياته جرّاء هذه التجربة. وربما لذلك اختار كاتب النص قتلها سينمائيا إضافة لإحساس الكولونيل بما يحس به عامة الناس عند فقد من يعزون، فيما تمثل الدور الثاني للكلاب في ترويع وترهيب المعتقلين كما تجلى في المشاهد الأخيرة بعدما تم إطلاق الكلاب على حميدة وسعيد عساهما يعترفان اين اختفى سجل الأسماء...

9- رمزية الثعبان: على الرغم من حضور الثعبان في الشريط ضمن مشهدين مرعبين : الأولى كان فيها الثعبان أخضر اللون أخاف الحاجة بعدما رأته يخرج من تحت الصخر الذي وضعت عليه بعض الأكل لبوزكري المنبوذ  في تعبير وإشارة إلى اقترابها من جحر الثعبان وضرورة الحذر كلما اقتربت من القلعة... والثانية كان الثعبان كبرى سوداء لسعت "حسن" وهو يستخرج النعش من تحت أوارق الشجر ليهرب فيه مع عشيقته... والثعبان في الثقافة الإنسانية يتأرجح بين كونه رمزا للخصوبة والتجدد والشفاء، ورمزا لسرقة الحياة الأبدية الخالدة من الإنسان، والمشهدان معا لا تبتعد دلالتهما عن هذين المعنيين، فحتى وإن كان الثعبان سببا في قتل "حسن" وسرقة حياته فقتله كان خلاصا وتخليصا له من التنكيل الذي كان ينتظره لو ظل حيا وهو المقتنع بأن الموت بعزة خير من الحياة في الذل...

10- رمزية الفقيه: للفقهاء دور هام في تاريخ المغرب، وقد أجاد الشريط الرقص على رمزية الفقيه سواء باعتباره مساعدا للسلطة في تمرير مواقفها، أو باعتباره واعظا مرشدا له وظائف تعليم الصبية، غسل الأموات وتكفينهم ودفنهم، فعليه اعتمدت السلطة في تحويل القلعة إلى معتقل، تنكر لصديقه بوزكري، وظل الساعد الأيمن للقائمين على المعتقل يغسل ويدفن من أصابه هازم الذات ومفرق الجماعات، وإليه كان يرجع كل من ضاق عن تحمُّل ما يغلي في الصدر من هموم وكروب وظل الناصح للجميع والمؤذن للصلاة إلى أن اكتشف وفاة ولده بالمعتقل، ليختار له المخرج طريق الصمت والخرس...

بالإضافة إلى كل ذلك ففي الشريط رمزية لعناصر وشخصيات كثيرة يتداخل فيها القيمي بالديني والسياسي كرمزية المفتاح والمتعلم، ورجل السلطة، ورمزية الحلال والحرام، وخادم الوطن وعدو الوطن و...

تقنياً ما كان الفيلم ليحظى بكل تلك الجوائز التي حضي بها(الجائزة الكبرى لمهرجان الدولي لنيسفييل بصربيا ، وجائزة أفضل إخراج بمهرجان وهران الدولي، وجائزة التميز لأحسن فيلم أجنبي بمهرجان كندا الدولي للفيلم، وجائزة أحسن دور رجالي في مهرجان مونتكومري بأمريكا) ناهيك عن مشاركته في العديد من المهرجانات الدولية، ما لم يكن في المستوى من الناحية التقنية، خاصة وأن وراءه فريقا متخصصا أجاد سينانوس أندرياس إدارة التصوير واللعب على الضوء والتعتيم، واختيار زوايا التصوير بطريقة تتناسب والموسيقى التصويرية التي نسح خيوط إيقاعاتها عادل عيسى لتتماشى والصوت الحساني للمطربة رشيدة طلال الذي طرَّز حواشي الشريط خاصة جنيريك النهاية. بعدما كان خيَّب أفق انتظار المتفرج الذي كان ينتظر عيطة أطلسية وسط الشريط وهو يرى دخول فرقة أطلسية للقلعة ليتفاجأ بذلك الصوت الحساني الرخيم، وقد يكون لاختيار مغنية حسانية صحراوية في الشريط يقارب قضية وطنية حقوقية ما يبرره...  

 وبما أن الشريط يقارب قضية حقوقية سياسية حساسة، فقد كان كاتب النص ومخرج الشريط حذرا في التعامل مع بعض الأحداث، فتجنب الإيغال في تصوير تعذيب المعتقلين، ولمَّح دون تفاصيل للقرار العُلوي الذي صدر بإغلاق المعتقل والتخلص من كل الوثائق، ودون أن يحسم في مآل الكثير من الشخصيات ومصيرهم، ودون أن يعبر عن موقف صريح من أسئلة حارقة مثل من يخدم الوطن، ومن هم أعداؤه ناهبوه؟ وكيف أدرِج العسكر في تسيير المعتقل في بلد تسيير السجون فيه من اختصاص مؤسسات مدنية تابعة للعدل أو الداخلية وليس للمؤسسة العسكرية؟

لكن رغم ذلك فإن الشريط تحفة سينمائية تمرر رسائل متعددة، وإضافة نوعية لما تراكم في المجال السينمائي المغربي عامة وتيمة السينما المرتبطة بسنوات الجمر والرصاص، فهو فيلم يثير مشاعر المتلقي ويجعله يتعاطف مع الشخصيات لما تحمله وتعيشه من صراع داخلي حتى وإن كان يختلف معها في الموقف، وهو عمل يعكس بجلاء الانفراج الحاصل في حرية التعبير وحقوق الإنسان خاصة وأن الفيلم، وهو ينتقد واقعا كان معاشا، جاء شراكة بين المجلس الوطني لحقوق الإنسان والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة والمركز السينمائي المغربي وعدد من المؤسسات الوطنية والمحلية الموجودة بالأمكنة التي تم تصوير الشريط في مجالها الترابي... في تعبير صريح وإيمان بضرورة التغيير وهو ما عكسته المؤشرات الختامية مثل أبيات بابلو نيرودا الذي طلعت في بداية جينيرك الخاتمة (تستطيعون قطف جميع الأزهار لكنكم أبداً لا تستطيعون وقف زحف الربيع)، ونبات الأزهار على قبر أمين وكلمات أغنية الجنيريك التي تردد فيها رشيدة طلال وهي ترسم فيها الأفق الموعود :

هاك يا زماني ارسم لي صورة

عيونها دامعة وأذيالها جارية

ألوانها وحدة: الأحمر طاغي على لون السدرة

هاك يا زماني ألوان الطيف ....

 

الكبير الداديسي

 

نصرالدين شردالللقاص د. علي القاسمي

تقديم: تتعدد المفاهيم والتّعريفات الّتي أعطيت للهوية، على اختلافها من بلد إلى أخر، فالهوية العربية: "هي مجموع السّمات النّفسية والاجتماعية والحضارية المميزة لأمتنا العربية عبر تاريخها الطّويل."1".

وليس أدل على هذا المفهوم، من المفهوم الّذي أعطاه الدكتور علي القاسمي في صدد حديثه عنه "الهوية" حيث عرفها: "الهوية في الأصل، مصطلح فلسفي يدّل على ما يكون الشّيء به هو نفسه. وهو مشتق من الضّمير "هو". وقد تطور مفهومه ليصبح اليوم، مجموعة من العناصر الّتي تميّز ذاتا عن غيرها من الذّوات، سواء أكانت تلك الذّات حقيقية أم اعتبارية. ولهذا يمكن التّحدث عن نوعين من الهوية:

الهوية الشّخصية: وهي مجموعة الخصائص الّتي تميز إنسانا معينا عن غيره من النّاس مثل: اسمه، وجنسه، وجنسيته، وشكله، ولغته، ودينه، وانتمائه، وسلوكه...

الهوية الوطنية: وهي مجموعة الخصائص الّتي تميز بلدا من البلدان أو أمة من الأمم، مثل: الأرض، واللّغة، والتّقاليد، والتّاريخ، والسّياسة..."2".

نستنتج من خلال استشهادنا برؤية علي القاسمي لمفهوم الهوية، أن الهوية نوعان، هوية شخصية ووطنية، وسنحاول تركيز بحثنا حول الهوية الوطنية المغربية وإن كانت الهوية الشّخصية للكاتب قد انصهرت وتفاعلت مع الأخرى.

على ضوء هذا التّعريف يمكن البحث عن تجليات وسمات الهوية العربية المغربية في مجموعته القصصية "أوان الرحيل".

وبناء على ما سبق، يتبين لنا أنّ الهوية المغربية، هي ما يميز بلد المغرب عن غيره من البلدان في الثّقافة والعمران واللّباس والطّبخ، التّقاليد وباقي أشكال العيش والتّفكير...

ولد القاص علي بن الحاج محمد بن الحاج عيسى بن الحاج حسين القاسمي والمعروف اختصارً بالدّكتور علي القاسمي، يوم 31/ 05/ 1942 في قرية الحمزة التّابعة لمحافظة القادسية في العراق، وتلقى تعليمه في جامعات عدة، في العراق ولبنان والنّرويج وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية...

وشغل عدة مناصب علمية أكاديمية ودبلوماسية وسياسية، وألف عدة كتب في مجالات مختلفة: المصطلحية، علم النّفس، علم الاجتماع، النّقد الأدبي، المعاجم، الحقوق، علم التّربية، الفكر، التّرجمة...

ويقيم القاسمي في المغرب منذ 1972،  حيث شغل عدة مناصب أهمها: أستاذً بجامعة محمد الخامس، ومديرا لإدارة التّربية في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، ومستشارً لمكتب تنسيق التّعريب بالرباط... فهذه المعطيات الزّمانية والمكانية تمنحنا مشروعية التّساؤل؛ ما مدى  تأثر القاص العراقي بمعطيات هذه البيئة من ثقافة وحضارة ومكان وزمان وخصوصيات؟

لقد أجمعت الدّراسات النّقدية الّتي تناولت التّجربة الإبداعية للأديب العراقي علي القاسمي على تميز إبداعه القصصي وتنوع الرّوافد الّتي يمتح منها في بناء وتشكيل عالمه القصصي المتفرد، وهي روافد "عديدة ومتنوعة ومنتقاة بعناية فائقة... وهي جامعة بين الفلسفة والتّأمل والتّصوف والأدب ومدارسه النّقدية والتّاريخ والفكر والشّعر والقصة والموضة والمسرح والسّينما والمعلوميات والحضارة والعولمة..."3".

وقفت أغلب الدّراسات النّقدية ــ في حكمها ــ على النّسق وحده، ولم تنتبه إلى السّياق ودوره في تشكيل الوعي القصصي، ولم تراع أيضا، أن القاص "كائن اجتماعي" ومن بيئته الاجتماعية الأولى ــ وعبوره في المكان ــ يستقي المادة الأولية لهذا البناء، كما أن أعماله القصصية الكاملة الصادرة عن مكتبة لبنان ناشرون، كتبها في المغرب ما بين 1995 و 2010، وفي علاقته بالقصة نجده  يقول على لسان إحدى شخصياته القصصية: "فأنا لا أستطيع الكتابة إلا عن تجارب خبرتها بنفسي، وانفعلت بها..."4". يضعنا هذا القول السّردي أمام الإشكالية السّابقة من جديد، وكإجابة جزئية عليها يمكن القول، تحضر الخصوصية المغربية في كتابات الدكتور علي القاسمي ككل، وفي القصة القصيرة خاصة.

هذه المعطيات كلها شديدة الاعتبار إضافة إلى حسه اللّغوي البارز من خلال اشتغاله المصطلحي واللّغوي الّذي لاشك أنّه استضمر الأنساق التّواصلية الاجتماعية المغربية بما فيها من غنى وتنوع.

1- سمات الهوية المغربية من خلال العتبات:

قبل الدّخول إلى عوالم النّصوص القصصية واستنطاقها، يقودنا خطاب العتبات إلى مجموعة الخصائص الهوياتية (نعتمد هنا على الطّبعة الرّابعة) فلوحة وغلاف المجموعة من إنجاز القاص والفنان التّشكيلي المغربي عبد الحميد الغرباوي، ومقدمة المجموعة القصصية من تقديم النّاقد المغربي الكبير سعيد يقطين، كما تجدر الإشارة إلى أن قصتين من المجموعة قد سبق اختيارهما موضوعا امتحانين وطنيين؛ الأولى "الكومة" الامتحان الوطني للبكالوريا شعبة الآداب والعلوم الإنسانية، الدورة العادية/سنة 2010، والثّانية "الحذاء" مباراة التوظيف بموجب عقود بالنسبة للتعليم الثانوي بسلكيه الإعدادي والتأهيلي ــ نونبر 2016، كما أنّ الطّبعة الرّابعة من هذه المجموعة، طبعتها ونشرتها دار الثّقافة المغربية.

من خلال هذه الملاحظات والعتبات، يتبين لنا أنّنا أمام منتوج مغربي ثقافي خالص، فكيف تجلت الهوية المغربية داخل المتون القصصية؟

2- سمات الهوية المغربية في المجموعة القصصية "أوان الرحيل":

في أول نص قصصي في المجموعة، يمكننا أن نعثر على ما نسميه "الهوية الشّخصية" أو التأريخ الشّخصي للذات في وجودها وعبورها في الزّمان والمكان وشواغلها الثّقافية:

"في أوائل شهر أكتوبر / تشرين الثّاني، سافرت من مقرّ عملي في المغرب إلى سورية للمشاركة في مؤتمر مجمع اللّغة العربية في دمشق، وتقديم دراسة تتناول بنوك المصطلحات المفهومية وبنوك المصطلحات اللفظية والمفاضلة بينهما"5".

هذه الفقرة بضمير المتكلم  يمكن اعتبارها خبرا سرديا يطابق الواقع، أو نموذج لكتابة السّيرة الذّاتية المندغمة في نسيج الكتابة القصصية لعلي القاسمي، مما يطرح إشكالية الخيالي والواقعي في النّسق القصصي لهذا القاص.

في أغلب قصص المجموعة، يكون السّارد هو البطل، هو الكاتب معلنا ومصرحا، مما يحتم علينا القول أن قصص علي القاسمي، تدخل ضمن ما يمكن اصطلاحنا عليه بالقصة السّيرة الذاتية.

أو السّيرة الغيرية لشخصيات سياسية وأدبية ثقافية عبرت المغرب، فكان القاص شاهدا عليها أو فاعلا ومتفاعلا معها في هذه الجغرافيا ضمن أنشطة ثقافية أو سياحية:

"عندما كان البياتي يقيم في مدريد بإسبانيا، وكان يأتيني إلى المغرب في بعض المناسبات الثّقافيّة، وأحيانا بلا مناسبة. وكنت أعلم أنّه كان يأتي إلى المغرب ليرى ملامح الوجوه العربيّة وليسمع اللّغة العربية في الطّرقات، وليتناهى الأذان من المنابر إلى أذنيه، وليشاهد المنازل والبنايات المشيّدة بالعمارة والزيارة العربيتين، ويروّي عينيه بالأزياء العربيّة الّتي يرتديها النّاس؛ وبعبارة أخرى كان الشّاعر في حاجة إلى رؤية جمهور  قرّائه العرب وهم في بيئتهم العربية ليتمكن من قول الشّعر باللّغة العربية."6".

إنّ تأكيد القاسمي على ملامح الوجوه العربية، واللّغة، والأذان، والمعمار والأزياء، ما هي إلى تأكيد على جمالية الهوية العربية في بلد المغرب.

3- هوية الشّخصيات المغربية: الشّخصيات الأدبية والشّخصيات الهامشية:

ما أكثر الشّخصيات الأدبية المغربية الّتي يعرفها علي القاسمي، فله كوكبة من الأصدقاء الأدباء الّتي كتبت عنه وكتب عنها، وارتبطت به وارتبط بها، وأعجب بها وجعلها شخصيات فاعلة في قصصه، يمكن أن نعثر على شخصية الأستاذ محمد الّذي وظّفه في إحدى قصص المجموعة بشكل جمالي، عبر متواليات سردية صغرى، تتجلى فيها مقومات و شروط القصة القصيرة جدا:

"وصل أحد الطّلاب الجدد إلى قاعة الدّرس متأخّرا عشر دقائق. ولمّا لم يكن يعرف الأستاذ ولا الطّلاب، فقد طرق الباب وسأل الأستاذ:

ــ "هل هذا هو قسم الأستاذ سيدي محمد ؟ "

ــ "لا، فدرسه بدأ السّاعة الثّامنة"7".

فهذه اللّقطة القصصية/ الحادثة. لا يخطئ العارف بالأدب المغربي أن هذه الشّخصية هي شخصية الأستاذ محمد أبو طالب، الأستاذ الجامعي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية أكدال الرباط، وكلية الآداب والعلوم الإنسانية بظهر المهراز فاس.

النّموذج الثاني:

"هاتفني الأستاذ عبد القادر السّاري، المسؤول عن جمعية الشّعلة الثّقافية في بلدة آيت أورير، يدعوني لإلقاء محاضرة في دار الشّباب صبيحة يوم الأحد"8".

" وكنت وأنا أروي للأطفال هذه القصص، أشاهد في وجوههم وعيونهم وعلى شفاههم التجاوب معي.. فرفعت إصبعها طفلة صغيرة لا يتجاوز عمرها ثماني سنوات... لم أصدق ما سمعت، طفلة صغيرة تطرح هموما كبيرة، كبيرة جدا."9".

هذه المدة الطّويلة الّتي أقام فيها كاتبنا لابدّ من ارتددات وتناصات مع كتاب مغاربة عاشرهم وعرفهم القاص وشارك معهم ردحا من الدّهر، أو اتخذهم شخصيات وأبطال في قصصه:

ــ النّموذج الأول:

"كنت أقرأ في رواية "جارات أبي موسى"... وراح النّعاس يثقل أجفاني وسقط الكتاب من يدي جانبا وغفوت"10".

ــ النّموذج الثّاني:

" رافقني بعض الأصدقاء منهم رئيس اتحاد كتّاب المغرب فرع مراكش الصّحافي الشّاعر مصطفى غلمان، والمؤرخ أحمد متفكّر، والشّاعر إسماعيل زوييرق، والناقد إبراهيم أولحيان. واهتدينا بدون صعوبة إلى دار الشّباب في تلك البلدة الصّغيرة"11".

فالنموذج السّردي الأول يستلهم الرّواية الذّائعة الصّيت للكاتب المغربي أحمد التّوفيق، والنّموذج الثّاني يستحضر أسماء أدبية فاعلة في مجال الثّقافة والأدب شعرا ونقدا وتاريخا...

ومن استحضار وتوظيف أسماء أدبية إلى الاستفادة من نصوصهم الإبداعية، هذا ما تكشف عنه قصة "الغزالة" في المجوعة القصصية، والّتي "تتناص" مع قصة شهيرة للقاص المغربي الكبير أحمد بوزفور "حدث في الجبل الأقرع" من مجموعته القصصية "النّظر في الوجه العزيز".

هذه الشّخصيات الأدبية والهامشية في قصص القاسمي تكشف إلى حدّ بعيد هويته وهوية الواقع الاجتماعي الذي يتفاعل معه و فيه، فقد "جاءت قصصه القصيرة حاملة لغنى شخصيته، وعمق رؤيته للناس، وعلاقته بهم، ورهافة تصوره للأشياء"12".

4- هوية اللّغة المغربية/ اللّهجة المغربية:

تتعدد الأنماط اللّغوية في المجموعة القصصية للقاص علي القاسمي، بين لغة فصيحة في ثوب أنيق، ولغة هامشية تعبر عن فئة اجتماعية هشة ثقافيا واجتماعيا، مثل النّماذج التّالية:

ــ "وكان بعضنا يتقعّر في كلامه فينعتها بـ"جزيرة الرّشاقة والأناقة". أمّا الكبار فكانوا يلقّبونها بالعالم الحديث."13".

مما لاشكّ فيه أنّ القاص وهو يعبر شوارع وحواري الرّباط تلتقط أذنه عبارات وكلمات رائجة من ملح الواقع الشّعبي، وما يبتكره الشّباب المراهقون من كلمات وأنساق جديدة، واختصارات في بنية اللّهجة المغربية الدّارجة، مثل "الرشاقة والأناقة".

ــ "...ثم ننقل كل شيء من المطبخ إلى غرفة الجلوس، ونشرع بالحديث ونتناول كؤوس الشّاي بالنّعناع مع الحلوى... يقول لي "ما سلّم حتى ودّع"14".

"ما سلم حتّى ودع": عبارة من اللّهجة المغربية المحلية، تقال للضيف المتعجل، وهي من ناحية أخرى، تدل على كرم ضيافة والاحتفاء.

5- المطبخ المغربي:

المطبخ المغربي غنيٌّ ومتنوع بأجود المأكولات الّتي تتفنن في طهيها وطبخها أمهاتنا، ومن هذه المأكولات، الحلوى المغربية الّتي تقدم في الأعراس والمناسبات العامة والخاصة، والّتي لا يستقيم طعهما  إلاّ بنكهة الشّاي المغربي الأصيل؛ هذا ما ترصده الرّؤية السّردية للقاص علي القاسمي واصفا أفعال وكرم أحد أصدقائه المغاربة:

"ويكثر من التّرحاب بي، ويسألني عن أحوالي. ثمّ يتجه إلى المطبخ، فيضع إبريق الماء على الموقد لإعداد الشّاي، ويملأ صحنا بقطع الحلوى المغربية: كعب غزال، المحنّشة، القطايف، ثم ننقل كل شيء من المطبخ إلى غرفة الجلوس، ونشرع بالحديث ونتناول كؤوس الشّاي بالنّعناع مع الحلوى... يقول لي "ما سلّم حتى ودّع"15".

يظهر النّصّ أن علي القاسمي تعرف عن كثب عن خصائص المعيش اليومي للمجتمع المغربي وتفاصيله الدّقيقة، فلم يبق على الدّفة، بل خاض عباب الحياة الاجتماعية وخبر طباع النّاس، وتقاليد الضّيافة وروح المطبخ المغربي، وأنواع الحلوى بمسمياتها: " كعب غزال، المحنشة، القطايف..."

والنّص غنيّ عن الشّرح والتأويل!

6- العمران المغربي:

يعتبر العمران، أحد أهمّ مكونات الهوية والحضارة العربية، والعمران المغربي في مجمله عمران عربي مشرقي أصيل، يتخلله العمران الأندلسي، مع وجود اجتهادات في البناء والإضافة التي تحفظ للمغرب تنوعه، وتميزه بطابع التّفرد المناسب للبيئة والطّبيعة، هذا ما تكشف عنه القرائن السّردية في قصص المجموعة:

ــ النّموذج الأول:

"ودخلت، أذهلني منظر حديقته وطرازها المغربيّ الأندلسي، والينابيع المتدفّقة من صخورها، والنّافورات الّتي تتوسطها. ذّكرتني بحديقة "جنّة العريف" في قصر الحمراء بغرناطة."16".

ــ النّموذج الثّاني:

"أمضيت عطلة أسبوع في مدينة مراكش الرّائعة، لعلّ هواءها الربيعيّ العليل وشمسها الدافئة ومناظر جبالها ووهادها الخلابة، تبعث الراحة في فكري المتعب ونفسي المنهكة بسبب ما أتابعه من أخبار مأساوية"17".

نكشف من خلال المقطعين السّرديين أنّ العين السّردية في تجوالها وعبورها للمكان تصور لنا مشاهدَ من العمران المغربي، لتتحول إلى كاميرا سردية تصور عبر اللّغة مشاهد عمرانية حضارية، وتنقل الواقع بفسيفسائه الجمالية.

يبدو لنا السّارد أنّه شديد الاعجاب بالعمران المغربي، لأنه يعوضه عن العمران العراقي المفقود، ويجد فيه ضالته وشغفه، كما وجده الشّاعر العراقي الكبير عبد الوهاب البياتي وصهره في تجربته الشّعرية،  والّذي كان يأتي إلى المغرب: "ليرى ملامح الوجوه العربيّة وليسمع اللّغة العربية في الطّرقات، وليتناهى الأذان من المنابر إلى أذنيه، وليشاهد المنازل والبنايات المشيّدة بالعمارة والزيارة العربيتين، ويروّي عينيه بالأزياء العربيّة التي يرتديها الناس... كان في حاجة إلى رؤية جمهور قرائه العرب وهم في بيئتهم ليتمكن من قول الشعر باللّغة العربية"18".

إنّ التّلفظات التّالية: الوجوه العربية، اللّغة العربية، الطّرقات، الآذان، المنابر، المنازل، البنايات، العمارة، الأزياء، البيئة... كلها  تؤكد على سمات الهوية المغربية في ارتباطها الحضاري بالهوية العربية الأم.

7- المدن والقرى المغربية:

تحفل نصوص المجموعة القصصية بمجموعة من أسماء المدن والقرى المغربية، الّتي زارها الكاتب تلبية لدعوات ومشاركات ثقافية أو سياحية استكشافية: مراكش، فاس، الدّار البيضاء، تازة، آيت أورير... ولا يتمّ ذكر هذه الأسماء المكانية فحسب، بل يقدم أهم خصائصها البيئية وطبيعة سكانها، وأصافها، مواقعها، بل حتّى احصائيات عن قضايا معينة:

"وتوجهت صباح الأحد إلى بلدة آيت أورير الّتي  تبعد عن مراكش حوالي 30 كيلومترا في اتجاه ورزازات"19".

8- الوصية القاسمية لبلد المغرب:

كثيرا ما يلجأ الكاتب إلى التّخفي وراء شخصياته، أو اختلاق شخصية الظّل، ليتخفى وراءها، ويجعلها تعلن ما يضمر:

"ثم سألته ببلاهة ما إذا كان يحتاج لأمر أقضيه له هناك: تردّد لحظة، ثم قال: نعم، أرجوك أن تجمع مقالاتي المتفرّقة التي كتبتها عن المغرب وتنشرها في كتاب واحد"20".

يستنطق القاص إحدى شخصيات قصصه ــ عبر تقنية القناع ــ ويكشف عن رغبتها الدّفينة، وإن كان في الحقيقة، يكشف عن رغبة وحلم الكاتب نفسه: هذه الرّغبة هي جمع مقالات متفرقة كتبها عن المغرب وجمعها في كتاب نظرا لقيمتها وراهنيتها في الكشف عن خصائص الهوية المغربية.

خلاصة:

استطاعت  هذه المجموعة القصصية المتميزة أن تبلور مجموعة من الخصائص الهوياتية  ــ هامشا ومتنا ــ لبلد المغرب بشكل جمالي لا ينفصل عن البناء السّردي الكليّ للقصة القصيرة ورسالتها النّبيلة، ولا عن البناء الهوياتي للحضارة العربية، فهي بذلك مساهمة فنية في القبض على الخصوصية المحلية المغربية المتمنعة بيد سردية عراقية تصغي إلى نبض المجتمع المغربي، تُسَرْدِنُهُ جماليا، ترتقي به إلى مصاف السّرديات العربية المتميزة، إنها خلطة توابل عراقية لوجبة قصصية مغربية شهية.

تتضح سمات الهوية الشّخصية (الكاتب) من خلال تفاعل الذّات مع الواقع وكائناته، وسمات الهوية المغربية من خلال العادات والتّقاليد والعمران واللّغة والتّاريخ والأدب.. بالإضافة إلى اللّهجة المغربية، الملامح والصّفات والطّباع، البيئة، الأزياء، الطّبخ، المدن والقرى، الشّخصيات الأدبية... هذه الخصائص الّتي تميز بلد المغرب عن غيره، وإن كانت تشترك معه في خصائص أخرى.

