1091 حجازيتمثل التجربة الشعرية لدي الشاعر حسن حجازي في ديوانه ”وريقات من كتاب الشعر” الصادر عن اتحاد كتاب مصر 2019م. والذي يحتوي علي 24 قصيدة كتبها الشاعر معبرا عما يدور داخله من حب وعشق للأمة وللوطن، تعبيرا عن مشاعر عاطفية ووطنية جياشة تفرض حضورها داخل معظم قصائده، معتمدا علي روافد معرفته البيئية والثقافية، وتبرز مقدرته علي إبراز جماليات التناص الديني والتاريخي نابعة من ثقافته العربية والغربية، وقد عبرت عناوين قصائده علي ذلك ومنها (وريقة من كتاب الشِعر، تصبحون على.. شِعر، اغضب، الأقصى.. هل يضيع؟، وريقة من كتاب الغربة، دم المسلم، أهل دمشق أدرى بشعابها، جنيف 2.. وسيكس بيكو الجديد، وتهون الأرض، رسالة.. للقادم، ِلمن يهمه الأمر!، يقين، معا ضد الإرهاب، أهلا بالمعارك، اليوم موعدنا، هذا الشعب، الرقم الصعب، إرادة، درع وسيف، خير أجناد الأرض، ماذا نقول له ؟، قنوط، استراحة محارب، كالبدر.. بل أجمل !، حالة حب خريفية، تأملات، مـــرآة، حالة تلبس) تلك العناوين التي تفصح عن علاقة الشاعر بالواقع المحيط به وما يدور حوله من أحداث سياسية واجتماعية واقتصادية متسارعة تترك أثرها علي تجربته الذاتية، وتحدد موقفه منها، نراه كلما ضاقت به السبل يلجأ للشعر كي يبوح ما يداخله ـ كأنما يفضفض أوجاعه غلي الوريقات التي تمثل جزءا من كل، فهناك تجارب أخري عديدة باح بها في دواوينة التي صدرت، وهناك تجارب في انتظار البوح علي وريقات أخري، يشكلها وعيه ورؤيته، وموقفه من الحياة التي يعيشها في مجتمع استلب من الإنسان مشاعره، وتحكمت المادة في هذه العلاقات الإنسانية التي لم يتبق منها سوي تلك المشاعر التي تتشكل في هيئة قصيدة يكتبها وتكتبه، وتعبر عن بعض مواقفه الحياتية داخل نفسه ووطنه بل تمتد لتعبر بصدق عن قضايا أمته .

 ويبدو من وضوح التجربة الشعرية لدي الشاعر حسن حجازي في ديوان ” وريقات من كتاب الشعر ” التي ذكر فيها كل هذه الأماكن الوردة، وارتباطها بالأحداث الجارية ليست مقصودة لذاتها بل في علاقتها بتجربة الشاعر وتقوم بتشكيل الوعي بالذات الشاعرة، فالإنسان العارف بالله الذي تأخذه السياحة في طلب المعرفة لا يقف عند المألوف من الأشياء والأماكن، بل يبحث في مكنوناتها وتناقضاتها، وهذا ما حصل لنا مع الشاعر، إذ يصور هذه الأماكن المشكلة للوعي وكأنه يكتب سيناريو يمكن أن نحول من خلاله شعره إلى فيلم طويل، ما دام يصدق فيما يرى مثل كاميرا موضوعية بعيدة عن تدخل الذات وتشظيها قي واقع مؤلم وحزين.

 وييبدو أن كثرة التناص في شعر حسن حجازي تجعله يستعرض آفاق تجربة إبداعية متخلقة، متخيلة، مختلفة واضحة المعالم والرؤى في هذا السفر الإبدعي عبر القرآن الكريم والسنة النبوية والسيرة النبوية والأحداث التاريخية، فالشاعر استلهم لغته من معجم ديني مواز لتجربته الشاعرة ومحيلا إلى أن الشعر يرقى عندما يرتبط بالمعرفة، حيث يصور الإنسان في أبهى تجلياته الإيمانية التي يحضنها الدين عقيدة وشريعة، ويزكي هذا الحضور الديني النزعة الصوفية لدى شاعرنا من خلال التناص مع تجارب شعرية سالفة الذكر في تراثنا العربي، كما يحضر التناص الشعري من خلال الرجوع إلى الشعر العمودي و الشعر الحر وقد أصبح التناص في شعره جزءا لا ينفصل من لغته الشعرية وثقافته واطلاعه علي تجارب الآخرين من رواد الشعر العربي والعالمي.

***

وريقة من كتاب الشِعر

البحرُ من أمامِكم

والشِعرُ من خلفِكم

فإما الموتُ أو الكتابة

فأينَ تذهبون؟

***

ما حرقتُ سفيني

ولا مزقتُ دفاتري

وإنما أرسلتُ قلبي

خلسةً..

لعلي أجد قبساً من حب

أو جذوةٍ من نار

أحرِقُ بها زيفكم..

فأينَ تفرون؟

***

ما خنتُ قلبي يوماً

وما جَفوتُ قلمي

ربما هي قسوة المُحِب

( مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ )

فأينما كنتمْ.. نكون

وكيفما كنتمْ.. نكون

ومثلما هُنْتُمْ.. نهون !

***

الحرية هي الزاد

وهي العٍماد

فكم قتَلنَا الزيفُ

والركضُ خلفَ الكلمات

أما زلتم :

“.. في كلِ وادٍ تهيمون ؟”

***

غُلبِت أمريكا

في أقصى الأرض

كما ” غُلِبَت الروم “

فَنُكِست الأعلامُ

وتهاوي المُبْطِلون!

***

ما بعتُ وطني

وما خلعتُ عمامتي

بقروش أو مسمياتٍ

ما أنزل الشِعر بها

من سلطان

وما وقفتُ يوما

ببابِ ” هامان “

ولا ” فرعون ” .

***

هو صراطٌ مستقيم

أرقُ من النسيم

وأحد من النصلِ المسنونْ

سأقفُ عليهِ يوماً

وتقفون

“وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ “

***

يصلبني قلبي لوقفةٍ

(وفي روايةٍ أخرى قلمي)

تعادلُ يومَ الحشر

يوم أن يضعوا قلبي

على الميزان

ويتربصونَ بهِ :

“ريب المنون”.

***

ما خنتُ ” ولادة “

وما داهنتُ “جبران”

وما نافقتُ ” شوقي”

وما حفظِـتُ حرفاً

من شَعر الأقدمين

إنما سِرتُ

في ركابِ المحبين

أتقلبُ وحدي

على جمرِ الكلماتِ

وعبثاً تسرقني السنون .

***

ما باعَ ” عبدالصبور” ليلاه

وما تركها وحيدة

تنتظرُ المُلك أو المليك ,

إنما نحنُ من تهنا

عن الطريقْ

تتجاذبنا الممالِك

وتلهو بنا في غيها :

السُنون .

***

فطفنا حولَ البابِ العالي

قرونا وخنوعا

وميراثا من سواد

ونارا ما خبا جمرها

لم تزل تصطلي

تحتَ الرماد

ولم نزل غرقى

نتخبط بلا هدف

في بحارٍ من ظنون .

***

مازالت ” ولادة “

تنتظر فارسها , بلا جدوى,

في سفره الطويل

عبرَ القرون !

***

البحرُ بحركم

والشِعر شِعركم

أما أنا : فعابر سبيل

في رحلتي عبرَ الدهور

أسعى لبضعِ قطراتٍ

من الرحيقِ المختوم

ربما تشفع لي ولكم

في يومٍ محتوم

فأين أذهب؟

وأينَ تَذهبون؟

***

” جفت الأقلامُ

و طُويِت الصحف “

ومازلنا على الدرب

نسعى..

فكيفما كنتم.. نكون !!

***

دراسة دكتور إبراهيم عطية

 

رحمن خضير عباسعن دار لارسا للطباعة والنشر، صدرت مجموعة قصصية للكاتب العراقي المغترب عبد جعفر، تحت عنوان (طاقية الوهم). وهي المجموعة الرابعة في مساره القصصي . وقد تضمنت أيضا بعض القصص القصيرة جدا، إضافة إلى مسرحية من فصل واحد.

يبدو أنّ أغلب قصص المجموعة تلعب على حبال الوهم، في محاولتها للبحث عن بعض الحقائق التي تشظت وتشوهت، في عملية تشبه ألعاب السيرك، حيث يظل ابطال قصصه معلقين على حبال الخطر والمجازفة والوهم. وكأنهم يعيشون أحلام اليقظة، فالأحداث تسير في نسق متشابه، مابين الأفعال الحقيقية التي يمارسها هؤلاء البشر، وما بين الوهم المُتَخيْل الذي يكتنف هذه الأفعال والأحداث، حتى يكتشف القارئ أنه أمام صور فنتازية، يمتزج فيها الواقع بالمُتَخيل، والحقيقة بالوهم . هذا ما ظهر في قصة متحف الحياة، التي تجعل السياق السردي يسير على مستويين:

المُمكن وغير الممكن، مما يجعل هذه المجموعة، وكأنها تسعى للبحث عن أجوبة مناسبة لأسئلة حادة . إنّها الحيرة التي تجعل الأسئلة ترفرف في الفراغ :

أين كنعان؟ كيف انتهى أبو الصفو؟ ماذا يبحث المسافر؟ لماذا لجأ الحامد إلى المشاكسة؟

وغيرها من الأسئلة التي تتقافز بين ثنايا النصوص. غير أن المغترب يحتل البطولة في أغلب القصص. المغترب الذي يحمل أزماته أو فشله أو ثقافته أو جنونه. ذلك الإنسان الذي قذفته ظروف قاهرة، في مجتمع جديد كان – ربما - يحلم به، ولكنه حينما عاش فيه لم يستطع أن يهضمه، فبقي معلقا في وهمه.

المغترب الذي فشل في أنْ يندمج أو يتأقلم مع معطيات الحياة في المهجر، فلبس طاقية وهمه، وظل أسيرا لماضيه، وكأنه يطارد خارطة الذاكرة، فلا يجد فيها سوى الصور المضببة للعنف والقهر. ورغم ذلك فقد بقي متمسكا بهذه الخارطة التي جعلته في حالة انفصام الشخصية.

قصة (الغريق ) تتحدث عن مغترب اسمه (شوقي) يعود إلى مدينته البصرة. ولكنه يغرق في شط العرب. ورغم أن القصة لم تكترث للحادث ولم تتناول سبب الغرق. ولكنها تحدثت عن حياة شوقي في طفولته وصباه، ومدى القحط والفاقة التي تعرض لها من خلال تخلي والده عن العائلة.

ثم يتناول الاعتقال والتعسف الذي تعرض له شوقي الذي أراد أن يحقق كينونته، من خلال الحرية في التعبير والحرية في الموقف. كما تحدثت القصة عن منفاه حيث كان يتلظى من الغربة. وحالما أتيحت له فرصة العودة إلى الوطن، حتى غرق في مياهه. وكأن القصة تريد أن تعبّر عن ذلك الاتحاد الأبدي بين المهاجر وبين الوطن، من خلال ذوبان جسده في قاع النهر.

لقد كانت قصة الغريق ذات تقنية قصصية جميلة، حيث تبدأ من ذروة الحدث، ثم تحاول الكشف عن مقدماته.

أمّا قصة (القطار الهابط) فتحكي عن قطار العمر، الذي يذهب نازلا حتى النهايات الوشيكة أو المتوقعة. وهو يعلن عن مغادرة محطاته في عتمة الليل. هل هي محطات القطار أم محطات العمر؟

فهذا المغتربٌ القادم من أوربا الذي يزور بلدا عربيا، ويلتقي بالمسافرة الجميلة التي شاركته ذات المقصورة، كانت تحسده على عيشه في أوروبا، لأنها تعتقد أنّ أوربا واحة للثراء والسعادة، ولكنه كان يسخر من اعتقادها، فيحدثها عن حجم المعاناة التي يكابدها المهاجر في العمل المضني، من أجل لقمة العيش. وكيف أنّ طبيعة الحياة في الغرب، اجبرته على فناء شبابه في العمل اليومي، الذي لا يلائم كفاءاته . وهاهوَ يعود سائحا، يحمل حقائب الحنين، ويراقب محطات القطار المتسارع.

كل من المغترب والمسافرة يتمنيان أنْ يتبادلا المواقع. هي تحلم بالغرب وحيويته، وهو يحلم بالشرق وسكونيته. وحينما يتجاذبان أطراف الحديث، يشعر بإعجاب خفي بجمالها وحيويتها. ولكنها تبادله إعجابا مختلفا:

"أنت تذكرني بأبي، صوته وهدوئه وملامحه"

وها هو يسقط ما بين سحر الجمال وبين حاجز السن. لذلك يهرب إلى خيالاته في لحظة متوترة مابين النوم واليقظة:

" الهواء يرفعه ويدفعه، استقبلته لطيفة بقميص ابيض شفاف، احتضن جسدها وغرق في تقبيل تموّجاته"

ولكن فتاة المقصورة تقطع عليه أحلامه، محتجة على أن شخيره قد أزعجها.

تهبط المسافرة وتضيع في الزحام، أما هو فيبقى في شرنقة همومه، يحسب صفير القطار في محطات مجهولة.

في (رحلة البحث عن كنعان). غياب كنعان وعدم تواصله يقلق صديقيه. فيحاولان البحث عنه في شقته الكائنة في الضواحي القصية لمدينة لندن. وبعد أنْ يبذلا جهدا كبيرا في الوصول هناك . كانت شقته مغلقة والعمارة شبه خاوية. متى المرأة الشقراء التي فتحت باب العمارة، قد ذابت في العتمة وكأنّها شبح. وحينما تسللا إلى الطابق الذي يسكن فيه كنعان وجدا الشقة مُقفلة، ولا حياة فيها. مما جعل هادي يشك في وجود كنعان، ويوجه إلى صديقه سؤالا ينطوي على تهمة الوهم :

"هل أنت متأكد أنّ لديك صديقا اسمه كنعان؟"

لقد حاول الكاتب أن يضخ في قصته شيئا من الغموض والرمزية. فكنعان حكاية ملفّقة، لا وجود لها. إنه الإنسان المهاجر الذي يتوحد وينطوي عن حركة الحياة، ليتحول إلى حضور وهمي . ولعل الكاتب أراد أن يؤكد مسألة الغياب الذي يطرأ على المغتربين، ويجعلهم معتكفين على هموم الوطن الذي أضحى بعيدا، والواقع الذي لم يقدّم لهم البديل .

في قصة (صورة داعش) يحاول الكاتب أن يصور الأهوال التي تعرض لها الايزيديون العراقيون من قبل قطعان داعش. وما حلّ ببطل القصة أبو الصفو الذي تعرض إلى الموت ذبحا. ولكنه بقي يؤكد خلوده حيث أنهم تمكنوا من جسده الهرم. ولكن روحه انتصرت على وقسوتهم ووحشيتهم.

هذه القصة تروي بشكل فني الكارثة التي طالت شرائح كبيرة من المجتمع العراقي، من قبل الفكر الإرهابي السلفي والممثل بداعش، والذي اكتسح الحياة واراد أن يغتالها. لقد كان الضحية الممثلة ب أبو الصفو ينتصر رغم موته، حيث يبتسم ساخرا من ضعف اعدائه الذين لا يحتملون من يختلف معهم في الرأي والمذهب والسلوك. ورغم أنهم اغتالوا جسده بصورة مرعبة ووحشية، ولكن روحه بقيت حية طليقة، تعلن انتصارها على أعداء الإنسانية:

" ومد جسده باسترخاء، واضعا رأسه تجاه جبل سنجار، موقنا أنّ الأشباح السوداء لن تقوى على دخولها "

وفي الوقت الذي تدين هذه القصة التطرف السلفي، فانه في قصة أخرى يدين التسلط الذي يمارسه بعض رجال الدين، والذين يقومون بابتزاز الضحايا واستغلالهم . فالأم وابنتها الشابة تستجيران برجل دين لأرجاع طفلتهما المختطفة. ولكنه يستغل سذاجة المرأتين واعتقادهما بموقعه الديني، من أجل إشباع رغباته الجنسية، واستغلالهما جنسيا.

القصتان تنتصران للطبقات المستضعفة والمهمشة. تلك الطبقات التي وجدت نفسها تحت رحمة إرهاب واستغلال وقتل وخطف. ورغم أن الكاتب قد انتزع بعض قصصه من الواقع العراقي البائس، ومن بعض الوقائع التي تفشت. ولكنه أعاد صياغتها بشكلها الفني، فقدمها إلى القارئ وهي تتماهى مع الوقائع وتنأى عنها، مما أسبغ عليها الكثير من التأثيرات الفنية حتى تكون أعمق في دلالاتها ورمزيتها .

يتجلى الوهم بشكل واضح في سلوكيات (الحامد ) وهو مغترب أيضا، ومشاكساته لمدينة لندن التي يعيش فيها، وذلك من خلال ارتدائه الملابس الشتوية الثقيلة في أوج حرارة الصيف. حيث يصعد الحافلة متأبطا مظلته، والثقيل من ملابسه. بحجة استفزاز المدينة وأهلها. ولكن الشابة اللندنية الجميلة التي ترتدي البكيني تسخر من شذوذ ملابسه بوضع عجزها في حضنه:

"هل تشعر بالدفئ أيها الخنزير "

مما أثار سخرية جميع ركاب الحافلة. وحينما ينزل من الحافلة وسط استغراب الآخرين، يحاول استفزاز شرطي المرور الذي يقف في الشمس الحارقة، ويشكو إليه أيضا من شدة البرد . مما يوهم الشرطي بأنه مجرد مجنون، ويستمر الحامد حتى يدخل الكنيسة، ويدخل في حوار عن البرد مع راعي الكنيسة الذي يعامله بذات الاستغراب، ليقنعه بالإيمان والتقوى، لعلهما يشيعان الدفئ المفقود في جسده !.

هل كان الحامد مشاكسا للمدينة كما يظهر من خلال عنوان القصة بسبب الجنون؟ أم أنّ الحامد في كامل قوته العقلية، ولكنه يعبر عن احتجاجه على مدينة لندن؟

لم نستطع أن نلتقط من سياق القصة إجابة شافية. ولكن سياق النص وسلوك الحامد يعبر عن حالة اللا اندماج الذي يميّز بعض المغتربين، والذين يعتكفون على مزاجية مخالفة لما هو سائد ومقبول في هذه المدينة .

انها الغربة المسوّرة بالاعتكاف على النفس، ورفض التغيير الطارئ حتى وإنْ كان على مستوى الانسجام مع روح الطقس. فهذا الرجل وسلوكه الشاذ، ما هو الا كناية عن بعض المغتربين، الذين يعيشون في الغرب ولكنهم لا ينتمون إليه.

وهكذا يدخلنا الكاتب عبد جعفر في أجواء المهجر، من خلال هذه العيّنات التي اختارها بعناية لمهاجرين لفظتهم بلدانُهم، فعاشوا في الغرب ولكنهم لم يتأقلموا، وتحولوا إلى شرائح اجتماعية على هامش الحياة. ورغم شراسة المغزى العام التي تحاول قصص عبد جعفر الوصول اليه. ولكنها كُتبت بإسلوب كوميدي ساخر .

 

رحمن خضير عباس

 

1088 تفضل معناقراءة في رواية (تفضل معنا وو) للروائي مهدي زبين

وداعا حكايات جدتي:

الروائي مهدي زبين مهموم بتجديد اسلوب السرد، يحاول ان يبتكر اسلوبا سرديا مختلفا عما كتبه ليس عن بقية الروائيين ولكن ايضا مخلفا عن اساليبه السردية السابقة، اسلوبا عابرا للتقليد، وكذلك في طبيعة الثيمة المعتمدة في السرد ليتجاوز المألوف، لم يكن يعبث او يجرب بعبثية او دون دراية ولكني ارى انه كان موفقا جدا في بث روحا جديدة غي الرواية العراقية لتكون بعيدة عن التكرار والاجترار.

لايحتفظ مهدي في رواياته سوى ميزة واحدة، او لايكرر في رواياته الا على ميزة واحدة تميزه عن سواه الا وهي ميزة بث الحياة والحركة وانسنة المفردة فيتلقها القاريئ كروح منظورة وليس كحروف مسطورة، انه اسلوب (السرد الناطق) كما ارى (تهمس خطواتي عند مدخل القاعة) ص7،(عصافير الكلام) ووو8، وهو اسلوب لايتمكن منه الا مالك خيال باذخ وثروة لغوية ثرية، قادر على تخليق روح للعبارة والحرف ... كم اتمنى ان تصيبنا عدوى هذا الاسلوب السردي لتحفل كتاباتنا بالحياة فنشهد حروفنا وعباراتنا كائنات ناطقة تعيش في كوكب عملنا القصصي والروائي .

هذه الرواية هي توصيف لحالات واستعمالات وصور عبارة (تفضل معنا) العبارة ذات الاستعمالات المختلفة حسب المكان والزمان والواقع المعاش، وحسب الفرد الناطق بهذه العبارة، فعلى الرغم من كونها عبارة تحمل قدرا من الاحترام والاحتشام والتقدير والتوقير للمخاطب للداعي وللمستدعى ...

ففي مجتمعنا لها دلالات مختلفة منه: الدلالة على المجهول الدال على الخوف والارهاب والترويع حينما يكون الداعي رجل امن في بلد اللاقانون، حينما يتقضلك معه من الشارع او البيت او محل العمل دون ان يكون لك في في طرح اسئلة من انت، لماذا والى اين ؟؟ فالسؤال ممنوع والعتب مرفوع في بلد الخوف والقهر والخنوع ..

1- (تفضل معي) كما حصل مع عامل الاخشاب وصاحبه واقتياده (تفضل معنا) الى دائرة الامن واتهامهم بسرقة سيارة الاخشاب التي تعود لصديق المسؤول، فلابد من القبض على فاعل كائن من يكون ولايهم ان يكون بريئاً ولا علاقة له بالتهمة، المهم ارضاء المسؤول واثبات الجدارة، دون أي احساس بالذنب او تانيب الضمير حتى وان ادت التهمة الملفقة التي يجبر البريء الاتهام بها تحت التعذيب الى الاعدام حيث سيكون راضيا بالاعدام كخلاص من شدة التعذيب ...

المؤلم ايضا هو موقف الناس في مجتمع الخوف والخنوع هو تاييدهم لفعل السلطات القمعية والامنية دون علم بمجريات الحدث فالسلطة هي الاعلم وهي صاحبة الحق المطلق ولايمكن الاعتراض او التساؤول (تتخاطف اصوات صبية ورجال تشفي بنا:"حيل بيهم" و "عاشت ايديكم"" منصورين ..(حيل بيهم ذوله الارهابيه، فروخ ...) ص27-28

فالروائي هنا يوجه سهام النقد واللوم اللاذع الى مثل هذه السلوكيات العدوانية التي زرعتها سلطة الخوف في نفوس العامة من الناس.

اخيرا يتم القبض على السيارة المسروقة والسارق في احدى السيطرات، يطلق سراح المتهمين مع عبارات التحذير وعدم الكلام عما حصل .!!!

2- (تفضل معنا) للجنة الاتحادية لماذا تكتب ومن تعني ب(اكرهكم)

3- (تفضل معنا) الاستاذ يريدك المنظمة الحزبية، هنا تظهر لنا العبودية والخنوع من قبل (الرفاق) امام مسؤولهم المتغطرس (جبتوه) فياتي الحواب (نعم رفيق (شنو) يعصي على الحزب؟) ص39 .

وبعد ذلك يتحولون الى فئران مهانة حينما يتصاغر مسؤولهم امام ورقة يبدو انها ممهورة بمهر مسؤول كبير، يوجه اللوم للرفاق (والله النوب اللي يتعرض له ميلوم الا نفسه، يلله ولو منا)!!

حتى انهه لم يدقق في الورقة كونها منتهية المفعول واتت بطريق الصدفة في يد(المتهم) بمناكدة الحزب والثورة، هذه صورة للشخصيات الكارتونية المتنمرة على الناس والمتصاغرة امام الاسياد، صورة لذكاء وفطنة الفرد العراقي وضحكه على ذقون قود السلطة وزبانيتها .

4- (تفضل معنا) لتلبية حاجة مخرج سيمائي الى كومبارس يردد كلمات يلقنها له وهو يسجل فلما سينمائيا في المطار، لايعلم ذلك الا بعد اخذ منه الخوف والرعب مأخذه وهو يقاد للمجهول، فيضحك على نفسه .

5- (تفضل معنا) ليفرغ الطائرة من احمالها من فراخ الدجاج، فيخلس قناني مياه علامة (بيريه) بنية وخضراء اللون متوهما انها قناني بيرة، فيعطيه مضيف الطائرة منا مايشاء، فيسكره الخجل والوهم وجهله بان يكون الماء بمثل هذه العلب الجميلة نظيرة علب البيرة في بلادنا .

6- (تفضل معنا) دعوة من الحبيبة لحضور امسية جميلة، يعيش حلم سعادة اللقاء بالحبيبة، تتناوبه اللهفة والشوق و مشهد المافجأة للمحب في قاعة الامسية الفخمة، يفتش عنا يتفرس الوجوه، يمسح بنظراته المنصة وكراسي الجلوس فلا يجدها، يصاب بالصدمة حينما يعلم انها قد فارقت الحياة حينما يدله بعضهم عن لافتة النعي في مقدمة القاعة .

عبر ما تقدم فالرواية تكاد تكون مجموعة من القصص القصيرة يربطها رباط واحد فيلبسها ثوب الرواية الا وهو عبارة (تفضل معنا) بمختلف تجلياتها المؤلة المرعبة، المدهشة، الغير متوقعة الساخرة من الذات ومن الاخر، افرادا او سلطات، قيما وسلوكا وممارسات ...

وقد حملت هذه القصص اجمل ميزة من ميزات القصة القصيرة وملاحتها الا وهي القفلة او الخاتمة الصادمة المدهشة .

مهدي زبين لا يمارس السرد الخيطي المتسلسل متنكرا لحكايا الاجداد والجدات و (سوالفهم) التي كانت تشدنا صغارا في ليالي الشتاء الجميلة ونحن نتحلق حول منقلة الحطب ونتعطر برائحة مسك الجدات ورائحة الشاي المهيل، يقطع الصور ويعرض سلسلة متناثرة الاجزاء لحياة انسانية معاشة، لناس فقراء، بسطاء، محايدين حرمتهم سطوة سلطات ظالمة واعراف بالية وقهر الفاقة والعوز من نعمة الامان والاحساس بقيمة الذات وصيانة الكرامة .

فلو اقتطعنا احد هذه القصص فستكون مكتملة ولا تحتاج لاستكمال بنيتها السردية وحبكتها الى استدعاء القصص الاخرى في الرواية .

انها محاولة لعرض بانورامي لصور وومارسات وتجسيدات وتمظهرات ال (تفضل معناو ..) في حياتنا الاجتماعية المعاشة، يمكن للقاري ان يضيف المزيد من من تمظهرات (تفضل معناو) مثلا (تفضل معنا) لتناول وجبة طعام في مطعم فاخر ونحن نعاني من الافلاس المزمن، ولكن الداعي المتفضل يتسسلل خارج المطعم ولا يدفع الحساب ونقع نحن في المصيدة، وتفضل معنا لحسناء تنتهي بكمين فنكون فريسة للضرب والابتزاز ودفع الغرامات، وتفضل معنا لتصريف وتبادل بعرض مغري لعملة باخرى لنتبين بعد حين انها عملة مزيفة وهناك الكثير من المشاهد .

فتظهر لنا حربنة هذه (تفضل معنا) وقدراتها الكبيرة على الايهام، فمرة سوط جلاد، ومرة افعى قاتلة، او حبيبا مفقود، او ثعلبا ماكرا ..

الامر الرئيس الذي اكد عليه الروائي ان هذه (التفضل معنا) غلفتها السلطات بالخوف وحرمة ورهبة السؤال والتساؤول وهي صفة وتوصيف الانظمة الديكتاتورية في حياتنا اليومية .

("تفضل معنا" يالها من جملة أنيقة، لكنها توحي باتجاهات متناقضة، ظاهرها يساير اللطافة واللياقة العالية، كأن احدا يدعوك الى وليمة \ نزهة، أو مناسبة عزيزة، أو تعني قصدا مغايرا، يفسره سياق الموقف، أنت تحدد صيغة العبارة وكيفية القائها، وتوصيلها الى تأويل يطابق التهديد...) ص21.

 

بقلم: حميد الحريزي

..............

* طبع واصدار فضاءات الفن ط2 2019 .

* رقم الايداع في دار الكتب والوثائق ببغداد(1349) لسنة 2019.

 

 

جمعة عبد اللهروائي عراقي متمكن في اسلوب القصة والرواية. منذ الستينات القرن الماضي ظهر في الكتابة القصة، في سن مبكرة، بدأ ينشر في الصحف والمجلات. بذلك يملك تجربة غنية وهامة، في الابداع واسلوب كتابة القصة والرواية، في اسلوبيته الواقعية الواضحة في المتن السردي. بالتناول بالسعة الشفافة والمبسطة، في لغته الجميلة. بالتركيز المكثف، الصافي من حواشي الزائدة. وهذه الرواية صدرت في عام 1970. نتلمس من خلال الصياغة واسلوبية العرض والطرح، بأنها تشق الطريق نحو التناول الحديث في تقنيات براعة النص، يتجاوز ماهو مطروح آنذاك من الاسلوب التقليدي والكلاسيكي السائد أنذاك، ونستطيع ان نقول بثقة بأن هذه الرواية، نقلة نوعية في تطور اسلوب الرواية العراقية آنذاك، بطريقة ابداعية متمكنة، في الاسلوبية والصياغة، والتناول والطرح، بالرؤية الابداعية العميقة. في تناول قضايا الحياة والواقع، بالاسلوب الواقعي والموضوعي. في تناول الحياة الشرقية في بلدان الشرق، ومنها العراق. التي تتزاحم عيوبها وعثراتها على الانسان الشرقي، التي تضعه في دائرة مغلقة من الهموم والمعاناة. نتيجة العسف والاضطهاد. بأن تجعل الانسان يتحمل صبر ايوب. في العلاقة غير المتكافئة، بين السلطة والمواطن. وهي علاقة السيد بالخادم، في زحمة الارهاب المسلط عليه. لذا يجد الانسان نفسه منهزم ومحبط في الانتكاسات والازمات داخل هذه الدائرة المغلقة. وتجد الانسان يبحث عن منافذ للخروج من هذه الدائرة بأية وسيلة كانت، اي الرحيل خارج البلد، مثلما فعل هذا الشاب العراقي، الذي يمارس مهنة التدريس، ان يجد فرصته المواتية في العمل في المغرب. ان يجرب حظه في مهنة التدريس هناك. ويسمى في المغرب (سي الشرقي). والحدث السردي يقوم في مهمة الرصد والملاحقة، في عيشه وسكنه وطريقته عيشه في الحياة، بالتفاصيل الدقيقة، في غربته الجديدة. بهذا العمق والاتساع في المتن السردي، في معايشة ازماته الجديدة، في الرصد العميق، وبضمير المتكلم السارد. ما هو إلا شخصية الكاتب نفسه. بهذا التدفق الوجداني، في الارهاصات والخوالج والهواجس. كانت غربته في سبيل تعويض خسارات التي تجرعها في بلاده. والسعي الحثيث في امتلاك الحرية المفقودة. التي يجسد قوامها في شخصية المرأة (رقية) وهي الشخصية الدالة في رمزيتها التعبيرية، بالحب والحرية من رؤية واقعية. هذه الفتاة المغربية ذات عشرين ربيعاً، في زيها الشعبي المحافظ. في افعالها وتحركاتها وعلاقاتها المتشعبة والمتشابكة. ربما بعضها يدور في دائرة الابهام والغموض. وهي جزء من العلاقات العامة، بين التحرر والمحافظة. ولكنها تظل تحمل دلالة رمزية عميقة، هي رمزية الحب والحرية. وامتلاكها صعب المنال، تتداخل فيه صعوبات ومعوقات وحواجز شتى. اي انها تحمل تناقضات المتشابكة في روحية الشرق عموماً. ولكن (سي الشرقي) يصاب من اول وهلة، في مشاعر مشتعلة بالتشوق والانجذاب. نحو هذه الفتاة ذات البشرة السمراء والشعر الكثيف، منذ اللقاء الاول تصرعه نظراتها، وتأخذه مجرات المشاعر في التحليق البعيد (إلا اني لم اجد دوافع كافية تحملني، رغم نفسي الى ذرى الموجة، كما يحدث لي في الماضي، شيء ما مهم من مشاعري) ص29. وكانت مشاعره تحرث في امتلاك، والوصول الى قلبها، لينالها بالحب. لتكون كافية لتغيير مسار حياته. من الاحباط الوجودي الذي يعصف في وجدانه وان تأخذه الى مسارات معاكسة، لكي يسكن ويهدأ فورة التوتر والقلق التي تصاحبه كظله، لينطلق الى فضاء الحرية المفقودة في بلاده، ووجدها في شخصية (رقية)، التي تمثل رمزية الحب والحرية. وهو يبحث عن هذه الاشياء المفقودة في بلاده. بهذا التشخيص يرسم الكاتب شخصية (رقية) في ابعادها الوجودية والحياتية (جلست على الكرسي فأنتثر شعرها، كنت أمر بسعادة لا توصف، كسارق حصل على غنيمة العمر، فبات يخشى على نفسه من فرط سعادته - قالت. وأنت؟

- اعجابي يصل الى حد العبادة.

ضحكت : أنا متأكدة من ذلك) ص76. هذا الانبهار الروحي، هو مرادف للانبهار في الحب والحرية، المتلألأةً في عيونها، يجد ماضيه وحاضره، في خيره وشره (كانت عيناها تملأن الوجود عليَّ. ماضيه وحاضره، خيره وشره، واخذت أتلمسها نصباً زجاجياً شفافاً مغرزاً في ذاتي، وملكتني رغبة أحرقت دمائي، لكني أحتقرت نفسي حيث لا أستطيع ان أفعل غير تقبيل يدها، لا أجرؤ ان اتمادى) ص76. وهو يريد ان يلتهم جسدها وروحها في الاحترق الرومانسي (كنت ألتهما. جسدها. روحها. ضحكتها. يالهي، أنني أحترق ولا شك ان روحها هي التي تحرقني. جسدها عملاق من الحسن والوجد والنار، يسد عليَّ المتافذ) ص76. بهذه الغزارة في الشوق الرومانسي، يسعى في الحصول على الشيء الضائع داخل نفسه. بهذه الصورة الابداعية في تصوير، الشخصية الشرقية، التي تتنازعها الصراعات المتأزمة والمقموعة، بالاحباط والمحاصرة، في شرنقة الصراعات المتعددة الجوانب. من القوى المضادة، التي تعمل على الحرمان والانكسار، انها صفة عامة في بلدان الشرق المتوسط. ان تتحول الحرية الى شيء غير موجود، او انها شبح ودخان وسراب.

   احداث المتن الروائي:

شاب عراقي يمارس مهنة التعليم كمدرس، يستغل الفرصة السانحة للعمل في مجال التعليم كمدرس في المغرب، وينزل في منطقة شعبية، في عمارة الصيني المطلة على شارع وزقاق يفصل المدينة الى قسمين. زقاق (زنقة بن بركة)، الذي تدور فيه معظم احداث النص الروائي في هذه الحارة الشعبية، التي تعيش الفقر والحرمان، في سكنه الجديد يتعرف على الناس في الحارة، رجالاً ونساءً، ويرتبط بعلاقات حميمية ووثيقة معهم. وينادونه بأسم (سي الشرقي)، ويتعرف عن حياتهم وعلاقاتهم الاجتماعية المحيطة بهم. يحاول ان يبني علاقة حب مع الفتاة (رقية) لكنه يجد صعوبة ومعوقات في ذلك. مما تزيد من احباطاته النفسية الى التأزم، وينزلق الى الحياة العبثية، في الجنس والنساء والخمر، ولعب الورق والقمار. يفقد التوازن الحياتي في سلوكه. وفي النهاية تحوم حوله الشبهات المريبة، في ارتكاب جريمة قتل، هو لم يفعلها، ليجد مصير الاسود من الاحباط والانكسار والانهزام. ويجد نفسه في حالة يرثى له، يعني انه فشل في امتلاك الحب والحرية.

 شخوص الرواية المحورية:

لاشك ازدحمت الرواية بالشخوص الاساسية والثانوية، رجالاً ونساءاً. ولكن من اهمهم، ثلاثة شخصيات: هي رقية، موجود في كل شخوص الرواية، في تحركاتها ونشاطها وعلاقاتها المتشابكة والمتشعبة. ولكنها مضطربة في التوازن في الحب، واخيراً بعد فوات الاوان، عرفت، بأن (سي الشرقي) يحبها فعلاً وذلك تشعر بالخسارة من هذا الحب الضائع. وكذلك شخصية. سي الحبيب. وسي أدريس.

1 - شخصية ورمزية. سي الحبيب. مناضل قديم ساهم في النضال في سبيل استقلال المغرب، وتحمل الكثير من السجن والتعذيب والحياة الشاقة، شخصية محبوبة ولها ثقل في الاوساط الشعبية. ولكن بعد الاحداث العاصفة في منتصف الستينات القرن الماضي، وضع تحت المراقبة والاقامة الجبرية، وابعد الى هذه المنطقة الفقيرة، بدلاً من ان يصدر حكم الاعدام بحقه. وتقول عنه (رقية) موجهة كلامها الى سي الشرقي (كل الرجال يحبوني، ويخضعون لي، لكن لم اجد الحب العظيم الذي يجعلني أجثوا على ركبتي، في سبيل بقائه والاحتفاظ به، هنا قد وجدته في شخص سي الحبيب

- لكنه لم يحبك ِ.

- ربما، لكنه أذا احب فسيحب بكل ما يملك، سيضحي حتى بروحه لاجل الحب، ألا تراه قد ضحى بصحته ومستقبله وكاد يعدم لاجل قضيته ؟

- وطن

- وطن، إمرة الشي ذاته، انه قادر على التضحية، والتضحية تخلق الحب العظيم. القضية العظيمة. الامل العظيم) ص79. وكان يحث (سي الشرقي) على نيل حب (رقية) وان يصونها من التشتت. بأنها جديرة بالحب.

2 - شخصية ورمزية سي أدريس: الذي طفر من الفقر المدقع الى الغنى الفاحش، واصبح من اثرياء المغرب. يملك مزرعة كبيرة، ويستغل ببشاعة عمال مزرعته، يعاملهم كالعبيد لدية. وهو صورة طبق الاصل، للطبقة الاقطاعية ورجال الاعمال والنفوذ، في جشعهم واستغلالهم الفاحش للفقراء والعمال. يعيش البذخ والليالي الحمراء ولعب القمار والنساء. ويعتبر المال يشتري كل شيء ويمزق شرف والعفة ببساطة لاية إمرأة كانت، ويعتبر النساء او المرأة، بأنهنَّ حشرات حقيرة. يستطيع بماله ان يشتري اية إمرأة مهما كانت مكانتها، وانه دائماً يكسب الرهان في شراء الفتيات، وحين يحتج غضباً (سي الشرقي) على هذا الوصف والاهانه للمرأة، بأنها حشرة حقيرة، فيجيب (لانه لا توجد فتاة نظيفة، كلهنَّ حقيرات تعميهنَّ المادة)ص105. لذلك ورد على لسانه بالسؤال عن (رقية) استفز غاضباً ومزمجراً وهدده بالقتل، اذا ورد على لسانه أسمها (سأقتلك اذا ذكرت أسمها ثانية في هذا المكان) ص111. ولكن بعد ذلك يتهم (سي الشرقي) بجريمة قتل (سي أدريس) وهو بريء ولم يفعلها، لكن كل شبهات الجريمة تحوم حوله، حتى (رقية) تعتقد بأنه قتله من اجلها لانه يحبها صدقاً، لذلك تقول له وهي تجهش في البكاء المر (- قتلته لاجلي، لانك تحبني.

- أنتِ واهمة، أنا لم أقتله، وأن كنت اتمنى أن افعل ذلك)

 وتنفجر في البكاء، وهي تفجر الحقيقة الصاعقة

(أنت تظلمني، ألم تعرف حقيقته؟

مططت شفتي مقلداً اياها بسخرية مريرة : وما الحقيقية ؟

- أنه عنين. غير طبيعي. ليس كالرجال

- عنين؟) ص137.

ولكن سبق السيف العذل. هكذا كان يطارد الحب والحرية المفقودة. ليجد نفسه في وضع ميؤس لا فكاك ولا مخرج منه.

 

  جمعة عبد الله

 

 

يُعَدُّ الرمز من التقنيات الفنية التي وظفها الشعراء في مختلف العصور وعلى اختلاف انتماءاتهم الفكرية والأيدلوجية، وذلك يعود لما لهذه التقنية من تأثيرٍ فعّال في تثوير دلالة النص الإبداعي من خلال تكثيف الدلالات بمساحةٍ ضيقةٍ ومحدودةٍ، مع توفر البعد الدلالي الذي ينفتح على تشظي التأويل، ولم يكن الشاعر يحيى عباس السماوي بعيداً عن هذا التوظيف، إذ سجل حضوراً مائزاً في مساحاته الشعرية الموصوفة بــ(قصيدة التفعيلة)، ولذا جاءت فكرة هذا البحث تحت عنوان (التصوير الرمزي في شعر يحيى السماوي / شعر التفعيلة أنموذجاً)، وتم تقسيمه على محاورٍ عده منها: (أهمية التوظيف الرمزي)، وفيه وقف الباحث على أهمية توظيف الرموز في رسم ملامح الصورة ودلالتها عند الشاعر، ثم قسمنا الرموز التي مثلت مهيمناً نقدياً في المتن تبعاً لمدى حضورها على: (الرموز الأدبية) وتناولنا فيه الرموز التي تكاد تشكل خصوصيةً في توظيفها عند الشاعر، على الرغم من شيوع بعضها عند شعراء آخرين، أما المحور الثالث فقد جاء بعنوان (الرموز التراثية) وهو القسم الثاني من أقسام الرموز التي تم توظيفها من قبل الشاعر يحيى عباس السماوي، وقام على (الرموز الدينية)، وعلى (الرموز التاريخية)، وكلاهما تمثل بشخصيات سجلت حضورها في التكوين المعرفي للمتلقي العربي وبمختلف توجهاته واهتماماته، ثم خاتمة البحث التي تضمنت أبرز النتائج التي توصل إليها الباحث.

اعتمد البحث المنهج التحليلي الاستقرائي في تناول هذه الظاهرة النقدية مستعيناً بمصادرٍ تتصف أغلبها بالتوجه النقدي الحديث.

أهمية التوظيف الرمزي

يُعَدُّ الرمز من أكثر الوسائل الفنية انتشاراً في التشكيل الصوري للقصيدة العربية المعاصرة، فهو يتيح للشاعر(تجسيد رؤيا هو يمنحها شكلاً حياً و ملموساً)(1)، ويعطي فرصة لتأمل شيء (آخر وراء النص. فالرمز هو قبل كل شيء، معنى خفي وإيحاء، إنَّه اللغة التي تبدأ حين تنتهي لغة القصيدة)(2). لذا فأنَّ التصوير بالرمز هو (تقرير للقضايا، وتسجيل للأحداث)(3)، كونهُ أول قيمة شعورية مباشرة تنبع من تجربة الشاعر؛ لتحدد رؤيته الشعرية بوساطة الصور الناتجة عنه (4).

فضلاً عن كون الرمز وسيلة إيحائية يحاول الشاعر فيها تقديم حقيقة مجردة، أو شعور، أو فكرة غير مدركة بالحواس في هيئة صور وأشكال محسوسة يجعلها قادرة على الإيحاء بما يستعصي على التحديد والوصف من مشاعره وأحاسيسه وأبعاد رؤيته الشعرية المختلفة (5)، ليحّمل رموزه (وظائف جمالية عندما تسهم تجربته على نحو مؤتلف مع مكونات النص الفني)(6).

فالرمز في حقيقته (صورة الشيء محولاً إلى شيء آخر، بمقتضى التشاكل المجازي، بحيث يغدو لكل ِّ منهما الشرعية في أنْ يستعلنَ في فضاء النص، فثمة ثنائية مضمرة في الرمز وهذه الثنائية تحيل على تقويمين جماليين متماثلين مع الإشارة إلى إنَّ هذا التماثل هو الأساس في التحويل الذي يجريه المبدع ـ أي هو الأساس في جعل الثنائية واحدية في الرمز)(7)، وما هو إلاّ (وحدتهُ الأولى صورة حسية تشير إلى معنوي لا يقع تحت الحواس، ولكن هذه الصور بمفردها قاصرة عن الإيحاء: سمة الرمز الجوهرية، والذي يعطيها معناها الرمزي إنَّما هو الأسلوب كله، أي طريقة التعبير التي استعملت هذه الصورة وحملتها معناها الرمزي، ومن ثم فإنَّ علاقة الصورة بالرمز من هذه الناحية أقرب إلى علاقة الجزء بالكل، أو هي علاقة الصورة البسيطة بالبناء الصوري المركب الذي تنبع قيمته الإيحائية من الإيقاع والأسلوب معاً)(8)، فضلاً عن كون الصورة تتحول إلى رمز من خلال (وفرة دلالاتها وكثرة معانيها وقدرتها على الإيحاء والتداعي، وإنَّما هو وضع خاص لها تكّون فيه نسقاً كاملاً من التجربة أو كائناً مستقلاً يملك حياته المتكاملة دون اعتبار لأيِّ معيارٍ عرفي من معاييرها، وما لم ندرك هذا الفرق الضروري، فستقع لا محالة في شرك، فنتعامل مع كل َ صورة ٍ قادرة على الترميز رمزاً فنياً)(9).

