عبير خالد يحيىمقدمة وإغناء: إن مصطلح أدب الرسائل يطلق على المراسلات أو الرسائل التي تكون بين شخصين شهيرَين في عالم الأدب، وغالبًا ما تكون بين صديقين أو ربما عشيقين[1] .

"وهو فن نثري جميل يظهر مقدرة الكاتب وموهبته الكتابية وروعة أساليبه المنمقة" [2].

 أو هو مخاطبات رسمية تاريخية أو دولية.

 وبذلك تنقسم الرسائل إلى نوعين: النوع الأدبي، والنوع الرسمي، والرسمية في تلك الرسائل تأخذها من الاتجاه الأدبي إلى اتجاه التوثيق.

لم يكن لفن الرسائل دور يُذكر في الحياة الأدبية والاجتماعية في العصر الجاهلي لقلّة شيوع الكتابة والقراءة، وبروز الفنون الأدبية الأخرى كالخطابة والشعر وهي فنون مشافهة. بينما شهد ازدهارًا كبيرًا في القرنين الثالث والرابع الهجري، أواسط العصر العباسي، وأواخر العصر الأموي (رسائل ابن زيدون وولادة بنت المستكفي)، فظهر بكامل هيبته، متكئًا على ركيزة أن الدعوة الإسلامية حثّت على تعلّم الكتابة والقراءة، وعندما قامت الدولة الإسلامية أُنشئ ديوان الرسائل، فهو أكثر الفنون الأدبية التي تقوم على هذين العمودين (الكتابة- القراءة)، فجاءت تعريفات تخصّ الرسالة بهذا المفهوم تحديدًا: "الرسالة هي ما ينشئه الكاتب في نسق فني جميل في غرض من الأغراض، ويوجّهه إلى شخص آخر، ويشمل ذلك الجواب والخطاب"[3].

وقد حفلت الكتب التراثية ودواوين الأدب العربي بضروب من الرسائل الإخوانية والعلمية والأدبية، منها ما حمل لفظ الرسائل بدلالاتها المختلفة مثل: رسائل الجاحظ، ورسائل أخوان الصفا، ورسائل بديع الزمان الهمذاني، ورسائل أبي بكر الخوارزمي...[4]

أمّا في العصر الحالي، فقد تراجع هذا الفن - أو على الأقل- لنقل أنه لم يعد يتمتع بذات القوة التي كان عليها سابقًا، بسبب انتشار أجناس أدبية عديدة في السرد والشعر، لكن بحال من الأحوال لا يمكننا أن نغفل قوّة حضوره في الساحة الأدبية في مراسلات أدباء اشتُهروا به خلال ماض قريب العهد بنا، منها رسائل مي وجبران، غادة السّمان وغسان كنفاني، في أوروبا جان بول سارتر وسيمون دو بوفوار، كافكا وميلينا، وغيرهم من الأدباء الذين كتبوا ونشروا رسائلهم في العشق والأدب.  

مستويات الدراسة الذرائعية  

1- التبئير الفكري أو البؤرة الثابتة Static Core:

وهي استراتيجية الكاتبة في كتابة نصوصها، أو على الأقل في كتابة هذا النص تحديدًا، والاستراتيجية التي اتبعتها الكاتبة في التناص التاريخي، ونقصد بالتناص التاريخي الالتزام بحُبَك قديمة تغذّيها بمجريات العصرنة في التطوّر والتجريد، أي أن التاريخ يعيد نفسه، بماذا؟ بإعادة الحوادث التاريخية، فالأدب يعيد نفسه في الحدث الإنساني، ولهذا السبب عندما كان شيكسبير يكتب مسرحياته، لم يكتبها بحبكة من عنده، وإنّما جميع حبكه أخذها من التناص التاريخي من روايات أو مسرحيات أدبية من أمم أخرى قد اشتهرت فيها كبؤر أدبية أو فلوكلورية، وكُتبت بتكنيكات وأسلوب أدبي هو الأسلوب الشعري الشيكسبيري الذي أدخل فيه فلسفات متعددة، فأصبحت نصوصًا موازية عبر التناص التاريخي، فكل نهاية تعيسة سُبِقت بحب عذري هي روميو وجولييت، وكل من قتل حبيبته هو عطيل، وكل من تردّد في الانتقام هو هاملت، وكل من بالغ في الشّح هو شايلوك، وكل من طارده البوليس عن جريمة لم يرتكبها هو جان فان جان، وكل طفل عاش حياته مشرّدًا هو أوليفرتويست، وكل رجل كبير لم تثنه مجاهل الحياة هو سانتياغو...

إذًا لا تخرج هذه الرواية (شاعر وملهمة) عن التناص التاريخي الشامل، ولا تعطينا عبرة جديدة إلا من خلال التجارب القديمة، وسنرى ذلك عند التفسير التدريجي المدعّم بذرائع علمية موزعة على المستويات الذرائعية.

التقنيات السردية في هذا العمل الأدبي:

استخدمت الكاتبة أدب الرسائل، وهو أدب شحيح في أدبنا الحالي، لأنه يعتمد على أشياء علمية (وثائق مكتوبة بخط صاحبها)، فهو أدب وثائقي يثبّت الوقائع، وقد يعتقد الكثيرون أن أدب الرسائل هو أدب رومانسي في التجنيس الأدبي، لكنه ذرائعيًّا يُعتبر وثائق رومانسية، حيث تُعتبر الرسالة المكتوبة نصًّا، أي وثيقة لا يمكن التغيير فيها، فعند التجنيس لا نقول أن الرواية أدب رومانسي، وإنما أدب وثائقي رومانسي، لأن المحتوى العام الذي كُتبت فيه الرواية هو البؤرة (الرومانسية) التي تحملها تلك الرسائل، واستطاعت فيها الكاتبة أن تنقلها ببراعة من بؤر إلى أحداث مرتبطة بخيوط سردية تجنح نحو خيمة الروي.

إن التشويق مرهون بوجود التكنيك، فإن لم يكن هناك تكنيك يختفي التشويق، ولهذا السبب نجد أن الروي المعاصر يحمل تشويقًا أكثر من الروتينية الكلاسيكية.

وتجنيس العمل رواية كلاسيكية واقعية موثّقة عبر رسائل.

2- الخلفية الأخلاقية Moral Background:

هذا العمل فيه دعوة لتلمّس معالم الجمال والأخلاق والفضيلة في كل ما يحيط بالإنسان، ودعوة لقبول الآخر وتقديره واحترامه على النحو الذي يليق مهما كانت الاختلافات الشكلية والفكرية والطبائع، بما لا يتنافى مع تقدير واحترام الذات، فالاحترام والتقدير لا يعني قبول المشاركة الحياتية بأي حال من الأحوال، فللقلب اختيارته أيضًا ولو كانت خاطئة، كما وجدت في هذا النص الكثير من الارشاد التربوي الذي تدعو فيه الكاتبة من خلال تجربتها التربوية إلى اتباع أساليب سلوكية إيجابية في التعليم بعيدًا عن أساليب العنف والترهيب النفسي المتّبع وإلى الآن للأسف في الكثير من المدارس العربية.

ومن البؤرة ننطلق إلى المستويات الذرائعية الأخرى:

أولًا- المستوى البصري واللساني: External and Linguistic Level

أتجاوز بهذا المستوى عن عتبة الغلاف لأن الرواية جاءتني ملف pdf بدون صورة غلاف، وأنتقل للعتبة البصرية الثانية وهي:

العنوان: شاعر وملهمة، جملة اسمية، عنوان ثنائي القطب، الواصل بينهما حرف عطف، كاشف لفحوى الرواية وملخّص لها، فالأحداث ستدور بين هاتين الشخصيتين الفاعلتين.

العتبة الداخلية:

الإهداء: إلى شخص باسمه وهو شاعر وأديب غيّبه الموت مغمورًا، الكاتبة باسمه الصريح، وإلى من القطب الأول في الرواية (فيروز) ونقول لعلّه الاسم الحركي للشخص الأول، ولم تفصح الكاتبة عن ذلك صراحة:

الإهداء

إلى

روح الشاعر والأديب الكبير

الذي رحل ولم يحظ بالمكانة التي تنبغي له

فوزي عبد الهادي عبد الله (رحمه الله)

 

إلى

" فيروز"

بعض دين في عنقي

(وصية حان تنفيذها)

 ميّ

 منوف – أبريل 2016

إن الإهداء بهذه الصيغة يحيل إلى أن العمل سيرة ذاتية تكتبها الكاتبة عن أحداث جرت بينها وبين الشاعر المذكور باسمه الصريح، لكن إن لم تصرّح الكاتبة بذلك فلا يمكن الجزم بذلك، سيما وأنها لم تذكر اسمها الصريح في الإمضاء، لذلك نحيل السرد بكل الرسائل والوثائق والمذكرات إلى ذمّة الساردة (ميّ).

العمل يقع في 10 فصول معنونة وموزعة على 183 صفحة،

بالنسبة إلى التنسيق المطبعي لا يمكنني أيضًا الحكم لأن العمل مقدم لي بصيغة ملف، وعلامات الترقيم كما هي بالملف ليست كما يجب، فهناك تكرار لعلامات بعينها من غير مبرر، وتحل النقاط الثلاث أو النقطتين مكان الفاصلة، وأفترض أن المطبوع الورقي أفضل حالًا من الملف.

راعت الكاتبة عند نشر الرسائل المنظور أو الخصائص العامة للرسالة، من ذكر المرسل والمرسَل إليه، وتذييل الرسالة بالإمضاء والتأريخ.

على المستوى اللساني:

الألفاظ المستخدمة من قبل الكاتبة في هذا العمل هي ألفاظ سهلة مألوفة، صاغتها في تراكيب وجمل تراوحت بين القصيرة والمتوسطة، في سياق النظم والنحو لم أجد أي خلل أو خطأ في تركيب الجملة نحويًّا، والعاطفة هي العنصر الأكثر بروزًا في هذا العمل، ولا نستغرب ذلك، فموضوع العمل قائم عليها منذ الاستهلال إلى النهاية، الأفكار كلاسيكية متناسبة مع موضوع العمل، والخيال بالقدر الذي يستلزمه الوصف لا أكثر، أما الصور الأدبية فقد زخر بها العمل ضمن علَمي البديع والبيان:

- اليأس والوحدة سيفان .. سيفان يقتلان عصارة الأمل (استعارة)

- نفسي نهر مليء بالنتوءات والهضاب والصخور العالية (استعارة)

- خلتُ قرص الشمس غاب ثم حضرتِ، فحضر البهاء (كناية)....

الموسيقى الشعرية تخلّلت بعض فقرات الرسائل، فالمرسل شاعر، والصياغة الأدبية لا تخطئها لا العين ولا الأذن، وبالعودة إلى تعريف أدب الرسالة سنجد أن أهم ما يميزه هو الموهبة الأدبية والأسلوب القوي المنمّق، وكان للسجع حضور لافت.

الكاتبة طبعًا على دراية تامة بالأجناس الأدبية، وظهر ذلك واضحًا باستخدامها تقنية الرسائل والمذكرات والخواطر، بمعرفة تامة بحدودها الجنسية وميزاتها الأدبية والبلاغية.

 ثانيًّا– المستوى الحركي في التحليل Dynamic Level

أتناول فيه بنائَي العمل، البناء الفني والبناء الجمالي.

- البناء الفني:

وندرس فيه التشابك السردي وعناصره، ابتداء من قاعدة المثلث السفلي التي تحمل العنوان والاستهلال، وكنّا قد تحدثنا عن العنوان، ونتحدّث الآن عن:

1- الاستهلال أو المقدمة:

عنونت الكاتبة أول فصل بروايتها ب (هذه الرواية)، أما استهلاله فكان مقدمة زمانية، الزمان فيها ليس صريحًا وإنما هو حقبة زمنية معروفة ومقرونة بعروض فنية سينمائية نقول عنها مجازًا (أيام الزمن الجميل) تقول الكاتبة:

أذكر أن أحداث هذه الرواية دارت في نفس العام الذي عرضت فيه هذه الفلام السينمائية الرائعة، وكم تأثرت بها كثيرًا، (حبيبي دائمًا لنور الشريف وبوسي وقد أحدث ضجة واسعة وحقق نجاحًا جماهيريًّا بيننا نحن جيل الشباب العشريني....)

ثم تنتقل لذكر ووصف المكان الذي بدأت منه الأحداث:

ولعل أغلب الأحداث انطلقت من المدرسة الاعدادية التي عملت فيها في بدء حياتي العلمية في إحدى القرى التابعة العريقة في أقصى جنوب دلتا نهر النيل.... 

2- الصراع الدرامي وبناء الحدث:

استخدمت الكاتبة في بناء الحدث الطريقة التقليدية: حيث تدرّجت بحدثها من المقدمة حتى العقدة ثم النهاية، متتبعة التطور السببي المنطقي.

على النحو التالي: تدور أحداث الرواية في قرية من قرى الدلتا شمال مصر، بطلتها مدرسة علوم تدعى (أمنية- أو مي كما تحب أن يناديها الغير) خانها خطيبها مع صديقتها، فانعزلت على نفسها، في المدرسة تعرّفت على مدرّس لم يكن له حظ من الوسامة في الشكل ولا من الرتابة في الهندام، حتى اسمه كان غريبًا (فيروز)، حالما رأته زميلتها صافيناز سخرت من شكله بالغمز واللمز، فلم يرق ذلك لمي، فهي لم تعتد السخرية من الغير، ولكنها أيضًا لم تتورّع عن وصفه، (وكما أسلفت سنجد الوصف متوفرًا بكثيرة في هذا العمل) وكان فيروز شاعرًا وأديبًا، عندما عرف (فيروز) أن (مي) تقرض الشعر وتكتب الرواية والقصة أهداها أول أعماله المنشورة " انتحار عاشق"، ردّت عليه بخواطر مكتوبة حولها، وبدأت الرسائل بينهما، تطورت لغة الرسائل التي كان يرسلها فيروز من تعريف بنفسه وإمكانياته الأدبية وغرابة تفكيره وتفرّده إلى إعجاب ب (مي) ثم حبّ جارف لم تستطع (مي) أن تجاريه فيه، لأنها كانت ما تزال تحمل لخطيبها حبًّا لم تمحه خيانته، كما أنها لم تستسغ الارتباط ب (فيروز) لانعدام التكافؤ بينهما، بالمختصر هي لم تحبه، وكتبت له رسائل تخبره بشعورها الحقيقي اتجاهه، لكنه واصل إرسال رسائلة العاشقة، ففكّرت أن تلعب معه لعبة (تطفيش) كما يقال بالمعنى المجازي، وهو أن تشوّه صورتها بذهنه، حتى يكرهها ويكفّ عن ملاحقتها بحبّه، فأخبرته أنها تقبل الزواج منه شريطة أن يقدم لها سيارة وفيللا ومصاغًا ذهبيًّا، اندهش من طلباتها ولكنه قبل بها! عندها أخبرته صراحة أنها لا تحبه ولن تقبل الارتباط به، وتركت المدرسة واتجهت نحو الدراسات العليا، في تلك الفترة عاد إليها خطيبها السابق، وافقت على الرجوع إليه انتقامًا من صديقتها التي خانها معها، تزوجته وسافرت إلى الخليج لتدرس في إحدى الجامعات هناك، ثم عادت إلى مصر ونشرت روايتها الأولى، وبدأت البحث عن فيروز، التقت به في إحدى الندوات، وأنه تحوّل عن الكتابة الأدبية إلى إلى كتابة الأبحاث الدينية، وعرفت منه أنه تزوّج زواجًا تقليديًّا، وأخبرها أنه لم ولن يحب غيرها، تساعده بالانتساب لاتحاد الكتاب بعد أن أصبحت أديبة مشهورة وبقي هو شاعرًا مغمورًا رغم إبداعه، وكان قد أخذ منها وعدًا أن تنشر رسائله لها عندما يموت، تعود إلى الخليج وتغيب سنوات، تعود بعدها لتجده قد مات، فتقرر عندها نشر قصتها معه مضمنة إياها رسائله تنفيذًا لوصيته.

تعذّبتْ كثيرًا وتالّمت وحزنت بلا حدود حين بلّغها المرسال برحيله، فانبعثت الذكرى حيّة مرة أخرى تؤكد حضوره، عاشت حزنًا كبيرًا لم يزل يصاحبها كلما استرجعت ذكراه، فأخرجت أوراقها المخطوطة منذ ربع قرن، تهمس لنفسها: الآن آن الأوان ... الآن آن الأوان.

حبكة بسيطة لا عقدة بارزة فيها، قصة حب من طرف واحد ومعالجة واقعية متناصّة مع الكثير من قصص الحب المشابهة غير المتكافئة، ونهاية حزينة كانت منطلقًا لنشر الرسائل بقالب روائي.

لم تغب العاطفة عن العمل، وأظنّ أن الكاتبة نجحت في أن تولّد في المتلقي تعاطفًا مع فيروز ذلك الشاعر الذي لم تساعده (الكريزما) الخاصة به على الظهور كما ينبغي لشاعر حقيقي مبدع، لينال مكانته الأدبية المفترضة كأديب بمستوى إبداعه، كما لم يفز بقلب من أحب. التعاطف الآخر - ولو كان أقل- كان من نصيب (مي) التي لم تتحرّر من حبّ مَن خانها، وعاشت معاناة مؤلمة نتيجة تلك التجربة القاسية، ولكنها نجحت في الانكماش على جرحها دون أن تضحّي أو تلقي بنفسها في قصة حب لم تلامس مشاعرها، وبقيت مخلصة لوعد قطعته لإنسان لم تهبه قلبها.

حققت الكاتبة عنصر زمن الحدث الذي امتد على طول عام دراسي 1979-1980

أما زمن الرواية منذ البداية إلى النهاية فقد استغرق ربع قرن من الزمن.

أما سردية الحدث أي طريقة سرد الأحداث، فقد استخدمت الكاتبة طريقة السرد المباشر حيث قدّمت الأحداث في صيغة ضمير الغائب (السارد العليم)، كما استخدمت طريقة الوثائق والرسائل عند معالجتها لموضوع الرواية.

 تناوب على السرد سارد عليم(ضمير الغائب)، وسارد مشارك هو (مي) (ضمير المتكلم)، ويتنقّل السرد بينهما بذات الفقرة أحيانًا.

3- الشخصيات

شخصيتان رئيسيتان قامت عليهما الرواية:

فيروز: الذي قدّمت (مي) بعده الجسدي بهذا الوصف:

(كل شيء فيه كان غريبًا شاذّا لافتًا، قصره مع انحناء ظهر محدودب بانكسار حزين، شعره الأكرت الذي تركه طويلًا متعامدًا محتجًّا فوق رأسه الذي يحمل عينين جاحظتين مؤرقتين مفتوحتين مشدودتين وقد برزت حمرتهما بشكل لافت دالة على سهر وأرق طويل، وجهه مستدير باتقان كوجه أنثى في غير جمال أو وسامة، وجبينه مقطب كأنه لم يعرف الابتسامة ولا انفرجت أساريره بالفرح طول عمره، فتحتا أنفه الأفطس المتسعتان كأنهما خلقتا لجمع هواء الكون كله في شهيق واحد، شفتاه المطبقتان في صمت بائس واسى واضح، نظراته الزائغة تدور في أنحاء الحجرة شاردة لا تستقر على شيء...ملابسه المهملة التي يرتديها بغير عناية كفتى بوهيمي يهيم في الطرقات، جاكته المفتوح بتراخ وتهدل، كرافتته المفكوكة المعوجة كأنه أراد أن يخلعها قبلما يخرج ونسى).

طبعًا لم تغفل الكاتبة البعدَين الآخرَين، الاجتماعي والنفسي، وسأتكلم عن هذين البعدين معًا عند (مي) كما أوردته الكاتبة:

زهرة تتفتّح على الحياة، عذراء خجلى نشيطة متفوقة طموحة تملك إرادتها ولديها الكثير من الأحلام ورصيد هائل من أحزان وجراح، تختزنها صامتة بكبرياء معاند،وإصرار عنيد لتخطي الصعوبات وتحديّها، لا تعترف بفشل ولا تستسلم ليأس، يدعمها أبوها الحنون العطوف الموجه والمرشد بخبرة حكيم، والصديق الصدوق الذي الذي يحتويها ويصدقها النصيحة أولًا وأخيرًا ودائمًا، .... تميزت بالخلق القويم والاستقامة المشهود لها بها والتي يشيد بها الجميع، حتى صارت مضرب الأمثال ، ومحطّ الأنظار كفتاة مثالية جمعت بين الجمال والعلم والأخلاق وأناقة المظهر وصيت العائلة العريقة ما لم يتوفر لكثيرات غيرها.....

- البناء الجمالي:

ناقشنا السرد في البناء الفني، وهو العنصر الذي يراوح بين البنائين، أنتقل للحديث عن:

1- الأسلوب:

استخدمت الكاتبة الأسلوب الواقعي لأنها كتبت برسائل، والرسائل هي إخبار بين شخصين عن موضوع موثّق.

2- الحوار:

لم يكن هناك حوارات خارجية، ولا حوارات داخلية، فالكاتبة اكتفت بالخواطر كبديل للحوار الداخلي، وبالرسائل كبديل للحوار الخارجي، معتمدة على حقيقة أن الرسائل لها ذراعَين تجعلها ثنائية الإخبار (حوار – ومتن للحدث). لذلك أفقدت العمل الأدبي التشويق، لأن الحوار يعطي حيوية وديناميكية في التشويق والإخبار بنفس الوقت، والحواريزيد النص تشويقًا، ويعطيه إدراكًا سهلًا وسريعًا لمحتويات النص الموازي من قِبَل المتلقي لإيصال الحدث إليه بيسر واكتفاء. 

ثالثًا- المستوى النفسي

نأخذ منه:

1- المدخل السلوكي Behavioral entrance:

وهو مدخل استفزازي ومحفّز، يهتم بحركة الكاتب السلوكية في الكتابة[5]، سأحاول أن استخرج بعض المسميات السلوكية والتساؤلات التي تخص تلك المسميات التي تخرج من رأس قلم الكاتب والتي برزت من الحبك الأدبي وكوّنت أفكارًا قد لا ينتبه لها الكاتب أحيانًا.

كان هناك:

تساؤلات فلسفية:

- هل الإنسان إلا روح وقلب نابض يضيفان للعقل سحره وجلاله واكتماله؟

- أنعيش مجرد أجساد، وتزن كل أمورنا وكل مقاييسنا مقياس الجسد والعقل والحكمة ، هل الحياة فقط جسد وعقل وحكمة؟

تساؤلات نفسية:

- لِمَ ألوم نفسي كثيرًا وأعذبها وأكثر من ندمي؟ هل لأني أخطأت في حق نفسي وحق أهلي معه عندما خنت ثقتهم بي ورحت أقابله من وراء ظهورهم، بل وأسافر له وأقضي سويعات معه

- ولكن هو الاخر يلوم نفسه ويعذبها مثلي لأنه يشجعني على ذلك ولم يعترض أو يمنعني او يوجهني، أليس هو الآخر بمخطئ؟

- أم أن الخطأ بالنسبة لي يظل عارًا وبالنسبة له لا شيء على الإطلاق ؟ لا لأي فضل يعود إليه ولكن لأنه رجل.

تساؤلات اجتماعية:

- إن الحياة حياة بكل ما فيها، بكل تناقضاتها، لكن لِمَ دائمًا يلومون علينا نحن معشر النساء، ولا يلومون على الرجل؟

2- المدخل العقلاني أو التوليدي Mentalist entrance

وهذا المدخل يهتم بكل ما يتولد من فكر وأحداث، فهي قليلة بالنسبة لسعة الحياة وامتدادها[6]، فالواقع الافتراضي هو عالم استنساخي للواقع الحقيقي، وصورة مزيّنة له يزوّقها الكاتب لتكون محببة للمتلقي، فما يكتبه الأديب مأخوذ من تجربة ثلاثية تتكون من ثلاث عناصر كما تراها الذرائعية، وتلك الثلاثية تتحكم في قلم الكاتب وتوجهه نحو خدمة المجتمع عملًا بالمبدأ الذرائعي (الأدب عرّاب المجتمع)، والثلاثية هي:

- أحداث الحياة الحقيقية: تناصت الكاتب مع أحداث الحياة الواقعية، فالخيانة، والحب من طرف واحد، والموت، كلها أحداث ولّدتها الحياة.

- تجارب الكاتب الشخصية: والمرجح أن الكاتبة في هذا العمل تكتب تجربة شخصية

- التجارب والأحداث التي مرّ بها غيره وقد شاهدها أو قرأ عنها:

لقد تناصت الكاتبة مع غيرها من الأدباء بالرسائل المتبادلة بين أديب وأديبة، وقد ذكرت ذلك صراحة على لسان (فيروز) في إحدى رسائله:

" أأناديك بمي؟ أم بولادة بنت المستكفي وقد كانت تعيش في العصر الأندلسي، وعشقها ابن زيدون"

" صدقيني الارتباط الحقيقي هو الارتباط الروحي والفكري على الأقل لأمثالنا، فهكذا ارتبطت مي بجبران ، وولادة بابن زيدون، وسيمون دي بوفوار بسارتر"

" صدقيني هذه هي الحقيقة والعقيدة الفكرية الروحية هي الباقية و الجسد سينتهي ولذا تكلمت الأيام عنهم جميعًا بعد الموت، وكذلك كان دانتي وبياتريس وهكذا كان أبو قاسم الشابي وحبيبته"

فالتناص عنصر مشترك بين الأديب والحياة وتجارب الآخرين، وقد دخلت الكاتبة حيّز التناص بثلاثيته.

الخاتمة:

مؤكد أن العمل ينفتح على رؤى غير محدودة بقدر القراءات وبقدر المتلقيّن، وهذا ما أعانني الله على تقديمه في حضرة عمل أعادتنا فيه الكاتبة فعلًا إلى زمن الحب العذري - الزمن الجميل- الذي كانت فيه المشاعر تُسطر على ورق ملوّن بأزاهير البوح الشفيف، فشكرًا لها، إن قصّرتُ فمن نفسي، وأعتذر، وعذري أن الكمال لله وحده.

 ***

دراسة ذرائعية مستقطعة رواية (شاعر وملهمة) للدكتورة أميمة منير جادو أنموذجًا

بقلم الناقدة الذرائعية الدكتورة عبير خالد يحيي

......................................

 المصادر:

- مقال لمحمود الدموكي – 26 مارس 2019 موقع تسعة

- الذرائعية في التطبيق – طبعة مزيدة منقحة – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – دار نشر النابغة – 2019

 - الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي –

الهوامش

[1] مقال لمحمود الدموكي – 26 مارس 2019 موقع تسعة

[2] الذرائعية في التطبيق – طبعة مزيدة منقحة – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – دار نشر النابغة – 2019 صفحة 32 

[3] الذرائعية في التطبيق – عبد الرزاق عودة الغالبي – طبعة مزيدة منقحة – دار نشر النابغة 2019 – صفحة 32

[4] نفس المصدر السابق.

[5] الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – دار النابغة للنشر والتوزيع – 2019 صفحة 158

[6] الذرائعية بين المفهوم الفلسفي واللغوي – تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي – صفحة 159

 

معراج احمد الندويإن طاغور يمثل جزءًا لا يتجزأ من التراث الأدبي البنغالي، ولقد احتل طاغور مكانا فريدا في تاريخ الهند الحديث، بل في تاريخ الشرق كله، حتى استحق بحق أن تخلع عليه جائزة نوبل في عام 1914م.

 كان طاغور في حياته وفعله ونشاطاته وإنجازاته وإبداعات المتنوعة والفنية، عالمياً بكل ما تحمل هذه الكلمة من معانٍ. تفسّر كتاباته أحلام الإنسانية كلها. تناول في كتاباته أفكاراً عالمية تهّم البشر جميعاً وتدافع الإنسانية كلها.

جمع طاغور في شعره حكمة الشرق وثقافة الغرب والإيمان العميق بالشعب والجماعة الإنسانية. كان يحب الإنسان ويقدس حقه ويجهد في سبيله، لم يفقد قط حتى في أحلك ساعات حياته إيمانه بالإنسان، ولم يئن قط عن السعى الدائب في سبيل تحقيق سعادة الإنسان.

كان الإ نسان عنده هو الإنسان في أية صورة ركب، وفي أي أرض ولد ونشأ، كان يرى الإنسان قديسا لأن الصورة التي تتجلى فيها القادر المطلق وعظمة الخالق على الأرض، كان يريد أن يعيد للبشرية إتزانها وإيمانها القيم الإنسانية التي تحتفي بالمادة وتقدر الروح حق قدرها بلا اسراف في الأولى أوتطفيف في إثباته.

لقد ترك طاغور أكثر من ألف قصيدة وأكثر من ألفي أغنية بالإضافة إلى العديد من القصص القصيرة والطويلة والمسرحيات والمقالات التي عالجت موضوعات كثيرة مختلفة. ولوأن انتاج طاغور لم يقف على هذا، فالشعر والأدب يستنفدا كل طاقاته الكامنة العارمة، فعمد إلى الموسيقى يؤلف فيها ويفرغ بعض طاقاته وإلى الرسم ينفس عن بعض مكون طاقاته الفنية.

شكلت الأوضاع المعيشية المتردية للفلاحين، وتخلفهم الاجتماعي والثقافي موضوعاً متكررا في العديد من كتاباته دون أن يخفي تعاطفه معهم ويعود أروع ما كتب من نثر وقصص قصيرة تحديدا إلى تلك الحقبة الثرية معنويا في حياته، وهي قصص تتناول حياة البسطاء، آمالهم وخيباتهم بحس يجمع بين رهافة عالية في التقاط الصورة وميل إلى الفكاهة والدعابة الذكية التي ميزت مجمل تجربته النثرية عموما.

في العام 1901م أسس طاغور مدرسة تجريبية في شانتينكاتن لتطبيق نظرياته الجديدة في التربية والتعليم، وذلك عبر مزج التقاليد الهندية العريقة بالغربية الحديثة، واستقر طاغور في دراسته مبدئيا التي تحولت في العام 1921 إلى جامعة فيشقا بهاراتيا ، جامعة الهندية للتعليم العالمي.

قام طاغور بإنتاج عمل ذو هيكلية استثنائية تمكنت من تغيير وجه الأدب الهندي، لم يكن مجرد شاعر أو مبشر هندي حيث بعد عقود من الزمن على وفاته لا يزال هذا الرجل الأشبه بالقديس حيًّا من خلال أعماله و في قلوب أهل الهنود الذين لن ينسو فضله في إغناء تراثهم.

كرس طاغور حياته وقلمه لخدمة الإنسان وتثبيت حقوقه، تحمل قصائد طاغور صبغة إنسانية كتبها لكل البشرية بمختلف مشاربها وجنسياتها، كانت كل قصائده عملية زراعة حب في الكون وفي الناس وفي الشوارع:

لقد جاء الحب.. وذهب

ترك الباب مفتوحاً

ولكنه قال انه لن يعود

لم أعد أنتظر إلا ضيفاً واحداً

انتظره في سكون

سيأتي هذا الضيف يوماً

ليطفئ المصباح الباقي..

ويأخذه في عربته المطهمة

بعيداً.. بعيدا..

في طريق لا بيوت فيه ولا أكواخ

كان طاغور المنافح الإنسان في كل مكان يذوب قلبه وعصارة ذهنه،لا يعرف في دفاعه حدودا ولا سدودا، ولا يفرق في تقدير الإنسان وقيمته بين جنس وجنس، ولا بين لون وعرق، ولا بين دين وثقافة.