إنّ قصص أوان الرحيل "رؤية فنية إنسانية تجيب على أسئلة "الهوية" والحياة والواقع والسّيرة الذّاتية بحساسيّتها الإنسانية المتدفقة."21".

 

نصرالدين شردال: (المغرب)

......................................

لائحة المصادر والمراجع

1 - محمد سبيلا، الإبداع والهوية القومية، مجلة الوحدة، عدد 58/59 ـ يوليو/ أغسطس، س 1989، ص: 8.

2 - علي القاسمي، الهوية الوطنية والسّياسة اللّغوية والتّعليمية في البلدان العربية، مجلة الإمارات الثقافية، عدد 74، يناير 2019، ص 57.

3 - إدريس الكريوي، اشتغال الحواس في قصص يحي حقي وعلي القاسمي، مجلة عمان، ع138، س 2006، ص: 78.

4 -علي القاسمي، أوان الرحيل، منشورات دار الثقافة، الدار البيضاء ــ المغرب، ط4، س 2015، ص: 153.

5 ــ علي القاسمي، أوان الرحيل، ص: 15.

6 ــ علي القاسمي، مصدر سابق، ص: 18.

7 ــ نفسه، ص: 58.

8 ــ نفسه، ص: 148.

9 ــ نفسه، ص: 151.

10 ــ نفسه، ص: 69.

11 ــ نفسه، ص: 149.

12 ــ سعيد يقطين، مقدمة أوان الرحيل، ص: 5.

13 ــ علي القاسمي، أوان الرحيل، مصدر سابق،  ص: 148.

14 ــ نفسه، ص: 66.

15 ــ نفسه، ص: 66.

16 ــ نفسه، ص: 70.

17 ــ نفسه، ص: 148.

18 ــ نفسه، ص: 18.

19 ــ نفسه، ص: 189.

20 ـــ نفسه، ص: 70.

21 - محمد صابر عبيد، التّجربة والعلامة القصصية رؤية جمالية في قصص (أوان الرّحيل)، نقلا عن واجهة الغلاف الثّاني للمجموعة القصصية.

 

 

علاء اللامي(...مرَّت ساعات، ساعات من الأنفاس المشتركة، ومن خفقات القلوب المشتركة، ساعات كان يمتلك "ك" خلالها دونما انقطاع شعور بأنه يتوه[1]، أو أنه في عالم غريب أكثر من أي كائن قبله، في عالم غريب لم يكن فيه حتى الهواء يملك أي عنصر من هواء موطنه /كافكا.. القصر)

لم يسلم كافكا، حتى في تفاصيل هذا الباب المهم من أبواب حياته، باب الحب والعلاقة بالأنثى، من التجاوز وسوء الاستيعاب والتَمَثُّل المُغْرِض، ومن ثم التقديم بصورة أخرى، تختلف إلى هذا الحد أو ذاك، عن حقيقته الحياتية والإنسانية. لقد أُلفت عدة كتب عن علاقته كإنسان وكأديب مبدع ومتفرد بالمرأة وبالحب ومشمولاته، تطرق فيها مؤلفوها إلى تفاصيل تلك التجارب التي هي من باب أولى شخصية وحميمية وغير قابلة للانتهاك والتدليس وما في مظنات ذلك، ولكن لا يمكن البتُّ بدقة بكل جزئيات ما قيل وما كتب عن طريق الترجيح والتخمين وقراءة الرسائل الشخصية بطريقة ذات خلفيات منحازة لفهم مسبق، حتى وإن كانت هذه الأخيرة تسلط ضوء مهما على جانب من جوانب حياة صاحبها. من تلك الكتب يمكن ذكر كتاب بعنوان "كافكا والفتيات" للباحث الفرنسي دانيال ديماركت، كما يمكن الإشارة إلى كتاب "محاكمة كافكا الأخرى" لمؤلفه إلياس كانتيني والذي تناول فيه تفاصيل علاقته بخطيبته والمرأة الأولى في حياته فيليس باور.

وبخصوص هذا النوع الكتب، الذي يكتب في الغرب، وفي فرنسا خصوصا، ويتناول حياة المشاهير من أدباء وغير أدباء وعلاقتهم بالنساء، يمكننا ملاحظة أن الكثير منه يكتب بطريقة الصحافة الخفيفة، اليومية أو الأسبوعية، الباحثة عما هو مثير وصادم وخارق للمألوف وليس بطريقة التحليل النقدي ذي المنهجيات والآليات المعروفة، وعلى هذا ستكون هذه الكتب قليلة أو معدومة الفائدة للباحث النقدي رغم إنها قد تروي غليل الباحث عن الفضائح والطرائف وما في مساقها. وحتى لو افترضنا بأن ثمة كتب كتبت من منطلقات نقدية أو أدبية عامة فإنها تكون غالبا محكومة بما هو سائد وذائع بغض النظر عن كونه قريب من الحقيقة أو لا.

المؤسف، أن ثمة قناعة مسبقة لا يمكن الجزم بصحتها، بل هي موضع شك وتمحيص لأنها قد تكون متأتية من جملة التشويهات التي ألحقتها مدرسة ماكس برود بكافكا وأدبه وسيرته الذاتية، وربما كانت هذه التشويهات، أو ما أثارته وخلفته من آثار تقف خلف هذا النوع من الكتب والدراسات التي تناولت هذا الجانب من جوانب حياة وشخصية كافكا، ونعني جانب علاقته بالمرأة والحب والجنس مشمولات هذه المحاور الأخرى. وسوف نتناول بالمناقشة في هذا الفصل مقالة مطولة تتضمن تفاصيل مهمة وآراء كثيرة جديرة بالدرس والتمحيص للكاتبة فرح جبر بعنوان "كافكا والنساء " نشرتها في الملحق الثقافي لجريدة النهار البيروتية قبل ست سنوات، وهي أقرب لاستعراض مسهب لأراء عديدة لمؤلفي كتب حول كافكا وعلاقته بالمرأة أكثر من كونها عرضا لآراء شخصية لكاتبة المقالة المذكورة.

تُصَدِّر الكاتبة مقالتها باستشهاد يكاد يشي بكل المسبقات التي توجسنا خيفة منها بصدد النظرة إلى كافكا، ومع أن هذا الاستشهاد صحيح النسبة والمتن كما يبدو، غير أن صحة النسبة والمتن ليست كل شيء، فثمة دائما ما يمكن العثور عليه بين السطور وما يقوله السياق العام والتاريخي غير الوارد في المتن ... يقول هذا الاستشهاد الأشبه بالشعار أو اللافتة السياسية والذي صدَّرت به جبر مقالتها (المرأة كائن الكتابة لتزيين الجثة بالأنوار..) ولا يمكن العثور على جملة أكثر كابوسية وتناقضا مضمونيا من هذه في كل أدب كافكا. ولكن هل يمكن لجملة واحدة منتزعة من سياقها أن تشطب على قناعات ووجهات نظر أخرى مختلفة ومخالفة لمضامينها وتشيِّد لوحدها هرما أو صرحا خاصا من طبيعة مختلفة لمبدع كبير مثل كافكا؟ يمكن أن نكرر التساؤل بكلمات أخرى: ألا يمكن العثور على مئات العبارات المختلفة والأكثر تفاؤلا وأقل كابوسية وجثثية من هذه في تراث الرجل؟ ألا تقلب هذا المضمونَ المرادَ تلك العبارةُ اللافتةُ والحميمةُ التي كتبها كافكا والتي حظر ماكس برود نشرها والتي سبق ذكرها في سياق آخر ونصها (حين أمر أمام الماخور أشعر بأنني أمر أمام بيت الحبيبة المعشوقة)؟ ولكن لنوافق جدلا على ان هذه العبارة يمكن لَيُّ عنقها قليلا لتعطي مذاقا مفارقا، وقد يساعد على هذه العملية وجود مفردة "الأنوار" كمقابل مضموني معاكس وذي دلالات مناقضة للجثة، بما يجعل المرأة ومعادلها الدلالي " النور "، أكثر إيجابية منها في قراءة مجحفة أخرى، ولكننا هنا نجازف بأن نحول حياة كافكا ذاته إلى شبح حياة، وجسده إلى شبح جسد، وستكون الخاتمة هي تلك التي مهدت الكاتبة ومَن نسجَ على منوالها هي انتصار الكتابة على الحياة، وتلك هي الكلمات التي تختم بها الكاتبة نصها موضوع قراءتنا بما يعني انتصار الكتابة أي الحياة المفترضة والمتحولة بالكتابة إلى عالم آخر على الحياة الحقيقية وتلك هي قمة الخلط ومجانبة الصواب.

من أكثر الأحكام تكرارا وتشابها وهشاشة بصدد كافكا وعلاقته بالمرأة والحب، يمكن إيراد ما قيل عن (كابوسية كافكا المريرة في الحب وفي العلاقات العاطفية والغرامية. فهو يحلم بالحب على طريقته كما يحلم بالحياة- كما تكتب السيدة فرح جبر - يطلب المستحيل من الفتيات، على غرار ما يطلب من الأدب والكتابة. يعشق الفتاة من بعيد وحين تقترب منه يبتعد عنها، وحين تهرب منه يحاول استرجاعها. يخطب الفتاة لكنه يرتعب من فكرة الزواج منها، كافكا حالم أبدي وكابوسي أبدي، لا يستفيق من كابوسيته وأحلامه التي تخلقها الفتيات العابرات في حياته. ينتظر شبح المرأة ويؤجل لقاءه الجسدي بها إلى ما لا نهاية. جعل من المرأة كائنا يحسه من خلال رسائله إليها. لم تكن المرأة أكثر من كائن للكتابة، يجد كافكا في علاقته بها المسوّغ الحقيقي للنص الأدبي الروائي والقصصي.) في هذه الفقرة الكثيفة – ولا يغرنك ما فيها من مسوغات إنشائية قد توحي بالتناسق المنطقي - نضع اليد على خلاصة لما أمسى تقييما ذا أبعاد معيارية كرره الكثيرون بعبارات مختلفة ومضمون واحد، ولكن هذه الخلاصة لا تخلو تماما مما هو قريب من الصحة، فلا أحد يمكنه أن ينفي حالة من حالات العصاب والتوتر النفسي الشديد عن كافكا المبدع. فلنجازف بالقول عرضا وعلى الهامش: إنهم نادرون أولئك المبدعون الكبار المبرَئين والخالين تماما من درجة ما من درجات العصاب أو الاضطراب النفسي أو الروحي، ويمكن أن نذكر بأن بعض الأدباء الكبار أرجعوا أسباب كتاباتهم بهذه الطريقة لا تلك إلى نوع من العصاب الذي كانوا مصابين به. أما فيما يخص كافكا فقد كان أكثر عرضة لهذا العارض كما يبدو لأسباب مهمة منها علاقته المضطربة وغير الصحية بأبيه، ومعاناته الشديدة من المرض، إضافة إلى حساسيته المرهفة وطباعه الخاصة كالخجل المفرط والانطواء. ثم إن ما قيل عن حالته العاطفية والغرامية وعلاقاته المتقلبة و العميقة في آن واحدة بالنساء اللواتي مررن في حياته لا يجعل منه مريضا نفسيا لا يرجى له شفاء، ورمزا للاختلاف والخروج على السائد، بل إنها لحالة طبيعية تلك التي يعيشها الشاب في مقتبل حياته والقادم من خواء لا تجارب فيه نحو عالم غريب ومذهل هو عالم الحب و الجنس، فالتعلق بالفتاة عاطفيا – مثلا - مع الشعور بالرعب من الإقدام على الزواج منها في الوقت ذاته، أو كما تكتب جبر (يعشق الفتاة من بعيد وحين تقترب منه يبتعد عنها، وحين تهرب منه يحاول استرجاعها. يخطب الفتاة لكنه يرتعب من فكرة الزواج) ليس أمرا خارقا للمألوف في هذا العمر المبكر لدى الشباب الخارجين توا وبالكاد من مناخ المراهقة أو الذين لم يخرجوا منها تماما بل يمكن القول إنها الحالة الغالبة أما نقيضها فهو النادر والاستثنائي.

بمراجعة سريعة وصحفية من النوع المألوف لتجارب كافكا العاطفية والغرامية سيتبين لنا مقدار التأثير الذي مارسته الأحكام المسبقة على استنتاجات كهذه التي خرج بها النقاد.  

معروف أن أول علاقة عاطفية طويلة لكافكا كانت مع الآنسة فيليس باور التي تعرف عليها صدفة في منزل ماكس برود، وقد انتهت تلك العلاقة إلى إعلان خطوبتهما رسميا، ولكن العلاقة انتكست وفُسِخَت الخطوبة بعد خمس سنوات. وطوال تلك السنوات الخمس عاش كافكا علاقته العاطفية بهذه الفتاة بشكل طبيعي وبحيوية ومتابعة دقيقة، كتب لها خلالها عشرات الرسائل التي استعرضنا عددا منها في فصل سابق مخصص لشأن آخر لا علاقة مباشرة له بالجانب العاطفي. ولكن، وكأي علاقة عاطفية بين شاب وشابة، يمكن أن تتعرض للنمو والنجاح والتتويج بالزواج أو للفتور والاضطراب أو الانتكاس والفشل التام. هذا ما حدث، وانتهت علاقته بها بهدوء، ولكن الأمر لم يخلُ من الجراح النفسية والإساءات الصغيرة التي تنتج غالبا في سياقات كهذه رغم المبالغات التي قالها بعض النقاد، وحشروا فيها امرأة أخرى في حياة كافكا. تلك المرأة هي غريت بلوخ، وهي صديقة مشتركة للطرفين، قيل بأن باور استعانت بها لحث كافكا على إتمام ارتباطه بها بالزواج، فيما اتُهِمَ كافكا بأنه كان على علاقة عاطفية سرية ببلوخ، وحين اشتد التوتر بينهما، قيل بأن بلوخ واجهت الطرفين -كافكا وباور - ببعضهما فقرر كافكا إنهاء علاقته تماما بخطيبته ليتفرغ لكتابة إحدى قصصه وهي " المحاكمة " كما برر أحد النقاد. لقد اقتبس بعض النقاد هذه الحكاية الشخصية بشكل مبالغ فيه، حتى أنه قال إن (كافكا تعرض لمحاكمة في اجتماع عائلي بعد أن أطلعت غريته بلوخ صديقتها فيليس على إحدى رسائل كافكا التي كتبها إليها وتم فسخ الخطوبة ما بينهما. ومما يدعم هذا التأويل أن كافكا في يومياته قد شبه الاجتماع الذي نتج عنه فسخ خطوبته بالمحاكمة.) ويورد المقتبِس حججا أخرى لتعضيد وجهة نظره هذه فيقول (ومما يدعم هذا التفسير ويؤيده أن ك، اسم بطل الرواية هو الحرف الأول لاسم كافكا كما هو واضح. كما أن الفترة التي كتب فيها كافكا الرواية، عام 1914، هي الفترة نفسها التي شهدت التأزم في علاقته مع خطيبته.) ولكنه يضيف مستدركا،و شاعرا ربما بخطر المبالغة على تقديم استنتاجات أدبية محددة ونهائية لا تخلو من طابع المجازفة (حتى إذا افترضنا صواب مثل هذه القراءة وموثوقيتها فإن ذلك لا ينفي أن الرواية قد تجاوزت الشأن الخاص المرتبط بحياة كافكا الشخصية وتفاصيلها لتكون ذات معنى شمولي وبُعد يونيفرسالي من خلال خلقها لعالم استعاري تخييلي يتداخل فيه الواقع مع الحلم والحقيقة مع الوهم والإيمان مع الشك.[2]). ولا يبدو لي أن هذا الاستدراك كاف لتبديد الطابع المضطرب والسطحي لعملية المقارنة التي قام بها بين حالتين الأولى شخصية بحتة " خلافه مع خطيبته وصديقتها " قد تصح واقعا وقد لا تصح، وبين موضوع المحكمة كنص أدبي له سياقاته وبنيته الخاصتين تماما. كما لا يمكن الركون منهجيا إلى الاستنتاجات التي خرج بها المقتبس فالآنسة بلوخ نفسها قد اختفت نهائيا أيضا من حياة كافكا بمجرد انفصاله عن الآنسة باور كما يوحي بذلك كلام النقاد والمؤرخين والمهتمين بسيرته، مما يكشف عن ضعف وارتباك قصة العلاقة السرية التي قيل بأنها ربطته بها أو في الأقل هامشيتها حتى إن صحت واقعا.

لقد ظلت رسائل متباعدة تصل إلى كافكا من بارو حتى انقطعت تماما فيما بعد حين تفاقم مرضه بشدة فقطع عليها أي طريق للمصالحة، وكتب لها رسالة حزينة ومفعمة بالمشاعر الإنسانية الحارة، يخبرها فيها بأنه مريض مرضا خطيرا وسيدخل إحدى المصحات للعلاج وفي تلك الرسالة كتب كافكا لها جملته الشهيرة والتي قال فيها (تعرفين أن شخصين اثنين يتصارعان في داخلي. ومن مجرى الصراع طلعت طوال خمس سنوات بالكلمة وبالصمت وبمزيج منهما) فهل يمكن أن نحيل السبب في كل هذه المشاعر الإنسانية والانعطافات الحدَثية إلى سبب غريب يتعلق بـ (أسنان الآنسة فيليس باور المحشوة بالرصاص والتي كان كافكا يشعر بالنفور منها ) كما تكتب فرح جبر بشيء من الثقة الزائدة بالنفس التي تبلغ حد إطلاق الأحكام القاطعة والباتّة على العواهن؟

 في هذا العرض المبتسر السريع الذي تقدمه الكاتبة لأول علاقة لكافكا نلاحظ العديد من الثغرات والأحكام غير الصحيحة والاستنتاجات السائبة أو القلقة وغير المبررة من حيث السياق والارتباطات مما لمحنا لها تلميحا أو ذكرناها بوضوح، وسيستمر الحال على ما هو عليه في تجارب كافكا العاطفية الأخرى، وسيكون الأمر مضيعة للوقت إن واصلنا قراءتنا في هذه النماذج، ولذلك سنغير قليلا من الاتجاه والمنهجية ونحاول أن نلقي بعض الأضواء على جانب آخر من هذا الموضوع وأكثر تحديدا وهو الجانب الجنسي.

أثار ماكس برود في كتاباته الخاصة بكافكا دوما شكوكا حول "فحولة" صاحبه وصديقه. كان يطيب له - كما يكتب كونديرا في " الوصايا المغدورة" - أن يسهب في الحديث عما يخص معاناته من العنانة[3] ". لذلك أصبح كافكا منذ زمن طويل القديس الشفيع للعصابيين والمحبطين وفاقدي الشهوة والضعفاء. ص49 ) رغم وضوح النبرة التهكمية في ما كتبه كونديرا، ولكنه يكتفي هنا بالجانب الوصفي لعملية التوظيف التي يقوم بها برود  بقصد إعادة الإنتاج المحرَّفة لكافكا ولكنه يحاول نقضها عبر التأكيد على الواقع التاريخي الحقيقي الذي كان سائدا آنذاك في المجتمعات الأوروبية ومنها المجتمع التشيكي حيث الحياة الجنسية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات العشرين لم تكن تختلف كثرا عن الحياة الجنسية في أوروبا الخمسينات والستينات من القرن العشرين إلا قليلا، أما الآن وأعني في بدايات القران والواحد العشرين فقد اختلف الأمر تماما وصار للواقع صورة ومضمون مختلفَان اختلافا بينا في الدرجة كما في النوع و أضحت العلاقات الجنسية بين الذكور والإناث أكثر تحررا وانفتاحا بل وغرابة وأخذت مؤسسة العائلة الموروثة حتى في شكلها الذي استقرت عليه بعد الحرب العالمية " الأوروبية " الثانية أي العائلة البسيطة وليس الممتدة، أخذت بالضمور والتلاشي فاسحةً المجال لشكل جديد من العلاقات الثنائية القصيرة والمتوسطة الأمد ودون ارتباط بزواج رسمي. كما ظهرت إلى الوجود الأمهات اللواتي لم يتجاوزن سن المراهقة، والأزواج من مثيلي ومثيلات الجنس، وغير ذلك من مظاهر وظواهر جديدة تماما. لكن لنتابع سياق موضوعنا، ولنعد إلى أوروبا في أيام كافكا التي كما قلنا لم تكن تختلف كثيرا عن أوروبا الخمسينات فماذا نجد؟ الفتيات الشابات لم يكنَّ يجامعن الشبان قبل الزواج، ولا يبقى للعازب في هذه الحالة إلا احتمالان: النساء المتزوجات من الأسر الراقية، أو من يسميهن " النساء السهلات " من الطبقات الدنيا كالبائعات والخامدات والمومسات ...". بمعنى معين، يمكن أن يعمم الحُكم الذي يصدره البعض على كافكا ويجعل منه متخصصا وصاحب خبرة في النساء السهلات والمومسات ولا يصلح إلا للمواخير، ليشمل غالبية مجايليه من شبان الطبقة الوسطى وما دونها لأسباب تاريخية واجتماعية غدت مفهومة الآن. غير أن فرح جبر، أو مَن تنقل عنه آراءه، تقترح طريقا آخر لفهم تجربة كافكا الجنسية ليس بعيدا عما كرره ماكس برود وخلفاؤه، فهي ترى أن ثمة تناقضا في أعماق كافكا بين ما تسميه "الحاجة الميؤوس منها إلى علاقة"، و "العجز عن إقامة علاقة ". هذا العجز الذي لا يُغْلَب، والذي يتفاقم أحيانا فيتحول إلى ما تدعوه (رغبة في وحدة بلا وعي كافكا)، أو (خوفاً من الاتصال، من الانسياب إلى الطرف الآخر. فلا أعود وحيدا قط".) ثم تقرر السيدة جبر بكثير من الخفة والاستسهال استنتاجات التالية (من هذا التناقض ينشأ شعور الانفصام المتواصل، الفتيات اللواتي كنَّ يعجبن كافكا لم ينل وطره منهن. سيكتسب خبرته الجنسية مع الخادمات وبائعات الهوى. ففتاة الهوى التي أمضى معها ليلة، لا يذكر شيئا عن عريها ولا عن لمساتها أو قبلاتها.) لا يملك المرء هنا إلا ان يتساءل، دون الحاجة لأن كون متبحرا في علم النفس أو ضليعا في النقد الأدبي، كيف ينسجم القول بأن كافكا كان ضحية تناقض حاجته الميئوس منها إلى العلاقة بالأنثى والعجز عن إقامة علاقة معها، وهو الذي عاش العديد من التجارب العاطفية السوية والمشبوبة، والتي لم تنغصها سوى حالته الصحية التي تدهورت بشكل خطير وأدت في النهاية إلى موته المبكر؟  وسيرا على هدى الصوى التي أرساها ماكس برود لراهبه العصابي المختلق، تخبرنا جبر بأن كافكا (قد أيقن ان الجنس مخز أو انه مرادف للقرف والوساخة والرعب. ويزداد هذا الرعب في إحدى رسائله إلى فيليس. يقول (ان روح المخدع الزوجي في البيت والشراشف التي اتسخت وقمصان النوم المبسوطة بعناية تثير قرفا فيَّ يصل إلى حد الغثيان). رافقت انعكاسات بيوت الدعارة كافكا حيثما ذهب، وكتب في يومياته: (ان الرغبة الجنسية ترهقني وتعذّبني ليلا ونهارا. يجدر بي لإشباعها أن أتخطى خوفي وخجلي وحزني أيضا). لكن هذا لم يمنعه من اغتنام أول فرصة تلوح، إلا انه سرعان ما كان يشعر بأن الرغبة الجنسية التعيسة تدينه فيعتقد انه لا يصلح إلا للمواخير، وهذا ما آل إلى استنتاجه قبل وفاته بسنتين، إذ أن كل ما يستحقه هو هذه المرأة العجوز المجهولة الوسخة صاحبة الساقين المتهدلتين، التي تسحب مَنّيه بلحظة واحدة، وماله، ثم تستعجل الذهاب إلى الغرفة المجاورة حيث ينتظرها زبون آخر. يراهن كافكا على الفتيات العشيقات ويبتعد عنهن ...) إن العودة إلى التذكير بما قاله ميلان كونديرا حول الحالة المجتمعية التاريخية في أوروبا نهايات التاسع عشر وبدايات العشرين، أصبحت ضرورية الآن لكي نفهم على نحو صحيح أن كل ما قيل عن غرائبية وكابوسية ومرضية الحالة الجنسية لدى كافكا هي حالة ليس فيها مما هو غرائبي أو كابوسي أو مرضي الشيء الكثير، فالتناقض قائم في قوام المجتمع الأوروبي والفرد الأوروبي آنذاك بين (الحاجة الجنسية الميئوس من إشباعها وبين العجز عن إشباعها) وهي ليست حالة مرضية خاصة بكافكا أو بسواه، أما الشعور بالقرف والاشمئزاز من الممارسة الجنسية عموما وبين نوع معين من هذه الممارسة وهو الذي يدفعه إلى المواخير لإشباع رغائبه الجنسية ففيه خلط كبير يشبه الخلط الذي تعبر عنه الكاتبة بين ( المخدع الزوجي والشراشف التي اتسخت وقمصان النوم المبسوطة بعناية – والتي تثير في كافكا -  قرفا فيَّ يصل إلى حد الغثيان ) وبين  المومس العجوز ( المجهولة الوسخة صاحبة الساقين المتهدلتين، التي تسحب مَنّيه بلحظة واحدة، وماله، ثم تستعجل الذهاب إلى الغرفة المجاورة حيث ينتظرها زبون آخر..) فهل يهرب المرء مما هو قذر إلى الأقذر؟ هذا إذا وافقنا على تفسير الكاتبة لما اقتبسته، ولا يمكننا أن نفعل ذلك طبعا دون قيد أو شرط. صحيح أن كافكا ذاته كتب هذين الاستشهادين، ولكنهما – وكأي استشهادين آخرين - حين ينتزعان من سياقاتهما الطبيعية يعطيان معان أخرى، معان ربما لم تدر بخلد كاتبهما. وهكذا فكل اقتباس منزوع من سياقه يمكن أن يكون سلاحا ذا حدين أو يمكن ان يكون سلاحا عديم القيمة وليس له حد مسنون أو غير مسنون! شيء قريب من هذا يمكن لنا تسجيله عند الخوض في مشاعر الخجل والتردد، بل والخزي والعار، الذي ينتاب الشاب كافكا حين يعيش تجاربه الجنسية، ويمكن تفسيره بسهوله ضمن النطاق الشخصي الذي يحتوي على ما أسلفنا عنه الكلام من طباع نفسية خاصة به، فهو خجول وحساس ومرهف مع  شيء من القلق والتطلع والشغف  وأخرى اجتماعية خاصة بعصره وعالمه، وقد توقفنا عند بعضها فيما سلف من صفحات. علينا ان نضع في الحسبان أيضا، أنه لا يمكن لنا أن نعثر على مبدع أوروبي أو غير أوروبي واحد تخلو حياته الخاصة وخاصة في جانبها الجنسي من بعض الفرادة والخصوصية اللتين يسمانه بميسمهما الخاص، ولكنهما لا يقذفان به بعيدا في عالم مغلق وشاذ وغير قابل للتفسير، إلا ما ندر. هذا عن كافكا، الكاتب الإنسان، الذي كان يعيش تجربته الحقيقية الحية فماذا عن أدبه الذي هو ذاته في صورة ومحتوى آخرين ولكن من مادة مفارقة وناتجة به وعنه؟

في أدبه المنجز نطالع في العديد من المناسبات نصوصا تدور ضمن الحيث الجنسي وتتناوله بصراحة وجِدة لم يهتم بها نقاد وأدباء كثيرون، غير أن كونديرا استطاع أن يسلط ضوءا على ما هو جديد في تناول كافكا الأدبي للموضوع الجنساني، وأطلق عليه اسم "الجانب الهزلي للجناسانية " فلنتابع معه الاستعراض الشيق التالي ثم نناقش بعد ذلك ما يخرج به من استنتاجات:

في روايته "أمريكا" يُطرَد الشاب كارل من منزل العائلة بعد ارتكابه حادث جنسي بائس مع الخادمة (مع خادمة تحديدا وهذا أمر معبر بدلالاته)، ثم يُرسل إلى أمريكا بعد أن أصبح أبا لطفل...يروي كافكا الحادثة أو اللقاء الجنسي كالتالي: كانت الخادمة تهتف بفرح قبل المضاجعة: كارل أوه يا عزيزي كارل ... أما هو فلم يدرك شيئا البتة، وكان يشعر بالإثم في كل هذه العدة الدافئة للسرير التي ظنت إنها جمعتها خصيصا له ...ثم هزته وأصغت إلى قلبه، وأمالت صدرها إليه حتى يصغي إلى قلبها بالطريقة ذاتها... بعد ذلك فتشت بين ساقيه بطريقة مثيرة للاشمئزاز، حتى إن كارل أخرج رأسه وعنقه من بين الوسائد وهو يتخبط، وأخيرا ضغطت بطنها على بطنه عدة مرات، فراوده شعور إنها أصبحت جزء منه، وربما لهذا السبب اجتاحه ضيق كريه...) سنلاحظ طابع الجدة لدى كافكا في تناول الحيث الجنسي في هذا المشهد العابر من خلال حركة الشريكة " الأنثى " والتي توحي حركتها وكلامها بأنها هي التي قادت عملية المضاجعة من البداية إلى النهاية، ولكن برقة وتفهم وإبداع جعل شعور مارك بالإثم أقل سلبية مما هو في الواقع، فلم يقلل كثيرا من شاعرية الإصغاء إلى قلب الشريك، فلنتخيل المشهد: الأنثى تميل بجمسها إلى شريكها في السرير ليس بحثا عن متعة التلاصق والاحتكاك الجسدي بالدرجة الأولى، بل لكي تصغي إلى قلبه هو. ولكن لماذا الإصغاء إلى القلب؟ وهي لا تكتفي بذلك بل تغير وضعيتها الجسدية وتميل مزيدا من الميل نحوه لكي يصغي بدوره إلى قلبها ويشاركها في هذا النوع الجديد والذي لم يخطر في بال مبدع من قبل، من المتعة العجيبة. وهل كانت تلك متعة عجيبة أم شيء آخر؟ ربما كان شيئا آخر، وهو ما سنعرفه بعد لحظة وذلك حين يراوده شعور بأنها (أصبحت جزء منه) إنه التوحد والحلول – بمعنى شبيه ومتاخم للمعنى الصوفي للكلمة - المتبادل إذن عبر الإثم الجسدي ومشمولات الجسد البشرية المادية وصولا إلى المتعة الحقيقية النبيلة والوحدة الخالقة.