وطبيعة الرمز لا يحل شيء محل شيء آخر فحسب، ولا يكتفي بمجرد الدلالة، حيث الطرفان طرف العلاقة الدالة وطرف الشيء المدلول عليه يعملان معاً (10)؛ لأنَّ وظيفة الفنان أنْ يجسد خبرته في رموزه، فيستعمل ما يجده في عالم الطبيعة، ويعبر به عن رؤيته في الأشياء التي يرمز لها في نصوصه (11).

ولو بحثنا في سبب لجوء الشاعر إلى توظيف الرمز في تشكيل صورته لوجدنا أنَّه (مرغم على ذلك بسب وجود عوائق سيكولوجية واجتماعية وأخلاقية فضلاً عن الخوف والحياء، تَحول دون اللجوء إلى التعبير مباشرة عن رغباته وأحاسيسه، أي أنَّ الشاعر يَعمد إلى الرمز بصورة طبيعية وقسرية في آنٍ واحدٍ، فيظهر رمزه كمظهر الثورة على الوضوح الكلاسيكي العادي، الذي يشوبه الصدق وعدم الافتعال، وبصورة أخرى إنَّ الشاعر يغير طرائق التعبير الشعري فيحل الرمز والإيحاء ـ حسب رأي الدكتور مندور ـ محل التقرير والإفصاح...)(12)، فضلاً عن وجود عوامل أخرى تتمثل (بوجود عوامل فنية، كعامل الرغبة في نقل أحاسيسه إلى الآخرين، والتأثير بهم، وغالباً ما يحقق الشاعر هذه الرغبة باستخدام الصور والتشبيهات والاستعارات وغيرها من ضروب البيان والبديع، والقيم الفنية التي تنثال من مخيلة الشاعر بتلقائية تتسامى على كل افتعال أو تصنع)(13). إلى جانب ذلك ثمة أسباب سياسية في المجتمعات الدكتاتورية التي لم تمكن الشعراء من التعبير مباشرة عن مقاصدهم خوفاً من القمع السلطوي.

ولذا (بات الشعر المعاصر أكثر تعقيداً، وأميل إلى الاستغناء بالإشارة والتلميح عن التصريح فقد انبثقت أشكال بنائية متقدمة وبدأ الشاعر بهجر المباشرة والتقريرية، واعتمد الإيحاء والرمز والبناء بالصورة الشعرية عن طريق إيجاد (معادلات موضوعية) لانفعالاته وأفكاره وتجاربه)(14).

وتكمن جمالية الرمز في تشكيل الصورة الشعرية إذا كان (نابعاً من حاجة القصيدة إلى تلك الرموز، وما تمتلكه هذه الرموز، من مجال درامي أسطوري يتفاعل مع تجربة الشاعر المعاصر)(15)، لكي يكون أكثر جمالاً وتأثيراً حتى يتنفس في القصيدة كلها، ويمتد فيها كاشفاً عن رؤيا الشاعر (وينبغي أن ندرك بوضوح أن استخدام الرمز في السياق الشعري يضفي عليه طابعاً شعرياً، بمعنى إنَّه يكون أداة لنقل المشاعر المصاحبة للموقف وتحديد أبعاده النفسية)(16).

وقد تنوعت الرموز وتشعبت مصادرها وطريقة تناولها، وليس مجال البحث في هذه الدراسة استقصاء تلك التشعبات وتفريعاتها، وإنّما نكتفي بدراسة الظاهرة في شعر يحيى السماوي في النصوص التي تميزت في تشكيل صورها باستخدام الرمز، بصورةٍ عَمقّت من فاعلية الصور التي شكلها، ونقلها إلى مصاف الجمالية.

فمثل الرمز في لغته الشعرية أبرز أسلوب جمالي في تشكيل صوره الشعرية، مضفياً عليه أبعاداً دلالية شعرية جديدة يحرص فيها على الإيحاء بخصوصيته الأسلوبية من جهة الأداء، وعلى عدم حضور فاعلية الآخر الشعري (17).

فيحيى السماوي شاعرٌ يعيش باحثاً عن رموزٍ تعادل تجربته الشعورية، تلك التجربة التي تعمقت؛ أثر اغترابه وحنينه إلى وطنه، وعشقه المتمثل بتجربته الرومانسية، ورفضه المتواصل للمحتل بكافة تجلياته، لكون الرمز (يتيح للشاعر تعبير آفاق واسعة لمعانيه الشعرية، بمعنى إن المعنى الشعري الصادر عن أسلوب الرمز، هو معنى مكثف ذو تجليات خاصة)(18).

والمتتبع في شعره يكشف أنَّ نصوصه غنية بالرموز الفنية التي بثها في صورٍ حية تؤلف بين ذاته والواقع الذي يريد أنْ يصوره. فيخلق منها قوة تأثيرية ضاغطة على السامع والقارئ. لذا جاء الرمز لديه موزعاً على مجموعتين هي:

أولاً: الرموز الأدبية.

ثانياً: الرموز التراثية وتقسم على قسمين: الرموز الدينية، والرموز التاريخية.

أولاً: الرموز الأدبية

يمثل الرمز الأدبي (عمقاً أو بعداً من أعماق أو أبعاد المعنى)(19)، وهو هنا غير الرمز الأسطوري الذي توارثه الشعراء بالتوظيف وتوالى عند غيرهم حتى غدا أسطورة، ولا الرمز البدائي الذي انحدر إلينا من الثقافات البابلية والفرعونية واليونانية والهندية(20)، وإنَّما هو ذلك الرمز الذي أبتكره الشاعر من خلال إلحاحه على لفظةٍ محددة ٍ حتى تغدو في شعره رمزاً، ليوحي من خلاله بتجربته الانفعالية، وارتباطه بظروفه النفسية، وهو على وفق هذا التوصيف (ابن السياق)(21).

وعند تفحص نصوص الشاعر، يجد الباحث أنَّه قد وظف رموزاً، تميزت بالأصالة والابتكار من خلال مزج رؤيته بالواقع مزجاً تخيلياً عميقاً، فيعطيه أبعاده الجمالية والتأثيرية (22)، ورموزاً أخرى أنتزعها من الطبيعة، وأسماء لشخوصه التي مثّلت صفحات مضيئة في مخيلته. فالشاعر المبدع (هو الذي يستطيع خلق الرمز الجديد الذي يوصف بأنَّه حي ومحمل بالمعنى)(23).

فمن الرموز التي أبتكرها الشاعر رمزية (صوفائيل) بأنَّه نحت كلمة من كلمتين الصوفية والملائكية، وهو ملاك العشق الصوفي (24)، وأسماء أخرى مثل (مجدائيل، عشقائيل)، وكأنَّما يوجد ملاك للعشق الصوفي الذي شيده في بنية خطابه العشقي. إلا أنَّ إلحاحه على لفظة (صوفائيل) التي تكررت (عشرين مرة) حتى غدت رمزاً لرسول محبوبته، التي أضفى عليها سمة القداسة، فحاول (تنكير طبيعته الحسية من خلال اشتقاق تركيبة الاسم من الصوفية المرتبطة بلاحقة لغوية سومرية ترتبط بسمة الإلوهية (أيل)، تضاعف من التغريب الأسطوري لدوره)(25).

فما صوفائيل إلا مرسال بين المرسل (المحبوبة)، والمرسل إليه (الشاعر) الذي ينتظر أنْ يأتيه بوصايا قانتته الزهراء، التي ينتظر أنْ تنزلَ عليه عبر مبعوثها، الذي يبلغه بوصاياها بصورة غير مباشرة (26)، كما تبين ذلك في قصيدة (بعيداً عني قريباً منك) التي يقول فيها:

جاءني

في خلوة الفجر على الساحل

" صوفائيلُ "

يمشي خلفه الأطفالُ

والإزهارُ..

والنهر ُ...

وأسرابُ الحَمامْ

قالَ ليْ:

تُــبْـلِغُـكَ الضّـوئيـّة ُالعِـشقِ

السّـــلامْ

وتقولُ أحْـذرْ مـنَ:

الغـــمْــزِ

أو

اللـــمْـزِ..

أو الهـَمْـزِ

إذا تكتب شعراً..

فالذي يغــمــزُ

أو يلـمِـز

أو يهمِـزُ من طاهرةِ الثوبِ لئيمٌ..

وأنا فردوسيَ الناسِكُ لا يدخلهُ

المارقُ..

والآثِمُ..

والآكِـلُ من صَحـْـنِ الطواويسِ

وماعونِ اللئامْ (27)

يتضح من هذا النص أنًّ (صوفائيل) رسول الوصايا الأخلاقية، إنسانية وشعرية، فالرمز هنا وضح البنية الصوفية التي شيدها الشاعر في خطابه، وأوضح صورة قانتته (الزهراء) ذات صفات القداسة التي أستدل عليها الباحث من وصاياها عبر رسولها (صوفائيل)، فهو رمز للخير والعطاء، وصيانة النفس من المريب الذي يدنسها. ونلتمس ابتهاجات الفرح والخير دائماً يأتي بها مبعوثها في قوله:

جاءني

في يوم ِعيدِ الوردِ "صوفائِيلُ"..

مبعوثاً

من القانتةِ الزهراء ِ..

حَيّاني..

وألقى للعصافيرِ على النّخلة ِ

قمحاً..

جاءَ طيرٌ يُشبهُ الهُدهُد َ..

حَيّاه..

فقالا كلمات ٍ..

ومضى الطائرُ حتى غاب َ

في حضن ِ الفضاءْ.. (28)

يُلحظ في المقطع السابق حركة التبليغ التي جاء بها المبعوث (صوفائيل) المتمثلة بالتحية الملقاة على الشاعر، وحركة إلقاء القمح على العصافير، فهي تعزيزٌ لرمزية الخير والعطاء التي دائماً ما يأتي بها صوفائيل وهو حاملٌ هذه الكرامات، فامتدت كراماتها عن طريق مبعوثها ليس على الشاعر فقط، بل امتدت لتشمل الكائنات الحية الأخرى.

وهناك شخصية اتسمت بالبطولة في مقاومة النظام آنذاك، عاصرها الشاعر في حقبة من حياته السياسية، وهو ما جعل الباحث يلتمس أثرها في فكر الشاعر من خلال إلحاحه عليها في قصيدته التي حملت اسم المرثي (كامل شياع)(*) فاتخذ منه رمزاً للشجاعةِ الأبية، ورمزاً للشهيد الذي خلده القرآن بأنَّه حيٌ لا يموت بقوله:

ما مات َ" كاملُ "..

إنَّ " كامل " لا يموتْ:

ما دارَ ناعورٌ

وفاضتْ بالهديل ِحمامة ٌ

وتوضأتْ بالشمسِ أبوابُ البيوتِ!

ما ماتَ " كاملُ "..

" كاملُ " اختصرَ الطريقَ إلى السَّماءْ

من كوَّة ٍ في رأسهِ الضوئيِّ

والجسدِ المُخَضَّبِ بالدماءْ (29).

جعل الشاعر ذكرى استشهاد (كامل شياع) رمزاً من رموز النضال والتضحية التي قدمها الشعب العراقي بيد أن ذكره لم ينفصل عن السياق الرثائي الذي تطور في القصيدة المذكورة، فضلاً عن دلالة اسم المرثي التي عززت من دلالة الصورة؛ لكونها تدل على (الكمال والتمَّام، كمال الخير)(30).

ومن هنا يبدو للباحث أنَّ (كامل) الرمز يتحرك دائماً في نفس السياق الرثائي على طوال القصيدة التي تكرر فيها (ثماني عشر مرة)؛ لأنَّ التجربة الشعرية للشاعر بقيت متأثرة بالحدث الجلل الذي رسم درب المناضلين المخلصين أمثاله، ولكن عزاء الشاعر أنْ يكون (المرثي) الرمز القدوة ومثالاً للتضحية في سبيل تحقيق الخلاص والتحرر.

وثمة نوعٌ آخر من الرمز الأدبي لا يخفى أثره، ودوره في تصوير عمق تجربة الشاعر، وهو (الرمز الطبيعي) الذي كثيراً ما يختلف عن باقي الرموز الأخرى، لعدم تدخل الإنسان في تكوينه، لذا تكون قيمته الجمالية متبدلة ومتغيرة، بصورة دائمة، ممّا يجعل تاريخه مستمراً وغير محدد نهائياً، وهذا ما يميزه عن الرموز التراثية التي تمتلك وجوداً محدداً في الذاكرة الاجتماعية، التي تفرض نسقاً معيناً في تلقي هذه الرموز. أي أنَّها لا تتصف بالحيوية التي يتصف بها الرمز الطبيعي والابتكاري(31).

(وإنَّ هذه الحيوية تعطي المبدع حرية عظمى في التعامل الرمزي، بحيث لا يبدو مقيداً بتلك الذاكرة.... فللأشياء تواريخ، في الوعي الاجتماعي، لا يمكن للمبدع أنْ يهملها أو يتغاضى عنها؛ غير إنَّ هذه التواريخ متواصلة النمو والتبديل والتغيير والإضافة والحذف والتعديل بحسب التجارب الاجتماعية المتبدلة أيضاً)(32).

والمتتبع لشعر التفعيلة عند يحيى عباس السماوي يلمح تدفقاً ملحوظاً في استخدام رموز الطبيعة، وتحميلها دلالات نفسية وفكرية من خلال إسقاطات ذاتية، عَبرَ مماهات الذات الشاعرة مع تلك الرموز؛ لذلك نجد النخيل تكرر في شعره كثيراً، ومثل حدثاً ثابتاً عند الشاعر، ويتغير في الرؤية الشعرية لديه تبعاً للرؤية النفسية. فشكلت هذه المفردة (الثيمة المركزية) للنصوص التي انضوت تحت هذه المجاميع.

فعمد الشاعر على تجسيد إحساساته في النخيل، ولكنه جرده من كثافته الحسية، فتعامل معه بوصفه قوة معنوية، ترمز للشموخ والإباء والرفعة تارة (33)، وتارة أخرى رمز لبلده العراق وارتباطه بذكريات الطفولة وهو في أرض غربته؛ لأنَّ (النخل رمزٌ للعراق؛ لشهرته به، وقد يستعمل هذا اللفظ للدلالة على السمو والشموخ والكبرياء)(34). فتنوع الدلالة الرمزية للفظة النخيل تبعاً للسياق الذي ترد فيه كما سبق تذكرنا بمقولة الدكتور مصطفى ناصيف: (الرمز ابن السياق وأبوه)(35).

فالنخلة تحتل مكانة خاصة ومتميزة في نصوصه الشعرية؛ لأنَّها كما يفيد التفسير الأسطوري صورة من صور الأمومة والخصوبة، وما تزال رمزاً للخير والعطاء، ورمزاً من رموز الأرض والماء والشجر(36)، فضلاً عن كونها تحتل مكانة في الموروث الديني في قوله تعالى: فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (37)، والنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (38). وتبوَّأَت مكانة سامية في الأدب العربي، فتغنى بها الشعراء، وتفنن في وصفها الأدباء والبلغاء، فأحسنوا وأجادوا (39)، فما السماوي إلا واحدٌ من هؤلاء الذين تفننوا في تصويرها، فأستثمرها، وجعل لها مكاناً خاصاً في شعره، فكثيراً ما آتخذها رمزاً للتلاحم بالأرض والوطن. بحيث لا نجد مجموعة شعرية من مجاميعه تخلو من هذه المفردة ودلالاتها، إذ بلغ تكرارها من خلال إحصائية أجراها الباحث (ثماني وستين مرة) في نمط شعر التفعيلة، ومنها قوله في قصيدة (إنَّهم يقتلون النخل):

هم يقتلونَ النخلَ !!

إنَّ النخلَ مُتهَمٌ برَفضِ الإنحناءِ

وبالتشبُّثِ بالجذورِ..

وباخضرارِ السَّعفِ..

مُتهَمٌ بإيواءِ العصافيرِ التي

لا تحْسِنُ استقبالَ:

أعداءِ الطفولةِ..

والطواغيتِ الكبارْ..

والنخلُ مُتهمٌ

بتأليبِ المياهِ على الطحالبِ

في بحيراتِ الدهاقنةِ الصغارْ

للكافرينَ بعشقِ نخلتنا القرارْ(40)

نَلحظُ أنَّ لفظة (النخل) ظلتْ ترافقنا تباعاً عبر صورتها المتكررة، فجسد الشاعرُ صورةً رمزيةً، صور فيها النخيل بأنَّه رمز للشموخ والقوة والثبات (41)، وضح دلالة الفرد العراقي، ورفضه الخضوع والانحناء للمحتل، فتعامل الشاعر مع عنصر من عناصر الطبيعة (النخيل)، وأرتفع بدلالة اللفظة من مدلولها المعروف إلى مستوى الرمز، فحاول بوساطة رؤيته الشعرية أنْ يشحن اللفظة بمدلولات شعورية خاصة وجديدة (42)؛ لأنَّه وجد فيها دلالة سياسية، عمقت من دلالة موقفه الرافض للمحتل.

ويبدو أنَّ الصورة التي جاء بها الشاعر، وبخاصة ما توحي به العبارتان (النخل ُ متهمٌ برفضِ الانحناء)، (وبالتشبث بالجذور) تستثير استجابة نفسية لدى المتلقي، وذلك حين يتصورها صورة الفرد العراقي الأبي، الذي مهما تعرض لأحداث يبقى متمسكاً بعروبته، فضلاً عن كون التكرار اللفظي للمفردة عززّ من دلالة الصورة التي صورها الشاعر في كل فقرة وردت فيها.

ويعاود تكرار لفظة النخيل وتحميلها مدلولات رمزية متعددة من خلال ارتباطها بذكريات الحنين إلى وطنه بقوله في قصيدة (إنَّها السماوة فآدخلي آمنة مطمئنة):

يا نخلةَ اللهِ

السلامُ عليكِ يومَ وُلِدتِ من قبلي بَتولاً..

والسلامُ عليكِ

يومَ أموتُ فيكِ مـُـضـرَّ جاً

بلظى الصّبابةِ والتغــرُّبِ..

والسلامُ على جذورِكِ يومَ أبْعَثُ في الفسيلةِ..

والسلامُ على الفراتينِ..

السلامُ على السماوةِ..

والسلامُ على السلام

فأنا وأنتِ وعشقنا المجنونُ

ثالوثُ المحبَّــةِ والغرامْ

يومـــي بظــلِّكِ:

ألفُ عامْ (43)

يجسد الشاعر ثنائية الماضي والحاضر في توحده بـ (نخلة الله) التي يصنع منها رمزاً للحنين أثر إحساسه بالوحدة وهو في ظل غربته. فيعمق دلالة اللهفة والشوق إلى وطنه من خلال استدعائه النخلة رمزاً لذاته المغتربة (44). وكذا فإنَّ استعمال الشاعر لأسلوب النداء بحرف (يا)، الذي يستعمل لنداء البعيد وفيه مد صوتي، خيرُ دليل على أنَّه في ضيق ومعاناة شديدة، فهو كمن يستنجد بالأحبة والخلان والوطن، ثم آنظر كيف يحن حنيناً شديداً إلى (الفراتين)، (السماوة). وهكذا يجمع الشاعر عدداً من الصور التي جذبته إلى وطنه على الرغم من كل المعاناة، ويجعلها كلها مصدر إلهامه بما في ذلك أيام صباه في مدينته التي صرح بلفظها ـــ ومجاورتها (نهر الفرات).

ومن الرموز الطبيعية التي وظفها الشاعر في تشكيل صور شعرية ذات طابع جمالي، استلهامه من الطبيعة المتحركة رموزاً حملها دلالات وضحت تجربته التي يعيشها، فاتخذ من طائر (الهدهد) رمزاً للبشرى في جميع الصور التي ورد فيها، والتي بلغ عددها (أربع عشر مرة)، ومنها قوله في قصيدة (هوامش من كتاب الحزن العراقي):

كيفَ للهدهدِ

أنْ يحملَ بشراه إلى نافذتي

في زمنٍ

أصبحَ فيه الصُّبحُ

أدجى من عباءات الدراويشِ

وأحداقِ المداخِنْ (45)

يمثل الهدهد في نصوص يحيى السماوي رمزاً للبشرى التي عُرِفَ بها في الموروث الديني، وهي صورة أستلهمها من البشرى التي جاء بها طائر الهدهد إلى نبي الله سليمان (عليه السلام) حاملاً بشراه، إلا أنَّ الشاعر يصرح متسائلاً عن كيفية وصول البشرى، لوجود العوائق في مثل هذا الزمن. فالتصوير بالرمز عمق من دلالة الموقف المأساوي لبلده.

ويكرر الصورة نفسها في قصيدة (حكاية التي صارت تسمى):

مــرَّ دهــرٌ

وأنا أنـتـظـرُ الــهـُـدهـُـدَ

أنْ يأتــي ببشرى مـطــرٍ

يُطــفئُ نيرانَ ظـنـوني (46)

وقوله أيضاً معززاً دلالة انتظاره البشرى في قصيدة (مُــدّ لي حبل جواب):

فـمــتى

هُــدهُــدُك َ الموعودُ

يأتي

حاملاً بُشراهُ بالفردوسِ

والخمرِ الحلالْ ؟(47)

فرمزية طائر الهدهد في جميع النصوص التي وردت فيها، لا تخرج عن مفهومها المتعارف عليه في الموروث القرآني وهي (بشرى سليمان)، فما البشرى التي ينتظرها الشاعر دائماً، إلا انتظار الغد الجميل الذي يسود فيه الأمان والحرية والعدالة، ويحمل المحبة لكل الناس، انتظار البشرى بمجيء القائد الذي يحمل نسك (محمد باقر الصدر)، وزهد (عبد الكريم قاسم) (48).

ثانياً: الرموز التراثية

يُعَدُّ يحيى االسماوي واحداً من الشعراء الذين استثمروا الرموز التراثية في كثير من قصائده، من خلال توظيف ما فيها من طاقات دلالية مؤثرة عريقة، بعيدة الأغوار في نفس الشاعر والمتلقي في آنٍ واحد، من أجل التعبير عن رؤياه المختلفة المعقدة، ليصل إلى مرحلة التعبير بالموروث ذات الإيحاء والتأثير العميق، بحيث أصبح الرمز التراثي جزءاً من نسيج، وعضواً لا يستغنى عنه (49).

فاستلهم الشاعر من التأريخ، وما يتصل به من شخصيات سلبية كانت أو إيجابية، وجعلها شخصيات رمزية وموحية في محاولة منه لإعادة قراءة التاريخ، ثم توظيفه بصورة انتقائية هادفة، وغالباً ما يرى فيها تجسيداً لمواقف بطولية، ترسم منهجاً واضحاً لقانون القيم الدينية والأخلاقية هذا من جهة، ومن جهة أخرى يرسم صوراً لقوى الشر المتجددة في أكثر من زمان ومكان من هذا العالم الإسلامي. لذلك فأنَّ (العودة إلى التراث لا تجدد شيئاً، ولكن بالانطلاق منه وبالإضافة إليه تجدد قوته)(50)، وتكون فائدة هذه العودة بما يعالجه من أحداث ومواقف راهنة. وإنَّ الاهتمام به لا يمنحه سمة الأصالة والتواصل من دون تحقيق صلة عميقة بين صورة القصيدة ومضامينها، وما استوحاه من التراث (51).

ومن جهة أخرى لا يشترط أنْ تكون الشخصية التراثية هي المرجعية الوحيدة بل هي صورة من صور المرجعية التاريخية وأحدى مصادقيها، لذا يمكن أنْ تتغير دلالاتها عند تشكيل الصورة، فدلالتها غير ثابتة (ويدلك على هذا إمكان استدعاء مبدع واحد لشخصية تراثية معينة، في سياقات مختلفة، للدلالة على معان متعددة)(52).

ولم يقف الشاعر في إفادته من تراثه القومي فحسب، بل توسع مفهومه للتراث حتى شمل رموزاً مختلفة الأصول والديانات، فطفق ينهل من معين التراث على اختلاف منابعه من رموز دينية وتاريخية مختلفة، وهذا ما سيتضح عندما نقوم بتحليل نصوص شعرية يكون التشكيل التصويري من الرمز مخالفاً أو معاكساً لمعناه الأصلي المرجعي. والرموز التراثية التي وجدها الباحث في شعر يحيى السماوي تنقسم على قسمين:

1ـــ الرموز الدينية

يمثل التراث الديني (مصدراً سخياً من مصادر الإلهام الشعري، إذ يستمد منه الشعراء نماذجاً وموضوعات وصوراً أدبية)(53)، فأخذ ينهل من التراث الديني وما يتصل به من شخصيات سلبية كانت أو إيجابية في شعره، وجعلها مصدراً أساساً من المصادر التي عكف عليها للتعبير من خلالها عن جوانب من تجاربه الشخصية، فكثيراً ما كان توظيفه للرمز الديني على صورةٍ جزئيةٍ أو إشارة في ضمن المستوى الدلالي للنص الذي يرد فيه.

ومن الشخصيات الدينية التي استدعاها الشاعر في تشكيل صورته، شخصيات ذات رمزية سلبية غالباً، كشخصية (أبرهة الحبشي) الذي يمثل رمزاً للظالم المستبد في قصيدة (بعض التفاصيل) لذا ننتخب منها قوله:

" أبرهةُ " الجديد يستحمُ في الفراتْ

والقَيْحُ في دجلة

فكيف لا يحتضرُ السنبلُ

أو تنطفئُ المُقلَة

وأهلنا سباتْ(54).

يستدعي الشاعر في هذا المقطع شخصية دينية ذات بعد سلبي رمزاً، بتوظيف تقنية الاسم المباشر، ليحاول امتصاص الدور الذي قامت به هذه الشخصية تجاه رمز ديني ذي أهمية خاصة في الجاهلية والإسلام (الكعبة المشرفة)، ثم إضفاؤه على الواقع المعيش في زمن الحرمان في حقبة الحصار الذي مر على العراق، فأبرهة الحبشي رمزٌ للحاكم الظالم المستبد المتمثل بشخص (صدام) الذي حاول أنْ يستبيح كل شيء، فيتمثل توظيف الرمز من كون أبرهة الحبشي هو رمز للظلم في ذلك الزمان، وصدام هو أبرهة الجديد.

ولعمق السلبية السوداوية لهذه الشخصية في الوعي الجمعي لدى القارئ، يستدعيها الشاعر في مكان آخر وقصيدة أخرى، ولكن بصورة مغايرة، وكأنَّه رمز لماض ٍمظلم يتسم بسوداوية حزينة، فانتزعه الشاعر بعد أنْ أتته قانتته الزهراء في قصيدة (خلعت أمسي) قوله:

وكنتُ مِنْ قبل هواكِ تائهاً

أبحثُ في الأرضِ عن النجمِ

وفي السماءِ عن ظِباءْ

أبرهةُ الضلّيلُ كان في دمي

ومنذ أنْ أسرِتْني

صار فمي مئذنةً

وفي عروقي دمُ أولياءْ(55).

يمثل أبرهة الحبشي في النص السابق رمزاً لماضٍ مظلم ٍعاشه الشاعر في ضياع متواصل، وبحث مستمر عن سمة الاستقرار، إلا أنَّ هذه السمة تحققت نتيجة مجيء الزهراء التي مثلت رمزاً للخلاص من ذلك الماضي. فسمة التحول تتسم بنزعة صوفية نستدل عليها من الألفاظ الموحية بذلك  (مئذنة، دم أولياء).

وفي قصيدة (نقوش على جذع نخلة)، يستدعي شخصية تراثية ذات مدلول ديني سلبي، بوساطة الكناية، وهذه الشخصية ذات ارتباط مباشر بشخصية (أبرهة الحبشي)، وهي شخصية (أبو رغال)(56) الذي أشتهر بقصته المعروفة كدليل لأبرهةِ الحبشي، عندما قصد الكعبة هادماً. يقول فيها:

باسمِ الفرات المستباحِ

وباسمِ نخلٍ مُثْكَلٍ بالسَعْفِ والعرجونِ

حتى باتَ مذبوحَ الظِلالْ

فاكنسْ بمجرفةِ الجهادِ الوَحْلَ

واسْتَأْصِلْ جذورَ " أبي رغالْ " (57).

يختار الشاعر ما يناسب صورته التي يشكلها، إذ يمثل هذا الرمز صفة الخيانة، لذا يؤوله تأويلاً خاصاً يلائم طبيعة التجربة المستوحاة من الواقع الذي صوره، فجعل من هذه الشخصية ذات دلالة رمزية متجددة من خلال إضفائه الأبعاد المعاصرة في تشكيل صورتها التي رسمها، فيتحقق التحرر من الرمزية السوداوية، عند التخلص من كل الذي يؤدي دور(أبي رغال) الخياني.

ومن الرموز ذات الارتباط بالمرجعية الدينية التي اعتمدها الشاعر في تشكيل صور شعرية ذات إيحاء جمالي معززاً دلالة الموقف المراد تصويره للمتلقي، من خلال ازدواج رمزين (خير وشر) وردا في سطر شعري واحد في قصيدة (هوامش من كتاب الحزن العراقي) قوله:

تصرخ ُ المسْغبة الآن َ

بنا:

هزُلَ الخبزُ

وجوعي سَمُنا..

مثلكِ الآن َ

أُسَمِّي غُربتي أهلاًّ

وجُرحي وطنا..

كــلُّنــا أصبحَ " هابيلَ " و " قابيلَ "

ولكنْ

أيّهُمْ كان أنا ؟ (58)

تستمد الصورة جماليتها هنا من المفارقة التضادية التي أوجدها الشاعر، وفي الوقت نفسه شكلت أمراً ينسجم مع طبيعة السياق الذي يتأسس على رؤيا مفارقة تختزلها بنية الصراع الوجودي القائم بين رمزين أحدهما ذا بعد إيجابي، متمثل بـ (هابيل) الذي يوظفه الشاعر هنا رمزاً للتضحية، و(قابيل) الرمز (الذي يمثل العدوان والظلم والخيانة)(59)، رمزٌ حلت عليها اللعنة؛ لتمرده على إرادة الله عز وجل، فأتخذه الشاعر رمزاً لكل سفاح ومعتدٍ (60)، فيوظف الشاعر الرمزين معاً؛ ليرسم صورة مأساوية لأبناء بلده من خلال توظيف تقنيتين في تشكيل صورته، الأولى: تقنية التضاد المتمثلة بين الجملتين (هزل الخبز، جوعي سمنا) التي عمقت دلالة المأساة.

والثانية: تقنية الرمز في (قابيل وهابيل) التي وضحت أبناء بلده والصراع المحتدم بينهم مابين الجاني والضحية، أحدهما يقتل الآخر بعد دخول المحتل.

ومن توظيفه لهذا النوع من الازدواج الرمزي مابين شخصيتين ذاتي طابعين متنافرين قوله في قصيدة (بعيداً عني قريباً منك):

بستاننا مرعى الذئابِ

وحارسُ البستانِ لصٌّ

حِصّتي دغل ٌ..

وحِصّتُهُ البيادرُ والغصونُ المُثْقلةْ

الثوبُ ثوبُ الهاشِميِّ الطفلِ

لكنْ

في جيوبِ الثوبِ

نبْلةُ "حَرْمَلةْ"!(61).

يستدعي الشاعر في رسم ملامح صورته رمزية الطفولة المتمثلة بــ (عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب(عليهم السلام))، التي تمثل رمز النقاء والطهر والبراءة الضائعة(62)، و(حرملة بن كاهل) الرمز الذي يمثل الوجه المظلم في تاريخنا الإسلامي، فامتص ملامحه وأضفاها على كل مجرم لا يتحلى بالرحمة، فكأني به أراد أنْ يقول: إنَّ التأريخ يعيد نفسه، فحرملة الذي قتل الطفل الرضيع وأمثاله موجودون في كل زمان ومكان. فتبين للباحث أنَّ هذا الحشد من الرموز التاريخية التي وظفها الشاعر أكثرها ذات دلالات سلبية، بحسب شهرة الرمز الذي يستدعيه وطابعه السلبي.

2ـــ الرموز التاريخية

يمثل النوع الثاني من الرموز التراثية ما استوحاه الشاعر من شخصيات تاريخية ذات صفات عُرفت بالبطولة، والشهرة التاريخية، ونستطيع أنْ نقول: أنَّها رموز ذات مضمون إيجابي. والتصوير باستدعاء مثل هذه الرموز التي تمتلك بعداً إنسانياً على نحو ما يُلحظ في انعدامها أو تواجدها بصورة مغايرة في الواقع الذي يعمق من مأساة تجربة الشاعر أو يوضح بنية المفارقة بين الماضي والحاضر. فتكون فائدة عودة الشاعر (إلى القيم الفنية الشعرية الموروثة ليست انكفاءة أو رجعه، إنَّما هي أحياء لكل ما أوثر عن الماضي الشعري من معطيات فنية إيجابية، وهي تطوير لفن الشعر كما أنها إضاءة وتعميق لرؤية الشاعر وإحساسه بالاستمرار والتواصل الفني)(63)، فضلاً عن كون (الشخصيات التأريخية ليست مجرد ظواهر كونية عابرة، تنتهي بانتهاء وجودها الواقعي، فأنَّ لها إلى جانب ذلك دلالتها الشمولية الباقية)(64)، كما ترتبط جودة القصيدة بكونها (لا تقتبس من الموروث التاريخي لتوثيق الشعر وتأكيد انتمائه إلى القديم، وإنّما تثير... في ذهن المتلقي دلالات وصور وومضات، تقرّب بها المعاني الحديثة التي يريدها الشاعر المعاصر، بإثارة تلك الأجواء التاريخية، بشرط أنْ يلتحم هذا المقتبس بنسيج الشاعر)(65).

فقد استوحى الشاعر تلك الشخصيات استدعاءً عرضياً أو كلياً من خلال الإشارة إليها كرموزٍ تكلم عنها، ولم يتكلم بها قناع. ومن أهم الشخصيات التي استدعاها، شخصيات أتسمت بمواقف بطولية، وجد فيها القدرة على النهوض بواقعه، لما عُرف عن تاريخها في الفكر العربي والعالمي، بما تحمله من ثنائية الماضي والحاضر، أي الماضي المرتبط بالشخصية التاريخية، والحاضر المرتبط بواقع الشاعر، شخصية (المعتصم) التي جرد الواقع المعيش من وجود أمثالها في قصيدة (آية الفئة القليلة) قوله:

كُفي صراخكَ يا " دليلة "

كُفي الصراخَ

فليسَ في هذا الزمانِ المسخِ " معتصمٌ "

يذودُ عن الحرائرِ والترابِ

وعن عفافِ التينِ والزيتونِ..

فالكرسيُّ أخصى في فوارسِنا

الرجولة (66)

ففي هذه الصورة نوع من المفارقة التصويرية(67) الشاملة بين ما كان عليه الحاكم في الماضي من عزة وشهامة، وما أصبح عليه من هوان، فاستدعى الشاعر في سبيل تصوير هذه المفارقة رمزية المعتصم البطولية مصرحاً بلفظه التراثي (المعتصم) وهبَّته لنجدة المرأة الهاشمية التي استنجدت به قائلة (وامعتصماه) فأجابها المعتصم ملبياً صرختها.(68)، فما (دليلة) إلا رمزٌ لتلك المرأة الهاشمية، فاستعملها الشاعر على نوع من المفارقة التصويرية، إذ لا فائدة من استصراخ الحرائر في الوقت الراهن، لأنَّه مجرد من رمزية البطولة المتمثلة بشخص (المعتصم)، وهنا عمقت الصورة إحساس الشاعر بفداحة هذه المفارقة ومرارتها بين الماضي والحاضر.

ويسير على هذا النوع من المفارقة التصويرية بين صورة الماضي، والحاضر بوساطة استدعائه رمزاً يتسم بدور بطولي، هو القائد (صلاح الدين الأيوبي) معززه بشخصية (المعتصم) في نص شعري واحد، ممّا عمق أثر التجربة التي صورها الشاعر في قصيدة (نقوش على جذع نخلة) التي يقول فيها:

كيف يقومُ بيننا " مُعْتَصِمٌ "

يذودُ عن كرامةِ " الحُرَّةِ "

حين يَسْتَبيحُ خِدْرَها المنبوذُ والآفِكُ والهَجِينْ

إن كانت " الأمةُ " قد أوْكَلَتْ " العِصْمَةَ " للغريبِ

فهو الأمرُ الناهي... وليُّ أمرِها..

وصاحبُ القرارِ ـــ وقتَ الفَصْلِ ـــ بين الظنِّ واليقينْ؟

كيف يقومُ في جموعِنا " صلاحُ الدينْ "

ونحن لا " صَلاحَ " في نفوسِنا

مُسْتَبْدِلين لَذَّةً زائلةً بـ "الدِّينْ "؟(69)

يستدعي الشاعر رمزين تاريخيين كان لهما الحضور الفاعل، وأثرٌ واضح في التأريخ العربي من خلال استعمال آلية التجريد من أمثالهما في العصر الراهن، فيبدو أنَّه لا يرمز لشخصهما المتمثل بإنقاذ كل من يستنجد بهما، تخليص المعتصم للمرأة الهاشمية (وامعتصماه)، وتلبية صلاح الدين الاستغاثة التي أطلقتها الفتاة المقدسية المسلمة، وإنَّما استعملهما كدلالة رمزية للانقياد وراء المحتل. فوظف الشاعر الرمزين توظيفاً عكسياً، إذ استدعاهما في مجال السخرية من القادة السياسيين الذين سلموا عصمة أمورهم للمحتل وانقادوا لأوامره.

فيبدو أنَّ الشاعر يستلهم التراث التاريخي، ويخاطب أبطاله، ليخبرهم بما حدث في زمنه، فيكشف الواقع الزائف الذي يتجرد من أمثالهم، فتبين أنَّ رؤية السماوي في تشكيل صور نصوصه ذات طابع حزين ومأساوي.

وهناك نوع آخر من الرموز التاريخية اتخذها الشاعر وسيلة هادفة لتصوير الكثير من تجاربه بوساطة صور أتسمت برمزيتها المعروفة. وهي رموز العشق التي تتوافق مع تجربة الشاعر، ومنها، رمزية الحب المقدس الذي عاش مرارة عذابه، وهو يستدعي شخصية (قيس بن الملوح) و(القتيل الحميري) في قصيدة (تضاريس قلب):

لي أنْ أَعيدَ الأعتبارَ إلى الجنون

كأن أَعيشَ عذابَ قيس بن الملوّح

والقتيل " الحميري "

وأنْ أَجوبَ مفاوزَ الأحلام

معموداً شقيّا (70)

يقدم الشاعر في هذا المقطع مشهداً رومانسياً ينم عن إحساس مرهف، إذ استدعى رمزين من رموز العشق، عرفا بتاريخهما العشقي الذي غدا رمزاً تناقلته الأجيال، هما (قيس ليلى) و (القتيل الحميري)، فالشاعر عندما يوظف هذه الرموز يريد إثراء مفهوم العشق لديه من تأصيل وتفعيل مثل هذه السياقات الإنسانية المتنوعة التي ترتبط بمنظومة العشق منذ القدم وحتى الوقت الحاضر.

وقد كشفت الدراسة أنًّ نصوص الشاعر لا تخرج من إطار هذه الرموز، وتسليط الضوء على جوهر المرأة الإنساني بدلاً من جسدها ومفاتنها. ففي نص آخر يستدعي (قيس بن الملوح) رمز الحب الخالد، الذي لا تزال ذكراه تتناقلها الأجيال في كل زمان ومكان بقوله في قصيدة  (بعيداً عني قريباً منك):

العِشْقُ بابٌ للخلودِ

فإنَّ قيسَ بن الملوّحِ

لمْ يزلْ لليومِ حَيّا !(71)

يتضح أنَّ الحديث عن الحب ورمزيته في نصوص يحيى السماوي، لا يأتي في خطابه الشعري عملاً تجريدياً خالصاً، بل ينبثق من التجربة الذاتية التي يحرص عليها من خلال بلورة آفاقها وصياغة رؤاها الجمالية، لذا يعمق دلالة تجربته في استدعاء أكثر من شخصية تاريخية توحي بتجربة العشق والتشرد والاغتراب الذاتي والنفسي الذي عاشته جميع هذه الشخصيات. ونتلمس مثل هذا في قصيدة (حين تكونين معي) إذ يستعين بأكثر من شخصية ذات دلالة رمزية بقوله:

حين تكونين معي

يَهربُ من فصولنا الخريفُ

يرتدي رُبى الروح المواويلَ

يُقيمُ العشقُ مهرجانهُ

فكلَّ صبٍّ يلتقي نجواه..

يُطلُّ " قيسُ " راكباً جوادهُ

وخلفهُ " ليلاه "

و" عروةُ بن الوردِ " يأتي

راكباً سحابة تقودها " عفراءُ "..

و" الضليلُ " يأتي شاهراً منديلهُ..

و "العامريُّ " يلتقي " بثينة "

ويلتقي رُباه

" صبُّ الفراتين " الذي شَيَّعَ في منفاه

طفولة النخل

وشيَّع الهوى صِباه (72)

يُلحظ تدفقاً ملحوظاً لتراكم الشخصيات التاريخية ذات الدلالات الرمزية، التي تصب في معنى واحد، وقد اسقط دلالاتها على ذاتية الشاعر. فتراكم مثل هذه الرموز في نص شعري واحد لا تفقد الرمز إيحائيته فحسب، بل يفقد النص شعريته، إلا أنَّه لا يبدو في النص معنياً بالرمز، بل بمضمونه الذي يبدو جاهزاً، وذا إيحاء محدد نهائي، مما يدفعه إلى استدعائه للتعبير عن تجربته الشعورية، فقد سعى في خطابه إلى استحضار رموز العشق التي تتوافق مع تجربته، لتكون رموزاً تجسد العشق الذي يتلبس الشاعر، وتجسيداً لمعشوقته، كونه يمثل واحداً من الشعراء الذين ارتبطوا بقضية عاطفية.

فتوظيفه لهذا الكم من الرموز أضفى على البعد العاطفي في حياته دلالة أخرى غير دلالتها العاطفية تَمثل في بعض الأبعاد النفسية لتجربة الشاعر كإحساسه بالغربة والحنين والتشرد (73).

وقد لوحظ أنَّ الشاعر أستدعى رموزاً أبتكارية أبتدعها وانفرد بها كما استدعى رموزاً طبيعية تنوعت مابين طبيعة صامتة ومتحركة، واستدعى أيضاً شخصيات دينية تنوعت مدلولاتها بين الإيجابية والسلبية، وشخصيات أتسمت بتاريخها الأدبي والشعري على الخصوص، سواء كان الاستدعاء بآلية العلم، أم بتوظيف الكنية، من أجل الكشف عن واقع تجاربه التي عاشها وتمثيلها في صورٍ كشفت عن نفسية تواصل الحزن والرفض المستمر والعشق الخالد من دون انقطاع.

الخاتمة

مما لاشك فيه أن توظيف الرمز عند الشعراء المحدثين هو غيره عند الشعراء المتقدمين؛ وذلك يعود لشيوع هذه التقنية عند المبدعين بشكلٍ عامٍ، والشعراء بشكلٍ خاصٍ. ولذا فلابد من خصوصيات تحتلها التجارب الشعرية لهولاء الشعراء، ومنهم شاعرنا يحيى عباس السماوي، والتي يمكن إيجازها بما يأتي:

اتخذ الرمز عند الشاعر مسالك شتى منها الذاتي والديني والتاريخي.

لم تكن البيئة بمنأى عن إبداع الشاعر ولاسيما الطبيعة العراقية، فكانت النخلة الرمز الشعري المهيمن على مجمل نتاجه.

اختلاف أسباب توظيف الرمز عند الشاعر، إذ توزعت على عوائق سيكولوجية واجتماعية وأخلاقية وسياسية.

الرمز عند الشاعر يمثل معادلاً موضوعياً لتجربته الشعورية، ولاسيما فيما يخص الاغتراب والحنين.

عمد الشاعر إلى توليد رموز أدبية من خلال ظاهرة النحت اللغوية لتوليد لفظاً يحمل دلالة اللفظين.

يمثل الرمز الثيمة المركزية في النصوص التي جاءت فيها.

مثل توظيف الرمز الديني الدلالات السلبية في أكثر نصوص الشاعر.

شيوع ظاهرة التوظيف الرمزي الذي يقوم على استحضار الرموز المتضادة وبشكلٍ لافتٍ للنظر، فالشاعر يجمع بين المتضادين في موضعٍ واحدٍ.

مثلت الرموز التاريخية عند الشاعر علاقة الحضور والغياب ولاسيّما بعد شحنها بطاقات دلالية كبيرة يمكن استنتاجها من خلال السياق.

استثمر الشاعر الدلالات الرمزية التي توفرها الرموز التراثية للتعبير عن القضايا السياسية والاجتماعية. وثمة نتائج أخرى تضمنتها صفحات البحث.

 

أ. م. د محمد فليح الجبوري

علي كتيب دخن

جامعة المثنى - كلية التربية

.........................

الهوامش:

(1) في حداثة النص الشعري، د. علي جعفر العلاق، 56.

(2) زمن الشعر، أدونيس، 160.

(3) أصول الرمز في الشعر الحديث، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، 7.

(4) ينظر: الصورة الشعرية وجهات نظر غربية وعربية، د. ساسين عساف، 76.

(5) ينظر: عن بناء القصيدة العربية الحديثة، علي عشري زايد، 104.

(6) جماليات الأسلوب (الصورة الفنية في الأدب العربي)، د. فايز الداية، 175.

(7) وعي الحداثة (دراسات جمالية في الحداثة الشعرية)، دراسة، د. سعد الدين كليب، 68.

(8) الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، محمد فتوح احمد، 139.

(9) تطور الصورة الفنية في الشعر العربي المعاصر، د. نعيم اليافي، 289.

(10) ينظر: المصدر نفسه، 278.

(11) ينظر: موسوعة المصطلح النقدي، ترجمة، د. عبد الواحد لؤلؤة 2 / 257.