هذا الإنسان الفريد الذي كرس حياته للإنسان واستلهم شعره من روح الإنسان. ومن رسالته خالق الكون  للبشرية جمعاء، ومن إيمانه العميق بأن كلمة الله العليا ورسالته البشرية لن تدرك حق الإدراك إلا حين تسود الحرية وتتحقق العدالة الاجتماعية.هذا الإنسان الفريد بحق كلنا منا في الحرية والعدالة الاجتماعية ،ومن حقه علينا وعلى الإنسانية التي وجه ضراعاته إلى مالك الملك لييتقذها من سالك الضلال ويهيدها إلى الصراط المستقيم، أرسل أغانيه واشعاره ليوقظها من سباتها وينضها من كبوتها.

لقد كتب طاغور في رسالته الأخيرة وهو يقول: "مهما يكن من شيء فاني لن ارتكب الخطيئة الخطيرة: خطيئة فقدان الايمان بالانسان او الاذعان للهزيمة التي حاقت بنا في الوقت الحاضر على اعتبارها نهائية وحاسمة، بل سأظل اتطلع بأمل الى تحول في مجرى التاريخ بعد ان تزول هذه الغمة الجاثمة، وتصفو السماء ثانية وتهدأ، وربما بزغ الفجر الجديد من افقنا هذا، افق الشرق، حيث تشرق الشمس. وعندئذ تهب روح الانسان التي تهزم لتقوده من جديد الى طريقه، طريق التقدم رغم كل العو ائق، ليسترد تراثه الضائع".

إن هذه الرسالة هي رسالة الإيمان بالإنسان، ورسالة الإيمان بأن البعث الجديد سيأتي من الشرق، وهي التي تغنى بها طاغور في شعرهوهي التي تمثل لب فلسفته كلها.

طلع طاغور على المسرح العالمي من خلال كتاب صغير للقصائد النثرية كتبه باللغة الإنكليزية يسمى"جيتا نجالي" وهو عبارة عن ترجمة طاغور نفسه للمؤلف الأصلي الذي كتبه باللغة البنغالية، وكان هذا العمل تعبيراً عن عاطفة دينية، ومع ذلك نال شهرة كبيرة، وحظي باقتباسات كثيرة من قبل كبار الأدباء والفلاسفة في العالم، مما يثبت أن معلمي الحكمة الشرقية لديهم رسالة يمكن أن يفهمها البشر جميعاً. وهويقول: "أيتها البشرية العريقة هبي للعالم مثل طاغور فليصيح الناس ويهتفوا للاخاء والسلام والحرية وليرفعوا راية الايمان لرفعة الانسان وحبه لاخيه الانسان." هكذا نجد أن شاعرنا جعل منها رسالة فكرية وإنسانية، ومن أجل ذلك كافح وناضل فخسر مباهج الحياة ليظفر بالثمرة الناضجة، ووظف سنوات عمره في سبيل رفعة الكلمة وسمو الحرف.

كان يعتقد الشاعر أنه سيأتي اليوم الذي تصبح فيه القوى العظيمة للطبيعة في خدمة كل إنسان، ويتاح لكل فرد الضرورات الأساسية للحياة بالقليل جداً من العناء والتكلفة، وستكون الحياة سهلة على الإنسان مثل عملية استنشاق الهواء، وستكون روحه حّرة لينشئ عالمه الخاص.

عاش طاغور كل حياته مؤمنا بالانسان والحب والجمال، وكرس كل جهده ونشاطه الفكري لخير الانسان وانتج فكره النير كل القيم من اجل الانسانية. لقد فجّرت المعاني السامية للمحبة والجمال في ديوانه جيتنجالي الذي عبر فيه عن أمل جديد للإنسانية وهي غارقة في الحرب العالمية الأولى. كان يؤمن طاغور بأنه سيأتي يوم يعاود فيه الإنسان ذلك الكائن الأبيّ فخطّ مسيرته الظافرة على الرغم من كافة العراقيل ليعثر على ميراثه الإنساني الضائع.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

 

فالح الحجيةالشعر العربي  منذ ان وجد على الارض العربية وقالوه الشعراء وتغنوا به شق له طريقا واسعا من الريادة وكانت له الاولوية في تمثيل الحياة  العربية العامة واليومية في جزيرة العرب او في كل البلدان التي تكلمت اللغة العربية في ظل الاسلام  بعد  انتشاره على ايدى المسلمين الذين يعتبرون العرب نواة الحركة الاسلامية في تطورها وشموخها .

فللشعر كان دوره البارز والكبير في حياة الامة العربية وإن لم تبق له حاليا تلك المساحة التي كان يحتلها في عصوره المتقدمة وذلك لأن العرب بتطور حياتهم  تخلّوا عن الشعر او تغاضوا عنه أو أن الشعر لم يعد ممتعا  لهم كما كان في العهود الماضية وذلك بسبب تغيير ظروف الحياة وما الت اليه وتطوراتها ومدياتها وسبل ايجاد متعة افضل منه للنفوس العربية الا ان بعضا منهم وهم الشعراء ومستسيغوا الشعر والكلمة الفاضلة حيث دخلت إلى حياتنا أمور كثيرة  قللت من اهمية الشعر وضيقت مساحته على ساحة الحياة الواسعة  فقلصت مساحتها كثيرا .

كان العرب في الجاهلية يقضون اوقاتهم في السعي في طلب الرزق ورعي انعامهم  وابلهم نهارا اما في الليل فيتجمعون للتسامر والتحدث والاستماع للشعر باعتباره الفن الوحيد الذي كان سائدا في بلادهم تقريبا لذا كان العرب يعلّمون أولادهم الشعر وحفظه وقولهم له اضافة الى تعليمهم الأنساب لاعتزاز العرب بانسابهم وهي الامة الوحيدة من بين الامم العالمية التي لا زالت تحتفظ  بانسابها  لحد الان وتحفظها لاولادها حتى هذا اليوم  وتعتز بها وكذلك أخبار القبائل العربية .

يتبين لمن يقرأ دواوين الشعر الجاهلي ان الشعر الجاهلي يدور حول موضوعات بعينها مثل الوقوف على الاطلال لدى اغلب الشعراء في هذا العصر كالتشبيب بالمراة والفخر والمديح والهجاء والرثاء والحكمة وما اليها من الفنون التي كانت معروفة في ذلك الزمن والتي ربما لا يزال بعضها او اغلبها شاخصا ينسج الشعراء على منواله قصائدهم، فهذه الفنون او الاغراض كانت مالوفة في الشعر الجاهلي وما بعده من الشعر العربي .حيث كانت غايتها تسجيل القيم الخلقية والاجتماعية والقبلية في هذا العصر وهذه الفنون يظهر انها فيما بعد مما وصلت الينا في نصوص هذا الشعر في مراحلها الاولى، كموضوعات لمقطوعات شعرية كان يقولها الشاعر في هذه المناسبة او تلك ثم ما لبثت ان تطورت بتطور الحياة فتجمعت في عمل شعري واحد فكانت القصيدة .

ومن اهم خصائص القصيدة الجاهلية الجودة في استخدام الالفاظ ومعانيها بحيث تغلب جزالة الالفاظ القوية ومتانة الاسلو ب ووضوحه وعدم وجود المحسات البديعية و ان اتت فتاتي عفوية ويلاحظ ايثار الايجاز في القصيدة الا ان بعض الشعراء اطنب في قصائده ومع ذلك كانت معانيه جلية واضحة ومطابقة لحقيقة القول لانها فطرية وبعيد عن التعميق فتاتي بعيدة عن التانق والترتيب في فكرتها وخيالاتها وصورها الشعرية في الاغلب سطحية قريبة من المتلقي وتعتمد على التشبيه والمجاز لذا كانت اساليب القصيدة الجاهلية متشابهة الافكار قريبة من الواقع وشديدة الاحساس التصويري فتاتي قريبة من النفس .

فالرسوم والتقاليد الفنية والموضوعية قد فرضت نفسها على الشعراء الجاهليين بحيث لم تعد تصح قصائدهم الا اذا نسجت على نسجها من حيث الجمع بين هذه المعاني او اكثرها في نص شعري بعينه وهم يلتزمون في هذه القصائد الطوال في امرين أساسيين:

مقدمة القصيدة حيث كان الشعراء الجاهليون اغلبهم يبدأ قصيدته بالغزل وما يثيره في النفوس من مشاعر ومن ذكريات وما يتصل بها من وصف للاطلال والوقوف على ديار الحبيبة والتشبيب والتغزل بها، ثم الاخر موضوع القصيدة الاصلي ويشمل أي فن من الفنون الشعرية التي يقصدها الشاعر كالمديح والرثاء والفخر والحكمة...، ونستبعد فن الهجاء من هذا التقسيم فلا توجد قصيدة هجاء يبدؤها شاعرها بالغزل او الوقوف على الاطلال، .

وقد ظلت القصيدة العربية الجاهلية باسطة هذا الشكل الفني والموضوعي نفسه في رحلة الشعر الطويلة عبر العصور وحتى العصور المتأخرة وحتى الان .

بلغ من صراحة هذا النظام الذي فرضه شعراء العصر الجاهلي على بناء القصيدة، وان اكثر نقاد الشعر في العصور المختلفة قد تحدثوا عنه واتخذوا منه مقياسا فنيا يقوّمون على اساسه شعر الشعراء فمقصد القصيدة انما تبتدئ بذكر الديار والالم ولاثارة المتلقي حيث انه اقربلى القلوب والانفس. فيبكي الشاعر حبيبته ويشكوها لوعته ويخاطب ربعها فكان وصول ذلك النسيب من شكى شدة الوجد والم الفراق وفرط الصبابة والشوق ليميل نحوه القلوب ويصرف اليه الوجوه ويستلب الاسماع والمشاعر لما يقول، والشاعر المجيد من سلك هذه الاساليب وعدل الاقسام فلم يجعل واحدا منها اغلب على الشعر ولم يطل فيمل السامعين ولم يقطع النفوس ظمأ ها الى المزيد

ثمة راي اخر ربما نستنتج منه اتجاهين :

الاول السعي الى ايجاد رابطة نفسية وثيقة الصلة بين هذه الاغراض المختلفة وبين حياة الشاعر القديم، وبعبارة اخرى اضفاء نوع من الوحدة الفنية على هذا البناء الشعري .

الثاني يقرر حقيقة واقعية هي ان ذات البناء الشعري باغراضه المختلفة قد فرض نفسه على الشعر العربي واصبح تقليدا فنيا خالصا ينتج عن ضرورة فنية تقتضي بمتابعة الشعراء الجاهليين في منهجهم وتترسم خطاهم الفنية .

فالفنون الشعرية الجاهلية بقيت حية الى يومنا هذا في اغلبها ومن هذه الفنون اذكر منها ما يلي:

الفخر والحماسة:

كان العرب يفخرون بالشجاعة والكرم والصدق والعفاف وكان الشعراء بتبارون في الفخر بقبائلهم وبانسابهم وبانفسهم او بزعماء هذه القبائل وربما يصل الفخر الى حد المبالغة فهذا الشاعر عامر بن طفيل العامري يبالغ مفتخرا بقبيلته قيس عيلان فيقول :-

وما الارض الا قيس عيلان اهلها

لهم ساحتاها سهلها وحزونها

وقد نال افاق السموات مجدنا

لنا الصحو في افاقها وغيومها

اما في الحماسة فالشعر يعتبر احد الاسباب الرئيسة في تشجيع افراد القبيلة لمقاتلة العدو بحيث يمثل حقيقة الصراع القبلي على ارض الجزيرة العربية ويكاد يكون حاضرا في اغلب الوقائع والحروب بين تلك القبائل .يقول الشاعر عمرو بن كلثوم مفاخرا بقومه :

نعــمّ أناســنا ونعــفّ عنهـــــم

ونحـــمل عـنهـم مـا حمّلــــونا

نطــاعن ما تراخى الناس عنّـا

ونضـرب بالسـيوف إذا غشينا

بسمــرٍ مـن قــنا الخــطيّ لدنٍ

ذوابــل أو ببيــض يخـــتلــــينا

كأن جمـــاجـم الأبطــال فــيها

وســوق بالأمــاعــز يرتمـــينا

نشـــق بها رؤوس القـوم شقـاً

ونخــتلب الـرقــاب فتخــــتلينا

المديح :

و المدح في الشعر الجاهلي يتبين فيه نوعان :

الاول المدح الصادق: وهو مدح نابع عن عاطفة قوية تجاه الممدوح، ويتم مدحه بما فيه بحقيقة ما فيه ومنه ما جاء بمعلقة زهير بن ابي سلمى وهو يمدح هرم بن سنان والحارث بن عوف يوم توسطا لفض القتال بين عبس وذبيان في حرب (داحس والغبراء) وما صرفاه من اموالهما لفض هذا النزاع الطويل بين القبيلتين فيقول:

يميناً لنعم الســـيدان وجدتما

على كلّ حال من سحيل ومبرم

تداركتما عبساً وذبيان بعدما

تفانوا ودقوا بينهم عطر منشــم

اما المدح الاخر فكان لاجل الحصول على المال وقد اشتهر به شعراء قصور الملوك والامراء مثل النابغة الذبياني والاعشى الذين كانا يتكسبان بشعرهما وقد كثرت فيه المبالغة فهذا الشاعرالنابغة الذبياني في يمدح الملك النعمان بن المنذر ملك الحيرة فيقول:

فانك شمس والملوك كواكب

اذا طلعت لم يبد منهن كوكب

 

فان اك مظلوما فعبد  ظلمته

وان تك  ذا عتبى فمثلك يعتب

الرثاء:

والرثاء في حقيقته لا يختلف عن المدح كثيراً إلا أنه يختص بذكر صفات الموتى الحميدة فتقترن بالحزن والأسى واللوعة على افتقاده. وظهر هذا الغرض بسبب كثرة الحروب التي كانت تؤدي إلى قتل الرجال الأبطال، ومن ثَمَّ يُرثَونهم. ومن أبرز مميزاته صدق العاطفة ورقة الإحساس والصبر والجلد والبعد عن التهويل والكذب ومن اهم شعراء الرثاء الخنساء والمهلهل ودريد بن الصمة ويقول المهلهل في رثاء اخيه كليب الذي قتل في حرب البسوس:

دعـوتك يا كليب فلم تجبني      وكيف  يجيبنـي البلــد القفارُ

سقاك  الغيث  إنك  كنت      غيثاً ويسراً حين يلتمس اليسارُ

الغزل:

يرجع سبب ظهور الغزل في الشعر الجاهلي إلى حياة الصحراء التي تفرض على ساكنيها الترحال والتنقل فيتم الفراق بين المحبين بسببه، وقد كانت المرأة العربية تعرف بعفافها، مما زاد من محبة الرّجال لها وأخلاقها، ولم يكن في البيئة الصحراوية ما هو أجمل من المرأة وقربها الى قلوب وافئدة الرجال. وقد انقسم الغزل في العصر الجاهلي إلى قسمين:

الغزل الصريح: هو نوع من الغزل يصّور جسد المرأة بطريقة مباشرة، ومفاتنها ويمثله شعر الأعشى و امرؤ القيس فيقول :

فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا

لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ

فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ

وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي

خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا

عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ

هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ

عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ

تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ

والغزل العفيف: وهو الغزل السائد في العصر الجاهلي بكثرة، وفيه تصوير لحياء المراة وعفّافها وأخلاقها الجميلة، و يتميز هذا الغزل بكونه عفيفاً رفيع المستوى، يصوّر حياء وعفاف المرأة، ومنه ما جاء بشعر عنترة العبسي وزهير بن ابي سلمى وشعر ومنه ايضا قول الشاعر الشنفري :

لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعهـا

إذا ذكرت ولا بذات تلفت

كأن لها في الأرض نسيًا تقصه

على أمها وإن تكلمك تبلَّت

تبيت بُعيد النوم تهدي غبوقهـا

لجارتها  إذا  الهدية  قلت

تحل بمنجـاة من اللـوم بيتهـا

إذا ما بيوت  بالمذمة حلت

الوصف:

يرجع سبب ظهور الغزل في الشعر الجاهلي إلى حياة الصحراء التي تفرض على ساكنيها الترحال والتنقل فيتم الفراق بين المحبين بسببه، وقد كانت المرأة العربية تعرف بعفافها، مما زاد من محبة الرّجال لها وأخلاقها، ولم يكن في البيئة الصحراوية ما هو أجمل من المرأة وقربها الى قلوب وافئدة الرجال. وقد انقسم الغزل في العصر الجاهلي إلى قسمين:

الغزل الصريح: هو نوع من الغزل يصّور جسد المرأة بطريقة مباشرة، ومفاتنها ويمثله شعر الأعشى و امرؤ القيس فيقول:

فَجِئْتُ وَقَدْ نَضَّتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَـا

لَـدَى السِّتْرِ إلاَّ لِبْسَةَ المُتَفَضِّـلِ

فَقَالـَتْ : يَمِيْنَ اللهِ مَا لَكَ حِيْلَةٌ

وَمَا إِنْ أَرَى عَنْكَ الغَوَايَةَ تَنْجَلِـي

خَرَجْتُ بِهَا أَمْشِي تَجُرُّ وَرَاءَنَـا

عَلَـى أَثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّـلِ

هَصَرْتُ بِفَوْدَي رَأْسِهَا فَتَمَايَلَـتْ

عَليَّ هَضِيْمَ الكَشْحِ رَيَّا المُخَلْخَـلِ

مُهَفْهَفَـةٌ بَيْضَـاءُ غَيْرُ مُفَاضَــةٍ

تَرَائِبُهَـا مَصْقُولَةٌ كَالسَّجَنْجَــلِ

والغزل العفيف: وهو الغزل السائد في العصر الجاهلي بكثرة، وفيه تصوير لحياء المراة وعفّافها وأخلاقها الجميلة، و يتميز هذا الغزل بكونه عفيفاً رفيع المستوى، يصوّر حياء وعفاف المرأة، ومنه ما جاء بشعر عنترة العبسي وزهير بن ابي سلمى وشعر ومنه ايضا قول الشاعر الشنفري :

لقد أعجبتني لا سقوطًا قناعهـا

إذا ذكرت ولا بذات تلفت

كأن لها في الأرض نسيًا تقصه

على أمها وإن تكلمك تبلَّت

تبيت بُعيد النوم تهدي غبوقهـا

لجارتها  إذا  الهدية  قلت

تحل بمنجـاة من اللـوم بيتهـا

إذا ما بيوت  بالمذمة حلت

الحكمة:

والحكمة قول موجز مشهور يمثل سداد الحكمة وصوت العقل النابه في قول رائع التعبير، يتضمن معنى يهدف إلى الخير والصواب وتعبر عن خلاصة خبرات وتجارب صاحبها في الحياة وربما تأتي الحِكَم في بعض أبيات القصيدة كمثل اسستشهاد وتمتزج بالإحساس والعاطفة المؤثرة. وقد شاعت الحكمة على ألسنة العرب لاعتمادها علي التجارب واستخلاص العظة من الحوادث ونفاذ البصيرة والتمكن من ناحية البلاغة واشتهر بالحكمة الشاعر زهير بن ابي سلمى حيث يقول:

ومن يجعل المعروف في غير اهله

يكن حمده  ذ ما  عليه ويندم

وطرفة بن العبد في الحكمة يقول:

وظلم ذوي القربى اشد مضاضة

على المرء من حد الحسام المهند

توجد اغراض وفنون شعرية غير ما ذكرت قال فيها شعراء الجاهلية منها الاعتذار والخمرة ....

الا ان حركة تطور الشعر العربي لم تتوقف عما جاءت به القصيدة الجاهلية على اعتبارها اصلا فنيا يقيس عليه الشعراء اشعارهم وقصائدهم الحديثة ويحملونها على احياء الاساليب التقليدية الفنية للقصيدة الجاهلية القديمة فكانت القصيدة الجاهلية ولا تزال نبراسا يحتذى بها في الشعر العربي قديما وحديثا .

.

امير البيـــــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــــد روز

 

 

 

قاسم ماضيفي مجموعة القاص العراقي "شأت المندوي" التراشق بالعطر التاسع.

عن دار سطور للنشر والتوزيع -بغداد -شارع المتنبي، مدخل جديد حسن باشا - صدرت المجموعة القصصية للقاص العراقي المغترب الذي يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية  "نشأت المندوي" والمعنونة "التراشق بالعطر التاسع" وتقع في ص85 من القطع المتوسط .

تشتعل في كل ذات إنسانية مجموعة من الآهات ترافقها انكسارات، والتي يُطلق عليها "انكسارات الحزن الإنساني" وهذه الانكسارات المؤلمة للنفس البشرية من الصعب اقتناصها،إلا من يملكون المواهب والذين يبحثون عنها ويشتغلون عليها  في تفاصيل الحياة اليومية .

"علتنا في ثقافة الكراسي" ص71

وخاصة من المعنيين في المجال الأدبي والفني، عبر آليات تدفعهم إلى طرق أخرى،محاولين بذلك تخفيف وطأة هذا الحزن الإنساني، الذي أصبح يشكل خطرا على الحياة اليومية على مستوى الأفراد في كل مكان " الحرب انتاج بشري بذيء يكثر حين يغيب العقل " ص 27

وهم يؤسسون للقيم العليا في المجتمعات،  ومن هؤلاء البشر هم الأدباء، ولأن الأدب الملتزم هو أن يحمل الأديب هموم الناس الاجتماعية والسياسية ومواقفهم الوطنية، كارهين جميع الحروب وكل ما يخدش الإنسان . والمعني بهذا الشأن يواكب مسيرة هؤلاء الناس  بكل دقة ويحاول رسم  أفقه النير عبر  العديد من الطرق المشتعلة بالحب والحياة، وأن يقف الأديب بحزم لمواجهة ما يتطلبه هذا الأمر، ويصل إلى حد إنكار الذات في سبيل ما التزم به

" خبز السلطات ملوث لأنه يفتقر للمحبة "ص71

وهذا التيه  الطويل الذي يبحث عنه القاص "المندوي" ويسطره على الورق الأبيض حتى يلسع به قلوبنا المتصدئة، والتي تعبت جراء الحروب،  والموت، والقتل،والمشاكل التي أوصلتنا إلى ما هو عليه الآن  بسبب البعض، حتى صرنا في واد  والعالم في واد آخر،وهنا نقول للقارئ العربي بوصف النص كما يصفه البعض من المشتغلين في الحقل النقدي تعبيرا عن حساسية العلاقة بين الذات والآخر، أو بين القاص صاحب المنجز والواقع، أو بين النص والوجود، لأن الوجود بحد ذاته نص مبهم يحتاج إلى من ينهض به ويفك طلاسمه، "أن النواح لا يحمي وحيدك، كثري القطرات فالحزن الابيض اذا اقتحم الروح رمًدها "ص 29

وحتى لا يغيب عنا وعن المشتغلين في هذا المجال وأقصد المجال القصصي، ومنهم القاص المبدع  " نشات المندوي " الذي يكتب قصصه بمضامين إنسانية نابعة من أعماق إنسان يعيش المعاناة والحرمان "تتلوى بين محنة الأنتماء ونظرية الوطن " ص29

أن ما بين القص وفلسفته مسافة خاصة تشكل الرؤيا الجمالية عند المبدع الذي يكتب القصة أو الرواية، فالكل يعرف أن القصة رسالة وفلسفة تحمل رسالتها المجتمعية والإنسانية في قالب جمالي،و ما يدور من حوله من صور ومشاهد مؤلمة وخاصة نحن الذين يعيشون في هذا العصر،  وهو عصر الانحطاط  ورائحة الدم التي أصبحت تتناثر في مدننا المتعبة.

 "أن الحياة تتمدد لفصول باليوم وتضيق لساعات بالمزاج "ص44

 ومن إستعمال اللغة القادرة على الوصف والتوصيف، وصولاً بالقارئ إلى الرؤيا الجمالية التأملية، ومن خلال العنوان يتدفق هذا السيل الجارف بعذابات هذا الإنسان سواء كان رجلا أو امرأة أو طفلا،كما  أن للقصة دور في تقليل مقاومة التغيير،والقصة تجعل الموضوع حقيقا للمتلقي أوالجمهور وذلك لسهولة فهمها عبر لغة مختزلة، ومكثفة، وفيها من الدلالات الكثير حتى يضعك على جادة الصواب .

"متى يقلقك الوطن فتشعر بوجوب التضحية " ص81

  يقول عنه الناقد الكبير الدكتور "حاتم الصكر" يترك "المندوي" لقارئه التراكيب والعبارات، النهايات غالبا مفتوحة وأن يسهم في تخيل وقائعها .مؤكدا للقارئ لا تعيش القصة القصيرة هذه الأيام أفضل حالاتها، بسبب الهبَة الروائية الكاسحة التي نشهدها  منذ سنوات.وجاء القاص " المندوي " منذ العنوان إلى آخر قصة في مجموعته برسائل تبحث عن إيجاد حلول لمشكلات هذا العالم، وهي انسانية في غالبها تنحاز للمهمشين ومنهم المرأة خاصة وموقعها في المجتمع،وكذلك ما يحصل لشخصيات عادية من الشبان  واليافعين أو الكادحين،ومن هنا تأتي مجموعة القاص العراقي "نشات المندوي " تعضيدا لهذا الفن الموصوف بأنه الأخت الصغرى للرواية، وهي موضوعات  تقترب من الواقعية، ولكن المندوي ينقذها من الفوتوغرافيا باعتماده لغة شفيفة، ترينا ما فيها من مجازات وتشبيهات مقدرة الشاعر على الأرتفاع عن أرضية  الحدث لخلق عالم سردي .

"بداخلي صعد الشيطان ثملا،وفي مخيلتي تبخرت كل تشوهاتي  قاطبة " ص18

"والمندوي" الذي بدأ بكتابة القصة والنقد والمقالة منذ منتصف الثمانينات وله نتاجات ادبية منها "رائحة التفاح " مجموعة قصصية عام 2005   "مرافئ خجولة" مجموعة قصصية عام 2009 " حين يتكلم الجسد " عام 2014 ,.

ولا ننسى أن القاص " المندوي" ومن خلال قصصه التي كتبها في هذه المجموعة " التراشق بالعطر التاسع" وهو السارد يحاول  شحن مفرداته بطاقة معبرة نسق يمنحها التماسك، وهو يسرد ويصورّ كيف جرت الأمور معه في هذه الحياة،وما حقيقة عصره المبتلى فيه، حيث نجد قصصه التي تحمل كل ندوب هذا العالم الذي يأخذ مكانه تحت أسواط هذا العالم الذي تسيطر عليه الأيدلوجيات، وكل هذا نجده في قصة " جندي " الكبرياء " محنة" وغيرها

"لأن الحرية حين تتساقط ليست لها فصول" ص82

وحتى لا يفوتنا في هذه المقالة لمجموعة القاص "المندوي" الذي أراد القول أن القصة هي تعبير عن إيقاع الحياة، واعادة صياغة الحياة بحس فني قصصي راق، تقول عنه الكاتبة اللبنانية "مريم شهاب" في جريدة " صدى الوطن " ثمة كتب إستثنائية تحمل شحنة إبداعية كما لو كانت بيت شعر أو حكمة أو مثل،فيها ما قل ودل، ومنتصرة باختزالها .

"سنين وطاحونة الوهم تدور بي كناعور، يتأرحج بين أمل متهور وثرثرة بائسة " ص63 

"التراشق بالعطر التاسع" وهو يسيل ببساطة وسلاسة وأدبا رفيعا في قالب ذكي يفوح عطرا ودفئا ورشاقة وبدون تشنج .

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

جمعة عبد الله(الرواية الأولى) هي قصيدة للشاعر (عبد الستار نورعلي)، نُشرت لأول مرة عام 1971 في مجلة (الثقافة) العراقية التي كان يصدرها الراحل الدكتور (صلاح خالص)، ويرأس تحريرها زوجته الدكتورة (سعاد محمد خضر).

تمتاز القصيدة بأنّها واسعة الأفق والتداعيات اللامحدودة، التي تستنبط رحلة عذاب الانسان الطويلة، ومديات العشق ومراراته. قصيدة تعاطت في اسلوبها الشعري المؤثر اسلوبَ (الملاحم الشعرية) بنفَسها الطويل، الذي يستقرئ ويستنبط كلّ مرحلة من حكاية الرواية، في الإشارات الدالّة، في المجاز والاستعارة، من عمق طقوسها وتضاريسها، بين عذاب الانسان في العشق والخطيئة والدماء، والمشانق والرايات . إنّها رحلة طويلة من المعاناة والتحدّي في مراحل العشق، مراحل التاريخ العابقة بالدماء والخطيئة التي يتوارثها التاريخ الإنساني من عصر الى عصر، ولكلّ محطة من محطات عذابها في العشق .

لاشكّ أنَّ تأثيرات القصيدة ـ في تعبيرها وتصويرها ـ تستلهم الاسلوبَ الملحميّ في التعاطي مع الاساطير. وكما ذكر (سقراط) بأنّ الشعر هو (محاكاة الاسطورة بالخيال)، لذلك انطلق الشاعر الإغريقي (هوميروس) في ملحمتيه الخالدتين  (الالياذة) و(الاوديسيا) بمحاكاة فعل الخيال المبهر والملهم بعبقريته الفذة في تصوراته الخلابة. وهذه القصيدة (الرواية الأولى) تجاوزت تعاطي الشعر الملحمي بإدخال عنصر التأثير، في التأمل والرمز ودلالاته الإيحائية والتعبيرية. واشتملت على عدة معطيات رمزية (متحركة وثابتة)، يعني مثلاً رمزية (البحر) متحرك بدلالاته الرمزية عن العشق (وفي صمتٍ طويتُ البحرَ في عيني)، بينما نجد مثلاً الدلالات الرمزية (الثابتة) في الإيحاء والمغزى في العشق بـ(التراب) لأنّه (سليل الطين)، وآدم خُلق من الطين (وفي صمتٍ حملْتُ البيدَ في قلبي سرايا) هذه رسوم العشق في الصحر اء، لم يقلْ في وصمة العشق بأنّها (اغنية رملية)، لأنّ الرمال متحركة، وبالتالي يكون العشق هلامياً، لكنه قال (أغنية ترابية)، يعني أنّه حدّد هوية العشق ومكانه الثابت في موجدات الواقع، لأنّ التراب والطين ينتميان الى بقعة محددة في مكان محدد، والتراب والطين من الاشياء الثابتة، لو كانت متحركة لانكشفتْ بطون القبور تحت التراب. يعني بهذه الدلالة أنّ عشقه ينتمي الى جهة محددة ومكان ثابت، ولا تتسلق على الأوهام المتحركة، فهو في عشقه سليل عصور وعهود من سنوات عجاف ومرارة وتشاؤم، ولم يحصد منها غير (وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ) لم يحصد منه إلا: (الترابُ يمتصُّ الدمَ قانياً / يروي عطشَ الديدانِ في زوايا ممالك النملِ والعقارب)، لم يحصد إلا رواية عمياء عن حبّ (وتلكَ روايةٌ عمياءُ عن حبٍّ يلوحُ على حبالِ مشانق الرغبةْ،) ليموت على جدار حلم راقص في ساحة النشوة (تموتُ دلالةُ الرؤيا، وترتفعُ التراتيلُ الصديديةْ) ولكن دماء العشق الذي يُحمل في زفة العرائس، في الحشود المتوجهة الى أرض المواعيد. لكنّه وقع في خيبة الحساب في (الخديعة العظمى)، ليحمل عذاب وشقاء العشق عبر توارث الازمنة .