 يستنتج كونديرا أن هذا الجُماع المتواضع بين كارل والخادمة هو سبب كل ما يحدث في الرواية ويتوسع في استنتاجه فيقول (إنه لأمر محبط أن نعي ان قدرنا، ولسبب بديهي، منذور لشيء تافه تماما، بيد ان كل كشف لتفاهة غير متوقعة هو في الوقت ذاته مصدر للهزل. فبعد المضاجعة يحزن الكائن الحي، وكان كافكا أول من وصف الجانب الهزلي لهذا الحزن ) واضح طابع المبالغة وربما الافتعال في نظرة كونديرا إلى ما يسميه "الجانب الهزلي للجنسانية" عند كافكا فالمناسبات التي تطرق إليها هذا الأخير إلى الشأن الجنسي معدودة، ولا تكاد تشكل محورا مهما من محاور أدبه، ولكننا لا يمكن أيضا أن نقلل من شأنها أو  نشطب عليها، فهي موجودة وجودا واضحا وأكيدا، وقد ينبع ما وصفناه بالطابع المبالغ لدى كونديرا من محاولته عكس اتجاه القراءات البرودية حتى بالانتباهات والاكتشافات ذات القيمة المتواضعة، وتسليط الضوء وبشكل أكثر من اللازم أحيانا على جزء أو نتوء  معين في غابة كافكا السردية ليبرر أمرا أو استنتاجا دفاعيا ما، وقد نجد ما يبرر كلامنا هذا حين نقرأ بتمعن ما كتبه عن فيلم فيليني " انترفيستا" والذي كان موضوعه الطرفة الجنسانية في رواية كافكا التي تحمل اسم  "أمريكا " وتحديدا حين تكلم كونديرا عما يسميه " القبح الكبير" المرسوم بشكل جذاب وعلى نحو مثير للسخرية.أما الربط بين المصير القدري لمارك وعشيقته وبين الحدث الصغير " المضاجعة العابرة " من قبل كونديرا واعتباره هذا الربط مصدر تعاسة وإحباط فهو أمر غير مفهوم ولا يمكن الركون إلى معناه المختصر في التبسيط المقصود التالي (قدرنا منذور لشيء تافه..الكشف عن هذه التفاهة هو مصدر الهزل الذي يغلف حزن الكائن الإنساني) ليس الغموض الذي يلف هذه العبارات ليس هو ما يجعل استيعابها غير ممكن فحسب بل إن إمكانية تأويلها ومقاربتها من زوايا أخرى بهدف استخلاص معاني مجاورة منها ليست واردة . إنها - بالنسبة لي كقارئ على الأقل- ومضة لم تؤدي إلى شيء ذي مغزى من مصباح كونديرا الكاشف.

نختم كلامنا في هذا الفصل بإعادة اقتباس مشهد إيروتيكي "عشقي" يعتبر من أجمل المشاهد التي أبدعها كافكا، ويمكن لهذا المشهد أن يعطينا تصورا أوضح وأقرب إلى كافكا العاشق الممكن، وليس المستحيل، إنما من خلال إبداعه الأدبي.

يقع هذا المشهد في الفصل الثالث من روايته "القصر" ويصف لنا فيه كيف مارس "ك" الجنس مع فريدا، وما المشاعر التي راودته حينها. فلنقرأ تلخيصا لهذا المشهد كما ورد في " الوصايا المغدورة/ص 52":

 لم تكد تمضي ساعة على مشاهدة " ك " لتلك "الشقراء الصغيرة التافهة " لأول مرة حتى عانقها من وراء طاولة الشراب " في مستنقعات البيرة والقذارات الأخرى التي  تغطي الأرض . القذارة، إنها لا تنفصل عن الجنسانية وعن ماهيتها الملموسة. لكن بعد ذلك مباشرة يظهر لنا كافكا في الفقرة ذاتها شاعرية الجنسانية حين يكتب (هناك مرت ساعات، ساعات من الأنفاس المشتركة ومن خفقات القلوب المشتركة، ساعات كان يمتلك ك خلالها دونما انقطاع شعورا بأنه يتوه. أو أنه في عالم غريب أكثر من أي كائن قبله، في عالم غريب لم يكن فيه حتى الهواء يملك أي عنصر من هواء موطنه، حيث لابد له من أن يختنق من الغربة، وحيث لا يستطيع أن يفعل شيئا وسط إغراءات حمقاء إلا أن يوغل بعيدا في ذهابه ويوغل بعيدا في التوهان.)

يتحول أمد المضاجعة إلى مجاز أو معبر يضج بالأسئلة للسير تحت سماء الغربة، ولكن هذا السير ليس قبيحا، بالعكس إنه يجذبنا ويدعونا أيضا إلى المضي بعيدا جدا ويسكرنا ... إنه الجمال!

في الأسفل، ثمة بضعة أسطر مهمة لنقرأها بهدوء كما نقرأ الشعر والتمائم (كان سعيدا أكثر مما ينبغي لأنه يحتضن فريدا بين ذراعيه، وكان سعيدا أكثر مما ينبغي، وعلى نحو مقلق أيضا، لأنه يحسب أنه إذا نالت فريدا كل ما لديه فإنها ستتخلى عنه. وحتى لو نالت لحب؟ لكن لا، ليس الحب، فإذا أُبعد وسُلِبَ منه كل شيء، فإن امرأة صغيرة وقصيرة لم يكد يعرفها ويعانقها في مستنقعات البيرة حتى أصبحت عالمه كله، بل و دون أي تدخل للحب...)

 

 علاء اللامي

................................

[1] - وردت هذه الجملة بهذا التركيب اللغوي  المضطرب في ترجمة كتاب" الوصايا المغدورة" ولتسهيل فهمها يمكن إعادة ترتيب كلماتها على الشكل التالي : مرَّت ساعات، ساعات من الأنفاس المشتركة، ومن خفقات القلوب المشتركة، ساعاتٌ تملك خلالها "ك"  شعورٌ بأنه يتوه[1]، أو أنه في عالم غريب ....الخ . 

[2] - مدخل إلى عالم كافكا الروائي /عبد الوهاب أبو زيد 

[3] -  الواضح من السياق، أن المقصود هو العُنَّة وليس "العنانة" كما ورد في ترجمة معن عاقل للكتاب المصدر. ومعنى "يعن" في لسان العرب يَعْرِض، وهما لغتان: يَعِنُّ بكسر العين، ويَعُنُّ بضمها. والتَّعْنِين: الحبْس. وفلان عَنَّانٌ عن الخير وخَنَّاسٌ وكَزَّامٌ أَي بطيء عنه. والعِنِّينُ: الذي لا يأْتي النساء ولا يريدهن بَيِّنُ العَنَانة والعِنِّينة والعِنِّينيَّة (هنا، العنانة والعنينة والعنينية أتت صفات كقولنا: بالغُ الشجاعة، بّيِّنُ الشهامة وليست مصدر كما سيرد لاحقا: والاسم منه العُنّة ) . وعُنِّنَ عن امرأَته إذا حكم القاضي عليه بذلك أَو مُنعَ عنها بالسحر، والاسم منه العُنَّة، وامرأَة عِنِّينة كذلك، لا تريد الرجال ولا تشتهيهم.

 

 

حسن العاصيمنذ تأسيسها، ساهمت الصحافة الفلسطينية والصحافيين الفلسطينيين في تطوير الحركة الصحافية العربية وإنضاج تجربتها، كما ساهم الأدب الفلسطيني والأدباء الفلسطينيين كذلك بفعالية في إغناء الحياة الثقافية العربية وجعلها أكثر إبداعاً وجمالاً.

وكان لبواكير الأعمال في فن القصة مثل أعمال الأدباء الفلسطينيين غسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وأيضاً إبراهيم نصر الله، كان لها دور طليعي في رفد الأدب العربي بأعمال مهمة لعبت دوراً في تبلور وتطور فن القصة العربي، بل إن الأدب الفلسطيني أظهر قدرة على معالجات متميزة ومتفردة عربياً، مثل رواية “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس "المتشائل" للأديب إميل حبيبي.

وبالرغم من أن الشعر هو نوع الأدب الذي يفيض به النشاط الثقافي الفلسطيني أكثر من غيره من الأصناف الأدبية، وهو أمر يتميز فيه الفلسطينيون في سياق الحركة المتطورة في الأدب العربي، إلا أن المتابع للإنتاج الأدبي الفلسطيني يلاحظ تطور هذا الأدب في الرواية والقصة والنقد كما هو حال الشعر.

ومما لا شك فيه أن النكبات المتتالية التي عانى منها الشعب الفلسطيني، كان لها الأثر الواضح في مجمل الأعمال الأدبية وخاصة في مجال الشعر، الذي صوّر معاناة الفلسطينيين، وعبّر عن الذاكرة الشخصية والجماعية التي تضمنت كافة المنعطفات السياسية والاجتماعية التي تعرضوا لها، منذ نهاية القرن التاسع عشر.

كل هذا الوجع الفلسطيني شكل مادة دسمة للأدب الفلسطيني الذي تميز بكونه أدباً يحض على الشجاعة والإقدام، أدباً يدعو إلى حب الوطن وإلى مواجهة الظلم، وأدباً يفيض معاناة ويمتلئ بالأحاسيس التي تلامس مشاعر وأذواق القراء الذين يتفاعلون مع الأدب الفلسطيني ومع قضيته.

لقد ظهرت الصحافة والعمل الصحافي في فلسطين كخامس دولة عربية بعد مصر ولبنان وسورية والعراق، وهذا يمنح الصحافة الفلسطينية عراقة تاريخية ما زالت تراكم تجربتها حتى يومنا.

معاناة مبكرة للصحافة

بالرغم من أن الصحافة الفلسطينية منذ انطلاقتها واجهت مضايقات رقابية وحصاراً من قبل السلطات العثمانية التي كانت تحكم فلسطين، حيث كانت الصحف تعتبر ناطقاً رسمياً باسم الحكومات القائمة، لذلك اعتبرت السلطات العثمانية ما تتضمنه الصحف أمراً خاصاً بها، هي وحدها تجيز وتمنع وفق أهوائها.

يعد الانتداب الذي فرضته بريطانيا على فلسطين، مرحلة جديدة للصحافة الفلسطينية التي دخلت في كوارث متتابعة من المعاناة، إذ أقدمت السلطات البريطانية على اعتماد سياسة إغلاق الصحف والتضييق عليها، والقيام باعتقال الصحافيين، والتكتم على المعلومات ومحاولة حجبها عن الصحافة، كما عانت الصحف من الرقابة الشديدة على محتوياتها، وقد استمرت هذه المعاناة طوال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين التي استمرت ما يقارب الثلاثة عقود.

إن حال الصحافة الفلسطينية بعد النكبة لم يكن في وضع أفضل، فعلى سبيل المثال عانت هذه الصحافة من الإجراءات المتشددة والرقابة المسبقة في ظل حكم الإدارة المدنية الأردنية للضفة الغربية، بالرغم من أن هذه الفترة شهدت تأسيس عدد من الصحف والمجلات الجديدة.

ورغم التوسع الذي حصل إلا أن الرقابة الحكومية فرضت على الصحف خطاً تحريرياً لا يخرج عن السياسات الحكومية، وكان مقص الرقيب يتدخل في أية مادة صحافية منشورة لا تنسجم مع الموقف الرسمي الأردني.

ولا يختلف حال الحياة الصحافية كثيراً في قطاع غزة الذي وقع تحت الحكم المصري، إذ عانت الصحافة من مشكلات كثيرة أهمها مقص الرقيب وغياب الخبرة، وعدم وجود مؤسسات إعلامية، إضافة إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب والمعقد الذي كان يعاني منه قطاع غزة.

يلاحظ في تلك الفترة وما تلاها، أن الصحافة الفلسطينية انغمست كثيراً في القضايا السياسية وقضايا التحرير، ومواجهة الخطر الصهيوني، بالإضافة إلى ذلك فقد طرأ عنصر جديد على هذه الصحف في تلك المرحلة أيضاً هو أن معظم الصحف والمجلات الفلسطينية بدأت في تخصيص قسم للثقافة فيها، حيث بدأت هذه الصحف تنشر الأعمال الشعرية والقصصية والمقالات الثقافية.

صحافة الثبات

وفي فترة الاحتلال الإسرائيلي بعد العام 1967 ظلت الصحف الفلسطينية تعاني من الرقابة والتضييق، حيث قامت إسرائيل بممارسة مزيد من الضغوط النوعية التي لم تشهدها هذه الصحف، خاصة في ظل الرقابة العسكرية التي أجبرت الصحف بالحصول على موافقة مسبقة على كافة المواد المنشورة، وفي ذات الوقت استمرت هذه الصحف في مواجهة هذه الضغوط بكافة وسائلها، واستطاعت أكثر من عشرين صحيفة جديدة الحصول على تراخيص للإصدار في تلك المرحلة.

أبرز ما ميز الصحافة الفلسطينية في فترة الاحتلال الإسرائيلي، أنها صحافة ثبات ومحافظة على الوجود، ولم تكن صحافة مجابهة ومقاومة، إذ أنها انشغلت في الحفاظ على المكونات التي تحمي هوية الشعب الفلسطيني من الضياع، وعملت على تعزيز مفهوم الحقوق الوطنية في نفوس الفلسطينيين، كما أنها لعبت دوراً هاماً في فضح تصرفات الاحتلال الإسرائيلي.

التطور اللافت والمنعطف الهام الذي حصل في القضية الفلسطينية العام 1994 حين تم الإعلان عن قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، هذا العنصر المستجد أوجد وقائع جديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، من أهم ملامح هذا الواقع هو انتقال سلطة الحكم الإداري من إسرائيل إلى الطرف الفلسطيني، وبقاء السيادة السياسية لإسرائيل.

حاولت السلطة الفلسطينية استثمار هذا العامل الجديد، واتخذت إجراءات تمهد لبناء نواة دولة فلسطينية قادمة، فقامت بإصدار قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني في العام 1995 وكان هذا الأمر دليلاً واضحاً على اهتمام السلطة الفلسطينية بقضايا الصحف والإعلام والأدب والنشر، وتنظيم العلاقة بينهما من جهة، وبين وسائل الإعلام والمجتمع من جهة أخرى.

وقد تميزت هذه المرحلة بنشاط زاخر وحركة صحافية وعمل ثقافي واسع بهدف إحداث تطور ونقلة مهمة للحياة الصحافية والثقافية بشكل عام، بالرغم من قلة الإمكانيات لدى الفلسطينيين قياساً بالأشقاء العرب، إلا أن حراكاً إعلامياً كان قد بدأ بتفاعل كافة القوى السياسية الفلسطينية، وكانت الصحف هي الوسيلة التي تعكس هذا التفاعل.

انتشرت الصحف والمجلات الفلسطينية في عهد السلطة، وكانت تعكس التنوع السياسي والمزيج الفكري للشعب الفلسطيني وقواه السياسية. وهنا ظهر عامل جديد، إذ أصبحت الصحف أيضاً تخضع لقوانين السلطة إضافة لخضوعها إلى نفوذ إسرائيل.

كما أن إسرائيل بقيت مستمرة في اعتماد سياسة استهداف الإعلام الفلسطيني الذي أصبح خاضعاً للسلطة الفلسطينية، لكن إسرائيل تستهدفه كما تستهدف كافة مناحي حياة الفلسطينيين.

الأبرز هو استمرار القيود الإسرائيلية التي كانت مفروضة على الصحف والصحافيين الفلسطينيين، مثل القيود على حرية الحركة، واعتقال الصحافيين وضربهم أثناء تغطية الأحداث، ومنهم من قامت إسرائيل بقتله.

روّاد الأدب الفلسطيني

فيما يرتبط بالحياة الأدبية الفلسطينية، كان الأدباء الفلسطينيون يكتبون أعمالاً لأنفسهم، ولم تكن تشغلهم في فترة بداية القرن العشرين وما قبلها، فكرة عرض أعمالهم على القراء.

ويتفق الباحثون على أن الأديب الفلسطيني يوسف الخالدي هو الوحيد بين أقرانه في تلك المرحلة من حاول نشر أعماله الأدبية، لكنه لم يتمكن من ذلك لأسباب تتعلق بظروف عمله.

بينما تمكن الأديب روحي الخالدي الذي كان ديبلوماسياً في باريس، من نشر كتابه “تاريخ علم الأدب عند العرب والافرنج” في مجلة الهلال المصرية على حلقات، بعد أن أقام علاقات صداقة مع صحافيين مصريين، الأمر الذي فتح له باب الشهرة.

وفيما بعد تمكن روحي الخالدي من نقل جزء من الثقافة الغربية إلى القارئ العربي عبر ترجمة عدد من النصوص والأعمال الغربية ونشرها في الصحف المصرية بداية ثم في صحف أخرى.

وكان روحي الخالدي من الأدباء الذين يصوغون أعمالهم بطريقة تصل إلى المتلقي بسهولة كما أن أعماله تضمنت الكثير من قيم الأصالة، ويعتبر من رواد الأدب الواقعي.

وكان لأعماله التي نشرت الأثر الواضح في صياغة مفاهيم لغوية جديدة لدى عدد كبير من الكتاب والأدباء العرب والفلسطينيين، وبدأ الأدباء يميزون بين الأصناف الأدبية الغربية بفعل جهود روحي الخالدي.

نحن نتحدث هنا عن فترة بداية القرن العشرين، حيث بدأ الأدب الفلسطيني يحبو وينمو ويتطور بشكل بطيء. ولا يمكن الحديث عن تلك الفترة دون ذكر أسماء الأدباء الرواد، وأبرزهم الشيخ يوسف النبهاني، ونخلة زريق، وخليل السكاكيني، ومحمود حمدي.

وظهر في تلك المرحلة تيار من الأدباء لم يكن معروفاً من قبل، اعتمد الشعر والنثر الذي يعالج قضايا اجتماعية واقعية، أو ما يعرف بالشعر القصصي، ولعل ديوان الشاعر “إسكندر الخوري البيتجالي” الذي أصدره العام 1919 باسم “الــزفرات” خيــر دلــيل علــى ما ذكرت.[1]

إن الشاعر البيتجالي نسبة إلى “بيت جالا” القرية التي ولد فيها، كان سبّاقاً في الدعوة إلى الشاعرية الاجتماعية، حيث قدم الشاعر نفسه العديد من الأعمال الأدبية التي عالجت بالشعر قضايا اجتماعية، وهو بذلك مهّد الطريق أمام هذا النوع من الأدب الذي بدأ يعكس المفاهيم الاجتماعية السائدة، وقيم المحبة والخير بأسلوب مختلف عما كان سائداً.

ورغم هذا فإن الإنتاج الأدبي في فلسطين كان محدوداً، لكن قيام السلطات العثمانية بإصدار دستور عام 1908 كان له أثر في تطور اللغة العربية حيث دخلت مصطلحات جديدة لم يعهدها الناس من قبل، مثل الدستور، والحرية، والقومية، والأمة، ترافق ذلك مع تبلور الطبقة الوسطى في المجتمع التي اهتمت بإصدار الصحف السياسية، وحرص بعض شرائحها الاجتماعية على تملك هذه الصحف، واتسعت دائرة القراءة وانتقلت من النخبة إلى الجمهور.

كما قامت الطبقة الوسطى بتأسيس الأندية الثقافية والاجتماعية، ما أنعش بشكل متدرج الحياة الثقافية الفلسطينية، حيث كانت هذه الصحف والأندية تعبر عن هذه الطبقة ومصالحها، عبر المقالة السياسية والأدبية، وعبر كتابة المذكرات، والمواضيع اليومية، بحيث تماهت الصحف مع واقع وتطلعات الطبقة البرجوازية.

يمكن أن نلاحظ هذا التماهي من خلال مطالعة عناوين صحف تلك الفترة، والتي تعج بمفردات من نوع: الحرب والسلم، والاقتصاد والسياسة، والبناء الاجتماعي، والإصلاح، والنهضة ودور الشعوب.. الخ، وجميعها قضايا تمثل واقع حال الطبقة الوسطى ومشاكلها.

وهكذا أصبحت هذه الطبقة تمتلك أدباء وكتّاباً يعبرون عنها، مما شجع على زيادة أعداد الصحف وبالتالي زيادة عدد المطابع، هذا من جهة، الأمر الذي أسهم في ازدياد أعداد الكتاب من جهة أخرى، ومن أبرز هؤلاء الأدباء والكتاب في تلك المرحلة العثمانية نذكر: خليل السكاكيني، وخليل بيدس.

تأسيس الثقافة الفلسطينية المعاصرة

من المعروف أن اللغة العربية تأثرت على مر التاريخ بلغات أخرى منها اليونانية والفارسية، إلا أن تأثير اللغة التركية أيام العهد العثماني ظل محدوداً ويقتصر على اللهجة المحكية بين الناس، لكن الفصحى لم تتأثر، وفي سياق الأدب الذي نتحدث عنه هنا، لم نجد أي نص باللغة التركية لأي أديب فلسطيني، ولا حتى نصاً منقولاً من التركية إلى العربية، بالرغم من أن العديد من الأدباء الفلسطينيين في تلك الفترة كانوا يجيدون اللغة التركية.

لقد عرف الأدب العربي الشعر المترجم وأنواعاً مختلفة وحديثة من النثر الأدبي، وكذلك فن المقالة، والرواية والنقد، من خلال انفتاحه على الأدب الغربي الذي رفد الأدب العربي بأنواع لم يكن يعرفها العرب. وكانت الصحف والمجلات هي الوسيلة الشعبية الوحيدة لنشر الإنتاج الأدبي، وهكذا بدأ عامة الناس يتعرفون على أنماط جديدة من الأدب ومن أساليب الحياة لم تكن معروفة من قبل.

إن ظهور هذه المفاهيم الجديدة في منطقتنا قادمة من الغرب وما حملته من مفردات ألهمت الكثيرين ومن ضمنهم الأدباء، مثل التربية والتعليم، وإنشاء المدارس، وتعليم المرأة وتحررها، والحجاب والحياة المدنية، إلى ما هنالك من الشعارات والمواضيع التي كانت تزخر بها المجتمعات الغربية وصحافتها وأدبها.

اجتمعت عناصر تأسيس وانتشار الصحف، وتحسن مستوى التعليم، والتواصل والانفتاح مع الغرب، وإقامة أندية ثقافية واجتماعية، لتشكل بداية لظهور علاقات جديدة في فلسطين. فالأدباء الفلسطينيون الأوائل كانوا أناساً أكاديميين يمتلكون العلوم الأدبية وأصحاب ثقافة كبيرة، وسافروا إلى بلدان متعددة، ويتحدثون لغات أجنبية.

إن ما سبق ذكره مهّد الطريق أمام بداية تأسيس الثقافة الفلسطينية، التي شكل عمودها الفقري نشوء الصحف وانتشارها، وفتح نافذة للتبادل الثقافي والمعرفي مع الدول الغربية، ساهم في مد هذه الجسور الطلاب الفلسطينيون الذين تخرجوا من مدارس الإرساليات، أو ممن تم إيفادهم للتحصيل العلمي في الجامعات الغربية، الأمر الذي أثرى الثقافة الفلسطينية من منابع معرفية متعددة.

وتعرفت الثقافة الفلسطينية والأدباء الفلسطينيون على فنون إبداعية لم يكونوا يعرفونها مثل السينما والمسرح والتمثيل والديكور وما شابه من مفردات حديثة. كما جرت عملية بلورة للاتجاهات الأدبية السائدة بشقيها الكلاسيكية والرومانسية، وتنوع أشكال الكتابة ومناهج النقد الأدبي.

طبعا كانت الصحف هي الحاضن الطبيعي لولادة هذه الأفكار والمفاهيم الثقافية الجديدة، وكذلك كانت الصحف الجسر الذي عبرت خلاله الكثير من المصطلحات والمفردات اللغوية والأدبية والسياسية الجديدة إلى شرائح واسعة من الناس، من خلال استخدامها من قبل الأدباء والكتاب في المقالات والأبحاث والنصوص التي كانوا يكتبونها وتنشرها الصحف.