(12) الرمز في الشعر، صالح درويش، مجلة الأقلام، بغداد، ع 5، 1968م، 35، نقلاً عن بدر شاكر السياب، دراسة أسلوبية لشعره، د. إيمان محمد أمين الكيلاني، 86

(13) المصدر نفسه، 36، نقلاً عن بدر شاكر السياب، دراسة أسلوبية لشعره، 86.

(14) بدر شاكر السّياب، دراسة أسلوبية لشعره، 86.

(15) التناص الأسطوري في شعر محمود درويش، مفيد نجم، مجلة نزوى، ع 59، 2009، 114.

(16) الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، عز الدين إسماعيل، 200.

(17) ينظر: مرايا المعنى الشعري، أشكال الأداء في الشعرية العربية من قصيدة العمود إلى القصيدة التفاعلية، د. رحمن غركان، 223.

(18) المصدر نفسه، 223.

(19) مقالات في الشعر الجاهلي، يوسف اليوسف، 298.

(20) ينظر: مثل هذه الرموز، نظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل، 312، 313.

(21) الصورة الأدبية، د. مصطفى ناصيف، 155.

(22) ينظر: بدر شاكر السياب، دراسة أسلوبية لشعره، 87.

(23) الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، نظرية وتطبيق، عبد الله الغذّامي، 125.

(24) لقاء مع الشاعر في مقهى الصياد في مدينة السماوة، بتاريخ 10/12/ 2012، الساعة، 5: 3 مساءاً.

(25) بعيداً عني قريباً منك، يحيى السماوي، 30.

(26) ينظر: بعيداً عني قريباً منك، 30.

(27) المصدر نفسه، 139، 140، 141.

(28) المصدر نفسه، 97، 98.

(*) أحد أبرز المثقفين الشيوعيين العراقيين الذي أستهدف من قبل أعداء الثقافة في عام 2008م.

(29) لماذا تأخرت دهراً ؟،11 يحيى السماوي، 12.

(30) لسان العرب، ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري (ت: 711هــ)، مادة (كمل)، 11 / 598.

(31) ينظر: وعي الحداثة (دراسة جمالية في الحداثة الشعرية)، 80.

(32) المصدر نفسه، 80.

(33) ينظر: التصوير الشعري الحالة الشعورية وأدوات رسم الصورة، عدنان حسين قاسم، 138.

(34) قراءة في ديوان هذه خيمتي.. فأين الوطن، د. حسن فتح الباب، تجليات الحنين، د. ماجد الغرباوي، 1/ 96.

(35) الصورة الأدبية، 155.

(36) ينظر: بلاغة النص، مدخل نظري ودراسة تطبيقية، د. جميل عبد المجيد،67.

(37) الرحمن، 11.

(38) ق، 10.

(39) كتاب النخلة، لأبي حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني (ت: 255هـ)، تحقيق: حاتم صالح الضامن، 9.

(40) البكاء على كتف الوطن، يحيى السماوي، 171، 172. وينظر مثل هذه الرمز: بعيداً عني قريباً منك، 227، هذه خيمتي فأين الوطن، يحيى السماوي، 139.

(41) ينظر: صورة النخل في العصر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، صالح علي سليم الشتيوي، مجلة جامعة الملك سعود، م 19، الآداب 2، 2007م، 279.

(42) ينظر: الشعر العربي المعاصر قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، 219.

(43) تعالي لأبحث فيك عني، يحيى السماوي، 46، 47، وينظر: هذه خيمتي فأين الوطن، 109، 110،

(44) ينظر: صورة النخل في العصر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، 285.

(45) لماذا تأخرت دهراً، 138، 139.

(46) تعالي لأبحث فيك عني، 8.

(47) تعالي لأبحث فيك عني، 39، وينظر مثل هذا الرمز، 9، 67، 68، 90، 91، 102، لماذا تأخرت دهراً، 19، نقوش على جذع نخلة، 145، بعيداً عني قريباً منك، 89، 168.

(48) لقاء مع الشاعر في مدينة السماوة في مقهى الصياد بتاريخ، 18/ 11/ 2012، في تمام الساعة: 5 مساءاً.

(49) ينظر: بدر شاكر السياب دراسة أسلوبية لشعره، 125.

(50) ينابيع الرؤيا، جبرا إبراهيم جبرا، 141.

(51) ينظر: أثر التراث في الشعر العربي المعاصر، د.علي حداد، 240.

(52) أشكال التناص الشعري، دراسة في توظيف الشخصيات التراثية، أحمد مجاهد، 191.

(53) استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، د. علي عشري زايد، 75.

(54) هذه خيمتي فأين الوطن، 166.

(55) تعالي لأبحث فيك عني، 105، 106، وينظر مثل هذا الرمز، 5، الأفق نافذتي، 59.

(56) أبو ثقيف، قسي بن منبه بن النبت بن يقدم من بني آياد (ت: 575م)، وهو جاهلي، اختلفوا في تسميته ونسبه ومنشأه، حتى ذهب كاتب لترجمته في دائرة المعارف الإسلامية إلى أنَّه (شخصية أسطورية)، وهو صاحب القبر الذي حلت عليه اللعنة ومازال يرجم إلى يومنا هذا. ينظر: الأعلام، خير الدين الزركلي (ت: 1396م)، 5/ 198.

(57) نقوش على جذع نخلة، 129.

(58) لماذا تأخرت دهراً، 133، 134.

(59) الشعر العراقي الحديث 1945ـ 1980في معايير النقد الأكاديمي العربي، د. عباس ثابت حمود 174.

(60) ينظر: استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، 101.

(61) بعيداً عني قريباً منك،150، 151.

(62) ينظر: الاتجاه التصويري في الشعر العراقي الحديث (1974ــــ 1969)، تغريد موسى علي، أطروحة دكتوراه، الجامعة المستنصرية، 2004م، 264، والتجربة الشعرية الجديدة، 453.

(63) دير الملاك، دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشعر العراقي المعاصر، د. محسن أطيمش، 222.

(64) استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، 120.

(65) تطور الشعر العربي الحديث في العراق، اتجاهات الرؤيا وجمال النسيج، علي عباس علوان، 264.

(66) البكاء على كتف الوطن، 90.

(67) المفارقة التصويرية هي ((تكنيك فني يستخدمه الشاعر المعاصر لإبراز التناقض بين طرفين متقابلين بينهما نوع من التناقض.. والتناقض في المفارقة التصويرية فكرة تقوم على استنكار الاختلاف والتفاوت بين أوضاع كان من شأنها أن تتفق وتتماثل))، عن بناء القصيدة العربية الحديثة، 130.

(68) ينظر: جماليات القصيدة الإسلامية المعاصرة، الصورة ـ الرمز ـ التناص، د. رابح بن خوية، 176.

(69) نقوش على جذع نخلة، 114.

(70) قليلك لا كثيرهنَّ، يحيى السماوي، 11.

(71) بعيداً عني قريباً منك، 228.

(72) قليلك لا كثيرهنّ، 113، 114، 115.

(73) ينظر: استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، 146.

............

روافد البحث

القرآن الكريم.

أثر التراث في الشعر العربي المعاصر، د. علي حداد، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1986م.

استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر، د. علي عشري زايد، دار الفكر العربي، القاهرة، 1997 م.

أشكال التناص الشعري، دراسة في توظيف الشخصيات التراثية، احمد مجاهد، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مصر، ط1، 1998م.

أصول الرمز في الشعر الحديث، أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، حائل، السعودية، ط1، 1398هـ.

الأعلام، خير الدين الزركلي (ت: 1369 م)، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط5، 1980م.

الأفق نافذتي، يحيى السماوي، استراليا، 2003م.

بدر شاكر السياب، دراسة أسلوبية لشعره، د. إيمان محمد أمين الكيلاني، دار وائل للنشر، عمان، الأردن، ط1، 2008م.

بعيداً عني.. قريباً منكِ، يحيى السماوي، دار الينابيع، دمشق، ط1، 2011م.

البكاء على كتف الوطن، يحيى السماوي، التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، ط1،2008م.

بلاغة النص، مدخل نظري ودراسة تطبيقية، د. جميل عبد المجيد، دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، 1999م.

تجليات الحنين في تكريم الشاعر يحيى السماوي، ماجد الغرباوي، دار الينابيع، دمشق ــ سوريا، ط1، 2010م.

التصوير الشعري، الحالة الشعورية وأدوات رسم الصورة، عدنان حسين قاسم، ليبيا، ط1،1980م.

تطور الشعر العربي الحديث في العراق، اتجاهات الرؤيا وجمال النسيج، د. علي عباس علوان، منشورات وزارة الإعلام، العراق، ط2، 1975م.

تطور الصورة الفنية في الشعر العربي الحديث، د. نعيم اليافي، صفحات للدراسة والنشر، دمشق، ط1، 2008م.

تعالي لأبحثَ فيكِ عنّي، يحيى السماوي، مؤسسة المثقف العربي، استراليا، ط1،2012م.

جماليات الأسلوب (الصورة الفنية في الأدب العربي)، د. فايز الداية، دار الفكر المعاصر، دمشق، ط2،1411هـ.

جماليات القصيدة الإسلامية المعاصرة، الصورة ــ الرمز ــ التناص، د. رابح بن خوية، عالم الكتب الحديث، إربد، الأردن، ط1، 2013م.

الخطيئة والتفكير من البنيوية إلى التشريحية، نظرية وتطبيق، عبد الله الغَذّامي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط6، 2006 م.

دير الملاك، دراسة نقدية للظواهر الفنية في الشعر العراقي المعاصر، د. محسن أطيمش، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط2، 1986م.

الرمز والرمزية في الشعر المعاصر، محمد فتوح احمد، دار المعارف، مصر، ط2، 1978م.

زمن الشعر، أدونيس، دار العودة، بيروت، ط2، 1978م.

الشعر العراقي الحديث 1945ـ 1980 في معايير النقد الأكاديمي العربي، د.عباس ثابت حمود، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 2010م.

الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، د. عز الدين إسماعيل، دار العودة، بيروت، 2007م.

الصورة الأدبية، د. مصطفى ناصف، دار مصر للطباعة، (د. ت).

الصورة الشعرية وجهات نظر غربية وعربية، د. ساسين عساف، دار مارون عبود، بيروت، 1985م.

عن بناء القصيدة العربية الحديثة، د. علي عشري زايد، مكتبة ابن سينا، القاهرة، ط4، 2002م.

عيناكِ لي وطن ومنفى، يحيى السماوي، دار الظاهري للنشر، جدة ـــــ السعودية، ط1، 1415هـ.

في حداثة النص الشعري، د. علي جعفر العلاق، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1990م.

قليلكِ.. لا كثيرهُنَّ، يحيى السماوي، استراليا، 2006 م.

كتاب النخلة، لأبي حاتم سهل بن سهل بن محمد بن عثمان السجستاني (ت: 255هـ)، تحقيق: حاتم صالح الضامن، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، ط1، 2002م.

لسان العرب، ابن منظور، محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري (ت: 711 هـ)، دار صادر بيروت، لبنان، ط1، (د. ت).

لماذا تأخرتُ دهراً ؟، يحيى السماوي، دار الينابيع، دمشق، سوريا، ط1،2010م.

مرايا المعنى الشعري، أشكال الأداء في الشعرية العربية من قصيدة العمود إلى القصيدة التفاعلية، د. رحمن غركان، دار صفاء للنشر، عمان، ط1،2012م.

مقالات في الشعر الجاهلي، يوسف اليوسف، دار الحقائق للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط2، 1981م.

موسوعة المصطلح النقدي، ترجمة، د. عبد الواحد لؤلؤة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، لبنان، ط2، 1978م.

نظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل، دار الشروق، القاهرة، مصر، ط1، 1998م.

نقوش على جذع نخلة، يحيى السماوي، التكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، ط2،2007م.

وعي الحداثة (دراسة جمالية في الحداثة الشعرية)، د. سعد الدين كليب، من منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1997م.

هذه خيمتي فأين الوطن، يحيى السماوي، استراليا، ط1، 1997م.

ينابيع الرؤيا، جبرا إبراهيم جبرا، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1979م.

الدوريات:

التناص الأسطوري في شعر محمود درويش، مفيد نجم، مجلة نزوى، مؤسسة عُمان للصحافة والنشر، مسقط، سلطنة عمان، ع 59، 2009م.

الرمز في الشعر، صالح درويش، مجلة الأقلام، بغداد، ع 5، 1968م.

صورة النخل في العصر العباسي حتى نهاية القرن الرابع الهجري، صالح علي سليم الشتيوي، مجلة جامعة الملك سعود، ع 2، 2007م.

الرسائل والأطاريح الجامعية:

الاتجاه التصويري في الشعر العراقي الحديث: 1947 ــــ 1969 م، تغريد موسى علي، أطروحة دكتوراه، الجامعة المستنصرية، 2004م.

اللقاءات مع الشاعر:

- لقاء مع الشاعر في مقهى الصياد في مدينة السماوة، بتاريخ 18/ 11/2012م، في تمام الساعة، 4 مساءاً.

- لقاء مع الشاعر في مقهى الصياد في مدينة السماوة، بتاريخ 10/ 12/ 2012، في تمام الساعة، 5: 3 مساءاً.

 

1083 الشاعرةالشعر هذي الأكوان الضاجة بما هي ألوان الذكرى.. أو بشيء منها..

الشعر.. هذا الآخذ بالدواخل والشواسع يقتحم الوجود بالأمكنة والتفاصيل والعناصر وهي تنحت ظلالها قولا بالكينونة وتقصدا لرسم ذات كما بدت لتصير كما يرام لها.. الشعر في هذا المعترك يبتكر ازميله ومعاوله وخيال كائناته في هذا الكمال  مفتوح والمتراكم من المعاني والكلمات متعددة الدلالات والمرامي..

  ثمة نهر من الحنين.. ثمة أمنيات جمة.. ثمة ذاكرة تملي كنهها على الشاعر تدعوه للأخذ بناصيتها طوها وكرها.. كتابة ومحوا.. ونظرا ونسيانا..

الذاكرة من الألوان المؤثرة في الشهر .. في الكتابة عموما باعتبار ما تحمله في كونها الجزء الهام في مكونات الذات في علاقاتها بالآخرين .. ومنهم حضرة السيد الزمن..

زمن وأزمنة تنحت أفعالها في اليومي المتراكم الذي تتغذى منه اللحظة الابداعية.. ومنها لحظة الكتابة..

ماذا تفعل الذات الشاعرة تجاه الذاكرة كمعطى ثقافي شعري بالأساس.. كيف تقيم القصيدة علاقاتها مع السيدة الذاكرة وهي تنكتب ..

الشعر والذاكرة.. هذا ما يقودنا الى طرحه وتذكر أسئلته الديوان الشعري الصادر مؤخرا بالقاهرة ..في هذه الرحلة المفتوحة على الكتابة والمفتونة بها منذ كتابها الأول " غواية السكين "..

هذا الديوان هو للشاعرة المجتهدة والاعلامية وعنوانه " شيء من الذاكرة " وفي حوالي 95 صفحة من القطع المتوسط وعن دار الأديب للنشر والتوزيع بالقاهرة.. الشاعرة ابتسام الخميري ضمنت في عملها الشعري هذا أكثر من ثلاثين قصيدة بين النثري والحر والعمودي ومن القصائد نذكر " شيء من الذاكرة " و" ارهاصات الزمن الآفل " و" لذة الاشتهاء " و" الأفعى الغربة " و" تراتيل الوجد الآبق " و" حديث إلى والدي" و" ربما " و" على سطر الحياة " و" على قارعة المصير " و" لست أغار" / و" ولي صور أخرى " و" اجهاض على رخام العشق " و" المساء الأخير " و" إلى عليسه " و" انبهار الأريج و" و" بوابات أخرى.. للحياة و" عبق الحياة " و" فلنغني للحياة " و" همس الاشتياق " و" مرافئ الوجد " و" نداء وعوي " و" إلى درة في الوجود " و" أهيم بوجدي " ..

قصائد تمضي الى الحال فيحلها وترحالها.. في تشظيها الراهن تقول بالذاكرة على سبيل السلوى وهنا تتداخل تلوينات الشجن بالحلم والرومانطيقية والألم المعطر بالأمل .. وهكذا.. هي فوضى العوالم تبتكر كلماتها في شيئ من هدوء القصائد الضاجة بالذات الشاعرة وهي تنشد خلاصها الشعري وبالكتابة وشؤونها وشجونها..

في هذا السياق نذكر قولة "بورخيس" في كون (الذاكرة ليست مجموعا، إنها فوضى بإمكانات لا نهائية).. وفي حيز من هذه العلاقة بين الشعر والذاكرة يقول الشاعر المغربي رشيد المومني في مداخلة له عن "الشعر والذاكرة في تفكيك الملتبس " والتي نشرت بصحيفة الاتحاد الاشتراكي بتاريخ 06 - 06 – 2014 " .. اشتغال كل من الشعر والذاكرة على أرضية استراتيجية مشتركة، تهدف إلى التخفيف من حدة العنف الوجودي والميتولوجي الناتج عن ذلك المحو المادي والرمزي الذي تمارسه وبإتقان تام آلة الزمن على الكائن، من خلال ميلهما معا -كل بطريقته الخاصة-إلى إنتاج زمن مغاير، معزز بديناميته وحركيته، ومهيإ للديمومة، بفعل قابليته للاستعادة والمعايشة المتجددة، والمستندة على تملكه المضاعف لسلطتي التذكر والتخييل، بخلاف الزمن الطبيعي المتسم بصيرورة منذورة إلى زوالها في قلب منافي اللاعودة، التي هي المقابل الموضوعي لمدافن الماضي ، الشيء الذي يمنحنا الحق في القول إن زمن الذاكرة المستعاد، ومعه زمن الشعر، هما السكن الرمزي الذي تطمئن إليه الذات، كشكل من أشكال تسييج كينونتها وحمايتها من الفقد الجارف الذي يهدر به مجرى الزمن الطبيعي. وهي شبه قناعة تجعلنا نحسم باستحالة مقاربة كل من الشعر والذاكرة خارج مقولات الزمن ومنظوماته المتعددة.. في السياق ذاته ، تجب الإشارة إلى حضور مسارين متقابلين، يمتد أحدهما من الشعر إلى الذاكرة التي تتكفل بضمان بقائه واستمراريته استنادا على عامل التجميع والتوثيق والتأريخ والتصنيف والتقييم، فيما يمتد المسار الثاني من الذاكرة إلى الشعر، حيث تتحقق عبره لعبة الإبداع الشعري التي تعتبر الذاكرة إحدى مصادرها الملتبسة، وإحدى أهم روافدها الأساسية المؤثرة في توفير إواليات وجودها وكينونتها. وفي كلا المسارين، تأخذ الذاكرة شكل وسيط يقود الشعر إلى تلك الإقامة الآمنة التي تضمن له إمكانية حفظ ما تراكم لديه من ودائع قد تكون عرضة لضياعها، سواء في حالة غياب الدليل، أو في حالة ضياع المكان ذاته. كما تكون الذاكرة ذاتها، دليلَ كل شعر متوجس من قلق التيه إلى بوابة نجاته المحتجبة في مكان ما بخلفية ليل الغابة. في ضوء هذه الاحتمالات ربما، يكون استدعاء الذاكرة مطلبا حتميا، ( ....) ذاكرة تجدد ذاتها بفتنة النسيان والفراغ والمحو والصمت أيضا. وليس ذاكرة معلبة مغلقة مستبدة بشلل الكائنات المتراكمة في دهاليزها القوطية البناء. أيضا يمكن القول، في لحظة الكتابة، تختفي الذات دون أن تنمحي طبعا ، كما تختفي الذاكرة، الجسد والزمن، ولا يبقى هناك سوى تلك اليد الثالثة، التي تتخبط على بياض صفحة ممسوسة، بقسوة النسيان ولذته، أو هكذا يخيل لي..."

من هنا نجد هذه الخصوصيات في العلاقة بين الشعر والذاكرة والتي يهم كل شاعر النظر اليها من زاويته الكتابية الخاصة حيث ذهبت الشاعرة ابتسام الخميري في هذه المجموهة التي نحن يصددها الى قول الذات وهي تفيد من ذاكرتها وفق كتابة شعرية تتنفس الحاضر بتفاصيله تبتكر له ذاكرته الآنية..هموم الكائن وأوجاع الوطن والحلم المتعثر الآن وهنا ..

من ذاكرة السنين الى راهن الذاكرة حيث البحث في الدروب بين العناصر والتفاصيل

في قصيدة "شيء من الذاكرة "تقول:

 " انتظرت ..

منذ آلاف السنين

والعمر يمضي

كسحابة وقت الهجير

هي

غيمة كانت هنا..

منذ آلاف السنين

...

و بحثت ..

بين أعشاش الطيور

بين أشجار الرياحين

وبين الجبال والسدود..

وصرخت

من رأى حلمي الوحيد

ها هنا.. كان يغني للحياة

ها هنا.. كان يرقص... "

في هذا العنفوان من الألم الكوني والقلق الانساني في كون متحول وعولمة شرسة تتهدد الالكائن في ألفته وهدوئه وألوان خصوصباته وصوره الأخرى تمضي الشاعرة في قصائدها ديدنها نحت هيئات أخرى للأمل والحرية وممكنات المجد الانساني الوجداني لتنبثق الأغنيات من دروب القلق .. تقول الشاعرة الخميري في قصيدة "و لي صور أخرى"

".. كلما رقصت

أنبش جراحي

و تضيع أعنياتي..

.....

كلما أمطرت

تساقطت آلامي

وارتسمت آهاتي..

على ثوب القلق.."

هي الشاعرة تنبش في ذاكرة الوقت تعلن مسراتها ة آلامها وفي هذا الراهن تستعيد شيئا من الأمنية والأغنية بين ثنايا الجمال والرقص والحلم..تبتكر أسماء دروبها وهي تخاطب عليسة.. في قصيدة " الى عليسة" تقول الشاعرة ابتسام الخميري

"...أنت

جمال البقاء.. ورقص الخواء

وبرد ينز بحلمي..بدربي

وأنت الغناء.."

" شيء من الذاكرة "..القصائد بعين القلب ووجدان الحال.. فنحن ازاء عمل هو بمثابة الكون الشعري لذات شاعرة تسافر في الدواخل والشواسع بالكلمات تبتكر وفقها ايقاعها لتأخذنا طوعا وكرها الى شجنها ونواحها الخافت وهي تواصل طريقها المحفوفة بالشعر وقلقه الدائم حيث لا يقنع الشاعر بغير البحث ونشدان التجدد تقصدا لحياة تتجدد.. مع كل صباح..

كلما أمطرت / تساقطت آلامي / وارتسمت آهاتي / على ثوب القلق.. فعلا هي صور أخرى من الشعر المسكون بالشجن والذكرى.. الشعر هذي الأكوان الضاجة بما هي ألوان الذكرى .. أو بشيء منها..من الذكرى.. تجربة صادقة مميزة حيث الشعر هذا الترجمان النادر تجاه العناصر والأشياء يحاورها الشاعر ويحاولها نحتا للهبوب والخلاص في كون مربك يطلب فيما يطلب شيئا من الذاكرة على سبيل العزاء والسلوى... الحلم.. نعم الحلم ديدن الشاعر في حله وترحاله الملونين بالىه والشجن المبين.. مرحى للقصائد تكتب الذات بل تدعوها للأمل والانطلاق الجديد ولا مجال لغير الحلم الدفين المتجدد وللذكرى..

 

شمس الدين العوني

 

عدنان حسين احمدتنفرد رواية "ربيع التنّومة" لقصي الشيخ عسكر بمقاصصة الذهنيتين القامعة والمقموعة في آنٍ واحد، إذ ينهمك المؤلف بتفكيك طرَفَيّ المعادلة من دون التركيز على الضحيّة وإهمال الجلاد. كما تُعدّ هذه الرواية أنموذجًا للأدب "السوداوي" الذي يفحص الشخصية العراقية ويضعها على مِحك الاختبار لدراسة عُقَدها النفسية والاجتماعية والثقافية أو تلك الإشكالات التي تنبثق من التاريخ والجغرافية مثل "عُقدة السندباد" الذي يركب المخاطر والأهوال من دولة تمتلك بالكاد منفذًا بحريًا صغيرًا على الخليج العربي. لا تسلمْ الشخصيات الأخرى من العُقد النفسية وربما يكون عبدالله عبدالرحيم، الموظف في مديرية العدل هو الأنموذج المثالي الحامل لعُقدة النقص، فهو أعرج لكنه تنكّبَ بندقية خالية من الرصاص ونزل بها إلى شوارع "التنّومة" المنتفضة مثل بقية المدن الجنوبية التي ثارت عن بكرة أبيها ولعله أخذ بنصيحة المعلِّم كامل الرامي الذي يقول: "ليس بالضرورة أن يشعر كل ذي عاهة بعقدة، تيمورلنك الأعرج احتلّ العالم، وموشي دايان "دحر" 150 مليون عربي في ستة أيام حسوما" فليس من المستغرب أن يُهزِم عبدالله الأعرج لواءً مدرّعًا بكامله لأنه استعمل كلمات حماسية بسيطة من قبيل "أيها اللواء البطل، لقد انهار الجلاد والثورة تشتعل" ليتوراى الجنود والضباط في لمح البصر.

تنطوي "ربيع التنّومة" الصادرة عن مؤسسة المثقف العربي في سيدْني بالتعاون على سيرة مدينة منتفضة، وسيرة مواطن قرّر أن يناهض حكومة البعث لكنه سقط في فخّ الجلادين وأوشك أن يفقد حياته لولا مصادفة انتقال "أبو درع" إلى سجن الرضوانية، الضابط البدوي الذي يجمع في طوّيته بين ازدواجية العنف والطيبة، وهذه عُقدة أخرى تنضاف إلى العُقد السابقة لشخصيات النص السردي الذي يتناول مرحلة دقيقة وحرجة من تاريخ الشعب العراقي الذي انسحق غير مرة بسبب صراع الأحزاب السياسية على السلطة والثروة.

 تسترجع الرواية القادة العراقيين الذين طالبوا بتبعية الكويت إلى العراق أمثال الملك غازي، والزعيم عبد الكريم قاسم لكن صدام حسين هو الذي ضمّها بساعات معدودة، شبّهها الراوي بملخّصٍ لحرب دامت ثماني سنوات، ووصفها ساخرًا بمُقدمة لكتاب اسمه "تحرير فلسطين"! إنّ ما يهمنا من الأحداث التاريخية في هذه الرواية هو الانتفاضة التي انطللقت شرارتها من "ساحة سعد" بالبصرة في 3 آذار 1991 وامتدت مثل النار في الهشيم إلى 14 محافظة عانت الأمرّين من حُكم الطاغية الذي قمع كل العراقيين الذين وقفوا في الخندق المناوئ له ولحزبه الفاشي الذي تخلّق بأخلاق الجلاد.

ومن بين حوادث الثأر والتصفيات الجسدية الكثيرة ركزّ الراوي على مسؤول الفرقة الحزبية راجي المزروع الذي لم يتوارَ مثل بقية البعثيين وإنما ظلّ في داره وكأنه يتحدى الجميع رغم انهيار المؤسسات الأمنية والعسكرية فتعرّض للقتل حتى أنّ جسده أصبح منخلاً لكنهم لم يأخذوا العائلة بجريرته فتركوها تلوذ عند الأخيار. لابد من التوقف عند عنف الشخضية العراقية وقسوتها، فبعد أن أصبح المزروع جثة هامدة تغرق في بِركة من الدماء بدأ أحد المنتفضين يدعك وجهه بحذائه، وآخرون يبصقون عليه، وثالث موتور، فقدَ خمسة من ذويه بتُهم متعددة يرقص على صدره، ويزعق متشفيًا من دون وعي: "أديروا وجوهكم فلن أجد مرحاضًا أبول فيه غير هذا". ومع أنّ المجتمع العراقي يقرّ بأنّ "إكرام الميت دفنه" إلاّ أنّ المنتفضين بالغوا في الإساءة إلى الميت الأمر الذي يُذكِّرنا بالمصائر المُفجعة للعائلة المالكة وما عانوه من قتل وسحل وتشويه امتدّ بعد بضع سنوات ليطال الزعيم نفسه ومئات اليساريين الذين عمّدوا بدمائهم تراب الوطن. غير أن الراوي يدين هذا التصرّف الوحشي الفظ حين يقول: "أشحتُ بوجهي عن المشهد، وآمنتُ حقًا بأنّ صفحة معتمة لطفولتنا تنتهي وفق تلك الطريقة البشعة من العنف".

يتسع الفضاء السردي شيئًا فشيئًا، وتتعدد الشخصيات رغم أن الأحداث تتمحور حول عبد الله "الأعرج"، الشخصية الرئيسة التي تحضر بقوة منذ مستهل الرواية حتى نهايتها، فنتعرف على أبيه عبدالرحيم الذي مات في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وعلى أمه جميلة التي لا تتذكّر شيئًا سوى ابنها أحمد الذي ذهب في بعثة دراسية إلى ألمانيا قبل الحرب ولم يعد، وسوف تموت بعد أن تعرّض مُلحق المستشفى إلى ضربة جوية. وهناك شقيقتاه الكبرى والصغرى وصهره. ولو خرجنا من نطاق الأسرة ستُدهمنا شخصية المعلّم كامل الرامي الذي يرى الحياة من زاويته الخاصة التي لا تتناغم مع رؤية الآخرين وتصوراتهم. فبينما كانت الناس تنهب في دوائر الدولة ومؤسساتها كان هو يفتش عن كتاب مهم أو وثيقة سريّة. لم تتضح نتائج الانتفاضة ففي يومها الثاني غطّت صور المعمّمين العراقيين والأجانب حيطان المدينة، وبعد مقتل المزروع وضابط الأمن التكريتي، وقصف جسر التنّومة بدأت ملامح القصة الغامضة تتضح بعد أن تصافح الجنرالات في "خيمة صفوان" بينما كان المنتفضون يعتقدون أن الأميركان "سيلتقطون صدام مثلما تلتقط البوم جرذًا من ذيله". لكن العكس هو الذي حدث تمامًا، فقد عاد البعثيون بشراسة أكبر، وعادت صور صدام إلى الجدران الأمر الذي دفع عبدالله وصهره لأن يُلقيا البنادق في بالوعة المرحاض. لقد اندحرت الانتفاضة، وبدأت المجازر من جديد. لم يهرب عبدالله وعائلته إلى إيران مثلما فعل بعض العوائل فقد آثر البقاء، وأصبح ضحية لرجال الفرقة الحزبية، والعناصر الأمنية التي تفتش في ضمائر المنتفضين وعقولهم.

يتعرّض عبدالله "الأعرج" في القسم الثاني من الرواية إلى الاعتقال بعد أن دهمه عناصر الأمن واقتادوه إلى السجن. وفي التحقيق يُتهم بأنه مسؤول عن إذاعة شط العرب، وأنّ اعترافه بهذه التُهمة يعني الإعدام، وتأكيد جريمة صهره، ومعلّمه كامل الرامي، فلم يكن أمامه إلاّ الإنكار رغم بنيته الواهنة، وقدمِه العرجاء المتنمِّلة. يمرّ عبدالله بثلاثة سجون تتشابه في قسوتها وهي سجن "شط العرب" وسجن "البصرة المركزي" وسجن "الرضوانية" في بغداد وثمة سجن فرعي في مستشفى تابع للرضوانية يُديره نائب ضابط أكثر وحشية من السجون الثلاثة التي حُشِر بها وذاق مرارتها، فهذا الجلاد يُوسع ضحاياه ضربًا حتى يسقط لاهثًا على الكرسيّ من الإعياء. لم يتركوا نوعًا من التعذيب إلاّ ومارسوه مع عبدالله الأعرج إلى أن يظهر "أبو درع"، وكيل المسؤول الأمني في السجن فيدقق ملفه من جديد ويخلي سبيله لأنه وجد صفحته بيضاء ناصعة رغم التُهم الموجهة إليه فيستعيد عبدالله حريته ويدرك بأنه أمضى أقسى ثلاثة شهور في حياته.

قبل أن نختم المقال لابدّ من الإشارة إلى ملحوظتين أساسيتين، الأولى تتعلق بتجريد العراق من الإطلالة البحرية مع أنّ القاصي والداني يعرف جيدًا أن مدينة الفاو مطلّة على رأس الخليج العربي وأنّ خورعبدالله هو المنفذ الوحيد على البحر، فليس من المعقول القفز على هذه الحقيقة التاريخية والجغرافية بالقول إنّ العراق لا ساحل له منذ زمن هارون الرشيد حتى الوقت الحاضر. أما الملحوظة الثانية فتتعلّق بأبي درع الذي يجمع بين الطيبة والعنف في سجن الرضوانية الذي كان يضم المناوئين لحكومة البعث فأقول لك بثقة شبة تامة بأنّ النظام السابق لا يسمح بوجود جلادين يمكن أن يتعاطفوا مع الضحايا مهما كانت درجة براءتهم وأن وجود هذا الشخص يُربك مصداقية العمل الروائي.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

جمعة عبد اللهالقصص القصيرة جداً، جنس ادبي يعتمد على اسلوبية خاصة ومتميزة، في الكمية والكيفية. الاولى تلتزم في الصياغة المركزة بالتركيز والتكثيف في لغة السرد المركزة. والثانية الكيفية تعتمد في ابراز الحدث والفكرة في الرؤية التعبيرية الدالة في الايحاء والرمز في البنية النص في المنظور السردي وافاقه المتعددة الاغراض. والاديب حميد الحريزي، بارع في التقنية الاسلوبية والتعبيرية في هذا الفن، ويحشر رؤيته الاجتماعية والسياسية في النص. وفي تناول مفردات الواقع، والغوص في اعماقها لكشف شفراتها في الايحاء والرمز الدال، ويكشف من خلال النص تناول ثيمات الواقع، التي تزاحمت عليه العيوب والزيف والفساد والنفاق والرذيلة والجشع الاناني. ويكشف من خلال الرؤية الفكرية افرازات الواقع، التي قادته الى التأزم والخناق الحياتي، لذلك يحاول كشف عورات وعيوب هذه الافرازات السلبية، التي فرضت نفسها بقوة على الواقع، ورمته الى أتون المعاناة والجحيم. وان الاديب ينشغل في ابراز التساؤل في دهشة النص المأزوم، واظهار التنافر والتناقض والازدواجية في التعاطي، لكي يأخذ النص المعنى الدال في المضامين الاجتماعية والسياسية والدينية. في الرصد الوعي، في التشخيص والتجسيد والتفسير. ان يبرز هذه العيوب على الملاء، بالفضح والاستهجان، بصيغة السخرية التراجيدية، او في المأساة السوداء، التي تعمل على الانهزام والاحباط والتأزم. حقاً غزت الواقع خصائل او مظاهرة غريبة وهجينة، في الفساد والنفاق في الدين والتدين. يعني انه يكشف هذا الانحراف الذي يخنق الانسان الذي بشر به المحتل في بيوضه التي تفقست ثعابين وافاعي، وجعلت الحياة ارهاق حياتي، وخاصة على الشرائح الشعبية والفقيرة، يكشف المناخ السياسي المتلوث والموبؤ، بالنفاق والتلون الانتهازي كالافعى الحرباء، التي تغير جلودها. حسب المناخ والحاجة في العرض والطلب، في التصرف والسلوك الذي ينتقل من ضفة الى ضفة اخرى، بالسخرية التراجيدية. هذه الرؤية الفكرية والتعبيرية في نصوص المجموعة (المصابيح العمياء) والاديب يتخذ الموقف الواعي والناضج في الانحياز الى الانسان ومظالمه وجحيمه. شجب الزيف والنفاق اسلوب ساخر ومستهجن. يحاول ايصال شفرة النص الدالة الى القارئ. في الرؤية الفكرية. لذلك ان القصص القصيرة جداً. تحمل ابداع ورؤية. لذلك نتمعن في بعض ابرز النصوص في المجموعة، التي احتوت على اكثر من 50 نصاً من القصص القصيرة جداً. ويمكن اجمالها في هذه العناوين البارزة :

1 - التجاة في الدين والتدين : ابراز مكامن النفاق والزيف واللصوصية. هذه السلوكية الجديدة التي جلبتها البيوض الاسلامية التي تفقست الى افاعي وثعابين جشعة وانانية. وانتهجت اسلوب التتعاطي بالازدواجية، في مظهرها المخادع، في الامتثال الى التدين والتقوى والتمسك في فروض الدين والصلاة في الظاهر. وفي الباطن الوجه الشيطان والثعلب الماكر، في الفساد والرذيلة والجشع الاناني، واشباع النزوات الشاذة والغريبة. هذه الافاعي التي جاءت مع المحتل، واستلمت السلطة والحكم، يحكمها نهج وعقلية الترهيب والترهيب، كأنها تفقست من عقلية النظام الساقط. وكذلك في شراء النفوس الضعيفة، والذمم الرخيصة من الاقلام المأجورة. لكي يتصاعد الجحيم والفقر في الحياة الى الاعلى. متل اقصوصات (جلد الافعى) و(عطر الحياة) و(خارج الحساب) و(التفئير) التي يدل نصها على عميات الفساد والاختلاس والاحتيال، محملة بالحقائب الدولارية. وكذلك في (الفوز) عن عفونة الديموقراطية عن استبدال احشاء صناديق الانتخابات، بصناديق أخرى لكي تضمن الفوز الكامل لها. وكذلك في القصة القصيرة جداً التي تحمل عنوان المجموعة (المصابيح العمياء) عن السخرية التراجيدية السوداء. في الابهار المخادع في المظهر الخارجي، والانجراف اليه بشهوة واشتياق، لكنه يعرف اخيراً انها زوجته التي يلاحقها ويطاردها بنزواته، لذلك لابد من تغيير مصابيح غرفة نومة. وكذلك (اللهم أني صائم) يكنزون المال بجشع ويتابهون به، الىشقاء على الاخرين، او على حساب دموع الثكالى والفقراء والايتام. وكلك في (القناع) يفرح بزهو وتباهي وهو يحمل قرار المحكمة، بتخلي المؤجرين الدكاكين المحيطة بجامعه، بطردهم، لعدم قدرتهم على دفع الزيادة في الايجار. وكذلك اقصوصة (المحاضر) يتحدثون في وسائل الاعلام والفضائيات والمحاضرات الجماهيرية. عن حق المرأة وحريتها ومكانتها في المجتمع. ولكن حين يستلم الجوائز من هذه الانشطة الاعلامية، يعرج على سوق الحريم ليشتري المزيد والمزيد من (الحاجبات). او مثل قصة (التفتت) تغيير الجلود وانتقال من ضفة الاخرى. يعني من ازلام النظام السابق، الذين مارسوا الوحشية والاغتصاب، تحضر ابنة الشهيد الحزب، لتجد الرفيق المسؤول الذي يقدمها الى رفاق الحزب، هو نفسه الذي قتل والدها واغتصب امها، فتصرخ بجزع واستنكار، وكذلك في (صلاة الثعالب) وبقية القصص القصيرة في هذا العنوان البارز.

2 - عن الجحيم الحياتي في الحيف والظلم والانسحاق. في الايحاءات التعبيرية في المعنى والترميز البليغ. في عدم القدرة في توفير الخبز العيش المر، ضمن الجحيم الحياتي، وهذه الضائقة الشاقة تدفع الانسان الى الانتحار او الحرق، احتجاجاً على الواقع الظالم واللاعادل، في صورة (بوعزيزي) الدالة على رفض الظلم الحياتي، التي تؤدي الى انهزام الانسان، مثل القصص القصيرة جداً (الشيب المكهرب) و(الرأس المفجوع) و(فواتير) تتزاحم الفواتير عليه، ويجد نفسه في حالة العجز في تسديدها، ضمن الضائقة المعيشية، لم يستطع توفير رغيف الخبز لعائلته. لذا يتطلع الى صورة (بوعزيزي) مستلهماً اشارة قبول منه، ليتخلص من احمال الحياة الثقيلة في الشقاء والمعاناة. وكذلك اقصوصة (أمنية) بعدم قدرته مواكبة الحياة، بعدما سدت الابواب في وجهه، ان يطلق الحياة بجورها القاسي، وان تكون محطته الاخيرة في دار العجزة، بتكبير عمره من 60 عاماً، الى 65 عاماً، وكذلك شقاء المواطن في وطن الجحيم، تبقى هويته (هوية الاحوال المدنية) عديمة الفعل والقيمة والاثر، ولا تستحق ان يحملها المواطن، ويحرقها احتجاجاً على الوطن الجحيم الذي لايحترم ابناءه، كما في النص (الهوية). وكذلك اقصوصة (التفتت) الذي يعجز في توفير المال المطلوب للعملية الجراحية بالتخلص من حصواته، ويقتنع بمصيره المحتوم بعدم اجرى العملية، لانه غير قادر على الدفع المالي. وكذلك (قصة المعاناة) و(الرغيف) من اعباء الحياة في الحيف والظلم، حتى الحب يشهد زمن الكوليرا، في اقصوصة (الضرة)، في زمن العولمة في الجوع والعسف والظلم والانتهاك لللانسان.

3 - الحب المزيف والمخادع : مثل النصوص (عطر الحياة) و(باقة ورد) و(غرام الورد) و(قبلات النهر) و(رقصة الانا) في كلام عسل على عسل في الحب، يفيديها بروحه وحياته، وبالفعل الحقيقي، يرقص على انغام الانا، حين يفترس القرش حبيبته. يعني هذه الاثار السلبية على على الحياة التي دلفت الى التلوث في اخلاق الفساد والسلوك، حتى الغش دخل في الحب. وكذلك في النصوص الاخرى مثل (النجوم) و(قبلة في الفنجان). حينما انتهت مراسيم شهر العسل وظهر التباين في جدول القبل، سلمها ورقة الطلاق.

4 - صنع القلم المأجور والمرتزق والمزيف.. كيف يكون القلم الاصفر الذي يتقيء بقاذوراته العفنة والكريهة، وعندما يداس على ضميره وشرفه، يصبح طبالاً وراقصاً في حضرة الامير او السلطان، أو صاحب المقام الكبير،، أويعرض بضاعته الصفراء من يملك المال والنفوذ، ان يكون خادماً ذليلاً في التمجيد والتعظيم، ويخرس اما الزيف والدجل الحياتي، بل يكون بوقاً للزيف والدجل، في (الجائزة) احسن جائزة في حضرة الامير والسلطان. و(موت المؤلف) و(هبة السلطان) يغدق المال على جوقة القلم المرتزق، لكي يجددوا البيعة. وفي (أوهام). وكذلك اقصوصة (المصادرة) حين يصادر الضمير والشرف للكاتب بالمال، ويكون مرتزقاً، حتى يتعلثم لسانه، ويصيبه الصمم والبكم من اهوال الحياة وجحيمها، من حبات الذهب المخلوطة بحبات الرز، في خلق قلماً مأجوراً ومطيعاً لمن يدفع من المال، وان يكون حاضراً في عرس الواوية في التمجيد والتعظيم،لكي يساهموا في دفع الحياة الى الجحيم والفساد. مثلما نجد في الاعلام المضلل والمزيف بالمنحرف عن الحقيقة، وامام هذه الصورة السوداء للقلم المرتزق والمأجور، هناك صورة مشرقة للقلم الذي يحافظ على شرف القلم ونزاهته بالضمير، الحي المنصف للحق والعدل، ولا يمكن ان يساوم او يداهن، او يقايض بالمال. لان للقلم قدسية يجب احترامها، وخاصة الاقلام الشريفة الذين يقفون الى جانب معاناة الوطن، ويدافعون عن المحرومين والمسحوقين، ينشدون العدل والحقيقة، كما في اقصوصة (الندم) الذي يجد الكاتب الخداع والزيف والرياء والفساد والرذيلة، ويخرج حتى لا يدنس قلمه بهذا بالوحل العفن.

 

 جمعة عبد الله

 

عبد الجبار نوريتعتبر الرواية من أرقى أشكال التعبير اللغوي في تجسيد تجليات ما يجيش في أعماق اللاوعي من المشاعر والأحاسيس الوجدانية وتناقضاتها وربما إرهاصاتها من حب وكراهية وحركة وسبات ورفض وأستكانة وقبح وجمال للإنسان الذي أعتبر أثمن رأس مال في قائمة الأحياء في فضاءات هذا الكون الشاسع .

أن رواية " الكنزة الزرقاء " للروائي فريد الطائي تركيبة وجدانية وترجمة (واقعية) لمستلبات الأنظمة الشمولية في التسلط ومصادرة الحريات للشعب العراقي المقهور، ولمست  الواقعية) بأجمل صورها في رواية الكنزة الزرقاء ولآن الروائي فريد الطائي عايش المأساة التراجيدية بأبشع زمكنة مرعبة ابتداء من 1963 وعبر الأسلاك الشائكة المكهربة والملغومة لسنة الأحتلال الأمريكي البغيض 2003، أجاد الروائي البارع الطائي أن يترجم تلك المعاناة بواقعية تقدمية وكـأنهُ تقارب –حسب قناعتي – مع مؤلف رواية " المدرعة بوتيميكين " (نينا أغادزنوفا) الروسي الذي أرّخ للثورة العمالية في مدينة سان بطرس بيرغ 1905، وأعتبرت روايتهُ هذه من أعظم الروايات المحرضة على الثورة، وترجمت حينها إلى فيلم صامت قصير بأخراج (سيرغي أيزينشتاين) .