تحمل القصيدة في تكويناتها الصياغية  بطلين: 

- الاول (آدم): وهو يحمل عذابات ومعاناة الانسان، طُرد من الجنة، يحمل خطيئة التفاحة، هو ابن الطين وصراعه الناشب مع ابن النار، فمن يكسر عظم الاخر . لذلك فإنّ رمزية (آدم) عامةً تخصّ الانسان في المرارات والعشق، في جفاف الغيث في قارورة اللهب، في صراعه مع قوى الشرّ والعدوان من أجل استلاب العشق ونخره ونحره.

- البطل الثاني: الفارس الهمام (وهو نفسه الشاعر) الذي يخوض صراعاً متعدد الاطراف الأخطبوطية من أجل الحفاظ على العشق ونقاوته . وهو يحكي ويسرد حكايات صراع الحبّ والعشق بالتوارث في طيات الحكايات الطفولية . في حكايات المشانق وأعراسها، في جحيم الخطيئة، والزمن الجائر، في وتر خداع الأضاليل، في العيون المسحوقة، في بساط الجوع والعطش:

وقد مسخوكَ أغنيةً ومرثيةْ

فتاه الصوتُ في الشفةِ الرماديةْ

وتاهَ عويلُ حزنكَ بين ضحْكاتِ الأباطيلِ،

أيا وجهاً رواهُ دمي ونزَّ عليهِ صوتي واقتحاماتي

وروّيْتُ الجفافَ على بقاعكَ خضرةً، خِصبا

لذلك جفَّ في حلقه نبتُ العشق، وانطفأت شموس الرغبة الاولى.

دلالة الألوان في القصيدة:

1- الرايات السُود:

(ولكنْ تلكمُ الراياتُ سودٌ، والرماحُ لظىً)

2- الرايات الخُضْر:

تلوحُ الرايةُ الخضراءُ في صمتِ المواويلِ

وتسقطُ في الهزيمةِ خنجراً يُدمي رواياتِ الأناجيلِ

عن الحبِّ، عن الصفعِ، عن الصفحِ،

عن الانسانِ في لغةِ السماحاتِ،

فاللون الأخضر دلالة (الخصب) و(الأمل) اللذين يقعان فريسةً للطعنات فتدمى الكتابات الخضراء (الأناجيل والكتب المقدسة) التي تدعو إلى (الحبّ/الخصب) و (الصفع) و(الصفح)، وهي إشارات متماهية مع تعاليم المسيح في الدعوة إلى التسامح والسلام: (مَنْ ضربك على خدك الأيمن فأدرْ له الأيسر)، لكنَّ الواقع غير الدعوات والآمال والتعاليم السمحاء.

3- الرايات الحُمْر:

وهي تدلّ على العشق والدماء والتحدي (أرفع الراياتِ للعباس) وهي ترميز للرايات الحمراء، لكي يرسم عشقه، وكذلك:

وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ،

صحارى تحملُ الواحاتِ انجيلاً من السَغَبِ،

وكذلك هي رايات المشانق. وهي تعني مَنْ يتسلق المشانق، وهم أصحاب الرايات الحمراء، ومَنْ تسعر النار في داخله. هم حملة الرايات الحمراء.

 

جمعة عبد الله

.............................

نصّ القصيدة:

الرواية الأولى:

وفي صمتٍ طويتُ البحرَ في عيني

وفي صمتٍ حملْتُ البيدَ في قلبي سرايا

نحو هاجرة الهوى، رُحتُ أصلّي، 

أرفعُ الراياتِ للعباس، أستجلي

رسومَ العشقِ في صحراء أغنيةٍ ترابيةْ،

رميتُ شِباكَ شوقي اصطدْتُ ريحاً،

صرتُ أحصدُها، مررْتُ أناملي فيها،

تقصّيْتُ الحقيقةَ عنْ رؤىً في عِرقِ أمنيةٍ سرابيةْ،

 

وتلكَ روايةٌ حمراءُ تروي قصةَ الماضين في رَهَبِ،

صحارى تحملُ الواحاتِ انجيلاً من السَغَبِ،

 

أتلك روايتي ؟

قالوا : نعم !

ولكنْ تلكمُ الراياتُ سودٌ، والرماحُ لظىً،

وخيلُ الشوقِ قد هُدّتْ أعنتُها،

 

فهامَ الفارسُ الغافي على صوتِ الشجا يروي ملاحمَهُ

ويحكي قصةَ الانسانِ في حبِّ المرايا

يرتمي في نبضها يغفو على هزِّ الأراجيحِ

فتاهَ وما خيولُ الشوقِ عادتْ منْ حصارِ البيدِ ماعادتْ،

 

يتصلّبُ الهواءُ على وقع سنابكِ الفارسِ المرميِّ في أحضانِ العشقِ المراقِ دمُهُ، ينامُ على فراشِ الثعالبِ تحملُ أوزارَ الشوكِ النابتِ في قلبِ أمنيةٍ تلوحُ على راحةِ الليالي وتختفي في  أزقةِ النهارِ الجائع للمصابيح،

أينَ دمُهُ ؟

الترابُ يمتصُّ الدمَ قانياً

يروي عطشَ الديدانِ في زوايا ممالك النملِ والعقارب،

 

وتلكَ روايةٌ عمياءُ عن حبٍّ يلوحُ على حبالِ مشانق الرغبةْ،

يموتُ الرسمُ فوق جدار حلمٍ راقصٍ في ساحةِ النشوةْ،

يذوبُ الصوتُ في وهجِ التراتيلِ

تلوحُ الرايةُ الخضراءُ في صمتِ المواويلِ

وتسقطُ في الهزيمةِ خنجراً يُدمي رواياتِ الأناجيلِ

عن الحبِّ، عن الصفعِ، عن الصفحِ،

عن الانسانِ في لغةِ السماحاتِ،

تموتُ دلالةُ الرؤيا، وترتفعُ التراتيلُ الصديديةْ

تنزُّ هوىً بطياتِ الحكايات الطفوليةْ

 عن العشاقِ هاموا في سماء الوجدِ مارجعوا صواباً

غيرَ أنَّ دماءَهم زُفّتْ عرائسَ في حشودِ الموجةِ الكبرى

إلى أرض المواعيدِ

فغابوا في حسابِ الخدعةِ العظمى، وغنوا جوقةً،

عادوا هياكلَ ترتوي طينا،

وتشربُ من كؤوس الخدعةِ الأولى،

 

ايا آدمْ،

سليلَ الطينِ، يأكلُ نسلُكَ الطينا،

أيا آدمْ،

لقد ضيَّعتْ فينا كلَّ أسرار الرسالاتِ

وأشبعتْ السلالاتِ

بكلِّ الحبِّ والتوقِ إلى دنيا المراراتِ،

أيا سُحُباً، ومدَّتْ ظلَّها الأجوفَ

في عينيكَ ياحبّي ويا سهري،

هذاكَ الخِصبُ في جسدِ العرايا ضلَّ صاحبُهُ

وجفَّ الغيثُ في قارورة اللهبِ،

 

وتلكَ روايةٌ هزّتْ أسانيدَ الأحاديثِ

 

وتلكَ روايتي!

قالوا : صدقْتَ.

 

غاب الصوتُ في الحلم الذائب في رجع الصدى القادم من بين السطور، فأكل آدمُ التفاحةَ راضياً مرضيّاً ليضيع في متاهات المرئيِّ.

 

منحتُ الفارسَ الغافي تعاويذي

أدارَ يديهِ في قُفلي فما فتحَتْ

فصارَ يطوفُ في شُهُبٍ على روحي

وألقى الرحلَ في لغةِ المراراتِ

وفي حِممِ الخطيئةِ راحَ لونُ الشمسِ منطفئاً،

فيا حواءُ، هذا ابنُكِ قد شُلّتْ بقاياهُ،

تعوّدْتِ الخطيئةَ في انطلاق النارِ منْ حَلْقِ الأباطيلِ

ومنْ وترِ الأضاليلِ،

رميتِ ابنكِ في الشارعِ ظلاً للخفايا

رُحْتِ تلتهمين فاكهةَ الخطايا

تحملينَ أجنّةَ الشيطانِ في الحشرِ

وتلتقطينَ نجمَ العشقِ تسليةً وتحتلمين بالبدرِ،

فلا كانتْ رياحُ العشقِ، لا كانتْ، ولا بقيتْ،

فمنذُ تآكلتْ روحُ البريّةِ منْ تماديها

فقد حالَ الرحيقُ العذبُ مُرّاً

تاهَ عزفُ النور في وترِ الأقاصيصِ،

وهذا اسمُ الطريقِ تغرُّبٌ، صمتٌ على الأجيالِ يهبطُ ينشرُ الغفوةْ،

وهذا اسمُكَ، يا آدمُ، صنوُ القمةِ الشوهاءِ

في جبلِ الطحالبِ، في غروبِ الأمسِ واليومِ ونيرانِ الغدِ،

وهذا اسمُ الخطيئةِ في انحدار السفحِ نحو قرارةِ الوادي المشاعِ

لكلِّ ذي عينٍ تمجُّ اللونَ في خضرةِ أثمارِ

وتنفرُ من بذارِ السعدِ في رَحَمِ المسراتِ

 وفي سِفرِ الرسالاتِ،

 

أيا صوتَ الرغائبِ،

تلكَ ملحمةٌ تئنُّ على صراطِ القلبِ تروي ظلَّنا صمتاً

يداعبُ سمعَنا المشحونَ بالنومِ،

 

صُلِبَ الوجهُ على وجهِ الرصيفِ ومرّتِ العرباتُ وقرعُ الأقدامِ فوقه ... تصبّبَ  العرَقُ  في شعابِ العينين ... فشربتِ الشفتانِ كأسَ الملحِ ... تصلّبتا على شفيرِ الكأسِ ... سقطتا في مزالقِ التمنّي .....

 

أيا وجهاً رواهُ الحزنُ،

طافَ على ملامحهِ اصطخابُ الدهرِ بالأحلامِ والنشوةْ

رحلْتَ على عيونِ الآخرينَ شربتَ

منْ كأس المرارةِ رحلةَ الغصةْ

وعُدْتَ على بساطِ الجوعِ والعطشِ

تحمّلْتَ الشرائعَ فوق كاهلكَ

أخذتَ تهزُّ نشواناً على انشادِ سُمّار السلاطينِ

رجعْتَ مُسمَّرَ العينينِ والشفتينِ والأذنِ

وقد مسخوكَ أغنيةً ومرثيةْ

فتاه الصوتُ في الشفةِ الرماديةْ

وتاهَ عويلُ حزنكَ بين ضحْكاتِ الأباطيلِ،

أيا وجهاً رواهُ دمي ونزَّ عليهِ صوتي واقتحاماتي

وروّيْتُ الجفافَ على بقاعكَ خضرةً، خِصبا

ودُرْتُ على ميادينِ المغافلِ رؤيةَ الغاوي

وعشْتُ مع المغانم صورةً خرساءَ

لا لونٌ ولا أُطُرُ

فديسَتْ رحلةُ الأيامِ في حربِ المسافاتِ

وغابتْ طرقُ اللهفةِ في سيلِ الأحابيلِ

فقالوا، ثم زادوا :

آهِ يا قصصَ الحناجرِ في التهامِ العشقِ،

هذا ابنُ المزاميرِ صدى الواحاتِ لم يروِهِ نبعٌ

جفَّ في حلقهِ نبتُ العشقِ،

وانطفأتْ شموسُ الرغبةِ الأولى ...

 

1971

عبد الستار نورعلي

 

عدنان حسين احمدصدر عن دار ضفاف للنشر في الشارقة- بغداد كتاب "حكايات أسطورية من شبه جزيرة القرم" ترجمة الدكتور حسن البياتي. يضمّ الكتاب 34 حكاية أسطورية مع مقدمة نقدية شافية، وثبتْ بالسيرة الذاتية والإبداعية للمترجم الذي صدر له حتى الآن 17 كتابًا مُترجمًا عن اللغة الروسية.

قبل أن نلج في تفاصيل هذا الكتاب المُترجَم لابد من الوقوف عند الحكاية الأسطورية وفهم مضامينها وفضاءاتها السردية. فالأسطورة في أبسط تعريف لها هي "حكاية تقليدية تروي أحداثًا خارقة للعادة" وتتمحور، في الأعم الأغلب، على الآلهة أو الأبطال أو الشخصيات المتفردة التي تأتي بالأعاجيب وتترسّخ أفعالها ومآثرها في الذاكرة الجمعية للناس. تتأسس الأسطورة في قسم كبير منها على الخيال المجنّح لكنها تُبقي على النتوء الواقعي مثل خلية وحيدة قادرة على الحياة في الجسد الفانتازي الذي يتشظّى إلى عوالم سُريالية مُبهرة لكنها تحمل في طيّاتها تبريراتها المنطقية التي تُقنع القارئ.

كل الحكايات في هذا الكتاب مجهولة المؤلف باستثناء حكاية "الخان وابنه" التي دوّنها الأديب الروسي مكسيم كَوركي. تركِّز هذه الحكاية على علاقة الأب بالابن حينما يُحبّان امرأة واحدة ولا يستطيع أحدهما أن يتخلى عنها للآخر. الأب هو الخان مسيلمة الأصوب الذي يمتلك 300 زوجة جميلة لكنه يفضِّل واحدة منهن على الجميع. وحينما سأل الأب ابنه أن يطلب منه ما يشاء أجابه:"هِب لي الأسيرة الروسية يا أبتي الأمير!" كان الأب يتمنى على ابنه أن يأخذ مئة من نسائه ويترك له هذه الفتاة القوزاقية التي تمثل له المسرة الأخيرة في حياته لكن فلذّة الكبد يُصرّ على طلبه فلم يجدا بُدًا من الاتفاق على قتلها، إذ يقبِّلها الأب ويرفعها فوق رأسه، ويقذفها من فوق صخرة شاهقة إلى البحر. لا تنتهي الحكاية عند هذا الحدّ لأن مضمونها العميق يفلسف الحُب، ويكشف عن جوهره، "فحُب المرأة هو وحده الباقي" وإذا لم يُحببك أحد فمن الخطل أن تحيا على الأرض، فلاغرابة أن يستدير الخان بخطىً سريعة ويقذف بنفسه من الجرف الشاهق إلى لُجة البحر العميق ليلحقَ بالمرأة التي أحبّته وكرّست حياتها له.

في كل حكاية لابد من حكمة يستشفها القارئ من خلال الصراع بين الخير والشرّ، ففي "طير السعد" تقوم الحكاية على حوار بين غني وفقير، فالأول ينصح الثاني باقتناص طير السعد لكن زوجته تنزعج حين يأتيها بهذا الطير الذي لا يُباع ولا يُشترى لكنه يجلب السعادة، ومع ذلك يسمع الصعلوك كلام زوجته ويأخذ الطير إلى الخان، وبدلاً من أن يعطيه هذا الأخير مكافأة كبيرة يجزّ له رأسه كي يكون عبرة للصعاليك الآخرين الذين يفكرون في البحث عن السعادة.

تتمحور حكاية "كَيكييا- بطلة خيرسونيس" على فكرة الخيانة فبعد أن توافق كَيكييا، الابنة الوحيدة للأرخونت لاماخ على الزواج من ابن أساندرا شرط ألا يُوضع على رأس إدارة المدينة ولا يغادرها إلى مكان آخر لكنه كان يدبّر المكيدة في ليل كي يستولي على المدينة برمتها حيث جمع نحو مئتي محارب ووضعهم في أقبية القصر لكن شاءت الصدف أن تعاقب كَيكييا وصفيتها التي اكتشفت وجود الأعداء في أحد الأقبية فأحرقت القصر بعد أن أفرغته من محتوياته الثمينة وانتقمت من زوجها الخائن الذي كان يتربص بها الدوائر.

يتوفر بعض الحكايات على نَفَس سردي عجائبي كما في حكاية "الحور والرمّان والسرو" التي يعاني فيها الصيّاد وزوجته من بناتهما الثلاث، فالأولى تلعن والديها لأنها دميمة، والثانية تؤنبهما لأنها ليست رائعة الجمال، والثالثة جميلة ومرحة لكنها تسخر منهما وتزدريهما. وذات مرة انهلنَ ضربًا عليهما فتضرعا إلى السماء وانطلق صوت من مكان مجهول تحولت إثره الحورة إلى أطول شجرة في الوجود لكن بلا زهر ولا ثمر، وصارت الرمّانة شجرة عديمة الرائحة، أما السروة فتحولت إلى نبتة جميلة وحزينة. ما إن خرجت الفتيات الثلاث إلى الباحة حتى شاهدنَ ثلاث شجرات منتصبات لم يكن لهن وجود من قبل وقد أطلق الناس عليهم أسماء البنات الثلاث: حورة ورمانة وسروة.

يتكرر النَفَس العجائبي في غالبية هذه الحكايات، فنيموفليس، أحد الخدم يترك سِفطين للشقيقين بوتر وكَيوركَي بعد أن تتوفى أمهما الكونتيسة يلينا، ففي السفط الأول صولجان إذا رفعه ينشق البحر وإذا أنزله يرى كل ما يوجد في اللُجة. والثاني فيه جناحان إذا ربطهما يحملانه إلى حيثما يشاء، وسيعرف هناك كل ما يرغب في معرفته. وفي المقابل هناك شقيقتان جميلتان يأخذانهما قسرًا إلى الشمس وفي اليوم الثاني غاصا بهما إلى البحر الهائج لكن الرمح ثلاثي الشوكات صرعهما ثم صرع الشقيقتين وتحوّلا إلى صخرتين تحكيان مصير من يحاول الاستيلاء عنوة على شيء ما من النفس البشرية.

يمكن أن تؤخذحكاية "عائشة الأبيّة" على أكثر من مَحمل فهي تعالج ثنائية الحُب والكبرياء، واللين والصلابة كما تنطوي على نهاية مفاجئة فبعد أن يرفض الفتى الذهاب إليها والانحناء أمامها قبل أن يطلب يدها للزواج تذهب إليه لكنها تطعنه بخنجرها في صميم القلب.

لا يخلو بعض الحكايات من نَفَس فكاهي وربما تكون حكاية "ينبوع أي - بيتري" خير أنموذج لما نذهب إليه، فالزوج التسعيني الذي قرّر أن يجمع الحطب ويبيعه ليؤمّن تكاليف جنازته قد شرب من ينبوع الشباب فعاد فتىً يافعًا، وبينما هو في الطريق إلى بيته شاهد امرأة عجوز تبحث عن زوجها الطاعن في السن فدلّها على ينبوع الماء فشربت منه بنهم وعادت طفلة صغيرة. وحينما يئس العجوز من العثور على زوجته التي ذهبت كي تبحث عنه سمع صوت طفل في الغابة فحمله إلى البيت، وعند حلول الفجر كانت دهشة كبيرة وهو يرى أن الطفل الذي يحمله بين يديه ملفوف بأسمال زوجته العجوز التي شربت من ينبوع الشباب أكثر مما ينبغي.

تناقش كل حكاية ثيمة محددة فحكاية "الحصن الطويل" تركّز على جشع التاجر الملقب بالفيل الذهب الذي اشترى القمح من الفلاحين ليبيعه في السنة الجدباء بأسعار مضاعفة لكن السائح الروسي الذي مرّ من هناك نصحهم بأخذ الحبوب بالقوة فهم كُثار وهو واحد الأمر الذي شتّت الحرّاس وجعله يدفن رأسه في القمح ويواجه مصيره المحتوم. تتواصل الثيمات، والشذرات، والالتماعات التي تأخذ شكل الحِكم، والأقوال المأثورة، والصور الشعرية التي لا تبرح الذاكرة وهي ترصد قصص الحُب والغرام، والطمع والجشع، والتضحية والإيثار  وما إلى ذلك من قيم وأعراف نبيلة، ومشاعر وطنية دفّاقة يعتز بها مواطنو شبه جزيرة القرم.

لابد من الإشارة إلى أنّ المترجم حسن البياتي قد بذل جهدًا كبيرًا في ترجمة هذه الحكايات الأسطورية، وحافط على الأسلوب الذي وردت فيه بلغته الأصلية "الروسية" إلاّ ما كان يتعارض وطبيعة اللغة العربية. ولو وضعنا المصادر الروسية جانبًا فإن المترجم نفسه قد زار لعشر مرات العديد من الأماكن والمدن التي وقعت فيها أحداث الحكايات وما خلّفته من آثار شاخصة تركت أثرها الواضح على المترجم قبل أن يفقد بصره في حادث مؤسف ليترجم لنا هذه الحكايات الأسطورية التي توحي لقارئها وكأنها مكتوبة باللغة العربية مباشرة.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

فالح الحجيةالشعر العربي تعبير مقصود به أي شعر كتب او مكتوب باللغة العربية، بشرط أن يكون موزونا ومقفى فالوزن شرط لازم في جميع أنواع الشعر، القديم والحديث، على حد سواء، بما فيه الشعر المعاصر باستثناء ما يسمى (قصيدة النثر)، أما القافية فهي لازمة في معظم أنواع الشعر القديم، اما في الشعر الحديث فقد أخذ يتقلص دور القافية الخارجية، فاستعمل مفهوم (الشعر المرسل) أي الشعر دون تقفية خارجية، وإن كان قد سعى، في الواقع، إلى تعويضها بنوع من التقفية الداخلية حيث لا يمكن الاستغناء عنها في عموم أنواع الشعر العربي، وفي أي عصر من العصور التي قيل فيه هذا الشعر، جاهلي أو إسلامي أو أموي أو عباسي أو أندلسي أو حديث او معاصر .

وكان الشعر العربي في الجاهلية، ديوان العرب، وعلمهم الذي لم يكن لهم علم غيره أصح منه اذ كان يصور حياتهم العامة والخاصة بما في ذلك المنازعات والمعارك التي كانت من اهم اسباب وجود شعر الحماسة والفخر في الشعر الجاهلي .

ان اهم ما يميز الشعر العربي التزام الشعراء بالوزن والقافية، في مجمل أنماطه، وفي مختلف أجياله، وإن جاءت بعض المحاولات المعاصرة خالية من الوزن والقافية، إلا أنها في الواقع محاولات قد تحسب على الشعر في بعضها، لكنها تعتبر من الشعر المنثور وهو اقرب لمجال النثر منه في مجال الشعر الا انه والحق يقال ان فيه بعض قصائد النثر جميلة ورائعة وتعبر بحق عن شاعرية قائلها، ومع ذلك اقول ان أبرز ما يفرق بين الشعر والنثر هو الوزن، وما عدا ذلك قد تكون اشبه بعناصر مشتركة بينهما.

الشعر الجاهلي كان لسان الامة العربية ووسيلتها للتعبيرعما يقع في المجتمع العربي وكانت العرب تقيم الأفراح في حالة ظهور احد أبنائها كشاعر مبدع، فالشعر عند العرب قديما يرفع من شأن القبيلة وكذلك ولادة الشاعر فيها.

وكان الشعر صدر الإسلام وسيلة من وسائل الدفاع عن رسالة الإسلام ازاء كفار ومشركي قريش ومن حولها من القبائل التي لم تؤمن بالاسلام في حينها . واستمر الشعر، في العصر الأموي، وفي العصر العباسي كوسيلة من وسائل الاحزاب والفرق السياسية والفكرية المتنازعة ويمثل كل النزعات التي سادت المجتمع العربي والاسلامي بقصد تبليغ آرائها، والدفاع عن مبادئها، في مواجهة خصومها او بيان خلافاتها مع الاخرين.

لذا فللشعر العربي دور بارز في الحياة الأدبية والفكرية والسياسية، وحتى الاجتماعية والدينية وقد تطور بتطور الشعوب العربية والإسلامية، وعلاقاتها بالشعوب الأخرى المجاورة لها.والتاثير اللغوي بينها مما ادى الى بروز فنون شعرية مستوحاة من الشعرالعربي ومتطورة في كل مجالات التاثير من حيث المضمون ومن حيث الأسلوب واللغة و الأوزان والقوافي وما إليها فكان سبيلا لظهور انواع من الفنون الشعرية مثل الفخر والمدح والهجاء والوصف والبكاء على الاطلال ثم ظهور الشعر السياسي، والشعر الصوفي، وشعر الغزل والشعر الاجتماعي ورثاء المدن والاوطان والشعر الوطني، وشعر الموشحات في العصر الاندلسي .....

اما في العصر الحديث والمعاصر فحدث ولا حرج حيث كثرت الفنون الشعرية وتشعبت بتشعب مفردات الحياة اليومية وكل ما يعبر عن نوازع هذه الامة والذود عنها فظهر شعر النكبة وشعر النهضة الحديثة وشعر الثور ة العر بية بجوار الفنون الشعرية القديمة والمستحدثة .

  

امير البيان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق – ديالى – بلدروز

 

بليغ حمدي اسماعيلالبَحْثُ عَنْ شَفْرَةِ النَّصِّ: هناك قاعدة نقدية تفيد أن التحول الأساسي في الشعر العربي المعاصر يشير عادة إلى ما يسمى بالحساسية اللغوية الجديدة، أو ما يعرف بالحداثة، وهذه الحداثة هي التي قامت بفصل عالم النص الشعري عن مرجعية عالم الواقع الفيزيقي والاجتماعي المحيط، بحيث إننا لا نستطيع أن ندعي بأن الشاعر يريد كذا أو يقصد كذا، كما أن النقد المعاصر دائماً ما يؤكد أن شعراء الحداثة الشعرية بعيدون كمال البعد فيما يسطرونه من كلمات عن صور وتشكيلات الواقع الفعلي .

من ناحية أخرى فإن شعراء الحداثة الشعرية يقيمون عالماً افتراضياً موازياً لعالم الواقع، وربما ينفصلون عنه انفصالاً تاماً من حيث مواد وأدوات التشكيل، ومن حيث الاستهداف، وإذا كان هذا الانفصال غير المبرر بين العالمين " عالم النص " و " عالم الواقع " كانا يتعانقان منذ المحاولات الأولى لشعر الحداثة، فإن ناهدة الحلبي في ديوانها " أبعد من وحدتي "  تحاول جاهدة قطع حالة الانفصال تلك، بل وتبدو خطوط الاتصال بين العالمين واضحة لا مجال للشك فيها .

والديوان في مجمله حالة استثنائية رغم إعلان صاحبته أنها شاعرة غير استثنائية، وهذه الاستثنائية تبدو من خلال تعدد الأصوات والحالات في قصائد الديوان، وهو ما نحاول الكشف عنه بإيجاز لضيق المساحة والمقام دون رصد العلاقة بين الشاعرة والنص، إنما الإشارة السريعة إلى العلاقة بين النص ذاته وبين مجتمعه .

فالنص نفسه " أبعد من وحدتي " يتداخل فيه صوتان رئيسان هما صوت الحضور الجسدي، وصوت الحضور الأنثوي البارز في قصائد الديوان، وهذان الصوتان يقيمان علاقة فريدة ومميزة ؛ وهي علاقة التوازي والتحاور في آن واحد، مثلهما مثل الجوقة والممثلين في عالم النص الشعري المسرحي اليوناني، حيث تصف الجوقة ما لا يمكن إظهاره بالأداء التمثيلي . وما ينبغي أن نلفت إليه النظر هو أن الحضور الجسدي في النص وظف في أكثر من وظيفة ووضع في أكثر من موضع، لأنه باختصار ـ الحضور الجسدي ـ قام بأكثر من دور وكل دور تضمن دلالة متعددة، اختلفت عن سابقتها في شعر الحداثة النسائي الذي كان يصر على جعل الحضور الجسدي للمرأة ظلاً غير واضح المعالم والتشكيل.

لكن الحضور الجسدي عند ناهدة الحلبي في ديوانها  يتجلى لغوياً، وهي في ذلك تسعى إلى تكريس وتحقيق رؤيتها للعالم والمجتمع، وهذا الحضور يمكن رصده من خلال الإشارات الشعرية التالية:

تعْتادُهُ  النَّهْداتُ حتّى شابَهَتْ

شُرُفاتَ لَذَّاتٍ بِطَعمِ جَنانِ

عُتْبي على جَرحٍ تَقوَّسَ قَدُّهُ

فأَهاجَ عندَ رُموشِهِ أجْفاني

كجداول السُّهدِ المُعَتَّقِ بِالجَفا

مُتَعثِّرًا بالوَصلِ والخَفَقانِ

يا بوحَهُ الثغرُ المزنّرُ بالشذا

كالعطرِ معقودٌ على الرَّيْحانِ

وفكرة الإمساك بشبكة من الكلمات المرتبطة بفعل الجسد وحركته تعتبر نقطة انطلاق لدلالة النص الشعري عند ناهدة الحلبي، فدائما تظهر حركة الجسد الذي يأبى السكون، لذا فنجد صوت الفعل المضارع بازغاً وواضحاً عندما يقترن بالجسد، بالإضافة إلى أن حضور الفعل المضارع المقترن بحركة الجسد تغلب عليه صيغة المتكلم وهو الملمح الذي غلب على سياق النص اللغوي في نصفه الأول:

إذا يمكننا رصد حالة الجسد في نص ناهدة الحلبي  الشعري بأنه يثور دائماً وأنه رفيق اللحظة الآنية لواقعه الحالي لا يجتر ذكريات فائته إلا ليؤكد حالات شديدة الحضور الوقتي وهذه الثنائية لا تمثل ضدية أو نوعاً من التعارض .

وكما كان للفعل الماضي حضور، فإن له حضور مماثل لحضور الحدث المضارع الذي يشكل فعل الحركة والاستمرار دون تعقيد أو تركيب لغوي يثير الغموض كما في باقي شعر الحداثة، وهذان الحضوران يتطلبان متابعة مستمرة لإدراك فعل الجسد الذي يمكن القارئ من فهم وتأويل النص الشعري ز

وهي بذلك تحاول أن تكسر الصورة الصريحة الكلاسيكية في استخدام الفعل الماضي المرتبط بالجسد والذي يشير إلى حالة ومقام السكون، وذلك عن طريق تزاوج الكلمة الماضية بمفردة مستمرة نشطة .ومثلما كان صوت الحضور الجسدي، وحضور التزاوج بين استخدام الفعل في صيغتيه الماضي والحاضر أكثر تميزاً ووضوحاً في نص الشاعرة ناهدة الحلبي، فإن الصوت الأنثوي أو ما يعرف بالحضور الأنثوي كان على مقربة من هذا الحضور السابق، فالنص لا يقدم شخصاً غائباً نتلمس أصداءه من مفردات ذات خصوصية، تتصف بالسرد الرتيب والذي يقمع بدوره كل محاولة لظهور الذات أو إحدى صوره.

ولكن يبدو الحضور الأنثوي في النص واضحاً ومجسداً لمراحل التطور السردي غير الرتيب والذي أصبح ـ السرد ـ ملمحاً رئيساً لقصيدة النثر المعاصرة، وعادة ما تحاول الشاعرة ـ أية شاعرة ـ أن تعيد صياغة الشكل الهرمي لعلاقة المرأة بمجتمعها وغالباً ما تكون صورة هذه العلاقة مستترة غير واضحة مستخدمة فيها لسان امرأة أخرى غير لسان الشاعرة نفسها، بل لعل النصوص الشعرية النسائية المعاصرة تتستر خلف أقنعة وهي تحارب المد الذكوري في المجتمع، أما النص الشعري عند ناهدة الحلبي فهو ليس في حرب شرسة مع هذه الذكورية الطاغية والتي تمارس قمعاً ثقافياً داخل النص، ويبرهن على ذلك حرص الشاعرة على وجود صيغة المتكلم بشكل صريح، مع قوة الكلمات التي تفيد محو التبعية وحالة القمعية تلك .