ليس هذا فقط، بل قامت الصحف والمجلات الفلسطينية بدور فعال في إحداث تغييرات في السلوك والحياة اليومية للفلسطينيين عبر ما تنشره من قصص وروايات مترجمة، وهي بذلك أسهمت في صياغة مقاربات معيارية للحداثة وللذائقة على المستويين الشخصي والعام.

أيضاً، كان للصحف الدور الهام في فتح الأبواب أمام ترجمة الأدب العالمي إلى اللغة العربية، واعتبر الأدب المترجم عنصراً من عناصر الثقافة، وواحداً من الأنماط الأدبية الحديثة التي كان لها تأثير على اللغة العربية وتطورها وعلى الحياة الأدبية الفلسطينية بشكل عام من خلال التعابير والمفردات التي جلبتها الصحف والمجلات للأدب العربي، وأدخلت هذا الأدب في طريق الحداثة.

من أهم الصحف والمجلات الفلسطينية التي قامت بهذا الدور التنويري نذكر مجلة “النفائس العصرية” لصاحبها خليل بيدس التي كانت تصدر في مدينة القدس، وكذلك مجلة “الزهرة” لمؤسسها جميل البحيري وكانت تصدر في مدينة حيفا. ([2])

ولا بد من الإشادة بالدور النشط الذي لعبه النقد الأدبي في تعزيز هذه المفاهيم الجديدة، من خلال الاستخدام المتكرر للعديد من العبارات والمفردات العربية الحديثة التي استحسنها المتلقي فأخذت تحتل مكاناً في الحياة اليومية للناس.

وقد كتب بهذا الشأن عدد من النقاد والأدباء ومنهم خليل السكاكيني، الذي دافع عن أهمية تطور اللغة، والضرورات التي تمليها المتغيرات التي تحصل في المجتمع لهذا التطور، وأشار إلى أن اللغة تحاكي التاريخ من حيث أن مفرداتها وتراكيبها تشير إلى الفترة الزمنية التي استخدمت فيها هذه التعابير، وهذا يجعل من اللغة كائناً حياً يتطور وينمو.

وكما أسلفنا فإن انعكاس هذا التطور والنمو نلمسه في الصحف الفلسطينية التي ساهمت بنشر ما هو حديث في اللغة عبر المقالات والنصوص، وبهذا ساهمت الصحافة في تطور وعي البشر أيضاً وتطور تفكيرهم ومعارفهم ونظرتهم للأشياء.

ومن أهم المجلات والصحف التي شكلت حاملاً لهذه الحداثة وتقديمها للعامة، مجلة الكرمل، والإنصاف، والترقي، والأصمعي وغيرهم.

تطور اللغة في الصحافة

ولعل أبرز التعابير الحديثة التي دخلت إلى عالم الصحافة حينذاك، والتي كانت تحاكي الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في تلك الفترة، القومية، والنهضة، والاستقلال، والاستبداد، والفكر الاشتراكي، والعقيدة، وحقوق الإنسان، والمساواة، والتجديد، والعديد من المفردات الأخرى التي أصبحت تستعمل في مجال الفنون الأدبية والمسرحية والإذاعية، ومصطلحات فلسفية وسياسية وحقوقية واجتماعية.

والصحف التي نشرت هذه المصطلحات منحتها أيضاً معانيها الحقيقية من خلال ربطها بالواقع المعيش، وعبر ذكر أمثلة محددة، وكذلك عبر الحرص الذي أصبح يوليه الصحافيون الفلسطينيون في استعمال هذه التراكيب الجديدة في مقالاتهم، وحرص الأدباء على استعمالها في نصوصهم وإنتاجهم الأدبي، وبهذا نستطيع القول إن الصحافة الفلسطينية ساهمت بشكل فعال في تشكيل وتبلور ما يمكن أن نسميه الثقافة الوطنية الفلسطينية، من خلال الدور الكبير الذي قامت به الصحف في نشر المعرفة، وحماية مكونات الشخصية الفلسطينية من الاندثار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصحافة بلا شك قد احتلت موقعاً مهماً في سياق تطور اللغة العربية ورفدتها بعوامل استمرارها وتجددها كي تظل لغة نشيطة ومواكبة للتطورات المختلفة في المجتمع.

في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، اعتبرت سلطات الانتداب أن اللغة العربية هي اللغة الثالثة في فلسطين، بعد الإنجليزية والعبرية، وسخروا من العربية التي اعتبروها لغة لا تناسب المجتمعات المتطورة، وهذا ما وضع اللغة العربية في مواجهة خطر اضمحلالها وتراجعها، ومن أجل الضغط أكثر على العربية، أصدر الانتداب قراراً بضرورة المعرفة الجدية للغة الإنجليزية لكل من يرغب في تولي وظيفة من العرب.

وهنا مرة أخرى قامت الصحافة الفلسطينية بدورها في حماية اللغة العربية سواء من جانب الخطابات والمراسلات الحكومية، أو من جانب ما يمكن أن يسيء إلى اللغة العربية عبر الترجمة السيئة لكتب أو أعمال أدبية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.

وقد تصدى لمهمة الدفاع عن اللغة العربية مجموعة من الأدباء والكتاب الفلسطينيين، من خلال النقد المباشر أو تقديم نموذج للآخرين عبر الاستخدام الأمثل للعربية وكيفية توظيف اللغة في المقالات والتقارير والنصوص الأدبية.

أيضاً اهتمت الصحف الفلسطينية بنشر الأبحاث والدراسات التي قام بإعدادها عدد من الكتاب مثل السكاكيني والنشاشيبي، اللذين كانا يسافران خارج فلسطين لإلقاء المحاضرات حول اللغة العربية.

ختاماً، نستخلص من كل ما تقدم أن الصحافة الفلسطينية نشرت جميع الإنتاجات الأدبية، ووقفت إلى جانب المبدعين والأدباء والكتاب، وأسهمت بشكل قوي في نشر المفاهيم الحداثية فيما يتعلق باللغة أو بالحياة عموماً، ولها الفضل في نقل الأدب الغربي للقارئ العربي، ودورها المهم في بقاء واستمرار اللغة العربية وحمايتها وكذلك تطورها في مختلف المراحل التي مر بها الشعب الفلسطيني وصحافته وأدبه.

 

حسن العاصي

باحث وكاتب فلسطيني مقيم في الدنمارك

.................................

الهوامش:

[1] انظر: ديوان العرب، قسم الأدباء والكتاب الفلسطينيين، http://cutt.us/tebf4).

[2] انظر: مركز المخطوطات والوثائق الفلسطينية، http://cutt.us/nJCHi).

 

احمد عواد الخزاعيإرهاصات ما بعد الحداثة في أدب احمد خلف

رواية مابعد الحداثة إحدى نتاجات التغير الحضاري والفكري الذي طرأ على المجتمعات الإنسانية في الخمسين سنة الماضية، وهي عملية تمترس لجيل ما بعد اليقينيات اتجاه الأفكار والنظم الاجتماعية التقليدية والنظريات الكبرى. وقد عرفتها الناقدة الجزائرية النية بوبكر (هي الرواية التي  تخلّص فيها الإنسان من هيمنة السرديات الكبرى، واستبدلها بسرديات صغرى مرحلية ومؤقتة، وأدى ذلك إلى دمقرطة الرواية، حيث أصبحت الرواية فضاء حرا ومفتوحا على التجريب والتجديد شكلا ومضمونا، مما أدى إلى بروز أساليب جديدة مهيمنة كالتشظي والتهجين والمحاكاة الساخرة والميتاقص، بالإضافة إلى أساليب أخرى)1.

لكن على الرغم من هيمنة المفاهيم المابعد حداثوية على الرواية العربية لم يستطع السارد العربي من التخلص من رواسب الدين والتاريخ والتراث  والانسلاخ عن سردياته الكبرى التي شكلت ثقافته الحتمية، وتعكز عليها مجتمعه، فقد شكلت هذه الثلاثية هرماَ بنيويا تغلغل إلى أدق تفاصيل حياة الإنسان العربي، وخالط تصوراته ورؤاه عن سرديات كبرى أخرى، هي انعكاس بديهي لتعالقه مع هذا الموروث الديني والفكري، فالفكر الذي ينطلق منه السارد العربي  نحو القراء هو جزء من موروث ثقافي متصل لم يشهد أي عملية فك ارتباط في أي محطة من محطاته، بعكس عما حدث في الغرب إبان عصر النهضة الصناعية وعصر التنوير. فقد بقي الفكر العربي لقرون طويلة أسير تراثه وعجز إن إنتاج سرديات كبرى جديدة بإمكانها أن تبلور لمجتمعاتنا العربية صيغ للحياة  تكون قادرة على احتضان الإنسان وجعله القيمة الأسمى والهدف المركزي لها، والاهتمام بجزئيات حياته وإنتاج ثقافة مضادة للموروث الذي تسبب لكل هذا التخلف والنكوص عن ركب الإنسانية، ولم يبقى أمام النخب العربية من سرديات كبرى رئيسية، يمكن تداولها والخوض فيها أو التنظير لها غير الدين والتراث بعد تلاشي الفكر القومي وفكرة الوحدة العربية، وغياب المشروع الإسلامي الحضاري الموحد الذي يجمع المتناقضات في بوتقة واحدة ويواجه العالم المتحضر بنظرية دينية قابلة للتطبيق والتعايش بين المسلمين أنفسهم ومع الآخر. وقد صنف الناقد رايفين فرجاني السرديات الكبرى التي مرت بها البشرية إلى سبعة أقسام (الأدب، السينما، التصوير،المسرح، الألعاب، التاريخ، الخيال). أي انه حول الأدب والسينما والمسرح من عاكس ومعالج ومناوئ لتلك السرديات إلى منتج لها، ان مثل هكذا تصنيف ينم عن نظرة وجودية بحته لمفهوم السرديات الكبرى وطريقة التعاطي معها متجاهلا النظريات الأكثر تأثيرا في البشرية ومنها الأديان السماوية والوضعية والأيدلوجيات المنبثقة منها وعنها.

احمد خلف من الروائيين العرب الرواد الذين عاصروا زمن السرديات الكبرى الحديثة وإرهاصاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية على العالم والمنطقة العربية، ورافق عن وعي ثاقب نشوء الثقافات المضادة لها، وانخرط في هذا المشروع المضاد كغيره من الشباب العربي المثقف الذي شهد زمن التحولات الكبرى في المجتمعات العربية أواخر الخمسينيات  من القرن الماضي،  إلا انه بقي يعيش حالة ارتباط المشيمي مع تراثه العربي بكل تجلياته الدينية والفكرية والتاريخية، كون الذائقة الأدبية للبيئة الفعالة المحيطة به مازالت عالقة في هذا التراث، وتأثر بالأحداث الكبيرة التي رافقت مسيرته الأدبية من انقلابات عسكرية وثورات وحروب وانتكاسات غيرت الوجه العام للمجتمعات العربية وطرحت تحديات جديدة أمام الإنسان العربي المعاصر وانعكست نتائجها سلبا أو إيجابا عليه بصورة مباشرة.

في مجموعته القصصية الأولى (نزهة في شوارع مهجورة) الصادرة سنة 1974 في قصة (خوذة رجل نصف ميت) نجد ان احمد خلف قد انطلق من سردية كبرى وهي الحرب نحو سردية مضادة وهي تداعيات هذه الحرب على الإنسان العربي الذي وقع ضحية لها، الشاب الذي يعود من حرب عربية خاسرة بعوق جنسي، لايستطيع  مواجهة زوجته الفتية به. قصة (المحطة) يطرح لنا جدلية مثيولوجية أزلية رافقت البشرية منذ مهدها ولغاية الآن، حتى تحولت إلى سردية كبرى عند الكثير من الشعوب والطوائف الدينية وهي انتظار المنقذ، هذه السردية الكبرى التي أعطى لها الكاتب الايرلندي صاموئيل بكت حيزا كبيرا في مسرحيته (في انتظار غودو) نجد إن احمد خلف يعيد طرحها من منظور جديد، فبطله سلمان يجلس في المحطة كل ليلة بانتظار من يحمل شيء جديد له، شيء يمكن أن يغير بعض تفاصيل حياته، وينتشلها من رتابتها، ويحقق له بعض أحلامه، التي تمثل (سرديات صغرى)،  لتنتهي القصة بنوع من الكوميديا السوداء.  قصة نزهة في شوارع مهجورة (قضية الموت والغواية) تناص سردي مع هاملت ومشهد حفار القبور، الموت احد السرديات الكبرى التي شغلت البشرية الى وقتنا الحاضر ولم تستطع تجاوزها على إنها حتمية وجودية لابد الوصول إليها كنهاية مطاف لمسيرة أي فرد على هذه الأرض. جنازة محمولة على الأكتاف بطريقها إلى المقبرة أمام هذا المشهد الأسطوري المهيب، تنبثق سردية مضادة تتغلغل إلى النفس الإنسانية ورغباتها، حين تظهر فتاة، يقع في غوايتها احد المشيعين، مشهد هو اقرب الى المسرح منه إلى السرد أصوات مجهولة تقرر طريقة قتله كونه وقع بالمحظور، فوضى فكرية، وعبثية أبدية يدور في فلكها الإنسان المعاصر، في محاولته للبحث عن إجابات يقينية.

يشرح الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ليوتار الفرق بين السرديات الكبرى والسرديات الصغرى، (أن الأولى تقدم نفسها على أنها منظومة فكرية وقيمية عامة تفسر الطبيعة والمجتمع بصورة شمولية ونهائية وتنزع نحو الهيمنة والإقصاء، بينما توظف الثانية لإطلاق أحكام قيمة على أحداث منفصلة ومعينة ضمن إطار زماني ومكاني محدد، ولا تدعي لنفسها صفة الشمولية ولا النهائية المطلقة. فالسرديات الصغرى تسمح للباحث نقد وتقويض إدعاءات وتحيزات السرديات الكبرى، وتمنحه، في الوقت نفسه، الأدوات المعرفية لتحليل الظواهر الاجتماعية والتاريخية من دون "إنشاء تأويل تفسيري جديد" قد يتحول مع الوقت والأحداث إلى سرديات كبرى بديلة) 3.

في روايته (الحلم العظيم) الصادرة سنة 2009 والتي تناول فيها فترة حرجة في تاريخ العراق الحديث، تمثل ذروة الصراعات الأيدلوجية على المستوى الإنساني والمستوى العراقي الداخلي، وهي محاولة لفهم العلاقة بين الوعي والوجود في خضم التزاحم الفكري الذي كان سائداَ آنذاك.  شاب مثقف يكتب القصة القصيرة، الذي لم يجد لها سبيلا للنشر في الصحف والمجلات، يعيش فوضى اجتماعية ونفسية مصاحبة لوعي استثنائي، يرافقه شبق جنسي غير منضبط، يفسر طبيعة هذه الشخصية القلقة ومعالمها، هذه الرغبة الجنسية العارمة، دفعته إلى أن يصبح عشيقا لزوجة أب صديقه المقرب، وحبيباَ لأخت ذلك الصديق في نفس الوقت، وعشيقا لجارتهم الجميلة، هذا الجموح قاده إلى الوقوع بالمحظور، حين أقدم على قتل زوج جارتهم الجميلة، طمعا بها، وبأموال الزوج المغدور، التي يخفيها في مكان ما في داره، كما أخبرته الزوجة الخائنة. كانت  حركة البطل وأرائه وتصوراته الشخصية، عن الأحداث السياسية والاجتماعية الدائرة من حوله، تمثل وجه من أوجه الصراع بين الموروث القيمي بسردياته الكبرى، وبين سرديات صغرى تمثل، جموح النفس الإنسانية ورغباتها وتصوراتها عن الواقع المعاش، فقد كان البطل أنموذجا للمثقف الستيني، الذي عاصر أهم التحولات السياسية والفكرية والاجتماعية، التي مر بها العراق الحديث، وتأثر بالفلسفات الوجودية والمادية والجدلية التشكيكية، والأفكار التحررية القادمة من الغرب (أفكار وتحولات ما بعد الحداثة) والتي هيمنت على الفكر الإنساني آنذاك، واعتنقها معظم الشباب العراقي في تلك المرحلة، كما في حديث البطل مع نفسه في إحدى المشاهد الصامتة (أنا أفكر فانا موجود، ليس ديكارد أفضل مني حين يفكر جادا انه موجود، من خلال التفكير الذي يميزه عن الحيوان).. كان هذا البطل يعيش صراعا فكريا ونفسيا حادا، بين ما يمكن أن يمثله من قيم وأخلاقيات إنسانية سامية، من خلال نشأته وموروثه البيئي وما يكتبه من نصوص قصصية، وبين حياته العبثية المنقسمة على نفسها، في فوضى العلائق المحرمة، وحب لا يجد له طريق، بين ركام الغرائز المحاط بها، لذا كانت الإشكالية الكبيرة التي يعانيها هي : عن ماذا يكتب؟ ولمن؟ وكيف؟ وهل يحق له الكتابة عن المثل العليا؟ ..(عن أي شيء تريد الكتابة، ومن اجل من سوف تسود الصفحات الطوال؟ عن الحبيبة المستحيلة أم عن الزوجة الخائنة؟ وهل لك مقدرة على ترك مئات الناس الذين يتضورون من الجوع والآلام والاضطهاد أيضا؟ مع من سوف تقف؟).

كان هذا الصراع يتجسد في النص، عبر حوارات ومشاهد صامتة، ومنولوجات داخلية، يعيشها البطل بمعزل عن محيطه البيئي، في عملية بحث مضنية عن ذاته، جدوى وجوده، وماذا يريد، لتشكل هذه التداعيات ردة فعل سلبية لديه، عن حياته الفوضوية وواقعه الاجتماعي المزري، الذي ظل يبحث عن وسيلة ناجعة للخلاص منه (واحسرتاه على أيامي الضائعة، في هذه الطرق المغبرة، والأزقة المليئة بالبرك الأسنة، بالمياه، والبيوت التي يكاد بعضها يتهدم). الحلم العظيم هي رواية الأسئلة المحيرة والمفتوحة على المجهول، وهذا الأسلوب قد اعتاد عليه احمد خلف في معظم نصوصه السابقة، فهو يعمد على إشراك القارئ بصورة فعلية في أن يجد حلول للإشكاليات التي يثيرها نصه، وفق نظرة حداثوية لبناء نصه الروائي، الذي يبقى مفتوحا إلى مديات تتجاوز إنهاء قراءته، لذا نجد أنفسنا كقراء، أمام أسئلة بحاجة إلى أجوبة بقدر أهميتها وهي:

هل كان الحلم العظيم، هو حلم البطل المؤلف بان يصبح كاتبا مشهورا يشار إليه بالبنان؟ وهناك مؤشرات تشير إلى هذا المنحى، وهو سعيه الدءوب الذي وظف له كل إمكانياته الفكرية والثقافية، ليصبح كاتبا مشهورا، حتى أطلق عليه الروائي اسم (المؤلف).. أم إن الحلم العظيم، هو ذلك الكابوس الذي رافق طيلة النص، واحتل معظم مساحته، وشكل بعدا رابعا له، حين أقدم البطل المؤلف على قتل زوج عشيقته، طمعا بماله المخبئ؟ فهل كل ما حدث هو مجرد وهم، وحكاية من وحي ألف ليلة وليلة؟ كما في الحوار الذي دار بين البطل والزوجة الخائنة:

- ماذا تفعل لو كان الأمر كله مجرد حكاية ترويها لك امرأة مجنونة.

ضحك:  - وما الذي يجمعني بالمجانين؟

- لا اقصد مجنونة العقل . بل تهوى رواية الحكايات.

هذه التساؤلات جعلت من نهاية الرواية، تبدو عائمة مفتوحة نحو خواتيم حكائية أكثر اتساعا وتعقيدا، فقد مثلت الخاتمة بداية أخرى لحراك سياسي واجتماعي لا يختص بالبطل وحده، بل بالعراق بأكمله، كونها غضت الطرف عن الأحداث والمشاكل الاجتماعية الخاصة والشائكة التي خلفها البطل وراء ظهره، حين قرر الذهاب إلى معتقل مدينة الحلة، لرؤية أصدقاءه، ومعلمه الشاعر (مظفر النواب)، وبقيت جميعها معلقة وتتجه نهاياتها نحو المجهول، وأوكل احمد خلف للقارئ مهمة البحث عن مخارج منطقية لها (لم يتوصل إلى قرار حازم بشان كل شيء يدور من حوله، هنا في هذا المكان، أو هناك في مدينة الحرية).

عرف ادوارد سعيد السرد على انه (تشكيل عالم متماسك متخيل، تحاك ضمنه صور الذات عن ماضيها، وتندغم فيه أهواء، وتحيزات، وافتراضات تكتسب طبيعة البديهيات، ونزعات، وتكوينات عقائدية يصوغها الحاضر بتعقيداته، بقدر ما يصوغها الماضي بتجلياته وخفاياه.. كما يصوغها، بقوة وفعالية خاصتين، فهم الحاضر للماضي وإنهاج تأويله. ومن هذا الخليط العجيب، تُنسج حكاية هي تاريخ الذات لنفسها وللعالم، تُمنح طبيعة الحقيقة التاريخية، وتمارس فعلها في نفوس الجماعة وتوجيه سلوكهم وتصورهم لأنفسهم وللآخرين، بوصفها حقيقة ثابتة تاريخيا. وتدخل في هذه الحكاية، أو السردية، مكوّنات الدين، واللغة، والعرق،    والأساطير، والخبرة الشعبية، وكل ما تهتزّ له جوانب النفس المتخيلة)4 .

في روايته (نداء قديم)  قدم لنا احمد خلف أنموذجا سرديا اخر امتزج فيه الماضي بالحاضر والواقع بالدين والأسطورة. تبدأ هذه الرواية القصيرة أو القصة الطويلة بمدخل فلسفي يغوص في أعماق الذات الإنسانية، ويمهد لأحداث دراماتيكية سوف تطغى على المشهد العام للنص.. (في أول المساء، تحرك القطار وغادر بلدتنا النائية كعادته كل يوم، ثمة غيوم تحوم فوق رؤوسنا المشتتة البال، غيوم تتعدانا وتمضي إلى الناحية الأخرى، غيوم سود تخيم على يدي وأطراف جسدي، خفت أن تتساقط أطرافي واحدا اثر الآخر، كل شيء جائز ويمكن أن يكون، سأحتفظ بيدي إلى النهاية).. مشهد يصور سردية كبرى لأزلية الوجود وهي لحظة مغيب الشمس بكل ما يحمل هذا المشهد من تأثيرات سيكولوجية تبعث على الإحساس بالغربة والوحدة والوحشة والأفول، كونها نقطة الشروع للظلمة وتأثيرها على الفطرة البشرية بوجه عام، ليرتبط هذا المشهد المهيب بتحرك القطار مغادرا البلدة إلى أصقاع مجهولة لم يشر إليها الروائي، على الرغم من تكرار هذه الرحلة لعدة مرات في النص، قطار قادم من المجهول يتوقف عند بلدة نائية كما اسماها الروائي، لا يُعرف مكانها، ويغادر إلى المجهول، نص سردي غاب عنه عنصري الزمان والمكان، ارض افتراضية انبثقت من العدم يمر بها قطار المساء ويغادر مسرعا، وكأنها رحلة الحياة وما هذه البلدة إلا محطة موحشة من محطاتها، التي قرر البطل السارد ان يحافظ بها على  يديه حتى النهاية.

ويتكرر هذا الزخم من المفردات في ثنايا الرواية بشكل ملفت للنظر، ينم عن قصدية يكمن ورائها كاتب محترف يعرف ماذا يريد ان يقول، والى اين يسير بالقارئ، فنجد معظم الأشياء في هذه البلدة مسرح أحداث الرواية لها مدلولاتها المادية والنفسية، (أسماء الأشخاص، القطار، النهر، الغجر).. كلها تمحورت حول حدث محوري استند عليه الروائي في بنائه الهرمي لنصه، وهو مقتل (يونس الغطاس) تلك الميتة الغامضة التي دارت حولها عدة فرضيات تركت مفتوحة دون الجزم بإحداها.

(يونس الغطاس) الذي حمل اسمه رمزية تعيش في حالة من التناقض مع نهايته المأساوية، حين افترض مقتله على يد امرأة غجرية تدعى (الحوت)، ووجد غريقا في نهر البلدة، هذه المقاربة المثيولوجية المستمدة من سردية كبرى، الدين والتراث نراها تتكرر كثيرا في كتابات احمد خلف ويوظفها بطريقة تخدم البعد الاجتماعي والإنساني والفلسفي ليثمة نصوصه،  تجعل من القارئ في حالة تناغم معها ضمن اطر انتمائه الديني والعقائدي، يونس النبي الذي التقمه الحوت ونبذه في العراء ويونس الغطاس الذي ابتلعته المراة الغجرية (الحوت) وألقته في النهر، كما اخبر العجوز الغجري اهل البلدة.. (عندنا امرأة نسميها الحوت لكثرة ما ابتلعت من عشاق، عاشقها لا يستمر معها طويلا، اما تراه يهرب من جورها الجنسي او يموت او يقتل).

في بلدة نائية يقرر مجموعة من الأصدقاء الانعزال عن سكانها في كوخ صنعوه لهذا الغرض، يقضون فيه أمسياتهم بمعزل عن عيون المتطفلين، فيختارون مكانا أكثر انعزالا ووحشة من بلدتهم (البطل السارد، مزهر القصاب، زامل أبو الخواتم، أيوب، حامد النجار، فاروق الأسود)، هؤلاء الرجال حمل بعضهم رمزية لظواهر اجتماعية متناقضة، جمعهم الشعور بالضجر، يقرر بعضهم الأخذ بثار صديقهم (يونس الغطاس) من الغجر بعد أن طفت جثته على سطح النهر، في مشهد يمثل انتقالة تكنيكية سردية قريبة من مفهوم (مسرح العبث) عبر حوارات مقتضبة بين أناس معظمهم مجهولي الهوية يتبادلون عبارات ذات مضامين فلسفية مبهمة، تمثل جزء من ثقافة الضد وإشكاليات الإنسان المعاصر، وتساؤلات لا تنتظر الإجابة، وهم يقفون على ارض مجهولة، على ضفاف نهر مجهول في زمن غير معلوم، انه الحوار لأجل الحوار، والتعبير عما يدور في خلجاتهم وانطباعاتهم عن ذلك المشهد المأساوي لجثة  يونس الغطاس  ..(لم تمض الجثة في سيرها البطيء أمام أبصارنا حتى انقلبت على ظهرها ثانية، ليكشف عن انتفاخ واضح وكدمات في جوانب متعددة من الجسد، مما أثار غضب الناس، وحرك هياجهم واستفز عواطفهم تجاه يونس الغطاس:

-لا خير في نهر لا يحمي أهله.

وصاح صوت يجهش بالبكاء:

- نحن لا نخجل من أنفسنا.