فكانت المحطة الأولى لفصول روايتهِ الحرب الأيرانية العراقية، أبدى أولى ومضاته الوطنية في سرد لسيرورة هذه الحرب العبثية مبيناً ببراعة حسيّة عقم الحروب وأستلاباتها المرعبة، فقد أعتنى بالمعارك الشرسة التي خاضها الطرفان في ثمانينات القرن الماضي  والتي دامت ثمان سنوات، وهي أطول الحروب التقليدية في القرن العشرين وغطت مآسيها أبادة أكثر من مليون وأكثر من واحد مليون معوّق وأسير ومفقود من العراقيين، وأكثر من مليوني فرد من أيران بين قتيل وجريح ومفقود وأسير، كما تمّ استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، وكشفت مأساة رحيل الجيل الذي أشترك في الحرب من كبار المسؤولين والقادة والضباط والساسة والمشاركين من أطباء ومهندسين وأعلاميين، وطرح الروائي ببراعته وشجاعته سؤالاً ملحاً مطلوب الأجابة عليه من قبل الشعب : هل كانت تلك الحرب ضرورية؟ في عالمٍ بدأت متغيراته ِمن بعد أن وضعت الحرب أوزارها، هل أستبقتْ الحرب زمنها ؟ وتجيب الرواية " الكنزة الزرقاء " بسلاسة كاتب الرواية بوطنيته اليسارية التقدمية : لقد أفرزت تلك الحرب حالات تأريخية أذ أحرقت الثقة والتي كانت عميقة الجذور بين الطوائف العراقية وأقلياتها فقد أنتجت تلك الحرب صراعات مستمرة وكادت أن تغيّر مسار وحدة الشعب العراقي إلى حربٍ أهلية خصوصا في عامي 2006 و2014 وللأسف الشديد لا زالت الصراعات والمناكفات مستمرة تطفح على الواجهة السياسية بأشكال مختلفة ربما كطائفية أوأثنية أو مناطقية وربما كلها معاً .

وكاتبنا عايش حرائق الغربة تحت خيمة وطنهِ المتهرئة، وأفرز روايةً بزمكنة واقعية لأنهُ عايش جميع الأنظمة معلناً راية الكفاح والتصدي وكسر حاجز الخوف بموصول غرائبي تحت وابل زخات الأوجاع والأستلابات الروحية والجسدية المرعبة وتلك هي مولد الأرادة الجماهيرية في طلب التغيير بانسياقيه نحو الواقعية والأنطلوجية الرقميىة لهندسة أفكاره الثورية ببرمجيات معلوماتية ذات فائدة جمة للجمهور المكتوي بعذابات الشمولية الساحقة لآدمية الأنسانية .

وينقلنا الروائي بسردية نصيّة متقنة إلى الفصل الثاني الأكثر أيلاماً ووجعاً بشكل موجات بربرية متوحشة للنظام الشمولي والديني الراديكالي في أكله للحم البشري الحي كمثل غزوات قندهار وتوروبورو في تغييب الكلمة الحرة في أغتيال الروائي والكاتب اليساري التقدمي كامل شياع مستشار وزير الثقافة العراقية في 23 آب 2008، وأجاد الروائي اليساري الطائي في روايته الكنزة الزرقاء بدوره الأعلامي في التعامل الأنساني في فجيعة أغتيال الكلمة الحرة، يقول: وفُجع كل ضمير حي تنبض شراينهُ بحب الحياة وكل مناضل في العالم بالجريمة الأرهابية المبيتة التي خطفت حياة الشهيد الشيوعي والمناضل اليساري " كامل شياع " وهو صاحب القلم الحر الشجاع الذي أقتحم المشاريع الأمبريالية والظلامية المشبوهة مدافعاً صلباً عن حقوق الأنسان العراقي والعالمي، وكان من أبرز المطالبين ببناء حركة ثقافية جديدة في العراق وفق رؤى علمانية منفتحة حاول أن يغيّرْ المشهد الثقافي بيد أن بعض العقول الفاسدة لا يروق لها ذلك.

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي / ستوكهولم

 

 

كريم مرزة الاسدي1 - قال المنخل اليشكري، وهو: عمر بن مسعود اليشكري،

ولد المنخل في الشعيبة غرب مكة المكرمة، عاش بين (584 - 607م)، أي قتله النعمان بن المنذر، وعمره 23 سنة، وكان من أجمل فتيان العرب، وهذه الأبيات من قصيدته (فتاة الغدر)، كتبت عنه مفصلًا في كتابي (شعراء الواحدة، وشعراء اشتهروا بواحدة):

ان كنت عاذلتي فسيري*** نحو العراق ولا تحوري

لا تسألي عن جل مالي*** وانظري كرمـي وخــيري

ولقد دخلت على الفتا **** ة الخدر في اليوم المطيرِ

الكاعب الحسنــــاء تر***فلُ في الدمقس وفي الحريرِ

فدفعتها فتــــدافعتْ *** مشي القطـــــــــاة الى الغديـر

ولثمتها فتنفـّــــستْ **** كتنفــــــس الظبـــــــي الغريرِ

فدنت وقالت يا منخـــْ*** ـــل مـــــــا بجسمك من حرورِ

ما شفّ جسمي غير وجد **** كِ فاهدأي عنـّــــي وسيري

واحبّــــها وتحبّـــــــني ***** ويحبُّ نــــــــــاقتها بعيري

ولقد شربتّ من المدا ***** مةِ بالقليـــــــلِ وبالكثيـــــــــر

فاذا انتشــــــــيتُ فانّـني ***** ربّ الخورنقِ والســــــــــديرِ

واذا صحوتُ فانـّــــــني****** ربُّ الشـــــــويهةِ والبعيــــرِ

2 - وقال قيس بن الملوح، والملقب بمجنون ليلى (24 هـ / 645م - 68 هـ / 688)، شاعر غزل عربي، من المتيمين، من أهل نجد.

عاش في فترة خلافة مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان، لم يكن مجنوناً؛ وإنما لقب بذلك لهيامه في حب ليلى العامرية التي نشأ معها، يقول:

ألا يا حمامات العراق أعنني *** على شجني، وابكين مثل بكائيا

يقولون ليلى بالعراق مريضةٌ *** *فياليتني كنت الطبيب المداويا

وله:

يقولون ليلى بالعراق مريضة ٌ ****فمالك لا تضني وانت صديقُ

سقى الله مرضى بالعراق فأنني**على كلِّ مرضى بالعراق شفيقُ

فأن تك ليلى بالعراق مريضة **** فأني في بحر الحتوف غريقُ

أهِيم بأقْطارِ البلادِ وعَرْضِهَا *** * ومالي إلى ليلى الغداة طريـقُ

3 - قال عمر بن أبي ربيعة، وهو من مخزوم، قرشي النسب،؛ بل لم يكن في قريش أشعر منه، وهو كثير الغزل؛ بسبب نشأته في أحضان أمه، التي كانت تشرف على أملاك أبيه الواسعة، فترعرع بين النساء والجواري، ويخاطبهن دون تحرج!! يقول:

بينما يذكرنني أبصرنني **** دون قيد الميل، يعدو بي الأغر

قالت الكبرى أتعرفن الفتي ؟ ***قالت الوسطي: نعم، هذا عمرْ

قالت الصغرى وقد تيمتها ****** قد عرفناه وهل يخفي القمر

ذا حبيب لم يعرج دوننــــا **** ســـــــــاقه الحين إلينا والقدر

ليت هنداً أنجزتنا ما تَعدْ ****وشَفَتْ أنفسنا مما تَجِدْ

واستبدتْ مــرة ً واحدة ً****إنما العاجز من لا يستبدْ

زَعَموها سَــأَلَت جاراتِها**** وَتَعَرَّت ذاتَ يَومٍ تَبـتَرِدْ

أَكَما يَنعَتُني تُبصِـــرنَني**** عَمرَكُنَّ اللَهَ أَم لا يَقتَـصِدْ

فَتَضاحَكنَ وَقَد قُلنَ لَها ***حَسَنٌ في كُلِّ عَينٍ مَن تَوَد

وَلَها عَينانِ في طَرفَيهِما***حَوَرٌ مِنها وَفي الجيدِ غَيَد

وَلَقَد أَذكُرُ إِذ قُـــلتَ لَها****وَدُموعي فَوقَ خَدّي تَطَّرِد

قُلتُ مَن أَنتِ فَقالَت أَنا مَن ***شَفَّهُ الوَجدُ وَأَبلاهُ الكَمَد

نَحنُ أَهلُ الخَيفِ مِن أَهلِ مِنىً*** ما لِمَقتولٍ قَتَلناهُ قَوَد

قُلــــتُ أَهلاً أَنتُـــمُ بُغيَتُنا ****فَتَسَمَّينَ، فَقالَــت أَنا هِندْ

إِنَّما خُبِّــلَ قَلبي فَاِجتَوى *****صَعدَةً فــي سابِرِيٍّ تَطَّرِدْ

إِنَّما أَهلُكِ جيرانٌ لَنا إِنَّما**** نَحنُ وَهُـــم شَــيءٌ أَحَـــدْ

حَدَّثوني أَنَّها لـــي نَفَثَــت *****عُقَداً يا حَبَّذا تِلكَ العُقَــدْ

كُلَّما قُلتُ مَتى ميعادُنا***** ضَحِكَت هِندٌ، وَقالَت بَعدَ غَدْ

4 - جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي أبو حزرة، من تميم (653 - 733 م/ 33 - 114هـ).

أشعر أهل عصره، ولد ومات في اليمامة، وعاش عمره كله يناضل شعراء زمنه ويساجلهم فلم يثبت أمامه غير الفرزدق والأخطل.

كان عفيفاً، وهو من أغزل الناس شعراً.

عاش حوالي ثمانين سنة

اختلف المؤرخون في تحديد تاريخ وفاة جرير، على أنه في الأغلب توفي سنة 733م/114هـ وذلك بعد وفاة الفرزدق بنحو أربعين يومًا، وبعد وفاة الأخطل بنحو ثلاث وعشرين سنة.

لم يكن غزل جرير فنا مستقلا في شعره، فقد مزج فيه أسلوب الغزل الجاهلي بأسلوب الغزل العذري. فيقول:

بَانَ الخَليطُ، وَلَوْ طُوِّعْتُ ما بَانَا *** وقطعوا منْ حبالِ الوصلِ أقرانا

حَيِّ المَنَـــازِلَ إذْ لا نَبْتَغي بَــدَلاً*** بِالدارِ داراً، وَلا الجِيــرَانِ جِيرَانَا

كصاحبِ المــوجِ إذْ مالتْ سفينتهُ****يدعو إلى اللهِ إســراراً وإعلانا

تُهدي السّلامَ لأهلِ الغَوْرِ من مَلَحٍ ***هَيْهَاتَ مِنْ مَلَحٍ بالغَوْرِ مُهْدانَا

أحببْ إلى َّ بذاكَ الجزعِ منزلــة ****بالطلحِ طلحاً وبالأعطانِ أعطانا

يا ليتَ ذا القلبَ لاقى منْ يعللـــهُ ****أو ســاقياً فسقاهُ اليومَ سلوانا

أوْ لَيْتَهَا لــــمْ تُعَلِّقْنَا عُلاقَتَـــهَا****وَلَمْ يَكُنْ داخَــــلَ الحُبّ الذي كانا

قالَتْ: ألِمّ بِنا إنْ كنتَ مُنْطَلِقـــــاً*****وَلا إخالُكَ، بَعــــدَ اليَوْمِ، تَلقانَا

يا أمَّ عمرو جـــزاكَ اللهُ مغفرة ******رُدّي عَلَيّ فُؤادي كالّذي كانَـا

ألستِ أحسنَ منْ يمشي على قدمٍ ***يا أملحَ الناسِ كلَّ الناسِ إنساناً

يلقى غريمكمُ منْ غيرِ عســرتكمْ ****بالبَذْلِ بُخْلاً وَبالإحْسَانِ حِرْمانَا

قد خنتِ منْ لمْ يكنْ يخشى خيانتكْ *****ما كنتِ أولَ موثوقٍ به خانا

لقدْ كتمتُ الهوى حتى تهيمنــــى ****لا أستطيعُ لهــذا الحـــبَّ كتمانا

لا بَارَكَ الله في الدّنْيَا إذا انقَطَعَتْ *****أسبابُ دنياكِ منْ أسبابِ دنيانا

إنّ العُيُونَ التي في طَرْفِها حَــــوَرٌ****قتلننا ثــمَّ لـــــمْ يحيـــينَ قتلانا

يَصرَعنَ ذا اللُّبّ حتى لا حَرَاكَ بـــهِ*****و هنَّ أضعفُ خلقْ اللهِ أركانا

يا حبذا جبلُ الريــــانِ منْ جبلٍ *****وَحَبّذا ســـاكِنُ الرّيّانِ مَــــنْ كَانَا

وَحَبّذا نَفَحَاتٌ مِــــــنْ يَمَانِية ******تأتيكَ مــــن قبــــلَ الريــانِ أحيانا

هبتْ شمالاً فذكرى ما ذكرتكمْ ******عندَ الصفـاة ِ التي شرقيَّ حورانا

أزْمانَ يَدعُونَني الشّيطانَ من غزَلي****و كنَّ يهوينني إذْ كنتُ شيطانا

5 - عروة بن أذينة، فقيه المدينة شيخ الإمام الإمام مالك بن أنس (ت 130 هـ / 748م)

يا عصرنا كيف عاشوا عصرهم ؟؟!!، لو تجرأ شاعر في أيامنا هذه وقالها بالرغم من عفّة فائلها، لحكم عليه بالزنا رجماً، بحجّة أنّه اعتراف ضمني، و إقرار على النفس علني...!! إليك قصيدته الغزلية بادئاً، تمتع به، والله كريم ...!!

إن التي زعمت فؤادك ملـّـها ***خُلقت هواك كما خُلقت هوى لها

فبك الذي زعمتْ بها وكلاكما ******أبدى لصاحبه الصبابة كلّـها

ويبيتُ بين جوانحي حبٌ لهـا *******لو كان تحتُ فراشها لاقلـّـها

ولعمرها لو كان حبّــك فوقها **** يومـــاً وقد ضحيت إذاً لأظلّهـا

وإِذا وَجَدْتَ لها وَساوِسَ سَلْوَة ٍ ** شَفَعَ الضميرُ إلى الفؤادِ فَسَلَّها

بَيْضاءُ باكَرها النعيـمُ فَصاغَها ******بلباقَــــــة ٍ فأَدَقَّــــها وأَجَلَّها

لمّـا عرضتُ -مسلماً- لي حاجةٌ ٌ***اخشى صعوبتها .. وارجو ذُلـّها

منعت تحيتها فقلت لصـاحبي: ******** ماكان اكثرها لنا... وأقلّـها

فدنا، وقال: لعـلها معذورةٌ ***** فـي بعض رقبتها... فقلت: لعلّـها

6 - أبو نؤاس هو الحسن بن هانئ بن صباح بن عبد الله بن الجراح بن وهيب ويقال الحسن بن هانئ بن عبد الأول بن الصباح أبو علي الحكمي المعروف بأبي نواس الشاعر مولى الجراح بن عبد الله الحكمي.

عاش بين أواخر (139 هـ - 199 هـ / 757 م - 815 م)

تهافت على اقتناص اللذائذ الجنسية والجسدية قبل فواتها ! فتطلع إلى الجواري، يراسلهن، ويتوسل إليهن، ناصبا الشراك لجذبهن: أين الجواب ,وأين رد رسائلي *** قالت ستنظر ردها من قابلِفمددت كفي ثم قلت تصدقوا ****** قالت نعم بحجارة وجنادلِان كنت مسكينا فجاوز بابنا **** وارجع فمالك عندنا من نائلِيا ناهر المسكين عند سؤاله **** الله عاتب في انتهار الســائل

ولكن أبا نواس لم يتمتع بمؤانسة حبيبته الجارية  (جنان)، ولا حتى رؤيتها إلاّ بلمحات خاطفة، ومن هذه المصادفات الصعبة، رآها تلطم بمأتم، فقال فيها هذه الأبيات الرائعة:

يا قمراً أيصرتُ في مأتمٍ *** يندبُ شجواً بين أترابٍ

يبكي فيذري الدرّ من نرجسٍ *** ويلطم الوردَ بعنّابِ

لا تبكِ ميتاً حلَّ في حفرةٍ **** وابكِ قتيلاً لكِ بالبابِ

إليك مقاطع من قصيدته الرائية الأولى بروعة مطلعها، وحسن ختامها، وما بينهما من حسن التخلص، والتشبيه البليغ، وقبل هذا وذاك عبقرية القصيد في بحرها الطويل :

أجارة َ بَيْتَيْنَا أبوكِ غَيورُ،**** وميْسُـــورُ ما يُرْجَى لديْكِ عسِيرُو إن كنتِ لا خِلماً ولا أنتِ زوْجة ٌ** فلا برحَتْ دوني عليكِ ستُورُوجاوَرْتُ قوْماً لا تزاوُرَ بينهمْ ****ولا وَصْلَ إلاّ أن يكونَ نُشُورُفما أنا بالمشْغُوفِ شَرْبَة َ لازِبٍ ****ولا كلّ ســــلطانٍ عليّ قَديرُوإنّي لِطَرْفِ العينِ بالعينِ زَاجِرٌ*** فقد كدْتُ لا يخْفى عليّ ضميرُتقولُ التي عن بيتها خفّ مرْكبي:****عزيزٌ علينا أن نَرَاكَ تَسيرُ أما دونَ مصْرٍ للغنَى مُتَطَلّبٌ؟ ***** بلى إنّ أسْبـــاب الغِنَى لكثيرُفقلتُ لها: واستعجلَتْها بَوَادِرٌ ***جرتْ، فجرى فــي جرْيهِنّ عبيرُذريني أكَثّرْ حاسديكِ برِحْلَةٍ ****** إلى بـلَـدٍ فيـه الخصيـبُ أميــرُ

إذا لم تَـزُرْ أرْضَ الخصِيبِ ركابُنا ** فـأيّ فتـى،بعـدَ الخصيبِ، تَزُورُ

7 - ابن زيدون وولّادته:

ابن زيدون هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي القرطبي الشاعر المشهور، ولد ابن زيدون في رصافة قرطبة سنة (1003 م / 394هـ)، وتوفي (1071م/463هـ ).

والولادة بنت الخليفة المستكفي، ولدت في مدينة قرطبة، عاشت بين (994 م - 1091م)، وكانت بارعة الجمال، ولم تتزوج، شاعرة وأديبة.

كانت الولاّدة تكتب على طرازين وضعتهما على عاتقيها:

أنا واللهِ أصلحُ للمعــالي ***** وأمشي مشيتي وأتيـه تيهاًأمكّنُ عاشقي من صحن خدي** وأمنح قبلتي من يشتهيها

وفي أول لقاء ابن زيدون بها، رماها بهذين البيتين:

ما جالَ بَعْدَكِ لحْظي في سَنا قمــرٍ *** *** إلا ذكرتُكِ ذكرَ العَيْـن بالأَثَرِ

فهمتُ معنى الهوى من وَحْي طَرفِكِ لي** إن الحِوارَ لمفهومٌ من الحَوَرِ

ويودّعها عند الانصراف بهذه الأبيات:

ودّع الصبر محبٌ ودّعكْ *** ذائع من سرّه ما استودعكيقرع السن على أن لم يكنْ ** زاد في تلك الخطا إذ شيعكْيا أخا البدر سناءَ وسنـــاً ****** حفـظ الله زمـاناً أطلعكْإن يطل بعدك ليلــي فلكم**** بـــت أشكو قصر الليل معك

8 - البحتري (205 هجري - 284 هجري): هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى التنوخي الطائي، أحد أشهر الشعراء العرب في العصر العباسي.

يقال لشعره سلاسل الذهب، وهو أحد الثلاثة الذين كانوا أشعر أبناء عصرهم، المتنبي وأبو تمام والبحتري، قيل لأبي العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر؟ فقال: المتنبي وأبو تمام حكيمان وإنما الشاعر البحتري.

ولد في منبج إلى الشمال الشرقي من حلب في سوريا، له في الحب:

حبيبي حبيبٌ يكتم الناس أنّه *** لنا حيـن تلقانا العيـون حبيبُ

يباعدني في الملتقى وفؤاده *** وإن هـو أبدى لي العباد قريبُ

ويعرض عنّي والهوى منه مقبلٌ * إذا خاف عينًا أو أشار رقيب

فتنطق منا أعينٌ حيــن نلتقي *****وتخرس منــا ألسنٌ وقلــوبُ

وقال:

ويا مُدرِكَ عينيه ليقتلني *** إنّي أخاف عليكَ العين من عيني

ليت ما بين من أحب وبيني ***** مثل ما بين حاجبي وعيني

وقال في حبيبته:

سَلامُ اللهِ كُلَّ صَبَاحِ يَوْمٍ **** عليكَ، وَ مَنْ يُبَلِّغ لي سَلامي؟

لقد غادَرْتَ فِي جسدي سَقَاماً*** بِمَا في مُقْلَتَيْكَ مِن السَّقام

وذكَّرَنِيكَ حُسْنُ الوَرْدِ لَمّا ***** أَتَي وَ لَذيذُ مَشروبِ المُدام

لَئِن قَلَّ التَواصُلُ أَوْ تَمَادَي **** بِنَا الهِجرانُ عاماً بَعْدَ عامِ

أَأَتَّخِذُ العِراقَ هويً وداراً **** ومَن أَهواهُ في أَرضِ الشآم؟

9 - أبو الفضل العباس بن الأحنف الحنفي اليمامي النجدي (103 - 189 هـ)، شاعر عربي عباسي وُلِد في اليمامة بِنجد وعِندما مات والده انتقل من نجد إلى بغداد ونشأ بِها وعاش مُتنقلاً ما بين بغداد وخراسان.

أحب فتاة سماها فوز لأنها كانت كثيرة الفوز بالسباقات والمنافسات لكي لا يصرح باسمها الحقيقي.

خالف الشعراء في طريقتهم فلم يتكسب بالشعر، وكان أكثر شعره بالغزل (شعر) والنسيب والوصف، وهذه أبيات مختارة من قصيدته عن فوز: ....

يا دارَ فوزٍ لقَد أورَثتِني دَنَفا ****وزادَني بُعدُ داري عنكُمُ شغَفَا

حتى متى أنا مكروبٌ بذكرِكُمُ ***أُمسِي وأُصبحُ صَبّاً هائماً دَنِفا

لا أستريحُ ولا أنساكمُ أبداً ****ولا أرى كرْبَ هذا الحبِّ مُنكشِفا

ما ذُقتُ بعَدَكمُ عيشاً سُرِرْتُ به ***ولا رأيتُ لكم عِدْلاً ولا خلفا

إنّي لأعجبُ مــــن قلبٍ يحبُّكُمُ ****وما رأى منكُمُ بِــرّاً ولا لَطَـفا

لوْلا شَقاوَة ُ جَدّي ما عرَفتُكُمُ **إنّ الشّقيَّ الذي يشقى بمن عرفا

ما زِلتُ بَعدَكُـــمُ أهذي بذكركـمُ****كأنَّ ذكرَكمُ بالقلبِ قـــد رُصــفا

لوكانَ ينساهمُ قلبـــــي نسيتهمُ ****لكنّ قَلـبي لَهُمْ والله قـــــد ألِفَا

أشكو إليكِ الذي بي يا مُعَذِّبَتي **وَما أُقاسِي وما أسطيعُ أن أصِفَا

طافَ الهَوَى بعِبـــــادِ الله كُلّهِمُ ****إذا مرَّ بي مـــــن بينهم وقـــفا

إذا جحدتُ الهوى يوماً لأدفنهُ ***في الصّدر نمَّ عليّ الدّمعُ معترفا

10 - بشار بن برد:

بشار بن برد بن يرجوخ العُقيلي (96 هـ - 168 هـ)، أبو معاذ، شاعر مطبوع. إمام الشعراء المولدين، ومن المخضرمين حيث عاصر نهاية الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية. ولد أعمى، وكان من فحولة الشعراء، له في الغزل:

يا قَومِ أَذني لِبَعضِ الحَيِّ عاشِقَةٌ**** وَالأُذنُ تَعشَقُ قَبلَ العَينِ أَحيـانا

قالوا بِمَن لا تَرى تَهذي فَقُلتُ لَهُم** الأُذنُ كَالعَينِ تُؤتي القَلبَ ما كانا

هَل مِن دَواءٍ لِمَشغُوفٍ بِجارِيَـــةٍ**** يَلقَى بِلُقيانِها رَوحـــاً وَرَيحـــانا

وكتب هذا البشار بن برد البصير الخبيث إلى قينة كان يهواها:

هَل تَعلَمينَ وَراءَ الحُبِّ مَنزِلَــــةً*** تُدنــي إِلَيكِ فَإِنَّ الحُـــبَّ أَقصانـــي

يا رِئمُ قولي لِمِثلِ الرِئمِ قَد هَجَرَت** يَقظى فَما بالُها في النَومِ تَغشاني

لَهفي عَلَيها وَلَهفي مِن تَذَكُّرِهـــــا **** يَدنــــو تَذَكُّرُها مِنّـي وَتَنـــآني

إِذ لا يَزالُ لها طَيــــفٌ يُؤَرِّقُنـــي**** نَشوانَ مِن حُبِّها أَو غَيرَ نَشوانِ

فكتبت إليه، الأخبث منه، لأنها ما وجدت فيه وسامة:

نعم أقول وراء الحب منزلة *** حب الدراهم يدني كـــــــل إنسانِ

من زاد في النقد زدنا في مودته*** لا نبتغي الدهر إلا كل رجحانِ

11 - الشريف الرضي:

أبو الحسن، السيد محمد بن الحسين بن موسى، ويلقب بالشريف الرضي (359 هـ - 406 هـ / 969 - 1015م)، شاعر وفقيه ولد في بغداد وتوفي فيها. عمل نقيباً للطالبيين حتى وفاته، من غزله هذه المقطوعة الرائعة:

الماءُ عِندَكِ مَبذولٌ لِشارِبِهِ *** وَلَيسَ يُرويكِ إِلّا مَدمَعي البـــاكي

هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ رائِحَةٌ *** بَــــعدَ الرُقادِ عَرَفناها بِرَيّاكِ

ثُمَّ اِنثَنَينا إِذا ما هَزَّنا طَــــرَبٌ *** عَلى الرِحـــــالِ تَعَلَّلنا بِذِكراكِ

مَن بالعِرَاقِ، لَقد أبعَدْتِ مَرْمَاكِ *** سهم أصاب وراميه بذي سلم

وَعدٌ لعَينَيكِ عِندِي ما وَفَيتِ بِهِ **** يا قُرْبَ مَا كَذَبَتْ عَينيَّ عَينَاكِ

حكَتْ لِحَاظُكِ ما في الرّيمِ من مُلَحٍ* * يوم اللقاء فكان الفضل للحاكي

12 - ابن الرومي:

هو أبو الحسن علي بن العباس بن جريج، وقيل جورجيس، ولد ومات مسمومًا في بغداد، بإيعاز من الوزير القاسم بن عبيد الله، (221 - 283 هـ)، من عباقرة الشعر الخالدين، وهذه أبيات من قصيدته المطولة عن (وحيدة المغنية):

يا خَلِيلَيَّ تَيَّمَــتْني وَحيــــدُ *** ففؤادي بـــها معنَّى عميدُ

غادة ٌ زانها من الغصن قـــدٌّ **ومن الظَّبي مُقلتان وجِيدُ

أوقد الحسْنُ نارَه من وحيـــدٍ ***فوق خدٍّ ما شَانَهُ تخْدِيدُ

فَهْيَ برْدٌ بخدِّها وســــلامٌ ****وهي للعاشقين جُهْدٌ جهيدُ

لم تَضِرْ قَطُّ وجهها وهْو ماءٌ **وتُذيبُ القلوبَ وهْيَ حديدُ

وغَريرٍ بحسنها قــــال صِفْها ***قلـت أمْران هَيِّنٌ وشديدُ

يسهل القول إنها أحسن الأشْـ ***ياءِ طُرّاً ويعْسرُ التحديدُ

لِيَ حيْث انصرَفتُ عنها رفيقٌ *من هواها وحيث حَلَّتْ قَعِيدُ

عن يميني وعن شمالي وقُدّا **مي وخلفي، فأين عنه أحيدُ

13 - أبو فراس الحمداني:

هو أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان الحمداني التغلبي الرَّبَعي،(320 - 357 هـ / 932 - 968 م). شاعر وقائد عسكري، له في الحب والغزل:

أساء فزادته الإساءة حظوة *** حبيب على ما ما كان منه حبيب

يعد علي الواشيان ذنوبه *******ومن أين للوجه الجميل ذنوب

وهذه القصيدة الخالدة، تبدو قصيدة عشق ولوعة، ولكنها قصيدة فخر وحماسة، ينوّه فيها ببطولاته وشجاعته أمام سيف الدولة الحمداني، غنّتها كوكب الشرق، أم كلثوم:

أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ ***أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ؟

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعـــــة ٌ***ولكنََّ مثلي لا يــــذاعُ لـهُ سرُّ

إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى ** وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ

تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بـــينَ جَوَانِحِي ****إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ

معللتي بالوصلِ، والموتُ دونــــهُ ****إذا مِــتّ ظَمْآناً فَلا نَـزَل القَطْرُ

14 -المتنبي:

أبو الطيب، أحمد بن الحسين الجعفي الكندي (303 - 354 هـ/ 915 - 965م)، الرائد الأول للشعر العربي:

لعَيْنَيْكِ مــا يَلقَـى الفُؤادُ وَمَـــا لَقــي*** وللحُبّ ما لـــم يَبــقَ منّي وما بَقــي

وَما كنــــتُ ممّنْ يَدْخُلُ العِشْقُ قلبَـــه***وَلكِنّ مَــــن يُبصِرْ جفونَـــكِ يَعــشَقِ

وَبينَ الرّضَى وَالسُّخطِ وَالقُرْبِ وَالنَّــــوَى** مَجَــــالٌ لِدَمْــعِ المُقْلَةِ المُتَرَقرِقِ

وَأحلى الهَوَى ما شكّ في الوَصْلِ رَبُّهُ** وَفي الهجرِ فهوَ الدّهرَ يَرْجو وَيَتّقي

وله:

فإن قليل الحب بالعقل صالح ****. وإن كثير الحب بالجهل فاسد

وله:

وفي الأحباب مختص بوجد ***وآخر يدعي معها شتراكا

إذا اشتبكت دموع في خدود **تبن م***ن بكى ممن تباكا

وله في الأميرة خولة أخت سيف الدولة الحمداني:

ﻛﺘﻤﺖُ ﺣـﺒّﻚ ﺣﺘﻰ ﻣﻨْﻚِ ﺗﻜﺮﻣــﺔً**** ﺛﻢَّ ﺍﺳﺘﻮﻯ ﻓﻴﻪِ ﺇﺳﺮﺍﺭﻱ ﻭﺇﻋﻼﻧﻲ

ﻛﺄﻧَّﻪ ﺯﺍﺩَ ﺣﺘّﻰ ﻓﺎﺽَ ﻋﻦْ ﺟﺴﺪﻱ** ﻓﺼﺎﺭَ ﺳﻘﻤﻲ ﺑﻪِ ﻓﻲ ﺟﺴﻢِ ﻛﺘﻤﺎﻧﻲ

15 - ابن الدمينة:

ابن الدمينة الخثعمي، شاعر أموي توفي سنة 747م

وهو عبد الله بن عبيد الله ابن الدمينة، وينادى تلقيبا بأمه الدمينة بنت حذيفة من بني سلول)، وكنيته (أبا السري). كان جميل الخلقة، فصيح اللسان، شديد الغيَرة، من شعراء الغزل العفيف العذري، من أشهر قصائده:

ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد***لقد زادني مسراك وجدا على وجد

إذاهتفت ورقاء في رونق الضحى**على غصن بان او غصون من الرند

بكيت كما يبكي الوليد ولم أكــــن***جليدا وأبديـــت الذي لم أكـــن أبـــدي

وله، وقيل لقيس بن ذريح الكناني (صاحب لبنى) كما في - توفي 680م:

هل الحب إلا عبرة بعد زفرة ***وحر على الأحشاء ليس له برد

وفيض دموع تستهل إذا بدا *** لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو

16 - حازم القرطاجي:

وهو أبو الحسن حازم بن محمد بن حازم القرطاجني (1211 - 1284م)، كان شاعرًا وأديبًا أخذ عن أبي علي الشلوبين وعنه.، له - وتروى لزيادة بن زيد شاعر إسلامي من شعراء صدر الإسلام-:

وإذا هويت فلا تكن متهالكا *** في الحب بل متماسكا كي تنتجي

فالحب مثل البحر يأمن من مشى *** في شطه ويخاف كل ملجج

فاسلك سبيل توسط فيه تصب***** وإلى التبسط فيه لا تستدرج

17 - زيادة بن زيد:

شاعر إسلامي من شعراء صدر الإسلام، ينتمي إلى بيت شعر فأخوه عبد الرحمن شاعر، وابنه المسور شاعر أيضاً.

كان زيادة يميل إلى شعر المطولات، قتل على يد هدبة بن خشرم سنة 54هـ. يروي ابن عساكر في تاريخه (ج 34 ص 375)، الأبيات التالية له:

إن امرأ قد جرب الدهر لم يخف ***** تقلب عصريه لغيـر لبيـب

فلا تيئسن الدهر من وصل كاشح ** ولا تأمنن الدهر صرم حبيب

وليس بعيدا كل آت فواقعٌ****** ولا ماضياً مـن مفـرحٍ بقـــريب

وكل الذي يأتي فأنت نسيبهُ*** ولســـت لشيء قـد مضى بنسيب

18 - ابن الفارض:

بن الفارض، هو أبو حفص شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي، أحد أشهر الشعراء المتصوفين، وكانت أشعاره غالبها في العشق الإلهي حتى أنه لقب بـ "سلطان العاشقين". والده من حماة في سوريا، وهاجر لاحقاً إلى مصر.

ولد بمصر سنة 576 هـ الموافق 1181م، وتوفي   سنة 632هـ / 1235م، له:

قلْبـــي يُحدّثُني بـــأنّكَ مُتلِــــفي ***روحي فداكَ عرفتَ أمْ لــــمْ تــعرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إن كُنتُ الذي*** لم أقضِ فيهِ أسى، ومِثلي مَن يَفي

ما لي سِوى روحي، وباذِلُ نفسِهِ****في حبِّ مـــنْ يهواهُ ليسَ بمسرفِ

فَلَئنْ رَضيتَ بها، فــــقد أسْعَفْتَني****يا خيبـة َ المســعى إذا لـــمْ تسعفِ

يا مانِعي طيبَ المَنــــامِ، ومانحي ****ثوبَ السِّـــقامِ بهِ ووجدي المتلفِ

عَطفاً على رمَقي، وما أبْقَيْتَ لي ***منْ جِسميَ المُضْنى، وقلبي المُدنَفِ

وبما جرى في موقفِ التَّوديعِ منْ ****ألمِ النّــــوى، شاهَدتُ هَولَ المَوقِفِ

إن لم يكُنْ وَصْلٌ لَدَيكَ، فَعِدْ بــــهِ ******أملي وماطلْ إنْ وعــــدتَ ولاتفي

19 - السيد جعفر الحلي مات أواخر القرن التاسع عشر (1897 م / 1315 هـ )، وعمر 36 سنة، أي مواليد 1861م جيراننا ومن مدح أجداننا بالعديد من القصائد الرائعة ما بين مطوّلات ومقطوعات ونتف، يقول هذا في أوج عصور الطلام

يا قامة الرشأ المهفهف ميلي***بظماي منـــك لموضع التقبيـل ِ

رشأ اطل دمي وفي وجناته***** وبشأنه اثـــــر الدم المطلـول

يا قاتلي باللحظ اول مـــــرةٍ ***** اجهــز بثانيـة على المقتول

ولأن أحاسيسها صادقة مؤثرة !!،غناها يوسف عمر وناظم الغزالي وسعدون جابر وكاظم الساهر،،لذا غناها كمقام، يوسف عمر، وناظم الغزالي، وسعدون جابر، وكاظم الساهر.

20 - بدر شاكر السياب ولد في محافظة البصرة في جنوب العراق، عاش بين (25 ديسمبر 1926 - 24 ديسمبر 1964)، شاعر عراقي يعد واحداً من الشعراء المشهورين في الوطن العربي في القرن العشرين، كما يعتبر أحد مؤسسي الشعر الحر في الأدب العربي. أبياته (عيناك غابتا نخيلٍ ساعة السحرْ) من قصيدته (إنشودة المطر)، تُعد أجمل وصف للعيون في تاريخ الأدب العربي بجميع عصوره:

عيناكِ غابتا نخيلٍ ساعةَ السحَرْ

أو شُرفتان راحَ ينأى عنهما القمرْ

عيناكِ حين تبسمانِ تورقُ الكرومْ

وترقصُ الأضواءُ، كالأقمارِ في نهَرْ

يَرُجُّهُ المجذافُ وهْنًا ساعة السَّحَرْ

كأنَّما تنبضُ في غوريهما، النّجومْ

وتغرقانِ في ضبابٍ من أسىً شفيفْ

كالبحر سرَّح اليدين فوقَهُ المساءْ

دفءُ الشتاء فيه وارتعاشةُ الخريفْ

والموت، والميلادُ، والظلامُ، والضياءْ

فتستفيقُ ملءَ روحيْ، رعشةُ البُكاءْ

ونشوةٌ وحشيَّةٌ تعانقُ السَّـــــماء

كنشوة الطفل إِذا خافَ منَ القمرْ!

كأنَّ أقواسَ السَّحابِ تَشَربُ الغيومْ

وقطرةً فقطرةً تذوبُ فــــــي المطرْ

21 - براهيم ناجي:

شاعر مصري ولد في 31 ديسمبر 1898م في حي شبرا في القاهرة، وتوفي عام 1953م، عندما كان في الخامسة والخمسين من العمر.[2] كان طبيبا وكان والده مثقفاً، مما ساعده على النجاح في عالم الشعر والأدب. هذه مقاطع من قصيدته (الأطلال) الشهيرة، التي غنّتها أم كلثوم كوكب الشرق.

يا فُؤَادِي رَحِمَ اللّهُ الهَوَى **** كَانَ صَرْحاً مِنْ خَيَالٍ فَهَوَى

اِسْقِني واشْرَبْ عَلَى أَطْلاَلِهِ ** وارْوِ عَنِّي طَالَمَا الدَّمْعُ رَوَى

كَيْفَ ذَاكَ الحُبُّ أَمْسَى خَبَراً ***** وَحَدِيْثاً مِنْ أَحَادِيْثِ الجَوَى

وَبِسَاطاً مِنْ نَدَامَى حُلُمٍ ******** هم تَوَارَوا أَبَداً وَهُوَ انْطَوَى

***

لَسْتُ أَنْسَاكِ وَقَدْ اَغْرَيْتِني ** بِفَمٍ عَذْبِ المُنَادَاةِ رَقِيْقْ

وَيَدٍ تَمْتَدُّ نَحْوي كَيَدٍ ** مِنْ خِلاَلِ المَوْجِ مُدَّتْ لِغَرِيْقْ

آهِ يَا قِيْلَةَ أَقْدَامي إِذَا **شَكَتِ الأَقْدَامُ أَشْوَاكَ الطَّرِيْقْ

وبريقاً يظمأ الساري له** أين في عينيك ذياك البريق ؟

***

كُنْتِ تِمْثَالَ خَيَالي فَهَوَى ******* المَقَادِيْرُ أَرَادَتْ لاَ يَدِي

وَيْحَهَا لَمْ تَدْرِ مَاذا حَطَّمَتْ ** حَطَّمَتْ تَاجي وَهَدَّتْ مَعْبَدِي

يَا حَيَاةَ اليَائِسِ المُنْفَرِد ِ ********* يَا يَبَاباً مَا بِهِ مِنْ أَحَدِ

يَا قَفَاراً لافِحَاتٍ مَا بِهَا ********* مِنْ نَجِيٍّ يَا سُكُونَ الأَبَدِ

***

أَيْنَ مِنْ عَيْني حَبِيبٌ سَاحِرٌ **** فِيْهِ نُبْلٌ وَجَلاَلٌ وَحَيَاءْ

وَاثِقُ الخُطْوَةِ يَمْشي مَلِكاً ** ظَالِمُ الحُسْنِ شَهِيُّ الكِبْرِيَاءْ

عَبِقُ السِّحْرِ كَأَنْفَاسِ الرُّبَى**سَاهِمُ الطَّرْفِ كَأَحْلاَمِ المَسَاءْ

مُشْرِقُ الطَّلْعَةِ في مَنْطِقِهِ ***** لُغَةُ النُّورِ وَتَعْبِيْرُ السَّمَاءْ

22 - نزار قباني:

ديبلوماسيّ، وشاعر، وناشر سوريّ، ولد في 21 مارس/آذار 1923 في دمشق، وتوفّي في 30 أبريل/نيسان 1998 في لندن، ودفن في دمشق، ويعدّ أحد أبرز وأشهر الشّعراء العرب، وأكثرهم جدلاً في العصر الحديث.

الحبُّ يا حبيبتي:

الحبُّ يا حبيبتي قصيدةٌ جميلةٌ مكتوبةٌ على القمرْ

الحبُّ مرسومٌ على جميع أوراق الشجرْ

الحبُّ منقوشٌ على ريش العصافير وحبات المطرْ

لكن أيّ امرأةٍ في بلدي إذا أحبتْ رجلاً تُرمى بخمسين حجر.

........................

اختاري

إني خيرتُك فاختاري

ما بين الموت على صدري

أو فوق دفاتر أشعاري

اِختاري الحبَّ أو اللاحبَّ

فجُبنٌ ألا تختاري

لا توجدُ منطقة وسطى

ما بينَ الجنّةِ والنارِ

اِرمي أوراقكِ كاملة

وسأرضى عن أيِّ قرارِ

قولي. اِنفعلي. اِنفجري

لا تقفي مثلَ المسمارِ

لا يمكنُ أن أبقى أبدا

كالقشّةِ تحتَ الأمطارِ

غوصي في البحرِ أو ابتعدي

لا بحرٌ من غيرِ دوارِ

الحبُّ مواجهةٌ كبرى

إبحارٌ ضدَّ التيارِ

صَلبٌ.. وعذابٌ.. ودموعٌ

ورحيلٌ بينَ الأقمارِ

23 - محمد مهدي الجواهري:

هو محمد مهدي بن عبد الحسين الجواهري، شاعر عراقي يعتبر من بين أهم شعراء العرب في العصر الحديث، ويلقب شاعر العرب الأكبر. ولد في النجف الأشرف 26 تموز 1899م، وتوفي بدمشق  27 تموز 1997م.، في  أواخر عشرينات القرن المنصرم، نظم قصائد خليعة، مثل (عريانة)، و(جربيني)، وغيرهما، وهذه أبيات من (جربيني):

جرّبيني منْ قبلِ انْ تزدَريني ***وإذا ما ذممتِني فاهجرِيِني

ويَقيناً ستندمينَ علـــــى أنَّكِ ****من قبلُ كنتِ لــمْ تعرفيني

لا تقيسي على ملامحِ وجهي *****وتقاطيعِه جميعَ شؤوني

أنا لي في الحياةِ طبعٌ رقيقٌ*** يتنافى ولونَ وجهي الحزين

قبلكِ اغترَّ معشرٌ قرأونــــي *****مــن جبينٍ مكَّللٍ بالغُصونٍ

وفريقٌ من وجنتينِ شَحوبين *****وقدْ فاتتِ الجميعَ عُيوني

إقرأيني منها ففيها مطاوي النفسِ******طُراً وكلُّ سرٍّ دَفين

فيهما شهوةٌ تثورُ . وعقلٌ *****خاذِلي تارةً وطوراً مُعيـــني

فيهما دافعُ الغريزةِ يُغريـــــني *****وعدوى وراثـــةٍ تَزويني

أنا ضدُّ الجمهور في العيشِ**والتفكيرِ طُرّاً . وضدُّه في الدِّين

التقاليدُ والمداجاةُ في الناسِ *******عدوٌّ لكلِّ حُــــرٍّ فطيـــــن

وأنا ابن العشرين مَنْ مرجِعٌ لي ****إنْ تقضَّتْ لذاذةَ العشرين

أخذتني الهمــــــومُ إلّا قليلاً *****أدركيني ومــن يديها خذيني

وأنا في جهــــــنَّمٍ معَ أشياخٍ *******غــــواةٍ بِغيَّهــمْ غمروني

ودعيني مُستعرضاً فــــي جحيمي ******كلَّ وجهٍ مُذمَّمٍ ملعون

عن يساري أعمى المعرَّةِ و(الشيخُ) *الزهاويُّ مقعداً عن يميني

إنزليني إلى(الحضيضِ) إذا ما شئتِ ****أو فوقَ ربوةٍ فضعيني

كلُّ مافي الوجودِ من عقباتٍ * ** * عن وصولي إليكِ لا يَثنيني

إحمليني كالطفلِ بين ذِراعيــكِ * ****احتضاناً ومثلَــــــه دَّلليني

وإذا ما سُئلتِ عني فقولـــــي ****ليسَ بِدعاً إغاثـــــةُ المسكين

لستُ أُمّاً لكـــنْ بأمثالِ (هذا) *******شاءتِ الأُمهات أنْ تبتليني

اِلطمِيني (إذا مَجُنتُ فعمداً) ******أتحرَّى المجونَ كي تَلْطمِيني

وإذا ما يدي استطالتْ فمِنْ شَعركِ *******لُطفاً بخُصلةٍ قيِّديني

ما أشدَّ احتياجةِ الشاعر الحسَّاسِ ******يوماً لساعةٍ مِن جنون

 

كريم مرزة الأسدي

 

1068 talal2مما يميز التجربة الشعرية طلال الغوار في المجموعات الشعرية التي أصدرها من قبل تفاعله مع المكان والزمان معا، وإحساسه العالي بتجلياتهما من خلال الأحداث التي حفرت في الذاكرة ولم تغادرها، ليترجمها الشاعر إلى صور حيوية وفاعلة تعبر بصدق عن واقع مؤلم، إذ يتمظهر الوجود في شعره في صورة سـؤال تارة وتأمل ونقـد وبحث عن الحقيقة والجمال، فهو يحلم بقلب يتسع لعشق كل ما هو جميل، لتنساب الكلمات والعبارات والصور المحملة بالحب، وما تمتلكه من قدرة في إحداث الدهشة، فالشاعر يتحسس الخراب ويبادر في ترميم الروح وبناء الامل لما يمتلكه من حساسية الطفل الذي لم يغادره .