بقي إلى أن نشير إلى الملمح الرئيس في نص الشاعرة ناهدة الحلبي والذي أسهب بعض النقاد في التنويه عنه وربما محاولين رصد هذا الملمح الذي نقصده بالمعجم الصوفي، وليست الحالة أو المقام . فالنص الشعري يؤكد بطول قصائده المتعددة على استنطاق المفردات اللغوية التي عادة لا تخرج عن المعجم الصوفي، وهي في استخدامها لهذه المفردات ربما تحاول أن تنأى قليلاً عن المشهد الاجتماعي الذي يبدو واضحا من أول قصائد الديوان وأن الشاعرة ليست بمنأى عن واقعها ومجتمعها ولا ترتدي أقنعة وهمية تواجه به مجتمعها .

ولأن ناهدة الحلبي تملك حضوراً ذاتياً سواء على مستوى الاستخدام الجسدي للمفردات، أو من حيث حضورها الأنثوي والأفعال التي ترصد حركتها فهي تجنح إلى عالم متصوف يسمح من جديد بإعادة ظهورها بغير تستر أو غياب، فنجد ألفاظ وعبارات شعرية تعود إلى معجمعها الصوفي مثل: ( والزمن سرقك من غرفتي / تطفو الروح / سأرفع أسدال كعبتي / هكذا أكشفني / وهذا الفجر فاتحة أمري / أجمع فضائل الوجود / حاملة مشكاة فيها نوايا سماوية / أصعد إلى السماء أتباهى في صعودي / إنه العدم السرمدي ) .

وهذا ونستطيع أن نجمل قراءتنا غير الاستثنائية لشاعرة تبدو بنصها الشعر استثنائية أنها مهتمة جد الاهتمام بصورة المرأة والإعلان عن بوحها الصامت منذ سنوات ضاربة في الأزل، وهي تدعي عبر الديوان القيام بدور البطولة متجنبة القمع الذكوري الذي يبدو باهتاً لا نلتمسه إلا في لحيظات شعرية بسيطة وسريعة، وكأن الشاعرة أرادت أن تهرب بعيداً عن سجن القصيدة النسائية المعاصرة والتي تجعل استهداف القصيدة موجهاً نحو الرجل الذي يقاسمها المجتمع بل يقتنص الجزء الأكبر منه، كما أن النص الشعري عند ناهدة الحلبي يدعو القارئ دائما لكي يكون واعياً بقيمة الوعي تجاه المفردات التي تشكله ـ النص ـ وأن استخدامها يقيم علاقة متقاربة بين الشاعر والمجتمع بخلاف النصوص المعاصرة التي تفصل عالم النص عن عالم الواقع

وقد لا يحتاج الناقد أو القارئ على السواء إلى إطلالة ببلوغرافية توثيقية للشاعرة اللبنانية ناهدة الحلبي قبيل مطالعة قصائدها المتوهجة بالشعر الذي يمكن توصيفه بأنه ديوان العرب، عدم الاحتياج هذا مفاده عدة أسباب وعوامل أبرزها على الإطلاق التزام ناهدة الحلبي بالصورة الرصينة للقصيدة العمودية التي تشترط توافر الوزن والقافية هذا ما استطاعت ناهدة الاكتراث به وتفضيله في مجمل قصائدها، ومن الأسباب أيضا أنها رغم التزامها بصورة شكلية قديمة وتقليدية يمكن توصيفها في الوزن والقافية إلا أنها تحررت مطلقا صوب اللغة التداولية القريبة من القارئ العربي المعاصر الأمر الذي جعل من قصائدها ما يشاكل رغيف الخبز اليومي الذي لا يمكن للمرء الاستغناء عنه، وإن جاز للناقد مدح شاعر فالأحرى أن نمدح لغة الشاعرة ناهدة الحلبي وموضوعاتها الشعرية قريبة الصلة من القلب والتي ابتعدت بها عن لوغاريتمات القصيدة العربية الراهنة الموغلة في الغموض والالتباس والرمزية التي تفقد الشعر العربي الرائق براءته وبريقه .

والسبب الثالث من أسباب تفرد ناهدة الحلبي كونها لبنانية الأصل، ولبنان على الاختصاص موطن استقر في مظاننا التاريخية بأنه وطن الشعر الأكثر مشاكلة للغة القلب والوجدان والأبعد عن القصيدة الفلسفية الضاربة في السردية التي امتاز بها الشعراء المعاصرون الأمر الذي جعل الكثير من قراء الشعر ينأون بعيدا عنهم وعن نصوصهم التي تشبه الأحجية والتعاويذ القديمة .

أبْعَدُ مِنْ وَحْدَتِي .. أقْرَبُ مِن القَلْبِ:

ومنذ أكثر من خمسة أشهر وديوان " أبعد من وحدتي " للشاعرة ناهدة الحلبي يعلو مكتبي الخشبي، أتأمل صفحة الغلاف الخارجي، ثم أمر على قصائده الاستثنائية عبر قراءة عابرة متحفظاً الولوج في إحداثياته من أجل اقتناص سويعات تناسب النص الرائق بلغته المعاصرة والتزامه بالشكل الصحيح والسليم والفطري للقصيدة العربية وكأن العنوان نفسه أجبرني على الاحتفاء بالوحدة أو الهروب بالديوان بعيدة عن زحمة الفلسفة والمشاهد السياسية التي غلبت بسطوتها على حياتنا العربية، وجاءت لحظة اقتناص القراءة بفضل حالة اليقين التي تمتلكها ناهدة الحلبي بقصائدها المتوهجة شكلا وموضوعا من خلال نص شعري يحظى بلغة معاصرة وحالات وجدانية لا يمكن للقارئ الفكاك من شراكها .والأجمل والأروع عند تناول قصائد مجموعة أبعد من وحدتي للشاعرة ناهدة الحلبي أنك مضطر للتخلي عن كافة التقنيات النقدية التقليدية المكرورة إذ أنك تتعامل مع نص يستهدف الوجدان أولا ويدفعك للتعاطف مع قضاياه ومضامينه وليس للتفتيش عن زوايا أخرى كامنة .

الكَشْفُ عَنْ التِّيْمَاتِ النَّصِّيَّةِ:

وهناك ثمة ملحوظات تمثل بالفعل إحداثيات لغوية وشعرية تفرض نفسها عند تناول قصائد ديوان " أبعد من وحدتي " للشاعرة اللبنانية ناهدة الحلبي لعل أبرزها فعل الأمر الذي يغلب على معظم قصائد الديوان، وربما لا يكترث النقاد المعاصرون بدلالات اللغة في قصائد المرأة أو ما يعرف بالأدب النسوي، رغم أن استخدام المرأة الشاعرة أو القاصة أو الروائية لفعل الأمر يحدد ملامح مهمة تكشف عن صاحبة النص دون اللهاث وراء معلومات تاريخية عنها تماما حينما نستقرئ روايا الجزائرية أحلام مستغانمي لاسيما في عابر سرير أو ذاكرة الجسد أو الأسود يليق بك وأخيرا عليك اللهفة .

هذا ما يكشف عنه فعل الأمر الغالب على قصائد ديوان أبعد من وحدتي والذي يدل على أن ناهدة الحلبي شاعرة بدرجة ثائر أو مبدعة تصر على الوصول إلى منصة التتويج عن طريق إطلاق صرحات شعرية تعبر عن مطامح الأنثى المشروعة في مجتمع ذكروري بات مضطربا وقلقا بفضل الشهود السياسي الراهن تارة، وتارة أخرى هذا القلق الأنثوي المصاحب لكافة المشاهد الإنسانية المتعلقة بالحب والوصل والغرام وعلاقة المرأة بالوطن والسفر . استخدامها لفعل الأمر جاء متلازما ومصاحبا عن حالة القصيدة أو المشهد الشعري القائم فحينما نطالع القصائد العاطفية على سبيل الرصد لا الحصر نجدها تستخدم أفعالا مثل " قل لي أحبك "، " خذني إليك "، " واكذب عليَّ "، "واحضن فمي"، "أعني على النسيان"، "واستصرخي وجعي" .

والملمح اللغوي الآخر الذي يطغى في الاستخدام النصي في ديوان " أبعد من وحدتي " هو اللغة الاتصالية مع الآخر / الرجل، وهو استخدام يتناسب كثيرا مع الالتزام بالشكل الرصين للقصيدة الشعرية العربية المتمثل في الوزن والقافية، ومن الملفت أيضا أن ناهدة الحلبي وهي تحرص على تيمات لغوية داخل نصوصها على وعي مستدام بتقديم جمل شعرية تقريرية وليست إنشائية وهي بذلك أشبه بحالة البوح الرقيق الذي لا يميل إلى الاستعطاف أو استجداء حالة الحب بقدر ما هي على يقين بأن الذائقة اللغوية تتطلب الجملة الإخبارية عقب استخدام تيمة لغوية راسخة في المظان العقلية العربية ذات الثقافة الذكورية السائدة مثل أيا سيدي، ويا سيدي، ويا سادتي، و نتلمس هذا الملمح من خلال قصيدة "ريشة على خد وجسد " إذ تقول:

"إني نظرت إليه ذات مرارة

وخصوبة الأشواق طعم خناجر

يا سادتي ما الحب إن أذوى الردى

وجد الحبيب، وجفن غيم ماطر."

وتقول في قصيدتها " مسجي على قلب وورق ":

"يا سيدا حسنت للكون صورته

في قلب سيدة من بارئ النعم

كما البدور إذا ما الحسن كللها

لها الشموس إذا ما القلب في ضرم."

وتقول في قصيدة " رعشة زمن ثمل وقداح ":

"أترعت كأسك بالملذات التي

عتقتها في القلب خوف سراق

يا سيدي، إن ذقت خمرة عاشق

لا تخش من سكر فلست بباق ".

غَيْرُ المَسْكُوتِ عَنْه:

لماذا تصر ناهدة الحلبي أن تقول أكثر مما ينبغي السكوت أو الصمت عنه ؟ هذا التساؤل هو إجابة بسيطة وسريعة لملمح أكثر بزوغا في ديوان " أبعد من وحدتي " وهو عناوين قصائد الديوان التي تشبه بالمواضعات أكثر منها مجرد عناوين لقصائد تأتي، والملفت للنظر والمسترعي للانتباه هو أن بعض العناوين تتشكل من كلمات تبدو طويلة وهذا يستلزم من القارئ أن يكون على وعي مستدام بأن ناهدة الحلبي أرادت تحقيق مزيتين في قصائدها ؛ الأولى أنها شاعرة عمودية أكثر حرصا على الشكل التقليدي للقصيدة العربية، والثانية أنها شديدة المعاصرة للمشهد الشعري الراهن لاسيما قصيدة النثر التي تمتاز بعناوين متفردة تجبر القارئ وتحثه على متابعة القصيدة رغم سرديتها . فنجد من بين عناوين القصائد " عطرك على ساعدي والعبق "، " برق في دموع حارقة "، " جفون عارية وحب مهاجر "، " عشق على ضفة وقلق "، " شوق إلى سفر ووعد " .

وحرص الشاعر على استخدامه مواضعات طويلة لقصائده هو هدف يسعى إليه، هذا الهدف يتمثل أولا في البوح عن حالة القصيدة، وثانيا إشراك القارئ في حالة القلق المتزامنة مع الشاعر حينما يختار عنوانا لقصيدته، وربما نجح علماء النفس اللغويون حينما أقروا بأن الشاعر عندما يطيل في عنوان قصيدته فهو يعاني قلقا ويجد صعوبة في اختزال إبداعه العصي على المراس في كلمة واحدة فقط لذلك يلجأ كثير من المبدعين ومنهم ناهدة الحلبي إلى قرار إطالة العنوان تجنبا لاختزال القصيدة في عنوان ضيق وإن كان ضيق العنوان لغة يكشف عن مدى تكثيف القصيدة أيضا .

صُوْرَةُ الأنْثَى العَاشِقَةِ .. بَعِيْدًا عَن الرَّبِيْعِ العَرَبِيِّ:

أعادت الشاعرة ناهدة الحلبي في ديوانها " أبعد من وحدتي " الأنثى العربية إلى صورتها الرقيقة البعيدة عن مظاهر الوحشية والتمرد والسفور التي لازمت المرأة المعاصرة تحديدا منذ اشتعال ثورات الربيع العربي التي حولت المرأة العربية إلى ناشطة سياسية وثائرة ومتمردة على الأوضاع السياسية المجتمعية الأمر الذي أغفل الجوانب الرقيقة في المرأة والتي كانت المصدر والرافد الأول والأصيل لإبداع الشعراء على مر العصور .

وصورة الأنثى في ديوان أبعد من وحدتي رقيقة وهادئة الطباع، رصينة بغير جموح، عاقلة بدون جنوح، وهذا ما تكشف عنه ناهدة الحلبي في قصائد ديوانها، إذ تقول في قصيدة " فوضى الجسد والروح ":

"كم قال يهواني على مسمعي

ناجيت منه الحسن لم يسمع

يا لحظ جفن كم كواني به

مثل هجاء الشاعر المقذع

إن في ذبول فالهوى مؤرق

كنور وجه نافر المدمع

والقلب من فيض الهوى عاشق

كامنهل الهارب للمنبع"

وتقول ناهدة الحلبي في قصيدتها "ويقول يحبني .... ":

"إني عشقتك رد ما حطمت يدي

من أكؤس برضاب ثغرك ترفل

كم لائم في الحب قد برح الهوى

إن القلوب براقع تتبدل

أنسيت نقتسم المغيب ووحدتي

لون الغروب أنين وجدك يحمل"

وصورة الأنثى العاشقة التي تلازم مجمل قصائد الديوان تأتي على موعد دائم بخيبة الحب ولوعة الفراق، بل أحيانا كثيرة تأتي الحالة الوجدانية للأنثى ذات الحضور المشهود في ديوان " أبعد من وحدتي " لتعكس ما جناه الرجل بزيفه وخداعه وقصصه التي يعبث بها طامعا في علاقة عابرة مع المرأة، لذا فإن ناهدة الحلبي نجحت بامتيار في توصيف هذه الحالة وتلك العلاقة المنتهية بانتهاء فورة القلب الذي اعتاد على العشق لكنه لم يتمرس في تلقي صدمات غدره.

تقول ناهدة الحلبي في قصيدة " قلق على جفن وردة ":

"أحكي لكم يا سادتي عن قصتي

ولسان حالي ناطق بشقائي

فالعمر يمضي كيفما شاء الهوى

ما شئت يوما واستجيب ندائي

ذنبي إليه أن أغللت بضوئه

مستبرقا في ليلتي الظلماء

والدهر في أرزائه سرف بنا

فقذى بعين غير ذات ضياء

وخطيئتي أني أقمت بقلبه

والوصل عندي لا يخط بماء

لم يأت بالبدر المنير غواية

فعلى جبين الشمس شق ردائي"

وتقول الحلبي في قصيدتها المعنونة بـ "جفون عارية وحب مهاجر":

"وكم قال هذا الليل لون ضفائري

وما بين عينيه سواد مضلل

***

د. بليغ حمدي إسماعيل

 

 

عدنان حسين احمدتُمثِّل رواية "تلّ الورد" الصادرة عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر" في بيروت للروائية السورية أسماء معيكل نموذجًا للأدب الديستوبي Dystopian الذي يقف بالضد من الأدب اليوتوبي  Utopian، فالأول هو أدب المدينة الفاسدة التي تعمُّها الفوضى، ويُهيمن عليها الشرّ المُطلَق، أما الثاني فهو أدب المدينة المثالية الفاضلة التي تسكن في مخيّلة الحالمين من البشر، وشتّان ما بين الاثنين. وعلى الرغم من بساطة قرية "تلّ الورد" إلاّ أنها يوتوبيا من نوع ما، فهي مدينة حُلُمية للشخصيتَين المركزيتَين اللتين تناصفتا البطولة، وتعلّقتا بها كمكان طُوباوي لا مثيل له على أرض الواقع رغم ما أصابها من دمار وخراب.

سعت أسماء معيكل منذ البدء لإحاطة القارئ بمكونات المجتمع السوري الذي يتألف من عرب وكرد وأرمن، ومسلمين ومسيحيين، وسنّة وشيعة، ودروز وما إلى ذلك من قوميات وأديان ومذاهب متعايشة منذ حقب وأزمان بعيدة، بل أن عائلة عمران راغد المعرّاوي، الشخصية الرئيسة تجمع المذهبين السنّي والشيعي تحت سقف واحد قبل أن تتفرّق وتتوزع في المنافي الأوروبية ثم تقفل راجعة إلى "تلّ الورد"، المكان اليوتوبي الوحيد الذي يتآلفون معه في حياتهم ومماتهم على حدٍ سواء.

تتمحور أحداث هذه الرواية على أهالي "تلّ الورد" لكنّ التركيز كان مُنصبًا على هذه الأسرة السورية التي تتألف من الأب راغد المعرّاوي وزوجته حسيبة لاذقاني وأولادهم الثلاثة عمران وربيع وباهرة. وبما أنّ عمران سوف يقع في حُب "كافي" فإن نطاق الأسرة يتوسّع قليلاً وينضاف إليها ولدهما البِكر "حيّان" الذي يأخذ بأحداث الرواية إلى المنفى الهولندي ويطعِّم أنساقها السردية بمعطيات ثقافية واجتماعية ودينية جديدة لا تتلاءم مع عقلية الأبوين القرويين.

وبما أنّ أحداث الرواية طويلة ومتشعِّبة فلابد من اختصارها قدر الإمكان كي نحيط بالثيمة الرئيسة للرواية وبعض الأفكار الجانبية المؤازرة. لابد من الإشارة إلى أنّ عمران المعرّاوي قد خدم في الجيش لمدة عامين ونصف العام، ثم سُرِّح من الخدمة العسكرية، وبحسب قناعته الشخصية، فـ "إن الإنسان بعد ذهابة للجيش لا يغدو رجلاً، بل يستحيل وحشًا أو يؤول ذليلاً" ومع ذلك فقد التحق في معمل الغزل والنسيج في حلب. أما شقيقه "ربيع" فلم يتابع دراسته الجامعية وإنما أصبح شرطيًا وعُيِّن في "تلّ الورد" لكنهم ما إن غيّروا رئيس المخفر وجاؤوا بآخر  أمرهم بقمع المظاهرات، وعدم التهاون مع "الخونة والعملاء"  حتى نُقل "ربيع" إلى الحسكة لكنه لم يذهب فسُجن داخل المخفر وتعرّض لتعذيبٍ وحشي سوف يدفعه للانشقاق والالتحاق بجماعة دينية مسلّحة تمارس سلوكًا تكفيريًا متطرفًا حتى مع عوائل المنتسبين إليها. لبس "ربيع" الزي الإسلامي، وحفّ شاربه وأطال لحيته. أما الشخصية الثالثة في العائلة فهي "باهرة" التي رفضت كل من تقدّم إليها من شباب القرية لكنها سوف تتعرض للاغتصاب وتقتل مُغتصِبها "أبو ظافر التونسي" طعنًا بالسكّين. يختفي عمران لمدة أسبوعين يتعرّض فيها للتعذيب، كما تتعرّض فيها "كافي" للاغتصاب على يد ضابط أول الأمر، ثم على أيدي الجهاديين، وحينما يتم استدعائه لخدمة الاحتياط يوافق أبواه على الرحيل والسفر إلى تركيا حيث عمل في مهن متعددة كالبناء والمداجن وأعمال التنظيف لكن معاملة الأتراك تبدلت بعد أن طالت الحرب وصاروا يعتدون على اللاجئين السوريين، وأكثر من ذلك فقد تناوب على اغتصابها ثلاثة أتراك خلّفوا في روحها جُرحًا لم يندمل. تتوفر هذه الرواية على انعطافات متعددة ربما تكون أخطرها اتخاد الوالدين قرارًا بتهريب ولدهما الوحيد "حيّان" إلى هولندا حيث تحتضنه عائلة السيد ميشيل وزوجته كوليت وأولاده الثلاثة جورج وطوني وميريانة ويربيانة تربية مسيحية، ويُحرِّفان اسمه من "حيّان" إلى "حنّا"، وها هو قد نجا من الموت وعاش في بلده الجديد "ولكن لابد أن يُميت معتقداته وثقافته لكي يعيش" ويسدّد ثمن الضريبة المفروضة عليه. وعلى الرغم من أهمية التركيز على محنة الأبوين وما عانياه من ظروف شاقة تفوق قدرتهما على التحمّل إلاّ أن محنة الابن لا تقل أهمية عن محنة الأبوين المُهاجرين اللذين اكتشفا فجأة أنّ ابنهما حيّان قد ترّبى تربية أوروبية لا تنسجم مع التقاليد الاجتماعية السورية بشعره الطويل، وأذنيه المزيّنتين بالأقراط، والإسوارة التي تطوّق معصمه كما البنات، وحينما تبدأ أمه بقصّ شعره بعد لمّ الشمل يشرع في البكاء مثل صغير فقدَ شيئًا عزيزًا عليه فينفر من والديه ويهرب من أمستردام إلى مدينة لاهاي على دراجة، ويذوب شيئًا فشيئًا في عالَم المشرّدين. أما "ربيع" فقد تبيّن أنه راقد في المستشفى وليس مع "الحور العين في الجنّة" وإنما بُترت ساقه ولديه العديد من الرصاصات في الظهر والعُنُق والحوض، ويعاني من شبح الأطراف المبتورة، وقد أدرك بأنه لم يعد رجلاً لكنه أيقنَ بأنه كان "خسيسًا ودنيئًا" حينما جوّع أبيه وعذّبه، وقدّم لأمه العَلَوية ورقة الاستتابة كي تخرج من الفرقة الضالة وتلتحق بالفرقة الناجية، وقال عن شقيقه عمران بأنه "ولّى الدُبُر" و "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، كما طلب من أخته "باهرة" أن تكون زوجة للتونسي الذي اغتصبها من قبل.

يبدو أن الروائية أسماء معيكل قد اشتغلت كثيرًا في هذه الرواية على الشخصيات النسوية وخاصة "كافي" و "باهرة" حتى أنها أوصلت الأولى إلى مرحلة الأسطورة بحيث جعلت من جسدها خريطة موشومة بالأفاعي والعقارب السامة بينما انقطع عمران في مرحلة مرضها وانهيارها النفسي إلى ملذاته الشخصية، وأفلامه الإباحية، وتورّط بتهريب العملة طوال مدة انتظاره الطويلة في إستانبول. وحينما يئس من إرجاع ابنه إلى بلده قرّر أن يعود مع "كافي" إلى "تلّ الورد" عسى أن يموتا هناك وتحتضن جسديهما إلى الأبد. وبما أنّ القوانين الهولندية لا تسمح لهما بالمغادرة فينبغي أن يهرب مع كافي مثلما هربا من بلادهما، وهنا تكمن المفارقة حيث يدفعان كل ما لديهما من نقود ومصوغات ذهبية كي يصلا إلى "تلّ الورد" في رحلة شاقة مليئة بالمصاعب بعد أن تُصاب زوجته بسرطان الدم وتنطفئ بين يديه قبل أن يطأ أرض القرية التي اختلفت رائحتها. ومن هول الصدمة لا يتعرّف على أخته باهرة التي لم تتعرف هي الأخرى. فلقد مات أبوه منذ وقت طويل، وفقدت أمه الذاكرة، وبدأ يبحث عن مساحة كافية لدفن زوجته التي أحبّها من الأعماق. وتأكيدًا للمناخ الديستوبي الذي أشرناه إليه في مستهل المقال لم يحضر أحد لمجلس العزاء بعد أن أصبحت الحياة كابوسًا مروِّعًا، وتحوّلت القرية إلى مقبرة جماعية، ومع ذلك فقد سيطرت عليه الهواجس بأن شقيقه "ربيع" لم يمت، وجارهم "الدهلوج" فقدَ عقله بعد أن سقط أحد البراميل المتفجرة على بيته، وأنه بدأ يأكل أشلاء البشر حينما لا يجد جيفة حيوان، وأنّ حَبّة اللشمانيا قد انتشرت في "تلّ الورد"، وأنّ الأطفال تشوّهت وجوههم، ثم تُوقظه "باهرة" من الكابوس الجائم على رأسه وتوبِّخه لأنه يريد أن يغادر ويتركها وحيدة، عند ذلك يخبرها بأن "حيّان" لم يمت بداء عضال كما أخبرها لحظة وصوله، وإنما ضاع في هولندا لأنه لم يرضَ بالعيش معهما. وفي الختام ترسم أسماء معيكل النهاية بطريقة مُعبّرة حينما يُصاب عمران بالشلل ويصبح رخوًا فيطلب منها أن تأخذه سحلاً إلى بيته وهما يستذكران أشياء كثيرة ويردِّدان أغاني الوالد:

"خضرة يا بلادي خضرة رزقك فوّار / محروسة بعين القدرة تبقى هالدار".

إن رواية "تلّ الورد هي أوديسة سورية بحق استنطقت ثورة الشعب السوري من خلال أسرة صغيرة تشظّت داخل البلاد وخارجها على أمل النجاة بأقل الخسائر، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ولكن أشداق الموت كانت مفتوحة على سعتها فالتهمت الجميع دفعة واحدة مُذكِّرة إيانا بمقولة كفافي الشهيرة: " إذا خرّبت حياتك هنا، في هذا الركن الصغير، فهي خراب أينما حللت".

 

عدنان حسين أحمد

 

حميد الحريزي معزوفة سرد شعري، تكشف وجه القبح، وتمزق شرنقة الوهم

 (ماذا ستفعلين؟

اصرخ اقبع في قمة سلالم الهدير / ارتد الى مكامن القوة، اتلفع بموطن الوهن)

 انتظري ي ي ي ي ...

يطبق الزعيق على كل الانحاء، يسيل رصاصا يتكاثف، يتصلب نوارس تحلق في صفحة السماء، تسير على خطوط، او سكك بيضاء)ص107

هكذا يختتم مهدي ازنين روايته (سلالم التيه) في حين يبدأها في الصفحة الاولى

(تساير قطعانا من نعاج بشرية،مسوخ الاصباغ والتصنع توائم \ تنافر جمالا فطريا في خطوط مللامحها، ترفل في مروج تفوح منها انوار بهيجة، تعطر واقعا ينتأ من ثنايا الزمن)ص7.

هكذا قادتني سلالم مهدي ازبين وسط شعر سردي او سرد شعري هذا اذا افترضنا ان للتيه سلالم .هنا يوحي العنوان بالوهم والضياع لحياة اشخاص تأسرهم شخصية الديكتاتور ..

(تتوكأ على عكاز من شعر متعب، يتهدل عباءة بلون خجول .. ذيل حصان هائج ينشد الهرب ...) الخ من الصور الشعرية والروائي يأنسن الكلمات ويهبها روحا وسلوك، ويصطاد المفردات بصنارة من ذهب من اعماق بحر اللغة ألمترامي فتبهر حروف الكلم فتعلق في سبابة قلمه فرحة مطاوعة ترتدي حلة الجمال والكمال، كم يخرج لؤلؤة من محارة مغمورة لتنتظم ضمن قلادة الجمل المنسابة في نهر السرد الدافق بالحياة والمعنى .

تتضمن الرواية درسا سيكولوجيا، ونموذجا لمسخ الانسان ذاته وتماهيه مع صورة البطل الاله والقائد المخلص .

(نحول) طفلة تعيش في كنف عائلة تقدس القائد، تتملقه تؤهله، تعبده، هو المثل الاعلى للانب المؤدلج، والأم التي ترى فيه الفارس الذي لا يدرك ...تتزين بصوره جدران الدار، وتضمه ساعات المعاصم وقلائد الصدر ..

المدرسة التي تعلم حب القائد وتربي الجيل على عبوديته، رمز القوة، الشجاعة، البطولة، الكرم، صانع المعجزات وخالق الاساطير، المحاط بالهيبة والشموخ والعظمة في فعله وكلامه في نومه ويقضته، الذي فاقت اسماؤه اسماء وأوصافه اسماء وأوصاف الله الحسنى

ما ان تبلغ النضج الجسدي حتى يكون ديدنها الاقتراب من معبود، تكلمه، تحتضنه، تخدمه، تعطيه كل ما يسره ويسعده ...

تحصل على فرصة المواجهة، تقدم فرائض الطاعة وتمنيات اللقاء حد الاستعباد والذوبان عند اقدام الحبيب، تفوز بموعد، تطير فرحا وفخرا ومباهاة وسط حشد من الرفاق القرود فقد منحها العظيم صك العظمة ومن عليها يفيض من هيبته وعظمته وهاهي قاب قوسين او ادنى من عرش الاله لا بل من ملامسة الاله ذاته، وبقدر ما يقترب اليوم الموعود،تحف بها السعادة وتنثر في طريقها الزهور وتغني لها الطيور،انها الاجمل، انها حبيبته الاله وحبيبته المختارة ...

تزف روحها قبل جسدها للاله في يوم اللقاء، عد طول ترقب وانتظار يصطحبها الاله رفقة غجريةمشعشعة بمظاهر الابتذال والغنج الرخيص، مشبعة بعطر البداوة والشبق، تدخل قصر الجواري المدجج بالشوارب الكثة والزيتوني الاشن، طاولات تضج بالكؤوس الذهبية وقناني الويسكي مختلفة الماركات المتاهبة لمنح النشوة للاله ...

تفور دهاليز انوثتها انهار الرغبة، تزعق اهات الشبق المكبوت المدخرة للاقتران بالإله في معبد العشق، فهي البغي المقدس في زقورة الرب المعبود .

يوميء للغجرية، يغيبان في دهاليز القصر، تتحرق شوقا وغيرة لايكبتها سوى انه الاله ولا مرد لرغبته وهو مالك الاسرار وله الفعل والارادة والخيار يقرب من يشاء ويبعد من يشاء .

يهشم على راسها امل اللقاء حين ينصرف دون ان يبادلها حتى نظرة وداع ناهيك عن الاعتذار، فالاله لايعتذر وما على العبد الا التوسل بالمعبود .

يصرفها الزيتوني على امل الاتصال بها حين يشاء الاله ..

تغسل وجهها ببصاق اهماله مرتدية قناع الامل بلقاء جديد، فالالهة لا تخلف وعودها ولابد ان يأتي اليوم الموعود .

تمسك بحبل الامل بالتعرف على الابن الاكبر للإله، فيراودها عن نفسها، ترفع بوجهه ورقة الحصانة الموقعة بقلم الاله، ولكي يثبت الابن انه اله ونصف دبر لها شياطين العرش فراش الاغتصاب ممزقا صك الحصانة هازئا بتصابي الوالد كاسرا ومحطاماً نهجه باحتكار الجواري لصالحه وحده وان لا شريك له في امتلاك البلاد والعباد ..

تخذلها مظلات الهبوط بتدبير من شياطين الاله الاصغر ...تسقط مرمية على ارصفة احد الشوارع، تعود للوعي في المستشفى متحسسة اللزوجة بين فخذيها، يستشيط الوالد الرفيق غضبا يتوعد ويزبد ويرعد، تصر هي على تسجيل الحادث ضد مجهول، يبتلع الرفيق الاب زبد غضبه ووعيده بعد ان علم بالفعل والفاعل !!

تحاول صديقتها الاقرلاب والأعز (نورس)، الانسانة المثقفة الواثقة من نفسها الجريئة التي تحاول (نحول) ان تكون مثلها، عسى ان تتمكن من نزع قشرة الزيف والتباهي والأبهة الفارغة التي مرغها الذئب الصغير بالوحل ...