وهنا يطرح الروائي نظرة مغايرة للمألوف، وجدلية يتقاطع فيها مع بديهيات أنتجتها الذاكرة المعرفية الإنسانية، ويسجل موقفا مختلفا (لسردية كبرى) لما عرف عن (النهر) الذي يعد مصدرا أزليا للخير والعطاء ومصدر من مصادر الحياة المهمة، ونشوء الحضارات الإنسانية،  حين يصور لنا النهر رمزا للموت والخوف والغدر..(قال أيوب: كان يونس الغطاس يقول لي: أنا لا أحب النهر بل أخشاه إذا أردت الحقيقة.. النهر الساحر الملعون يغري البلهاء من الناس وأنا لست أبلها). في روايته (محنة فينوس) كان الأسطورة أساس لهرمية النص ومنطلقا مثيولوجيا يستمد وجوده من سردية كبرى، هي الإلهة والأساطير نحو سرديات صغرى تتعلق بمشاكل الإنسان العراقي المعاصر في ظل الحروب والانتكاسات والأزمات، وقد تحدث احمد خلف عن روايته هذه خلال لقاء صحفي نشره موقع إيلاف (هذه الرواية في الحقيقة استعارت من الأساطير الإغريقية مجموعة من الثيمات إشارات ودلائل عبر حبكات قصيرة استطاع المؤلف أن يبتدع بعضها ضمن افتراض خيالي في إنها حدثت لمجموعة من الإلهة الإغريقية ولكن توظيف الأسطورة في هذا العمل الروائي ليس من اجل كتابة رواية أسطورية، بل تم استخدام الأسطورة من اجل الرواية التي تعتمد اسطرة الواقع عبر الزمن بأبعاده الثلاثة تكون فيها حصة الماضي مختزلة بهيمنة الحاضر الذي يرشح مزيدا من الإشارات والعلامات التي تأخذ قارئ الرواية نحو آفاق جديدة غير ما أنتجه الماضي أو ما يدفع به الحاضر من إفرازات، لهذا.. فالرواية محنة فينوس بقدر ما هي ذات صبغة ماضوية فهي تستشرف المستقبل وتدين حاضرها بعد فضحها لماضي الأيام التي مرت وهي محملة بعذابات لا يحتملها جمل، عاشها الناس هنا في هذه الرقعة الجغرافية المباركة من العالم) 5  .

تميزت الرواية السبعينية في العراق، بسعة افقها، وتشعب القضايا التي تناولتها، وخروجها عن الحيز المكاني والأفق الأيدلوجي للبيئة المرافقة لها، وتعدد الأنماط السردية والفكرية التي تناولتها، كونها تماشت مع النهضة الفكرية والثقافية التي كانت تجتاح المحيط العربي آنذاك، وتوحد القضايا المصيرية التي تشغل الرأي العام فيه، بغض النظر عن الانتماء العرقي والديني والطائفي، و قد انعكس هذا على الوجه العام للأدب العربي، وتأثر به السرد العراقي بصورة كبيرة، فنجد معظم روايات تلك المرحلة طغى على وجهها العام النضوج في الطرح، وعمق القضايا التي تناولتها وشموليتها، وانشغالها بسرديات العرب الكبرى (الوحدة العربية، لتنمية، القضية الفلسطينية، ومناصرة حركات التحرر في العالم الثالث) .. هذا التوجه خلق نوع من الوئام بين الكاتب ومجتمعه، فأنتج هذا الوئام، نصوص سردية يكون فيها البطل كمحصلة نهائية، في حالة تصالح مع بيئته، ويمتلك نظرة ايجابية اتجاه محيطه الاجتماعي، بعكس السرد الستيني الذي تميز بالعزلة الفكرية التي تفرض نفسها على البطل بسبب التباين الثقافي بينه وبين بيئته الاجتماعية، وانزوائه مع رؤاه وأفكاره الخاصة عبر ثقافة مضادة جعلت منه لا منتمياَ، إضافة إلى إن السرد في سبعينات القرن الماضي، تفرد بالحرص الشديد من الكاتب على أن يكون السياق العام للإحداث، ضمن نسق فكري مقيد بثوابت اجتماعية وسياسية لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها .. وتعد رواية (الخراب الجميل) للروائي احمد خلف، والتي كتبت بين عامي (1977- 1979) وصدرت عام 1981 أنموذجا متقدما لهذا النمط السردي في تلك المرحلة.. تناول فيها الروائي ثيمة تتلائم مع الانزياحات  الفكرية والاجتماعية والسياسية التي كانت تهيمن على العقل الجمعي العراقي، فاختار مجموعة من الصحفيين العاملين في مجلة حكومية ليشكلوا (البنية التكوينية  للنص) كما عبر عنها الناقد لكولد هان.. (محمود، مها، ليلى، يوسف، خالد)، هؤلاء النخبة المثقفة زجهم احمد خلف في مقتربات عاطفية وتقاطعات فكرية ونفسية، أنتجت نصا ناضجا غنيا بالدوال الحسية المفعمة بالأمل والتطلعات الجميلة والمنتجة، فكان الصحفي (محمود)، ابن العائلة البسيطة المهاجرة من الريف إلى المدينة، محور هذا النص والبطل الإشكالي، الذي يعشق أكثر من فتاة في آن واحد (ليلى، مها، جيني)، ويعاقر الخمر بنهم،  ويكرر تأجيل مشاريعه المهمة والمفصلية في حياته الأدبية والمهنية، والذي تربطه علاقة متذبذبة مع أسرته.. هذه الشخصية المستديرة (الديناميكية) كما أطلق عليها  (فوستر)، هي شخصية نامية ثلاثية الأبعاد، تتميز بقدرتها على التطور في سياق الفعل، وغناء الحركة داخل العمل السردي، وقدرتها العالية على تقبل العلاقات مع الشخصيات الأخرى، فكان عشقه  للمسرح وليلى، عاملان رئيسيان مؤثران في حياته، وفي تحديد ملامح سلوكه الاجتماعي وتعاطيه مع الآخر، أو كما عبر عنهما الناقد عبد الإله احمد (القوى الكبيرة المؤثرة في حركة البطل داخل النص)6  .. هذا العشق قد تماهى مع شخصيته الشجاعة والمغامرة والمعقدة (لا يمكنه أن يركز عند شيء معين، كل شيء متغير ولا يستقر عند مرساة قط).. هذه الصورة المتغيرة التي يمتلكها البطل محمود عما يدور حوله ويحيط به، خلقت نوع من التدرج الفكري والعاطفي لديه، فنجد انتقاله خلال سياق النص من إدانته لنفسه، إلى البحث عن حلول لهزائمه، وفق تسلسل حكائي تضامني، وقد انعكس هذا النسق السردي (التسلسل الموباساني) على أبطال الرواية الآخرين، فنجدهم قد وصلوا إلى نهاياتهم وتحددت مصائرهم، وفق أحلامهم ورؤاهم الشخصية وتطلعاتهم .. وقد زج احمد خلف نوع جديد من الصراع القيمي طرأ على المجتمع العراقي كنتيجة طبيعية لحركة التاريخ والتطور الحضاري والفكري الذي شهده العراق في تلك المرحلة، هذا الصراع بين السرديات الرئيسية الكبرى (الدين والعرف والموروث البيئي وعادات وقيم الريف) من جهة، والواقع المادي والحضاري للمدينة من جهة أخرى، الذي مثل ثقافة مضادة، تجسد في قرار (خيرية) زوجة شقيق محمود بالعمل في أحد معامل الخياطة، هذا القرار الذي افرز هذا التباين والتقاطع بين قيم البيئتين، حين رفضت أسرة زوجها هذا القرار وحاربته بكل السبل، إيمانا منها بخطأ وكارثية هذا القرار على سمعتها، وعاداتها وأعرافها التي ما زالت متشبثة بجذورهم الريفية، التي ترفض مثل هكذا نوع من الاختلاط بين الرجل والمرأة.

ربما أنتج الحراك الشعبي في بعض البلدان العربية، والذي أطلق عليه (الربيع العربي) واحتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في ربيع 2003 شكلا من أشكال السرديات الكبرى التي غيرت في طبيعة النظم السياسية التقليدية العربية، وأفرزت واقعا سياسيا واجتماعيا جديدا، انعكست نتائجه على المواطن العربي سلبا أو إيجابا، وساعد هذا التغيير على ولادة أدبا جديدا، تمتع بفسحة وحيز اكبر للتعبير عن مشاكل الإنسان العربي وهمومه واحتياجاته، وبرز هذا النوع من الأدب في العراق بشكل ملحوظ بعد أن تخطى الأديب العراقي حاجز الممنوع والبوابات السوداء التي كانت تعيق أي عمل أدبي لاينسجم مع رؤى وتوجهات النظام الحاكم آنذاك، ونشأ بما يعرف (أدب مابعد التغيير) الذي أماط اللثام عن سوداوية الحقبة السابقة من تاريخ العراق الحديث، وتعامل مع الواقع الجديد بوعي وحرية مطلقة، في مواجهة الفساد والإرهاب والانفلات الأمني والفوضى التي أنتجها الاحتلال. وقد عبرت عن ذلك الناقدة سمية العزام (إن التعامل مع الواقع كما هو يحيلنا إلى التعامل مع النص بوصفه حدثًا نتجاوز معه التجريد والتنظير الماقبلي، وهو النص السرديّ العربيّ تحديدًا، بات في بعض اتّجاهاته، يتأثّث من الحالات الراهنة المفتوحة على التوقعات، ويرصد برامج سرديّة لحركات مطلبيّة لتجمّعات وجماعات من الحراك الشعبيّ المدنيّ تبتغي تحقيق مطالب معيّنة لا تحمل الطّابع الشمولي، ولا تنحو باتّجاه أن تتحوّل إلى أيديولوجيا ثابتة، وتاليًا، إلى سرديّة كبرى) 7. وهذا المنحى السردي يتجلى بشكل واضح في رواية (تسارع الخطى) الصادرة سنة 2014  فهي إشارة واضحة إلى حجم السوء الذي طرأ على المجتمع العراقي بعد الاحتلال بسبب الإرهاب والفساد الإداري والمالي والانفلات الأمني الذي شهده، تبدأ الرواية بصوت أنثوي، ينبثق من وحشة المكان، ورعب اللحظة التي كانا يعيشهما بطل الرواية (عبد الله)، وهو يعيش محنة الخطف من قبل أناس مجهولين لديه، كان الكلام قد حمل بعدا فلسفيا وإيحائيا عميقا، تجاوز ثقافة المتكلم والبيئة الاجتماعية التي نشأت فيها، ومستوى وعيه وإدراكه وفهمه، حتى يعتقد القارئ انه صوت صادر من عالم آخر، وليس من فتاة صغيرة تعمل خادمة في بيت الدعارة الذي احتجز فيه رهينة.. لكننا ندرك بعد حين، كغيرها من الفخاخ التي وضعها لنا الروائي، إن هذه الفتاة في إحدى صورها، ما هي إلا رمزية غارقة في التعقيد لشريحة واسعة من مجتمعنا تعاني الاستلاب، مغلوبة على أمرها، منقادة لأقدارها بصورة قسرية، تبحث لها عن متنفس لتطلق صرختها الاحتجاجية على كل ما هو قائم.. (أي خديعة قادك إليها أيها القدر مرغما؟ كم من السنوات ضاعت وتلاشى بريقها الان؟ في أي شارع أو زقاق منسي التقطوك وأرغموك على المجيء معهم..).

يسلط احمد خلف الضوء في روايته هذه على جزئية مهمة، تمثل احدى أوجه الثقافة المضادة، اتجاه مثل هكذا تحولات كبيرة وخطيرة في البنية السياسية والاجتماعية العراقية، وهي  أزمة المثقف العراقي، حيث  شكلت أزمة المثقف، النافذة الرئيسية التي أطلت بالقارئ على المشكلة السياسية والاجتماعية والاقتصادية القائمة في عراق ما بعد 2003، عبد الله الفنان والكاتب المسرحي، كان يمثل رمزا للقوى الناعمة التي فقدت بوصلتها في خضم فوضى الشد والجذب بين، القوى السياسية من جهة، والإرهاب والفساد من جهة أخرى..(إذن أنت المسرحي الذي يحرص البعض منا على العثور عليه، ماذا تقول في مسرحياتك؟ هل تتحدث عن النساء الجميلات؟ أم عن التجار المفلسين؟ وعن حرامية الكهرباء؟ عن أي شيء تتكلم في مسرحياتك؟ أم تتحدث عن الخطف والاغتيال وسرقة المال العام؟).

وهذا المنحى السردي نجده حاضرا أيضا وبقوة في روايته (الذئاب على الأبواب) الصادرة سنة 2018 . نص يخاطب الضمير الإنساني ويسلط الضوء على حقبة مهمة من تاريخ العراق الحديث، أراد من خلاله أن يبين احمد خلف حجم المأساة التي عاشها بطله والذي يمثل أيقونة لشريحة مهمة من الشعب العراقي عاشت محنة الفوضى بعد الاحتلال الأمريكي، مستعينا بأكثر من راو ليغطي تلك المساحة الكبيرة المفتوحة على الفوضى والقتل والخوف والفساد بكل أنواعه وأشكاله.

كان يوسف النجار بطلا إشكاليا حسب تصنيف (لوكاش) 8 . يعيش الماضي والحاضر برؤية هي اقرب إلى الهذيان في بعض محطات حياته، لكنها اتسمت بالغالب بوعي قائم رافض لكل ما هو حوله، استطاع من خلاله البطل تشخيص كل مواطن الخلل التي أدت إلى هذا التداعي والسوء في الوضع العراقي، فقد جعل احمد خلف من بطله شماعة علق عليها آرائه وتصوراته عن الشأن السياسي والاجتماعي والاقتصادي العراقي الحالي، وانتقد الوضع الذي نشئ بعد الاحتلال الأمريكي بجرأة ومصداقية عاليتين، وهذا هو دور الأدب الحقيقي في الحياة، كما عرفه المفكر الفرنسي فرنسيس ايغلتون(بوصفه أيدلوجية واعية تعمل من اجل إعادة بناء النظام الاجتماعي في سنوات التمزق الاجتماعي والانهيار الاقتصادي والاضطراب السياسي الذي يلي الحروب)9. يوسف النجار المواطن العراقي صاحب التاريخ المليء بالمفارقات الاجتماعية، ورب أسرة صغيرة تتكون من زوجة وابنة، وجد هذا الشخص نفسه وحيدا بعد أن فقد أسرته بتفجير منزلهم من قبل مجموعة مسلحة مجهولة، ثم ما لبث أن أصبح مطاردا من قبل تلك المجموعة المسلحة لأسباب غامضة ومجهولة، يجبره هذا الوضع الشائك على العيش بطريقة متخفية متوجسا من كل ما حوله حتى (عبير) المرأة الأربعينية التي ظهرت في حياته فجأة والتي كانت تمثل ذكرى من حياة جامعية جميلة مرت به قبل عقود.

هذه المتوالية الحياتية الصعبة في حياة هذا المواطن العراقي استثمرها احمد خلف ليفتح فوهة قلمه على كل ما هو سلبي في المشهد العراقي القائم، حتى استطال نصه إلى أكثر من ثلاثمائة صفحة كان معظمها يمثل نظرة أحادية بنيوية ناضجة، فككت الوضع العراقي وشخصت مواطن الخلل فيه بوضوح.. ليُنهي روايته الماراثونية بان يختار لبطله المواجهة مع أعدائه المفترضين بديلا عن التخفي والهروب، في مشهد دراماتيكي تُرك مفتوحا عائما على عدة احتمالات وتوقعات، غير إن هذه النهاية تشير إلى أن (الذئاب على الأبواب) قد استنزفت من الروائي الكثير على الصعيد النفسي والعاطفي، وأجهدت مشاعره وأحاسيسه ككاتب كبير يحمل مسؤولية تاريخية اتجاه قلمه وبلده (تيقن من وضع سلاحه تحت طيات ثيابه قام بفحص السلاح الناري قبل الهبوط نحو الأسفل تأكد من وجود أطلاقات داخل السبطانة أعاد مسدسه ورتب هندامه، أغلق الباب وراءه وهبط لملاقاة الرجلين استجابة لتحديهما العنيد). هذه  النبوءة لأحمد خلف بأن المواجهة قادمة لا محال بين القوى الناعمة والطبقات الفقيرة من الشعب العراقي التي تنشد العدل والإصلاح، التي تمثل ثقافة الضد، وبين قوى الفساد التي تسترت بلباس الدين والوطنية.

كانت رواية (موت الأب) الصادرة سنة 2002 هي المؤشر الحقيقي لقدرة أدب احمد خلف على التعاطي مع السرديات الكبرى المؤثرة على مجتمعه، وطريقة التصدي لها، بطرقة غير مباشرة، اذا ما أخذنا بنظر الاعتبار إن هذه الرواية كتبت في زمن النظام السابق ولم ترى النور إلا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، لذلك كان احمد خلف ذكيا في التعبير عن مشاكل مجتمعه آنذاك، بطريقة تنم عن امتلاكه لسعة أفق كبيرة، وإخضاعه البنية الاجتماعية العراقية في زمن الحروب والحصار الاقتصادي وتداعي مفهوم الدولة إلى مشرطه الفكري والمعرفي، وقيامه بعملية تشريح دقيقة للكم الهائل من المشاكل السياسية والاجتماعية والنفسية التي نخرت المجتمع العراقي كنتاج طبيعي للحروب والأزمات التي لازمت تاريخ العراق الحديث، وقيامه باستشراف المستقبل عبر نبوءة سياسية خطيرة كان تحتاج للبوح بها إلى شجاعة كبيرة من قبل الروائي، وهي اقتراب نهاية النظام الحاكم، فقد كانت دلالة الطائر الأسود في الرواية،  تشير إلى نذر الحرب التي كانت تلوح في أفق العراق وبداية النهاية للرئيس، والعم نوح إشارة إلى القوى الوطنية التي سحقها النظام، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار إن هذه الرواية كتبت بين عامي (1995-2000) كان فيها العراق على شفا حرب مدمرة وحصول تداعي كبير في البنية الاجتماعية والسياسية له، حتى أطلق الروائي على هذه الفترة (بزمن الحيوانات)، في حوار بين الابن وصديقه (لقد عشت معه زمن يليق بالحيوانات)،  وفي موضع آخر (ستكون شاهدا على زمن الحيوانات)، إشارة إلى حالة التدجين القسري التي مورست على الشعب العراقي آنذاك.

أخذت السرديات الكبرى الرئيسية (الدين والأسطورة والتراث) حيزا كبيرا من أدب احمد خلف، من خلال (الأسماء، الاستعارات اللفظية، المقاربات القصصية، التناص المعرفي للشخصيات) وهذا أمر طبيعي، كون لا يمكن تجريد الكاتب من محيطه البيئي والديني الذي يفرض نفسه عليه، فقد قام باستحضارها برمزيتها التاريخية وإسقاطها على الواقع المعاش بطريقة بنيوية تفكيكية، تتغلغل إلى أدق تفاصيل حياة الإنسان المعاصر، ليشكل منها سرديات صغرى تعنى بالإنسان ووجوده.

 

احمد عواد الخزاعي

............................

المصادر :

1- رواية مابعد الحداثة وبدالاتها السردية (مقال) \ الناقدة الجزائرية النية بوبكر.

2- السرديات الكبرى: التجليات الثقافية الأهم في مسيرة البشر عبر التاريخ (مقال) \  رايفين فرجاني.

3-  حالة مابعد الحداثة  (كتاب) \ فرانسوا ليوتار

4- الثقافة والامبريالية  (كتاب) \  ادوارد سعيد

5- احمد خلف صرح سردي للعذابات العراقية \ لقاء عبد الجبار العتابي \ موقع ايلاف

6- نشاة القصة وتطورها في العراق  (كتاب) \ عبد الاله احمد

7- من السرديات الكبرى الى السرديات الصغرى تصور مغاير (مقال) \ الدكتورة سمية عزام.

8- الرواية التاريخية  (كتاب) \جورج لوكاش

9- نظرية الادب  (كتاب) \ تيري فرنسيس ايغلتون

 

 

جبار ماجد البهادلييقول الفيلسوف الألماني الوجودي (هايدجر): " إنّ اللّغة أخطرُ النّعمِ"، وتكمن الخطورة بحسب مدلولات هذا التوصيف، في توظيف إيجابياتها غير المحدودة وسلبياتها التأثيرية غير المحمودة التي تقع على الأديب المُرسل والمتلقي المُرسل إليه، في تكثيف الخطاب اللُّغوي وتجميله.

والخطاب النصّي الإنساني خطاب شمولي أيّاً كان نوع جنسه الأدبي، شعرياً أم نثرياً، وهو بمجمله خطاب لغوي بامتيازٍ، كونه  ظاهرةً كونيةً  أكبر -إشارياً وصوتياً- دالاً عن الحياة الاجتماعية والثقافية لفكر الإنسان في شتّى أرجاء الكون. ولا نختلف هنا في هذا المقام التوضيحي مع منظور ابن جنّي في حدِّ تعريفه  الموجز لمفهوم اللّغة، "بأنها أصوات يعبِّر بها كلُّ قومٍ عن أغراضهم ".

وقد تكون اللّغة نسقاً إشارياً صريحاً كما نفهمها من قول الجاحظ المأثور: "وربَّ إشارةٍ أبلغُ من عبارةٍ" في التعبير الأسلوبي البلاغي، لأنّ الإشارة تُغني بدلالاتها الموحية عن العبارة، ومن غير شكٍّ أنّ أدوات هذه اللّغة هي الألفاظ الدالة على ذواتٍ ومعانٍ، لأن لكلّ ذاتٍ، وكلِّ معنىً لفظاً أو أكثر من لفظٍ يوضّح له عند التعبير. وهذا يشي القول بأنّ دلالة ألفاظ الكلام لها وجهان في التعبير عن المدلولات الذهنية، الوجه الأول: فإذا كان الدال من الألفاظ التي يعبّر بها عن المعنى باللفظ الذي وضع له في الكلام حينئذٍ يسمّى حقيقةً. والوجه الثاني: إذا كان الدال من الألفاظ التي يراد به غير المعنى الذي وضع له في أصل حقيقة اللّغة، فيسمّى الكلام حينئذٍ مجازا أو تعبيراً مجازيا لغوياً. لأنّ اللّغة -أساساً- هي رموز تعبّر عن فكر الإنسان الخلّاب، وهي ليس وعاءً لفكرةٍ ،أو هي كساء يُسربله، بل هي أدة المبدع أكان شاعراً أم ناثراً؟ وهي وسيلته التعبيرية الشاخصة الأولى في الكشف والتجديد والتعريف والتبيان والإفصاح عن المبهم من مكنونات اللّغة وخزائن دُررِّها المعرفية العميقة.

وفي ظلّ هذا المنظور اللّغوي المعماري لهندسة اللّغة وطوبوغرافيا توزيعها المُناخي الحيوي يستقبل الكاتب أو السّارد الألفاظ ويحتضن الكلمات بحنوٍّ، وَيُمعِنُ التأمّل فيها جيّداً، ثمّ يُعيد تشكيلها اللّغوي، وقد يضطر قصدياً إلى تغيير جوهر صياغتها التركيبية بأسلوبه المحكم، فيُحطِّم أنسقتها المعجمية المقيّدة التالفة، ويكسر أغلال نظامها العربي المألوف للمتلقي، أو القارئ من خلال بنائه التوليدي الجديد الذي يخترق به المألوف القياسي. فيخلق لنفسه أسلوباً جديداً، ويبتكر له نظاماً معرفياً خاصّاً به في عمليه التحوّل الإبداعي الفّني وسيرورة الاتباع اللّغوي التراثي المأثور.

ثمّةَ ظلٌ لساني آخر أنّ لكلّ كاتبٍ ساردٍ أسلوبه المائز في الإنتاج عن غيره. وهذا التمايز يوحي بأنّ الأسلوب التعبيري، (هو الرجل)، كما يذهب إلى ذلك بوفون الفرنسي. وإنْ كنّا قد نختلف معه في هذا التوصيف المعرفي في النقدية الحديثة، لأنّ الأسلوب قد يكون هو الكاتب بمعناه الإبداعي  وليس الرجل بمعناه العرفي المعجمي، كما أنّ لِلُغةِ المبدع أو السارد خاصتينِ أساسيتينِ يُميزانه في اسلوبيته التعبيرية الإبداعية عن غيره وهما: خاصية اللفظ، وخاصية المعنى،أي إنتاجية(الشّكل والمضمون)، وهما اللّتان تشكلان مصدراً مهمّا من مصادر مرجعيات ثقافته الإنجازية، لأنّ أنساق الجمال اللّغوي أو الأدبي ترجع إلى هاتين الخاصتين، وما ينتج عنهما، أو يتّصل بهما من مكملات الإبداع اللّغوي التي تشكّل مِهمازاً فكرياً راجحاً اقتفى أثره الكاتب المبدع والمثابر.

وفي حقيقة الأمر أنّ اللّغة بوصفها مقياساً أساسياً مهمّاً ومباشرا ًفي كيفية التمييز بين لغة الشّعر ولغة النثر تقتضي من السّارد المنتج في فنيّة التعبير اللّغوي والجمالي أن يتجاوز-بخطواتٍ وئيدةٍ ثابتةٍ- مرحلة التعبير التقليدية إلى مرحلة كيفية التعبير الفكري الفنّي عن مدلولات الأشياء الحسيّة والمجردة في الإبداع والكشف عن أنساقها ومرجعياتها الثقافية الظاهرة والمضمرة.

وحين نتحدّث عن اللّغة في الأدب عامةً، وفي فن التسريد النثري بصفةٍ خاصةٍ يقيناً أنّنا نعني بها اللّغة المعرفية في خصائصها الفنّية العميقة في مدلولاتها المعجمية والبلاغية القريبة والبعيدة. والغنية بألفاظها وجمالها وثراء طاقاتها الإيحائية والصوتية والسيميائية المؤثّرة، والتي تشكّل حمولات الكتابة الإبداعية في مدخلاتها النصيّة، ومخرجاتها التراسلية  النصيّة  لدى الكاتب في فنيّة مجالات التعبير، سواء أكانت على مستوى التركيب اللّغوي اللّفظي أم على مستوى التأثير النفسي والجمالي الذي تحدثه في المتلقي في بنية الخطاب السّردي الذي يؤسّس لتأثيث مشروعٍ فكريٍ جديد في هرمنيوطيقيا السّرد الإنتاجي والتأويلي لفنيّة التعبير، ويلغي الأنساق التالفة ؟

وبناءً على هذا التأسيس الفكري الذي تحتفل به أبجديات اللّغة الحديثة في معطياتها وآفاقها الثقافية والمعرفية الواسعة، كونها تمثّل المادة الأساسية للأدب والشعر الإبداعيينِ، فإنّ الثيمة الموضوعية أو الفكرة المتوخاة، لا تعدّ قائمةً أو موجودةً في مجسّات الرسالة النصيّة، إلا إذا اخترت اللّفظ المناسب في مدلولاتها السياقية المنتظمة. وهنا يُحوّل السّارد البارع وظيفة اللّغة الأساسية من وظيفةٍ ثابتةٍ تقليديةٍ، إلى وظيفةٍ حركيةٍ تجدّديةٍ، أي يُصيّرُ بناءها التوظيفي من أداةٍ أو، وسيلةٍ للتعبير اللّغوي اللّساني إلى وسيلةٍ إنتاجيةٍ مبتكرةٍ للإبداع الفنّي المتجدّد. كما أنها لا تعطي إشاراتٍ حقيقيةً عن رؤية الإنسان الفنيّة في جماليات الخطاب السّردي، ولا تُعبّر عن فلسفته الفكرية في حيز وجوده الكوني بالحياة إلّا إذا كانت مرآةً عاكسةً للحقيقة نابضةً بالحياة، متدفقة ً بروح العصر وتجلياته المرحلية، حينئذٍ تكون لغةً سرديةً نثريةً حقّةً. والسارد الحاذق المبدع المجدّ بأدوات لغته التعبيرية، هو الذي يرصد بدقةٍ الألفاظ الرصينة، وينتشل الكلمات المعبّرة العميقة من فضاء معجمها اللّغوي القياسي المعرفي ويستلّها كلمةً كلمةً، كما تُستَل الشعرة من العجين، لكي يُعيد بناءها من نسج ظلالها القديم ويكسوها حُلةً جديدةً من قشيبه الفكري في نسيج لغوي محكمّ مُحمّلٍ بطاقاتٍ إيحائيةٍ كبيرةٍ وحاشدةٍ بالشحنات التعبيرية والفنيّة والجمالية والروحية.