وفي كتابه الأخير (انثيالات) يكسر الشاعر طلال الغوار المألوف ليقدم مجموعة من القصائد و المقالات أدبية والثقافية التي يحاول فيها طرح آرائه في بعض القضايا التي تثير الجدل في الساحة الثقافية، فضلا عما يحمله الواقع من أحداث، وقد أضاف الشاعر العنوان الرئيس (انثيالات) إلى (الشعر، الطفولة، الحياة) دلالة على ان هـذه الانثيالات التي يقدمها الشاعر هي حسرات وآلام وآمال وأفكار، أراد الشاعـر التصريح بها بعـد أن كان يلمح بها في ثنايا قصائده، فجاء الكتاب على شكل مقاربات في الشعر والتلقي، إيمانا منه على حد رأي أرسطو بأن الغرض من الفن هو تجسيد الجوهر السري للأشياء وليس استنساخ أشكالها، ومن هنا جاءت القصائد التي تضمنها الكتاب لتلامس هواجس الشـاعر، وارتباطه بجوهـر الحـب والطبيعة والطفولة مـن خـلال البحث في الذاكرة عـن صور لهذه الثيمات لتشكل معادلا موضوعيا لما يتطلع إليه الآن، وهـذا ما نجده في قصائد (انا عندي حنين ما بعرف لمين، قصيدتان، بوح، قصائد، لصوص، الأقاصي، حلم، الليل، قصائد ) اذ تشـكل الحياة بمفرداتها وتفاصيلها ركيزة واضحة في هـذه القصائد، فضلا عـن المكان متمثـلا بالطبيعـة التي يسـقط عليها الشاعر مشاعره وانفعالاته، ولا ننسى الطفولة التي لم تغادر أحلام الشاعر وتطلعاته، اذ طالما اتخذها فضاءً يهرع إليه تحت وطأة الواقع بقسوته وعنفه، اذ يقول في قصيدة (انا عندي حنين ما بعرف لمين ...) التي يقول فيها :

ما أغربك أيها الحنين

لا أعرف إلى أين تمضي بي

وتحط رحالك

ربما نحو صبي كنته يوما

يجلس عند نهر

وهو يتصفح موجاته

ليقرأ وصاياه

ثم يقول في آخر القصيدة:

هل كنت ابحث عن ذات

أرهقها سفرٌ

في الحب

وفي الشعر

سفر في الحرب

أم كنت استشرف اللامرئي

من الآتي

فالشاعر يتعجب من ذلك الحنين الذي يأخذه عبر الذاكرة إلى الطفولة يحث الأمل (يقرأ وصاياه) ليعود في آخـر القصيدة ليصور رحلة المنفى للبحث عـن الحب، عبـر الشـعر ثم الحرب التي بعثرت الأحلام والآمـال لتتلاشى الرؤية في الأفق، ويأتي الاستفهام ليعكس حيرة الشاعر في رحلة بحثه عن ذاته فهل أرهقها سفر في الحب والشعر أم سفر في الحرب ؟ وهـذه الحيرة يؤكدها قوله (كنت استشرف اللامرئي مـن الآتي) فالصور التي تحققت بفعل الانزياح شـحنت المفردات بطاقة شـعرية عالية، حققها الشاعر مـن خلال استثمار السياق وما يمنحه للمفردات من دلالات جديدة، فضلا عـن التناص الموجود في عنوان القصيدة الذي يحيل الى اغنية المطربة فيروز، وهذا التوظيف قصد فيه الشاعر الحنين الى الماضي .

الوطن ... الطفولة .. الحلم.. الحياة قصائد بطعم الحزن

تشكل هـذه الثيمات هاجسا يؤرق الشاعر طلال الغوار أينما حل في وطنه أم في غربته، فتراه يعود إليها بين قصيدة وأخرى، وتكاد لا تخلو قصيـدة منها، ففي قصيدة عنونها بــ (قصائد) جعلها في تسـعة عشـر مقطعا خصص بعضا منها لهذه الثيمات فجاءت عبارة عن قصائد ومضة مكثفة ومؤثرة إذ يقول في بعضها:

2

أيتها البلاد

أية ظلمة ستندحر غدا

بخطوات أحلامنا

5

كن طفلا

كي ترى

ما لا يراه الآخرون

6

لم يعد لي مكان

أقيم فيه

أنا سفر دائم

في الكلمات

9

أفقٌ ضيق

ولحلمي

ترانيمه الواسعة

19

أحبابي أصحابي

بعد أن اختطفتهم أجنحة الغياب

ما زال قلبي يمتلئ بهم

لكنهم جميعا موتى

ها انا

احمل مقبرة في صدري

فهذه المقاطع عبارة عن قصائد ومضة نستطيع ان نضع لها عنوانات قصدها الشاعر واتضحت من خلال اللغة فالقصيدة رقم (2) الوطن: إذ يعبر فيها الشاعر عن خوفه على مستقبل الوطن الذي عبر عنه بالأحلام، والقصيدة رقم (5) الطفولة: فالشـاعر يرى أن الطفولة تمثل البراءة والنقاء والصدق، لذلك نرى مـن خلالها مـا لا يراه الآخرون، والقصيدة رقم (6) الغربة: التي التي جعلت من الشاعر بغياب الوطن سفراً دائما في الكلمات إذ يبحـر في القصيدة هربا من الواقع، والقصيدة رقم (9) الحلم: الذي لا يتسع الواقع لمفرداته، ويؤدي التضاد هنا وظيفة المفاجأة من خلال ما ينتج عنه من فجوة تخلق مسافة للتوتر، وفي القصيدة (19) الذكرى التي يختم بها الشاعر انطباعاته عـن الواقع في مكان وزمان محددين، إذ يمزج بين خسـائر الوطن بغياب الأحبـة والأصحاب وبين حضور الذاكرة التي يصور فيها استمرارية الحزن والألم، إلا انه يمزج أحيانا ذكرياته الشخصية برؤاه الذاتية ليرسم يوتوبيا خاصة في قصائده .

ورغبة منه في تعزيز ما يطرحه في النصوص الشعرية في هذا الكتاب، يقدم الشاعر طلال بعض المقالات التي تأتي أحيانا بعد النصوص الشعرية التي يعالج فيها الثيمات نفسها التي عالجها شعرا، مثل (حزن الصورة، وداعا أيها الشاعر الرائع، ثقافة الذاكرة، غرائب، غياب، سفر، دائما اعلق وجهي على الأشجار، بيت الطفولة صباح دمشق لا تقرأه إلا شعرا، بغداد بعد 2003 شارع المتنبي، لا بغداد في بغداد 2005) ففي هذه المقالات يعـود الشاعر ليعبر عن تلك الموضوعات التي طالما أرقته مثل : الوطـن والموت والذاكـرة والغربـة والسـفر والطبيعة والطفولة وبغداد، فهو يرى أن (الصورة القديمة تبعث فينا إحساسا بالانتماء الى الزمن المتصل في حقيقته بنا لأنه يشكل جزءا من تكويننا الممتد إلى ذلك الزمن) وفي وداع الشاعر وليد دحام الذي غيبه الموت يعبر الشاعر عـن عدم مفاجأته بالخبر لأن الموت اقترن بالعراق ويستحضر موت مئات الآلاف من العراقيين لكنه سرعان ما يعود الى مستودع ذاكرته، ليسترجع ذكرياته مع صديقه الفقيد بما تضمنته من مواقف وأحداث، ويتكرر هذا الأمر في مقالة (سفر)، التي يستحضر فيها الطفولة بما تمثله له مـن يتوبيا يحلم بها، ومما تتميز به هذه المقالات هيمنة اللغة الشعرية تارة، والحوار الذاتي والسرد تارة اخرى، وقد حاول من خلالها التعبير عن رأيه في الواقع الذي مر به الوطن، وما حل به مـن خراب خلفه الاحتلال، فضلا عـن واقع الثقافة التي عرج عليه في أكثر مـن مقال مثل (غرائب، غياب) مؤكدا أن دور الثقافة يجب أن يكون فاعلا في الارتقاء بواقع المجتمع، ولا يكون ذلك إلا من خلال المثقف الحقيقي الذي يأخذ على عاتقه انتشال الثقافة الى مستويات الرقي والتقدم .

الشعر والتلقي بين المفهوم والرؤية:

ومن الانثيالات التي أطلق الشاعر طلال الغوار لها العنان في هـذا الكتاب مقالات في القضايا التي تتصل بالشعر والتلقي، التي تثير جدلا واسعا بين الشعراء والنقاد، مثل ما يسمى بقصيدة النثر والتلقي ومفهوم الشعر، واللغة الشعرية، وقد حاول الشاعر ان يغادر موقع الشعر الى موقع التلقي، ليعبر عن انطباع الشاعر المتلقي للشـعر، وتارة نراه يفسر عملية ولادة القصيدة وطبيعة بنائها، ومـن هـذه المقالات (كتابة، البحث عن التكامل، الخروج، التعبير السامي، تناص، خفايا، لا منطق للشعر، جدل، قصيدة نثر، الشعر، المتلقي، شعرية النص) ، فتارة يصف ارهاصات القصيدة عنده كما في مقالة (كتابة ) إذ (تبدأ بعبارة، فكرة، صورة، وإحساس مبعثه مفردة طارئة من حياتنا اليومية اسمعها ) وفي مقالة (البحث عن التكامل) يفسـر كيف يتناول موضوعـة الحب اذ يتخذه رؤيا تكشـف علاقة الحضور والغياب، وهنا يأخذ الشاعر دور المتلقي (الناقد) لأن الشاعر ليس مـن وظيفته التفسير والتحليل لنصوصه، والشعر عند الشاعر طلال في مقالته (الخروج) هـو خروج عـن جاهزية اللغة مثلما الحب هـو خروج عن جاهزية الحياة، وهـنا يقدم مفهوما للشـعر يتفق فيه الشـاعر والمتلقي، وهـذا الامر في مقالة (التعبير السامي) الذي يشير فيه للشعر الذي وحده من يستطيع اقتحام الأعماق والمناطق السرية بحسب رأي الشاعر طلال، الذي يعود لموقع الشاعر ليقرر أن الإحاطة الكاملة بالتجربة الشعرية للشاعر غير ممكنة، الا ان الشعر لا يعبر عـن حقيقة ثابتة، فالخطاب الشعري يحتمل قراءات متعددة بحسب ثقافة المتلقي وتأويلاته.

ومن القضايا التي يطرحها الشاعر في هذا الكتاب الأشكال الشعرية وبشكل خاص ما يسمى بـقصيدة النثر، وذلك في مقالتين (قصيدة النثر، الشعر ) ولما كان الشاعر قد كتب في جميع أشكال القصيدة، فانه يطرح رأيه في هذه القضية، فالشعر عنده هو الشعر -على حد قوله- بأي شكل من الأشكال الكتابية كتب، ويـؤيد الشاعر الإشكالية التي يحملها مصطلح قصيدة النثر، إذ يراه وافدا من الغرب، وفيـه تناقض لأنه يخرجها مـن دائرة الشعر، وفي هذا المجال يحذر الشاعر من بعض الطارئين الذين يكتبون باسم هذا الفن، فهم ولا يمثلونه وتتسـم كتاباتهم بالسطحية والضعف على مستوى اللغة، وما يكتبونه هو أقرب إلى الخاطرة منه إلى الشعر، ولم يهمل الشـاعر مصطلحات مـثل التناص والمتلقي، إذ خصص لهما مقالتين وضـح فيهما وظيفة المتلقي في العمليـة الإبداعية، إذ يمثل ركيزة مكملة لا يمكن ان يغفل عنها الشاعر، وفي كلامه عن التناص يقر الشاعر أن (ليس ثمة نص صاف يكتبه الشاعر فهو مجموعة أصوات يصهرها بنبرات صوته) وعلى حد قول فاليري أن الأسد عبارة عن مجموعة كباش مهضومة، وتؤكد جوليا كرستيفا أن النص هو عبارة عن فيسفساء من الترسبات الراسخة في ذهن المبدع .

في الأخير فان الكتاب وان تنوعت أشكال الكتابة فيه من شعر ونثر إلا أن الموضوعات المحركة كانت ثابتة في جميع النصوص، وقـد نجح الشاعر في الربط بين النصوص الشـعرية بما تحمله مـن ثيمات ومواقف مـن جهـة، والمقالات التي عالجت في معظمها مـوضوعات الثقافة والمثقف، والوطن ومشكلاته، والشعر وتقنياتـه واشكالياته، والمتلقي ودوره من جهة أخرى .

 

بقلم: د. سعد التميمي

 

1065 talalبدءاً، كانت النية في الكتابة أولاً عن إحدى مجاميعهِ الشعرية ؛ ألا وهي "حرريًني من قبضتكِ" ووقع اختياري على قصيدة "حرائق الكلمات"، التي رأيتها البؤرة التي أنطلق منها إلى فضاءاتهِ المُحلقة في سماء الحب المتكامل، لما فيها من شمول حياتي بمقاطعها " 4+1 " القصة وإجمالها، خلاصة السبب والمسبب" تحصيل الحاصل "، لكن حين أطلعت على بقية المجاميع التي استدرجتني عناوينها، لذا عدلتُ عن رأيي وتراني تركتُ مقصدي وتوقفتُ لحظتها، لملمتُ نفسي وشددَتُ عزمي من أن سأمرُ عليها كُلًها كي أتناول ما يساير رغبتي في التقاط الفضاءات الموحية التي توازي وتساوي لوعتهِ في التوظيف من حُب مسكون بأعماقهِ وقدْ استقر منتشياً، لذا لا يستطيع الخلاص منهُ حتى أضحى كمتلازمة حياتية وهووس لا انفكاك منهُ .

إن الولوج لأي مكان ما ؛ بصرياً، أو فضاء ما ؛ تخيلاً، لابد وأن يكونِ عِبر " العتبة " التي هي في الأساس المثابة التي ترشدك إلى الجهة التي تنوي الوصول إليها، وعلى الأكثر نلاحظ علامة " رأس السهم الحمراء " تقبع هناك عند مداخل الأمكنة كدليل تعريفي، وهذا هو المدخل الرئيسي للدخول " الشرعي " لذا نطبقهُ بشكل عام في حياتنا اليومية المعاصرة والتي تتطلب منا الدليل في ظِل زحمة العناوين وكثافة أسطرتها، أما في الأجناس الأدبية، فيمكن الحال نفسهُ أيضاً، ونرى هُنا في " الشعر " هي المرآة العاكسة أولاً لجسد النَص، ثم تأتي بقية الهيكلية تباعاً .. فاستخدامها يكون على وفق ملكات وأدوات الشاعر التي يحيطُ بها، وقدْ يحسبها تختتم ربما بـ أُحادية تفي بالغرض، يطوي قصيدته أو مجموعتهِ، ويكتفي بها، لكن يلاحظ من أن عتبات " الغوار " على الأغلب جعلها " ثلاثية ورباعية " على الأرجح، كما يبدو لي بأنهُ ينوي الإحاطة الكاملة لتغطية جسد النص تماماً، خذ مثلاً من عنونة مجاميعه : الخروج من الأسماء، الأشجار تُحلق عالياً، السماء تتفتح في أصابعي، حرريًني من قبضتكِ، احتفاء بصباحات شاغرة، أول الحُب ... آخر المعنى .. هذا البناء المعماري الذي وظفهُ في العنونة جاء طبقاً للمناخات التي يواكبها وفق الحدث القائم حينها، وربما من الطراز الذي يؤسس فضاؤهُ الشعري والنثري معاً ؛ لهذا كانت نهاياتها قصوى وحادَة معمارياً للمفردة التي تتحمل ثقل نفسيتهِ في متاهات بعيدة منها " التحليق – تتفتح – الخروج – احتفاء- إنثيالات – الخروج – أول المعنى " هي اسطرة عن واقعهِ على أقل تقدير . ربما يستدل المتلقي بأن سيرتهِ وفق المفهوم السيكولوجي بأنها تحملت مصائب وتصدَعات حياتية قد مرِت بهِ فتنفسها وشهق بهذهِ النصوص كتنفيس ليس إلا، وكما قلنا بأن مراحل حياتهِ وعوالمها قد داهمها التوجس والتشتت، لذا أثرت على مسيرتهِ بكل هذا الكم من الويلات التي رصدناها بتروي وجلَ ما نطقت به نصوصهِ بالتصدع القهري الذي لازمهُ طيلة الفترة التي عانى منها .

هذا الزخم الحاصل بكثافة العنونات ربما ينوي بها توضيح الإشارية قبل الولوج في " المتن كي يسهل للمتلقي التمهيد الأولي " فهي تشكل باعتبارها سيميائية متجلية تسهل للمتلقي بعض الغموض " علامات وإشارات دلالية تفتح أبواب النص أمام المتلقي \ القارئ، وتزودهُ بطاقات يكتسح من خلالها ميادين النص، وهي شفرات تفك رموز النصوص، وتجذب القارئ نحو القراءة والولع والعشق بالكتاب، فالتعبات وظائفها السياقية والدلالية والإشارية " 1

كان هذا الولوج في عوالم الشاعر طلال الغوار كعرض تعريفي أكثر مما هو نقدي بتحليلهِ وتأويلهِ، لأن الاسم " طلال الغوار " بحد ذاتهِ " عتبة قرائية " فـ " طلال " يعني " الجمال والحسن " و" الغوار " الذي يسبر أعماق الأشياء " متعمق النظر " لذا لمحتهُ يغور في متنهِ عُمقاً وخاصة في نصوص " الحُب " الذي أذهلني توظيفه بحق، كل شيء لديهِ هو " حُب " يا تُرى كم يمتلك هذا القلب من نصاعة روحية ؟!... من المستحيل أن يضم القلب كل هذا الحُب ويجعل للبغض حيزاً فيهِ. لكن يمكننا إستدارك حقيقة كلما تعمقنا في الغوص أكثر، نرى من أنهُ لا يعني بالضرورة ذلك الحب الذي هو متعارف عليهِ بين جنسين، بل هو تآلف روحي بين الأشياء من شجر وحجر وسماء وارض وغيرها من ماديات مهملة وهامشية، وأيضاً هو مع البشر ضد الطغيان والظلم لاستمرار الحياة ضد الموت، الاخضرار ضد اليباس، الجمال ضد القُبح، السلم ضد الحرب، وهكذا جرياً برؤاهُ .. لذا جاءت أنسنتهِ لكل ركن يمر به يصبغهُ أخضراً بالتوظيف الجمالي، كي يكون الأقرب لقلبهِ المخضل بنماء الحُب .. فالحب المُطلق لكل ما يراهُ يستحق ذلك فهو " الوطن، المرأة، الناس " هذهِ العوالم جعلتهُ أن يوظف حياتهِ لأجل ذلك، فالحالة التي مرَ بها من الضيق والعُسر والاغتراب أراد لها أن تكون على مرمى قلمهِ، فجاء ذلك الأتساع بالسمو والرفعة.

فـ الحُب هو ذلك الاحتراق الشعوري ناتجٌ عن نبض قلب ورهافة ضمير، احتكاك القلب بدفقة هو الأقرب لمعرفة ما يغور وما يتجلى، فالحب هو جمرة ذلك الاتقاد، الاحتراق في الاشتغال الروحي، من هذا الاسترسال فيهِ أي " الحُب " يتوالد منهُ عدة تعاريف يمكن إجمالها وحسب قوة الميل العاطفي بنشوتهِ : الأيروس الخاص بالحب ألإغرائي \ وفيليا حُب الإنسان \ أجابا الحب الروحي بين الخالق والمخلوق، عرفانياً .. ومكملاتهِ حُب الذات \ النرجسية \ وغيرها الكثير، هذا كله نتاج من تقلب القلب خلال دفقاتهِ، فالحب كما عرفهُ " أرسطو " : مادة روحية ترفع من شأن البشر وترفعهم إلى مستوى الإلوهية في عين المُحب "2

ويمكن ذكر قول الكاتب الشهير " برنادشو " أيضا: الحب يستأذن المرأة في أن يدخل قلبها، وأما الرجل فأنهُ يقتحم قلبهُ دون استئذان، وهذهِ هي مصيبتنا!.. "3

كذلك أكملها " أفلاطون " بحبه الخارق لطبيعة الجنس البشري : " ذلك الحُب الذي ينشأ بين العُشاق الذين يسمون بأنفسهم فوق رغبات الجسد وشطحات الجنس، وهو القائل : ما في العاشقين أحسنُ مني ...أنا اكتفي بنظرةٍ من بعيدِ" 4

هذا المهووس بتعقل للحب الأخضر وظفهُ ليس ترفاً جمالياً حسب، وإنما هو مكنون يخالج شعوره أبداً، بدءا من فضاء السِحل وحتى تخوم الشام، ومن عنونة قصائدهِ " أيها الحب، حُب، حُب، حُب " هذا التكرار التأكيدي في العنونة جعلهُ يرسو بحقيقة واضحة من كُثر ما ذكرها أي مفردة " الحُب " ويعلنها جهاراً، حتى أفرد لها اسم مجموعتهِ الأخيرة " أول الحُب ... آخر المعنى " تضامناً مع مكنوناتهِ، يلاحظ للمتلقي من أنهُ مهووس بمتلازمة الحُب، وكما أسلفنا ليس الحب المتعارف بين جنسين، وإنما حُب عالمي تأكيدي، حياتي، تكاملي، فلسفي، من الواضح أن نتعرف لتجلياتهِ قبل إطلاق المفردة على عواهنها المعهودة، لكن بتبصر مجازي وتورية واستعارة وغيرها، للسبب والمُسبب معاً، قبل أطلاقها بشكل جزمي متعارف . " فإن عنوان المجموعة يكشف عن ثيمة مهيمنة تتمثل في تدوين سيرة البلاد في صورة المرأة الحبيبة، مما جعل مفردة " الحُب " تهيمن على معظم القصائد، فالمرأة التي غالباً ما يخاطبها هي البلاد التي تناءت وتداعت على يد المخادعين " 5

ولكي نعرضُ ما أعلناهُ في مستهل دراستنا، نذكر الآن بعضاً من المقاطع الشعرية التي تخص اختيارنا، وهي أساساً عرضاً، لا نقداً، تعريفاً وليس سرداً أو تأويلاً، ونقتطف من واحتهِ الخضراء المخضلة بعضاً منها، وها هو مقطعاً من قصيدة " الغياب " ومجموعة " الخروج من الأسماء " 6:

" أقف في الطرف الآخر

من صحرائي

واسأل نجم صباي

عن ضفاف اختفت "

كمن هو يراقب الحدث على حافة الضجر، فالصحراء بامتدادها الخرافي تمثل لهُ حياة متوقفة، موت عياني، انهيار بعد قتل الاخضرار الذي كان سائداً قبل وقوع الكارثة، فما جرى لها غير أنها امتدت زاحفة بتسارع كي تمحو ما كنا نتفاخر بهِ فأضحت زحفاً من الرمال التي تلهث بسرابها، ومثابتها أنها كانت " الطرف الآخر " كتحديد للمكان وهو " الوطن المستباح " الذي كان ينظرُ لهُ من أعلى قمة جبل قاسيون .

ومن مجموعة " الأشجار تُحلقُ عالياً "، وقصيدة " أحلام في غيمة ." 7

" ما الذي سأفعله

من أجلك يا طفلتي

وليس لي غير الكلمات

خذيها

اقتضي جلدها

تجدي طفلا

يحزم أحلاما في غيمه "

أسئلة حيرى صارح بها الطفلة، لكن ما جدوى ذلك !..، تبدو استحالة " مُطلقة " غير ممكنة، وحين نستنطق النَص يبدو لنا أنها ممكنة رغم استحالتها، فالكلمات هي خير تعبير ونتائجها ملموسة جذرياً، ربما هي أحلامها الوردية، ملائمة ومواءمة عمرياً، فالحلم الإشراقة التي ننتظرها بترجي وصبر، فهناك بارقة أمل توحي بذلك، ويمكن رصد ذلك من خلال مفردة " الأحلام" التي وظفها لمراتٍ عدة وكأنها أحلام عصيَة لا يمكن تفسيرها البتة وكأنها " الاستحالة"، أي من الممكن استحالة ذلك وفق المنظور التفسيري، إلا أن البحث عن دليل يرشدنا باستقراء تتابعي عيني كي يثبت صحة رؤاهُ، إن لم نقُل إدعاؤه على شكل شكوى أو استغاثة مرجوة، حيث يستدرك القارئ بأن الغربة تشكل هاجساً مرَاً في نفسيتهِ وكبؤرة أو مثابة ينطلق منها لبث همومهِ ورصفها بترتيب أدواتهِ القاسية مثل : الحزن، الشتات، القهر، الاغتراب وغيرها من مكملات اللَوعة، ويظل هذا التوظيف متصاعداً طبقاً للحدث، الماضي، الآني، اللاحق، ومرافقاً لشهقة النفس الحادَة .

ومجموعة " السماء تتفتح في أصابعي " والقصيدة المُختارة " 8

كي أكون صالحاً للحُب

آخيتُ روحي بالينابيع

وكلماتي بالعشب

كلماتي التي سأحزمها يوما في حنجرتي

وأمضي بها تحت غيمة

لأترك اخضرارها ينمو على راحتكِ .

وعودة ثانية وثالثة للحب الذي أخذه هوساً في الاستذكار والتوظيف الذي وجدهُ بضوابط قلبية يستحقها عن جدارة قلب ينبض باخضرار رغم عوادي الزمن المتسرع بخبثهِ وقلقهِ، كُنَا قد سردنا القول بـ انسنتهِ للأشياء، وها هو يتآخى مع الينابيع كونها دفقات خير لأدامه الحياة التي يستحقها كما يتمنى، فالعشب ديمومة " النماء " التي تتشكل حياتياً مع الاستمرارية التي ينشدها،

أما مجموعة " حرريًني من قبضتكِ " وقصيدة " عُشبة الانتظار " 9

مذ تماهت معي

عشبة الانتظار

وتآخت بروحي

صرت أشعل بين يدي

هشيم الغياب

وأحمل نافذتي للمطرْ

فكأن السماء

تتفتح زنبقة في الأصابع

والأقاصي

على رميةٍ من حجرْ.

التماهي مع الشيء هو نوع من التماثل والتعانق الروحي، فـ عشبة الانتظار تشكل مع بقية العوالم بذرة حياتية تنمو وفق مسايرة مأخوذة بتعاطف، هي الصبر الذي لازم الشاعر منذ المستهل الأول، ومازال يقتحم صعوبات الواقع الراهن. التنبؤ الذي حصل وسيحصل لاحقاً، هو نتاج عقلي طرحهُ في مكنونات رؤاهُ وكأنهُ على دراية ما يحل بنا من أزمات عصيبة نمر بها، هذا الكشف والإستبصار ملكة شعرية تلازمهُ كل لحظة حين يلتفتُ للجهات التي يُحدق بها عن بعد، التجلي الذي بثهُ في استبطان كان يدخرهُ، هو من مسلمات الصبر التي وفرها لهذهِ الفترة .

والمجموعة " احتفاء بصباحات شاغرة " وقصيدة " حُب " 10.

لمْ يعدْ لي من الغناء

ما يكفي يا حبيبتي

حتى أوقظ الطرقات

احتفاء بك

أو أرتًل الشجر

كي تواكب خضرة َ أحلامك .

في هذه الفقرة أراهُ يُمهد للاعتذار المُسبق بأن الغناء لا يكفي للاحتفاء المُنظر، لأن أحلام الطفولة شبه استحالة بالتطبيق على مقياس الطفولة الباذخة بالتمني التي قد لا تستوعبها حتى الطرقات والدروب، يلاحظ نهاية النَص أضفى لهُ " خضرة " النماء الروحي الذي يتعش النفس الإنسانية ن فكيف للقلب أن يتسع كل هذا الفرح وإلا يُصاب بذبحة حٌب الوطن، كما هو حب " السَاموراي " الياباني الذي يُعالج قضية مصيرية باتة في الإخلاص لوطنهِ .

والمجموعة " أوَل الحب ... أوَل المعنى " وقصيدة " أوَل الحب " 11

التفاحةُ التي أغوت بها حواء

أبانا آدم

قضمتها

هي أول العصيان

لكنها كانت أول الحُب

ولأنهُ أراد من الحُب أن يكون أول منزلٍ للقلب، أستهل بالإغواء الذي إنطلق منهُ وهي " التفاحة " التي مثلت دلالة الاستدراج وأتخذها مثابة الولوج رغم أنها تمثل \ القضم + اللَذة = العصيان، هذا الاستبيان يعاضدهُ تناصاً من النسق القرآني، لكن على ما يبدو أنهُ تماشياً مع القرآن بأن \ آدم = الأب، والأم لم يذكرها بالاسم = حواء، مثلت فعلتها التي تبرقع بها الرجل دون المرأة .

إجمالاً وعن يقين راسخ بأن الغوار لهُ ملكة شعرية فائقة في الرصد والتقاط من اليومي المعاصر استنباطا، استقراءاً للأحداث التي ستحصل، لذا نلاحظهُ يضع احتمالاتهِ التخمينية، ثم يقيس على أثرها تلك الرؤى، فكان تكرار الحب ذخيرة ذلك المكمن وقد أصبغهُ ورصعهُ من عندياتهِ الوفيرة ملائمة للوضع الراهن، فجاءت مفرداتهِ المخملية الوضاءة، المشرقة بالإبتهاج الذي يُفتح النفش شهية للذي بعدها منها " الصباحات، السماء، النهار، الكلمات، النهر، الأشجار، الغيم، الحُلم، الأغاني، الانتظار " وكأنها بنسب تعويضية لإكمال الحُلم .

فالحب هو الحاجز الروحي الذي يبعدك عن الموت لوهلة تطبيقهِ أو استذكارهِ في حياتنا اليومية، هو ديمومة العيش الفاعل وأسمى شعور أنساني عرفتهُ البشرية وطبيعته في تلاقي القلوب جذباً . لقد وظف مجاميعه من الألفاظ التي تهيمن على تجربته الشعرية الوجدانية تارة، وأخرى إرهاصات حلم يراهُ منتجاً رغم رمزية وبمعناها البعيد عن التداول بدلالاتها وصورها وحسب موازنة ذلك القياس الإيحائي من تناص وتضمين واقتباس يتمحور حول المعنى، لكن ببعد فلسفي وصوفي وعرفاني كي يدرك كهنة الموضوع بمعالجة رصينة توحي للمتلقي استدراك ما فاته لحظتها . وكما قرأتُ لهُ في أغلب نصوصهِ من أنه تصطبغ عنده الأشياء بلونية الأخضر من سهل وجبل ونهر وشجر " وقد وردت لفظة الأخضر ثماني مرات في القرآن الكريم، واستخدمت كلمة أخضر لبيان ماهية وجمال ثياب أهل الجنة " 12. فهذا اللون من مغريات العباد كجزاء ومنحة للفوز بالجنة ن لما لهُ من راحة ودفء وابتهاج دنيوي لتأثيره الواضح والملموس فيزيولوجياً ونفسياً على حياة الإنسان، فكيف سيكون آخروياً !.. .

فكان " السِحل " وفق الصيغة التي أوردناها، هو المكان الشمالي للمدينة مهبط الصبا ومرتع الفتوة والشباب، البقعة الخضراء التي إستبطن لونيتها، وقد تجمع بطبيعتها الخلابة كل الفصول لحظة الاختلاء الحُر، هو المكان الأثيري الذي أصبح مرتعاً للشعراء الشعراء وأرباب الأدب كي يستلهمون منهُ الإلهام في خلوتهم الروحية، الصفاء والنقاء والحب، فتنمو الملكة الشعرية إيحاءً بخضرة يانعة، هو مثابة الإنطاق إلى الأقاصي البعيدة، فكانت للطبيعة الدور الأهم في تشكيل معظم قصائدهُ الخضراء التي تنمو من أديمهِ بإخصاب حياتي من روح وحياة عجنها بالحب والعُشق، كونهُ منفتحاً ببراءة يافعة عليها منذ نعومة أضفارهِ، وصولاً إلى كهولتهِ الناضجة معرفياً . وكما متعارف عليهِ بأن اللون " الأخضر " موروث شعبي مقدس، لهُ ميزة في نفسية أصحاب الطرق الصوفية والعرفانية، لما لهُ من حدس النقاء والصفاء والطُهر حتى نهاية الحب المنشود .

 

بقلم : عدنان أبو أندلس

...............

الهوامش :

1- د. ماجد قائد، جمالية التلقي في الكتابة الشعرية العربية، من العتبات إلى النص، مقاربة للنشر والصناعات الثقافية، فأس، المغرب، ط1، 2018، ص 60 .

2- قول الفيلسوف اليوناني أرسطو – فلسفة الطبيعة .

3- = الكاتب الإنكليزي جورج برنادشو .

4- = الفيلسوف اليوناني أفلاطون .

5- د. سعد التميمي، فضاءات المعنى، مقاربة دلالية في تجربة الشاعر طلال الغوار، مجموعة مقالات، دار الينابيع، دمشق، 2018، ط1، ص 22 .

6- طلال الغوار، المجموعة الشعرية 1، الخروج من الأسماء، دار الشؤون الثقافية ؛ بغداد، 1996، ط1 .

7- المؤلف نفسهُ، المجموعة الشعرية 2، الأشجار تُحلق عالياً، الدار نفسها، 1998، ط1.

8- =، المجموعة الشعرية 3، السماء تتفتح في أصابعي، الدار نفسها، 2003، ط1 .

9- =، المجموعة الشعرية 4، حرريًني من قبضتكِ، دار تموز، ط1، دار الينابيع، 2017، ط2، دار ا ‘ دمشق .

10_= ‘ المجموعة الشعرية 5، احتفاء بصباحات شاغرة، دار بعل، دمشق، ط1 و2 ‘ 2014 و2017 .

11_ =، المجموعة الشعرية 6، أوَل الحُب ... أوَل المعنى، دار بعل، دمشق ‘ 2016، ط1 .

12 _ د. علاء الجوادي، موقع النَور الإلكتروني، 23-5-2018 .

 

عبد الله الفيفيألَّفَ (أبو العباس أحمد بن علي بن معقل الأزدي المهلَّبي، 644هـ= 1246م) كتابه «المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي»، وهو كتابٌ مهمٌّ في بابه، وفي دراسة تلقِّي شِعر أبي الطيِّب وفهمه عبر العصور.  غير أن مَن يقرأ مآخِذَ ابن معقل لا يلبث أن يلحظ مآخِذَ عليه هو في مآخِذه نفسها. ولعلَّ (الواحديَّ) كان، في بعض شرحه شِعر المتنبِّي، أقرب إلى استقراء السياق من زميلَيه (ابن جِنِّي) و(ابن معقل).  شاهدُ ذلك أن (ابن معقل) خطَّأَ (ابن جِنِّي) و(الواحدي)، وهو المخطئ؛ لأنه لا يلتفت إلى سياق الأبيات، وإلَّا لوافق الواحدي.  قال ابن معقل(1):

«وقوله:

لا تكْثُرُ الأمْواتُ كثْرَةَ قِلَّةِ

إلَّا إذا شَقِيتْ بكَ الأحْيَاءُ

قالَ [ابن جِنِّي]: قولُهُ: «كَثْرَةَ قِلَّةٍ»: يقولُ: إنَّما تكثرُ الأمواتُ إذا قَلَّ الأحياءُ، فكَثْرَتُهُمْ كأنَّها، في الحقيقة، قِلَّة.

وقوله: «شَقِيَتْ بكَ» أي: شَقِيَتْ بِفَقْدِكَ، فحذفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إليه مَقامَهُ، وهذا كقوله تعالى: «ولكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بالله».  وقَوَّى ذلك بما حكاهُ عن أبي عمرو السُّلَمِيِّ، قال: عُدْتُ أبا عليٍّ في عِلَّتِهِ التي ماتَ فيها، فاستنشدني:

لا تكْثُرُ الأمْواتُ كثْرَةَ قِلَّةِ

إلَّا إذا شَقِيتْ بكَ الأحْيَاءُ

فلم أَزَلْ أُنشِده وهو يستعيده، إلى أن ماتَ!

قالَ الواحديُّ: وهذا فاسدٌ من وجهَين:

أحدهما: أنه إذا مات واحدٌ لا يكونُ ذلك كثرةَ قِلَّة.

والآخَر: أنه لا يخاطَبُ الممدوحُ بمثل هذا. قال: ولكنَّ المعنَى أنه أرادَ بالأموات القتلَى، لا اللذين ماتوا قَبل الممدوح. ومعنَى «شَقِيَتْ بكَ» أي: بغَضبك عليهم، وقتْلك إيَّاهم. يقول: لا تكثُر القتلَى إلَّا إذا قاتلتَ الأحياءَ، وشَقُوا بغَضبك، فإذا غضبتَ عليهم وقاتلتَهم قَتَلْتَهم كلَّهم.

وأقول [ابن معقل]: إن قوله: إنه أرادَ بالأموات القتلَى لا الذين ماتوا بغير قتلٍ خطأ؛ لأنَّ في ذلك صَرْفَ الكلام عن ظاهره، وحَمْلَه على المجاز من غير عِلَّة مُحْوِجَة.

والمعنى: لا تكثُر الأمواتُ الذين في القبور إلَّا إذا غَضِبْتَ على الأحياء وقتلْتهم، فحينئذٍ تكثُر الأمواتُ بمن قتلْته لإضافتهم إليهم، وتلك الكثرةُ قِلَّةٌ؛ لأنه لا فائدةَ لهم فيها ولا انتفاعَ بها.»

  والبيت الذي بعد البيت المختلَف على معناه بين الشُّرَّاح الثلاثة- (ابن جني) و(الواحدي) و(ابن معقل)- يفسِّر معناه، ويؤكِّد قراءة الواحدي، على الرغم من أنه لم يحتجَّ بذلك البيت.  فالمتنبي يقول:

لا تكْثُرُ الأمْواتُ كثْرَةَ قِلَّةِ

إلَّا إذا شَقِيتْ بكَ الأحْيَاءُ

        والقَلبُ لا يَنشَقُّ عَمَّا تَحتَهُ      

حَتّى تَحُلَّ بِهِ لَكَ الشَّحناءُ

فـ«الأموات» يقصد بهم: القتلَى، الذين إذا حلَّت بقلوبهم الشحناء، انشقَّت عمَّا تحتها من مضمرات، فكان ذلك سببَ هلاكهم، رُعبًا من الممدوح، أو قتلًا على يديه. 

وبذا فإن الواحدي على صواب.  على أن لقراءة ابن جني وجاهتها أيضًا، غير المتعارضة مع السياق. 

أمَّا فهْم ابن معقل، فلا تفسير له، ولا لقوله إن تفسير الواحدي صرفٌ للمعنى عن ظاهره، وأن الشاعر يقصد كثرة الأموات الذين في القبور، إلَّا انصراف ابن معقل إلى البيت وحده، مقطوعًا عن البيت بعده.  إضافة إلى نزوعه الغالب لإظهار مخالفة الشُّرَّاح، بحقٍّ أو بباطل.

وهذا نموذج من نماذج ما كان يُحْدثه إهمال السياق في تراثنا النقدي العربي من اختلافٍ في فهم النصوص ومِراءٍ بعدئذٍ لا طائل من ورائه.

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.....................

(1)  (2003)، المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي، تحقيق: عبد العزيز بن ناصر المانع (الرياض: مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلاميَّة)، 1: 17- 18.

 

1058 سعد ياسينكثيرة تلك البواعث التي تدفعنا بصورة عامة إلى البحث عما يناهض ما تألفه النفس؛ وأي نفس إذا ما رافقها واقع مرفوض، يقوم على القلق وتشظّي الذات اللاهثة وراء الخلاص المنوط بالتجديد؛ لعلّه، يمضي بنا نحوالأفضل. فهي ثورة على سبيل الهروب بكلّ مضاد لقوى الشدّ المعاكس لقضبان الاغتراب؛ إنها في شقوق الواقع غير المتوافق معها:

"وبحُزنِ غيمةٍ عاقرٍ

تدورُ قطرة ُماءٍ يتيمة ٌ

على شقوقِ الأرض ِالّتي اشرأبّت منها أفاعٍ ...."

إنها ذائقة الشعراء؛ أوّل الثائرين على هذا الواقع؛ فهم الأكثر ارتباطاً بقيمة الفرد وحياته؛ ليجسّده شاعرنا بعناوين دواوينه السابقة: "شجر بعمر الأرض" و"شجر الأنبياء" و"الأشجار التي لا تغادر أعشاشها" و"أشجار خريف موحش" و "أشجار لاهثة في العراء" الذي نحن بصدد قراءته وسأختصرظواهر لفتتني في هذا الديوان والذي من حقه علينا أن أذكرها . فقد لمست ُالشعر والشعرية كاملة بجلِّ عناصرها من رمز،وإيحاء،وتكثيف، وصورٍ شعرية معمقة، إضافة إلى ما هو الأهم وهو البعد عن التقريرية . وكلّ سمة من هذه السمات يحتاج إلى قراءة نقدية معمقة لنفيها حقها، وكلّنا على حدّ قوله: "أشجارٌ لاهثةٌ في عراءِ الأسئلة"، لماذا، وكيف، وهل، وإلى متى؟ وما هذا بجديد إذا ما التفتنا إلى الشنفرى، وأبي نواس وأبي تمام، والمتنبي، والدادائيين، والمحدثين في الغرب والشرق... وليس من همي الوقوف على الأسباب وحلّها، فكل هذا ألوان للاغتراب وشدائد المعاناة التي جعلت من ذائقة الشعراء حُبلى بجنين الشعر، يكرس لنا الانخراط مع واقع اجتماعي، يؤمن بأن الأدب موسوعة اجتماعية أداته لغة من خلقه إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ثراء مسيرة شاعرنا الأدبية د. سعد ياسين يوسف، يبثّ لنا معاناة اغترابه بينه وأهله ووطنه، وهو ينوء بحضارةٍ تحدّر عنها الأمن والسلام صوراً إشارية تلميحية بإبداع فني وفق انحرافات لغوية زاغت عن المعتاد القياسي؛ ما أثرى ديوانه وفعّل شعرية النظم الباعث على عصف ذهن المتلقي لإثارته على سبيل الفنتازيا المُمنطَقة والسريالية المُمّنهجة جدلية الصامت الصائت كما في قوله:

" الدَّمعُ صفيرُ الرّيحِ ... ونشيجُ الرّملِ ...

إذْ ينهمرُ على جدارِ لحمِنا الحيّ عارياً

تحتَ غيمةٍ ... تُمزُّقُها أنيابُ الظّهيرةِ "

نظم عذب مسبوك بلُحمة النسيج، وبديع التصوير الذي يخاطب عقولَنا قبل وجداننا - الفائق في أنماطه وتشكيله الفني المشرق بصورة الشجر الخريفي للواقع، الفارع بسماء الحرية؛ سماء لم تكد تغيب قداستها الخاصة في جلّ قصائدة؛ فهي ربّة الحرية ومعراج الانطلاق ودرب انعتاق حالم عربي عراقي أبي أشم، رسم لنا لوحة مجد لمستقبل زاهر وإن بدت فيها "عيون الصبار" و"عشبة السماء"؛ فهي "ليست مجرد خيال" أو "تلويح"، بل "ارتقاء" ثمّ "تحليق" "بين زرقة وأفول" و"مكابدات خيمة"؛ لأنها "شجرة الانتظار" و"هديل الوردة العالية" التي أخرجت شاعرنا من دائرة (الأنا ) تلك القيمة الفردية إلى معترك (النحن)؛ دائرة القيمة الجمعية.

إن المتتبع لهذه العناوين؛ ليجد بأنها أثرت هذا التقديم الذي يفسّر -بإيجاز لا يتفق والتبسيطَ - مؤدى شاعرنا/ الصائت لتلك الأشجار/الصامت: المغتربون المتجذرون الذين يتناوشون عنان السماء بعد أن عرّتهم المكائد،ولوّحتهم فصول الخريف المتآمر، وألهبتهم فصول الصيف الخائن، وأسقمتهم فصول الربيع الخائن، وهزتهم ريح الشتاء المتخاذل؛ وهذا بيت القصيد لدي، أما لدى شاعرنا؛ فقد جسّده بـ: (شَجرة القصيدة)

"تلكَ المُتواريةُ

وسطَ كثافةِ أشجاري

تلوِّحُ لي من نافذةِ الرّوحِ

وتهربُ......

تُوقِظني مَلسوعاً

خلفَ خطوطِ الزّمنِ،

بحثاً عن قدمي، كفّي ،

عن عيني المأخوذةِ برَهبتِها"

إنها مرآة الوطن التي نفسر انعكاساتها بموضوعية (ماكس بلاك) عندما جعل من التعبير الاستعاري استخداماً تعبيرياً حرفياً معادلاً له بميسم "النظرة الإبدالية" التي نراها تتواءم ما بين الدالّ/ الشجر، والمدلول/ المجتمع القائم على إلحاح باطن الذهن ومُعَامله الذي يكرر ألفاظ الأشجار والسماء وأدوات الحرب بشكل لافت لما يشي بأهمية ما يكرره المبدع بغية الوصول إلى مقاصد شاعرنا الذي تجاوزنا معه النقد الموضوعي المسطح؛ فقد تخطّاه بكل فاعلية واقتدار.

لقد جاء عنوان الديوان وفق صياغة فلسفية ذات تأثير كبير في بنائه الفني والشعري - تعاملتْ مع النصّ ببعد دلالي رمزي مكّن المتلقي من استقبال النصّ داخل مساره الذهني نتيجةً مقروئية لسيميائية خطاب إبداعي، ينطوي بنائياً لـ: "أشجارٌ لاهثةٌ في العراء" مكونات اسمية لا فعلية، تدلل على ثبات الواقع وجمود الحال بمعجم ألفاظ الشقاء في تصميم، يؤكد بأن الوطن إنسان عارٍ، وما زال ينشد السموَّ والحرية شجرةَ خلد، تعرج به جور شقوق الأرض إلى عدل السماء خلافاً لشجرة آدم؛ فمن نعيم السماء إلى شقاء الأرض، ليتفقا معاً على أن الغواية هي السبب... ولكنْ أنّى له الخلاص؟ وليس ثمّة إجابة وهو القائل في هذه المقاطع:

" عابراً

بحرَّ اشتعالِ أشجاري

بأسئلةٍ  ثقالٍ ..."