نجحت (نورس) من اعادتها الى الحياة من جديد ورمي الماضي ورائها وممارسة حياتها بشكل طبيعي .

ولكن يد القهر السلطوي تغيب (نورس) في غياهب المجهول دون ان تعثر لها على اثر هي وعائلتها، في حين يسائل ازلام السلطة (نحول) حول طبيعتها علاقتها بنورس وإذا تعرف عنها .

بعد وعكة وقيء تخبرها الممرضة في المستشفى بأنها حامل ... الذئب الصغير الاله الابن نفخ من روحه وأنفاسه القذرة في رحمها فأودعها روحا، يسقط الخبر على راسها سقوط الصاعقة على هشيم اشواك جافة فيشعل حريقا مدمرا في ذاتها المدحورة فيغلي في دماغها سؤال:-

(الان ماذا تفعلين ؟؟)

اما انا سأحاول ان اتخلص من سحر السرد الشعري لمهدي ازنين لانتقل الى فصل التحليل الموضوعي لإحداث الرواية وشخصية نحول حيث اراد الكاتب ان يظهرانا شخصية المراهقة المشبعة بثقافة حب القائد ضمن محيطها العائلي والمدرسي والإعلامي المنافق، فتقع فريسة لحب موهوم يرضي تطلعها لتكون الاقرب للقائد الاله .. كعشق الشاة للذئب، وقد تجسد ذلك من خلال تصرف المعبود وتفضيله العاهرة الغجرية على العاشقة الولهانة لأنها توافق ذائقته المتدنية وبيته الهابطة معى جل احترامنا لإنسانية الغجر، نرى انهم ايضا ضحية مجتمعات القهر والاستعباد والطبقية والتراتبية الاجتماعية المقيتة ..

ثم تقودها اوهامها الساذجة ومرضها يعشق الاله للتعلق بولده الذئب الصغير كوسيط مرجو لايصالها لمعبودها فيقوم هذا بافتراسها ولم يقم أي وزن لوالده المتصابي والذي يحاول ان يكون المفترس الوحيد الاوحد .

كما يظهر الروائي واقع الدونية والنفاق والقردنة لدى (الرفاق) من زمرة الزيتوني وخنوعهم لسيدهم ومعبودهم، وأوهام بعضهم حول عدالته وإنسانيته وترفعه عند افتراس عبيده ومواليه كما هوحال (الرفيق) والد (نحول) الذي كتم صوته كأي ديوث حينما علم بالفاعل ...

توصيف وتعريف بواقع الحال المؤلم في مجتمع يقاد من قبل حزب شمولي لابل من قبل شخص فرد تفرد بالقرار والتحكم بحياة الناس ومصائرهم بأرزاقهم وشرفهم وكرامتهم، كشف قناع الزيف والوهم لقطعان من الاتباع عشاق العبودية والمذلمة.

لمح ولم يصرح الروائي للنهاية المأساوية لنحول بالانتحار غرقا في نهر دجلة للخلاص من الفضيحة وماتعرضت له من القهر والإذلال نتيجة اوهامها وطموحها الزائف، وهو درس بليغ لكل من يعلق الامال بالسعادة والحرية والانعتاق على يد الانظمة الشمولية والطغاة المتالهين .

لسنا بحاجة للتعريف بأسلوب مهدي ازبين السردي المتميز بالاختزال والتكثيف واللغة الرصينة والأسلوب السردي الرصين والحبكة المحكمة . فرواية (سلالم التيه) اضافة قيمة للسرد العراقي والعربي، رغم انها ليست الاولى من سلسلة ابداعات الروائي (مهدي علي ازنين).

 

حميد الحريزي

 

 

 

1295 اوراق اللعببعد روايته الأولى ليال بلا جدران، والتي تركت صدى جميلا في الصحافة المغربية،يقوم الروائي المغربي حسن المددي بإنجاز عمله الروائي الثاني ( أوراق اللعب)، والذي صدر عن المركز الثقافي للكتاب في مدينة الدار البيضاء المغربية. وتحتوي الرواية على ٣٣٤ صفحة من القطع المتوسط. ويبدو أنّ الكاتب منهمكٌ في إنجاز مشروع روائي، يتقصى فيه الظواهر الشاذة في السلوك الإنساني الذي يتمثل بالقسوة في سلوك البشر إزاء بعضهم البعض، والتي عبّر عنها بالسلوك الذئبي بقوله: "الإنسان ذئبٌ لأخيه الإنسان "

ومن خلال هذه الرؤية، تنمو الرواية وأحداثها في ظلّ فصول من العنف والقسوة، بين بشر لا يعرف بعضهم بعضًا. ولكنّ روح الانتقام والتشفي والتعذيب حتى الموت، تسود بينهم،في ظلّ علاقات مشوّهة وغير مفهومة، وبين أبطال القصة الذين يتبادلون الأدوار في السرد الروائي، والذي يقدمه لنا الكاتب بأصوات منفردة .مرة بلسان الجلاد العقيد التائب، ومرة بلسان الضحية، ومرات بلسان المحام أو المرأة الظلّ التي أحبّها الضحية ذات زمن .

وقد شكّلت هذه الأصوات بمجملها المتن الحكائي للرواية المتشابكة الخيوط والمتشعبة الزوايا، والتي تنطلق من لغز رسالة أرسلت من شخصٍ مجهول إلى محام في مدينة ما، تتحدث عن سرٍ مكتوب ومرقون على أوراق اللعب للتمويه . وكأنّ الرواية تريد أنْ تُفصح عن أنّ الحياة عبارةٌ عن أوراق لعبٍ عبثية لا تتمتع بمنطق إنساني، بل هي ألعاب حجرية تحركها الصدف القاهرة والأحداث اللا معقولة.

فهذه الرجل الضحية أو الجلاد الذي يجد نفسه مغرقًا في سادية عنيفة، نتيجة لمقتل زوجته وابنه بشكل عنيف عن طريق تقديمهما طعاما للذئاب، فبدلًا من أنْ يتعظ ويتجرد من عوامل القسوة التي تسلطت عليه، يتحوّل إلى مخلوق ساخط وسادي، يتسلح بأنياب من العنف والقسوة والشراسة، ويستخدمها ضد إنسان بريء، وهو عباس الوفي الذي خُطف عبر الحدود، وعاش في معتقلات التعذيب التي فتكت بروحه وجسده.

ولكن عباس الضحية، ينجو من آثار التعذيب، بفضل التسامي الروحي،الذي يجعل عذابات الجسد جسرًا إلى روح قوية، تعلو على الألم وتتحداه . وبذلك تنتصر روح عباس الوفي الذي يخرج من المعتقلات مُثْخَناً بجراحاتها الجسدية . ولكنه استطاع أنْ يلملم بقايا الروح، كي يصمد أمام عوامل القسوة الإنسانية التي ساهمت في استعباده، على يد جلّاد متوحش، وهو العقيد الذي مارس كل ما يمتلك من سادية. ولكنّه يعترف في نهاية المطاف بذنوبه.

عباس الوفي خرج من معتقل خطفٍ عبثيٍ، دمّر جسده، وأتى على الرمق الأخير من روحه التي أبت أنْ تنهزم، فانتصر على جلّاده، فقد عاد إلى الحياة من جديد،متحديا القسوة في استيلاء الآخرين على بيته. ولكنه يرمم بقايا حياته ويفتتح مكتبة، والتي تعبّر عن هواجسه في أهمية المعرفة والبناء الفكري للإنسان، كما أنّ الضحية عباس والذي خرج كحطام بشري، بقي متشبثًا بطيف حبيبته التي كان شغوفًا بها قبل خطفة، وهذا يدلّ على أنّ روح المحبة أقوى من روح الكراهية. لكنّ عباس العائد إلى الحياة من جديد، يكتشف بأنّ ظروف الخطف واليأس من عودته قد أجبرت حبيبته الأبدية على إكراهات زواج قسري، بحيث يخبو الحب ويتلاشى في ظلّ العنف البشري.

وهكذا فأن لا إنسانية الخطف والعنف، لا تطال الضحية فحسب، وانّما تسطو على كثير من الدوائر الإنسانية المحيطة بها،مثل الحب والحياة والألفة والمودة.

يموت عباس الوفي بعد فترة من إطلاق سراحه، وهو مثخنٌ بجراحات المعتقل والتعذيب اللاإنساني، ولكنّ موته يترك عميق الأثر والإدانة للقسوة والعنف .

أما الجلاد، وهو العقيد مصطفى الركباني، والذي وصل إلى كندا لاجئاً، وعاش في مدينة اوتاوة الكندية،وقد فضح الكاتب حالات اللجوء الكاذب في كندا. والتي تحتضن من يدّعي أنّ حياته تتعرض إلى الخطر في بلده . فليس هناك مجسات لمعرفة الضحية من الجلاد.

وهكذا تتناول الرواية بشكل سريع وعابر، معنى أن يستحق الانسان صفة اللجوء؟

مصطفى الذي نجا من ماضيه،والذي اعتقد أن اللجوء إلى كندا سيمسح آثار الماضي. ولكنه لم يتمتع بسلام الروح، فقد استعرت في أغواره أصوات الضحايا وصورة القتل والتعذيب الذي اقترفه. وبقي يعيش عقابًا ديستوفسكيا، حتّم عليه أن يسجل اعترافاته، ليتخلص من عبئها.

هذا الانسان (الذئب) قد ندم على ما اقترفه من عنف وتعذيب وجرائم بحق الإنسانية، لذلك حاول أنْ يتطّهّر من رجسه، وأن يكتب رسالة اعتراف عن جرائمه إلى المحام جلال،والذي استطاع أنْ يرتب. الأوراق ويقدمها إلى القارئ .

الرواية تتوزع من حيث التلوّن الصوتي،الذي يضيء زوايا الحدث. فمرة يأتي السرد على لسان الجلاد، ومرة يأتي على لسان الضحية. ومرات أخرى يتدخل الراوي لترتيب الأوراق، حيث نستشفًّ ُ أنّ ثمة جرائم أرتكبت عبر حدود دولتين لم يحدد الكاتب اسميهما، سوى أنّ واحدة قد تعرضت إلى فوضى ما يسمى بالربيع العربي، وأصبح القتل والفتك بالإنسان شيئًا عاديًا، العروس وزوجها يتعرضان إلى موت تعسفي ودون سبب مقنع. وكأنّ الكاتب يريد أنْ يرسم لنا ابشع المشاهد عن عنف عبثي وهو نتاج لغياب القانون، بين أنظمة اجتماعية تعرضت إلى الفوضى، والتي أفقدتها بوصلة الحس الإنساني، وجعلتها تسير وفق قوانين الغاب.لذلك فكان موضوع الاختطاف عبثيا، ويندرج ضمن عوامل الفوضى وغياب القوانين والقيم والتي تحوّل الإنسان إلى وحش،لا يعرف سوى وسائل الفناء والقتل.

لقد قدم لنا الكاتب دروسًا عن بشاعة العنف والكراهية. وكيفية وصول هذا العنف في النهاية إلى طريق مسدود، لتنتصر الإنسانية، وذلك من خلال إعترافات العقيد ومحاولته التبرء من ماضيه في العنف.

أمّا موت عباس الوفي والذي خذله جسده، فقد انتصر بإنسانيته، وبحبه الإبدي إلى المرأة التي تركته مضطرة، بعدما علمت بأنه قتل بيد أعداء مجهولين.

أوراق اللعب رواية استطاعت أنْ تتلمس المناطق الرخوة لدى الإنسان، واكّدت مواطن القوة في القيم النبيلة التي تنتصر أخيرًا على عوامل القسوة .

لقد انتصر النبض الإنساني في الأعماق النفسية السحيقة للبشر، الذين حاولوا أنْ يتحرروا من عبودية الكراهية، والتي تحوّلهم إلى ضباع مفترسة.

رواية أوراق اللعب تسعى إلى البحث عن القيم النبيلة، في عالم تجتاحه الوحشية والعنف. حيث تعالج مفهوم الشراسة والعنف، ممن أجل عالم نقيّ، يتّسع للجميع.

 

رحمن خضير عباس

 

فالح الحجيةالشعرالعربي بين الحداثة والمعاصرة (15)

ثم ولدت قصيدة النثر او ما يسمى بالسطر الشعري بالشعر الحديث او المعاصر والتي أثبتت في نهايات القرن العشرين وبدايات هذا القرن حضورا متميزا في الساحة الشعرية العربية على الرغم من شدة المعارضة  – من اصحاب عمود الشعر او الشعر التقليدي (التقييدي) او الذين شكّلوا دافعاً قويّاً لاستهداف التغيير والحط من قيمته ومكانته – غير عابهين بهم او غير مستمعين  – للتطور الزمني الرافض لهذه الحالة والسائر في مسيرة متقدمة نحو المستقبل بنزعاته وارهاصاته وفيه تقول الشاعرة المغربية فاطمة المنصوري  في قصيدتها (آهات قمر):

على جناح الطير  الشادي

سافرت ....

الى الورد الجوري

وكتائب البوح تنادي

من اعماق النيلوفر

خرجت حكاية

ترويها الحواري

على  نغمات اليمام

وجرس الحمام

رعد في قلوب الجبناء

يغتال العنجهية

على نغمات الاوتار

وحفيف الاشجار

شددت تلابيب عمري المندلق

ازحف بين الافاعي

ارسم طريقا

اجتث شوكا

فالشعر الحديث صمد أمام تيارات الرفض هذه وبدأت هذه المعارضة الرافضة تضعف رويداً رويداً أمام رغبة الأغلبية في حتمية التغيير والتحديث وذلك لان الشعر عالمٌ يختلف كليا عن عالمنا المرئي فهو عالم ملئ بالسحر والجمال والطقوس والرمزية (المعاصرة) في بعض الاحيان بعيداً ومتجرداً تماماً من المادة

راجع كتابي – (الموجز في الشعر العربي) –

الرمزية في الشعر المعاصر\ ج 4 صفحة\632 وما بعدها)

 

اما الشعر الجيد فهو الكنز الثمين والوجه الحقيقي للواقع الإنساني ولطالما حلم الإنسان به منذ أقدم العصور بأ ن يكون شاعرا او يولد شاعرا . لذا استطيع ان اقول ان الشعر حالة روحية او نفسية تكتنفها العاطفة الحقة و تتأ رجح بين التأمل والالهام والحدس فالانسان الحديث ربما كانت له حالة مركبة من المشاعر الرومانسية والألم الواقعي والرموز السيريالية والقلق الوجودي فهو غير الانسان العربي القديم الذي كان هائما في الصحراء ينشد الكلآ والماء ويتغنى بما يجيش في نفسه من مشاعر واحا سيس في حدود امكانيته وظروف طبيعته فالإنسان العربي الحديث ربما تعتريه حالة او مجموعة حالات متناقضة بما تمليه عليه نفسيته والواقع المعاش في الوقت الحاضر وتناقضات المجتمع الانساني المختلفة المحيطة به .

والشاعر الحقيقي هو هذا الذي يرخي عنان قصائده فتخرج عفوية حصيلة ثقافة انسانية عالية  ومشاعر مركبة ومعبرة عن طموحات نفسية الشاعر ومدى تأثيرها في الاخرين و ابداعات خلابة وطموحة . فالقصيدة الحالية تمثل كائنا حيا او هي أشبه بالكائن الحي حيث يمثل شكل القصيدة او بنيتها جسده . ومضمونها روحيته فهي تمثل الصدى الذي تنبلج منه اسرار روح الشاعر واراؤه ممتزجة بعواطفه واحاسيه .ومن المفيد ان ابين ان الشاعر الحديث المطبوع شاعر تتمثل فيه غزارة الثقافة في امتدادات عميقة وكأنه وارث الحضارات كلها ومطلع على ثقافات الامم المختلفة .

لذا اصبح متمكنا من استخدام مفردات اللغة لتصوير افكاره وارائه وعواطفه وخلجات نفسه دون تاثير من خارج او امر من احد و يرتكز على فلسفة عميقة غنية تحصنه عن القول الضحل الفاني او الركيك الى القول العميق والرصين فهو اذن يمثل فيضا هادرا وتلقائيا للمشاعر النفسية القويَّةِ المنبثقة من اعماقه يَأْخذُ بها مِنْ العاطفة المتأملة المتجددة المنطلقة نحو الافضل متألقة متناغمة تنشد الحياة والانتشاء فيها والحب للانسان المثالي ونحو الافضل في توليده للافكار والابداعات الشعرية الجميلة ومحـــاولة خلـــقها مـــن جــديد واختم بحثي  بقصيدة الشاعرة الفلسطينية المعاصرة (ايمان مصاروة) وهي تغني لمدينتها المقدسة القدس قصيدتها (تنهيدة  عشق):

على أعتابِ حزنكِ قد مَضَينا

فُرادىً في المنافي نُستباحُ

أيا فجرَ الأماني في عيوني

أيا وجعاً يُناجيهِ الصباحُ

تَسيلُ دماؤُنا حِيناً فتَروي

على أعتابِها جُرحاً يُباحُ

ألا يا قدسُ يَبكي الشعرُ مِنّي

دماً يُشفَى إذا حُمِلَ السلاحُ

عروسٌ تَستقي مُرَّ النوايا

وتأنَفُ مِن هوانٍ لا يُزاحُ

أكلّمُ   تربَها   شوقًا   كأنّي

ملَكْتُ الروحَ أن هبّت رياحُ

لِمَن هذا الشهيدُ ومَن يُصلي

هو القدسُ العتيقةُ والبِطاحُ

أيا وطنَ الجنائنِ أنتَ قلبٌ

تُكبّلُه السلاسلُ والجراحُ

***

. امير البيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــد روز

 

نجيب طلالوقـــفــة: إشكاليتنا والتي ربما لم ننتبه إليها جيدا؛ أننا نناقش قضايا مسرحية خارج سياق ما يحيط المسرح العربي من ملابسات  فنية / تقنية وإشكالات مفاهيمية،  تجعله بعيدا كل البعد ككينونة  حاضرة وفارضة نفسها في البنية المجتمعية العربية والتي لا يمكن الاستغناء عنها، باعتبار المسرح وجه الحضارة الإنسانية؛ فبانحطاطه تنحط القيم والمعايير؛ وبإشراقاته تنمو جمالية  روح الإنسانية في الإنسان؛ طبعا ما أنتجه الغرب شرقا وغربا من مفاهيم فكرية وتصورات تقنية يناقش وعلينا مناقشته  في الحدود النسبية وليس في المطلق؛ كما هـوحاصل (الآن) لأن هنالك مواقـف وقضايا وأولويات في المجال الإبداعي وفنون الآداء عامة علينا طرحها على مائدة الحوار والمناقشة، لأنها لازالت تتحكم في الذهنية العربية منها مسألة – التحـريم – فالمسرح العربي  لازال محكوما بمسألته ومقتضياته الفقهية، بحيث هنالك فقهاء ومتفقهين؛ يلاحقون الإبداع بشتى ألوانه (...)  عبر الفتاوي والخطب والكتابة والتأليف، إذ الأمر يحتاج لمواجهة تناظرية وحوارية  بين المسرحيين والفقهاء، وهذا يحتاج في الحد الأدنى على ثقافة أصولية وفقهية يتسلح بها الفنان العربي؛ وهـذا غير متوفر بالشكل الذي يساهم في البرهنة والحجاجية، من هنا يكمن ضعف [المسرحي] أمام سلطة الفقيه المدعومة بمرجعية دينية، رغم أن المسرح أصول نشأته دينية، ونابع من طبيعة الصراع ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين(1) إذ من الضروري أن تنوجد فئة تقابلها فئة أخرى مضادة أو قوة تقابلها قوة أخرى. وهذه الثنائية منذ صراع قابيل/ هابيل وهي متمظهرة وحاضرة من أجل الاستمرارية والاستقرار في العالم. وفي هذا الباب يقول الإمام  الشافعي: لا بأس بالمبارزة (أي) الصراع . لكن (المسرحيين/ المبدعين)  شبه منهزمين أمام (الفقهاء/ العلماء) لأن طغيان الفكر السلفي بتصنيفاته مازال متحكما في دواليب البنى الإجتماعية، رغم ادعائنا بالحَـداثة  وخاصة أن المسرح العربي يناقش ما بعد الحداثة أو ما بعْـد الدراما (؟) إنه سياق الوهم لملاحقة الركب؛ ونحن  لم نستطع مناقشة الفقهاء نـَدا بندٍ، أو تفنيدا لطروحاتهم . دفاعا عن الإبداع الذي نؤمن به، لترسيخ المسرح كسلوك ثقافي/ اجتماعي فعليا وعمليا. ودفاعا عن النعوت القدحية التي تم استرسالها كالتالي: يعـدون هذه السفالة والنذالة وصفاقة الوجه والوقاحة من العلوم والفنون، ويسمـون الممثل السفيه الجاهل الأحمق الساقط الفاسق الفاجـر بل الملحد الكافر مفـسد أخلاق المسلمين ودينهم....(2) ونـدلي بتموقف آخر يذكي ما سبق ويؤطر المسرح (الداء العضال)؟: وأن الغثاء والخونة الذين توافدوا على الغرب هُـم الذين جلبوا هذا الداء العضال، من جملة الأدواء التي نكبوا بها الإسلام والمسلمين بدل أن يقدموا للأمة العلوم العصرية، كالصناعات النافعة والاختراعات المفيدة (3) أما أخطر التموقفات تجاه الممثلين/المسرحيين هـو كالتالي: ... بدخـول قوافل الفـسقة والفاسقات والمفسدين والمفسدات، معلمي الرذيلة، ودعاة الفحشاء والمنكر... لصوص الفضيلة، وسراق الشرف والعفاف، وقاتلي الحياء، ومعدمي المروءة، ومدمري الأخلاق، ومخربي الأفكار، ومثيري الغرائز، ومهيجي الشهوات (4) وما أكثر من هاته النعـوت الجارحة والقذف الجانح الذي يعاقب عليه القانون الجنائي. ولكن ربما أغلب المسرحيين لم ينتبهوا لتلك الكتب الحاملة لعملية تحريم المسرح وخلافه . أو أن السبب المباشر يكمن في غياب أو شبه غياب لثقافة فقهية متنورة لدى أغلب المسرحيين (العرب) لمواجهة الفكر السلفي المحافظ ومقارعة ذهنية التحريم الحجة بالحجة، هنا ليس مطلوبا أن يكون المسرحي المبدع أو الباحث متعمقا أو متخصصا في الأحكام الشرعية والمسائلَ الفقهية، بل على الأقل التمكن بمبادئ عامة لمناهج التفسير والتأويل والتفنن في أساليب الحجاجية، للاستدلال بها على حكم التحريم تجاه المجال المسرحي مع الاستشارة واستقصاء أَهل الاختصاص. لأننا نغالط أنفسنا أن ذهنية التحريم لم تعُـد حاضرة بتلك القوة التي كانت، أو أنها عديمة التأثير بحكم تطورات العصر. بالعكس فهي تتقوى في سياق الإسلام السياسي وتزداد ضراوة في البنية المجتمعية العربية، وتتأسس عنكبوتيا في بوثقـة الجماعات و المنظمات والتنظيمات الحزبية – الإسلاموية - للسيطرة على الجماهير؛ وكذلك كان ولازال والمسرحيون العَـرب  شبه غافلين عن تمظهر ذهنية التحريم في عزوف الجمهور عن الحضور؛ فليس هنالك دراسة سوسيولوجية في قطر عربي (ما) تحـدد لنا الأسباب الجوهرية عن العزوف للحضور للعروض المسرحية .مقارنة بعِـقـد الستينيات والسبعينيات من (ق, م) وإن كان فعل التحـريم يتمرر بشكل غـير مباشرفي كثير من الأحيان  عبر بعض المدارس والمعاهد وبعْـض المساجد وفي خطب الجمعة، لأننا في مجتمع بنيته فقهية بالأساس . وهذا من المغالطات التي لم يفهمها العَـديد من المسرحيين/ الباحثين الذين تناولوا موضوع: المسرح والإسلام (5) وبناء على ذلك  ففي غياب مواجهة فكرية رصينة تجاه ذهنية التحريم التي تتحكم في البنية المجتمعية العَـربية  في معْـظمها لاشعـوري بالأساس. رغم إن حاولنا أن يقترن: (التمثيل) بـِنيَّة العبادة، كمـن أقامه يدعو الناس به إلي الله تعالي، ويرى أنه بذلك فعل قربة يؤجر عليها، فإن تحريمه أشد والمنع منه آكيـد .فكما أنه معصية لله تعالي – كما سبق شرحه – فهو بهذه النية بدعة منكرة شنيعة، تضاهي ما كان عليه اليونانيون الوثنيون،والنصارى الضالون(6) هنا فـذهنية التحريم تسعى لغلق كل المنافـذ ليظل المسرح العربي يتأرجح بين الفعل واللافـعل، فاقـدا جمهوره وفاقدا لصولته الحضارية كيف ذلك؟

شــيء مــن تاريخ التحــريم:

من الملاحظ أن بعضا ممن ناقش أو تناول قضية تحريم المسرح/ التمثيل، إلا ويستند على معطيات قـديمة جدا ومن مصادر جاهـزة ومتداولة، كأنه ليست هنالك مستجدات. تجعل من ذهنية التحريم منظورا كائن الوجود ومتغلغلا في مجتمع المعلوميات. أم أنه منعَـدم الفعالية والتغلغل. نتيجة حُـدوت قطيعة بما أوتي من جهد للسلفيين في نحـت  ومحاولة ترسيخ مفهوم علم تحريم التمثيل تعارضا بتطورات العصر ولاسيما أن الأَحكام الشرعية، والمسائلَ الفقهية بحاجة بين لحظة وفترة زمنية  إِلى تصفية وغربلة. انطلاقا من الميكانزيم المتحكم في الأَحكام والفتـاوى التي تتغير بتغير الأحْـداث والأزمنة، باعتبارنا أمة مسلمة . إذ لازلنا نثير المعْطيات القديمة في العصر الحاضر كأننا شـعْـب لا يتحرك في سياق الإنماء البشري وعبر السيرورة التاريخية، وبما أن الذهنية العربية؛ ذهنية  محافظة سلفية بالسليقة .فمن البدهي أن يتم استحضار - سعيد الغبرا-  الذي نسيه التاريخ في جوانب معينة، وإن كان أفتى في حق أبي خليل القباني بأن التمثيل منافي للدين والاخلاق. بغية إغلاق مسرحه في (دمشق) وإحْـراقه فيما بعد. فالمسألة أعيدت للمشهد المسرحي بالقول: ولما عرف الشيخ سعيد الغبرا أنّ السلطان عبد الحميد سيصلي الجمعة في جامع أيا صوفيا انتظر موكبه هناك، وما إن هلّ الموكب حتى صاح الغبرا بأعلى صوته: أدركنا يا أمير المؤمنين، فإن الفسق والفجور قد تفشّيا في الشام، فهُتِكت الأعراض وماتت الفضيلة، واختلطت النساء بالرجال، فجاء أمر السلطان بإغلاق مسرح القباني، وما كاد الخبر أن يصل حتى هاجم بعض من العامة مسرح القباني، فأحرقوه... مثقفون ومسرحيون سوريون سيحملون غداً شموعاً ويتوجّهون إلى بيت أبو خليل القباني (1833 ــ 1903) في حي كيوان في دمشق. رائد المسرح العربي توفّي بالطاعون، بعد مكابدات في المنافي وحرق مسرحه في دمشق، إثر صدور فرمان من السلطان العثماني بإغلاقه (7) ولكن هاته البادرة طيبة  التي أقدمت عليها أن رئيسة «جمعية النهضة الفنية للمسرح والموسيقى» رجاء بنوت (الجهة المنظمة للتظاهرة) لكن أعيد النظر في قضية الشيخ الغبرا/ القباني من خلال كتاب: وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق(8) الذي يثير معطيات بالغة الأهمية بالسند والوثيقة، بحيث يكشف لنا الصراع الضمني بين الفني والسياسي؛ و استغلال المجال الديني لضرب  النشاط الفني وكذلك السياسي إن اقتضى الأمرفي غياب التوافقات والفشل في التحكم في المصالح بحيث:أثارت مسرحية «عطرشان وورد الجنان» ردود فعل غاضبة من قبل بعض رجال الدين، كونها جسّدت شخصية السلطان المملوكي نور الدين الزنكي، الذي كان بمثابة ولي من أولياء الله في عيون بعض متصوفة دمشق. في عام 1878 تسلّم مدحت باشا ولاية سوريا، وطلب من القباني إعادة افتتاح مسرحه (....) إلا أنه في عام 1883 سيُقال مدحت باشا، كما سيقوم بعض الشيوخ المناوئين للقباني بإرسال عريضة إلى نقيب الأشراف في إسطنبول أحمد العجلاني يطالبونه فيها بإغلاق مسرح القباني. وخلافاً للرواية التي تقول بأن قـدوم السلطان عبد الحميد الثاني كان بمثابة نهاية الحريات وأفكار التنوير، وبداية تحالف بين الاستبداد ورجال الدين المحافظين(...) وأن موقف سعيد الغبرا لم يكن هو الموقف الطاغي في المدينة / ففي مقابل رؤية الأخير نعثر على رؤية مقابلة للشيخ طاهر الجزائري، الذي كان يعَـد من ألمع علماء دمشق وأكثرهم نفوذاً وتأثيراً(9) وهذا يبين أن هنالك أصوات متعددة من الماضي مارست ترسيخ قضية تحريم الفن والإبداع من الشرق ليمتد عبر الجغرافيا العربية، وبالتالي ما ألفه الحافظ أبي ال أحمد بن محمد بن الصديق " إقامة الدليل على حرمة التمثيل" وكذا أبو الفضل عبد الله محمد الصديق ـ [إزالة الالتباس عما أخطا فيه كثير من الناس] تحصيل حاصل لما كان سائدا؛ وما إقامة الدليل إلا بذرة انغرست في المغـرب بتأثير الشرق طبعا؛ وتم أينعت ليتم إعادة إنتاج ذهنية التحريم للمسرح، بخلاف بعض ممن جزم بالقول: لا يبدو أن معركة الفقيه (يقصد أحمد بن الصديق) كان لها من الأنصار أكثر مما نسبه هو إليها في مقدمة كتابه، فتأثيرها ظل هامشيا، بل إننا لم نكد نقف على أي رد فعل مذكور، إذ سرعان ما نسيت وأهملت بل إن أنصار الاتجاهات الإسلامية المعاصرة ودعاتها أضحوا منشغلين بتطوير المسرح كأداة للتوعية ونشر الدعوة (10) كلام هكذا ينطلق دونما تحليل دقيق وبدون سند مرجعي لقضية التحريم التي أطلقها – أحمد بن الصديق  - ومدى اختراقها صفوف الجماهير. ولقد أغفل الباحث أن هنالك إخوته الثلاث وتلامذته وأتباعه على شاكلته من معاصريه وعلى سبيل المثال هناك عبدالله التليدي وهذا (يعتبر وارث سره) محمد زاهد الكوثري / محمد بوخبزة /عبدالعزيز الكوثري /عبد الغني النابلسي / .../ والشيء بالشيء يذكر: فكتبه ما زالت منتشرة في كثير من بلدان العالم الإسلامي؛ ونحن نكشف ما  في كتبه وأراءه من ضلال وانحراف.... فلا يهمنا شخصه بقدرما تهمنا أقواله الفاسدة التي مازالت مسطرة في كتبه ويتسمم بها المسلمون، وخاصة أن بعض الناس نشطوا في إحياء خرافاته وضلالاته وذلك بنشر كتبه  والدعاية الفارغة لها (11) للعلم أن كتاب (إقامة الدليل على حرمة التمثيل) وصل للطبعة (الرابعة) ورقيا عن مكتبة القاهرة 2009 ويباع في الأسواق الإلكترونية (كذلك) حتى أن [علي جمعة] قال: إن بعْـض المشايخ حرموا التمثيل ذاته لأنه كان عندهم هو نوع من الهزل والكذب، لدرجة أن الشيخ أحمد بن الصديق ألف كتابا أسماه "إقامة الدليل على حرمة التمثيل" (12) فـَلو لم يكن هنالك تأثير وترسيخ لذهنية التحريم في الذهنية العربية / الإسلامية . لما أثاره "مفتي الجمهورية السابق" وفي سياق كل هذا فالباحث الذي جزم [...فتأثيرها ظل هامشيا، بل إننا لم نكـد نقف على أي رد فعل مذكور] ربما لم يطلع على الكتب التي تحمل ذهنية التحريم للتمثيل/ المسرح، وهي عَـديدة .