ويُشكِّل تمثلاتها وتمظهراتها ومهيمناتها الأسلوبية تشكّلاً جديداً منتظماً يتناسب مع واقع الحياة المعاصرة المعيش، أو المعاش بكلّ أشكاله وأذواقه المجتمعية، وبذلك تكون لغة السّارد الأدبية عميقةَ الارتباط بموقف الكاتب الفنّي من الحياة ورؤيته الجمالية والفكرية والتعبيرية لها. لأنّه مُطالب أن يواجه هذه الحياة وأن يخرج من رحم أديمها الضارب بقوّة التعبير والإرادة.

وعلى الرغم من ذلك السعي اللّغوي الحثيث، فإن السّارد أو الشّاعر وجد نفسه مُحاطاً بلغتين مختلفتين الأولى: هي  لغة التراث العربي القديم المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالأدب والشّعر القديم، والثانية: اللّهجة العامية الدارجة المستعملة في لغة التعامل اليومي الحياتي المألوف، ووقف المبدع أمامهما مُحايداً بين القبول أو الرفض المطلق، بيد أنّه اهتدى فكريا إلى استخدام وتوظيف لغةٍ وسطيةٍ تجمع بين ظلال الفصحى والعاميّة، وبلا شكٍّ أنها لغة وسطية مُيسّرة مفهومة وموحية ومعبّرة عن لغة الصحافة بصفتها الوسطية، وعن الذات الأديبة، وعن روح العصر. تلك هي لغة الحياة الجديدة الراقية التي ترفض جفاف الفصحى الميّتة المتحجّرة بتقعِّرها اللّغوي المجافي لروح العصر، كما ترفض بشدّةٍ إسفاف توظيف اللّهجة العاميّة المبتذلة التي لا يقبلها حتّى الذوق الطبيعي العرفي لجمهور عامة الناس.

وسارد الخطاب النثري كما هو الشّاعر المبدع، لا يمتلك في تعبيره اللّغوي من أدواته سوى (الكلمة) التي تتركّب منها العبارة والجملة، وتتخلّق منها الصورة الفنّية تخلّقاً رفيعاً، ويتحقّق بها جمال الأسلوب الّلغوي شعراً ونثراً. ومن وحيّ جلالة الكلمة الحقّة تتوالد موسيقى الألفاظ العذبة المدهشة، والمموسقة باتساق صورها ومشاهدها لوقائع الأحداث المؤثّرة بأسلوبٍ إيقاعيٍ تعبيريٍ يتناغم فنيّاً وجماليا مع ثيمة الحدث أو الفكرة، مع قدرٍ كبيرٍ من التوثيق في اختيار هذه الأداة التي تكوّنَ منها البناء اللّغوي السّردي الفنّي والجمالي لبنية الخطاب الحكائي للرواية، أو، القصّة،أو قصيدة النثر الشّعرية أو المسرحيّة.

ومثل هذا (التّضام البنائي) المتوالد الألفاظ، المرصوص للكلمة هو ما سمّاه–في النقد  البلاغي قديماً- عبد القاهر الجرجاني في نظرية النظم اللّغوي باسم (التّضام أو النّظم)، والذي يقع صنعه وإنتاجه اللّغوي على عاتق الكاتب، وعلى مهارته اللّغوية في إيجاد لغةٍ جديدةٍ من النظم والتأليف، وإعادة بناء الإنتاج الفكري. وهذا القول برمّته يُحيلنا إلى أنّ الكلمة ليست مجرد وسيلةٍ لغويةٍ تُبرّر الغاية في عمليه التعبير السّردي أو الشّعري فحسب، وإنّما هي أداة فاعلة لتحقيق غاياتٍ كثيرةٍ منشودةٍ من الطاقات الإيحائية والتعبيرية المتخلّقة التي يتخطّى بها معرفياً، أو يتجاوز بتآلفها اللّغوي ما تعارف عليه الناس في حياتهم اليومية. وبذلك تتحوّل اللّغة من قوالب جاهزةٍ ووسائل قياسيةٍ راكدةٍ إلى معادل موضوعي يُماهي ذهنية الشّعور الفكري والنفسي للكاتب، لتمنحه في النهاية التعبير اللّغوي الفنّي الجيّد، ولا يمكن أن نظنّ اليوم أن إيحاء الكلمات ودلالاتها السياقية البعيدة، هو شيء في مستحدث النقدية الحديثة، وأن عمل الكاتب أو السّارد الحديث بتقنية الاقتصاد اللّغوي وتوفيره في فنّ التسريد هو شيء حداثوي، بل إنه من الظواهر النقدية اللّغوية القديمة التي فطن إليها النقّاد العرب القدامى وسمّوها بظاهرة (الإيجاز اللغوي) الذي قال عنه عبد القاهر الجرجاني في كتابه (دلائل الإعجاز) : "إنك ترى في ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة، أزيد للإفادة وتجدك أنطق ما تكون، إذا لم تنطق وأتمّ ما تكون مُبيناً، إذا لم تُبِن".

وكذلك الأمر أيضاً مع موحيات علوم لغة الإشارة وهو ما نسمّيه اليوم في المناهج النقدية الحديثة أو المعاصرة ب(السيميائية) أو بمنهج  (سيمياطيقا) الإشارة التي تنبّه إليها قديماً ابن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة) وقال عنها : "هي في كل نوعٍ من الكلام لمحة دالة واختصار وتلويح يعرف مجملاً، ومعناه بعيد من ظاهر لفظه "، وهنا في هذا المجال الأسلوبي المتراتب تظهر براعه الأديب المثابر ومهارته اللغوية الفاحصة في اختيار كلمةٍ مؤثّرة مناسبةٍ فاعلةٍ دون أخرى من الكلمات، قد يظنّ أنها تؤدّي دلالياً نفس المعنى الذي تؤدّيه مثيلتها الأخرى في اللّغة.

ولعلّ من بين النماذج الأمثلة الكثيرة التي توضّح بجلاء إشكاليات أساليب الكُتّاب الخاطئة في صياغة مستويات البنية التركيبية اللّغوية والجمالية التعبيرية، والتي اخترت مجملها من أعمال روائيةٍ وقصصيةٍ سرديةٍ، وقصائد نثريةٍ عديدةٍ، لكُتّابٍ وأدباءٍ مختلفينَ في مستوياتهم الفكرية والإبداعية التي أصبحت اليوم في لغتنا (لغة الضّاد) خطأً شائعاً يفرض نفسه على الأسلوب الشعري والنثري بحجّة أنه من الصحيح الضائع أو المهمل. حتّى وصل الأمر ببعضهم إلى أن يكتب بلغة (أكلونِي البَراغيثُ)، فيأتي بفاعلين اثنين في تركيب الجملة الواحدة، وهذا مخالف لقواعد النحو العربي في اللغة، كقول أحد الشعراء القدامى غير المعروفين: (يلومونني في حبِّ ليلى عواذلي    ولكنني من حبِّها لَعميدُ). فضلا عن هذه اللامبالاة وعدم الاهتمام بعلامات الترقيم التي توضع بين أجزاء الكلام المكتوب لتوضيح المعنى الكلي، أو الجزئي المقصود، وتفريق الألفاظ التعبيرية الإنشائية مثل،(النقطة، والفاصلة، وعلامة التعجب، وعلامة الاستفهام، والنقطتان الرأسيتان، والقوسان الهلالان، وعلامة التنصيص، والشَّرطة، والشَّرطتان، وعلامة الحذف، والخطّ المائل وغيرها) من العلامات.

يضاف إلى ذلك كلّه عدم التمييز بين همزتي القطع والوصل في الأسماء والأفعال والحروف التي لها قواعدها وأصولها الإملائية المعرفية في اللّغة العربية، وكذلك عدم التفريق في رسم الهمزة المتوسّطة، أو المتطرفة على (الألف أو الواو أو الياء)، أو المفردة على السّطر، فضلا عن رسم وكتابة الخطّ القياسيّ، وغير القياسيّ، أو ما يسمّى بالرسم القرآني الذي تُكتبُ به بعض الألفاظ والكلمات من القرآن الكريم، فيسمّى نوع هذا الخطّ ب(الحذف، أو الزيادة، أو رسم الهمزة، أو البدل، أو الفصل، والوصل). أمّا معاني حروف الجّر التي تدخل على الأسماء، وكذلك الحال مع حروف النصب، وحروف الجزم، فهي الأخرى لم توظّف التوظيف الصائب في الخطاب النصّي السّردي، إلا الشائع منها، وأصبح التمييز بين أدوات الشرط الجازمة وغير الجازمة أمراً غير مفهومٍ يحتاج إلى فهمٍ وتدبّرٍ وإدراكٍ وتفريقٍ،  والحال ذاته ينطبق على معاني أدوات الاستفهام من الحروف والأسماء التي تستخدم مرةً للعاقل، ومرّةً لغير العاقل، وللزمان أو المكان، أو للحال أو للعدد، أو لغيرها، هي الأخرى لن تأخذ نصيبها الأوفى من المراعاة والاهتمام الّلغوي الجاد الصائب في فنيّة التعبير الخطابي المناسب.

واللافت للنظر أنّ الكثير من كُتّاب السّرد الروائي أو القصصي لا يراعون الحالة الإعرابية لأسماء شخصياتهم من الأعلام رفعاً ونصباً وجرّاً عن قصدٍ، أو غير قصدٍ، فيعمد الكثير منهم إلى كتابتها في حالة الرفع ويهمل الحالات الأخرى، مُتذرِّعاً بأّن كِتابتها بالنّصب أو الجر، يكون لفظها غير مموسقٍ، وهذا لا يجوز في اللّغة لمخالفته قواعد الإعراب المعروفة، لذلك يفضّل تركيبيا في هذه الحالة أن يوضع (الاسمُ العَلمُ) بين قوسين هلالين تجنّباً من الوقوع في الخطأ، أو على الحكاية المسموح بها في لغة العامة. والأمر الآخر الذي يحتاج إلى درايةٍ وضبطٍ دقيقين من المُنتج السّارد كتابة الأعداد الرقمية، لا سيَّما إذا كان المعدود مذكّراً أو مؤنثاً فيخالفه، أو يطابقه من حيث الإعراب، وبحسب موقعه الإعرابي في تركيب الجملة، وبالأخصّ إذا كان المعدود جمعاً مذكراً سالماً، أو جمعاً مؤنثاً، أو جمع تكسير، فلا بُدَّ أن يراعى عند الكتابة أصله المفرد قبل الجمع فيؤخذ به لا بالجمع ، مع الأخذ بعين الاعتبار تمييز العدد من المعدود، وكيف يتمّ تعريفهما ب(أل) التعريف من عدمه.

فمن نماذج تقويم اللّسان التي ارستها الألفاظ في تعابير كُتّاب السّرد، أو غيرهم في الإشادة بشخصياتهم المهمّة ،قولهم:(رجالٌ أكَفَّاء)، بتشديد الفاء وفتحها مع فتح الكاف، وهي جمع تكسير، وعيبٌ خَلْقِي بمعنى عِميان، مفردها كفيف أو بَصير، والأصحّ أنْ نقول: (أكْفَاء)، بفتح الفاء من غير تشديد وسكون الكاف، وهي جمعٌ، مُفرده كُفْءُ أو كفؤٌ بمعنى مقتدر أو متمكّن، وقولهم أيضا: (يُعتبر الجواهريّ شاعر العرب الأكبر) والصواب أن نقول:(يُعُّد الجواهريُّ شاعر العرب الأكبر)،لأن يُعتبَرُ من الاعتبار فهو مُعتبِر. وقولهم أيضاً في توصيف شعريته: (لَعِبَ الجواهريُّ دوراً هامّاً...)، والصواب أن نقول: (أدّى الجواهريّ دوراً هامّاً)، لأنه لا وجود في اللّغة العربية معنىً مجازياً للدال (لَعِبَ)، فهو مأخوذ من أصول أعجمية أجنبيه أوربية غير عربية وصل عن طريق الترجمة إلى العربية..

ومن الأخطاء اللّغوية الشائعة جّدا  قولهم: (مِهْرَجانُ المَرْبَد الشّعري)،بفتح الميم وسكون الراء (مَرْبَد)، والصواب أن نقول: (المِرْبَد) بكسر الميم وسكون الراء، بدلاً من فتحها وقولهم: (اتّحاد أدباء وكُتّاب مِيْسان) بكسر ميم مِيْسان، والصحيح أن نقولَ:(مَيْسان) بفتح الميم، والتي تعني الموضع أو المُتبختر في مشيه وقولهم: أيضا (كان المَنَاخ قاسياً) بفتح ميم المَناخ،. الذي يعني مَبركَ الإبلِ اي مكان الإناخة والصواب أن نقول: (المُنَاخ) بضم الميم، وقولهم كذلك: (شَغلَ الشَعرُ مَسَاحةً واسعةً) بفتح ميم َمَساحة والصواب أن تقول: (مِسَاحةً) بكسر الميم، والتي تعني مِساحة الأرض مصدر الفعل مَسَحَ، وقولهم: (أكّد الأب على الحضورِ)، والصحيح أن نقول: (أكدّ الأبُ الحضورَ)، لأنّ أكّد فعل ماضٍ متعدٍ بنفسه ولا يحتاج تعدّيه  إلى  واسطة حرف الجر على.

ومن أخطاء حروف الجرّ الشائعة جدّا في لغة السّرد الروائي أو القصصي أو في المخاطبات: (أُحِيلَ الموظّف على التقاعدِ، واستند أمر إحالته على قانون الخدمة)، وصواب القول في حرف الجر (إلى) أن نقول: أْحيلَ الموظّف إلى التقاعد، واستند أمر إحالته إلى قانون الخدمة)،لأنّ الحرف على بمعنى الاستعلاء أو فوق ولا تجوز الإحالة أو الاستناد بـ على، بل يجوز في اللّغة الارتكاز بـ على فتقول :ارتكز على القاعدة الأساسية. وكذلك قول أحد الروائيين: (تُقسم الرواية إلى ثلاثة فصولٍ أو أقسامٍ)، والأفصح أن نقول. تُقسم  الرواية على ثلاثة فصول، لأن القسمة لا تكون بـ إلى، وإنّما بحرف الجر على، ومن الأصح أيضاً أن تقول: (تميَّز هذا من هذا)، ولا يصحّ ان نقول: (تميّز هذا عن هذا)، أي يُمَيّز شيءٌ من شيءٍ آخر. وقال آخر: (أذِنَ لهم بالسفر)، وصواب القول: (أذِنَ لهم في السفر)، وليس بالسفر، لأنّ الباء جاءت للاستعانة وليس أمراً في السفر. وقولهم أيضاً: (تَخرّج محمّدُ من كليّة الآداب- جامعة بغداد، وتسلّمَ الشهادةَ) والأصح أن نقول: (تخرّج في كليّة الآداب، واستلم الشهادةَ)، لأنّ الفعل تخرّج بمعنى (تَعلّمَ في)،أو( درس في) كليّة الآداب واستلم الشهادةَ، وليس تَسلّمَ الشهادة، لأن تسلّمَ يُعطي معنى الفعل (صارَ)، مثل، (تَسلّمَ الرجلُ)، أي صار مُسلماً والصواب أيضا أن نقول:(أسلمً الرجلُ )،أي صار مُسلِماً، ولا تقل: استسلم التي تعني دلالتها الاستسلام أو الخضوع  الانقياد. ومن الصواب الراجح في اللّغة أن تقول: (أُسست جامعه بغداد)، ولا تقُل: (تأسست جامعه بغداد)، لأنّ التأسيس يعطي معنى أنه يَحدُث من تلقاء نفسه دون تدخلٍ، وليس بفعل فاعل يقوم به.

ويعبّر أحد الُكتّاب قائلاً : (هذا شارع رئيسي من شوارع المدينة الرئيسية)،والصحيح أن نقول: (هذا شارع رئيس من شوارع المدينة الرئيسة)، لأن شاعر مذكر فنقول:(رئيس) ومدينة مؤنث فنقول:(رئيسة) من غير ياء النسب التي لحقته خطاً شائعاً، وأن تقول: (أنتَ جادٌ في عملك)، ولا تقُل: (أنت مجدٌ في عملك)، وأن تقول أيضا: (كأس مملوء)، ولا تقُل: (كأس ممتلئ)، والأفصح أن تقول: (هذا فعلٌ شائنٌ)، وشائنٌ اسم فاعل من الفعل شانَ الماضي الثلاثي وألّا تقول: (هذا فعلٌ مُشِينٌ). فمشِينٌ اسم مفعول من الفعل شَانَ، وتقول : (هذا عملٌ شائقٌ) أي ممتع وجذاب ولا تقُل: (هذا عمل مشوّق)، لأن مشوّق اسم مفعول. كما وجدت أحدهم يقول: (سِرُّكَ مُصانٌ)، والأفصح في اللّغة العربية أن نقول: (سِرُّكَ مَصونٌ)،ويقول أيضاً:(يُستفاُد من علمه)، ّ والأصحّ أن يقول: (يَستفيدَ من علمه) الذي مضارعه استفادَ يستفيدُ.

ولفت انتباهي بعض من كُتّاب السّرد يخطأ فيُعرِّفُ بأل التعريف كلمة (غير) النكرة التي اكتسبت التعريف من الاسم المضاف إليها فيقول: (الغير طبيعي)، وصواب القول  أن يقول: (غير الطبيعي،)، لأنّ غيرَ أداة استثناء لا تُعرّف بألـ. ولفت انتباهي أيضا كلمة (رغم) التي لم تستخدم الاستخدام الصحيح في تركيب الجملة التي تقول: (ورغم معناته الحياتية القاهرة إلا أنه يشعر بالأمل والتفاؤل)،والتعبير الصائب والصحيح  أن يقول: (على الرغم أو بالرغم من معاناته فإنه يشعر بالأمل)، كما لفت نظري كثيرا استخدام الأداة (كُلّما) التي هي ظرف زمان تفيد الشرط، والتي لا يجوز تكرارها مع الجملة كما لا يجوز أن يأتي شرطها وجوابها الا فعلين ماضيين، ولا يأتيان مضارعين فلا يجوز أن نقول:(كلّما يقرا الرواية، كلّما يشعر بالملل)، والصواب أن تقول: (كلّما قرأ الرواية ،شعر بالملل)، كقوله تعالى: ((كلّما دخل عليها زكريا المحرابَ وجدَ عندها رزقا))،وقد يجوز للشاعر بذلك في فقه اللّغة لضرورة الشعر أن يستخدم فعلين مضارعين، وهو من القليل النادر. وكذلك الحال مع الفعل الماضي(أصلحَ وصحّحَ )، فلا تقل:(صَلّحَ الأستاذ الدفترَ)، والصواب أن تقول: (أصلحَ أو صححَ الأستاذُ الدفترَ). كما لا يصح أن تقول: (شكراً لتواجدك معنا).فالأصحّ أن تقول: (شكرا لوجودك معنا)، في معنى حضورك، ولا يصحّ أيضا أن يُقال في اللّغة :(جلستُ لوحدي) ،أي متوحّداً مع نفسي، وإنما الصواب أن نقول: (جلستُ وحدي)، أي متفرّداً عنهم بمفرده وليس متوحّداً مع نفسه.

ومن الألفاظ الخاطئة في الاستخدام اللغوي، والتي يمكن أن يتنبّه إليها السَّردةُ وغيرهم في التوظيف اللغوي السّردي بالشكل الآتي: ( معاً أو سويةً) فقلْ: (نذهب معاً)، ولا تقل له :(سويةً) من المساواة، وكذلك ماذا نقول :(اشتاقَ أم تَلهّفَ؟)؟ قُلْ :(اشتاقَ إلى لقاء أُستاذه )، ولا تقل:(تلهّف إلى لقاء أستاذه). وماذا تقول: (خَرجَ أم انسَحبَ)؟ قل: (خرجَ الجنود من المعركة)، ولا تقل: (انسحبَ الجنودُ من المعركة). وماذا نقول :(خبيرٌ بـ أم خبيٌر في)؟ قل: (هذا الروائي خبيرٌ بفن السّرد)، ولا تقل: (خبيرٌ في فن السّرد). وكذلك ماذا تقول: (تردّدَ إلى أم تردّد على)؟  قُل: (تردّدَ إلى الاتّحاد)، ولا تقلْ: (تردّدَ على الاتّحاد)، وأيهما أفصح أن نقول: (تَمريناتٌ أم تَمارينٌ)؟ قل :(تَمريناتٌ نافعةٌ)، ولا تقلْ:(تَمارين نافعة)، و(عنواناتٌ أم عناوينٌ)؟ قل: (عنواناتٌ بارزةٌ) ولا تقل:(عناوينٌ بارزةٌ)، وكذلك (تأخّرَ عن) أم (تأخّرَ على) قلْ: (تأخّرَ عن الموعد)، ولا تقل: (تأخّرَ على الموعد). وماذا نقول: ( قطٌ أم أبداً)؟ قلْ: (ما رأيتك قط)، ولا تقل: (ما رأيتك أبداً)، بمعنى نهائيا. وأيهما أصحّ أن نقول:(حاضرٌ أم حاضرانِ) ؟ قل:(كلا الشاعرينِ حاضرٌ)،ولا تقل: (كلا الشّاعرينِ حاضرانِ).

ومن والأمثلة لأخرى نقول :(مثلُ أم بمثابةِ) قلْ: (أنت مثلُ أبي)، ولا تقُل:(أنت بمثابة أبي)،أي بمكانته. ومثله،(نحوَ أم حوالي)، قل:(أنتظركَ نحوَ ساعةٍ)، ولا تقل: (انتظرتك حوالي ساعةٍ). وماذا نقول: (الدَّوْلي) بفتح الدال وسكون الواو، أم (الدُّوَلي) بضم الدال وفتح الواو؟ قلْ :(مطارُ بغداد الدَّوْلي)، بفتح الدال، ولا تقل :(مطار بغداد الدُّوَلي بضم الدال).وما الصواب أن  نقول:(عَلَاقة تربطني به أم عِلَاقة تربطني به)؟  الصواب  ان نقول:(عَلاقة)بفتح العين، ولا تقل (عِلَاقة تربطني بهِ)، بكسر العين. وماذا نقول أيضاً: (موصدٌ أم موصودٌ)؟ قل :(البابُ مُوصَدٌ) ،ولا تقلْ: (البابُ مُوصودٌ). و كذلك الحال نقول: (لافتٌ أم مُلفتٌ)؟ قلْ:(لافتٌ للنظر)،ولا تقل: (ُمُلفتٌ للنظرِ)، وماذا نقول: (دققَّ المسألةَ أم دققَّ في المسألةِ)؟ قل: (دققَّ المسألةَ)، ولا تقلْ: (دققَّ في المسألةِ). وما الصواب أيضا نقول:(عَانى مرضاً أم عانى من مرضٍ)؟ الأصحُّ قل:(عانى مرضاً عُضالا)، ولا تقل:(عانى من مرضٍ عضالٍ). و كذلك قل: (أم)، ولا تقل:(أو)، فنقول بِأمْ المعادلة أو المفاضلة بين شيئين: (أيهما تحبُّ القصةَ أمْ الروايةَ)؟ ولا تقل: (أيهما تحبُّ القصة َأو الروايةَ)؟ وماذا نقول: (أجابَ عن أم أجابَ على)؟ قل: (أجاب عن الأسئلةِ)، ولا تقل: أجابَ على الأسئلةِ).

وختاما كم يسعدني أن أرى الأديب السَّارد أو الشَّاعر أو الكاتب أن يكون يقظاً فيتنبّه جيّدا إلى (ثُمَّ) العاطفة التي تفيد الترتيب والتراخي، و(ثَمَّ) الظرفية الإشارية التي تفيد دلالة المكانية بمعنى هناك. فضلا عن أخطاء لغوية كثيرة أُخر لا حصر لها في هذه الدراسة اللّغوية الموجزة.

 

د. جبّار ماجد البَهادلي

 

 

عبير خالد يحيىللكاتب المصري فريد عبد العظيم

كان الأدبُ على مرّ العصور لوحةً للواقع مرسومةً على جدار الحقيقة بخيال فنان وعى عمق الحرف في الأشياء وأثاث الدنيا، فوظّفه بحذاقة ودقّة لاكتشاف أعمق قاع فيها، وقلب بطانتَها لتحليل ماهيّتها الداخلية، حتى صار الأدب أداة مثلى للتعبير عن أدق تفاصيل وإرهاصات المجتمع، فكاتفَ الصحافة وتدافعَ معها حتى زحزحها عن مكانتها، ليحمل هو عنها ثقلَ السلطة الرابعة، ويتحمّل الأعباء والمسؤولية في الدفاع وإبراز كفاح المجتمع اليومي الذي سحقته الصحافة بشخصنتها النفعية، وابتعادها عن قضايا المجتمع التي تشكّلُ بنيتَها التكوينية، وكان هذا التبادل المنفعي بين الأدب والصحافة هو تعديل مصيري لقضية المسيرة الحضارية والعصرنة لواجب الحرف الرصين في الدفاع عن الديمومة في عهد التكنولوجية والانبهار.

هذه الرواية هي تجسيد حي للأدب في هذا المضمار، وهي ومضة ضوئية تكشف تلك القفزة النوعية التي حدثت في معاقل الحرف وواكبت العصرنة العلمية والأدبية في استمرارية الوجود الإنساني التي لا تنتظر أحدًا.

والكاتب فريد عبد العظيم واحد من هذا العالم المنشور على خارطة الحرف، روائي وقاص مصري، من مواليد القاهرة 1983نشرت له العديد من القصص القصيرة في الصحف والمواقع الالكترونية، شارك في ورشة الرواية الأولى التي نظمتها الدار المصرية اللبنانية عام 2017 ووصلت مسودة عمله للقائمة القصيرة، كما شارك في مشروع قصص القاهرة القصيرة عام 2018 الذي نظمه معهد جوته، و(خوفًا من العادي) هو عمله الروائي الأول.

ولو سلكنا مسلك التبئير الفكري للمنهج الذرائعي، بنقل تلك الحقائق المجتمعية نحو خانات حياتية مختلفة، ودرسنا كل زاوية من زوايا الحياة المرسومة على الورق بشكل مستقل لوجدنا تطابقًا متكاملًا بين زوايا الرواية على الورق وزوايا الحياة الواقعية.

فالعمل المعنون ب ( خوفًا من العادي) هو رواية واقعية اجتماعية ترصد ظاهرة هجرة أهل الريف إلى القاهرة، وما يرافقها من تداعيات من أبرزها الشعور الموحّد بالغربة، والخوف من سعة العاصمة وبهرجتها، والسرعة في التحرك في مسالكها مقارنة بالموطن القروي الصغير وهدوئه الطبيعي الجميل، ولاستشعرنا الهوة الاجتماعية الكبيرة بين أهل الريف وأهل العاصمة ببساطة وبشكل عادي، كما عبر عنها الكاتب في عتبة العنوان.