"على كتفِ زورقي

ألفُ حجارةٍ من سؤالٍ ينوء بها تارةً "

وهي تبحثُ عن شمسِ إجاباتِها ... "

..........

"وتارةً يشمُّ ما تبقى من قميصِ السَّماءِ

قبلَ انكسارِ الضَّوء ِ "

وما مرجعية هذا البوح إلا معاناة وشقاء تسعى إلى الخلاص من واقع مأزوم بالتقتيل والتشرد والخوف واليأس، سبيلاً تنكب رمزية الحبيبة مرة والحالم الباحث عن أشجار الربيع ولو بعشبة السماء مراتٍ كثر،ليبحثَ في المكانِ عن "عشبةِ الإجابةِ" "بعد أنْ غمرَهُ ثلجُ السُّؤالِ ..."

"وهيَ تتفقدُ كلَّ يوم سِلالَ زهورِها البيضاء

المحدّقةِ في شجرة ِالسَّماء ..."

باختناقِ الحروف ِ

.....   ......

"وهم يسرقونَ فضاءاتِ الضِّياء ِ بملابسِ الحجرِ المقدَّسِ

ويسحقونَ عشبةَ السَّماءِ !!!"

عشبةٌ حبيبةٌ بحجم الوطن أو لنقل وطن بحجم حبيبة، تعمر الأرض ببوح شاعر فحل واكب النهوض بكلماته الجزلة الرائعة ليسمو بصاحبة الضياء والحرية لكل ما يقرّبه منّا على سبيل جدلية، تُريه منها جانب الحرية المنشودة عندما يتوحّد معها بإدراك حقيقي وشخصي، يتنفس الذات معها والموضوعَ معاً في اتحاد مطلق؛ ولا غرو في هذا فهي(شجرةالابتسامة):

" تلكَ الَّتي أشرقتْ ذات َمساءٍ

ملوّحةً بغُصنِها المُبلَّلِ

عابرةً آلافَ المدنِ ...

وكلّما رأيتُها ..

عمَّدتُ وجهي بزهورِ يَديها

فتشرق فيها في أقصى الأرض ِ

شمسٌ أخرى ... "

تأتي بأكبر معاني السمو والعلياء، نعم؛ إن وراء كلّ شاعر عظيم شجرة ...، بات فيها جميل القول جميلا، وتبتل صمته في محراب جمالها جمالاً وهو القائل:

" كانت فراشاتُ المساءِ

على رمشِ السّؤالِ

تصبغُ جبهتي بحفيفِ أجنحةِ الأسى

وتغورُ في صمتي

وتفرُّ من جرحٍ لجرحِ ... "

- كما ويقول :

"حملتُ لآليءَ صمتي على كفَّي رملِ الشّاطئِ"

فمن هنا تحديداً، يتسلل إليه فرط من الجوى وكومة من تفشيّ الهمة؛ فلا خيار إلا الانتظار الذي عنون به قصيدته المرجعية (شجرةُ الانتظار) بقوله:

"وجهيَ لم يعدْ ...

على الإمساكِ بالضَّوءِ فأنكرَني،

حينَها لم تعدْ لي أيُّ سماءٍ,

أو فراشةٍ.

لم تَعُدْ أجنحتي تَبسطُ الأفق َتحليقاً ولا ....

كانتِ الوردة ُ ترنو .....

فوقَ غصنِ الطُّرقاتِ"

إنه الردّ بالإحساس الذي يفوق مدارات الإدراك، ... إنها السريالية بعينها...، لغة الكبار الذين يعصفون بأذهان من خيّم عليهم الكدُّ والحزن؛ لينأوا بهم عن شقائهم هذا ولو قليلا بمثل هذا البوح الرائع الرائق الجميل كما الخمر تجلي هموم الشاربين ولو للحظات...، وفي الحقّ فإن هذا البوح من ضمن جماليات ما قرأت من أشعار وأصدقه؛ فتعجّ قصائده بجمال هدوء التراكيب وسكينة معاني البيان "لأشجار لاهثة في العراء" خلخلت سكون الديوان أجمع؛ ما خلق لديه تباين كبير في السلم الموسيقي انعكاسا لقلق ذاته وبالتالي الإيقاع الداخلي على مستوى "الفونيم" الواحد مع الآخر ليشكّل مقطعا كاملا بين القرار والصدى، يتواءم مع بقية المقاطع الداخلية وفقاً للتراكيب البنائية للنصّ؛ ما يشكل بدوره إيقاعاً خارجياً على مستوى النصّ الواحد، بل الديوان أجمع، ويعاضده في ذلك تباين عناوين تلك القصائد القائمة على ما يشي بالهدوء والسكينة مرة، والغضب والثورة ومرة أخرى، لهذا عمد شاعرنا إلى معاجم عديدةٍ، كان من أبرزها الحرب وأدواتها، والأديان، والحب، والطبيعة، والحياة اليومية، والأسطورة، والشقاء، إلى جانب الهبوط والانكسار الذي ما برح يطاول النهوض والعلياء؛ فإن دلّ هذا على شيء؛ فإنما يدلّ على قيمة عمله الأدبي بمحتوىً فني، عزز لدينا منظومة الوعي الحياتي عامة والديني خاصة، لأنه إدراك حقيقي لمعنى الحياة، ويدرك شاعرنا هذا، بل يدرك أهمية تعالقه ومجتمعه، ما ينعكس على عناصر الطبيعة التي تأزمت بسلبيات تباين العادات والقيم والأديان والطوائف والأعراق - حتمية نفسية أحادية الاعتماد في المتحوَل؛ لأننا نراه يقحم كلٌّ منهما الأخرَ على نفسه - تبادلية التعالق في الثابت لأننا أيضاً ألفينا واحدهم، يجسّد الأخر في غير موضعه، فمن هنا جاء الضجيج من أروقة الطبيعة/الصائت وعالم الذات/الصامت، وللاستدلال على كلّ ما سبق ذكره بإيجاز بالغ؛ فنستشهد مثالاً لا حصراً بقوله:

(بينَ مَوجٍ... ومَوج ... وهوّةٍ ...طاعنةٍ بالزُّرقةِ ...)  و(... وتارةً يشمُّ ما تبقى من قميصِ السَّماءِ") (قبلَ انكسارِ الضَّوء)،(تعاويذَ قديمة، ورقَ الآياتِ المتساقطةِ من شجرِ اللهِ)،( يوم أنشدوكِ لحنَهم السَّومريَّ ..)،( غضبَ الآلهةِ)،( أمنحُكِ نذوري)، (لن تصلَ إلى الآلهةِ الَّتي لا شغلَ لها سوى تكسيرِ ما تبقّى من أغصان ِلوعتِنا الَّتي يَبُست ْ)

وفي الحق إنه جمال حقيقي في هذه الصور وحسنها وهو هنا يُخطّيء مَن عالج فصل النتاج الأدبي عن أصله في حياة الشاعر، فقد تفرّد شاعرنا ببراعته وإلهامه ودقته في التصوير، فضلاً عن جرأته إلى جانب خياله الخلّاق الذي لا يخفى عليكم إذا ما التفتنا إلى الاستغلال الجيد لمثل هذه الصور الحية التي جاءت ترجمتها كلماتٍ دالَّةً  بصورها الذهنية من حيث دلالتها على ما هو خارج الذهن، تعصف بنا في ظلّ ما تُقرّب لنا المعنى وتحمل الإحساس...، كما في قوله:

" أحلامُنا البسيطةُ

الَّتي تراودُ أصابعَ الكفِّ

هي كأسُنا الفارغةُ المرفوعةُ إلى السَّماء ِ

تشيرُ لأفقٍ لا وجهَ له ..."

وقوله :

" الشَّجرةُ الَّتي غادرَها الحطّابون شتاءً

بعد أنْ أسالوا دمَها الأخضرَ

وقطّعوا جذعَها مقاعدَ لجلوسهم

وأحرقوا غصونَها لدفءِ مَلذّاتهم

في حفلِ شواءٍ لم تشهدْهُ الغابةُ من قبلُ ..."

فهذا غيضٌ من فيضِ أشجارٍ لاهثةٍ متعريةٍ في عراء التشظّي, فكيف لو كانت أشجاره خضراء، تنعم بالدفء والسكون؟ غيض اجتاح أفئدة القراء بكلّ ما يكتنز من تجربة إبداعية بعفوية وسلاسة بكلّ سهولة ويسر، نقش في ثورة النفس التوّاقة إلى الحبّ مرةً، والحرية مرةً أُخرى بحروف يعتصرها التوجّد بطاقة جماليات المعاني الرقيقة الهادئة الحالمة، كما في قوله:

"أضاعتْ مفاتيحَ الغناءِ

ورمَتْنا بانتهاكاتِ الظّنونِ

من بعد ما ألِفَتِ السَّنابلُ

انحناءةَ عودِها على يدِ المناجلِ

وأنتِ العتْمةُ القاتلةُ الَّتي أمطرتْ ثَكلَ النَّهاراتِ

ومازالتْ..."

إنها انتفاضة الذهن المتطلعة بإشراقة لقاء حميم بالحبيبة الوطن المستقل؛ لهذا جاءت سعايتهُ جادة من أجل تحقيق عدلية الحياة القائمة على المحبة والسلام وفق ريح منهجية أشرع لها مشاعره وأحلامه وتطلعاته انتزاعاً صورياً، قام على تداعي ما ذهب إليه (أرسطو) من تشابه وتضاد واقتران زمكاني كما في قول شاعرنا:

"زهرةُ الموسيقى تعلو مع الضوءِ

إلى لانهائيةِ الدهشة ِ

وأنا أتوضَّأ بخيوط ِحريرها

لأشهدَ ..... تَفتْحَ أوراقِها

يوم منحتْ هذا الفضاء مُوسيقاها  ..

تمنحُ هذا الكونَ

سرَّ وجودهِ ...

تاركةً حقلَ نجومِها ... ماسةً فوقَ الرَّمادِ .."

إنها الرمزية التي جسّد بها أشواقه وبثث من خلالها نوازعه همساتٍ تؤدي تراتيله بوحاً عذباً ونجواه ويكأنها شظايا روحه المعذبة ونزف قلبه المكلوم، وهو القائل:

"الدّيكُ يعجزُ أنْ يصيحَ

التَّراتيلُ التي كنّا نرتّلُها ما عادتْ تضيءُ

تهدلتْ أرحامُها بلا حملٍ تنوءُ

على أبوابِ عتمتِها اتَّكأتْ

ونزَّ الملحُ من جبينِها راسماً

حروفَها المُبعثرةَ .... "

وقوله :

" لا أحدَ يمرُّ، سوى أعمى

أضاءَ الدَّربَ بتكتكةِ العصا

استدلَّ على الفجيعةِ بالفجيعةِ

ومضى يُوَلوِلُ صوبَ الأفقِ

ملوّحاً بِعَصا التهجّد ِ

باحثاً ....

عن مَسلّتهِ التي انشطرت ْ

وأنجبته؛

علَّها تعيده ...."

ولا يخفى على المتلقي هبوط همّة شاعرنا بحرارة الوجد وتيه الفكر ووخز الانكسار إلا أنه يعاود النهوض حراً عفوياً جزلاً يتألق دونما تشظّي، كما في قوله:

"منذُ أنْ توضَّأ التراب ُبدمكَ الأخضر

قامت قيامتُها الأرضُ

وكُلَّما جفّت ينابيعُ صوتِ اللهِ

صاح بها صوتُك أنْ تكونَ

فتضيءُ السَّماءُ وجهَهَا المُحمَرَّ

بالخجلِ المعفَّرِ بالتّرابِ

معانقاَ طيورَكَ البيضاءَ

وهي تصعد... تصعدُ ... تصعدُ

وسيوفُهم تنزلُ في الصَّلاة عميقا ً

تنزلُ... تنزلُ ..."

نعم إنها السلاسة في التركيب والانسياب في المعنى إلى جانب التعقيد، وهذا يُحسب لشاعرنا لا عليه، بل يؤكد قدرته الفائقة على مسك زمام الشعر؛ قصيدة النثر بكل فاعلية واقتدار:

"أجولُ به مرتَعباً

مُمْسكاً بشمعتِها الأزليّةِ

بحثاً عن سرِّكَ ..

في الظُّلْمَةِ ،

في النّورِ في الأفقِ المحمرِّ بدمِ الزَّهرِ"

........

" دَعْها لي ...

فما عادتْ للفصولِ لغةُ البقاءِ" ...

هنا يقف ديوان الشاعر أمام محبيه وعشاقه ماثلاً، يقول:- ها أنا ذا - مرآةً تعكس دواخلكم على حائط الأمس واليوم أشجاراً لاهثة في العراء على بوابات سماء الحرية والنهوض من جديد وهو يقدّم لنا نفسه رساماً للوحات جميلة لذواتنا بريشة فنانٍ، اجتهد على نفسه كثيراً حتى أقام فينا زمانا طويلاً ومكاناً معتقاً ووجدانا عربياً متأثراً بمصيره وعروبته وتوجهاته ... فنانٍ يعتز بعراقهِ ويعتدّ ... فنانٍ بابلي،سومري، كوفي، يزهو ويفتخر لما وقر في قلبه من عشق صادق، تخطّى به كثيراً عقبات الشعراء وهناتهم ،فقد بدت لنا قصائده النثرية بحجم رواية ممتدة، تحكي سيميائية القصيد، وتروي فنتازية النشيد، وتقصّ نبض التراويد للحرية للكبرياء للعلياء وهو القائل:

"وتَضجُّ  بي أصواتُ التّراتيلِ،

الأغاني، العرباتِ،

صليلِ السّيوف

صفّاراتِ الإنذارِ

تكبيرٍ مسروقٍ، منزوعِ الرّحمة ِ"

نعم، إنه خصب فكري ثري على مستوى المضمون الذي تأطر بخطاب حكائي غنائي توجدي صادق على وطن مغتصب، على نفس مغتربة، على قومية حاضرة غائبة، خطابٍ مؤطر بالفكرة الخلاقة التي تحمل بين جنباتها هذه الرؤية التي تشكّلت وفق تجربة شعريّة ذات أبعاد وجدانية بوافر ضلال الطبيعة العبقة بالنرجسية ذات الكبرياء المتنامي محاولاً الموائمة بين قلبه وعقله بتلاحم وشيج، يشي بإلحاح نفسه الحكيمة على التطهير؛ هذه الانفعالات التي تأتي تعبيراً دالاً على الشقاء وأقدر الناس تعبيراً عنه مَن كان الشقاء في نفسه، وهو القائل:

" يا وَجَعي يومَ استدارَ وجهُكِ

الشَّمسُ على وشكِ الأُفول

وكانَ الأفقُ  أعمى

مُتّشِحاً بشالكِ الأحمر

غير أنَّي حينذاك نهضت ُمن رمادي

لأمنح َالأفقَ جمرَتي

وألوذُ  بالغَرقِ ..."

غضب على سبيل التحرر، بمؤدى الانعتاق من فرط يأس هذه الأمة التي تفشي فيها القنوط من علياء قوميتها عندما امتطى صهوة الشعر خيلاً و ليلاً و عراءً وسيفاً وقلماً وسيلة عبور حولت مستوى اللغة العادي إلى مستوى مجازي، تشكّل لدى شاعرنا بطرق مختلفة، وفق ما وصلت إليه خبرته التكنيكية والجمالية بهذه الحركة الشعريّة المتجددة التي تركت بصمة حية فريدة، بل هوية تتجذر بجنس مغاير للتقليد والاتباع، كما في مؤدى التجديد لحركة أدبية نهضوية، يجري فيها نشاط، يُعزز به الإنتاج الأدبي ويتنوَّع في أدبنا العربي الأصيل.

 

بقلم الأديب والناقد  د. حسين البطوش

المحاضر في الجامعة الأردنية

 

ليث الصندوقسعد الصالحي، أو الدكتور سعد الصالحي هو شاعر، وقاص، وموسيقي، وخارج هذه الأقانيم الإبداعية هو طبيب متخصص بجراحة الفكين والأسنان، وتلك الصفة الأخيرة غالبة على الكثير من نصوص الأثر الذي نحن بصدده، ومنه تكتسب طابعها الإنساني، وحيويتها الروحية والحسية معاً . ومنه أيضاً يجد البعض مسوغاً لتفسير النصوص بالربط ما بين الكاتب والراوي المشارك / الطبيب في الكثير نصوصه، وأرى أن هذا الربط يشوّه القراءة، ويقوّل النصوص ما لم تقل، فالشخصية الإبداعية – كما يُقال - تبقى - بالرغم من كل الملامح المشتركة مع خارجها – كائناً من ورق، بعكس الشخصية التاريخية التي هي من لحم ودم .

عُرف الكاتب ب (مراثي غيلان) قبل ال facebook، وأحسب أنه نشرها في كتاب، لم أطلع عليه مع الأسف، لكني اطلعت على أكثر ما كُتب عنها . ثمّ جاء ال facebook فنشر على دفعات منها جزءَها الثاني الذي يُفترض أنه لم يُنشر في المطبوع، وهذه القراءة هي حصراً لبعض نصوص الجزء الثاني، ومن ال facebook حصراً .

ألإشكال الأول الذي يواجه القاريء وهو يقبل على هذه المدونة النادرة هو صعوبة التجنيس، فهي مزيج من جملة أجناس وأنواع أدبية وغير أدبية، فيها الشعر، وفيها السرد، وفيها التقرير الإبلاغي، والمذكرات، وفيها أيضاً الفولكلور والسياسة والتاريخ، بل وحتى فيها الطب والموسيقى، وهي تقترب إلى حد ما من السيرة الذاتية، وتبتعد عنها أحياناً لتكون سيرة غيرية . ولكنها تمرّ عبر راوٍ مشارك بالفعل، أو أحياناً مشارك في النقل بالسماع (لغة على لغة) . وفي الحالة الأولى يتم التبئير من خلاله، أما في الثانية، فيتقاسمه مع المروي عنهم .

والشخصية المحورية / الراوي المشارك هي شخصية ذات دور واحد وملامح ثابتة في جميع النصوص تقريباً، والتغيير فيها قد ينجم عن تطورها تبعاً للمراحل الزمنية، وبالعموم فالشخصية قوية، ومعتدّة بنفسها وببيئتها الإجتماعية وبتقاليدها وثقافتها وقيمها الإنسانية . وهي أيضاً شخصية إيجابية غير مأزومة ولا تعاني مشكلة ثقة مع نفسها، ولا مع القاريء، لذلك لا تتحرّج من الإنفتاح عليه واتخاذه صديقاً، مزيلة أمامه كل العوائق المكانية والعرقية، بل وحتى الأسرية، فتعرفه على أقرب أقربائها وأصدقائها بالأسماء والعناوين، بل تُدخله إلى جوّ البيت ليتعرّف على أفراد ألأسرة ويشاركها أحاديثها وطقوسها اليومية .  

وبالرغم من أن السرد خارجي في الغالب، وأن الراوي لا يعرف عن شخصياته أكثر مما يروونه هم له، إلا أن ذلك لا يلغي دور الحواس في تنشيط لغة مشتركة لا تتجاوز محدداتها الطبيعية وخواصها البايولوجية، وتبقى الرسائل الإيحائية التي توصلها إلى الراوي عن المروي عنهم هي رسائل خاصة به، وخاضعة لتأويلاته، وأن التواصل الإنساني عبر تلك النظم الإشارية ذات الحساسية العاطفية العالية (ألعيون / نبرة الصوت / وجيب القلب / حركة الأصابع ... ألخ) لا يعني اختراقاً لظاهر الشخصيات، أو معرفة بخفاياها، بقدر ما يعني أن الإنسانية قمينة دوماً بابتكار وسائل اتصال غير مادية وغير مُقعّدة لإدامة التواصل بين البشر متخطية العوائق والحواجز التي يضعها البعض لتعويق الإتصال والتحاور المادي بينهم .

توظف النصوص تلك الممكنات الحوارية غير المادية للتواصل ما بين الراوي وشخصياته بحيث لا تكاد تخلو من تأثيراتها قصة، ومنها تكتسب إمتيازها، فالتعاطف الإنساني يتجاوز تابوات النظم السياسية الحاكمة والمتحاربة مع بعضها ليكون واسطة الإتصال الآمنة حتى بين الأسير الجريح والطبيب في الجانب الآسر، وهذا ما سنقف عليه لاحقاً .

سعد الصالحيأما لغة المراثي، فتتسم بطراوتها وحيويتها وجرأتها التي لا تتهيب ولا تتعالى على الحوشيّ والعامي والغريب سواء في الحوارات أو المفردات أو العبارات أو في العناوين، وتلك السمات تُضفي على النصوص أجواء واقعية حميمة وتُبعدها عن التكلف والحذلقة من دون تزويق بلاغي مبالغ به، مع عدم تنازلها عن القيم الجمالية الراقية وضمن موازنة تحتفظ بقدر معقول من الشعرنة . ولعل قمة الجرأة أن تُدرج بالنص رسالة بحروف عربية، وبلغة هجين هي ما بين العربية والفارسية كما في قصة (من جعبة الأسى) .

أما الإشكالية الأخرى التي تواجه القاري، وهو ما زال عند تخم العنونة (مراثي غيلان) فهي في كلا المفردتين اللتين تبدوان بحاجة إلى تفكيك، لكنه تفكيك من جانب واحد لا يُلزم به الكاتب الحرّ في عمله . فدواعي اختيار النوع الإدبي (مراثي) قد يبدو مفهوماً في ضوء نبرة التحسر والندم على ضياع القيم الإنسانية، وعلى زمن الماضي الرخيّ والجميل، وعلى أناسه الطيبين الوادعين، وعلى افتقاد الأجواء العائلية الأليفة والحميمة، وكذلك على خسائر الحروب وكوارثها، وعلى فقدان الأحبة . فهي مراثي للعالم الذي ينزلق باتجاه العزلة والقسوة والتوحش . ولكن ما لا يبدو مفهوماً هو نسبة المراثي إلى غيلان، فهل هي له؟ أم هي عنه؟ وإذا ما وجدنا الإجابة، وتجاوزنا المراثي إلى صاحبها ستواجهنا إشكالات أخرى تتمثل في تحديد هوية وملامح وأبعاد وموقع شخصية غيلان داخل النصوص، من يكون؟ ولماذا غيلان بالتحديد؟ وأين موقع هذه الشخصية الغائبة من النصوص؟ وهل هو – وتلك إمكانية تأويلية قابلة للنقض – هو الراوي المشارك نفسه؟ وهل الراوي، أو غيلان هو ذاته الكاتب يتخفى وراء قناع زجاجي عبثاً يُخفي ملامحه ليكتب من ورائه سيرته الذاتية؟ أسئلة كثيرة تثيرها العنونة، وتلقي ثقل حيرتها على النصوص . وقد تبدو الإجابة ممكنة لولا التخريج النظري الذي سبق أن ألمحنا إليه، والذي يفصل ما بين الشخصية الورقية والأخرى التي من لحم ودم .

ولو افترضنا جدلاً أن الراوي الذي هو في جميع النصوص راوٍ مشارك، لو افترضنا أنه هو ذاته المعني بالأسم (غيلان)، بالرغم من أن النصوص جميعها تعفيه من التسمية،  فستواجهنا إشكالية أخرى دار حولها جدال نقدي طويل تتمثل في ضرورة التوافق ما بين طبيعة الشخصية ودلالة تسميتها . فدلالة الإسم لغة هي نقيض دلالته سردياً، فالأولى هي جمع غول ذلك المخلوق الخرافي الوحش، أما غيلان النص فعلى العكس من طباع غيلان اللغة رقة ودماثة . بل وإنسانية أيضاً .

منذ السطور الأولى من النص الموسوم ب (من جعبة الأسى) وهذا النص نُشر في وقت آخر على ال facebook تحت عنوان (قصاصة الأسى) من دون تغيير في المتن . أقول منذ السطور الأولى يكشف الراوي هويته المهنية، فهو طبيب جراح عسكري موكل بإجراء عملية لجريح أسير . وهذه العملية هي التي تُفجّر التوتر داخل النص من خلال التناقض ما بين موقعي كل من الجريح / الأسير من جهة، وما بين الضابط / الطبيب في الجهة الأخرى . فالإثنان ينتسبان إلى دولتين في حالة حرب، وأن الأول هو جريح حرب تحت رحمة مباضع الجراح المنسوب للطرف الذي أسره . وبالرغم من انقطاع لغة التواصل اللساني بين الإثنين فهما ينتميان لأمتين مختلفتين، وللغتين مختلفتين ايضاً، إلا أن لغة أخرى ما فوق النظم اللسانية هي التي صارت اللغة المشتركة ما بينهما، وصار بإمكانهما تفعيل قاموسها الموروث من عصور البشرية الأولى لترجمة ما عجزت عنه لغة اللسان . أنها لغة الأواصر الإنسانية التي تجمع ما بين البشر على اختلاف ألسنتهم، وجهازها اللغوي هو العيون (لم تكن ما بيننا لغة مشتركة سوى ما تبوح به الأعين) .

لكن الجهاز اللغوي للراوي المشارك / ألطبيب الجراح لم يشأ أن يبقيه في منطقة لغة الإبصار (لغة العيون)، فغريزته اللغوية تعيده مهما ابتعد إلى لغة اللسان، ليُترجم بها ما قالت لعينيه عين الأسير، فإذا بلغة البصر تتحول إلى لغة طبيعية ملفوظة، وإذا بالدموع تتحول إلى كلام عربيّ فصيح (فقالها عربية فصيحة بصمت، وكانت دموعاً هطلت مصحوبة بنشيج امتنان ما قدرت على تحمله) . ولأن التحية لا تُردّ إلا بأحسن منها، لذلك كان ردّ الطبيب الجراح على تحايا الدموع نشيجاً موشكاً أن يتحوّل إلى نحيب (فغادرتُ الردهة، وأنا على وشك أن يكون نشيجي كذلك نحيباً مسموعاً) .

وكما استقبلت عين الطبيب نظرات الأسير وترجمتها إلى لغة عربية فصيح، أستقبلت عين الأسيرنظرات الطبيب ودموعه، وترجمتها بنفس الآلية العاطفية إلى لغته الفارسية . وبالرغم من أن النص لم يُفصح عن تلك الترجمة، إلا أنه ألمح إليها عبر محاولة الأسير الردّ متجشماً عناء التوفيق ما بين اللغتين الطبيعيتين في رسالة إلى طبيبه . وتلك الرسالة الغريبة التي وصلت للطبيب بيد أسير مريض آخر تستحق التوقف عندها، فهي رسالة غريبة حقاً، وغرابتها تتأتى من وجهين:

الوجه الأول: انها رسالة بخط فارسي، وبلغة مزيج هي في ظاهرها عربية، ولكن بقواعد فارسية . ولهذا المزيج دلالته الإنسانية، فهو مزيج ذي دلالات عاطفية من لغتين مستقلتين لبلدين متحاربين، أي أن ما أرادت أن تقوله اللغتان لبعضهما في فضاء الإنسانية، هو غير ما تقوله إرادة حربهما في جبهات القتال . بل إن الرسالة بصيغتها المفتوحة على اللغتين، هي نقض للحرب المنغلقة على نفسها وعلى لغة دمارها . لقد كان من الأيسر على الأسير إيصال شكره وامتنانه لمنقذه شفهياً عبر وسيطه / الأسير الآخر المريض، ولكن إصراره على المغامرة الخطيّة بلغة لا يجيدها هو بحد ذاته محاولة مخلصة للتعبير عن الإمتنان وكأنه أراد القول لمنقذه: من أجلك أتخطى عوائق اللغة التي باعدت بين أمتينا ودفعتهما للتحارب .

ألوجه الثاني: ليس من اليسير على القاريء العربي في خارج المناطق المتاخمة للحدود الشرقية من الوطن العربي تفهّم رسالة الأسير الإيراني، وقد يظنها من لغة أخرى شرقية ثالثة، فهي لغة هجين، لا هي خالصة للعربية من حيث المعاني، ولا الألفاظ، ولا الصياغات، إلا في المغزى البعيد الذي يدركه القاريء من علاقة يخمنها مع عربيته، وإن إدراج الراوي للرسالة في نصه بنفس صيغتها  يُعدّ مغامرة سردية لا أحسب أن سوى سعد الصالحي جرأ عليها، وهو بهذه الجرأة يُرسّخ واقعية الحدث، فليس من اليسير اصطناع نصّ مزيج ومثيل من قبل شخص يجهل إحدى اللغتين .

بيد أن الجانب الإنساني الدفاق بمشاعر صادقة تجاه الآخر المختلف، أو القادم من الطرف المعادي لا يكتفي بتبادل وترجمة لغة الحواس ملتقطاً مفرداتها الطافية من على سطح مقلة العين فحسب، بل يتخطاها بحثاً عن جهاز لغوي آخر مدفون في أعماق الصدر، أنه القلب الذي ينطق بلغة الوجيب، وجيب قلب الأسير الجريح، في لحظة حرجة ما بين الحياة والموت على منضدة التخدير، حيث تتداخل، وتتحاور معه حواس الطبيب (أحسست وجيب قلبه ينبض متسارعاً مع تسارع شجني) وليس بنا من حاجة للتذكير بأن التحاور اللغوي المتعسّر ما بين اللسانين المختلفين، ينضاف إليه التحاور الحسي ما فوق اللغوي عبر النظر والنبض، هو تحاور ما بين شخصين يفترض منطق القوة السائد وقت الحدث أن أولهما في موقف الضعيف المنكسر / الأسير، وثانيهما في موقف المهيمن / الطبيب في الجانب الآسر . ومع تلك المعوقات تمّ الحوار بشكليه الإثنين ليثبت أنه ممكنٌ، وأن الحواجز المصطنعة للفصل ما بين البشر هي حواجز طارئة وعقيمة، فاللغة بأشكالها المختلفة كفيل بمدّ الجسور، وإزالة المعوقات، وتحسين صورة الآخر .

واللغة البديل التي كانت واسطة الحوار الإنساني ما بين الأسير الجريح والطبيب، هي ذاتها التي لجأ إليها (العقيد الطبيب) في النص العفوي (تشريب الكبة والحصار)، وهو نص يُخفي أكثر مما يُعلن، ويوحي أكثر مما يتكلم، وسنرجيء نبش المخفي مؤقتاً معرجين أولاً إلى اللغة البديل التي تحمل صاحب الرتبة العسكرية العليا / العقيد، وصاحب المهنة الموقرة إجتماعياً / الطبيب، تحمله صباح - أو على حدّ تعبيره (مُصباح) بضمّ الأول – كل جمعة إلى مقهى الخرسان في الميدان، وهذا الحمل هو بدافع لغوي، وإن بدا الأمر عكس ذلك، أو بدافع البحث عن لغة بديل، وتلك اللغة هي لغة الصمت التي تتخذ من الأصابع جهازها اللغوي (كنت عقيداً طبيباً في الجيش، وفي (مُصباح) كل جمعة اعتدت المرور بمقهى الخرسان في الميدان، مصغياً لصمت نقاشات أصابعهم الصاخبة) . بيد أنّ هذا الجهاز اللغوي الفريد لا يجيد لغة الصمت فحسب، بل هو يفرضها على المتحاورين معه متخذاً من أحد مكوناته (أصبع السبابة) عارضة لإيقاف أو إسكات الجهاز اللغوي التقليدي / الفم، خصوصاً عندما يتطرق المتحاورون إلى موضوع حذر، وهذا ما يُفهم من حديث بائع الكُبّة المرتاب للراوي (وضع سبابته على شفتيه، واقترب مني هامساً: بابا لا تفضحنا ... ) . ومن الواضح أنّ عناية الراوي باللغة البديل قربته أكثر من المنظومة السيميولوجية المتعلقة بالملابس العسكرية، فالعلاقة الرمزية ما بين الدوال / القمصلات الزيتوني / الأحذية الحمر / ألرتب العسكرية على الأكتاف (أو بالأحرى إخفاء الرتب من الأكتاف) في المقبوس  (دلفت يوماً ما – ظهيرة سبت – مصادفة إلى محل بائع كبة بمرقة حمراء، لأجد نفسي بين عدد من العسكريين من مرتدي القمصلات الزيتوني بأحذية حمر، وبلا رتب على الأكتاف) وبين المدلول / الرتبة العسكرية، وهو مدلول مخفي تحت القمصلة العسكرية، نجد دلالتها في خاتمة النص عندما يتبيّن أنّ أحد هؤلاء ذوي الرتب المخفية تحت القماصل هو ضابط برتبة عقيد ركن .

ومن الواضح أن ثمة علاقة ما بين اللغة البديل، والنص المخفي الذي أشرنا إليه آنفاً، فكلاهما يلمحان ولا يصرحان . وفي مواجهة القاريء يستأثر الراوي بالمهمة الأولى / التلميح، وعلى القاريء أن يتكفل لنفسه بالمهمة الأخرى / التصريح . وإن كانت المهمة الأولى محصورة بسطح النص، مما يزيل أثر الخلاف عليها زيادة أم نقصاً . إلا أنّ المهمة الأخرى / مهمة القاريء هي التكفل بباطن النص، أي بما يُتوقع من النص، وفي الحالين فالمهمتان تخمينيتان وخاضعتان للسجال .

ولعل ذروة ما أراد الراوي إخفاءه أو إعلانه في وقت واحد، هو إحدى غايتين يقصد الراوي من أجلهما مقهى الخرسان في الميدان، أولهما ما يتعلق باللغة البديل، وقد أشرنا إليه آنفاً، وثانيهما هو (صفّ – القندرجية – لألمع قندرتي، ووجه – ذلك الذي في بالي دائماً – أيام الحصار، أمام محلات الكبة والمرق والتمن) . ولعل المعني ب (ذلك الذي في بالي) سيبقى مجهولاً إن تُركت الجملة، أو شبه الجملة على إطلاقها، ولكن تعمد الراوي تزمينها ب (أيام الحصار) يجعل المعني بها معروفاً للذين عاشوا مرارة الحصار .

وعوداً إلى العنونة (تشريب الكبة والحصار) وهذا الربط اللماح ما بي العبارة الشعبية (تشريب الكبة) ومفردة (الحصار) وهما من مجالين دلاليين مختلفين تمام الإختلاف، فالأولى – وهذا تعريف مبتسر لغير أهل هذه الدار من رجل لا يفقه في فن الطعام شيئاً - أكلة شعبية عراقية يعرفها الفقراء من عمال وطلبة وباعة الذين لا يجدون ما يأكلونه في بيوتهم وهم يُغادرونها صباحاً إلى مكاسبهم، فيتناولونها على الأرصفة أو لدى بعض المطاعم الشعبية . أما الثانية (الحصار) فمن البدهي أن المقصود به هي العقوبات الدولية الشاملة التي خضع لها العراق في أعقاب احتلال الكويت، والمفردة في العنونة، ومن ثمّ في النص ليست إحالة للعقوبات بصيغتها السياسية، بل هي إحالة لوقعها المدمر على حياة الناس .

ومن الوضح أن ربط العبارة والمفردة معاً بحرف العطف (الواو) هو لتشكيل نص مواز ودال، أريد منه تبيان عمق حالة العوز التي أوصل الحصار القاسي المواطن العراقي إليها بحيث استعصى حتى على عِليتهم تناول صحن الكبة، وصار مرقها وثريدها فحسب، وكما يقول الراوي أكلة (ملكية النكهة)، وقد انعكس هذا التأثير على النص في جملة مشاهد، منها مشهد الضابط الكبير في وزارة الدفاع الذي لم يمكنه ضيق حال اليد من شراء صحن الكبة، فتناول بدله صحن المرق .

وكما تحاور الطبيب مع الأسير بلغة النظر في (من جعبة الأسى) عاد محاوراً نميراً في (تخونوه) من دون أن يقدم – كعادته في كل نصوصه الأخرى - أي تعريف مسبق بالشخصية تاركاً القاريء يكتفي بالاستنتاج الموجز الذي يفي بحاجة النص فحسب، ومفاده أن نميراً هذا هو عازف أكورديون، وقد كان عزفه لأغنية عبد الحليم حافظ  (تخونوه) مع زميله الآخر محمود هو واسطة التعارف بينهما . بينما كانت لغتا الموسيقى والعيون اللغتين المشتركتين بينهما، وقد لحقتهما لغة ثالثة قديمة قدم الإنسان إنفرد بها الراوي حصراً وراح يعتمد قاموسها ليترجم ما عصيَ عليه من لغة العيون التي يتحدث بها صديقيه نمير ومحمود، وتلك هي لغة الصمت التي سبق للراوي أن أصغى لنقاشات أصابعها في (تشريب الكبة والحصار)، وقد عاد إليها في (تخونوه) معبراً عنها بثلاث صيغ، ثنتان منها فعليتان بلفظين مختلفين، ودلالتين منفصلتين ولكن متجاورتين ولو عن بعد / أنصتُ و أرقب، والصيغة الأخرى أسمية ومباشرة / ألصمت (شاهدت نميراً، وأنصتّ لعزفه على الأوكورديون صحبة محمود عازف الكمان الأول بانسجام روحي دفعني للصمت، وأنا ارقب مسحة الحزن المتدفقة من عينيهما على أنغام مقدمة أغنية تخونوه لعبد الحليم حافظ) .

ويمتدّ زمن السرد في (تخونوه) لخمس وعشرين سنة، وهو عمر العلاقة ما بين الراوي ونمير، لكن الأول يختصر هذا الزمن في حياة نمير بثلاث محطات وظيفية، أدى نمير في كل منها دوراً مختلفاً وكالتالي: 

ألمحطة الأولى: جندي في الوحدات القتالية خلال الحرب العراقية الإيرانية .

ألمحطة الثانية: ألخدمة في مدرسة الموسيقى العسكرية .

المحطة الثالثة: نزيل مستشفة الرشيد العسكري .   

أما المحطة الرابعة، فهي خارج مسيرته الحياتية لثلاثة أسباب:

ألسبب الأول: لأنها شهدت ميتته مصاباً بورم في الدماغ .

ألسبب الثاني: لأن الموت يُعطّل كل الوظائف .

ألسبب الثالث: لأن الموت حدث ضمن المرحلة الثالثة، أي في مستشفى الرشيد العسكري .

بيد أن هذه المحطات لا تمثل سوى المراحل الأخيرة من حياة نمير، أو الجانب الذي بمقدور الراوي الشهادة عليه، أما الجزء المهمل من مسيرة حياته، أو المحطات الأولى منها فهي خارج معرفة الراوي، أو خارج حدود تغطيته، فالنص يعبر عن رؤية موضوعية محكومة بزمن التعارف فقط، ولذلك يمكن عدّ النصّ بأنه نصّ الراوي الذي يتشارك مع المروي عنه في كتابة الجزء المشترك بينهما من حياة الثاني .

ومن ثمّ يغادر المروي عنه النص ليتركه خالصاً للراوي لا تشاركه معه به سوى أحزانه، وهذا التفرد الذي أخذ شكل الإحتجاج ضد الموت شمل حتى الأغنية التي كانت سبب التعارف بينهما (ولم أعد أستمع لأغنية تخونوه إلا بعد أن أكون مخموراً) . ومع ذلك، فالخمرة ليست وصفة سحرية لإدامة حالة التفرد بالدور، بل هي على العكس من ذلك الضامن الأكيد لاستعادة المروي عنه المغيب إلى الأبد عبر لغة العيون الحزينة التي كانت مع لغة الموسيقى واسطتي التعارف ما بينهما (ولم أعد أستمع لأغنية تخونوه إلا بعد أن أكون مخموراً جداً، كي أسترجع تلك المسحة الحزينة التي رأيتها في عينيه قبل خمس وعشرين عاماً) .

وعوداً على بدء، نجد أن اتجاه سير الأحداث في (من جعبة الأسى) هو عكس مثيلتها (تخونوه) ففي حين كانت بداية النص الأول مغلقة / أسر + عملية جراحية، إلا أن الخاتمة شهدت انفتاحاً / نجاح العملية الجراحية + شفاء الجريح ومغادرته المستشفى + علاقة ود بين الأسير الجريح والطبيب . وهذه الخاتمة تفتح بوابة التأويلات على مصراعيها في ضوء وجود كل من الراوي / الطبيب والمروي عنه / الأسير على قيد الحياة . أما في النص الآخر (تخونوه) فقد كانت البداية منفتحة / عزف موسيقي عذب + صداقة بين الموسيقي والراوي . إلا أن الخاتمة شهدت انغلاقاً / موت نمير / المروي عنه . وبموته فليس هناك ما يروى . لكن هذا الفارق ما بين النصين لا يلغي حقيقة الدوافع الإنسانية المحركة للأحداث في النصين، والتي نجد كذلك صداها البعيد في (تشريب الكبة والحصار) مدفوناً تحت طبقة من الكوميديا السوداء .

وكوميديا الحاضر السوداء في (تشريب الكبة والحصار) تتلبس صيغة زمنية أخرى هي كوميديا الماضي السوداء في (حرب وسيكارة وحكاية) . ففي حين كان الراوي هو الشاهد والناقل المباشر لتبعات الحصار وآثاره على الناس في (تشريب الكبة والحصار)، صار الراوي في (حرب وسيكارة وحكاية) هو الناقل بالسماع عن الجد / ألشاهد والراوي الفعلي لإحدى حكايات المعارك ما بين الجيش العثماني المندحر، والقوات البريطانية الغازية في الفاو . أي أنه في النص الأول كان يرى ويروي، بينما صار في الثاني يسمع ويروي، والفرق ما بين الحالين أن موقع التجربة في حياة الرائي عن قرب، هي أعمق من موقعها في حياة السامع عن بعد، وهذا الفارق يتجلى باكتفاء الراوي التعليق على ما يسمع، كما تجلى في عدم قدرته على تخمين نتائج المعركة المروية حتى نهاية الرواية بدليل سؤاله العفوي لجده (جدو، يعني أنهزمتوا؟) بالرغم من أن تفاصيل المعركة المروية وخسائرها كانت تنبيء بوضوح منذ أول الحكي بالنتيجة .

وربما يمكن فهم سؤال الراوي بطريقة تداولية من تقدير المقام الذي في إطاره رويت الحكاية على أنه سؤال مغرض ومتعمد كان من قبله الراوي وجماعته من الأحفاد الصغار يعوفون نتيجة المعركة تمام المعرفة، ولكنهم تعمدوا سماعها من فم الجد مباشرة، وفي هذه الحال يكتسب السؤال بعداً رمزياً، يمثل المتسائل فيه / الأحفاد الصغار رمز الحاضر، ويمثل الجد رمز الماضي، وإن إصرار الأحفاد على سماع النتيجة من فم الجد هو إصرار الحاضر على إقرار الماضي بهزيمته واندحاره، فالهزيمة التي يتحدث عنها الجد كانت في ساحة المعركة قبل عقود بعيدة من الزمن، وكانت يومئذ هزيمة جيش مقابل آخر، وأمة أمام أخرى . لكنها اليوم فقدت بعديها التاريخي والعسكري، وصارت على فم الجد هزيمة سردية يرويها من ذاكرة تجاربه الشخصية وليس من مضان التاريخ، فهي اليوم هزيمته هو، وهي هزيمة زمنية وحضارية للماضي أمام الحاضر الذي يمثله جيل الأحفاد / الرمز .

ولا بدّ لنا من وقفة عند هؤلاء الأحفاد الماكرين والراوي المشارك أحدهم، فقد حاول بدءاً من السطر الأول من النص تفرده في السرد من خلال ضمير المتكلم (الياء) المتصل بالفاعل (سيق جدّي ...) لكنه سرعان ما تنازل لجماعة الأحفاد عن المهمة بدءاً من السطر الثاني، وحتى نهاية النص:

- حدثنا وهو يولج طرف سيكارته ...

- يصمت على ترقبنا

- ونحن نتملى دخان لفافته

- نفث نفساً آخر من سيكارته على وجوهنا ونحن نتساءل

وبذلك تراجع صوت الراوي المفرد، وحلّ محله صوت الأحفاد .

وعوداً إلى هزيمة الجد وفراره اللذين ما عاد لهما بعد تقادم الزمن عليهما نفس وطأتها أيام الأحداث، فالزمن كفيل بتحويل الهزيمة إلى تندّر يتوارى خلف التشبيهات الساخرة (كان دخان بنادقنا القديمة أكثر تأثيراً علينا من رصاصاتها التي تسقط كالبعرور، لا تُصيب هدفاً، ولا تمنع عدواً) أو الصورة الطريفة والظريفة معاً (هرب بعدها منا من هرب، وقتل من قتل، وما وجدت خطاي قد توقفت عن الجري إلا على باب الدار في جيزاني الإمام) .

وفي حين كان الجد يروي، كان (الحفيد / الأحفاد) (لا يكتفي / لا يكتفون) الإصغاء (بأذنيه / بآذانهم) فقط، بل (هو / هم) (يصغي / يصغون) (بعينيه / بعيونهم) أيضاً (محاولاً / محاولين) إيجاد حالة مواءمة وتوافق ما بين الحاستين، أو ما بين ترقب و (تملي) دخان سيكارة الجد، وما بين الإصغاء لمرويته (... يصمت آناً على ترقبنا ونحن نتملى دخان لفافته، ليعاود الحكاية آناً آخر) وكأنهم لا يصغون للجد فحسب، بل يصغون لحديث الدخان أيضاً . والقصة تكشف عن منظومة تواصل أخرى غير منظومة لغة الحواس، فالدخان بشكليه (دخان سكائر الجد، ودخان بنادق المقاتلين) يتجاوز حدود صفاته الفيزياوية، ليصبح شفرة لرسائل موجهة من قبل الجد مباشرة / دخان السكائر، أو موجهة من الماضي البعيد إلى الحاضر / دخان بنادق المقاتلين .