إذ سنحاول سردها فيما بعْـد؛ وأكيد أنه لم يطلع على إقامة الدليل في حرمة التمثيل، الذي يقول: وأعجب من ذلك، أنه لما كتب شقيقنا العلامة الواعية المطلع الغيور على الدين السيد عبدالله مقالا في مجلة الإسلام نبه فيه على عظيم منكر ما فعلوه فأقاموا لذلك المقال وقعدوا وأبرقوا له وأرعَـدوا وما آلو جهدا في سبِّه والاستهزاء به والسعي في أذيته..... (13)

 

نـجـيـب طــلال

..........................

الإحــــالات:

1) من سورة البقرة الآية 251

2) إقامة الدليل على حرمة التمثيل للحافظ أبي الفيض أحمد بن الصديق الغماري – ص11/ ط - 3/2004 الناشر مكتبة

القاهرة - علي يوسف سليمان

3) إيقاف النبيل علي حكم التمثيل: لعبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم تقديم:الشيخ العلامة صالح بن فوزان

الفوزان والشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي - ص   السعودية / 1992(المطبعة مجهولة)

4) طـوفـان البلاء .. التمثيل والغناء إعداد: شريف بن علي الراجحي ص2/3 بدون تاريخ ولا مطبعة مذكورة

5) انظر الإسلام والمسرح لمحمد عزيزة (و) الإسلام والفنون لأحمد شوقي الفنجري.

6) إيقاف النبيل علي حكم التمثيل: لعبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم تقديم:الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان والشيخ العلامة ربيع بن هادي المدخلي - ص/50- السعودية /1992 (المطبعة مجهولة)

7) مسيرة شموع «معارضة» إلى بيت أبي خليل القباني بقلم سامر إسماعيل – صحيفة الأخبار بتاريخ  27/03/2009

8) وقائع مسرح أبي خليل القباني في دمشق للكاتب الفلسطيني السوري تيسير خلف عن منشورات المتوسط – إيطاليا

ونفس الكتاب نشرته الهيئة العربية للمسرح تحت عنوان" «نشأة المسرح في بلاد الشام»

9) استندت على مقالة  تحليلية لمحمّد تركي الربيعو بعنوان  (أبوخليل القباني وصراع علماء دمشق على لباس الممثلين

"الافرنجي" في القدس العربي بتاريخ 26/10/2018

10) ملامح من تاريخ الخطاب التنظيري في المسرح المغربي. لعز الدين بونيت  في الثقافة المغربية  ص 47  /عدد  08 /1999

11) تنبيه القارئ إلى فضائح أحمد بن الصديق الغماري: جمعه ورتبه  - مصطفى اليوسفي. تقديم  محمد بن عبدالرحمان المغراوي ص 15/16 مراكش المحروسة بتاريخ 20/ يوليوز1996(المطبعة مجهولة)

12) علي جمعة للممثلين: اتقوا الله وكونوا ملتزمين: بقلم محمد شحته -  في صدى البلد بتاريخ 16/05/2017

13) إقامة الدليل على حرمة التمثيل للحافظ أبي الفيض أحمد بن الصديق الغماري – ص20/ ط – 3

/2004 الناشر مكتبة القاهرة - علي يوسف سليمان

 

فالح الحجيةالشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة (14)

لذا فالشعر وجد باعتباره محاكاة للإنطباعات الذهنية ومن ثم يتبين انه ليس نســــخا ً مبــــاشراً للحيــــاة. وإنما هو تمثيلٌ لها ينبع منها ويصب فيها . ويتبين بأن الشاعر الفذ يحاكي الأشياء كما هي، أو كما كانت أو كما ينبغي أن تكون اي على حالتها او وجوديتها في الطبيعة وربما – كما اعتقد الناس – بأنها كانت كذلك، أي أن هذا الشاعر الذي ربما كان متهما بالبعد عن الحقيقة المعروفة عند الناس، يمكن أن يدافع عن موقفه بأن يعرض الأشياء الحاضرة والماضية وبمثالية أو بما يعتقده الناس فيها.

لاحظ قولي في قصيدتي (عيد النصر):

الحريّة  حمراء   بنا   شمخت

فخر الرجال  وللا غا د  في  وجر

حمراء - سوداء  للاعداء - ناشرة

هول الحتوف وهم الخوف والذعر

الليل ملتهب والشمس في حجب

والحقد محتظر والظلم في سفر

مزقت جفن الردى بالهول تشدخه

شدخ الزلازل للاعلام والحجر

والشر  تجتثه  ان   مد  مخلبه

نحو الضياء ونور الحق في سدر

فاضرب  فديت  عدوا  لاحياة لهم

واطوي ظلام الليالي السود في سقر

في صاعد من دخان الحرب تحبسه

سحبا من الغيم قد اشفت على المطر

والشعر قد يكون سماوياً وهذا لا يعني أنه يجب أن يكون كذلك او انها لازمة ضرورية له ومن هنا يتضح لنا ان مزامير نبي الله داود عليه السلام هي إغانٍ قد نظمت في أوزان معينة الا انها ليست شعرا حيث ان الوزن وحده لا يقيم شعراً بمفرده اذ يفتقد الايقاع او النغمة الموسيقية والعاطفة .لذا يتوجب الحصول على الإبداع الحيوي الذي يمثل الخاصية المميزة للشاعر وتقاس امكاناته الشعرية بقدرها او بقدر ما يأتيه منها فهو يبدع أشياء جديدة معتمداً على فطنته الذاتية او فطرته وما عاناه او يعانيه خلال  ساعة النظم او الكتابة او يتفكر فيه.

فالشعر معرفة انسانية تحمل معطيات الرؤية و الاحساس النابع من القلب وهذا الاحساس المعني هو المصدر الوحيد لمعرفة الاشياء في هذا العالم الذاتي, أي ان الشعر الذي ينبثق من الروح اللاعقلية و اللاتصورية مضاد لكل تفسير منطقي .اي ان ما عناه الشاعر ربما يبقى مبهما عند الاخرين وبما يحقق المقولة المعروفة (المعنى في قلب الشاعر) ومن هنا يتضح ان الشعر في الاتجاه الرمزي ربما يكون تعبيراً عن العلاقات التي تخلفها اللغة لو تركت لذاتها بين الحد العيني والتجرد المادي والمثالي وبين المجالات المختلفة للحواس. او بمعنى اخر أن الشعر هو الإيحاء لصور مثالية قد تتصاعد إلى الإعلى محلقة باجنحة شعرية منبثقة من روحية الشاعر وعاطفته المنبعثة من اعماقه وممتزجة بخوالجه المتدفقة منها و المشحونة بها والتي يخترعها في شعره والتي قد تتبخر في بعض الاحيان فينكص الشاعر عن قوله في تلك اللحظة او الفترة الزمنية (فترة الالهام) او نقول أن الشعر هو الخلق الجميل الوقع ، و يقصد فيه التبصر والسمو و التأمل في تجربة ذاتية لنقل الصورة الجميلة المعبرة عما يجيش في نزعات الشاعر وممتزجة بأقوى عناصر الجمال الشعري والشعوري الذي يتمثل في الموسيقى الكلامية المنبعثة من امكانية الشاعر في الايتاء بها او تقائها من خلال تمازج او تزاوج الحروف اللغوية مع بعضها بحيث تعطي نمطا او نسقا موسيقيا معينا ونغما رائعا تبعا لأمكانية الشاعر ومقدرته على الخلق والابداع وامكاناته في سبر اغواراللغة لأنها طريق السمو بالروح نحو مسارات عالية ذات نغمات تبثق من نفسية هذا الشاعر وعواطفه وامكانيته التعبيرية والتي هي السبيل للإيحاء وللتعبير عما يعجز التعبير عنه الاخرون .

من هذا نفهم ان الشاعر يتميز بخاصية فنية ابداعية فطرية في اغلب الاحيان ربما تُشحذ بالاكتساب والتعامل مع النصوص والمطالعة او بالمران ويتحقق من ذلك انه – أي الشاعر – يمثل قمة الاحساس النفسي في ذاته بحيث تنثال شاعريته في اغلب الاحيان انثيالا فلا يتأتى ما ترد عليه لغيره من الذين يبقون ناكصين مهطعين مقنعي رؤوسهم ازاء ذلك بينما ينظر أصحاب الشعر الخالص او الشعراء الفحول ويسلمون الى أن جوهر الشعر هو حقيقة مستترة عميقة وايحائية لا سبيل إلى التعبير عنها بمدلول الكلمات بل بعناصر الشعر الخالصة، وهذه العناصر الخالصة غير مقصورة على جرس الكلمات وجماليتها ورنين قافيتها وتاثيرتها وايقاع التعبير السامي وموسيقى الوزن وتغماتها – فهذه كلها قد لا تصل إلى المنطقة العميقة التي يتحدر منها الإلهام – بل تتعداها الى ارهاصات التفكير الاسنى وارتعاش القلب الوالع ونوازع النفس الشاعرة وانتشاء الروح المتلقية بما يحقق الامل المرجو منها.

بدأت بوادر النهضة الفنية في الشعر العربي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، حيث بدات كشذرات خافتة لدى بعض الشعراء او ضئيلة الشأن وكأنها أصوات هامشية كما عند الشاعر ناصيف اليازجي وولده ابراهيم اليازجي وغيرهما ثم أخذ عودها يقوى ويشتد على ايد ي الشاعر محمود سامي البارودي وغيره من شعراء ذلك الزمن فجاءت مندفعة بجد نحو الرقي والاكتمال حتى اذا اكتملت خلال القرن العشرين فاضحت متبلورة في اتجاهات شعرية مختلفة في نهضة ادبية شعرية قد حددت مذاهب الشعر العربي الحديث و تفوقاته ورصدت اتجاهاته .

– راجع كتابي ( شعراء النهضة العربية ) –

مستفيدة من التراث العالمي وخاصة الفكر الاوربي آخذةً منه ما يوائم القيم والتقاليد العربية الأصيلة سائرة في سمتها الاصيل نحو الافضل ودائرة في محورها وبالوقت نفسه رافضة مفهوم القصيدة الشعرية كعملية تأليف أو تنظيم كنظم القواعد او نظريات علمية بل فتحت آفاقاً شعرية جديدة غير مسبوقة في تاريخ الشعر العربي مثل الشعر الحر  ( شعر التفعيلة ) الذي رسم الشعر وفق اوزان معينة هي نصف بحور اوزان عمود الشعر ومنه  يقول الشاعر  بدر شاكرالسياب في قصيدته   (غريب على الخليج):

أتعلمين ..

أي حزن ٍ يبعث المطر..

وكيف يشعر الوحيد فيه بالضياع ..

طفلا بات يهذي قبل أن ينام

بأن أمه التي أفاق منذ عام ٌ

فلم يجدها ثم حين لج في السؤال ..

له بعد غد ٍ تعود لابد أن تعود فتستفيق

ملء روحي نشوة البكاء

ورعشة ٌ وحشية ٌ تعانق السماء

كرعشة الطفل إذا خاف من القمر

 

امير البيـــــان العربي

د.فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديـــــالى - بلـــــد روز

 

ابراهيم مشارةلاشئ يجعلنا عظماء غير ألم عظيم "ألفريد دي موسيه"

الألم كظاهرة جسمانية أو نفسية مظهر من مظاهر النقص في الكائن البشري وآية عدم سويته، إنه يصيب الإنسان بالعجز ويحسسه بانسحاقه وبعدم قدرته على مزاولة حياته اليومية كغيره من بني جنسه.

وسواء أكان الألم جسديا أم نفسيا فإنه يلقي بظلاله الشاحبة على عالم اللاوعي ويمسح بكآبته على سراديب الروح فيحس الفرد بنقصه وربما عدم كفاءته -على الأقل- في ممارسة الحياة العادية كعامة الناس.

ولأن الإنسان أناني بطبعه، وغريزة البقاء متأصلة فيه ، تأصل خلاياه وأنسجته ولأن الموت والنسيان هما خصماه اللدودان، فإنه يسعى لاستكمال ذلك النقص المتجلي في المعاناة بضربيها الجسدي والنفسي بالتطلع إلى عوالم لا يرقى إليها الأشخاص العاديون وبالتحليق في سماوات تقصر مدارك الناس عنها إنه اللاوعي يقاوم الفناء ويؤكد خصوصية الذات ويستنبت بذور البقاء، ويشفي الغليل -غليل نفس مهما كانت إنسانية-فهي حاقدة على الصحة الموفورة والاتزان النفسي للجماعة -القطيع- ولهذا كان شاعرنا الكبير المتنبي على حق حين قال:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم

وإذا كان فرويد يفسر الإبداع على أنه التحول في اللبيدو فإن كارل جوستاف يونغ السويسري يفسره على أنه إحساس بالدونية ومن ثمة التسامي -عن طريق الإبداع- بهذه الذات إلى الظهور في مستوى الناس العاديين بله والتفوق عليهم والاستعلاء على مداركهم وطموحاتهم.

وقد كانت العرب على حق حين قالت:" كل ذي عاهة جبار" وهو قول علمي أكثر منه أدبي مضمونه جمع بين الفلسفة والعلم، وترك لعقل القارئ تحليل هذا القول واستقصاء جزئياته لإدراك مراميه البعيدة التي شرحناها من الوجهة النفسية والوجودية في بداية المقال.

وفي أدبنا العربي قديمه وحديثه مبدعون كبار –نثار وشعراء- ينسحب عليهم هذا القول وذلك التحليل المقدم آنفا.

لقد كان الألم مهمازا للقريحة، ووقودا للسير في طريق الإبداع والخلود وأجنحة حلق بها أصحابها في عوالم الفكر والشعور، ومعارج عرجت بهم إلى قمة الأولمب بين أقدام أبولون فباركها بأن منحها الخلود ومنح إبداعها إكسير البهاء والبقاء.

والعجيب في أدبائنا الشعراء والكتاب المتألمين كانوا كالشهب في سماء الخلق الفني أضاءوا إضاءات سريعة واختفوا عن الوجود لم يثبتوا ثبات النجوم حتى ليملها الرائي، فقد كانت حياتهم قصيرة ، كان الألم والنشيج والأنين حجر الزاوية فيها، وأشد ما يلفت النظر في الشهاب سرعة حركته واندفاعه في السماء وشدة ضيائه الذي يكاد يخطف الأبصار ويكسف ما حوله من نجوم عتيقة.

وكذلك كانت حياة هذا النفر من الأدباء ولعل شاعرنا الصداح فوزي المعلوف ( 1899/ 1930) خير من يمثل هذه الفئة وهو إن لم يصبه الداء العياء في صدر شبابه، بل كان مثالا للصناعي الناجح في البرازيل والغني المتألق الوسيم، ولكن معاناته كانت نفسية وجودية رأت الحياة بمنظار أبي العلاء، وتشربت معاني رباعيات الخيام فبدا لها الوجود غفوة والموت صحوة والمال والبنون والصحة والوسامة مظاهر خداعة تتستر على هاوية العدم وقاع الفناء، وعانى هذا الشاعر من النفاق والرياء والكذب والغرور والحسد تلك الصفات المميزة للإنسانية في ملمحها العام اسمعه يقول:

وهو حي يستهون الموت مـره        *       من يمت ألف مرة كل يوم

كـل مـا قال فيلسوف المـــعره        *       تعب كلها الحياة وهـــــــذا

واقرأ معي هذا المقطع الذي تجد فيه الشاعر قد نفذ إلى لباب الوجود

-حسب رأيه- فإذا هو الزوال والفناء:

أنت مثلي في الكون للكون كاره      *       نـظرت وردة إلـي وقــــــــــالت

أجتـنى بـين آسـه وبـهــــــــــاره     *       ويـح نفسي مـن الربـــــــيع ففيه

علـى رغـمها بـلفحة نــــــــــاره     *       ومن الصيف فهو يحرق أكمامي

قـاتلي بـين وصـله ونـــــــــفاره؟    *       والـنسيم البـليل هــــــــل هو إلا

فـيــــــجفو والـعطر مـلء إزاره      *       يتصابـى حـتى أســــــلمه نفسي

وكان آخر ما نظم هذا الشاعر:

التهاما وينهش القلب نهشا    *       مرحبا بالعذاب يلتهم العين

ناقعا غلة إلى الدم عطشى    *       مشبعا نهمة إلى الدم حرى

وقد خاطب قلمه أجمل خطاب مرة:

لي منذ امتزجت بي وستبقى  *       يا يراعي مازلت خير صديق

باكيا من تعاستي حين أشقى  *       باسما من سعادتي حين أهنــا

وأما الشاعر اللبناني الآخر إلياس أبو شبكة (1903 / 1947) بودلير الشرق هذا الشاعر الذي أبدع في وصف الغواية، وتتبع العورة والسقطة، فقد كان الألم دافعه في الإبداع وحاديه في الكتابة اسمعه يقول:

ولـم يـنكر وجـنتيه الســــــــقم        *       من لم يذق في الخبز طعم الألم

من يمنع الأهـوال أن تطــعمه         *       من لـم يغـمس في هواه دمــــه

ومن لم يسمر في الهوى أنمله         *       من ليس يـرقى ذروة الجلــجله

ولـن يـرى أمـــــــاله في رؤاه        *       لن يعرف الـعمر شعاع الإلـــه

وفي البيت الثالث استلهم الشاعر قصة صلب المسيح أجمل استلهام واللافت في هذا الشاعر البارع في وصف الغواية والمدرك لحقيقة الشعر والحياة معا وهي قول وليم بليك "اذهب وطور قابليتك على رؤية الرؤى حتى تصل بها إلى أفضل ما يمكن أن تكون عليه" أنه عانى ألما جسديا ونفسيا معا عجلا به إلى هاوية العدم وما أجمل قوله:

فعدن ميراث لمن تألما        *       إن الشقا سلم إلى السما

وأجمل منه هذا المقطع الظاهر فيه التأثر بالرومنطيقية الفرنسية الحزينة:

اجرح القلب واسق شعرك منه        *       فـدم القـلب خمرة الأقـــــلام

وإذا أنت لم تـعذب وتـغمـــــس       *       قـلــــــــما فـي قـرارة الآلام

واشق ما شئت فالشقا محرقات       *       صعدت من مذابح الأرحـــام

رب جرح صار ينـبوع شــــعر      *       تلتقي عنده النفوس الظـوامي

وزفير أمسى إن قدسته الروح        *       ضـربا مـن أقدس الأنــــــغام

وعذاب قد فاح مـنه بـــــــــخور      *       خالد فـي مجـامر الأحــــــلام

وكذلك كان شاعر مصري الذي لا يعرفه إلا القليل صالح الشرنوبي ( 1924-1951)

رفيق صالح جودت، جرته كآبته ومعاناته النفسية وقلقه الوجودي إلى الموت تحت عجلة القطار وهو القائل:

وآمالنا تفنى وتـفنى المشاعـــــر * غدا يا خيالي تنتهي ضحكاتنا

ويحكم فينا الموت والموت قادر * وتسلمنا أيدي الحياة إلى البلى

وقد كان الشاعر خليل شيبوب(1891م-1951) صريع الداء مكدود البدن تساقط نفسه أنفسا على حد وصف امرئ القيس لعلته، وزاده الألم النفسي قهرا وعذابا فانفجر يقول:

ذهبت صبوتي وضاعت حياتي      *       أنا بين الأمراض والحسرات

عالما أن راحتي فـي ممــــــاتي      *       كم دعوت السماء دعوة يأس

تاعس الحظ قد سئمـت حيــــاتي     *       حبذا الموت يـا ظلام فــــإني

وأما الشاعر السوداني التيجاني بشيريوسف ( 1912-1937 )

فقد كان الألم هو الآخر - وألمه هنا نفسي- كألم صاحبه دافعه إلى الإبداع وسلمه إلى التحليق في سماء الابتكار، وقد كان كسابقيه شهابا خطف الأبصار سناه ثم انتهى رمادا ، اقرأ معي هذا المقطع الدال على معاناته:

بعد خلوصي وصفائي؟       *       ثـم مـاذا جـد مـــــــــن

أرى مــا أنــــــــا راء         *       أظلمت روحي ماعدت

فـي صـحو سمــــــائي        *       أيهذا الـعثير الغــــــائم

وللـموت رجــــــــائـي        *       للمنايا الـسود آمـــــالي

وفي قصيدته قلب الفيلسوف يقدم لنا الشاعر ملامح شخص مرهف الحس، شديد الألم، تغطيه أسمال بالية على هيكل مكدود وهو يعني نفسه ومن على شاكلته:

أطل من جبل الأحقاب محـتمـــلا    * سفر الحياة على مكدود سيمــــاه

عاري المناكب في أعطافه خـــلق   * من العطاف قضى إلا بـقايــــــاه

مشى على الجبل المرهوب جانبه    * يكاد يلمس مهوى الأرض مرقاه

هنا الحقيقة في جنبي ، هنا قـبس     * من السموات في قلبي ، هنـا الله

أما شاعر العربية الكبير وبلبلها الصداح ونسمتها المنعشة وعبيرها الفواح ، شاعر تونس الخضراء أبو القاسم الشابي (1906 / 1934) فالألم الجسدي وقصور قلبه كانا سبب نكبته ومعراجه إلى سماء الخلود وطريقه إلى الشعر بعد أن امتلك أسبابه وتهيأت له فواتحه، ولسنا نتحدث عن الشابي المجدد والرومانسي وصاحب رائعتي إلى الطغاة وإرادة الحياة وإنما نتحدث عن الشابي المكدود العليل الصارخ من الألم المستشعر نهايته القريبة في شرخ الشباب ونضارة العمر ونكتفي بمقطعين يعبران عن معاناته الجسدية والنفسية من قصيدته "الصباح الجديد" وكأنه يؤمن في هذه القصيدة بتناسخ الأرواح، أو بفكرة البعث بعد الموت واستمرار الحياة إلى الأبد في أطوار وحيوات مختلفة، ولكنها حيلة اللاوعي وغريزة البقاء تسكن لوعته وتهدأ من روعه حتى تحين القاضية ، اسمعه يقول مخاطبا آلامه وجراحه:

أسكـني يـاجـــــــــراح        *       واسكـتي يـا شجـون

مـات عـهد النــــــواح         *       وزمـان الـجـنـــــون

وأطـل الصـبـــــــــاح         *       مـن وراء الـــقـرون

في فجـاج الــــــــردى         *       قـد دفـنـت الألـــــــم

ونـثرت الدمـــــــــوع         *       لــريـاح الــعـــــــدم

واتخـذت الـحيـــــــــاة        *       مــعزفـا للنـــــــــغـم

أتـغـنى علـيـــــــــــــه         *       في رحـاب الـزمـان

أما شاعر العراق الكبير ورائد شعر التفعيلة بدر شاكر السياب (1926 / 1964) فكانت معاناته جسدية، جسد ذاوي كأوراق الخريف ونشاز خلقي سبب له الألم وهو الشاعر المفتون بالنساء العاشق للمرأة الراغب في امتلاكها الساعي إلى مواقعتها نزولا عند رغبتها واستجابة لاستعطافها، لقد كان السياب ظاهرة فريدة طواه الموت قبل الأربعين وأخرس صوت الألم فيه ولكن الألم خالد في شعره يصيبنا بفيروسه كلما قرأنا شعره وإن كنا لسنا كالقابض على الجمر، وفي قصيدة" دار جدي" وهي من أجمل قصائده التي توحي بهيبة صاحب الجلالة – الزمن- وتشعرنا بتفاهتنا وتفاهة الموجودات أمام عرشه الأزلي الأبدي، في هذه القصيدة إشارة إلى مرضه وألمه وآهته وإنه ليؤثر تأثيرا بالغا في وجدان قارئه حين يقول:

وفي ليالي الصيف حين ينعس القمر

وتذبل النجوم في أوائل السحـــــــــر

أفيق أجمع الندى من الشجـــــــــــر

في قدح ليقتل السعال والهـــــــــزال

ولما استبد بالشاعر الألم وأعياه الصراخ وجفاه النوم وانتحرت خلاياه يأسا وسكن الموت في سراديب روحه وتلافيف مخه، ورأى هاوية العدم تنفتح لتبتلعه لم يجد غير الله يلوذ به ولربما أدركه اليأس حتى من الله ولكنها حيلة اللاوعي وغريزة البقاء تعمل عملها وتحيي سنتها في مخلوقاتها اقرأ معي قوله:

شهور طوال وهذي الجــــــراح

تمزق جنبي مثل المــــــــــــدى

ولا يهدأ الداء عند الصبــــــــاح

ولا يمسح الليل أوجاعه بالـردى

وقد جاءه الردى أخيرا فمسح الأوجاع وطوى الآهات وأخرس الأنات ولكنها خالدة في دواوين الشاعر.

هذه لمحة عجلى عن الألم - النفسي والجسدي- وعلاقتهما بالإبداع، استقصيناها عند بعض شعرائنا المحدثين، وإن كانت ثنائية الألم والإبداع ظاهرة موجودة في كل آداب الدنيا قديما وحديثا، وسيظل الألم هو الطريق إلى ذروة الجلجلة على حد وصف شاعرنا إلياس أبي شبكة، ولكن المشكلة أنه ليس في مقدور أي إنسان أن يخلد معاناته ويؤبد ألمه ويفرض على الزمان اسمه وإبداعه وبذلك ينفلت من هاوية النسيان، فالإبداع في الأصل موهبة لها ملكاتها الفطرية في وجدان صاحبها ويكون الألم عند البعض الوقود الذي يلهب مشاعر الأديب فيسابق الريح ويحرق المراحل ويخلد في شرخ الشباب وفي نضارة الصبا.

 

ابراهيم مشارة

 

فالح الحجيةالشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة (13)

الشعر العربي كان ولا يزال يعد الفن الاول للغة العربية في مجتمع الامة العر بية ككل .

فالانسان العربي الاول جبل على قول الشعر او سماعه او الاهتمام به فهو يمثل أكثر الفنون القولية تاثيرا في او لدى الانسان العربي .فالتاريخ الأدبي اذا ما قارناه بالنثر او بالخطابة وكدليل على أهمية الشعر عند العرب. قيل (الشعر ديوان العرب) وهو كذلك حقا نتيجة لتعايش الانسان العربي وما أبدعه الشاعر العربي من شعر تمثلت به كل معطيات الحياة اليومية لديهم منذ عصر الجاهلية الاولى، فهو حافظ لتاريخ العرب وأيامها وعلومها المختلفة،يمكننا ان نعتبره مصدرا مهما بل المصدر الاول والرئيس الذي يمكن الاعتماد عليه في التعرُّف على أحوال العرب وبيئاتهم وثقافتهم وتاريخهم مع طبيعته بالاحتفاظ بالرؤية الفنية اذ يتميز الشعر العربي عبر كل عصوره المتلاحقة بعلاقة الإبداع الشعري بالنغم الموسيقى من خلال الإيقاع الشعري والذي يمثله الوزن والقافية .

قصيدة الشعر العربية تتكون من ابيات,و كل بيت منها يتألف من مقطعين الأول ويسمى الصدر، والثاني يسمى العجز، ثم سمي الشعر بمجموعه او كليته (الشعر العمودي) الذي هو الأساس المعتمد للتفريق بين الشعر والنثر اذ يخضع هذا الشعر في كتابته لضوابط معينة . وكان الشاعر العربي يحظى بها بعفوية وتندرج في سياق الاذن الموسيقية المألوفة لدى الشعراء او بحركات متناغمة ماخوذة من واقعهم المعاش كسير الابل في الصحراء او حركة الراكب فوق بعيره او من خلال صوت هجير الرمال في الصحراء وقد بحث فيها العالم الكبير الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري – وهو علم من اعلام اللغة والادب – في العصر العباسي واوجد لها موازين او ضوابط كقواعد اساسية في قول الشعر ونظمه واطلق عليها (بحور الشعر) او (علم العروض) .

ويعرف علم العروض بأنه علم معرفة أوزان الشعر العربي أو هو علم أوزان الشعر الموافق للشعر العربي وبما انه موافق لهذه الحالة ولقرب الشعر من النفوس ومحبتها له فقد قام بعض علماء اللغة والادب بنظم اساسيات علومهم المختلفة المستجدة او المستحدثة او التي يراد الاحتفاظ بها لنفاستها في قوالب شعرية على شكل قصائد طويلة مستقلة بكل موضوع .

وقد اتخذ هؤلاء العلماء عمود الشعر اساسا في تنظيم قواعدهم وما ارادوا ايصاله الى القارئ العربي او السامع العربي وتقريبه اليهم بافضل واحب واسهل طريقة قريبة ومحببة الى نفوسهم وشائعة عندهم الا وهي الشعر (كألفية بن مالك) في قواعد اللغة العربية مثلا او بعض القواعد والعلوم او غيرها وذلك لما ألفته الأذن العربية واستساغة النفس للنظم وسهولة حفظها وقرب استيعابها بهذه الطريقة. والإيقاع المنتظم، مما يجعل تلك المنظومات أسهل للحفظ والاسترجاع في الذاكرة.