الزمكانية: معظم أحداث الرواية تدور في القاهرة المعاصرة، وقرية أمير الجيوش- كما سماها الكاتب- التابعة لشبين الكوم، ومدينة زايد، في الفترة ما قبل ثورة 25 يناير بقليل وتنتهي عقب ثورة 30 يونيو، وتستعرض خلالها المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع المصري خلال تلك الفترة الزمنية القصيرة نسبيًّا. ونستهل هذا المخزون السردي ب:

أولًا- البناء الفني:

استخدم الكاتب المدرسة الواقعية، واستخدم تقنية الاسترجاع، وجعل السرد على لسان الشخصية المحورية ( كمال) بضمير المتكلم (الأنا)، مستفيدًا إلى حدّ ما من البراح السردي الكبير الذي تمنحه هذه التقنية في سرد الأحداث والوصف، لكنه لم يستغلها كما يجب في الغوص بعيدًا في أعماق نفسية.

لننظر إلى الاستهلال والذي كان تقديمًا تقريريًّا مباشرًا بجمل قصيرة متلاحقة، أكسبه فعل النفي الناقص( لست) خاصية الجذب والتشويق:

لست من مواليد العاصمة

حضرت إليها لأول مرة لتقديم أوراقي للجامعة، أصبحت من سكانها. في البدء كانت المدينة الجامعية ، وبعد التخرج في شقة العزاب، لم أفكر في سكن خاص إلا قرب الزواج.

ينتقل بعدها إلى الموضوع مباشرة، (الغربة) بالمعنى العام، ويستدرك مباشرة إلى المعنى الخاص، غربة أهل الأقاليم، بجمل متلاحقة كحصوات صغيرة يلقيها شخص أصابه الملل حدّ النزق:

اعتدت الغربة، فهي فرض عين على أغلب سكان الأقاليم، كان من الممكن أن أؤخر غربتي بضع سنوات وأدرس في جامعة المحافظة، لكنها حيلة لا أكثر للمماطلة برهة، ومن ثم الذهاب إلى القاهرة.

فالاستهلال: أو المقدمة لم تكن زمكانية بالمعنى الدقيق بقدر ما كانت خلط بين الحضور الزمني وومضة نحو الخلف بملخص تقريري لحالة في الزمن الماضي.

أما الصراع الدرامي فلم يكن صراعًا حقيقيًّا، بل هو مجرد رسم عشوائي للواقع المدرج فوق سلم الزمن، صراعٌ باردٌ، افتقد تكوين الأحداث بصورة سردية محبوكة. فالحدث الروائي أو القصصي يتم باشتراك تفاعلي بين الشخصيات الرئيسية والمساعدة المحمولة على (محور التكوين)، تتلقاها الشخصيات المعارضة المحمولة على (محور المعارضة) لتوليد حدث استمراري على (محور التوليد) الأوسط، تكرر هذا التوالد الحدثي هو الصراع الدرامي، والذي يبلغ ذروته عند (العقدة) وعند هذه العقدة تنقلب الأحداث باتجاه الحل والنهاية. عند تطبيق هذا الكلام على هذه الرواية، نجد أن الأحداث فيها مسطّحة، لا تعطي توالدًا سرديًّا للأحداث الواقعة فعلًا في مساحات الحياة، بل هي تصوير مباشر لحركات الشخصيات الحقيقية، نقلت نقلًا كفيفًا على الورق.

فالشخصية الرئيسية – والتي بدأت معها الرواية وانتهت معها- لا يمكن أن نطلق عليها اسم (البطل)، لأني لم أجده بطلًا بأي حال من الأحوال، فلم يدخل في صراع حقيقي، بل لم يكن لديه رغبة مادية أو هدف معين يجاهد لتحقيقه، فهو مهمّش سرديًّا، كما يصف نفسه (مثل الكومبارس)، لم يخرج عن هذا الدور، رغم كل الأحداث الجسيمة والمتغيرات التي حدثت في المجتمع المصري خلال فترة ثورة 25 يناير و30 يونيو، فمحور التكوين الذي يحمل الشخصية الرئيسية (كمال) والشخصيات المساعدة انطلق كسولاً و ركيكًا بالأصل، قضيته عامة (الغربة) ليست طارئة وإنما مختارة، فلا يوجد مقاومة ضدها، لذلك ينتفي أيضًا وجود الشخصيات المعارضة المعيقة لحركة الشخصيات الإيجابية في التفعيل السردي، وكل الشخصيات التي تظهر تباعًا في النطاق المكاني أو الحدثي ل (كمال) هي شخصيات -على اختلاف طبائعها- تخدم الأحداث الحياتية العادية التي عاشها كمال، وقد سطّحها الكاتب نفسه! ولا أدري ما القصد من هذا التسطيح ....!؟ هناك تلكؤ وبرودة، لذلك عمد الكاتب إلى ذكر الأحداث كما هي، نقلها نقلًا مباشرًا- يكاد أن يكون عفويًّا- إلى الورق ، حتى عندما أراد الترميز (إذا كان يقصد به ترميزًا) فقد سمّى الأشياء بمسمياتها (المخبر- الأونطجي، الرئيس المؤمن، البطل، الأخرق) سحق الرموز بمسمياتها، فالرموز لا تسمى بالاسم، وعندما فعل ذلك قلب مفهوم الرمزية إلى مفهوم واقعي صرف.

حاول أن يصنع محاكاة مصغرة عن الأحداث المصيرية الكبيرة التي عصفت بالمجتمع المصري في تلك الفترة، شخصياتها وطبقاتها (والمدراء والكبراء والموظفين والعمال) أيضًا نماذج تمثل الأطياف العديدة التي تشكّلت منها القوّة البشرية الفاعلة التي شهدت أو استغلت أو شاركت في أحداث الثورة، ونعدد بعض من هذه الشخصيات:

الشخصية الأولى: هي كمال وهو شاب من قرية صغيرة تدعى قرية (الأمير الجيوش) القريبة من شبين الكوم التابعة لمحافظة المنوفية، سافر إلى القاهرة ليدرس في كلية التجارة، يسكن في السكن الجامعي، وبعد التخرج يسكن في شقة العزاب، ثم في شقة المنايفة في مجمع مدينة الشيخ زايد (وهي المدينة القريبة من القاهرة والمبنية بأموال واستثمارات إماراتية)، في فترة الثورة يكتشف أنه كان محدود التفكير والرؤية في نظرته إلى الكثير من الأمور، وأن العالم المثالي -الذي كان يرى أن قريته تنعم به- كان أو أصبح بالواقع عالمًا ملوثَا بالكثير من الآثام والخطايا، وقد لا يختلف كثيرًا عن عالم العاصمة، الفساد والمخدرات والعبث الجنسي والكذب والعهر بكل أصنافه موجود في المكانين، هو ذكر التحوّل لكنه لم يعشه، لم يتأثر به، بقي كما هو يؤدي الدور المطلوب منه مردّدًا في كورَس، لم يتخذ موقفًا بل تُملى عليه المواقف، حتى بعد أن اطلع على رسائل زوجته ليلى التي تعترف فيها بأشياء ضده لم يواجهها، ولم يتغيرمن ناحيتها، لينتهي كما بدأ غريبًا يبحث عن وطن.

محفوظ: والد كمال والملقب بالشهيد لأنه لم يهاجر من قريته، ولم يتزوج بعد وفاة زوجته التي توفيت عندما كان كمال بعمر الخامسة، رغم أنه كان أحب أم ليلى زوجة أخيه الذي توفي،كان إنسانًا رصينًا وخلوقًا، انتهى به الأمر حزينًا على الاثنتين.

أختا كمال التوأم فتنة وزوجها حامد الأونطجي – ويمثّل المتذبذبين الذين انتقلوا من السلفية إلى الأخوان - ومنى وزوجها محمود الذي يعمل بالخليج ويمد الأونطجي بالمال -بإشارة للدعم الخليجي للجماعة والمصاهرة بينهما- انتهى بهم الأمر بالهرب إلى الإمارات بعد أن أطاحت ثورة 30 يونيو بحكم الأخوان.

وأم ليلى زوجة عمه، صاحبة الشخصية القوية والحنونة التي ربّته وزوّجت أختيه وزوّجته ابنتها.

ليلى ابنة عمه وزوجته، من جيل التكنولوجيا التي لم تدهشها العاصمة لأنها هتكت هالتها باكتشاف أماكنها وأحوالها عبر النت، والتي أودعت في بريدها الخاص بالفيسبوك خمس رسائل نفضت فيها دواخلها- وبذلك نضيف تقنية سردية أخرى استخدمها الكاتب وهي تقنية الرسائل الالكترونية لتميل الرواية إلى المعاصرة بتعدد التقنيات السردية واستخدام المدارس- تندّرت في تلك الرسائل على شكل زوجها كمال (أبو مناخير كبيرة) وشككت بنزاهة نواياه، وبأنه يطمع في أملاكها، ثم وصفته بالطيب، تكلّمت عن رغبتها العارمة في إنجاب طفل، واعترفت أنها أجرت عملية جراحية لتهيئة رحمها للحمل بالمخفي عن زوجها، بمؤازرة من جدّة نور المرأة المسنّة السورية التي طلبت تأجيل عملية القلب خاصتها بحجة الخوف، لتكشف ليلى السبب الحقيقي وهو اضطرار الجدّة للاعتناء بها عقب العملية، فأحست بنوع من التقصير والمسؤولية عن موتها المفاجئ.

(نور وجدّته شخصيات رمزية للسلف والخلف الذين فرّوا من بلدهم سوريا إبان الحرب التي عصفت بالبلاد، ولجؤوا إلى مصر وغيرها من البلدان المجاورة).

نور الطفل السوري، الذي كان النسخة الطفولية من كمال، يعاني اليتم والغربة، ويصارع من أجل لقمة العيش ليعيل نفسه وجدّته، عمل في أحد المطاعم السورية في المجمع رغم أنه لم يتجاوز الثامنة، يحلم بالعودة إلى بلده ليكون إلى جانب أبيه وأخوته والعائلة حيث ارتأت العائلة وبسبب عدم توفر نفقات السفرللجميع أن يسافر أكبر فرد وأصغر فرد سنًا، فسافر هو وجدّته، بعد وفاة جدته احتضنته ليلى وسافرت به إلى القرية عندما مرضت أمها، بعد شفاء أم ليلى من مرض السرطان طلبت أن يبقى في حضانتها، الوحيد الذي وضع هدفًا وصارع من أجل تحقيقه، رجع إلى بلده بعد وفاة أم ليلى.

من الشخصيات أيضًا نذكر (الأخرق) بلديات وصديق كمال الذي وقع فريسة سهلة لأهل القاهرة، عندما شرد عن بلدياته وانحاز إلى أهل العاصمة، فاستغلوه بقضية زواج من قاهرية طلقها زوجها ثلاث طلقات وتريد الرجوع إلى عصمته، فكان الزوج المحلّل، انتهى أمره بنقله إلى إحدى الهيئات الحكومية بشبين الكوم.

( المخبر) الذي كان يكتب التقارير في زملائه في الجامعة، ثم أصبح نائبًا لمدير أمن المجمع السكني، ثم ترقى إلى وظيفة بالمقر الرئيسي بالوزارة.

(ممدوح البطل) زميل العمل وكبير العمال، الذي يعرف الكثير من الحيل والطرق الملتوية لحيازة هوية إقامة قاهرية، وتزوير شهادة الميلاد للحصول على مكاسب عديدة ما كان ليحصل عليها بصفته من أهل الأقاليم، انتهى به الأمر باستقالته والسفر مع ابنه (حمادة) الذي احترف الكرة بناد خليجي. سبق أن زوّر البطل شهادة ميلاد لابنه باسم حمادة، صغّر فيها سنّه ليلحقه بنادٍ للناشئين.

العم بيشوي الكهل الطيب (القديس) المسيحي الذي تمت إحالته إلى المعاش في عمر الستين، لكن لن يتم صرف المعاش له لأنه لم يتم تثبيته بالوظيفة إلا بعمر ال59 في أعقاب ثورة 25 يناير، وفي القانون لا معاش لمن لم تتجاوز خدمته في العمل عشر سنوات، نظم عمال المجمع اعتصامًا من أجله بقيادة الكبراء، تم السيطرة عليها من قبل رجال الأمن، ترك المجمع وعاد إلى قريته خالي الوفاض.

(أمير الجيوش): يوتوبيا القرية، الرمز التاريخي للأصالة والشجاعة والقيم المنسية، حيث ذكر الكاتب قصته كحكاية تراثية ليضيفها كتقنية سردية أخرى، الأمير الذي تحول إلى ولي من الأولياء الصالحين، والذي أحرز في فتوحاته الكثير من الانتصارات لكنه مات قبل أن يصل إلى العاصمة، وأكمل قادة جيوشه فتح العاصمة ونسبوا كل انتصاراته إليهم (وهذا ما جعل كمال يعجل بغربته إلى القاهرة)، نسوه، وقتلوا ابنه عندما أخذته أمه إليهم وطالبتهم بحقه بالملك، وأرادوا هدم مقامه، أتت ريح حركت الرمال التي ألهبت الأعين ووخزت الأبدان وقتلت الجند وقائدهم الذي أصبحت جثته جيفة في لمح البصر، فصار أسطورة يؤمن أهل القرية بكراماتها.

ثانيًا-البناء الجمالي: باقتضاب شديد:

الحوارات قليلة، بسيطة، ومتنوعة، مرة باللهجة العامية وأخرى باللغة الفصحى، من دون الانتباه لمناسبتها للشخصيات وثقافتها، استخدم فيها بعض المصطلحات الساخرة مثل (ديك البرابر، ياحمار...)

الأسلوب: مباشر، خال من الانزياح تقريبًا، ولا يكفي أن يكتب الكاتب الواقع دون أن يغمسه ولو قليلًا بالعمق الأدبي.

ثالثًا- المستويات الذرائعية:

فلنأخذ المستوى البصري بشكل استقرائي سريع، عتبة الغلاف صورة معبرة عن محاولة القفز بين حافتين متقاربتين، لكنهما على ارتفاع شاهق، وتحتهما مظاهر لمدينة عصرية تتشامخ فيها ناطحات السحاب، هل هو تحليق فوق الواقع، أم رغبة في اكتشاف البعيد؟ أم هو دفع مجبر عليه؟ فما الذي يدفع الإنسان للقفز من هذا العلو الشاهق إلا ملكة المغامرة وغريزة حب الاكتشاف والأحلام التي كانت البداية لكل المشاريع العلمية المنجزة، فإذا نظرنا إلى الرجل الذي يقفز وجدناه شاب في كامل أناقته ورشاقته، وفي منتصف وأعلى الهوة، وهي دلالة فنية رمزية معبرة جدًّا، تفتح خيال المتلقي على العديد من النهايات، كلٍّ من منظوره الفكري وزاوية اهتمامه، لكن يفاجئنا الكاتب بأن هذه كل ما ذهبنا إليه ما كان موجودًا، والقفز كان دفعًا إجباريًا بين حافتي ثورتين .

عتبة العنوان ( خوفًا من العادي) عنوان مشوّق وملخص بطريقة مدهشة لمحتوى الرواية، فالرواية تدور حول حياة رجل عادي، نشأ نشأة عادية في قرية صغيرة رغم أنه فقد أمه مبكرًا، وانتقل إلى العاصمة لإكمال تعليمه، عاش فيها عيشة الغرباء العادية، وتزوج ابنة عمه زواجًا عاديًا، أحلامه عادية وتطلعاته كذلك، فكيف يكون الخوف من العادي؟ عنصر التشويق تحقق في أول العتبات.

العمل يقع في 258 صفحة من القطع المعروف للرواية، مقسمة على فصول عنونها بالأرقام وعددها 24 فصل، راعى فيها الكاتب الشكل البصري وترتيب الهوامش وأدوات التنقيط بشكل جيد.

على المستوى اللساني: ألفاظ وتراكيب سهلة ومتداولة، والصور الجمالية والبلاغة بمستوى متواضع.

على المستوى النفسي السلوكي لا نجد تساؤلات فلسفية عميقة، فالشخصية المحورية شخصية عادية جدًّا ليس لها من اسمها ( كمال) نصيب كما هو مألوف، وعلى لسانها يدور السرد، قد نلمح تلك التساؤلات عند نور الطفل السوري ذي الثمانية أعوام، وهي تساؤلات سطحية ساذجة غير محددة عن الشر والأشرار...

- هل الأشرار أقوى من الله؟

- فلماذا يدعهم يا عمو ؟ لماذا لا يخلصنا منهم؟

وتساؤلات نور طفولية عن القدر والحكمة من موت جدته، وعن الموت والموتى والقبور.

- لماذا أماتها يا عمو وجعلني وحيدًا؟

- جدتك ماتت يا نور، والأموات يسكنون القبور

- لماذا نتركها هنا ؟ أريد أن أعيدها إلى منزلنا، جدتي طيبة حرام أن نتركها وحدها...

في المستوى المتحرك:

-التجربة السردية:

الأديب فريد عبد العظيم روائي جديد على ساحة الروي، لا أدري لم أجد عنده رهبة من اقتحام الساحة مدججًا بما يملكه من أدوات أدبية أظنها أكبر بكثير من (العادي) الذي ظهر لنا في هذا العمل، تجربة سردية روائية متواضعة.

حاول استخدام الرمزية بطريقة بدائية عفوية، فانقلبت محاولته، الرمز الذي يجب أن يكون مخفيًّا فضحه ذكرُ اسمه.

رابعًا-الثيمة الأخلاقية

كانت محسوسة على مدار الرواية، لم يتعرض الكاتب بالسلب لأي منظومة أخلاقية تحكم المجتمع، بل على العكس أدان ما طرأ من متغيرات سلبية عليه، عرّى الفساد والمحسوبية والنفاق السياسي والاجتماعي وشجب الأفكار العنصرية التي كالت بمكاييل عديدة بين طبقات المجتمع المصري الريفية والقاهرية، وأيضًا بعض تلك التصرفات التي نالت بعض السوريين بالأذى النفسي والمادي، وبيّن أن السواد الأكبر من الشعب المصري العظيم محمول على بساط محبوك من مشاعر الأخوة المخلصة والروابط الإنسانية النبيلة لامتداده الإنساني في الشرق، شعب سوريا الأبي.

في الختام: أبارك للروائي فريد عبد العظيم إصداره الروائي الأول، وكلّي ثقة أن الإصدارات التالية ستكون مؤلفات سردية بأدبية احترافية.

 

الناقدة الذرائعية السورية الدكتورة عبير خالد يحيي

 

 

 

1765  حنان الشيختعمل رواية (حكاية زهرة) لحنان الشيخ على تفجير قوة داخلية هائلة، داخل الجسد/ المرأة، ناشئة من اصطدامها بالوعي / الأنثى، الوعي الذي يكتسب من الجسد/ المرأة، وجوداً مغايراً، يمتلك حريته خارجه، ليشكل ملامحه ورؤيته تجاه الآخرين والعالم، بعين طفلة – امرأة، مع تحويل الجسد إلى شفرات مؤسطرة، دون الوقوع في دائرته، ولكن باتحادهما تكتمل الصورة لـ الجسد – الأنثى، ويتسم الجسد عند حنان الشيخ بالقمع، والكبت، والاضطهاد، والتدنيس بشكل بارز وحاد، لان النص عند الروائية جسد امرأة متشظ، بل نص منسوج من رؤية ثنائية للبطلة والكاتبة، نص يتألف من جسد زهرة ووعي حنان، وهذا الجسد لا تتحقق هويته إلا بالتحامه وتداخله مع الجسد/ الآخر، فعندئذ تتحقق هوية جسد/ الذكر ايضا، وعند غياب أحدهما تغيب الهوية، لان أحد الجسدين لا يشكل (كينونة مكتفية بذاتها، انه يحتاج الآخر وتمييزه وتعرفه وفاعليته القادرة على التشكيل)(1) (باختين)، فهما يخضعان لمبدأ العثور على الذات في الآخر، مع بقاء خصوصية كل منهما مستقلة، متفردة، متميزة، ولكنهما يعيشان نمطين من الحياة (واحدة كانت رسمية وجدية، وأخرى : سوقية بطريقة كرنفالية، حرة ومليئة بالضحك المكافئ بين الأضداد وبالتجديف، وبتدنيس كل ما هو مقدس)(2)، والنص الروائي هو موضوع مفتوح على تذوق جمالي لا نهائي، ولحظة جمالية مفتوحة، تتصف (بانثنة) الوعي وتوعية الجسد.

تقسم الرواية إلى قسمين، الأول يحتوي على خمسة فصول، ثلاثة بصوت زهرة، والرابع بصوت هاشم (خالها) والخامس بصوت ماجد (زوجها)، وتقع أحداث الفصول في بيروت باستثناء الأول في أفريقيا، المنفى الذي تُهرّب اليه جسدها خوفاً من الفضيحة، وليكون حربها الداخلية(ان الحرب قد اندلعت في داخلي) ص36، ولتكون فيها سجينة جسدها، المتقززة منه، ولا تستطيع السيطرة عليه(آه اني لا أقوى على جسمي) ص122 في آن واحد.

والقسم الثاني، يحتوي على فصلين، بصوت زهرة، يكونان حربها الخارجية، (أريد ان أكون لنفسي، ان يكون جسدي لي) ص99، حربها مع العالم لرسم خرائط جسدها فوق قارة نون النسوة، وتكون فيها متحررة من جسدها، مسيطرة عليه، ولتكتشف أسراره وخباياه.

يمثل القسم الأول: الأنثى خارج الجسد، ويمثل القسم الثاني: الأنثى داخل الجسد، تحكمها علاقة جدلية – حوارية، لان الرواية(ذلك النوع الملحمي الكبير، ذلك التصوير الحكائي للكلية الاجتماعية)(3)، الكلية التي تكون الحكاية فيها استرجاعا لواقع المرأة العربية وكشف الرؤية الذكورية لها في المجتمع العربي.

ورغم تعددية الأصوات في الرواية، وعدم اندماج أشكال الوعي ببعضها، ورغم حواريتها القوية، الا ان صوت زهرة يطغي على الآخرين، ولكنه صوت يمتلك تأثيرا متبادلا تأما معهم ضمن المستويين الدلالي والتكويني، وفي تناصية الأشخاص، وعليه يتأسس متن جديد يقع وراء المتن المقروء، يعمل على سحب كبسولات المتن الملغوم- المقروء.

بالإضافة إلى ذلك توجد قراءة بصرية لسرديات الصور الفوتوغرافية الموجودة على الغلاف الأمامي للرواية، وهذه الصور تعطي إيحاءات متنوعة للقارئ في إيجاد المعاني، وإيجاد القيمة الدلالية للشخصيات التي تقص، وتُخبر في النص- الروائي، وهذه القراءة المزدوجة، تشكل المدخل للتغلغل إلى الآخر، لا بوصفه موضوعا بل بوصفه ذاتا فاعلة، وميزة القراءة البصرية اذ تعطي معاني مشتركة فورية بين الروائية والقارئ، بعكس القراءة – النصية التي تمنح القارئ حرية في تعددية التأويل في القراءة.

ويكون الخوف المحور الأساسي في الرواية، ويتمركز فيها بكثافة، ويسود في النص ويظهر ذلك جلياً على زهرة ( فمنذ وعيت وأنا في حالة اضطراب دائمة حالة خوف) ص125، بحيث يصبح الخوف ظلها الذي لا يفارقها حتى النهاية (أنا وحدي فقط مع الخوف)ص159، ففي البداية يستعبدها بالخضوع للحياة، وفي النهاية تتحرر منه بالانتماء للموت/ الظلام، بمعنى ان موت الجسد(هو وحده القادر على تحريره: (بعد موتك، تصير الهاً). ادونيس – الصوفية والسوريالية)، (العتمة قد تحولت إلى خوف وجسمي قد تحول إلى خوف)ص227، وما بينهما يتناسل الخوف بشتى الأشكال، مخترقاً لغة النص، ويأتي الخوف في القسم الثاني بشكل مضاعف، لتداخل خوف الحرب الأهلية مع خوف زهرة الدائم، ولان الحرب لا تجري في الواقع فقط، بل تجري وتنتشر في الذاكرة ايضا، لذا ففي هذا القسم يمتزج التاريخ الفردي مع التاريخ الجماعي، وتعبر لفظة الخوف هنا برمزها عن ابعاد عديدة تكاد تكون مفتاح الرؤية النقدية للرواية، فيصبح الخوف/ رمز – دلالة- وعي- أسطورة، وأحيانا يتخذ صيغة مواجهة في النص، فعند زهرة يكون مواجهة مع الذات المستلبة، المقهورة، ومع الجسد/ المرأة، وعند هاشم علوش مواجهة مع السلطة القمعية، وعند ماجد مواجهة مع المجتمع الذي نبذه، احتقره، أدانه لانحداره الطبقي العمالي، ولقد وضعتهم الشيخ في مواجهة اخرى، مواجهة الكبت والعنف، والعمل على إنضاج العلاقة غير المتكافئة بينهم لكي تعري(النفوس البشرية المرعبة، وكأنها في الجحيم)(4).

وتتلبس بالخوف منذ البداية وهي طفلة، (وقفنا خلف الباب نرتجف) ص9، وتتصاعد استراتيجية الخوف كلما توغلنا في الرواية، وكلما توغلنا في الحلول في جسد زهرة، إلى حين تساقط قطرات المطر في النهاية (إني خائفة) ص125، ليغرقه المطر في الموت، موت زهرة، عند ذلك يغادرها وهي غارقة ما بين الماء والدم، ما بين الحياة والموت، ما بين العبودية والتحرر، ما بين الانطفاء والانبعاث، وعودتها إلى حالة التوازن بعدما كانت قد فقدته، في حروبها المتعبة، وعودة الخارج / الوعي إلى الداخل/ الجسد، (انها تمطر، وقلبي يمطر، وعقلي يمطر) ص113.

ونقطة الانطلاق في الرواية، هي الكراهية، والاشمئزاز من الواقع الذي ترصده في عناية فائقة بكافة أشكاله الإنسانية والسايكولوجية، وبالأخص رصد المشكلة الخطيرة للمجتمع الا وهي تهميش وتغييب المرأة، ورصد الرؤية الذكورية التسلطية في العلاقة معها، ورصد النظرة المتخلفة عنها، وتناولت ذلك عن طريق توظيف البنية الجنسية المقترنة بالأبعاد الاجتماعية – الاقتصادية- النفسية- الثقافية، ومن خلال هذه البنية نتطلع إلى الأبعاد لاكتشافها، ومعرفة مدى ارتباطها بالحركة التاريخية- السوسيولوجية، وتثمين قيمة المرأة/ الأنثى في كلية المجتمع الشمولية، وفي اللحظة ذاتها تبين حنان الشيخ حدة التناقض بين المرأة والرجل، وبين المرأة والمجتمع، وعملت بإعطاء زهرة خصوصية إنسانية/ جسدية – أنثوية، غير اعتيادية، غير طبيعية، مع تعميدها من قبل أمها منذ الصغر بالخوف والخيانة(أدخلتني مغطس الحيرة والتساؤلات والسحر وأنا ما زلت صغيرة) ص12، فالأم خانت زوجها لتوكيد ذاتها، أما زهرة فخانت جسدها لانفصاله عنها، مما أنشأ تقاطعا بين الجسد والأنوثة، واختلال توازنهما، ليؤدي بها إلى حالة فقدان التوازن مع العالم، وليتحد الخوف مع الجسد في سلبية مخيفة، اذ تفقد هويته حتى مع الآخر، وتكون واقعة ضمن مغامرة التابع والمتبوع، فلا الجسد تابع للأنثى، ولا أنثى مالكة لجسدها، لذا قام الخوف بقذف زهرة خارجه كشاهدة تجاه الجسد(كنت شاهدة منذ البداية حتى النهاية، حتى الآن انا متفرجة، ثم شاهدة على خرق عذريتي فوق السرير القذر، وعندما حملت كنت شاهدة على هذا جسمي وعلى طاولة الدكتور العجوز، وممرضته) ص118.