ففي مرحلة ما قبل البدء يكون كلاً من الدخان والحكاية في الغيب المخزون لدى الجد، وأية علامة لتحرير أحدهما وظهوره، هي علامة لظهور الآخر . فالعلاقة بينهما جدلية (حدثنا وهو يولج طرف سيكارته)، إنها الإستعدادات الأولى لانطلاق سباق الحكي، فإذا ما انطلق الدخان وتأخر الحكي فذلك يعني أن خلالاً ما قد عطله، لذلك يستعجل السامعون / الأحفاد جدهم (أي جدو ... وبعدين)، فيستمهلهم مؤنباً فيهم عجالتهم التي ربما تعني له أنهم يشككون في قدرته على المواصلة واجتراح الحكي (دصبروا شوية، عليش مستعجلين ... تجيكم السالفة) .

وكما كان أحد القرينين سبباً لظهور الآخر في البدء، فأن غياب أحدهما سيكون علامة لغياب الآخر في الختام (ثمّ نفث دخان سيكارته بوجوهنا ثانية) .         

(ملحق بنماذج من نصوص مراثي غيلان ج / 2)

من جعبة الأسى

أدخلوه عليَّ إلى صالة العمليات وقد غطوا عريه بوشاح معقم . لم تكن سوى عينيَّ ظاهرتان من بقية وجهي المكمم بالكامل، لكنه عرفني ونظر إلي مباشرةً وقال بإيرانيةٍ واضحة لكنها بصوت متهدج:

- سلوم ألَيكم دُكتُر

وهم يتابعون إجراءات التخدير كان مستمراً بالتحديق في عينيَّ وأنا أقف لصق جانبه الأيسر متمماً فيهِ تسليمه لقدرٍ سوف تحفل به أكفي على صفحة وجهه الذي انكسر منه عظم الوجنة بحادث عرضي . أحسستُ وجيب قلبه ينبض متسارعاً مع تسارعِ شجني وأنا أشعر في نظراته نحو وجهي توسله لشيءٍ ما، أو حنينٍ ما، وأنه وحيدَ المضجع لا أهلٌ ولا رفيق أو قريب .. إلَاي .

فراح صارخٌ من أعماقي يتدفق مصوِّتاً، أما له من أمٍّ لا تعلمُ الساعةَ أن قد ترفَّ روحه فوق رأسها لطاريءٍ ما أثناء عملية من هذا النوع المحفوف بكل الإحتمالات المميتة؟ أو أبٍ أو أخٍ أو ... حبيبة؟

بعد أن أنهيت عمليته، عًدْتُهُ مساءً، ووجدته يتحدثُ ببهجةٍ مع أقرانٍ له من الأسرى في ردهتهم . حاول النهوض ليحتضنِّي فوضعتُ كفَّيَّ على كتفيهِ وأعدته الى وسادته . لم تكن بيننا لغة مشتركة سوى ما تبوح به الأعين . فقالها عربيةً فصيحةً بصمت وكانت دموعاً هطلت مصحوبةً بنشيجِ امتنان ما قدِرْتُ على تحمله، فغادرت الردهة وأنا على وشك أن يكون نشيجي كذلك نحيباً مسموعا .

وصلني بيد مريض أسير آخر، مغلَّفٌ صغير منه بعد ان غادر المستشفى بأسبوعين . كان المغلف يحتوي هديته إليَّ، معجون وفرشاة أسنان وعلبة سكائر، ورسالةً عربيةً كتبها بيده وبخطٍّ فارسي، مفادها كما رُسِمَت:

((تقديماً لحضور الدكتور السيد الرائد سعد فاضل، اطلب الله تعالى صحتكم وصحة اهلكم ومن جهتي اشكر من الطافكم واخلاقكم الحسنة، هذه الهدية الصغيرة يراوي اخلاص وحب قلبي لأنها بلا سعر ويراوي رضاية قلبية حارة وارجو الله ان يطوّل هذه العلاقات بيننا وبينكم وانا خجلان من خدماتكم واخلاق الرئوفة، اندعي عند الله تعالى ان الاسرى يرجعون وساذكرك انشاء الله عند اهلي، اسمح لي لان الاسير ماله شيءٌ، يا اخي العزيز ماانسيك انشاءالله وارجوك ان لا تنسيني،

اسير / اخوك الصغيرحسين نوشهري)) .

تشريب الكبة والحصار

كنت ُ عقيدا ً طبيباً في الجيش، وفي (مُصباح) كل جمعة اعتدت ُ المرور بمقهى الخرسان في الميدان، مصغيا ً لصمت ِ نقاشات أصابعهم الصاخبة، ثم صف (القندرجية) لألمِّع َ قندرتي ووجه (ذلك الذي في بالي دائما ً) أيام الحصار أمام محلات الكبة والمرق والتمن.

دلفت ُ يوما ً ما – ظهيرة سبت ٍ – مصادفة ً، الى محل بائع كبة بمرقة حمراء، لأجد نفسي بين عدد ٍ من العسكريين من مرتدي القمصلات الزيتونية بأحذيةٍ حُمر ٍ وبلا رتب ٍ على أكتافهم .

دفع أحدهم دينارين للبائع مقابل صحن مرق ٍ من دون (كُباية ٍ)، وأخرج من جيب قمصلته رغيف خبز ٍ ثرده فيه وراح يلتهم الوجبة كأنها ملكية َ النكهة .

بعد خروجه سألت ُ البائع هامسا ً:

- عمي الله يخليك ِ ما تكَـُّلي شنو سالفة هذا العسكري ابو الثريد بلا كبَّاية؟

وضع سبابته على شفتيه واقترب مني هامسا ً كذلك:

- بابا لا تفضحنه، هذا عقيد ركن بالدفاع ومغطي الرتبة بالقمصلة، بس الله مطيِّح حظه بهالحصار!

هذه ليلتي

وغربت الشمس في (راغبة خاتون)، فكان لابد أن أتم َّ رش أشجار (الرارنج) وشجيرات (الياس) وأرض الطارمة ليتولى بعدها رياض إبن عمتي توصيل (بلك) نشرة المصابيح أم (كَلوبات) الصِفِر بألوانها الزرق والخضر والحمر الخابيات بين الأغصان. فقد آن موعد وصول أبي ببضاعته الخرافية لليلة الجمعة .

صاح أبي:

- أم سعد جيبي (ميز) الفورميكا الأخضر بالعجل

وكان قد تأبَّط كيسين أسمرين من أمهات الخمس فلوس ملئن بما لذ وطاب . رحنا أنا ورياض نرتب فرش (الجرجف) الأبيض على صفحة ميز الفورميكا مع راديو سوني المتربع عرشه . جلس أبوك يا سعد وجعل يحرك ميله حتى استوى الصوت على إذاعة صوت العرب مترقبا ً أغنية أم كلثوم الجديدة . قال رياض:

- ها خالو تحتاج شي بعد

- إي .. جيبولي كاستين كبار

وفتح بعدها أحد الكيسين فأخرج عبوتين من جبس البطاطا، تلاهما كيس كرزاتٍ ولبلبي وبا قلاء ثم رمان مفرَّط، ذلك قبل أن تتوج أمي الطاولة بصحني زلاطة وجاجيك بالخيار والثوم من الدرجة الأولى ومن النوع المصلاوي، فهمس لي رياض:

- سعودي يمكن خالي اليوم راح يسويهه صدكَـ ويشربله عالأقل نص بطل عركّـ، خصوصا ً الشغلة بيها رمان مفرَّط وكاسة جاجيك؟

حانت الساعة وتناول كيسه الثاني وكلنا ترقب على اتساع أعيننا أنا ورياض .. لكنه قبل أن يمد يده تذكر شيئا ً آخر فنادى:

- روحوا جيبلي دولكة مي بارد وعليها ثلج

قلت ُ والله إنه قد قرر على عرق (المستكي) الذي اعتاد عليه أخوالي وأعمامي في سهراتهم على شواطي أبي نؤاس . صدح صوت أم كلثوم بعد ان أذاقنا من كل تحف مزَّاته نصيبا ً، ومد يده الى الكيس، فأخرجها – والله - قنينة بيرة (فريدة) واحدة فقط، شامخة ً بكل هيبة الوصول آمنة ُ على عرش الطاولة

نديم .. إبن عمو حافظ

أحبَّ ابنة عمتهِ واصطحبني معه ليقض مضجعي انتظاراً على باب دار أهلها ساعاتٍ وساعات في راغبة خاتون، ذلك بعد عودتي منهكاً من المتوسطة الغربية عند الرابعة عصراً. إستسلمتُ لنديم لأنه كتب لي كلمات أغنية (يا مسهرني) وقال لي إنها من ألحان رجل جديد على عالم أم كلثوم اسمه سيد مكاوي . فجدد لي بذلك عاماً آخر من حياتي .. إذ كانت أم كلثوم .. كل حياتي .

أُسِــرَ نديم في معارك الشوش – ديزفول عام 1982 أثناء الحرب العراقية – الإيرانية وما رأيته ثانيةً في العراق إلا بعد إطلاق سراحه في العام 1997 .. بائساً، مكبوتاً، غير مرحِّبٍ بي في زاوية من أسواق أبيه (أسواق عمو حافظ) قرب شارع (ماجد أمين)، التي أغلقها بعد حينٍ وهجر محلتنا (راغبة خاتون) وتركني أتساءل:

من كان نديم؟

تخونوه

شاهدتُ نميراً، وأنصتُّ لعزفه على الأكورديون صحبة محمود عازف الكمان ألأول، بآنسجام روحي دفعني للصمت، وأنا أرقبُ مسحة الحزن المتدفقة من عينيهما على أنغام مقدمة أغنية تخونوه لعبد الخليم حافظ .

أحببتُ في نميرٍ صبره على خدمته العسكرية في وحدات القتال المحترقة خلال سنين الحرب الإيرانية - العراقية حتى توسطت له نقلاً إلى مدرسة الموسيقى العسكرية بباب المعظم في بغداد .

كانت لحظة فارقة يوم إستمعتُ لصوته عبر هاتف مستشفى الرشيد العسكري الداخلي ليخبرني أنه يرقد في ردهة المراتب المصابين بألأمراض العصبية . تركتُ خفارتي في ردهة الوجه والفكين وأسرعتُ مهرولاً إلى تلك الردهة المشؤومة، سلمتُ عليه بحرارة وقبلته وجلستُ على سريره متفاجئا بصحته الجيدة، طلبتُ من ممرض الردهة أن يجلب لي طبلته لأقرأ ما فيها، وكما أخبرني فقد كان يعاني من صداع بسيط ولكنه مستديم على الرغم من المسكنات التي بات يتناولها بشكل مستمر، قرأت التشخيص:

(ورم دماغي خبيث في الفص الخلفي من المخ) ..!

قال لي بصوت فيه الكثير من الأسى:

- دكتور، خابرت كل أصدقائي بمدرسة الموسيقى العسكرية بس ولا واحد منهم إجاني، آني والله مشتاق أشوفهم وخصوصاً محمود الكمنجاتي .

عدتُ صباح اليوم التالي إلى ردهته كي أطمئن على حالته من الطبيب المختص، وجدتُ السرير فارغاً، سألتُ ممرض الردهة:

- إبني وين نمير؟

- سيدي البارحة ورا نص الليل إنطاك عمره .

توفي نمير، وآمتنعتُ عن زيارة مدرسة الموسيقى العسكرية، ولم أعد أستمع لأغنية تخونوه إلا بعد أن أكون مخموراً جداً كي أسترجع تلك المسحة الحزينة التي رأيتها في عينيه قبل خمسة وعشرين عاماً .

أبو يونان

لابد لي من تذكره والحنين لروحه الغريبة والعجيبة، زميلي في إعدادية النضال للبنين في سنك بغداد وقلعة الشيوعيين أيامها ونحن على مشارف السبعينيات .. هنري واهان كَرابيت، يوم اعتلى رحلة وراح يهتف:

- إبشروا ياقوم، بطل البيرة صار بمية وعشرين فلس .. لحكَوا وياية على شارع سينما الخيام

ويا أبقاه الرب، ظل يزورني في بيت اهلي براغبة خاتون، وفي كليتي بطب الأسنان، وينير تواصله بالمحبة الجمة بلا تردد أو تأخر طيلة سنوات دراستي فيها ودراسته في كلية الإدارة والإقتصاد .

كنت ُ وما زلت ُ أذكر بريق عينيه، وسعادته بصحبتنا مع أقرانه بإعدادية النضال في الفرصة بين الدوام الصباحي والظهري عند ناصية همبركر أبو يونان في قلب شارع الرشيد ... يلتقف اللفة المدورة، ويلتهمها بشهية متقدة كدأبه مع كؤوس البيرة في البارات، أو ولعه بالقفز من درجة أبو الأربعين فلس في صالة سينما أطلس، إلى الدرجة الثانية أم المية وعشرين فلس أثناء انطفاء الأضواء وبدء تسارع الشاشة بالمقدمات النارية .

بعد أربعين عاما ً من افتقادي له، تكبدت ُ الإنترنيت والفيسبوك بحثا ً عن أثر له .. توقا ً وشوقا ً لصوته ومحياه الآسر ... لم أوفق .

حربٌ وسيكارةٌ وحكاية

سيق جدي توفيق العبو مع من سيق الى (السفر بر) لمقاومة الإنزال البريطاني في الفاو أثتاء الحرب العظمى . حدثنا وهو يولج طرف سيكارته بتُخْم الياسمين، يصمتُ آناً على ترقبنا ونحنُ نتملَّى دخان لفافته ليعاود الحكاية آناً آخر . قال:

- كان دخانُ بنادقنا القديمة أكثر تأثيراً علينا من رصاصاتها التي تسقط كالبعرور لا تصيب هدفاً أو تمنع عدواً .

ثم نفثَ نفساً آخرَ من سيكارته على وجوهنا ونحن نتساءلُ (إي جدو ... وبعدين؟)، قال:

- دصبروا شوية، عليش مستعجلين .. تجيكم السالفة

ثم أردفَ، نظرتُ إلى جاسم الجمون على يميني يصرخ من جرحٍ في جبهته، وما أن مددتُ يدي اليه حتى أصيبت بطلق من (الأنكريز)، صرختُ متألماً وأنا أصيح (وين الطواب؟) فإذا السماء تفتح علينا بقذائف مدفعية الكفار لا تبقي بشراً ولا مذراً على رمال الفاو . لم تدم تلك المعركة أكثر من (جارك) ساعة، هرب بعدها منا من هرب وقتل من قتل، وما وجدتُ خطايَ قد توقفت عن الجري إلا على باب الدارِ في (جيزاني الامام) ببعقوبة .

قلتُ:

- جدو، يعني انهزمتوا؟

- إي جدو ... انهزمنا، ذولة (الأنكريز) بلوة مال ألله، عدهم هاي (الفيكرس) ما يوكف كدامها بنيادم . والتُرُك طلع سلاحهم لا بي خير ولا غيرة .

ثم نفث دخان سيكارته بوجوهنا ثانيةً .

أنحني بكل الإجلال والإحترام والتبجيل لأستاذي وأستاذ الأجيال، الناقد الكبير البروفيسور شجاع العاني، الذي تكرم وكتب عن قرطاس (مراثي غيلان)، وعلى صفحته الشخصية ما مفاده نصا ً:

مراثي غيلان

الى صديقي سعد الصالحي

بشغف كبير قرأت قرطاسك الذي اطلقت عليه عنوان (مراثي غيلان) والذي ابدعت فيه صنفا جديدا في جنس السرد يجمع بين السيرة الذاتية والقص الجد قصير بحيث يمكن ان نطلق على كل صورة في هذا القرطاس مصطلح (قسيرة).

ولقد تذكرت وانا اقرأ هذه الصور التي سبق ان قرأت بعضا منها على الفيس بوك وكأنك تريد ان تقول للقارئ:

انتهى عصر الكتابة والطباعة الورقية ونحن نشهد عصرا جديدا هو عصر الكتابة والادب الالكتروني وها انا ابدع شيئا يناسب هذا العصر.

وانا اقرا قرطاسك تذكرت قول فلوبير عن رائعته مدام بوفاري:

مدام بوفاري هي انا!

لقد جاءت المراثي صورة لصاحبها فالابتسامة المشرقة تتسلل من بين الالام والموت والدمار لترسم للقارئ ضوءا وسط عالم ظلامه حالك. وقد اكسب البحث عن المفارقة والطرفة والنكتة لهذه الصور مذاقا فريدا لون هذه الواقعية الشعبية الغليظة التي تتميز بها.

واذا كنت ساستشهد هنا بصورة (تاريخ بلغاريا الحديث)، فاشير الى مواضع لاستخلاص الحكمة كما هو الامر مع صورة (الحبال)، على ان مما اكسب هذه الصور طابعا فنيا خاصا، هو هذه العفوية في السرد التي نجدها في السرد الشفاهي الشعبي للكاتب بالاستهلال او الختام في هذا السرد، فهو يقسم قائلا (والله العظيم) مستهلا احدى الصور او (والعباس ابو فاضل) في اخرى، هذا فضلا عن استخدامه اللغة المحكية في خطاب الشخصيات احيانا.

والكاتب والحق يقال يمتلك قدرة عجيبة لا في تصوير الشخصيات بل وفي تصوير لغاتها ايضا واحيل القاريء الى صورة (حسين بانزين) والى هذه اللهجة الموصلية (ول ابويي لقيتو مكَدي ..عيغجف من البغد، اعطيتو اللي الله قاسمو مني وشلحتو القاط ولبستو ودفيتو) ومن المؤسف ان الكاتب عاد ليترجم هذا الخطاب بالفصحى . والحقيقة ان اللغة المحكية هنا اسبغت على هذه الصورة طابعا خاصا بدونه كانت ستفقد الكثير.

اهنئك اخي سعد فانت لا تسجل خرقا في السردية العربية حسب بل وتضيف اليها لونا من حقك ان يسجل باسمك.

أول النساء

في الثاني متوسط، أرسلتني أمي لألبي طلب جارة لنا كي أظل معها وجيزا ً لغياب زوجها بعد الظهر . وقد كانت تلك المرأة تقلي الكباب، وتغسل الخضرة، وتعد الشاي لاستقبال ضيوفِ زوجها عشية ذلك اليوم . إقتربت الساعة من السادسة قبل مغيب شمس الشتاء، وكنت ُ أطالع قصة من قصص جبران خليل جبران، شغوفا ً بتلك الرومانسية الفتية في روحي بغرفةِ الإستقبال .

دخلت المرأةُ الغرفة، وقد كانت متدثرة بروب ووشاح كتف أبيض – ما زلت أتذكر أيضا ً أنها كانت ترتدي بيجامة شفافة – وقالت:

- بعد عشر دقايق راح يجون الخطار، تعال دا أبوسك كَبل ما تروح لبيت ماما

حشرتني خلف باب الغرفة، وقبلتني من فمي وهي تحرص على مضغ شفتي َّ باتقاد، ثم شعرت ُ – أول مرة ٍ في حياتي – بجسدِ أنثى، يطبق علي َّ، وهي تهصر فخذي بين فخذيها، حتى صَرَخَتْ بعد لحظات بتأوه ٍ شديد . كنت ُ لا أعلم لماذا فعلت ذلك !

لم أخبر أحدا ً بتلك الواقعة الغريبة إلا حبيبتي، التي كانت أكبر مني خمس سنوات، فأجابتني بغضب:

- إنجب أدبسز، مو عيب تحجي على باجيتي هالشكل؟!!

قصاصة الأسى

أدخلوه عليَّ إلى صالة العمليات وقد غطوا عريه بوشاح معقم . لم تكن سوى عينيَّ ظاهرتان من بقية وجهي المكمم بالكامل، لكنه عرفني ونظر إلي مباشرةً وقال بإيرانيةٍ واضحة لكنها بصوت متهدج:

- سلوم ألَيكم دُكتُر

وهم يتابعون إجراءات التخدير كان مستمراً بالتحديق في عينيَّ وأنا أقف لصق جانبه الأيسر متمماً فيهِ تسليمه لقدرٍ سوف تحفل به أكفي على صفحة وجهه الذي انكسر منه عظم الوجنة بحادث عرضي . أحسستُ وجيب قلبه ينبض متسارعاً مع تسارعِ شجني وأنا أشعر في نظراته نحو وجهي توسله لشيءٍ ما، أو حنينٍ ما، وأنه وحيدَ المضجع لا أهلٌ ولا رفيق أو قريب .. إلَّاي .

فراح صارخٌ من أعماقي يتدفق مصوِّتاً، أما له من أمٍّ لا تعلمُ الساعةَ أن قد ترفَّ روحه فوق رأسها لطاريءٍ ما أثناء عملية من هذا النوع المحفوف بكل الإحتمالات المميتة؟ أو أبٍ، أو أخٍ، أو ... حبيبة؟

بعد أن أنهيت عمليته، عًدْتُهُ مساءً، ووجدته يتحدثُ ببهجةٍ مع أقرانٍ له من الأسرى في ردهتهم . حاول النهوض ليحتضنِّي فوضعتُ كفَّيَّ على كتفيهِ وأعدته الى وسادته . لم تكن بيننا لغة مشتركة سوى ما تبوح به الأعين . فقالها عربيةً فصيحةً بصمت وكانت دموعاً هطلت مصحوبةً بنشيجِ امتنان ما قدِرْتُ على تحمله، فغادرت الردهة وأنا على وشك أن يكون نشيجي كذلك نحيباً مسموعا .

وصلني بيد مريض أسير آخر، مغلَّفٌ صغير منه بعد ان غادر المستشفى بأسبوعين . كان المغلف يحتوي هديته إليَّ، معجون وفرشاة أسنان وعلبة سكائر، ورسالةً عربيةً كتبها بيده وبخطٍّ فارسي، مفادها كما رُسِمَت:

((تقديماً لحضور الدكتور السيد الرائد سعد فاضل، اطلب الله تعالى صحتكم وصحة اهلكم ومن جهتي اشكر من الطافكم واخلاقكم الحسنة، هذه الهدية الصغيرة يراوي اخلاص وحب قلبي لأنها بلا سعر ويراوي رضاية قلبية حارة وارجو الله ان يطوّل هذه العلاقات بيننا وبينكم وانا خجلان من خدماتكم واخلاق الرئوفة، اندعي عند الله تعالى ان الاسرى يرجعون وساذكرك انشاء الله عند اهلي، اسمح لي لان الاسير ماله شيءٌ، يا اخي العزيز ماانسيك انشاءالله وارجوك ان لا تنسيني،

اسير

اخوك الصغيرحسين نوشهري)) .

مرت سبعة وعشرين عاماً والرسالة (القصاصة) مؤطرة ومعلقة على جدار من جدران الدار، وفي بقعة كبيرةٍ على ... شغاف قلبي .

السياسيون الكبار

 

فوجئنا بضحكاته المجلجلة ونفسه المتقطـِّع من شدتها، الجد العصملي ينادي بكلمات نصف منطوقة وقد دمعت عيناه من فرط قهقهاته المتلاحقة. (نريد استقلال كردستان)، خُطـَّت باللون الأحمر على واجهة دارنا في اربيل؛ ولما كان الجد العصملي هو المنوط بكل إجراءات العائلة السياسية فقد فسّر لنا وجه المفارقة المقترنة بوجود الشعار على جدار دارنا بالذات.. متسائلاً من سيصدق لحاق اللون الأحمر بنا من بدرة إلى أربيل..!؟ لكنه حسم الأمر بوعي تاريخي مباشر، ذلك أنه بكـَّرَ في صبيحة اليوم التالي وقد خط َّ باللون الأزرق على واجهة الدار (منحتكم استقلال كردستان)..!

ترتب على كل ذلك أن أجمعت كافة فصائل الحركة الكردية عبر مخيلتها الشعبية في أربيل على وطنيــــــة (العصملي) وضرورة ارتدائه الزي الكردي الخاص بالمدينة كلما تسنى له ذلك لاسيما في الدعوات التي ستقام لأجله، وأن يسمح لهم بزيارته في الأوقات التي يراها ملائمة ليكمل لهم أقاصيصه عن الحرب العظمى وعظمة آل عثمان المتأخرين ومناقب سندرسن باشا، ثم اتفقوا جميعا على التنازل عن استقلال كردستان إلى المطالبة بالحكم الذاتي جبراً لخاطره العزيز عليهم..! إلا أن كل ماتقدم لم ينقطع لحد الآن بفضل مؤازريه من أجيالهم اللاحقة

الشوفرليت 58

لن تتحداني على شدة التصاق انحناءات الجدران بباب الدار في مخيلتي أي أرقام، ذلك أن أنصاف الأقواس بقيت تحيط بكل الأشكال الدائرية للقلاع والسقوف المحدبة والأبراج وتكورات سراويل الكرد وعمامات رجال الدين، لكنما ظلت عقالات الأعراب وحدها عصية على التآلف مع الشحنة الذاكراتية .. ربما لأن الألتصاق ظل منوطا بنكهة اللبن الصباحية في أربيل !

 يعصف صوت منبه سيارة (نعمت علي الشكرجي) أمام إنحناءات الجدران المحيطة بباب الدار فيتضخم الصدى بأنغلاقه في المجاز الضيق لا ليوقظنا حسب ولكن ليسرع بنا الى جولة معبئة بالتجدد في كل لحظة من أعمارنا أنا وأختي هناء.

نتبوأ ُ مقاعد الصدر في سيارته الشوفرليت 58 الحمراء ونطوف في نطاق حول القلعة المتسامقة، ثم ينثني بنا الى المستشفى لنغني أناشيد مرتبكة أمام (منعم) ابن خالتنا (سعاد) الراقد بشلل الأطفال في ردهة خالية من الطفولة. يشاركنا الطفل المعاق بكردية بريئة غناء الأهزوجة:

- كريمة .. زعيمة، كريمة .. زعيمة

إن نعمت علي الشكرجي، زوج خالتي، سليل ظهور الجبال العنيدة والبرجوازية المضمحلة مازال عنيدا كصلابة قفا أجداده، يعيش وينفق العديد من الأولاد على مصائر كثيرة .. أغلبها لم يعد مجهولا

العنبة الهندية

في السينما، كانت لنا المقصورة - اللوج - تمتلئ بالكرزات والجبس وقناني الكوكا كولا وتعليقات أمي غير المنقطعة عن آفا كاردنر وإليزابيث تايلور وأيفون دي كارلو، ثم لفـّات العنبة الهندية بالبيض المسلوق وشرائح الطماطة..إنه ذلك المزيج الأسطوري الأصفر المضمخ بالفلفل الحار وقطع اللب الذي تأبـّدَ قرينة ً لاهوية لصالة عرض أفلام لي من دونها، لطالما ظللتُ أتحرقُ شوقا ً لتلك الظلمة المفاجئة والصفير الصاعق ومقدمات الأفلام السريعة.. لتلك النكهة الحريفة والمذاق اللاذع ؛ حتى أن رياض وهو مصابٌ بجراحه في مستشفى مندلي كان لايني يذكـّرني - على الرغم من آلامه - كيف كنت أصيح على بائعها في صمت الصالة وظلمتها:

- تعال أبو العنبة..

بلا استئذان منه أو حساب لجيبه الذي يعود به خاليا ًتكـّرما ً لي بالعنبة الهندية.. كيف تسنى له أن يتذكر شهيتي لها على فراش جراحه بلغم بتر نصف كف قدمه اليسرى؟

 قال فجأة:

- تتذكر سينما سيروان في أربيل؟

- نعم أتذكرها تماما ً

- كنت أكثرنا سعادة بأفلام الحروب

- نعم ومازلتُ

- لاتخدعنك أفلام الحروب، فالموت لا يحتمل مزاجنا، دعني أقـّبلـُك أيها العزيز.

وراح بعد هنيهات في إغفاءة عميقة !..

تمنيت ُ أن لا تجتمع نكهة العنبة الهندية التي ذكـّرَنيها رياض ونكهة المعقمات وعطن أكياس الرمل التي حـُصـِّنـَتْ بها شبابيك مستشفى مندلي .. بنكهة أخرى، مقرفة تماما، كان لابد من ألإحساس بها كلما تذكرت سعادتي بأفلام الحروب.

بلا استئذان منه أو حساب لجيبه الذي يعود به خاليا ًتكـّرما ً لي بالعنبة الهندية.. كيف تسنى له أن يتذكر شهيتي لها على فراش جراحه بلغم بتر نصف كف قدمه اليسرى؟

 قال فجأة:

- تتذكر سينما سيروان في أربيل؟

- نعم أتذكرها تماما ً

- كنت أكثرنا سعادة بأفلام الحروب

- نعم ومازلتُ

- لاتخدعنك أفلام الحروب، فالموت لا يحتمل مزاجنا، دعني أقـّبلـُك أيها العزيز.

وراح بعد هنيهات في إغفاءة عميقة !..

تمنيت ُ أن لا تجتمع نكهة العنبة الهندية التي ذكـّرَنيها رياض ونكهة المعقمات وعطن أكياس الرمل التي حـُصـِّنـَتْ بها شبابيك مستشفى مندلي .. بنكهة أخرى، مقرفة تماما، كان لابد من ألإحساس بها كلما تذكرت سعادتي بأفلام الحروب.

أربيل...لماذا؟

 لأنها خطوة إلى عالم فسيح أكبر، لأنها الغربة في حضن الوطن ولأنها الوطن في المنافي ! تلك أسباب لها ماعليها، ولها وجه خالتي وأبنائها الكرد، أولاد نعمت الشكرجي، سليل برجوازية مضمحلة بأذيال الأغوات؛ صالتان للسينما وكازينو وبقالة حلويات مضمخة بالدهن الحر وكلال السكر الإيراني وألف إعجاب بـِ (سامية جمال)، ولأجلها أقترن نعمت الكردي بشبيهتها (خالتي المصلاوية).. كما أنه مازال يعشق السينما وغرفة (المكينة) التي يحتفظ فيها دائما بطاولة على صفحتها ربع عرق وصحن باقلاء صغير وقطع من (النومي حامض) مع علبة سيكاير (كريفن أبو البزون)، جدران ملأى بقامات الراقصات وأوجه الممثلين المليئة بالرغبات العجيبة !! ألفُ حب ٍّ لنفسه وجنرالات حروبه الجبلية!..

يمضي الزمن ونحن أطفال ودمى من الخرق وعجلات من الأنابيب المطاطية وألعاب بلا هويات قومية، لغتنا الرصيف وعداءاتنا اختفاء خلف الجدران وتحت أغطية البراميل، بيتنا يطل على حرية الشارع وعلى فضاءات تتراءى في أفقها ذؤابات الجبال القريبة بجبروتها المطل على ربوة المقبرة القريبة. كنت أحس بامتداد رطوبتي عبر الفراش إلى جدران الدار وعفونة الباب والشوارع المكتسية بالبرد والحالوب.

أنها أربيل، الخلاص الذي عاد به أبي من نجيب الربيعي والمنفى بالوجه الآخر لعائلة ربما اكتشفت أخيرا أنها بلا مبادئ.

اليباب

نظرت عصر اليوم بسرعة الى الدور (الخاوية) المجاورة ...

لصقنا دار الرائد سعيد التكريتي رحمه الله (توفي اثر سكتة قلبية)، ثم دار العقيد حماد (خُطف واغتيل على يد مجرمي القاعدة)، تليها دار المرحوم الجار البطل عميد القوات الخاصة، ومعلم التدريب العنيف لقوات النخبة، صكَـر العجيلي (توفي بسرطان الكبد بعد معاناة شديدة).

وكان أملي شديداً أن يظل خليلي اللواء الطبيب الأستاذ الدكتور وزميل كل الأوقات الحميمة والعصيبة والجميلة .. قيس عبد اللطيف مصطفى الزبيري على قيد الحياة نتذاكر معا ً جيرة أولئك الأحبة، لكنه غادرني مستعجلا بعقابيل سرطان الكبد كذلك بعد أن شفي منه لوقت لا بأس به في مغتربه بالإمارات .

 (ألخمس دور) كما يسميها أهالي تكريت لم يتبق منها سوى داري المطلة على شارع البلاج .. وأطل على وحشتي وحيدا ً بعد انقضاء ثلاثين عاما ً بتلك الجيرة الطيبة أكابد فقدانها كل ساعة .. كأنني ألوم بقائي بعدهم على قيد .. السرطان

تاريخ بلغاريا الحديث

 (مراثي غيلان)

في زمن الحصار، وبعد أن سألني (سلمان داود محمد) لمَ تصر على ارتداء بذلتك العسكرية برتبتك حتى ونحن في سوك الهرج، تبعثرالزائرون للمريض الراقد في (الصورة) الملقاة على كونية أم القلمين، مبتسمين وحالمين بكشخة المناسبة .

 ثم تواتر الجمع في صورة أخرى على جمعةٍ في (سلمان باك)، ليندغم كل ذلك بعشق تجوالنا صباحاً في السوق أمام دكان مصور تراثي عرض تلك الصور لمئات المجهولين ببذخ الذكريات البغدادية على قارعة رشيــدٍ من بقايا الزوراء . وانتبهنا معاً مأخوذين بطوابق المنظر إلى كدس المكالمات المجففة في آلاف الهواتف العاطلة مع سمتِ استكان شاي وصديق يشارك صاحب الدكان عبر دخان سيجارة كلاماً عن السجاجيد الكاشانية العتيقة .

توقفنا قبل الرحيل عن السوق حذو فجة صوف مهترئة يشمخ على سطحها (تَـكْ) بسطال أحمرعراقي، تراصفت لصقه دمية بلاستيكية عارية، بكرة منضدة عاجية ارتجلت كرأس لها تَـبَـرَّجَ بألوان النساء، ثم سبانة (14)، مع رقعة حية ودرج، وسِـفْرٍ ضخم بألفين صفحة عنوانه (The History of Modern Bulgaria) .

وظل في ذاكرتي سمتِ استكان شاي وصديق يشارك صاحب دكانٍ عبر دخان سيجارة كلاماً عن السجاجيد الكاشانية العتيقة .

 

ليث الصندوق

......................

ألحلقة الرابعة من: أضواء على أدب ال facebook

 

جمعة عبد اللهالاديب حميد الحريزي، يمتلك تجربة طويلة وغنية في الابداع السردي الهادف والرصين. الذي يمتلك رؤية الفكرية والاجتماعية والايديولوجية. وفق قناعاته، من تجارب صميم الواقع والحياة، ويقف بقوة وبقناعة راسخة، في مناصرة الشرائح الاجتماعية المسحوقة والمضطهدة، التي تعاني من مرارة القهر الاجتماعي والظلم من الانظمة الشمولية، التي تمارس الارهاب والانتهاك والاستلاب، في البطش والتنكيل، او ممارسة اشكال من الارهاب البشع، او تمارس سياسة التجويع والفقر، والاذلال في القيمة الانسانية، قديماً وحديثاً. والمزايدة في تجارة الشعارات البراقة الخاوية المحتوى والمضمون، بأسم (كل شيء من اجل القائد المظفر) سابقاً، والمتاجرة بالدين والتدين والشرف، بحجة صون حرمة وشرف المرأة حالياً، وهم يبعونها بدون شرف واخلاق. لذلك يعتبر ابداعه السردي، يمتلك قوة وصلابة في الايحاء والمغزى التعبيري الدال، عن هذه الانظمة البغيظة والسيئة الصيت والسمعة. ويخلق في خياله الفني، في رؤيته الواسعة، بكشف العيوب وفضحها على المكشوف. لذلك ابطاله في مجموعته القصصية، تعاني التأزم المأزوم، الذي يحرث في الانكسار والاحباط والهزيمة واليأس الحياتي، امام افعال الواقع القاهرة. تعاني العسف والظلم والحرمان، من مسخ حقها الشرعي في الحياة، ابطاله يعانون القهر الاجتماعي والحياتي، في أسوأ اشكاله، يعانون من مصادرة الحرية والحياة، في اساليب الارهاب، وزج المواطنين في محارق الحروب، ليكونوا وقوداً لها، او ملاحقتهم في العيش والرزق اليومي كما يحدث قديماً، وحديثاً في طامة الارهاب الدموي بالتفجيرات اليومية، التي تطال الشرائح المسحوقة والشعبية. بأن تكون الحياة، سلسلة رعب وانتهاك متواصل لا ينقطع بدأ، بل يزيد من وتيرته المتصاعدة، رغم تبدل الازمنة، وسقوط نظام، ومجيء نظام جديد آخر، لكنها تبقى نفس الثوابت، تتوارث باساليب الانتهاك وسلب الحياة والعيش. ابطاله ينتمون الى صلب الواقع المأزوم والمحروم. يعانون من صعوبة التكيف الحياتي، في البؤس والقهر الاجتماعي، وخاصة عند المرأة التي تكشف، خواء ونفاق البهرجة الاعلامية للعمائم واللحى الشيطانية، في صون شرفها وعفتها، وهم يساومون على شرفها وعفتها، في اشباع الغريزة الجنسية في الشبق الوحشي، في التعامل والتصرف والسلوك، هكذا بكل براعة يوجه خطابه السردي، الذي يحمل رؤية واسعة الافاق للناس والحياة، في زخم الايحاء والرمز البليغ، على مجريات الواقع وعيوبه المثقوبه والمهلهلة بخرقتها المثقوبة، التي تقود الانسان الى الهلاك والموت. ويتعمق في النص السردي لمحنة الانسان العراقي، سواء في الاستلاب والانتهاك، او ان يكون كبش فداء للارهاب الدموي وتفجيراته اليومية. او كشف عيوب الحكام الجدد، في نهجهم الذي يعتمد على اللصوصية والفرهود. ان المنجز الابداعي السردي. يتفاعل بعمق مع موجودات الواقع، برؤية ناضجة مدركة فداحة المعاناة الانسانية التي يمر بها العراقي. بما يمتلك من مكونات تعبيرية وتقنيات فنية حديثة في اساليب السرد القص، التي ترتقي الى صميمية الواقع الفعلي وتداعياته. كما برعت في وصفها وتصويرها في الابداع المتمكن، لهذه المجموعة القصص القصيرة (المصابيح العمياء). لذلك نسلط الضوء بأيجاز على بعض القصص القصيرة.

1 - قصة (بصمة كلب): كان الكلب (حمور) متعوداً في انشغال برمجة دماغه على بصمة مألوفة ومعروفة في تلافيف عقله، لذلك يبدو أليفاً ومسالماً ومتسامحاً، في عبور الزائر او الضيف الغريب الى البيت، اما اذا اشارت تلافيف دماغه الى الاشارة الحمراء، بتلقى بصمة غريبة، يبدو عند ذلك عنيفاً ووحشياً تجاه الغريب، بالنباح او في الهجوم على الزائر الغريب، وفتك به وتمزيقه، دفاعاً عن صاحب البيت، هكذا تعود عليها الكلب (حمور) ولكن رجال العهد الجديد، اصحاب اللحى والمحابس والبسملة، والفخفخة البراقة، جاءوا ببصمات غريبة غير مألوفة للواقع، ولا يمكن أن تهضمها النفس، لنشازها وغرابتها،. لذلك الكلب (حمور) وجد هذه البصمة للزائر الجديد، ربما وراءهها مأرب عدوانية وشريرة، لذلك هجم بقوة على الزائر ليطرده بنباحه، والتشب بثيابه، لكن حراس الزائر الغريب. من ذوي الوجوه المتجهمة بصرامة وعدوانية. حليقي الرؤوس، حاملي البنادق والمسدسات، انتفضوا على الكلب (حمور) قبل وصوله الى سيدهم الهمام، ليردوا قتيلاً برصاصات بنادقهم ومسدساتهم.

2 - قصة (نداء طائر الحجل): النظام الاقطاعي يعتمد على الجندرمة، في تثبيت أسس النظام المبنية على الخوف والبطش، والشرطي هو اداة السلطة في تثبيت الامن والنظام، لذلك يمتلكون كامل الصلاحية في تحديد مصير الناس الابرياء، لذلك يتجنبونهم الناس، خشية من الوقوع في شراكهم، وتلبية كل مطاليبهم (غالي وطلب رخيص) لذلك الشرطي (ابو اسماعيل) اعجبته حركات طائر (الحجل) لذلك طلبه، لكي يمتع ابنه. واضطر الاب ان يلبي مطلبه، في اعطاء طائر (الحجل) رغم معارضة ابنه وبكاءه المر وتوسلاته، لكن لم تنقذ صديقه طائر الحجل، فكان يعامله بحبور ومرح، ويداريه ويطعمه بفرح وسرور، ويقضي الاوقات الطويلة في اللعب معه، وفجأة يذهب صديقه طائر (الحجل) منه، ويشعر بالقهر والحزن الشديد، واصابه المرض والحمى، وفي احد الليالي في الحلم، يجد صديقه الطائر (الحجل) قربه يمسده بحنان وعطف، ويشكو له المعاناة القاسية من ابن الشرطي (ابو اسماعيل) وان حياته تحولت الى جحيم ومعاناة، وحين فز من نومه لم يجد طائر (الحجل) قربه، اصابه مس من الجنون، وانطلق في البراري، متصوراً نفسه انه طائر (الحجل) يعود الى صديقه.

3 - قصة (واغفارياه): عائلة فقيرة يسودها الحرمان الحياتي، توفى الاب المعيل الكادح، الذي كان يذهب مع الفجر الى مسطر العمال، ليجد رزقه اليومي. لذلك بعد وفاته لم تجد الام شيئاً يسد رمق جوع اطفالها، سوى (بطانية) منحها لهم احد المرشحين للبرلمان، بالوعد والقسم بأنهم سيرشحونه في البطاقة الانتخابية. لذلك اخذت البطانية لبيعها في سوق هرج، ولكن لم تجد الشاري، من حبربشية السوق، وافتى عليها احدهم ان تبيع (عبائتها) افضل من (البطانية) بهذه الصلافة المتغطرسة، من هؤلاء ادعياء التدين والعصمة والشرف للمرأة، يساومون على بيع شرف المرأة وعفتها، في سلب عبائتها للبيع، حتى تحصل على حفنة من الطحين، تسد رمق جوع اطفالها. سوى ان تصرخ بملء فمها الحزين (يا واغفارياه).

4 - قصة (فخاخ الجنان): ازهار وسعد. حبيبان تربطهما رابطة العشق، تواعدا على الاقتران بالزواج، لذلك ضرب لها موعداً لتجهيز حاجيات الزواج من السوق، وحدد المكان والزمن لحبيبته، لكي يلتقيان ويختاران الاشياء التي تعجبهما في الزفاف، وتأتي (ازهار) في الموعد المحدد، وتقترب اليه بكل شوق واشتياق، ولكن في لحظة اقترابها، فجأة دوى انفجار دموي، ليحول اجساد الابرياء، ومنهم (ازهار وسعد) الى اشياء متفحمة ومحروقة، ووجدهما الناس، شخصان متفحمة اشلائهما متلاصقان لا يمكن فكهما احدهما عن الاخر. لذلك قرر المشيعون. دفنهما سوية في قبر واحد.

5 - قصة (عفن النجوم): كان الاب تلفه الحيرة والذهول والتشتت، وهو يتمزق داخلياً، في عدم قدرته توفير الحاجيات البسيطة لعائلته الفقيرة، التي تعيش الكفاف والشحة والفقر المدقع، يساق الى التجنيد ليرسل الى جبهات الحرب (جبهات العزة والكرامة والرجولة. ولا كرامة بلا صدام القائد العظيم المظفر) وفي ساحة التجمع، يقرأ النقيب المتجهم بصلافة وغطرسة متعالية الاسماء. كأنهم خرافان تساق الى مسالخ الذبح، وفي دوامة قراءة الاسماء، يصاب الاب في ذهول من القهر الحياتي، وينسى سماع اسمه ضمن القائمة التي يتلوها النقيب، ولكنه انتبه اخيراً، وزمجر النقيب في وجهه بعنف وعدوانية، واخذ يضربه على رأسه حتى فارق الحياة. وامر جنوده برميه في المزبلة، على وقع اناشيد طبول الحرب (وحنه مشينه للحرب.. يا كاع اتربج كافور..... يمه البارود من اشتمه، ريحة هيل) هذا الواجب المقدس. سلاحك شرفك. ولا كرامة بلا صدام).

6 - قصة (عاجل): تدل على شيزوفرينا ومازوخية السادية لازلام نظام التسلط الشمولي، الذي يجمع التناقضات في وعاء واحد، في الاعتناء بالهوس بالاناقة والجمال والتعطر، والمظهر الجذاب بالملابس الفاخرة، والسلوك الظاهر، بالرقة والوداعة، وفي نفس الوقت ممارسة ابشع وسائل التعذيب ضد السجناء السياسيين، بقلع الاظافر وسيل الدماء النازفة، او الضرب المبرح بسادية حتى يتحول السجين، جثة هامدة تسبح في بركة من الدماء. ممارسة صنوف التعذيب بوحشية سادية، تتعارض مع شكلهم البراق وفخامة ملبسهم، وبشاشة وجوههم بالانشراح والابتسام.

7 - قصة (دعابل خضر): كالعادة في عيد الاضحى. تتوافد اعداد كبيرة من الناس على مقبرة السلام، يترحمون على امواتهم، وتوزيع الثواب، كانت هناك أم ملتفة عباءة سوداء تبكي وتنوح على فجيعتها، الاب خطفه الموت، الابن الصغير ترك المدرسة والعابه، وانخرط في سوق العمل كحمال في السوق،لكي يوفر رزقه اليومي في السوق الشعبي. ولكن كان الارهاب الدموي بالمرصاد له مع الابرياء الاخرين، ليحوله الى اشلاء متفحمة ومحروقة.