وقد خرجت هذه المنظومات من حالة وجدانية الشعر إلى حالة النظم وذلك لانها بصراحة افتقدت اهميتها كشعر او فاعليتها الجمالية فاخرجتها من دائرة الشعر الذي اهم ما يميزه العاطفة الانسانية الكامنة في الشعرية والتواصل المشدود الى النفس الانسانية وخلجاتها واتحادها بروحية الشاعر وما اوحاه اليها من عواطف نفسية قد اعتملت في نفسيته فاستودعها قصيدته او شعره فياتي الشعر كنبضات قلب متدفق حيوية ويعبر عما في نفس الشاعر او ما يسمى بالشعر الوجداني . ولهذا فقد تميز الشعر عبر أدواته ا لمختلفة التي لم يكن هذا العمود او المنظومة إلا مظهراً من مظاهر الشكل الفني غير الجوهرية، قد فقدت روح الشعر ومثال ذلك المعلقات السبع او العشر وهي افضل قصائد الشعر الجاهلي وسميت بالمعلقات بسبب تعليقها في داخل الكعبة (بيت الله الحرام) وهو افضل مكان كان عند العرب لجيادتها وسمو سبكها وبلاغتها وقوتها الشعرية والتعبيرية وقربها من القلب والنفس وما يعتمل فيهما من نزعات وقيل انها كتبت بماء الذهب لنفاستها الفنية وقد نظمت بأوزان الشعر العربي دون أن يعتريها أي فقدان لروح الشعر او جمالياته الإبداعية وبأبعاده الفنية والعاطفية او النفسية وتعد أشهر ما كتبه العرب في الشعر من حيث السبك واللغة، وقيل أيضا إن هذه المعلقات اشبه بالعقود النفيسة التي تكاد ان تعلق الأذهان وتدخل القلوب والافئدة وتسير غائرة في اعماق النفس لتروّيها ولا تزال حتى الان تشد القارئ العربي اليها شدا وثيقا في تاثيرها الشديد في القارئ العربي عند قراءته لها او مراجعتها وما اجمل ماقاله امرؤ القيس في معلقته يتغزل في حبيبته وكانه قاله الساعة لها:

أفاطِــــــــــــمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذَا التَّدَلُّـلِ

وإِنْ كُنْتِ قَدْ أزْمَعْتِ صَرْمِي فَأَجْمِلِي

 

أغَـرَّكِ مِنِّـي أنَّ حُبَّـ....كِ قَاتِلِـي

وأنَّـكِ مَهْمَا تَأْمُرِي القَلْبَ يَفْعَـلِ

 

وإِنْ تَكُ قَدْ سَـاءَتْكِ مِنِّي خَلِيقَـةٌ

فَسُلِّـي ثِيَـابِي مِنْ ثِيَابِكِ تَنْسُـلِ

 

وَمَا ذَرَفَـتْ عَيْنَاكِ إلاَّ لِتَضْرِبِـي

بِسَهْمَيْكِ فِي أعْشَارِ قَلْبٍ مُقَتَّـــلِ

 

وقد لا اخرج عن الموضوع ان قلت إن مفهوم الشعر عند أرسطو الشاعر اليوناني القديم ينحصر في المحاكاة، والشعر الحق عند ه يتجلى في المأساة ويتمثل في الملحمة والملهاة فهو يقرر بحزم أن الأعاريض الشعرية لا تعتبر الحقيقة المميزة للشاعر بخلاف الشعر العربي الذي تمثله ازدواجية العروض والجمالية . فالمحاكاة لا الوزن هي التي تفرق بين الشعر والنثر عند ارسطو اذ يثبت جوهرية المحاكاة الافلاطونية ومعاناتها بدرجات متفاوتة تبعا لدراسته الكثير من الاعمال الفنية واشكالياتها المختلفة فكل أنواع الشعر التي درسها إضافة إلى الموسيقى مثل الرقص والفنون التشكيلية وأشكال المحاكاة. فالمحاكاة عند ارسطو بعيدة عن الحقيقة بدرجة متساوية بحيث يجمل بنا ان نقول بأن المواقف والأفعال والشخصيات والإنفعالات النفسية ينبغي أن تكون متشابهة ومتوازية ومنسجمة مع الحياة وليست مثل صورة تصويرية او فوتوغرافية منها – فمهمة الشاعر في هذا المجال هدفه ألا يحاكي احداثاً تاريخية معينة أو شخصيات بنفسها بل عليه محاكاة ذات الحياة في عالميتها الشاملة وسموها المتعالي من حيث الشكل والجوهر.

(يتبـــــع)

 

امير البيـــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــد روز

 

1290 صبريانا فضيلة مسعديالأديبَّة الزميلة فضيلة مسعي، أهدتني مشكورة قبل أيام عدة نسخة من روايتِها الموسومة (صبريانا) التي صدرت طبعتها الأولى بواقع (320) صفحة عن دار غراب للنشر والتوزيع في مصر عام 2018م. وقد وجدتني منشدّاً إلى ما ضمنته مسعي من أحداثٍ في غاية الاهمية والدلالات بروايتها المذكورة، ما شجعني أكثر على الانهماك في قراءتِها، ولم استطع أنْ أدعَها جانباً إلا بعد أنْ أنهيتَها بالكامل.

فضيلة مسعي أديبةٌ وإعلاميَّة تونسية، حاصلة على شهادة الماجستير في علم الاجتماع، كتبت الشِّعر، القصة، الرّواية، النقد، النقد السوسيولوجي وفي مجال علم الاجتماع، عضو اتحاد الكتاب التونسيين، واتحاد الكتاب العرب، بالإضافة إلى عضويتها في العديد من المؤسسات الثقافيَّة المحليَّة والخارجيَّة ونشاطاتها الإجتماعيَّة والسياسيَّة، تُرجمت بعض أعمالها إلى اللغتين الإنجليزية والصربية، بالإضافة إلى ما أجرته من حواراتٍ صحفيَّة مع كبار الأدباء العرب والسياسيين والمفكرين والفنانين.

بعد رّواية (معسكر الحبّ) التي أصدرتها مسعي عن دار المغاربية للنشر في تونس عام 2007م، جاءت روايتها الثانية موضوع بحثنا (صبريانا)، والتي تُعَدّ من ناحيتي الأسلوب وحداثة التِقنيَّة التي اعتمدتهما مؤلفتها في كتابةِ نصها الروائيّ من بين الإعمال الساعية إلى ترسيخ مرتكزات تطور الرّواية العربية التي تتمحور حول تجسيد هموم الحياة ومعاناة عامَة النّاس برؤى تسمو إلى توظيف الحب والجمال بدلالاتٍ تشكّل صورة البحث عن الوطن والحرّية والكرامة والسلام.

قُدر لهذه الرّواية بفصولها الخمسة أنْ تتجاوزَ كلاسيكية الطرح التي سادت العديد من الأعمال الروائيَّة العربية التي اطلعنا على جوانبٍ عدة منها، بعد أنْ تمكنت كاتبتها من تقديمِ نصوصٍ حداثية في دلالاتها وبنائها لجملة الأحداثٍ والوقائع والأمكنة والأزمنة التي تفاعلت فيها حركة شخصياتها، فضلاً عن جنوحِها صوب توظيف آليات السّرد العجائبي والفنتازيا في مهمة نسج بعض الأحداث الرئيسة لروايتها كبلورة ولادة أثنان من أبنائها الثلاثة بشكلٍ مثير للدهشة والاستغراب بسبب افتقارهما إلى حبلٍ سُرّي يربط الطفل بحزمٍ مع المشيمة، والذي من المفترض أنْ يكون قاسمهما المشترك، إذ بالإضافة إلى تكفلها بتبني (زيدون) على خلفية فقدانه عائلته بحادثةٍ محزنة مردها إلى تداعيات الحرب ومآسيها، جاءت ولادة ابنها البايولوجي (أويس) بعد تسعة أعوام من وفاة زوجها ناظم الذي أحبته في حياته وعشقته جثة بعد مماته بفضل عملية تلقيح بويضة بحيواناتٍ منوية أودعها ناظم الذي تزوجته قبل سويعات من مماتِه في بنكٍ جيني بعد أنْ كلفته هذه المهمة رهن جميع أملاكه. أما ابنها البايولوجي الأخر وهو مجند أمريكي اسمه (بريتشارد) فقد جاء إلى الدنيا في أعقاب أحداث غزو الكويت؛ نتيجة تلقيح بويضة أودعتها صبريانا إبانَّ شبابها في بنكٍ جيني أمريكي - في إشارةٍ ذكية من مؤلفة الرّواية إلى تزعزع ثقة المواطن العربيّ بمؤسساتِ الدولة - بحيامن رجل كويتي كان مصاباً بمرض السرطان.

لعلَّ من المناسب والمهم أيضاً أنْ نمرَّ ولو في عجالة على إزاحة مسعي الستار عن استغلال الأمريكان البشع للطُفولَة من خلال إثارتها فرضية استنساخ خلايا وأنسجة بشريَّة؛ لأجل صنع نسخة مطابقة وراثياً لجنودٍ أمريكان، والتي يشار إليها اصطلاحا باسم الاستنساخ البشريّ أو الركون إلى عمليات أطفال الأنابيب التي تعتمد على تلقيح بويضةٍ لامرأةٍ عربية بحيوان منويّ لرجلٍ عربيّ؛ لأجلِ ضمان إراقة الدماء العربية على الاراضي العربية. وهو الأمر الذي كان ضحيته ابنها بريتشارد الذي استفهمت منه أثناء حبسها في زنزانة الآلام التي يتعرض لها المجندين الامريكان بعد تسريحهم من الخدمة العسكريَّة بسبب الإعاقات أو الأمراض النفسية. وما زاد الأمر بشاعة هو أنَّ صبريانا استُخدمتْ بويضتها لإنجاب بريتشارد من دون علمها، ما يعني التجاوز على بعض المعايير الأساسية لحقوق الإنسان. ولعلَّ من المهم الإشارة إلى أنَّ كاتبةَ الرّواية اعتمدت الرمزية أيضاً في قضية ولادة بريتشارد حين أكدت رجوعه إلى حضن أمه، وإحاطته بفيض حنان الأمومة، بالإضافة إلى اعتراف زيدون به كشقيق؛ تجسيداً لوحدة الدم العربيّ وإنْ طالته الشوائب. وبعبارةٍ أخرى سعت مسعي إلى تبيان رسالتها بوضوح، كوضوح الشمس في رابعة النهار، والمتضمنة حقيقة الأخوة التي تربط الشعبين العراقي والكويتي.

اللافت للنظر أنَّ بطلةَ الرّواية الرئيسة - المستترة - المتمثلة هُنا بشخصية راوية الخزرجي، أطلت على المتلقي من  نافذةٍ ضيقة جداً وبمساحةِ سردٍ صغيرة لا تتعدى بضعة أسطر تقاسمتها ما بين مقدمة الرّواية ونهايتها، بعد إنابتها مسؤولية بطولة الرّواية لشخصيةٍ أخرى وسمتها مسعي رمزياً باسم صبريانا، اختصارا لعبارة (صبري أنا)، والتي تُعَدّ الشخصية المحورية أو شخصية الرواية الرئيسة التي سيتعرّف المتلقي على ما تحملته من معاناةٍ نتيجة تأثّرها بهمومِ مُجتمعها المتأتية من تداعيات الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، من خلال المحاكاة مع لوحة الفنان (جان أونري فراغونار) التي أهدتها إياها فتاة من أمٍ أمريكية وأب فرنسي، التقتها مصادفة في متحف اللوفر بإحدى سفراتها إلى باريس يوم كانت تعمل في الخطوط الجوية. ولعلَّ الشيء المميز في اللوحة المذكورة هو أنَّ مسعيَ نجحتْ في توظيفها فنياً حتى غدت إحدى الشخصيات الرئيسة في الرّواية، إذ كانت تجسد امرأة تقرأ رّواية اسمها (امرأة تعشق جثة)، احتفظت بها من القرن الثامن عشر، والتي تحكي قصتها مع ناظم التي توارثتها الفتاة جيل بعد جيل!.

تحمُلُ صبريانا الصعاب بخلاف أهلها مرده إلى أنها لم تركن إلى مشاركة عائلتها الغربة بعد مقتل شقيقها الأصغر في أحداثٍ طائفية بسبب حاجة أمها إليها على خلفية تعرضها إلى الجنون المتأتي من  حادث الانفجار الذي طال شارع المتنبي ببغداد، وأفقدها إحدى ساقيها، إلا أنَّ ذلك لم يفقدها الاحساس بما يعانيه من الزمتهم الظروف الهُجرة من تّيهٍ وضياع وتشّظي.

- (أغلب ممن أعرفهم إما هاجروا وتشتتوا كالعصافير في أنحاء العالم أو قتلوا أو غرقوا في المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط. أو أُقعدوا بسبب إعاقات عضوية عميقة. الكثير منهم هاموا على وجوههم كالهوام، مجانين يبحثون عن عقولهم في الشوارع والساحات العامة والخرائب المنتشرة)... ص216.

لعلَّ ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو تأكيد صبريانا أنَّ جملةَ الظواهر التي طفت على السطح في المدةِ التي أعقبتْ الاحتلال الأمريكي للعراق، والمتمثلة بخيبةِ الحياة الوردية التي وعد بها الأميركيون، ليس بالإمكان نفي ما يماثلها أو يقترب من بشاعةِ أحداثها - وربما يتجاوزها من ناحية التأثير - في بلدانٍ عربية أخرى بعد أنْ تغيرتْ بوصلة ما أشير إليه باسم (الربيع العربي)، إذ تقول شخصية الرّواية الرئيسة:

- (أرى أن ثورة الربيع العربي قد سُرقت، وفشلت الفشل الذريع. الثورة انطلقت مع بدايتها في تونس تلقائية شعبية، ولكن منذ الأيام الأولى احتواها فريق فولكهام)...ص97.

يبدو أنَّ إدراكَ الروائيَّة مسعي لأهمية توظيفَ الرموز في النصوصِ الروائيَّة، هو الذي أملى عليها توظيف الأمكنة والأزمنة في روايتها هذه توظيفاً رمزياً واستعاريًّا في العديد من جوانبِ خطابها السرديّ، الأمر الذي ساهم في تحقيق ملازمة الأمكنة وشخصيات الرواية للأحداث وأزمنتها في حبكةٍ فنيَّة مؤثرة تتماهى مع الفعل تجاه ما فرض على أهل العراق من تحولاتٍ شكّلتْ انعطاف حاد في تاريخهم السياسيّ والإجتماعيّ والثقافيّ. ولعلَّ أبرز ما تمظهرت به صورة السرد هو المزاوجة ما بين واقع الحياة اليومية وآفاقها الجديدة وبين الأحلام الورديَّة التي ينشدها عامّة النّاس بخيالٍ سورياليّ. ومن بين تلك الوقائع التي اجتهدتْ كاتبة الرّواية في سردِها بأسلوبٍ رمزي يوحي بدلالاتٍ عميقة هو إشارتها في الصفحة 193 إلى التفويض الخطي الذي تركه ناظم زوج صابريانا بشأن حملها منه، والذي قام بإمضائه وختمه بتاريخ 20 مارس 2003م، مع العرض أنَّ طفلَ الأنابيب الذي رأى النور بعد تسع سنوات من وفاة زوجها ناظم، أوقعها في مشكلة الحاقه بوالده في سجلات الأحوال المدنيَّة بسبب رفض السطات تسجيله؛ لتعارضه مع الشرع والقانون. وفي الإطار ذاته نقتطع جزءً من حوارِ صبريانا مع إحدى مدرساتها التي التقتها بالمصادفة:

- (قولي لي يا أبنتي هل توجد صيدلية قريبة من هنا؟ أريد أن أشتري قنينة أنسولين، لم أجدها في عّدة صيدليات.

- وهل الأنسولين يشترى في بلد يعوم فوق بحيرة بيترول؟.

- أصبحنا لا نجد جراياتنا آخر الشهر لنشتري الأنسولين وغيره.. هه.. هذا حالنا.. ولا يختلف عن حال من هم موزعون على كامل الخريطة العربية)... ص49.

تميزت رّواية صبريانا بالتماسك الداخلي في بنيتها بالإضافة إلى تكييف كاتبتها أدواتها الفنيَّة بصيغٍ ساهمت في إضافة جمالية لعموم أحداث الرّواية كجنوحها في الكثير من المقاطع السردية في بعض صفحاتها صوب أسلوب الكتابة النثريَّة في مهمة معالجة إحداثها، فبدأت تلك النصوص تتوهج بعمق المغزى ومصابيح الدلالة. ولا عجب في ذلك ما دامت مسعي قد أولت الشِّعر مبكراً أكبر قدرٍ من عنايتِها في مجال الكتابة الأدبيَّة، إذ تؤكد سيرتها الذاتيَّة أنَّها شاعِرة وإعلاميَّة قبل ولوجها عالم الرواية.

- ( آه.. آه.. ثم آه مرّة أخرى. فاض صدري ألماً، أغرقني، تعثّرت أنفاسي بوحل ما تركه الأجداد على جدران أضلعي، أحملق إلى السواد الذي يجذبني إليه كمغناطيس. يُسقطني في سرداب دمعة تمرّدت على خدّي. دمعة حاصرت ذقني، في انتظار غزو عنقي الذي تسلّقَته الذكريات الحزينة المؤلمة. وغطّت مساحة عرضه خطوطاً عميقة جداً. تلك الخطوط حُفرت بجرّافة السنين ذات السكاكين الحادة)... ص 179.

الغريب في الأمرِ أنَّ مسعيَ التي لمْ يسبق لها زيارة العراق، كتبت رواية (صبريانا) بتعبيرٍ انفعاليٍّ جسد جملة من القضايا المُلحَّة التي عاناها العراقي في وطنه، فضلاً عما يحلم به - وإن كان على درجة من التواضع -  في هذا البلد الموشح تاريخه بأعرقِ الحضارات الإنسانيَّة، بأسلوبِ سردٍ مثير ومشوق، ارتكز على جعل نهايات الأحداث مفتوحة؛ بغية ربطها مع ما تمر به البلدان العربية من تحولاتٍ بنيوية في واحدةٍ من أهم مراحلها التاريخية وأكثرها خطورة.

الى جانب تسليط الرّواية الضوء على مرحلة مهمة من حياة الإنسان في العراق، وعمق أزماته التي لم تسلم منها بعض البدان العربية الأخرى، فإنها لم تجد بداً من تعرية ممارسات الانظمة الإمبريالية بتناول بعض مظاهرها المباشرة والمُقنَعة، ولاسيما الأحداث المرتبطة بنكبة فلسطين، فضلاً عما تلاها من أحداثٍ عبرت عن تمادي تلك الدوائر في سياساتها الرامية إلى إذلال الشعوب واستعبادها والهيمنة على مقدراتها.

- (اختفى جمال النّهرين كما اختفى الصيّادون، واختفت أهازيجهم، واختفى السّمك، واختفى في ركامه ورماده ودمائه ودموعه وطني الحبيب. وطني الذي مزّقته الطائفيّة، والحروب الأهلية، والفتن، أكثر ممّا مزّقه الاحتلال الأمريكي.

أمريكا التي جاءت تفرض ديمقراطية واهية على دبابة. سرقت ملح العيون، نفط البلاد، وبسمة الشفاه على وجوه الأطفال.

لا أمان، لا خبز، لا مأوى، وطني الآن كوم من الأشلاء، وأخرى من المزابل)... ص209 - 210.

الروائيَّة التونسية الزميلة فضيلة مسعي التي شربت عصير حب الوطن من كف أبيها (طيَّبَ الله ثراهُ)، والذي أهداها قبل رحيله الأبدي زهرة لتخبئها في كتاب، جسدت في روايتها صبريانا صبر كل عراقيّ في سياحة سَرديَّة كانت نهايتها الهجرة، وهي التي تردد:

- (كيف أترك العراق؟ هنا ولدت، وهنا ترعرعت، هنا لعبتُ وهنا درستُ، وهنا أهلي وناسي وأحبتي وأصدقائي)... ص92.

حلمُ العراقية راوية الخزرجي الذي كيفته مسعي إلى التناسل لدى صبريانا، جعل المتلقي يعيش حلماً داخل حلم في مجموعة حكاياتٍ رسمتها المؤلفة بعنايةٍ وأناة، فباب الأمل مفتوح على مصراعيه.

- (آه يا عراق... عراق الحب أين أنت؟

- سيعود عراقنا وسيعود الحب إلى هذه الأرض. سيعود وستعود أعشاش الطيور الجميلة. سيعود الهواء النقي، ستعود البراءة إلى أطفالنا. سنرى ذلك الحب بعيوننا، سنعيشه بإذن الله)... ص92.

في الوقت الذي أبارك فيه للروائية الزميلة فضيلة مسعي منجزها الأدبيّ هذا، وأشكرها على هديتها التي أتاحت ليَّ الاطلاع عليه، فأني أقول جازماً إنَّ مسعيَ أحبت العراق، وشربت حبه حتى الثمالة. تمنياتي لها بمزيدٍ من النجاح والتقدم في أعمالِها الأدبيَّة القادمة بعونه تعالى.

 

لطيف عبد سالم

 

بكر السباتينوهي محاولة جادة للإجابة الموضوعية عن كل الأسئلة والشبهات التي تحوم حول هذا المسلسل العالمي الذي صور في فلسطين المحتلة "إسرائيل"، والأردن، وأمريكا، والمكسيك، وسوريا. وتجدر الإشارة إلى أنه سجل خلال شهر يناير 2020 أكبر نسبة مشاهدة في العالم على قناة نتفليكس.. وهو من تأليف الأسترالي مايكل بتروني، وقام ببطولته: الإيراني البلجيكي مهدي دهبي (المسيح المنتظر)، الفرنسي تومر سيسلي (إيفرام)، الفلسطيني سيد العلمي (جبريل حسن)، الأمريكي جون أرتيز (القس أليكس)، النيوزلندية استيفاني (روبيكا)، الأمريكية ميشيل موناغان (المحققة إيفا)، الأمريكية ميليندا بيج هاميلتون (آنا).

الفكرة الرئيسية للمسلسل، تدور حول السؤال التالي:

"ماذا سيحدث لو ظهر المسيح على الأرض اليوم؟ هل سيوحد الجماهير، أم يتسبب في فوضى عارمة في جميع أنحاء العالم؟"

وتعتمد قصة المسلسل كموضوع محوري على مبدأ الشك والضياع الناجم عن الإرهاب وعدم الشعور بالأمان من خلال محورين:

الأول: تداعيات القضية الفلسطينية والأزمة السورية وحق العودة من خلال قيادة المخلص المنتظر لفلسطينيي سوريا والعودة بهم إلى فلسطين بعد أن نالت منهم الإحباطات التي ضربت ثقتهم بقيم العدالة وأوشكت الإخفاقات أن تنال من استقرارهم وتحولهم إلى بيئة حاضنة للإرهاب. حتى أخذتهم بوصلة المخلص المنتظر إلى بلادهم ليواجهوا مصيرهم على حدود فلسطين المحتلة المحرومين من دخولها من قبل الاحتلال الإسرائيلي.

الثاني: أزمة الإنسان المعاصر القائمة على الشك وعدم اليقين.. وهموم الإنسان الأمريكي وفقدانه لبوصلته الفكرية والسياسية والدينية.. فهل سينجح المخلص أم أنه جاء لإشاعة الفوضى الخلاقة من خلال بيع المسحوقين الوهم!؟

ومكمن الخطورة في هذا المشروع الدرامي الافتراضي الضخم يتجلى في دعوة المخلص إلى عدم التعامل مع جميع الكتب السماوية المقدسة! فهل يعني سيره على الماء -مثلاً- باتجاه المسلة المزروعة أمام مبنى النصب التذكاري لأبراهام لينكون هو استجابة لرؤية الماسونية للمستقبل، كون المسلة من رموزها!

قمت بتلخيص المسلسل بإحاطة وشمول لأول مرة - كما سيتأكد القارئ من ذلك.. نظراً لأهمية هذه المادة البصرية في معالجة ما يخشى المفكرون من الخوض في تفاصيله.. وأحياناً سيشعر القارئ بغواية الدسم الذي دس فيه السم الزعاف.. ولنبدأ بتلخيص أدق التفاصيل لهذا المسلسل، حيث قسمت الملخص إلى العناوين التالية تسهيلاً لفهم المحتوى المتشرذم:

ظهور المخلص والعودة إلى فلسطين.. المخلص يهرب من السجن بمعجزة.. المخلص في تكساس.. اعتقال المسيح في أمريكا.. مطاردة أمريكية إسرائيلية للمسيح في أمريكا.. الماسونية والمسيح المزعوم.. أسرار جديدة وصادمة عن المسيح المنتظر.. الخلاصة.

- ظهور المخلص والعودة إلى فلسطين

في أتون الأزمة السورية التي يعربد في تفاصيلها الشيطان، حيث الإرهاب الداعشي المستفحل الذي لم تبقِ نيرانُه ولم تذر.. ظهر المخلص بملامحه الموصوفة في المرجعيات الغربية.. بشعره الطويل وبشرته الحنطية، وأخذ يحرض الزوابع الرملية على تنظيف الأرض المحروقة من إرهاب داعش، موجهاً كلامه إلى اللاجئين الفلسطينيين الذين حرقت الحرب القذرة في سوريا ملاذهم في المخيمات التي تحولت إلى ركام.. وقد اجتاحهم شعور باليأس والضياع، وهي الحالة النفسية المناسبة ليستجيب أكثرهم لادعاء هذا الرجل الغامض في أنه المخلص المنتظر.. إنه بحث اليائسين عن الخلاص حينما سدًّت الدروب في وجوههم.. والنتيجة أن الحوار بين الناس اتجه بهم نحو مصدق أو اعتباره المسيح الدجال الذي وصفته الأحاديث النبوية في الإسلام حيث سيهلك كل من يتبعه؛ لكن اليأس جرف الغالبية نحو الإيمان بمن سيقودهم نحو الخلاص.. ومنهم الفتى جبريل حسن الذي سيكون له شأن عظيم في سياق الأحداث.

أخذ المخلص اتباعه عبر الأردن إلى الحدود الأردنية الإسرائيلية، وطلب قبل وصولهم منطقة التماس أن يدفنوا أسلحتهم انطلاقاً من إيمانه بالحوار الإنساني والصبر على الملمات والمهالك حتى ينتصر الحق فيسمح لهم بتجاوز الحدود إلى وطنهم السليب بأمان. ولكن هذا لم يحدث وفق رؤية المخلص المنتظر الذي طلب من الفلسطينيين العائدين بناء مخيمهم المعنوي في العراء؛ وقادتهم التداعيات إلى مواجهة الجيش الإسرائيلي المدجج بالسلاح وعلى رأسهم المخلص، حيث أطلق الجنود المتوجسين خيفة عليهم النار وأهانوهم وفي عيونهم خوف وجودي مقابل الأمل الذي أشرق في عيون العائدين المنهكين بفعل تأثير المخلص المنتظر.. والنتيجة أنهم صمدوا رغم اعتقال المخلص الذي تحدى الجنود الإسرائيليين بشدة وهو يواجههم بنظراته المؤثرة التي استمدت قوتها من إيمانه بالهدف المنشود الذي جاء لتحقيقه.

- المخلص يهرب من السجن بمعجزة

وفي غرفة الاستجواب التي تشرف عليها نافذة مراقبة، تعرف المخلص المنتظر على ضابط الاستخبارات الإسرائيلي أفيرام الذي أخذ يحقق معه بقسوة.. وفي سياق ذلك سأله عن اسمه فأجاب المخلص بثبات وتركيز: اسمي "الكلمة". وكأنه يعني كلمة الله في الأرض.

وفي منطقة أخرى من الاستجواب، وبعد أن فقد أفيرام صبره قال له:

ستظل وحيداً في هذا السجن حتى تتعاون معنا وتعترف أو تقتلك الوحدة.

فرد عليه المخلص بنظرات متوعدة واثقة، بأن العكس هو الصحيح، أي أن المحقق إيفرام هو السجين في حقيقة الأمر الذي ستقتله الوحدة حتى ولو عاش بين الناس خارج السجن.

وفجأة يهرب المخلص من سجنه الانفرادي بمعجزة أثرت على مجريات التحقيق، فاتهم إيفرام بتهريبه وخضع من جراء ذلك لتحقيق مهين.. (يتبين في وقت لاحق بأن المتسبب هو ضابط صغير تأثر بشخصية المخلص) وضابط الاستخبارات الإسرائيلي أفيرام متزوج من ابنة أخ مرؤوسه المباشر، ولديه منها ابنة صغيرة يبادلها الحب الغامر رغم أنه يعيش حياة قلقة مع زوجته. لتنضم إلى دائرة التحقيق الضيقة بشأن المخلص، الاستخبارات الأمريكية ممثلة بالمحققة الأمريكية الثلاثينية، إيفا، وهي سيدة تتمتع بذكاء وإرادة صلبة، رغم أنها تعاني من تبعات مهنتها النفسية التي صعّبت عليها ظروف حياتها مع صديقها فأجهظت عدة مرات، حتى كانت الرابعة في وقت لاحق.

من جهته رفض أيفرام بأن يخضع لتحقيق المخابرات الأمريكية لاعتبارات معنوية، واعتبر ذلك تدخلاً في الشؤون الإسرائيلية.. وتشاء الظروف أن تجمع بين إيفرام والمحققة الأمريكية إيفا في كفتيريا وسط تل أبيب، وقالت له في سياق حوار ودي تبادلا أطرافه: "صحيح أن هذه الأرض حسب قناعتنا هي أرضكم لكن ما يحدث هنا سيؤثر على العالم.. لذلك الأمر يعنينا". (وهذا بالطبع ينسجم مع الموقف الأمريكي المشهود تجاه الكيان الإسرائيلي).

أصبح المخلص الشغل الشاغل للعالم، وكانت الصور عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتوالى وهي ترصد المسيح المخلص في القدس واقفاً بين الفلسطينيين على درجات مسجد قبة الصخرة معلناً بأن هذه الأرض لكل الناس.

وأثناء ذلك كان المتحلقون الفلسطينيون من حوله يهتفون في وجه الجنود الإسرائيليين بقوة وإيمان:

أتركوا بلادنا وأرحلوا.. هذه بلادنا.

وأثناء هذه التظاهرة السلمية أطلق الجنود الإسرائيليون الرصاصَ على المتظاهرين العزل فقتلَ طفلٌ فلسطيني أسجي بين يدي المسيح المخلص، فأحياه من جديد.. ثم اختفى عن الأنظار، وتراوحت أصداء هذه الحادثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين الشك واليقين. فازداد إيمان الناس به في العالم الذي يتربص به الخوف والشك الذي أتعب العقول وصاروا يبحثون عن مخلص جديد يقودهم إلى الأمل المرتجى والتجديد.. وخاصة بين اتباعه من الفلسطينيين الذين في انتظار طلته على الحدود ليخلصهم من معاناة اللجوء، في حين اشتعلت الانتفاضة ضد الاحتلال، ولكن في الجهة الأخرى من العالم كانت للمخلص، المسيح المنتظر قصة أخرى!

- المخلص في تكساس

تدور الأحداث في تكساس حول عائلة القس أليكس وزوجته آنا وابنتهما المراهقة روبيكا.

لقد أحبط واجتاحته دوامة من الشك وعدم اليقين إزاء إيمانه بالدين المسيحي بعد مشاهدته المسيح المنتظر يتنقل بين المدن كبشر عادي، بينما تنتشر أخباره وصوره عبر هواتف الناس النقالة، الأمر الذي دفعه إلى محاولة حرق الكنيسة التي يشرف عليها، وأوشك أن يقترف ذنباً عظيماً لولا قدوم إعصار مدمر باغت بلدتهم.. وفي الوقت نفسه كانت ابنته روبيكا قد قررت الهروب من البيت فاستفقدت أمها آن غيابها المفاجئ وخوفاً عليها من خطر الإعصار الذي باغتهم ذهبت إلى الكنيسة لتخبر ألكس بالأمر؛ كي يبحث عن ابنته.. فلاحظت ما كان سيفعله زوجها بالكنيسة إلا أنها كذبت نفسها وافترضت حسن النية، فلم تكترث بالهواجس التي اختلطت في رأسها المأزوم؛ لينصب اهتمامهما على تغيب روبيكا فأثارت انتباهه للكارثة.. لكنهما فقدا الأمل ودخلا ملجأ الكنيسة يائسين.

وبعد انتهاء الإعصار، تحولت المدينة إلى أنقاض، وخرج الناس من الملجأ؛ ليكتشفوا أن كنيستهم لم تتأثر بالإعصار فأثار الأمر دهشتهم، وتوافق ذلك مع ظهور المسيح المنتظر وهو يقود بيده روبيكا التي أنقذها بينما كانت مختبئة تحت الجسر.. فتحولت القصة إلى معجزة تداول الناس تفاصيلها، وقد توافدوا إلى المكان كأتباع مؤمنين بعودته.