وتتحدد علاقة زهرة الجسدية في ثلاثة محاور/ رجال، ومن خلالهم تتشكل صورة زهرة السايكلوجية وتكون العلاقة بينهم علاقة حوار لغة الجسد، لا صوت ينبعث منهم، كل واحد يخاطب ذاته، والتحاور يكون معها بلغة الجسد فقط، لأنها هي أصلاً لا تجادل الآخر ولا تتفق معه ( ربما ظن أني لا اقرأ ولا اكتب، وإلا ما كنت هنا اتعاطى لغة الجسد) ص178، حتى وجهة نظر الشخصيات الرجالية الثلاث لا يتم الكشف عنها من قبل المؤلفة ولا من قبلهم، فقط عرفتنا بهم من خلال علاقتهم الجسدية مع زهرة، فمالك استغل طيبتها ليغرر بها ويفض عذريتها، أما ماجد فأراد إخفاء نقصه الداخلي، وعقده بها، فتزوج منها، واخيراً القناص الذي تمتع بجسدها، وعندما اخصّب قتله( هل قتلني لأني حبلى ام لأني سألته اذا كان قناصاً) ص226. فالاقتناص هنا دلالة رمزية لمسخ إنسانية الإنسان، وإدخاله دائرة الحيوان.

ومما يزيد تعقيد إضاءة هذه العلاقة او الولوج فيها لاكتشافها، ان زهرة لا تقوم ببيع جسدها مقابل المال، ولا تعرضه لشبقية به، ( ومرة سحب من جيبه مئة ليرة وحاول ان يضعها داخل حمالتي، ارتجفت ذقني وأجهشت بالبكاء، وددت يدي ابحث عنها حتى أعيدها) ص162، حتى لا تربطها بهم علاقة حب او عشق (لا. لم أحبه. لم أطقه)ص118، ولو تعمقنا أكثر في دراسة مثل هذه الفقرات، ستجعلنا نكون في الموضع الصحيح والقراءة الصحيحة وستضيء مفاصل النص الرئيسية التي بدورها ستضيء المساحات المظلمة للنص لاستبطان أسراره الدفينة.

والقارئ الذي لا يرى في لقاء زهرة بالآخر/ الرجل، الا بنية سردية جنسية مفضوحة لا يمكن ان يدرك القيمة الدلالية- الجمالية في النص، ويخلق إشكالاً تفسيرياً، ولا يمكن ان يستخرج المضامين الإنسانية والتناقضات الذاتية والطبقية والطائفية( فأحمد ورفاقه يقولون انهم يحاربون الاستغلالية، ويريدون لفت النظر إلى مطالب الشيعة المغبونة)ص153، ولا يمكن ان يحيط باستراتيجية النص الشاملة، فالجنس لم يتخذ بعداً شهوانياً عند حنان الشيخ، إنما وظف كبعد إنساني، لأجل الإدانة والتغيير، فالحس الجنسي- الإنساني( يندمج بالمحتوى اندماجاً عضوياً حياً، وبالطريقة التي يتخذ بواسطتها هذا المحتوى شكله، وهو يحمل إلى الأثر الفني الحياة التي ما كان يبلغها ابداً إلا إذا خاطب الكائن البشري بكامله)(5)، بمعنى عدم تجريد الجنس او الفعل الجسدي من محتواه الإنساني، وجعله مجرد متعة رخيصة ورغبة محمومة، لان هذه النظرة تنجح في تشويه العمل بكامله وتكريس الاستلاب للمرأة.

وتوجد في الرواية أربع وظائف مختلفة ترتبط بأربعة مستويات، وتكون مهمة الربط المتواجدة في النص، تثبيت الوظائف الملتحمة بالمستويات التي تكون متوازية ومتداخلة ببعضها، وتؤدي ذلك إلى انفتاح المعاني المغلقة، والعمل سوية في اتجاهين متعاكسين مع النص وما وراء النص وهي :

1- وظيفة كرنفالية على المستوى الواقعي.

2- وظيفة تدميرية على المستوى السايكولوجي.

3- وظيفة خيانة على المستوى الأخلاقي.

4- وظيفة مغامرة على المستوى الشخصي.

والمعنى العام يظهر في الرواية، من الفعل الجسدي المتعدي على الفعل الرمزي، الاجتماعي، النفسي، فهكذا يلتقي الفعل الجسدي مع الفعل التدميري لمدينة بيروت، ومع الفعل الكرنفالي بالالتقاء بالآخر، ومع الفعل الخياني في تدنيس الجسد، والفعل المغامري في تفجير

الجسد، وهنا يتميز الفعل الجسدي بكونه بنائياً من الداخل، ومتشظياً من الخارج، مع بقاء العلاقة الجدلية بينهما، لان بدون هذه العلاقة تتيه المعاني، ولا نمسك بأسباب التمزق الداخلي لزهرة، وغرائبية الحرب الأهلية اللبنانية.

ان جوهر الرواية يكمن في تجربة زهرة في الطفولة، تجربة اغترابية تفتتح بها الرواية، تجربة مزدوجة ما بين الأم والبنت ومختلفة، فبالنسبة للأم احتفالية، أما لزهرة فتكون متسمة بالغرابة والخوف، في غرفة مزيفة ودكتور مزيف.

يقول هيدجر: البداية هي الأكثر غرابة والأشد قوة، فعندما تشاهد الطفلة- زهرة أمها تقفز عارية من بين شراشف الرجل الغريب، فما هو رد الفعل الذي سيتركه هذا المشهد؟! وما هو الانطباع الذي سينحفر في الذاكرة ويوشمها به ؟ وما هي الآثار السايكلوجية التي ستخلفها هذه التجربة وراءها مستقبلاً ؟

ومن ثم تنقلنا حنان الشيخ من عالم الطفولة- زهرة إلى عالم المرأة – زهرة فوراً بلا أي تمهيد وبأسلوب التداعي في بداية الفصل الثاني، من خلال جملة اخبارية تخبرنا فيها زهرة بانها فقدت عذريتها، ، واجهضت مرتين، وما بين المشهد الاول والجملة الاخبارية تقع مئات الصور الغائبة او المفقودة عن ذهن القارئ، بحيث تجعله في حالة ارتباك للوهلة الاولى، ولكن بعدئذ تستقر الصورة وتتوضح، ولكي يعيد بناء المشاهد في مخيلته، وليسد الفراغ الموجود بينهما، نلاحظ مع اوبير بانه (اذا ما أريد لقراءتنا ان تكون قراءة متماسكة وشمولية فلا بد لها من العمل في اتجاهين اثنين، متحركة مع تيار الكلمات وعكسها، وتكون النتيجة واضحة)(6)، عليه تتشكل الصور الممتلئة بالمعاني.

وابتداءاً من شخصية زهرة وبقية الشخصيات الروائية: الأم – الأب – احمد – مالك – الخال – الزوج – القناص، كل واحدة من هذه الشخصيات انما هي مركز رؤيتها لان كل منها يطل على عالم غير عالم الاخرين، ونحن على اطلاع تام على هذا العالم، انها مراكز مستقلة متفاعلة في اللحظة ذاتها، وهذا ما حصل لزهرة بطلة رواية " ميرأمار" لنجيب محفوظ، فهي المركز الرئيسي للمراكز الأخرى، وهذا جعل بعض النقاد يسبغون عليها رمز مصر، ولكن وجهة نظر زهرة "ميرمار" لا توجد، لان نجيب محفوظ لم يفرد لها فصلاً خاصاً بها، بينما " حكاية زهرة " كانت الراوية في جميع الرواية باستثناء فصلين.

وتعبر حنان الشيخ عن تجربة شخصياتها، وتكشف عن صعوبتها وثقلها على حياة الإنسان، وتعمل على ان تشاركهم خصوصيتهم بعين مراقب، وبالذات زهرة( حين كان بلزاك يتكلم عن قصته سارازين عن مخصيّ بزي امرأة كتب هذه الجملة " كان المرأة بكل مخاوفها المفاجئة، كل نزواتها الطائشة، واضطراباتها الغريزية، واجتراحاتها من غير سبب، وتبجحاتها، ورقة مشاعرها" )(7)، ولكن حنان الشيخ عملت على إضفاء بعد دلالي – رمزي لبطلتها، في تأويل البنية الواقعية لجسد زهرة، وهذا يدفعنا إلى الغوص عميقاً على لا نهائية المعنى الرمزي، لان العمق هو الجوهري، ولأن التأويل يعطي المتلقي حرية المشاركة بفعالية في البحث والتنقيب في النص، لاستخراج المعنى الرمزي/ الاشاري من الواقعي الأيديولوجي، مما جعل الجسد يأتي منحرفاً في النص، وهو ما سعت اليه الروائية، ومن خلاله إحالتنا إلى الرمز الاجتماعي- السياسي، وإلى الحرب الأهلية اللبنانية، رغم ان سلطة الجسد مفقودة، ولكن رمزيته موجودة بكثافة، وهذه الإحالة تضعنا أمام رواية مخيفة تحكي عن تمزق الجسد: الإنسان والمدينة، وتمزق ألحكي، وكأنها بذلك (تلملم أجزاء الجسد الاجتماعي- النفسي: جسد البشر والمكان، جسد الروح والعيش)(8)، وهنا يشكل التمزق والخوف عنصرا توحيدياً بين الجسد/ زهرة وبين المدينة/ بيروت للشروع في عملية للعثور على الذات خارج نفسها( فكما يتكون الجسد ابتداءً في رحم الأم ( جسدها) كذلك يتفتح الوعي الإنساني ويستيقظ محاطاً بوعي الآخرين) باختين.

وقد كتب الباحث احمد الصمد عن الرواية اللبنانية المتأثرة بالتقنية الفرنسية الحديثة، وكيفية الاستفادة منها في تصوير الحرب الأهلية وانعكاساتها على تفكك البيئة الاجتماعية- الاجتماعية- الفكرية، وتفكك بنية النص الروائي وانعكاس ذلك على الشخصيات الروائية، بما فيها الشخصية الرئيسية التي جاء فعلها غرائبياً وموتها طبيعياً في " حكاية زهرة " :

موجة تفتت فيها الشخصيات والنصوص وانتقل السرد من التردد والقلق إلى التداعي والإبهام والتهافت، لكأنما تقنيات الرواية الفرنسية الجديدة، قد وجدت في رعب الحرب اللبنانية وتخبط المثقفين في دوامته وضياعهم في متاهاتها واحتراقهم في اتونها، الأرض الخصبة التي نبتت وتنضج، حنان الشيخ في " حكاية زهرة "(9).

ولكن حنان الشيخ تميزت عن بقية الكتاب اللبنانيين بان أضافت عنصراً مهما إلى هذه الموجة، بتناولها مشكلة المرأة المحاصرة بالشوفينية الذكورية، والرؤية الاجتماعية المتخلفة باعتبار ان جسدها لعنة عليها، وعورة لها، ومدنسة به، من خلال مزاوجتها بهذه التقنية والحرب الأهلية الوحشية، التي عملت على إعطائنا معطيات خطيرة لوقوع المرأة في دائرة الاستلاب والقمع والخوف، لذلك جاءت الرؤية عميقة مكثفة لسيادة الأيديولوجية الرجالية في الأوضاع العائلية، والبنية السياسية، والتركيبية الطبقية- الطائفية.

والإيقاع الجمالي للجيد يشبه إلى حد كبير إيقاع الرقص بالجسد، فكلاهما لديه طريقة لاختراق دائرة الفهم، للوصول إلى تفهم الآخر والعالم موضوعيا بمعنى اكتشافه ومن ثم اعادة بنائه بطريقة إنسانية جمالية فنية، حيث يتحول الفعل/ حركة الجسد إلى لغة عالمية تفعل فعلها، كالموسيقى، والرقص، هنا الجسد ليس محتاجا إلى كلام، لان كل الكلمات تتساقط، تتعرى، تضمحل، يبقى فعله، فالجسد يفصح عن نفسه، عن نزعته، عن ثورته، عن انبعاثه المطلق، مع كونه وسيلة للإبحار إلى دواخل الآخر والعالم والذات، وهذا ما أدركه اغلب الروائيين العرب، فهذا الروائي الياس فركوح في رواية " قامات الزبد " يبين مدى فاعلية الجسد في الوجود الإنساني، ومدى حضوره في تلك اللحظة(10):

جاء صوت خطواته اولاً . فتح الباب فدخلت. تلاشى الانتظار وحضر الجسد.

سألته، وما كان جسداهما قد تعارفا بعد: ومن أنت؟

وأحيانا يتوازى الجسد مع الفكر، او يلتقي في علاقة جدلي الفعل- الوعي، ويكون في مستوى واحد في تحمل المسؤولية السوسيولوجية، وهذا ما نشاهده عند الروائية المغربية خناثة بنونة في رواية " الغد والغضب "(11).

- من المسؤولة الآن، رأسي أو نفسي؟

- وأجبت :

- لعله الآن جسدي

ووظف جسد المرأة في الأساطير القديمة لأهميته الكبيرة فيها، ولكونه يمتلك قوة عظيمة في تغيير الإنسان وجذبه إلى المدينة، وتركه الصحراء، كما فعلت البغي- الجسد السومرية في انكيدو، البطل- المتوحش:

هذا هو أنها البغي " شمخة " فاكشفي عن نهديك.

اكشفي عن عورتك لينال من مفاتن جسمك.

لا تحجمي، بل راوديه وابعثي فيه الهيام.

فانه متى ما رآك انجذب إليك.

انضي عنك ثيابك ليقع عليك

علمي الوحش الغرّ فنّ (وظيفة) المرأة (12).

يبين لنا هذا النص السومري، عمق سحر الجسد وسلطته على الآخر وقوته الأسطورية عليه، والكشف عنه بكونه مساوياً للمعرفة، بحيث تتحقق فيه معادلة غائبة هي ان الكشف= المعرفة، انه تجربة السفر في الحلم والخيال، واكتشاف عشبة الخلود التي فقدها كلكامش، لبناء رؤية شمولية للعالم، ضمن حوارية الجسد، التي اعتمدت الروائية عليها في بناء الرواية، وعلى سردية اللقطة السينمائية المتداخلة مع بعضها، بالاشتغال على تقنية السرد المتوازي / المتزامن لتصوير عدة حالات في آن واحد، وهذا مما شحذ النص الروائي بحوارية جدلية متكاملة في مقطع واحد، يقع تحت تسمية ذاكرة وذكريات:

ماجد الزوج الغريب عني، ماذا يفعل إلى جانبي في السرير؟ ماذا أفعل أنا إلى جانبه؟ ماذا يفعل فوق جسمي؟ يا أبن خالتي قاسم . ابعد يديك عن أسفل بطني، لا أريد ان أعكر نوم جدي، يا خالي كيف تنبض عند فخذي. هربت من لبنان إليك. لماذا أعدتني إلى تلك الغرفة الحقيرة حيث كنت أرتجف كلما سمعت عجلة سيارة فوق الأرض، في الغرفة التي رأتني عارية؟ ووالدي وخياله فوقي، وأمي في فراش واحد مع الرجل الذي كان يعطني الدمى، وفخذ الدجاج، يا مالك هل لا زالت تحاضر، هل لا زالت تأخذ الفتيات إلى المقهى، مقهى الهاربين ؟ ص103.

وفي حكايات " ألف ليلة وليلة "، كلما تتوغل شهرزاد في القص، كلما تبتعد عن الموت وتقترب من الحياة، فعند انتهاء القص تبدأ حكاية شهرزاد خارج القص لتصبح حكاية غير مقروءة، أما في " حكاية زهرة " كلما تتوغل زهرة في ألحكي، كلما تقترب من الموت وتبتعد عن الحياة، لذا فعندما يبقى ألحكي مفتوحاً، تكون حكاية زهرة منتهية ولتصبح حكاية مقروءة ذات دلالات رمزية.

في نهاية الرواية يتساقط المطر على زهرة / الراوي ( نقاط مطر خفيفة أخذت تتساقط وكلما لامست وجهي وقدمي. ازداد الألم) ص255.

مما يدفعنا للتساؤل ما الدلالة – الرمزية للمطر الذي يغسل زهرة كما غسل الدكتور خليل في رواية " باب الشمس " للروائي الياس خوري. عندما وقف مخاطباً يونس ألأسدي الذي مات في نهاية الرواية:

أقف هنا والليل يغطني، ومطر آذار يغسلني، وأقول لك لا يا سيدي، الحكايات لا تنتهي هكذا، لا (13).

المطر يعمل على التطهير، مع العمل على تعميدها بالماء والضوء والدم للوصول إلى بوابات الشمس، بوابات جسد بيروت المشرع على قارات الانسان السبع، بكل لغاتها وأجناسها وأشكالها وألوانها.

كونت الروائية حنان الشيخ تشكيلة نهلستية، باتحاد جسد / المرأة مع جسد / اللغة الذي أعطى نتائجه في جمالية النص- الروائي " حكاية زهرة " والذي جعلنا نلاحظ (ثمة انتصار كبيرة لهوية المرأة بإعطائها الهوية الصوتية – الفكرية، بدلا من الهوية الجسدية)(14).

 

أسامة غانم

............................

الهوامش والاحالات:

1- تزفيتان تودوروف – المبدأ الحواري : دراسة في فكر ميخائيل باختين- ت فخري صالح ص124، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

2- م باختين- قضايا الفن الإبداعي عند دستويفسكي – ت د . جميل نصيف، ص189 دار الشؤون الثقافية، ط1، بغداد 1986.

3- جورج لوكاش- الرواية كملحمة برجوازية- ت جورج طرابيشي، ص9، دار الطليعة، بيروت 1979.

4- م باختين، المصدر نفسه، ص213.

5- هنري لوفيفر – علم الجمال – ت محمد عيتاني، ص74، دار الحداثة، بيروت.

6- ال. ال. جيمز – النص وما وراء النص- ت- د. محمد درويش ص85، مجلة الأقلام العدد الرابع/ تموز – آب/ 2001.

7- رولان بارت- نقد وحقيقة- ت- د. منذر عياشي ص15، مركز الإنماء الحضاري، دمشق.

8- يمنى العيد – تحول في التحول: مقاربة للكتابة الأدبية في زمن الحرب اللبنانية، ص29، دار الآداب بيروت 1993.

9- مصباح احمد الصمد- الرواية الفرنسية الجديدة وتقنيات التجديد- ص214- 215، مجلة عالم الفكر، العدد الرابع 1990.

10- الياس فركوح- قامات الزبد (رواية) ص69، مؤسسة الابحاث العربية، بيروت 1987.

11- خناثة بنونة- الغد والغضب (رواية) ص77، دار الشؤون الثقافية، بغداد / دار النشر المغربية.

12- ثلماستيان عقراوي – المرأة : دورها ومكانتها في وادي الرافدين، ص191- 192 منشورات وزارة الثقافة والفنون، بغداد 198.

13- الياس خوري- باب الشمس (رواية) ص537، دار الآداب، بيروت 1998.

14- حسن ألنصار- اكتمال هوية الأنثى، مجلة تايكي، العدد السادس، صيف 2001.

(*) حنان الشيخ – حكاية زهرة (رواية)، بيروت 1980.

* نشرت في جريدة الاديب الثقافية العدد 53 في 29 / 12 / 2004 .

 

سوران محمدإميلي ديكنسون انموذجا

ان للشعراء والادباء دورا فاعلا  أثناء الحروب الأهلية، حيث لا يقف الشعراء مكتوفوا الايدي عن التعبير الوجداني الخالص لرفض اراقة الدماء داخل وطن واحد، وقد قدم بعض  الشعراء العالميين أكثر من مجرد كلمة عابرة للتعبير عن مشاعرهم بشأن الحرب، ولم يرضخوا  للتأثير السياسي أو كسب  مادي مقابل بيع أقلامهم ومواقفهم في نفس الوقت، وهذا ما ينتظره الجمهور دوما من الشعراء.

وكما يعتقد البعض بأن  الشعر له غرض ورسالة. سواء أكان ذلك لإقناع المخاطب، أو   للتذكير بأحداث مٶلمة وأخذ الدروس منها أو لنقل استجابة عاطفية وهكذا... كان الشعر ومايزال يعتبر نوعًا شائعًا وفعالا من التعبير الأدبي. وخلال الحروب الأهلية  أكثر ما بين الشعر موقفه رفضا واستنكارا، بل حتى استخدم الشعر لحشد  موقف الرفض أو الدعم، أو التعبير عن الولاء أو لتجسيد مآسي الحرب. بينما يجد كل شاعر في نتاجه غرضًا مختلفًا، فعلى سبيل المثال لقد استخدم الشعراء خلال الحرب الأهلية الأمريكية الشعر للتعبير عن رفضهم أو دعمهم وابراز جانب القسوة والرعب  فيها حتى الوصول الی درجات اليأس المزرية داخل النفوس.

لم تظهر الی الملأ نتاجات إميلي ديكنسون إلا بعد وفاتها. غالبًا ما يشار إليها بأسم غريبة الأطوار، حيث أبقت منعزلة  جل وقتها في غرفتها، وغالبا تفاعلها الاجتماعي كانت حصرا مع الزوار من خلال الترحيب بهم داخل غرفة منزل عائلتها. وبالرغم من افتقارها إلى التواصل الاجتماعي، لكن ديكنسون تعتبر واحدة من أكثر الشعراء الأمريكيين إنتاجًا وتعقيبا للأحداث.

كانت مواقف  ديكنسون ضد التفرقة ومع الاتحاد، وحافظت على المراسلات مع العقيد هيغينسون، الذي ادلی بتصريحه لاحقا في "الأطلنطي الشهري". قائلا ان فترة الحرب الأهلية كانت الفترة الأكثر غزارة لديكنسون، وقال بدوره أنها كتبت على الأقل نصف قصائدها أثناء مرحلة الحرب الاهلية. وبسبب طبيعتها المنعزلة لم تكن قصائدها مرتبطة بالحرب مباشرة ولم ترها بأم أعينها أو شاركت فيها.

هنا في مقطع الاول من هذه القصيدة تكشف ديكنسون عن الرعب الذي شعرت بها  أثناء   الحرب، وقد رقمت القصيدة بـ  ٤٤٤   وكتبتها الشاعرة في عام ١٨٦٣:

"من الخزي أن تكون على قيد الحياة -

عندما يموت الرجال الشجعان  - "

هنا ترجمة كاملة للمقاطع الخمس لهذه القصيدة الرباعية التي راعت فيها الشاعرة الوزن والقافية:

***

- القصيدة رقم ٤٤٤ –

من الخزي أن تكون على قيد الحياة -

عندما يموت الرجال الشجعان  -

و يحسد المرء  الغبار المتميز

عندما تسمح -  بالشروع في المعركة –

.

الحجر الذي يخبر عن الدفاع عن من

وضع هذا الاسبارطي بعيدا

كم نملك قليلا منه

رهنا من أجل الحرية -

.

الثمن رائع - مدفوع بشكل ممتاز -

هل نستحق - شيئا -

تتراكم تلك الارواح - مثل الدولارعلى البعض -

قبل أن نحصل عليها؟

.

ها نحن ننتظر - بقيمة كافية -

لمثل هذه اللؤلؤة العظيمة

لأن حياتنا - ذابت   -

في وعاء الحرب الرهيب ؟

.

قد يكون –   شهرة  حياة -

للرجال الذين ماتوا -

أولئك غير المساندين - المنقذين -

 وان الاله حاضر

***

جدير بالذكر ان تأريخ كتابة هذه القصيدة تصادف العام الذي وقع فيه أبراهام لينكولن على إعلان تحرير العبيد، ولكن بعد بضعة أشهر وقعت أكثر المعارك دموية في الحرب الأهلية - معركة غيتيسبيرغ. 

تتأمل  هنا ديكنسون في الأثر العبودي لسفك الدماء والأرواح التي فقدت في قضية "الحرية" الساخرة. حيث دارت الحرب الأهلية حول موضوع العبودية: الحق في امتلاك العبيد وجني الفوائد الاقتصادية من الآثار المدمرة للعبودية على البلد وحقوق العبيد أنفسهم من جهة أخرى. ومع ذلك، فهي لا تتحدث عن الجهة التي خاضت الحرب من أجلها وهل كانت تستحق  كل هذه التضحيات واراقة الدماء.

نعم فان الجنود الذين يموتون من أجل مصير بلدهم تطلق عليهم "بيادق الحرية". لكن إجابة السؤال عن من هم  رواد الحرية الذين يموتون من اجل نيلها، فهذه النقطة ستبقى غامضة في القصيدة. عندما تسأل ديكنسون عما إذا كانت "نحن ننتظر" .. تستحق الثمن الهائل المدفوع بالدم؟ فهي تشير إلى العبيد الذين ينتظرون التحرر. إنها تستخدم البلاغة في الجثث المتراكمة  عندما تشبهها بـ: "أوراق الدولار على البعض" لتوضيح وجهة نظرها حول مسألة العبيد، تشير ديكنسون أيضًا إلى الاسبارطة الذين ماتوا ببطولة في غزو تأريخي مع الفارس. هل تساءل المدنيون اليونانيون الذين حاربوا، أجرا وثوابا؟ هل أثمنوا المزارعون والرعاة وأهل البلدة أنفسهم بـ "القيمة الكافية وكانوا على قدر مسٶلية الاحداث؟".

في نهاية المطاف ، تضع  ديكنسون  نفسها في مكان أولئك الأمريكيين الذين شاركوا في الحرب من اجل التحرير ولا تزال تسأل نفسها عما إذا كانت الحرية تستحق  اراقة الدماء "و خلق جو من الرهبة". وفي النهاية لا نعرف ما كتبه العقيد هيغينسون إلى ديكنسون عن معاركه وقواته، ولكن رسائله ربما قد زرعت هذە الافكار في مخيلة الشاعرة.

أستنباطات النص:

١- الحرية هدف سامي وانها تستحق التضحية، اذا لم توجد بدائل.

٢-لا يمكن تبرير الوسيلة أيا كانت، من اجل الوصول الی الغاية المرسومة.

٣- هل يمكننا ايجاد بدائل عن الحروب من اجل الحفاظ على كرامة الانسان وتجنب التدمير؟

٤- ليس هنالك المستفيد من الحروب وقد تٶدي الى التشريد والافزاع والكوارث.

٥- لا يموت من يستشهد من أجل قضية عادلة، بل دائما يتردد ذكراهم على الالسنة.

٦- ان حياة الانسان ذات قيمة لا بديل لها، فمن الافضل ايجاد حلول سلمية للنزاعات.

٧- تجنب الحروب الاهلية ايا كانت مبرراتها وانها بالنتيجة ستٶدي الى الخراب والتخلف.

٨- بما ان الشاعرة لا تتدخل في تفاصيل الحرب الاهلي ولا تميل الی أي جماعة الا انها عبرت عن استنكارها لها، وهذه هي الرسالة السامية للأدب علی مدار القرون.

 

سوران محمد

........................

المصادر:

genius.com/Emily-dickinson-it-feels-a-shame-to-be-alive١- 

 engquiringminds.wordpress٢-

  Wikipedia/ Emily-dickinson٣-