وهناك قصص قصيرة تمثل الكوميدية الحياتية، واخرى تمثل التراجيدية السوداء. ففي الاولى. قصة (المسخ) قروية اعتادت ان تذهب الى السوق لعرض بضاعتها البسيطة للبيع. وكانت كل يوم تمر وتجد الشاب الانيق المبتسم في وجهه المرح، وفي هندامه الفاخر يتربص ويتطلع عليها باهتمام وشغف، كل يوم يغير اناقته الفاخرة والجميلة، ويلاحقها بنظرات الابتسام، تصورت انه شاب عاشق ملهم بها، لذلك تزينت وتعطرت، وقررت مع نفسها ان تتحرش به، حتى يفهم انها مفتونة بعشقه ايضاً. فلم تضبط اعصابها لشاب الافندي العاشق، فلكزته بمكورتها الخلفية، مما وقع الشاب الانيق والعاشق فجأة، بدفعة واحدة الى الارض، مما هاج غضب صاحب المحل، وصاح بها غاضباً (مالكِ هل جننتِي بالعمى أيتها المعيدية. فقد سقط المكنيان؟!). فأصابها الذهول، وتبخرت احلامها وقالت (والله ما ينكدر لمكركم يهل الولاية. تصورته حبيب عاشق، تالي طلع لعابة ؟؟!!.

القصة الاخرى بالتراجيدية السوداء. قصة (اللعنة المستدامة): شاب كلما يقترب من نقاط التفتيش، يصيبه الهلع والخوف والقلق. كأنه يحمل شيئاً محظوراً وخطيراً. ما ان يمر عليه جهاز السونار. حتى يشير الى الخطر الكامن، فيندفع الية الشرطي ويتجمع علية افراد نقطة التفتيش، ويبعدونه عن الناس والسيارات، ويجردونه من كل ملابسه. حتى يصبح عارياً تماماً، ولكن حهاز السونار مازال يؤشر الى دائرة الخطر، بأنه يحمل شيئاً خطيراً. ويحاول ان يشرح وضعه ويقدم ورقة الى الضابط، وهو يصرخ بحزن ونحيب بأنه بريء، ويقرأ الضابط الورقة (الى من يهمه الامر:... جسد المواطن الملصقة صورته اعلاه... يحمل رصاصة غير متفجرة، مستقرة في قفصه الصدري. تعذر علينا اخراجها، مما يجعله يعطي اشارات ايجابية لفحص البارود.... يرجى ملاحظة ذلك مع التقدير)

وكذلك قصة بالشذوذ الجنسي من جانب الاب. في قصة (القهر المزدوج) الاب يمارس الجنس والشذوذ مع طفلته الصغيرة. وكانت زوجته انتحرت لشذوذه الجنسي، وتركت طفلتها ليلعب بها في فرش المتعة، ولكن حين جاء وقت الزواج، وفي فرحة زفة العرس، دخل عليها العريس، ولكنه صعق بأنه وجدها غير باكر، وقطعة القماش ظلت بيضاء، فهاج غاضباً ومزمجراً لانه وقع ضحية خداع، ووسط الفوضى والصراخ بين الاب والزوج، ركضت المطعونة في شرفها من قبل الاب الى الحمام واقفلت الباب، واخذت قطعة حديد ودستها في سويج الكهرباء، حتى احترقت متفحمة من التيار الكهربائي، انتبهوا الناس الى صرخة مدوية، وحين فتحوا باب الحمام، وجدوها جثة محترقة ومتفحمة.. بينما كان الزوج يتطلع الى التلفاز ليبث الخبر العاجل على الشاشة (الجماهير التونسية تشيع محمد بوعزيزي، المنتحر حرقاً)

 

  جمعة عبدالله

 

عبد الله الفيفييقول (أبو الطيِّب المتنبِّي):

وهَبِ المَلامَةَ في اللَّذاذَةِ كالكَرَى  * *  مَطرودَةً بِسُهادِهِ وَبُكائِهِ

فجاء في كتاب «المآخذ على شُرَّاح ديوان أبي الطيِّب المتنبِّي»، (لابن معقل الأزدي)(1)، في تعقُّبه (ابنَ جني) في شرحه المعروف بـ«الفَسْر»، ما يأتي:

«قال: يقول: اجعلْ ملامتَك إيَّاه في التذاذكها كالنوم في لذَّته، فاطردها عنه بما عنده من السُّهاد والبكاء، أي: لا تجمع عليه اللَّوم والسُّهاد والبكاء، أي: فكما أن السُّهاد والبكاء قد أزالا كَراه، فاترك ملامتك إيَّاه.

وأقول: هذا ليس بشيء!

والمعنى: أنه قال لعاذله: إن الكَرى الذي يستلذُّ به الإنسان قد طردتَه عن عيني بالسُّهاد والبكاء؛ فاجعل الملامة المستلذَّة عنه كالكَرى مطرودةً عنِّي بهما.

ويحتمل أن يكون المعنى: هَبِ الملامة التي لا استلذُّ بها، بل استضرُّ بها، كالكَرى في اللذاذة، أ فليس الكَرى المستلذُّ به مطرودًا بالسُّهاد والبكاء؟ فما ظنُّك بالملامة؟ فاجعلها كذلك؛ والوجه الأوَّل هو الصواب.»

ومعنى بيت (أبي الطيِّب) أوضح من هذه النُّجَع البعيدة، بل لا يستقيم مع كثيرٍ منها، لو أُعيدَ البيتُ إلى سياقه من القصيدة، وإنما أرهق هؤلاء أنهم لا يفعلون، بل يأخذون البيت معلَّقًا في السماء، وعندئذ تتعدَّد أوجه الاحتمال في قراءته.  فماذا يقول الشاعر؟  يقول:

مَهْلًا فَإِنَّ العَذلَ مِن أَسقامِهِ           

وتَرَفُّقًا فالسَّمعُ مِنْ أَعضائِهِ

وهَبِ المَلامَةَ في اللَّذاذَةِ كالكَرَى 

مَطرودَةً بِسُهادِهِ وَبُكائِهِ

فلمَّا ذكرَ أن العذل من أسقامه، استأنفَ بالقول: وهَبْ [بمعنى افرضْ جَدَلًا، لا بمعنى «اجعلْ»] أن الملامة ليست من أسقامه، بل هي في اللذاذة مثل الكَرَى، فإنها قد باتت، كالكَرَى، مطرودةً بسُهاد العاشق وببكائه، فلا جدوَى منها، إذن.  فسواء أكان العذل والملام من أسقامه، أم كانا من لذاذاته، فإنه ذاهلٌ عن الشُّعورَين معًا، وفي شُغلٍ عنهما شاغل. 

غير أن عدم الربط بين البيتين، والاقتصار على ثانيهما، هو ما جعل القول مشكِلًا في نظر الشُّراح، وأدار بينهم الرؤوس والخلاف. ولذا ستجدهم في النهاية، على كثرة ما يقترحون من أوجه للمعنى، متجافِين عن مقاربة المقصِد الذي يؤيِّده السياق. وكأنما المتنبي كان يسخر من تخبطهم هذا يوم قال:

أَنامُ مِلْءَ جُفوني عَن شَوارِدِها  * *  ويَسهَرُ الخَلقُ جَرَّاها ويَختَصِمُ

بل لعلَّه كان يتعمَّد إيقاعهم في هذه الحبائل التفسيريَّة؛ ولا سيما أنه كان يقف على مشارف عصرٍ أصبحت الطرائف والأحاجي والألغاز من وظائف الشِّعر الشعبيَّة المحبَّبة.

صحيح أن (ابن معقل) كان أحيانًا يدعو صاحبه (ابن جنِّي) لربط بعض أبيات الشاعر ببعض، ويرى أن عدم ذلك هو سبب ما يأخذه عليه من ضعف الفهم، لكن يبدو أن ذلك إنما كان يَرِد حين يرَى العلاقة بين الأبيات واضحةً، ونحويَّة.  أعني حين يكون أحد الأبيات مترتِّبًا على الآخَر بحُكم البناء النحوي. كأنْ يكون البيتُ الآخِرُ مرتبطًا بسابقة بفاء العطف.(2)  غير أن هذا ليس بكافٍ لفهم النصِّ، في كلِّ حال؛ من حيث إن بناء النصِّ بناءٌ واحدٌ، وإنْ بدا بعضه مستقلًّا، والمفهوم الكُلِّي لسياق النصّ أوسع من العلاقات النحويَّة، في الجُمَل الشعريَّة، وفي ما بين تلك الجُمَل.

إن النَّصَّ لا يُفهَم حقَّ الفهم، ولا يُفسَّر حقَّ التفسير، إلَّا عبر السياق، ذي الوظيفة المرجعيَّة.  ولسنا في حاجة هنا إلى تأكيد ذلك بالتذكير بعناصر الظاهرة اللغوية، وتحليل آلية الرسالة التواصليَّة، حسب (رومان جاكبسون Roman Osipovich Jakobson، -1982).

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

........................

(1)  (2003)، تحقيق: عبدالعزيز بن ناصر المانع (الرياض: مركز الملك فيصل للدراسات والبحوث الإسلاميَّة)، 1: 15- 16.

(2)  انظر: م.ن، 1: 26.

 

1054 طائر القشلةالحدث هو واقعة أو سلسلة من الوقائع المجردة التي قد تمثل حقيقة  راهنة أو تاريخية، لكن لا يمكن لهذا الحدث أن يأخذ مداه في الذاكرة الجمعية الإنسانية ما لم يؤطر بالتفاصيل التي أحاطت به وعملت على صياغته، أي السببية التي أدت إلى نشؤه وحركة الأبطال ضمن حدوده، حسب توصيف جيرالد برنس، وفي غياب التفاصيل الحقيقية والدقيقة عنها، يمكن للمُتخيل أن يحل محلها وفق السياق العام للحدث الرئيسي، والمبني على استقراء الواقع واستخراج الكليات من الجزئيات والعكس، وهذا الأمر ينعكس بصورة مهمة على الفن الروائي الذي يعتمد السرد المُسهب والخوض في التفاصيل كأساس له، كي تتضح الرؤية لدى القارئ .. في رواية (طائر القشلة) للروائي شاكر نوري الصادرة سنة 2019 عن دار المؤلف، نلاحظ هيمنة المُتخيل الفني على النص واحتل المساحة الأكبر منه، مع إبقاء فسحة صغيرة للحدث الرئيسي وهو مقتل البطل غدير، والذي استوحاه الروائي من حادث مقتل ممثل مسرحي عراقي شاب على يد مجموعة مسلحة مجهولة، تميز النص بمحوريته وعدم تشظيه إلى ما هو ابعد من حدود الزاوية التي أراد لنا الكاتب أن نطل من خلالها على الحدث الرئيسي، عبر مجموعة من الفنانين والمثقفين (مخرج مسرحي، أستاذ جماليات، رسام، صحفي، ممثلة مسرحية) إضافة إلى البطل (غدير) الذي كان ممثلا وكاتبا مسرحيا، هذه المجموعة النخبوية التي اختارها شاكر نوري تعكز عليها للإفصاح عن آرائه وأفكاره ونظرته للمشهد  العراقي بعد الاحتلال الأمريكي 2003، فكانت رؤية سوداوية أحادية تحمل جزءا مهما من الحقيقة القائمة، جمعت كل هؤلاء وفق نسق حكائي واحد غلب عليه الرؤية الناضجة واللغة العالية ووعي قائم امتلكه أبطال الرواية اتجاه محيطهم الاجتماعي العراقي، والذي يمثل نظرة سلبية قاتمة، هم عاجزين عن إيجاد حلول لمشاكله.. لذا نجد البطل غدير قد استعان بالمسرح املآ منه في إيقاد شمعة وسط الظلام الحالك الذي يحيط، في محاولة سيزيفية غير مجدية لترميم مجتمعه عبر رسالة المسرح الإنسانية بمساعدة حبيبته (أصيل)، التي تميزت شخصيتها بكونها ساكنة على امتداد النص، ارتبط حراكها بثوابت المكان ومعطياته وشخوصه المؤثرة.

تبدأ الرواية وفقا لتقنيات الارتداد والاستذكار والاسترجاع الداخلي حسب تصنيف جيرار جينت، حين تقوم (أصيل) حبيبة البطل غدير باستذكار الماضي واستحضاره من بؤرة الحدث المركزي وهو المسرح الذي كانت تمثل على خشبته مع غدير قبل أربعين سنة خلت، ثم تنطلق الرواية وفق نسق حكائي ثابت متعدد الأصوات (بوليفونية) اعتمد السارد الضمني وهي أصيل التي عاشت الحدث وتفاعلت مع وقائعه ومعطياته الحسية والمادية، ومجموعة من الساردين الضمنيين الثانويين الذين مثلوا مجموعة الأصدقاء، إضافة إلى صوت البطل غدير، وهذه من السمات المهمة التي يتمتع بها أدب شاكر نوري الذي غالبا ما يلجأ لهذا الأسلوب السردي في رسم الأطر العامة لنصوصه الروائية، عبر زج مجموعة من الأبطال الثانويين الذين يأخذون دور البطل الظل في نصه بطريقة تكاملية لتعضيد فكرته، كما في رواية خاتون بغداد، حيث يعمد على اختيار هذه الشخصيات بدقة ويرسم ملامحها من خلال ما تطرح من أفكار ورؤى وتصورات عن واقعها المعاش، وبذلك يجعل نصه يسير باتجاه واحد نحو أفق مشترك بعملية تبئير يشترك الجميع فيها بغياب تام ( للضد).

طائر القشلة رواية سلطت الضوء على حقبة مهمة من تاريخ العراق المعاصر، وما نتج عن الاحتلال الأمريكي له من فوضى أدت إلى ظهور أنماط حياتية غريبة عن طبائع مجتمعه وأعرافه وقيمه وبالأخص البغدادي منه، غدير الشاب الجميل المثقف المسرحي المتحرر من قيود محيطه أراد أن يختط لنفسه نمطا حياتيا مخالفا للمألوف، فانعكس ذلك بوضوح على ملبسه ومظهره العام وأفكاره وأرائه وعلائقه الاجتماعية، فأدى ذلك إلى مقتله، وبذلك أراد الكاتب من خلال هذه الشخصية الجدلية أن يعيد صياغة المفاهيم الأزلية العامة وإسقاطها على ارض الواقع مرة أخرى ( الحب، الخير، الجمال، الفضيلة، السلام) متخذا من غدير نافذة للإطلالة على واقع مأساوي قد بالغ بعض الشيء في تصويره عبر وقائع جانبية مُتخيلة أطرت الحدث الرئيسي وهو مقتله، غير انه لم يوفق في خلق تعاطف مطلق مع تلك الشخصية، لان الكاتب حين يقوم برسم الملامح الرئيسية لشخصية (البطل الضحية) يجب عليه أولا مراعاة الأعراف والتقاليد والمزاج العام للمجتمع المتلقي للنص، الذي احتضن تلك الشخصية، وإحداث موائمة بين سلوكه وحراكه داخل النص وبين المزاج العام للجمهور القارئ، حيث ظهر لنا غدير كمتلقين بأنه شاب جميل مثقف فقير ماديا يمتلك وعيا آنيا مسؤولا ملتزما اتجاه وطنه وشعبه وفنه، وهذه صفات ومواقف جميلة وإنسانية لا يختلف عليها اثنان في أي مجتمع أنساني، لكن في الجانب الآخر من حياته ظهر لنا غدير على انه شاب متحرر فوق العادة يقيم علاقة جنسية كاملة مع حبيبته أصيل ويتعامل مع هذا التصرف على انه طبيعي بل ويسعى إلى تبريره، وقد يَنزع هذا السلوك صفة البطل الضحية عنه في مجتمعاتنا، التي دأبت الميثولوجيا العربية فيها على إكساب البطل الضحية كل الفضائل والصفات النبيلة (شجاعة، عفة، شرف، مروءة) كي تكتسب شهرتها وخلودها في الذاكرة الجمعية العربية.

أهم مرتكزات النص

اسطرة الشخصية الروائية:- إحدى أساليب السرد التي يلجأ إليها الروائي في صناعة الشخصية الروائية ورسم ملامحها هي اسطرة الشخصية، وإضفاء طابع ميثولوجيا على صفاتها وحراكها ونظرة الآخرين إليها، وقد عمد شاكر نوري إلى إحاطة بطله غدير بهالة أسطورية ومنحه كارزما تجاوزت القواعد الطبيعية والمتعارف عليها، ميزته بشكل خيالي أسطوري عن أقرانه، وجعلت منه شخصية متفردة ونادرة الوجود، لشد القارئ إلى تلك الشخصية وإضفاء طابع الدهشة والتشويق على نصه، عن طريق المبالغة في ردود أفعال الناس اتجاهه، كما اتضح ذلك في الكثير من النصوص داخل الرواية وسأبين بعضا منها:

1- نص على لسان أستاذ الجماليات يصفه (أيها الطلبة الأعزاء إنني لا أتكلم عن أسطورة آتية من السماء بل عن فتى تعرفونه جميعكم يعيش بيننا بطل وأيقونة بجماله وجرأته.. مؤمن قدري هائم مليء بحب الصوفيين..على صدره فراشة محنطة يحمل شعلته محاولا طرد الظلام ... الكل خائف أن يصاب الفتى بعين الحسد من يحمي مًن؟ ساحرات متنبئات قارئات فنجان وعاهرات....)

2- نص على لسان صديقة الرسام (وتساءلت في سري: كيف يُنجب بشر عاديون في جمالهم رجلا خارق الجمال مثل غدير؟ ثم أدركت إن الجينات بعث سماوي من الأعالي لا علاقة لها بالأرض...)

3- نص على لسان حبيبته اصيل تخاطب فيه أطفال الجيران (هل تعلمون ماذا سيحدث؟ سيزوركم الفتى ذو الشعر الذهبي في بيوتكم ويحكي لكم أجمل المغامرات والقصص، ويقدم لكم الدمى المتحركة على المسرح، انه غدير الملاك الحارس لأحلامنا وطموحاتنا).

الميتاسرد: رافق المتن الرئيسي للرواية نصوص جانبية توازت معه وعضدته هي اقرب للميتاسرد لكنها لم تخرج عن أجواءه العامة ولم تشذ عن سياقه الحكائي المرسوم له مثل (مخطوطة الشاب المجهول التي تتحدث عن تجربته الشخصية مع إحدى الجماعات المسلحة، قصة بنت المعيدي، مذكرات غدير المدونة في هاتفه الخلوي والتي تحدثت عن جولاته الليلية في شوارع بغداد وأفكاره وآرائه التي عبر عنها سابقا ) كما احتوت الرواية على بعض الانزياحات مثل (استعارات من نصوص مسرحية، قصائد شعرية، أقوال مشاهير، أسماء أدباء وفلاسفة).

اللغة: تميزت لغة النص بأنها نخبوية عالية المستوى ذات طابع خطابي مسرحي، طغت عليها الحوارات الماراثونية الطوبائية والأسئلة الديالكتيكية والمفردات الشعرية والمسرحية الفخمة، كما استطاع الروائي من خلق تركيبة تواصلية توازن بين الشخصية الروائية وبين الكلمة، أي انضمام المفردة إلى الصورة والحدث بطريقة منسجمة، حيث نجد ذلك جليا في اغلب المشاهد التي استوحى الكاتب حواراتها من صورة المكان ورمزيته وبعده الحسي والجمالي لدى المتحاورين (شارع الرشيد، القشلة، أبي نؤاس، شارع المكتبات، المسرح، كهرمانة، ساحة التحرير، دجلة)

تدوير النص: إحدى السمات المهمة لطائر القشلة هي عدم وجود هرمية مركزية للنسق الحكائي فيها وهذه من سمات الرواية الحديثة، التي تجاوزت القواعد الأرسطية (بداية، عقدة، حل) وتداخلت فيها الأزمنة، لذلك نلاحظ وجود استطالة أفقية عبر تقنية التكرار وتدوير الأفكار والرؤى والأمنيات وبعض المشاهد، لإثراء النص والتذكير بقصديته، والتأكيد على الطابع التراجيدي الذي وشم فيه الوجه العام للرواية، والذي يعكس الواقع العراقي الحالي بكل تجلياته وإرهاصاته من وجهة نظر غدير وأصدقائه.

 

احمد عواد الخزاعي

 

عبير خالد يحيىسيدات القمر: الرواية الفائزة بجائزة ال /بوكر مان/ للعام 2019

الترجمة علم من علوم الأدب تختص بنقل الحقائق لغويًا من لغة إلى أخرى، ويتضمن هذا العلم أمانة غالية ودقة متناهية في الحقائق المقارنة بين اللغتين، فكل حقيقة في لغة لا تعني أنها ذاتها في اللغة الأخرى، وهذا مبدأ ترجمي يشكل حقيقة تكتنفها صعوبة كبيرة تجابه المترجم، لذلك يجاهد جهادًا مستميتًا في البحث عن المكافئات الترجمية المتوازية تمامًا counterparts فأي خطأ بالمكافئ الترجمي بين اللغتين يُعدّ خيانة ترجمية، ويخلّف كوارث.

فالترجمة علم مفصول عن الأدب، رغم أن مادته الأساسية هي اللغة، وهو شأن من شؤون اللغة وليس من الأدب بشيء، لكننا نعرف أن من أصعب الترجمات على المترجم هي الترجمة الأدبية، لأن قالب الترجمة الأساس يصب في اللغة الإخبارية، العلمية)، والترجمة تهتم بالحفاظ على المضمون فقط على حساب الشكل، ومشكلة بحثنا هي ترجمة هذا العمل (سيدات القمر) الذي فاز بجائزة البوكر العالمية، ولا يعني فوز الترجمة فوز العمل أدبيًّا، لأنه بدمجهما يضيع حق المترجم بذريعة النص الأصلي، بمعنى امتياز الترجمة بالفوز لا يُعدّ امتيازًا للنص المُتَرجَم منه، فالترجمة علم مستقل بحقائق وتجربة وممارسة لشخص غير الشخص الذي ألّف الرواية، ولا يجوز أن نعكس هذا على ذاك أو ندمج بينهما.

ما يدهشني – كناقدة – هو محاولة الدمج بالفوز بين السيادة الترجمية والنص الأصلي المترجم منه، وإهمال تداول اسم المترجمة (مارلين بوث) عربيًّا، وتكثيف تداول اسم المؤلفة اليمنية (جوخة الحارثي) وكأنها هي من فازت بالجائزة عن نصها الأصلي، وهذا بحد ذاته خيانة أدبية، وتجاوز على المألوف.

هنا حدث تشظي في العمل برمّته، أصبح لدينا عملين مفترقين إجرائيًّا، هما النص الأجنبي المترجم الذي فاز بالجائزة، والنص الأصلي (العربي).

سأتناول النص الأصلي (العربي) بدراسة نقدية كأي نص حاز صفة (نص أدبي) بأن انطبقت عليه الميزات السبعة للنص الأدبي، بغض النظر عن اعتبارات الفوز، وأبدأ من :

المدخل البصري:

الشكل البصري في الرواية مهم جدًّا لالتحاق الأدب بالفن، فأصبحت الألوان وتوافقها، وتنسيق الطباعة فن من فنون الأدب، والدقة بالتنسيق هي ظاهرة بحثية تُتّبع في كل مطبوعات العصر الحاضر.

يُعتبر الكتاب المطبوع نصًّا موازيًا، ويعني ذلك أن النص الأصلي لا يُعترف به رسميًّا إلا حين يصدر بكتاب ورقي، وبرقم عالمي أو رقم إيداع محلي، بذلك يضاف له عتبات، تلك العتبات تنقله من نص عادي إلى نص موازي، كتاب ورقي) فيبدأ كل نقد علمي بمدخل عيني أو بصري، من هذا المدخل يتم يكون الفحص الدقيق لتلك العتبات:

1- عتبة الغلاف: يجب أن يغلف الكتاب بغلاف أمامي وخلفي بينهما كعب، الأمامي يحمل عتبة العنوان وصورة معبرة دالّة عن مضمون العمل، واسم الكاتب وتجنيس العمل، ومعلومات أخرى كدار النشر وما شابه. الغلاف الأمامي في هذا العمل يتضمن صورة لجزء من ثوب أو عباءة تخرج من كمّها يد ترفع بأصابعها المخوتمة طرف الثوب وشيئًا كأنه مفتاح صغير، هذه اللوحة لا تعطي ولا حتى ومضة صغيرة عن العتبة العينية المعبرة عن العلاقات الدائرة في ثنايا النص، التي تعتبر تشويقًا خارجيًّا يرتبط بالتشويق الداخلي للنص، تنص عتبة الغلاف نقديًّا على علاقة تومئ بأصبع غليظة نحو شيفرات تطرق أبواب المتلقي ليفهم منها ما يدوربين دفتي الكتاب، لكن تصميم الغلاف نفسه يقطع حبل هذا التفكير، ويفصل بين ذهن المتلقي ومحتوى الكتاب، خصوصًا بعد أن تجاوزت المؤلفة الصراع اللوني في العتبة العينية، فهنا أطلقت رصاصة الرحمة عندما عزلت التشويق الداخلي عن التشويق الخارجي، إذًا، فقد سقطت هذه العتبة.

2- عتبة العنوان: العنوان عتبة تعطي ملخصًا دقيقًا لمحتوى الرواية، وله ذرائع وأصول للربط بين العتبة الخارجية العينية والمحتوى الداخلي العميق للرواية، من هن، سيدات القمر)؟ هل هنّ بطلات الرواية؟ ومن هو القمر؟ هل هي إشارة رمزية؟ هل هنّ إشارات واقعية؟ وما هي نوعية السيادة؟

قرأت الرواية كلمة كلمة ولم أجدها رواية رمزية، بل واقعية بامتياز، وفيها الكثير من الخرافات في مجتمع مختلط بين البداوة والحضر، لذلك أيضًا حدث تشظّي بين البنية العينية الخارجية والبنية العميقة الداخلية للنص، القمر رمز للجمال واللمعان والوضوح، فأين تكون السيادة بينه وبين السيدات؟! لم أجد إلا ارتباطًا عندما ذكرت قصة خرافية عن أبناء القمر، وهذا لا يكفي لبناء ذريعة كاملة لاختيار هذا العنوان، أيضًا سقطت هذه العتبة كسابقة الغلاف.

3- الخط والصفحات والتنسيقات: طبع هذا العمل بتنسيق بدائي، وكأنه مخطوط يدوي، هل من المقبول في قرن التنكولوجيا أن يكون هكذا؟ خلل في أدوات التنقيط بشكل شامل، بالإضافة إلى الأخطاء الإملائية والنحوية، وكأنه لم يجرِعليه تنسيق من قبل دار النشر، فقرات أو فصول بلا عناوين ولا حتى ترقيم! نص متصل بكتلة واحدة، بينما نعرف أن الرواية يجب أن تكون فصولًا معنونة أو على الأقل مرقمة ليعرف المتلقي التعاقب والتسلسل المنطقي المتواصل للأحداث وزمكانية الأحداث، ولا يجوز أدبيًّا أن تكون الرواية كتلة واحدة، وهذا ما لم نجده لا في الرواية الكلاسيكية ولا في الرواية المعاصرة! فهل هو تكنيك حديث باتجاه الغموض وسَرْيَلة الشكل؟! لا، بل هو نقص مختلط بين البناء الفني والبناء الجمالي، ويعتبر تخبّط إجرائي يعكس عجز الكاتبة عن تحديد الخط الفاصل بين البناء الفني والبناء الجمالي.

مستوى التئبير الفكري:

هذا المستوى هو نقطة الارتكاز التي نعتمدها مبتدأً للانطلاق إلى بقية المستويات، ويجب تثبيت جذورها عميقًا بالمستوى الفكري والأدبي واللغوي للعمل الأدبي.

من خلال اطلاعي على هذا العمل وجدت أنه يمتاز ببؤرة أيديولوجية متقدمة، وهذه نقطة فكرية تُحسب للكاتبة، حيث استطاعت أن تقارب بين ثلاثة أجيال من واقع مجتمعها العربي والإقليمي، وتدرس الحيثيات الفكرية والاجتماعية لتلك الأجيال بدقة متناهية، لتعطي انطباعًا ثابتًا عن الركود الذي عاشته تلك الأجيال في مجتمعها ذاك، ح ونحن- كمجتمعات عربية- نعيش حالات التطور العكسي، كأننا نتقدّم نحو الخلف، وهي ظاهرة غريبة تميّز بها العرب بشكل فردي عن مجتمعات العالم كافة، وهذه المقاربة جعلت المؤلفة باحثة اجتماعية وليس أديبة، وذريعة ذلك تبرز بشكلين: الشكل الأسلوبي والشكل البحثي، فقد ساد الجانب البحثي على الجانب الأسلوبي الفاقد للانزياح نحو الخيال والرمز، ويُعدّ ذلك ضعفًا أدبيًّا استعاضت عنه الكاتبة بقوة بحثية.

التشابك السردي:

هناك قلق في التقنيات السردية، استخدمت الكاتبة المدرسة الواقعية بطريق سردي لمذكّرات تنطلق من مركز فردي، اتكأت عليه الكاتبة كمحور لانطلاق الأحداث، لذلك صار هذا المحور مركز إشعاع لبقية أحداث الرواية التي تأخذ تقنية بحثية، هذه التقنيات أخرجتها عن البناء الفني المعقول، ففقدت الرواية المظهر الفني التقليدي في الرواية العربية والعالمية التي تتكوّن من مقدمة بزمكانية- صراع درامي- عقدة – ثم حل. لن نستطيع تطبيق التشابك السردي، فلن ينطبق مثلثا الصراع الدرامي والحل، ولن تنطبق محاور التشابك السردي على هذه الرواية مطلقًا! فهي تسير بخط سردي مختلف تمامًا يلقيها في سلة المذكرات المعتمدة على البحث العلمي والميثولوجي، لأن سردها اعتمد على حكايات ميثولوجية وحديث عن عادات وتقاليد قديمة.

-     أين الصراع الدرامي؟

الجواب :.......

-     أين الحبكة ؟

-     الجواب: ......

-     أين العقدة ؟

الجواب: ....

-     أين الانفراج؟

الجواب: ......

-     وما هي النهاية ؟

الجواب :......

المطروح على طاولة الروي بشكل عام - الكلاسيكي والمعاصر- أن كل عمل أدبي سردي في علم السرد يخضع لمقتضيات التشابك السردي، والتشابك السردي مظهر عفوي يتصل بمركز العقل البشري، فلا يُفهم شيء بشكل منطقي إلا ويدخل في تفاصيل هذا التشابك ومحاوره الثلاث، ويبدأ بقاعدة تحمل العنوان والزمكانية، يتعامد عليها –كارتفاع- المحور الأول المسمى بمحور التوليد متجهًا من العنوان ومنتهيًا بالنهاية قاطعًا العقدة، تتولّد عليه الأحداث، يلتحق فيه من نهايتي القاعدة اليسرى واليمنى محورا التكوين والمعارضة ويتقاطعان معه في العقدة ليتشكل مثلثين منطبقين ومتقابلين في الرأس، الأول سفلي هو مثلث الصراع الدرامي، والعلوي هو مثلث الحل بعد التأزم، وتكون فيه القاعدة هي النهاية،

تكون النهاية على ثلاثة أشكال فنية : تراجيدي- كوميدي – أو مفتوحة.

تساؤل: إلى أي مدى انطبق هذا النص على علمية السرد؟

اختفى الحدث، وتسلسل الحدث، واختفت العقدة، واختفت مظاهر الحوادث السردية جميعها! إذًا لا يمكن أن نسمي هذا العمل رواية !

المستوى الجمالي:

نص سردي لمذكرات شبيه بالرواية، كُتب بطريقة إخبارية خالية من الجمال اللغوي، درجة الانزياح فيه تميل نحو الصفر، فلا انزياحات خيالية ولا انزياحات رمزية لأن الأسلوب كان بحثي تقريري 100% ففقد الجمال اللغوي وعلم الجمال، وبذلك فقدت الرواية البناء الجمالي أيضًا.

المستوى النفسي:

كل عمل أدبي روائي معاصر يجب أن يتخلله- في الدرجة الأولى- إرهاصات نفسية على الأقل، إذا لم تكن تغزوه الحالات النفسية كلّيًّا، وفي هذا العمل عالجت الكاتبة ظواهر نفسية عديدة منها مرض التوحّد، تُحسب لها كنقاط إيجابية للسرد المعاصر لو كان هذا العمل رواية معاصرة، نتناول هذه الإرهاصات النفسية في حديثنا عن الشخصيات.

الشخصيات:

لعدم وجود بارادوكس درامي بين الخير والشر، ممثلًا بشخصيات خير وأخرى ساندة، وشخصيات شر وأخرى ساندة، لذلك انفلتت الشخصيات من مسارها، وتبعثرت على طاولة النص لتعطي مسيرة غير مجدية وخارجة عن منهجية السرد.

وصارت دراسات نفسية منفصلة عن أشخاص قد تعرفهم الكاتبة في الحقيقة والواقع.

وهي شخصيات مهزوزة نفسيًّا أكثر منها مأزومة اجتماعيًّا، مأسورة بعالمين، خارجي متحجّر يكاد يكون نفسه على مدى الثلاثة أجيال، لم يطرأ عليه إلا النزر اليسير من التطور، هذا التطور الذي حمل أيضًا أشكالًا جديدة من الأزمات الاجتماعية، وأهمها الصراع لبلوغ الأهداف المبهمة، وبطريقة سريعة وفاشلة غالبًا، العالم الآخر هو العالم الشخصي الذي بنته كل شخصية داخل نفسها وأحاطته بالخوف والغموض، على سبيل المثال هناك (مروان الطاهر) الذي يعاني من مرض السرقة القسري، والصراع الذي ينشب فيه بين الفضيلة والطهر كسمة تميز بها و بين رذيلة السرقة التي ابتلي فيها، وفي هوة الانتحار ينتهي هذا الصراع في شخصية مهزوزة ترتكب جريمة كبرى (الانتحار) لتنفذ على نفسها حدًّا شرعيّا، قطع اليد). أيضًا هناك (خولة) وهي من الجيل الثاني لم تكن مأزومة من مجتمعها حينما اختارت أن تتزوج ابن عمها، بل أنها ملكت كامل الحرية في اختيارها، فقط كانت مهزوزة بحبها الطفولي لابن عمها (ناصر)، وهو الفاشل الذي يعيش عالة على صديقته في كندا، ومع ذلك تنجب منه أولادًا، وتعيش معه 20 سنة، ثم تلقي بنفسها في هوّة الطلاق، بعد أن يثوب ناصر إلى رشده، تصرف غريب لا يملك تفسيره سوى الغموض الذي يلف عقلها ودواخلها. لا ندري لماذا عاش عبد الله بين الأحرار وبين العبيد ولم يستطع أن يحوز امتيازات كل منهما، فلا هو حر ولا هو عبد، وهو ابن التاجر سليمان الذي يملك العديد من العبيد، (عبد الله) أيضًا من الجيل الثاني عاش أسيرًا بين سلطة والده الذي عاقبه برميه في الجب صغيرًا لأنه لعب مع أقرانه من العبيد، وعاش أيضًا أسير حضن ظريفة العبدة التي ربّته بعد قتل أمه على يد عمته وأبيه بعد ولادته مباشرة لاشتباه بها بعلاقة آثمة مع أحد العبيد الذي اختفى من الحياة أيضًا! عبد الله شخصية مهزوزة من الداخل بشكل عنيف، ومع ذلك هي هادئة من الخارج، يعشق ميّا زوجته، التي لم تحبه أبدًا، تدور حياته النفسية بين الجبّ واحتضار أبيه وحضن ظريفة. (ميا) شخصية مهزوزة أيضًا من الجيل الثاني، أحبت علي بن خلف لمرة واحدة رأته فيها، بسببه لم تحب زوجها، سمت ابنتها باسم مدينة لندن دون أن تقدم مبرّرات لهذه التسمية.

(سالمة) أم ميّا كانت من الجيل الأول، وهي تحتضن في داخلها عالمًا من الحرمان تشكّل في طفولتها يوم مات أبوها وأجبرت على الانفصال عن أمها بسبب العادات، فعاشت في بيت عمها الشيخ محرومة من الشبع على مائدته بسبب بخله، محرومة من متع الحرائر ومسرات العبيد، وحتى من مسرّات الطفولة البسيطة كالعرائس القماشية والقلائد، وعندما تملك سلطة الأمومة تمنع بناتها من هذه المتع، تزوجت من زوجها (عزان) مرغمة ولم تحبّه مطلقًا، لكنها حينما اكتشفت أنه يخونها مع نجية القمر البدوية قتلتها!.

(خالد) الفنان التشكيلي وهو من الجيل الثالث، الذي يمثل الشباب الثوري الذي يتحرّر من سلطة الأب_ على عكس عبد الله- لكنه يقع أسيرًا لسلطة الحلم، فيبقى يرسم خيولًا جامحة.

(لندن) من الجيل الثالث ترتبط بعلاقة حب مع أحمد بعقد شرعي تكون أكثر شجاعة من خالتها خولة عندما تحصل على الطلاق منه قبل الزواج به عندما تكتشف أنه على علاقة مع أخرى.

وتلك حبك منفصلة لدراسات بحثية منفصلة لو جُمعت لا تعطي وحدة روائية متكاملة للعمل، بل يبقى العمل مسطحًا باتجاه البحث لفقدانه العوامل الفنية والجمالية.

السرد:

يتناوب السرد – وبشكل غير منظّم وغير متساوي- بين سارد عليم وبين عبد الله، بدأه السارد العليم بالحكي عن مجتمع تقليدي يسبح ببحر من السحر والشعوذة والجنيات، الغرابة والقلق من مجهول، بينما عبد الله يتذكّر ذكريات كأنها مذكرات مكتوبة بقلم مغموس في دواة من ألم، السارد العليم له المساحة الكبيرة في صفحات الحكي، يحكي عن كل الأشخاص الذين أرادت الكاتبة من خلال حكاياتهم أن تنقل صورة المجتمع الذي عاشوا فيه، لكن أيضًا -وبشكل مفاجئ- السارد العليم يفسح المجال لظريفة العبدة مثلًا لتحكي بجرأة عن علاقتها الغرامية مع سيدها التاجر سليمان، كما يفتح الباب أمام خالد (الفنان التشكيلي) والشاب الثوري ليحكي كيف تحرّر من سطوة والده عيسى المهاجر واختار كلية الفنون الجميلة بدلًا من الهندسة.

الحوارات:

موظفة لتقديم الأمثال الشعبية التي انطلق بها لسان ظريفة، أو الأشعار على لسان عزّان. بينما تغيّرت وظيفتها في الجيل الثالث على لسان لندن وحنان وخالد لتكون تعبيرًا عن التغيّر الأيديولوجي الذي طرأ على أبناء هذا الجيل.

إنّ العمل الأدبي يستحق أن يتكامل آخذًا حقّه من كل أصوله، ليولد كائنًا كامل الأعضاء سليمَها، وهو يحتاج إلى أن يكون أكثر من معارف تاريخية ودراسات اجتماعية، يحتاج إلى التقنيات والعمق والإمتاع.

 

د. عبير خالد يحيي

 

احمد الشيخاوي"هي متعة اللعب فوق أسوار الكلم" (1).

يمكن اتخاذ هذه العبارة مدخلا إلى عوالم هذا الشاعر، الذي يكتنف ممارسته التصوير الفني،و التكثيف البصري، مدّ خارطة للبوح،في اعتقاد الذات بالفضاء المطلق واللانهائي واللامحدود.

كتابة وإن اعتدّت بالغموض، تظل مقبولة، ومنذورة للتعرية والكشف عن ماورائيات اللون فيها، بدرجة أولى.

نستحضر العبارة أعلاه، والتي استهللنا بها هذه الورقة، بما يفيد دوال الكلم، منظومة ما تحيل عليه من كتابة يعتريها النقص المقصود،المتوقف على بياضات التأويل.

تلكم دوخة الفقد الملازمة لصيرورة الإنكتاب، نصا وزمكانا، مثلما يشي بها الإهداء، سواء في الباكورة" دموع الكرز " طبعة أولى 2018، أو مجموعة الموسومة " في صمت " الصادرة عام 2019، عن غاليري الأدب.

[إلى سيدي

الألم يحضرني ليلا حين ينام النذلاء

أنت الخالد وهم الهالكون.].

ومن ثم، نحن إزاء ذات تكتب بفوضوية، تهدم كي تقيس مستويات الجرح المثقلة به أناة، أنتجها الفقد، وهكذا ذلكم الانعكاس على ما ينبثق منها، ليلف في الأخيرة دورة حلزونية، عائدا إليها كمركزية لليتم والفقد، هي الأليق، بمثل هذه الضبابية الناذرة،مثلما تتولّد عنها قصائد القتامة واللعنة الأبدية التي تلبس عالما بأكمله.

يقول مصطفى لغتيري في تقديمه لثاني دواوين المبدع العربي الحميدي:

[وتمضي القصائد على هذا المنوال محاولة أن تجعل من الصورة الشعرية ركنا مكينا في كتابة الشعر، منسجمة في ذلك مع منطق العصر، وخاصة فيما يتعلق بقصيدة النثر،التي لم يعد الإيقاع يغريها، بل أضحى المعنى العميق والمستغلق عن الفهم ضالتها، وقد وجدت في المجاز بغيتها فأغرقت به القصيدة].

نطالع له :

" أفتقدك

عندما أتنفس

تحت

ضوء القمر

والحب ممر

وليس للإقامة

ضعف

وليس فقر في الإيمان

شعاع حبك

عندما

ترسل النجوم الشهب

احتفال في ضيافة الظلام

روحي مثل شجرة

تسبح في السماء

والدموع جذور

تسير في الأرض

حزني السري

قطرات حب

على قبر قلبي

أوراق خضر

الموت

ليس له آذان](2).

وأيضا :

[كيف ألاقيك

والزمن وصول

بعد علة الروح

وجسم اعتلاه الذبول

سيدي

لم أعد مهرا

تخشاه الخيول

 أدنو منك بعد

عيشة تطوي ظهر الوعول

أهي النهاية أيها الموت

يا حاكم الفصول](3).

لذلك فهي كتابة قابلة للإضافة، يبكي فلك الفراغ، وكل ما ترجم به من رسائل مغلفة برمادية الكلم، عبر متاهات التشظي، الناجم عن أحاسيس اليتم، ينمّ عن دعوة للارتقاء بالذوق، لاشرئباب الرؤى،كي تعانق موسوعيتها، على النحو المسعف بنسج ملامح كهذه جنائزية ومرثاة.

صحيح أنك سرعان ما تكتشف،إبان استكناه كهذه تجربة تنزع إلى دوائر الخفي والزئبقي والنافر، ما يشبه العبث داخل حدود اللعبة الكلامية، بالخيوط الناظمة، ولكن ضمنيا يتضح لك العكس، وتكون محظوظا متى اصطدمت،بلازمة تزكي هذا التناسق والتسلسل التيمي، يربكك دفق الإيقاع البصري، المانح لهذه الشعرية روح الانغلاق على فلسفة الفقد.

يقول صاحب مقدمة ديوان " دموع الكرز "، أحمد الرجواني :

[ومن خلال عناصر اللغة والأسلوب والإيقاع والصورة الشعرية والعواطف، تبدو لنا جلية أهمية  ديوان " دموع الكرز " الذي نعتبره إضافة نوعية مائزة في التجربة الشعرية المغربية الحديثة، لأنه إذا كان من الوفاء للشعر في العالم كله وبكل اللغات ارتكازه على مقومات اللغة والإيقاع والصورة الشعرية والعواطف،فإن هذا المؤلف يستجيب لكل هذه المقومات،ويضيف إليها مسحة غربية في التعاطي مع الموضوعات الذاتية المنفتحة على الروح كأفق انتظار انعتاقا من كل تيه يؤدي إلى الانكسار.].

بل أحسبها كتابة منبثقة من رحم الانكسار، وهذا ما يبرر غموضها، ومحاولات تعويد المتلقي وترويضه على نبذ الجاهز من معاني الذات والحياة .

وحتّى أنسنة عناصر الطبيعة والجمادات، لدي شاعرنا، تتم على هذا الأساس،وضمن هذه القوالب، وتجود بها كهذه صياغات،لا تعبأ بالمتلقي، فقط تتنفس فضاءاتها،مزهوة بالملمح النخبوي، محرّضة على الارتقاء ذوقا ورؤى.

نقرأ له المقطع التالي :

[يتسلق صدري لهيب

يندلق أحزانا عتّقن

بلظى الجحيم

صاعدة إلى الأفق اليقين

غريقا تُركت

داخل غرف موتى

أوهام البرج اللعين] (4).

وقوله كذلك :

["إيرينا"

رؤيا بين الظلمة والنور

فقأة

شمس الخريف

عذابا في أرض الريح

هوس بطعم الماء والملح

صعودا / هبوطا

تنهيدة الكلمات

ببحّة البكاء](5).

بذلك، يكتمل نسج المرثاة، أو البكائية، تأسيسا على ذاكرة الفقد، ليكون هذا الرشق ببضع من تفاصيل المعاناة الموشومة بلغة العبور .

قرين يتكرر في النصوص،مانحا زمان ومكان البوح قتامة، مستجلبة لمعجم الغموض،ومستفزة بمقامرة نبش المتون،وغضّ الطرف عن غوايات الهامش، بغية القفز إلى بؤر المعنى،حيث الظل الآخر لذات تثمّر معطى الانكسار،وتشاكس أبديات تصريفه إلى متنفّس وأفق بعثرات واختناق وخسائر وجودية أقل.

الانكسار المعشش في راهن تهيمن عليه ذاكرة اليتم ويستسلم بالكامل، لسلطة اليتم وجبروت نوباته.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

........................

هامش:

(1) من نص " رحلة مع الكتابة " صفحة 111.

(2) من نص "ضياء من تحت الأجنحة" صفحة 75.

(3) من نص" في حضرة الانتظار صفحة 140.

(4) من نص " آياتي تنزف " صفحة 42/43.

(5) من نص " دعابة لحد " صفحة 68.

*انظر مجموعة " دموع الكرز " طبعة أولى 2018.

* أنظر مجموعة " في صمت " طبعة أولى 2019، منشورات غاليري الأدب.