- اعتقال المسيح في أمريكا

حتى تم اعتقاله من قبل المحقق الأمريكي ويل من مركز الاحتجاز المشترك في المكسيك بموجب قانون منع الهجرة غير الشرعية رقم ١٣٣٥ كونه دخل البلاد بطريقة غير شرعية.

لكن أليكس من جهته قرر أن يوكل له محامية للدفاع عنه.. وقد تبين للمحققين أن المسيح المنتظر جاء إلى تكساس بواسطة طائرة مدنية أردنية أقلته من عمان إلى المكسيك، ثم عبر الحدود إلى تكساس عن طريق البر، أي أنه لم يأت محمولاً على متن الرياح كمسيح منتظر وصاحب معجزات.

ورغم الضغوطات الرسمية التي مورست على القاضي لترحيله إلى الكيان الإسرائيلي، إلا أنه اقتنع أخيراً بحجة المخلص في أنه لو عاد إلى بلاده سيضطهد من قبل الإسرائيليين ويسجن دون رأفة أو رحمة.. وعليه فقد منح الإقامة الدائمة، ثم خرج مع القس أليكس إلى بلدته؛ ليجدَ اتباعه ينتظرونه بالمئات.. وقد انزرعت المحققة الأمريكية إيفا بينهم حيث أنيطت بها مهمة إخضاع المسيح المنتظر للمراقبة الميدانية الحثيثة. 

- مطاردة أمريكية إسرائيلية للمسيح في أمريكا

الأمر المفاجئ تجلى بقدوم ضابط الاستخبارات الإسرائيلي إيفرام إلى تكساس بنية الثأر من المسيح المنتظر، الذي تسبب بتوقيفه عن العمل، وعرضه للتعذيب على يد المخابرات الإسرائيلية.. وقبل قدومه إلى تكساس، اقترف جريمة يندى لها جبين الإنسانية، حينما اعتقل الطفل الفلسطيني جبريل حسن ليستجوبه حول المسيح المنتظر، وعرضه للضرب المبرح والتعذيب حتى يقر بمكانه فباءت جهوده بالفشل الذريع، ولم يتوقف عن تعذيبه إلا بعد أن فرط بين يديه جثة هامدة، أو هكذا ظن! ثم ألقى به في البيداء شرق النهر، حتى يموت فتختفي آثاره، لكن عناية الله وضعته في طريق صديقه الذي جاء به إلى المخيم.

وكان جبريل حسن هو الوحيد الذي بقي صامداً على الحدود ورفض اتباع خطوات الشيخ الذي أقنع اللاجئين الفلسطينيين العائدين بأن المخلص تبين أنه رجل كذّاب وهو نصاب كان يسعى لنيل الجنسية الأمريكية فحظي بها.. وكان حينها الطفل جبريل حسن في حالة صحية يرثى لها، ويتخيل بأنه يقف أمام خيارين، إما اتباع المرحومة والدته التي تباغته في الحلم كلما يوشك أن يلفظ أنفاسه؛ كي يتبعها إلى الجنة.. أو يستجيب للمخلص ويظل ثابتاً على إيمانه به، فيأخذ من يده المسدس وكأنه يدعوه لمقاومة الاحتلال بالقوة بعد إخفاق الخيار السلمي الذي تبنوه بعد دفنهم الأسلحة. وكأنها شهادة اعتراف من المسيح المنتظر بأن المقاومة حق مشروع رغم إدراج ذلك ضمن أهداف المسلسل في خانة الفوضى الخلاقة. وها هو الضابط إيفرام في تكساس بعد أن عجز عن قتل المسيح المخلص فيسقط المسدس الذي أشهره تجاهه في لحظة استلاب مبهمة باغتت عقله المأزوم، فيراقب بعد ذلك خصمه المسيطر واتباعه من خلفه ليستجيب لطفل سقط سقف الغرفة على كلبه حتى يقدم يد العون له، فأكلت الدهشة الرؤوس حينما أقدم المخلص على قتله ليستريح وكأنه يشرع بذلك مبدأ القتل الرحيم كما سيفعل آخر المسلسل حينما سمح للمراهقة روبيكا بأن تجهض جنينها كونها غير مؤهلة لتحمل أعباء الولادة.

- الماسونية والمسيح المزعوم

وحينما طلب من أليكس بأن يقود أتباعه إلى أي مكان يختاره، فعل ذلك بتحفظ وسار بهم إلى واشنطن العاصمة..

وقبل أن يمشي على الماء باتجاه المسلة التي تنتصب أمام مقام أبراهام لونكين، وهما رمزان ماسونيان، ردد العبارات التالية:

"العودة إلى نصوصكم المقدسة لن تخلصكم.. الركوع لن يرضي أحداً، أنتم المحكوم عليكم، أنتم المختارون.

جئت لأكسر المرآة لتحددوا مع أي جهة تقفون، ما ترونه سيكون خياركم".

طبعاً وفي مكان آخر من المسلسل كان يدعو إلى مقاطعة الكتب السماوية الثلاثة لبناء نظام جديد. وهي دعوة للشك وضياع البوصلة.. ولعلك عزيز القارئ لو دققت في إعلان المسلسل وخاصة كلمة "Messiah" ستجد قبل حرف"h" مستطيل باللون الأبيض بداخله هرم تتوسطه شمس ساطعة.. كالذي يوجد على الدولار الأمريكي.

أثناء ذلك كان جبريل حسن في الجانب الآخر من العالم، يمشي عارياً تماماً كأنه إنسان مجرد من كل الأفكار الدينية كي يتحدى جنود الاحتلال على الحدود الأردنية الإسرائيلية، وقد تلبسته روح المخلص الإيجابية ليحاول الدخول إلى فلسطين المحتلة بطريقة سلمية، فباء هذا الخيار بالفشل إزاء البنادق التي صوبت نحوه.. من هنا أخذت بوادر الطوفان تتجلى بخيار المواجهة التي يدرجها المسلسل في إطار الفوضى الخلاقة بينما يعتبرها الفلسطيني المظلوم حق له كي يستعيد وطنه ويتنعم في ظله بالسلم والأمان.

وسنعيدكم إلى مشهد المشي على الماء، حيث راح المسيح المنتظر يمشي باتجاه المسلة فوق سطح الماء بهدوء القديسين والأنبياء.. فازداد إيمان الناس به فيما اعتبره البعض ساحراً يتقن الخدع البصرية ويتمتع بالقدرة على برمجة العقول وفق رؤيته الثاقبة.. وكانت المحققة إيفا تؤمن بذلك حيث صرحت لزميلها بأنها تعتبر حتى "السيد المسيح الحقيقي مجرد رجل سياسي يتقن استغلال السحر في التأثير على المؤمنين" وكانت تعتقد بأن هذا الرجل يدعي بأنه المسيح المنتظر بينما هو يطبق نظرية الفوضى المجتمعية التي نشرها بين تباعه أوسكار وايلاس..

- أسرار جديدة وصادمة عن المسيح المنتظر

وبعد طول بحث وتنقيب عن ماضي هذا الرجل اللغز من قبل المحققة آنا، أكدت البيانان الاستخبارية أنه درس في جامعة وليامز في مدينة ويليامستون بمقاطعة ماساتشوستس بالولايات المتجدة الأمريكية، حيث كان يحاضر هناك أوسكار والاس من ٢٠٠٤ - ٢٠٠٨.. لكنه بعد سنة ونصف اخترق البورصة الأمريكية إلكترونياً ثم هرب إلى روسيا، وهناك اتصل مع إرهابي دولي.. من هنا استنتجت المحققة آنا بأن المخلص جاء لينفذ أجندة والاس التي تدعو لنشر الفوضى الخلاقة وجلب الطوفان.

ومن طهران اكتشفت المخابرات الأمريكية أن له أخ توأم يشبهه تماماً، ولقاء أجر مادي، زودهم بأدق البيانات عن شقيقه، حيث أفاد بأن المخلص مجرد رجل نصاب يدعى في حقيقة الأمر "بايام غولشيري"، ويمارس أعمال السحر والخفة بإتقان..

وقبل مواجهته بتلك الحقائق تمكن المسيح المنتظر من مقابلة الرئيس الأمريكي، واستطاع التوغل في شخصية الرئيس من خلال نظراته المؤثرة، وطلب منه ممارسة صلاحياته ليسود السلام، حتى لا يباغت الطوفان العالم، وكان تجاوب الرئيس لطلبه مع التحفظ يثير الذهول ويوحي بمدى الطاقة التي يتمتع بها هذا الرجل اللغز.

صحيح أن الغرفة التي كان يقيم فيها كانت مزروعة بأجهزة التنصت وعدسات التصوير الخفية والتي تسيطر عليها غرفة تحكم تابعة لجهاز المخابرات المركزي، ولإحراج موقف المسيح المنتظر عند رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، فقد حاولت المخابرات إيقاعه في براثن إحدى العاهرات لقاء أجر؛ إلا أنها تابت على يديه.

وفي موقع آخر من المسلسل، صرح المسيح المنتظر للمحققة التي واجهته بالحقيقة التي بحوزتها من خلال ما أفضى به شقيقه التوأم.. كان لقاؤهما ودّياً، فسألته باهتمام:

"من أنت ومن يقف وراءك.. هل أنت المسيح بحق"؟

لكنه لم يجب عن السؤال بصراحة.. وكأنه يوهمها بأنه من الممكن أن يكون المسيح المخلص أو مجرد إنسان ينتحل شخصيته لكنه يسعى للتغيير، ولعل هذه الخلاصة التي تجاوبت في رأسها.

ثم تابع يقول للمحققة آنا بأنه يريد "الطوفان" أي الفوضى الخلاقة.. وقد أكد هذا الجواب هواجسها حول علاقة المسيح المزعوم بأوسكار والاس الذي يدعو إلى الفوضى المجتمعية تمهيداً لتحقي النظام الجديد.. وكأنها دعوة لحرب عالمية ثالثة.

في الجانب الآخر كان الطوفان يجتاح عقول اللاجئين الفلسطينيين بعد أن خذلهم الخيار السلمي.. كلٌ أخذ يقاوم بطريقته ومن منطلق حقوقهم لمشروعة.. المسلسل لم يستطع تمويه هذا الحق أو خلط أوراقه لأنه الأسطع في سياق هذه القصة.. فالانتفاضة تستعر بشدة.. والجماعات المتشددة تبدأ بالتخطيط لعمليات عسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي.

وفي مشهد أخير، كانت إحدى الأسر الإسرائيلية تخرج من بيتها.. وفي شارع وسط تل أبيب، تنفجر سيارة مفخخة، وتنحجب عدسة التصوير عن ظهور ضحايا وكأن رؤية المسلسل تحاول الربط بين علاقة الفوضى أو ما نطلق عليها نحن بالمقاومة المشروعة بالاحتلال الذي يتظاهر بالبراءة.

- الخلاصة

المسلس مشوق جداً لكنه بالمقابل يُعَدُّ خطير جدا ويحاول القائمون عليه تحقيق الرؤية الماسونية العالمية التي ترفض الأديان وترسخ لمفهوم التغيير القائم على أنقاض الأفكار التقليدية البالية وتقديم خليطاً عجيباً من الحقوق الخلافية المتضاربة بين المتخاصمين في الشرق الأوسط، مع أن حق العودة للفلسطينيين كان مسيطراً على الفكرة المركزية للمسلسل لأن افتراض العدالة في المسيح القادم إلى عالمنا تستوجب منه تحقيقها في الأرض التي ولد فيها.. بيت لحم.. فلسطين.. ولا أدري لماذا محاولة الربط بين المسيح المنتظر بإيران لأن التوظيف لم يكن موفقاً.

وفي ذات السياق لا أدري إن كان هناك علاقة بين هذا المخلص وهزيمة داعش بحيث تتجلى أبعادها أكثر في الموسم الجديد للمسلسل الذي جاري الإعداد له، علماً بأن ما بذره المؤلف في حرث هذا الموسم المكون من عشر حلقات سيضيق الأفق عليه في الموسم اللاحق، لأن انحرافه عن السياق والمنطق سيحكم عليه بالفشل.

أشجع على حضور المسلسل ولكن على أن يتم ذلك بحذر شديد، لأن السم الذي يوضع في الدسم هو غواية الموت الزؤام.

 

بكر السباتين

9 يناير 2020

 

 

فالح الحجيةالشعرالعربي بين الحداثة والمعاصرة (12)

ان الدراسات التي تناولت الشعر العربي الحديث كثيرة اذ اهتم الادباء والنقاد والشعراء بدراسة الشعرالحديث والمجالات التوسعية التي صاحبته ونشوء قصيدة الشعرالحر وقصيدة النثر فيه الى جانب القصيدة العربرية الاصيلة واقصد بها قصيدة العمود الشعري التي انطلقت منذ عصرالجاهلية الاولى ولا تزال قائمة بل وحاضرة تمثل نفسية الشاعرالعربي والمتلقي العربي الذي يطمح ان يقرأها لتهز مشاعره ووجدانه وخاصة في لغة المخاطبة .

فالشعرالعربي الحديث او المعاصر ترفده ثلاثة روافد شعرية تكونت بمرور الزمن تبعا لحاجة المجتمع والتزاوج الثقافي العربي والاجنبي وخاصة الاوربي فهناك كما اسلفت القصيدة العمودية ذات الطابع القديم والتي تتميز في حفاظها من حيث الشكل بالوزن والقافية والبيت الشعري فيها مكون من شطر ينتهي بتفعيلة العروض التي تمثل الوتد الاصلي في بنية القصيدة ومن عجز وهوالجزء الثاني من البيت الشعري وينتهي بالروي او بالقافية ومهما تكون القصيدة العمودية فان تفاعيل الشطر فيها تساوي تفاعيل العجز بل هي ذاتها لاتنقص ولا تزيد مهما طالت القصيدة او قصرت وتقاس اهمية القصيدة وحسنها وجماليتها بهذا الترتيب في الاغلب اضافة لبواعث اخرى سناتي عليها لاحقا وقد تهيأت الاجواء للعلامة الفراهيدي البصري المتوفي سنة \ 170 هجرية من البحث في اوزان وقوافي هذه القصيدة فاستخرج انها لا تعدو عن خمسة عشر وزنا اسماها بحور الشعر او هي الحان الشعر العربي وقد جاء من بعده تلميذه (الاخفش) ليضيف بحرا اخر الى ابحر القصيدة العربية فكانت البحورالعربية ولا زالت ستة عشر بحرا لكل واحد منهم وزنه وموسيقاه ودائرته التي يخرج منها.

راجع مقالتي (النغم والايقاع) المنشورة في كتابي (في الادب والفن) وفي موقعي (اسلام سيفلايزيشن\ الحضارة الاسلامية)

اما النوع الاخر من القصيدة العربية فقد تمثلت بقصيدة الشعر الحر وفيها تحررالشاعر الحديث من اعباء القافية الشعرية –كما يقول شعرا ء الشعرالحر- الا ان الشاعر نظم قصائده في بحور الشعرالعربي التقليدية فاختار ستة بحور شعرية ليكتب قصيدته الحرة في واحد منها وهي البحور الصافية أي التي لا تدخلها تفعيلتان بل متكونة من تفعيلة واحدة اصلية مثل الرمل (فاعلاتن – فاعلاتن - فاعلاتن) او الهزج (مفاعيل – مفاعيل – مفاعيل) اوالرجز(مستفعلن- مستفعلن – مستفعلن) اوالكامل ( متفاعلن- متفاعلن- متفاعلن) او المتقارب (فعولن - فعولن – فعولن) او المتدارك (فاعلن – فاعلن – فاعلن) فقد قيد الشاعر شاعريته بالكتابة في احدها بينما كان شاعرالقصيدة العمودية يكتب في ستة عشر بحرا نرى شاعر القصيدة الحرة يكتب في ستة بحور .

اما النوع الثالث من قصيدة الشعرالحديث فهو ما يسمى بقصيدة النثر وفيها اعلن الشاعر ثورته على كل القيود الشعرية بما فيها الوزن والقافية او البحورالشعرية وموسيقاها فهو يمثل انعطافة شعرية لم يعرف الشعر العربي مثيلاً لها في مسيرته من قبل. حيث مثل هذا التغيير في شكل ومضمون القصيدة العربية ذلك أنه لم يتغير على مستوى المضمون فقط، بل على مستوى الشكل والمضمون. وهذا ما لم يستطع الشعر العربي العمودي والذي تمثل في اغلبه في هذا العصر برومانسية لتحقيقه وهذه اشبه بالثورة الشاملة في الشكل والمضمون فهؤلاء الشعراء الشباب قاموا بهذا الانقلاب الشعري الجديد.

فالشعر المعاصر تلحظ فيه ثلاث قصائد تختلف كل منها عن الاخرى الا انها تتعايش مع الاخريتان في تمثيل العصر والنزعات النفسية والعواطف الانسانية تجاه الوطن او الامة وتمثل ما يعتمل في خلجات نفسية شاعرها الذي راح يحيط امته وما يكترثها او يكتنفها من احوال في قصائده .

لقد أصبح الشعر عالماً جديداً قد يصور خارجاً وقد يعكس داخلاً اي إنه رؤيا جديدة تمثل وعي الشاعر وفهمه لقضايا الحياة ومتطلباتها والفن واساليبه ومفاهيمه الحديثة او المعاصرة . وقد تكون كتابة الشاعر لقصيدة ما تكشف عن فهمه للشعر ماهيته ووظيفيته وأداء الشاعر لهذه القصيدة اوتلك .لاحظ قول شاعرنا المعاصر حامد الشمري  يقول:

بغــــــــداد دارُ الله لا لن تنحني

                 إلا لهُ وتظلُّ ركناً حالمـــــــا

وسيلتقي العشاقُ في حاراتِهــــا

               وتعود فاتنة ً وثغراً باسمـــــا

وأرى البنفسجَ في الرصافة عابقاً

            وأرى غزالَ الكرخ يقفز هائما

وتميسُ فوق الجسر ملهمتي التي

              بهَرَ العراقَ جمالـُها والعالما

لاشك ان لرواد الشعر العربي مفهوم للشعر خاص بكل منهم وقد يختلف عن غيره ممن سبقه أو جاء بعده كما يختلفون عن غيرهم من شعراء الشرق او الغرب بل لكل موطن شعراؤه ولكل قطر اوبلد . بل قد يختلفون فيما بينهم بسبب اختلاف نوازع منطلقاتهم ومفاهيمهم واحوالهم و مواقعهم وارائهم وإن جمعتهم الظروف المشتركة التي تمر بالوطن العربي ككل فقد تكون امالهم ومواقفهم واشكالياتهم واحدة وقد تختلف منطلقات الشاعر الواحد نفسيا نتيجة التزامه بما يحيط به مثل الاحزاب او المذاهب ادينية او الادبية وقد يتأثر هذا الشاعر او ذاك بمذاهب مختلفة او مراجع دراسية او تطويرية مع تطور تجربته الشعرية وربما يقع في تناقضات عدة بسبب عدم دقته في استعمال المصطلح ًوبسبب تبدل مواقفه الذاتية او النفسية‏ .

لاشك أن هذا الكم الهائل من الشعراء من مختلف الأجيال وعلى مر العصور يبين أن لكل جيل مفهوماً محدداً للشعر، بل إن لكل شاعر مفهوماً يختلف عماً عند غيره من الشعراء.. ولا سيما البنية الجمالية سواء في الرؤيا المتمثلة في موضوعات القصيدة او زمنها او تاريخ كتابتها كالحداثة الشعرية والأصالة اوكالمعاصرة اوفي التعبير المتمثلً في اللغة والموسيقى والتصويرالفني للقصيدة او بكل ما تمثله القصيدة من ابداع وفنية وجمالية . وقد تكمن خصائص هذه القصيدة اوتلك في التفاعل مع التراث او النظر فيه واليه باعتباره رمز ا من رموز القيم الانسانية وربما كانت هذة الرمزية مفرطة عند بعض شعراء المعاصرة او في قصيدة النثر اكثر من غيرها والذي يعد نوع من التحرر في ثقافة القصيدة الحرة او قصيدة النثر اكثر منها في القصيدة العمودية مع ضرورة تكثيف الصورالشعرية وربما وجود هذا الغموض عند البعض اتخذه لازما حيث اعتبره من مميزات قصيدة النثر وهذا ما لا اقره فالوضوحية هي النور الذي يكتنف القصيدة ويبين مسالكها وما ترنوا اليه وليس هذا معناه الخروج على الرمز بل ما اعنيه هو الغموض المفرط الذي اعتبره بعضهم (صفة لازمة لكل شعر جيد طالب للجدة والحداثة او المعاصرة ) .

ولاحظ هذه السطور للشاعرة  الفلسطينية  د. عدالة جرادات  تنتظر وليدها في عيد ميلاده  :

اكليل الربيع منك

يتورد  بجناحي  كبرياء

بالحب عيشك مهد  خَدود

فجره  قدر  يهواه  النقاء

كما الدرر  ايامك تصوغها المواسم

كغيث ينهمر  منك الوفاء

فوق ذراعي الليالي  جئت مهللا بنشيد

كما العين ترنو   لعشق الدعاء

هي الأيام جمعت بيننا

كما شوق الغروب بعد العصر قُبله  السَماء

ابني الذي ملامحه وجدي

الغد يرنو منك كصلاة العلماء

اترك الهموم وتمجد بالهدى ان  الهموم

جذوتها ام  البكاء

فتحاول رسم قافية لقصيدتها النثرية لاجل موسيقى  ترتئيها الشاعرة افضل .

واخيرا اني ارى أن الشعر أهم أركان الفنون التي ابتدعتها البشـرية واستكشاف حالها ومراجعها وانطلاقها إلى مواقع جديدة خارج آلامها بما يمتلكه هذا الفن الرائع من رؤية ورؤيا وقدرة حدسية حالمة نتيجة المعاناة التي تبعث فيه القوة من داخل المعاناة النفسية.

 

امير البيـــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــد روز

 

سوف عبيدذلك هو عنوان قصيدة الشاعر التونسي ـ منير وسلاتي ـ التي قرأها في خيمة الشعر المنتصبة في وسط تونس العاصمة بجانب خيمة معرض الكتاب التونسي وقد اِسترعت اِنتباهي لِمَا تزخر به من معان وصُور وإشارات عميقة تنمّ عن معاناة وجدانية عارمة بالشجون الإنسانية في خضمّ واقع متأزّم متدهور القيم وقد كانت قراءته تبعث نبرات الصدق ووشائج التفاعل مع مختلف رَدَهات قصيدته لذلك رجوت منه أن يرسل لي نص القصيدة كي أقراها وأتمعّن في أغوارها فلبّى طلبي مشكورا وللشاعر منير وسلاتي عديد المجموعات الشعرية من بينها

نسّاج الضوء -

ـ ذاكرة الجلنّار

ـ تباريح الغصن المكسور

أمثولة الغصن- 

ويُعتبر من أهم الشعراء التونسيين الذين ظهروا في سنوات الهزيع الأخير من القرن العشرين وهم الشعراء الذين اِستفادوا من مختلف إنجازات القصيدة الجديدة ومساراتها المختلفة  سواء في تونس أو في غيرها من البلدان العربية بل قد سعى البعض من أولئك الشعراء إلى مواصلة تطويرها نحو آفاق أرحب ويبدو أن منير الوسلاتي من خلال هذه القصيدة قد سار بثبات على درب الإضافة والتميز من خلال استلهام مناسبة رأس السنة  فبثّ همومه ومشاغله وعواطفه مستحضرا  حتى أحاسيسه الأبوية والتزاماته العائلية ناهيك عن اِستحضار القضايا الاِجتماعية والسياسية التي  يرزح تحت كلكلها كل يوم... فالقصيدة إذن تمثل تجربة أخرى تُثري الشعر العربي وما الشعر التونسي إلا رافد  مهمّ من روافده العديدة

وللوقوف على الخصائص التي تميّز هذه القصيدة لا بأس أن نسترجع بعض القصائد التي كُتبت في مناسبة رأس السنة مثل حافظ إبراهيم حيث يقول قي قصيده له بمناسبة رأس السنة الهجرية

أَطَلَّ عَلى الأَكوانِ وَالخَلقُ تَنظُرُ

هِلالٌ رَآهُ المُسلِمونَ فَكَبَّروا

تَجَلّى لَهُم في صورَةٍ زادَ حُسنُها

عَلى الدَهرِ حُسناً أَنَّها تَتَكَرَّرُ

وَبَشَّرَهُم مِن وَجهِهِ وَجَبينِهِ

وَغُرَّتِهِ وَالناظِرينَ مُبَشِّرُ

وَأَذكَرَهُم يَوماً أَغَرَّ مُحَجَّلاً

به تُوِّجَ التاريخُ وَالسَعدُ مُسفِرُ 

وللشاعرة ـ لمياء فرعون ـ قصبد في رأس السنة ورد فيه قولها

عـامٌ مضى وأخوه مـنـّأ يـقـتـربْ

وسنين عمري في هدوءٍ تنسحبْ

أتــراه يــأتـي بــاسـمـاً لـلـقـائـنـا

أم عـابساً وكمـثـل شـيـخٍ ٍمكتئب

مــاذا يـخـبـئ فـي ثـنـايـا ثــوبــه

إنَّـا ســئـمـنـا من صراع ٍمضطرب

بـتـنـا نـخـاف من الحروب وشرّها

والكلُّ أصبح في الديـاركمـغـتربْ

بـالخـيـر نـرجـو أن يـتـمَّ لــقـاؤُنــا

لـنبلسم الجرح العـميق الملتهبْ

 

وفي نفس المناسبة نقرأ لنزار فبّاني قوله مخاطبا حبيبته

أنقل حبي لك من عامٍ إلى عام..

كما ينقل التلميذ فروضه المدرسية إلى دفترٍ جديد

أنقل صوتك.. ورائحتك.. ورسائلك..

ورقم هاتفك.. وصندوق بريدك..

وأعلقها في خزانة العام الجديد..

وأمنحك تذكرة إقامة دائمة في قلبي

 

غبر انّ الشاعر منير وسلاتي يخرج عن جميع تلك المعاني والصور ويكتب نصا شعريا مخالفا لما سبق من الشعراء يضمنه معاناته اليومية كأنه يسجل سيرته الذاتية بما فيها من أحاسيس وآلام وأحلام وتلك لعَمري هي الإضافة النوعية لهذه القصيدة ـ قصيدة خارطة رأس السنة ـ للشاعر منير وسلاتي ـ تونس

 

حين تتكـــسّرُ المرايــــــا

ويسكنُ الخوف والمجهولُ محاجر الأيـــّام

ماذا يبقى من سفر الرّوح الى أدغال التجلِّي...

في مسافات الرؤى حلمٌ يصلَبُ على النُّصُبِ...

يتخشّبُ العمرُ..

والنَّــارُ تحتفلُ في ولائم الحطبِ...

..كلُّ ما بقيَ في الـنـَّبـْضِ خبزُ العيالِ..

سُباتُ العشيرة...

مرارة الإنتحار على أسْوَار الـمُعتاد...

..في خانات الظمــإ..

 لم يعد بالإمكان البحثُ عن فتحٍ جديدٍ..

خـــارطَـــةُ الأخيــــــلةِ شتاتٌ لا يلتئمُ..

عَيــنانِ غامضَـــتان..

بِدَدٌ للياســمــيـن حائـــــرَةٌ...

عنـــبَــرٌ من الشَّرق مختـنِــقٌ..

بين الظلوع موجة مائــــرَةٌ..

على الجبين خطوط تائـــهَـــةٌ..

ثلجةٌ للعزيز "بابا نوّال"

تُــرْبِـــكُ رحلة الشِّتاء والصَّيف..

تشوِّشُ مخيلة الصحراء..

*****

هذه رأس السنة تطلُّ من صناديق الدنيا..

ولن نحتفلَ...

لن نحتفل بصبر شهرزاد على جموح مليكها..

ولن نحتفل بسـمـاحة "صلاح الدّين"..

ولن نحفل بنبل الملك النعمان...

ولن نذكر حتى عباءة "عمر" المملوءة بالعدل والاحلام...

السنة تطلّ برأسها من صناديق الدنيا..

"بابا نوّال" يملأ صناديق الدنيا ..ورؤوسَ الأطفال..

حاكِــــمٌ فينا بأمرنا..

ولهُ أمرُ الحلوى..وبريق عبوات الهدايا..

وأسرار فرحة اطفالنا...

تحني له الذّاكرة قامتها..

تنثني في تلابيب ريحه الاحدب...

"فمالك أنت لا تحني قامتك اكراما للحيته؟"

..."عليكَ  أن تكونَ رجلا مُواكِــبًا للعصر"

لكي لا يُحــرَمَ أطفالكَ من قطع حلوى رأس السنة..

ولابأس أن تُضيفَ إلى جيد زوجتك حُليّا جديدا..

كي تجيش لك..بوهج جديد...

وتخضرّ في كفّك بركات رأس السّنة...

***

ألجُ رأس طفلي...وأنا لا رأس لي...

عيناه غارقتان في صندوق الدنيا...

يقفُ الخيَّــالُ الذي يسافرُ في أوردتي..

عاريــــًـا في مربّع الشّغب...

وراء قضبان صخب الأحلام الصغيرة..

أعشاشُ الرؤى تسكنها الخفافيشُ...

أرى خيّالي يغتال في وادي النّمل..

وولدي الذي أزرعُ في قلبه نخلة تاريخي...

 أضاع حرارة عروقي وبوصلة دمي...

ولن يفوح المكان برائحة تبرنا القديم..

-" يا أبي تخلّص من أوهام النخلة الكادحة..

تخلّص من كبرياء الزيتونة الفارعــــــة...

وانس كلّ ما خطّ في الذّاكرة من التواريخ الفارغة..

فالعصر ليس العصر...

ولا نريد لك أن تموت نافقا في زاوية..."

- عليَّ ان أغـــيّـرَ جمجمتي..إذن؟!!!

وأشهَــدَ أنّي رأيتُ بأمّ عينيّ..الفيَــلَــــةَ تطــــــيـــرُ..

وألتقطَ صورة للذكرى مع نعامة تدفن رأسها في الرّمل..

مواكبة لريح العصر...

-" يا أبي عليك ان تترجّلَ عن فرسك المغرور...

وأنْ تعترف أنّ الفرسان تأتي وتمضي...

ونحنُ في زمن فرسان عواصم الثّلج...

...عواصم الثّلج براءة الرؤى..

حضارة الخيال..بهجة العمران الجديد...

اباس ان تحترم النملَ المجاهدَ قليلًا..

ما ضرَّ لو كان الضَّبُعُ أنبَلَ من السَّبُعِ...

ألم تُنجب الإغريقُ أكرم الفرسان...

ولم تنتفض بهم أفئدة الصّحاري؟"

- صار الخفافيش سادة الخارطة...

وملوك الرومان هم خرافة الازمان...

ولو لا بــيـــزنطا ما وصل القمح الى الشَّرق..!

تلك تعاليم السيّد الجديد..تلتهمُ رأس ولدي...

تعاليم من يمحوك.. ويسرقُ مجدك...

بعد قليلٍ..سيضيعُ ولدي لون عيونه..

ستقسّمُ خبزة الحلوى..

سيأكــُلُ أطفالي ويفرحون ...

وسآخذ نصيبي..من وجع الأخيلة..

بين يدي ذاكرة تضجُّ بالأسئلة..

ستُقسّمُ خبزة الحلوى..

ستمّحي في كلّ نبض مشارقُ الذّأكرة...

سَيَـنْسَى طفلي كلَّ رُسُومنا الفارطة..

ليعاد تشكيل الخارطة..

 

سُوف عبيد ـ تونس