شهدت المناهج النقدية ما بعد البنيوية انتقادات كثيرة لإقصائها العناصر الخارج-نصية من عملية التحليل والتفكيك والتركيب، اقصاء جعل النص مادة محنطة خالية من القيم المعرفية والموضوعية والنفسية والعاطفية بعد موت المؤلف أو قتله على الأصح، واعتبار النص بنية مستقلة عن سياقها السوسيوثقافي، غير أن كريماص تنبه للأمر وأحدث فرعا من السيميائيات يهتم بالأهواء والعواطف والرغبات، مستحضرا هذا الجانب الذي أقصته المناهج النصية، وهو ما سنحاول مقاربته في المجموعة القصصية "هيهات" لمحمد الشايب الصادرة عن دار التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، فإلى أي حد تحضر الأهواء في هذه النصوص القصصية؟ وكيف يمكن للأهواء والعواطف أن تسهم في بناء النص القصصي؟

تعالج المجموعة القصصية مواضيع مختلفة من خلال أحداث يومية تكشف جملة من الانفعالات المتناقضة، هذه الانفعالات التي تظهر في القصة الأولى "ريح يوسف"، والتي يهيمن عليها الحقد والغضب، هذه العاطفة التي نمت شيئا فشيئا نتيجة الصدمات النفسية للسارد من الحال التي أصبح عليها الإنسان، والتي استدعى من خلالها الكاتب قصة يوسف للتعبير عن حجم الغضب الذي يعتوره اتجاه مجتمع يتفكك باستمرار، وتظهر فيه سلوكات عدائية حتى أصبح تربة خصبة للكراهية والعنف، يقول السارد وهو يتحدث عن الواقع والأمل، بغضب مضمر في ثنايا الخطاب "أخوك يتمنى أن يحب الإخوة أخاهم، لكنهم له كارهون، في كل بيت أخ مختلف، وفي كل بيت إخوة لا يطيقون الاختلاف، فلماذا يا أخي هم الإخوة هكذا يكرهون ولا يحبون؟ تعبت من هذا الرحيل، أمضي طوال الوقت،  يتجاهلني المطر، ولا تعرفني الرياح ودروبي ما عادت تطيقني"1. وهكذا يغدو الرمز الديني بحمولته الإيحائية دلالة على الغضب المضمر في الوجدان من سوء أوضاع الإنسان، إحساس نما في منطقة الغياب اللاشعور، ليتحول إلى منطقة الحضور الشعور، سلوكا معبرا عنه بأدبية تأبى أن ترضخ لليومي وللمسخ الذي طال هذا الكائن، إنه غضب ينقلب إلى إحساس عميق بالغربة، عزلة تنمو في النص لتعلن الغضب والرفض لكل ما الت إليه الأمور، تحول العاطفة إلى سلوك وموقف حتى أن مطرات القطر تتجاهله، والرياح والدروب ما عادت تطيقه، إنها صرخة في وجه المسخ.

وهكذا يتحول الغضب من حالة نفسية اتجاه الواقع اليومي إلى سلوك وأفعال، الإخوة يكرهون أخاهم، ويضمرون له العداوة، الغضب هنا من هذه السلوكات حالة نفسية تعكس تفسخ القيم وانحلال الأخلاق وترهل العلاقات الإنسانية التي أثارت حنق السارد، كره يتحول فجأة إلى شفقة في قول السارد "سرت وسط موكب الجنازة، فتحولت من جديد إلى ذئب ورأيتني أرحم بكثير من الإخوة، مر الموكب من كل شوارع المدينة وأزقتها وبكت يوسف كل الأشجار والأزهار"2 . أن يحول السارد إلى ذئب مع كل ما له من صورة نمطية في المخيال الشعبي من غدر ووضاعة خسة، ذلك يعني أن غضبه شجرة تغطي غابة من السلوكات الدنيئة للإنسان والمسكوت عنها في النص، هكذا يغدو الغضب موقفا من العالم، مواجهة بالغضب، وهو اخر أسلحة السارد لمواجهة قبح العالم في العالم الجديد الذي يهيمن عليه الإنسان وقتل فيه كل أسباب الحياة.

انفعالات متناقضة تسائل الأهواء النفسية في تشكيل عوالم النصوص، غير أنها عواطف تتشكل في لحمة واحدة، فها هو الغضب يؤدي إلى الشفقة، فيكون التفاعل بين هذه الأحاسيس هو كيمياء النص الحقيقية.

ونجد أيضا من بين هذه الانفعالات التي تشكل فسيفساء النص الرغبة والحب في قصة "هيهات"، الحب الذي يسبق وجود المحبوب، العاطفة المتجذرة في فطرة الإنسان، لذلك يشكل السارد صورة حبيبته المنشودة على هواه حين يقول "حسناء وارفة الظلال، في عينيها موج من الضياع ومن ثغرها يسل الدواء حينا والداء حينا. وأخيرا كتبتها هيفاء كالنغمات، وتهب كالريح وقت الهجير.. وأخيرا كتبتها عجزاء تدبر فتتبعها الأغاني وتهطل المدام"3  إنه الحب المتقد في صدر السارد، غير أنه حب متوقف عن النبض، وهكذا يحضر الحب أيضا في قصة "الحب المشتت"، حب منكسر يبحث عن الحب.

ظل الشوق يحرك لواعج النفس ليتحول إلى رغبة في اقتحام عالم الاخر، إنها الرغبة في السراب، أو في مجالسة طيف بعيد في زاوية من زوايا خيال السارد، كما يستحيل هذا الإحساس إلى رغبة في معرفة الذات، أو الوعي بها في علاقتها بالاخر، يقول السارد "وانطلقت كالسهم، فولجت غابة ملونة بشتى المعارف، فسيحة لا يحدها البصر ثم أخذت تحدو تارة بين الرفوف وتتوغل في أعماق السطور، وتارة تطير في سماء الخيال والحلم وتنأى بعيدا" 4، حب مستحيل، لكنه، في حقيقة الأمر، ليس حب المرأة، بل هي هذه القيمة الإنسانية النبيلة التي يفتقدها المجتمع، إن هذه العاطفة التي يتغنى بها السارد هو ما نحتاج إليه، نحتاج إلى الحب والحب وحده.

وهكذا يستسلم الحب المنشود في قصة "نرجس" حيث يقول السارد "هكذا أبن أحدنا نرجس التي حفرت لنفسها قبرا في الماء ومضت بعيدا في غياهب الغياب"5  لتتحول نرجس، رمز الحب المفقود في  نهر سبو إلى مزار يقصده الناس بين الفينة والأخرى، هكذا شيع السارد الحب، وحفر له قبرا في الماء، لتطفو الكراهية والحقد والعنف...

هذا الاستسلام المضمر في ثنايا النصوص يتحول إلى حزن مطبق في "فاكهة الممشى" ليصبح بؤرة دلالية جديدة في توليد المعنى "حزينا جدا سرت في الشارع دون هدف لا أدري لم أنا حزين ، الشارع مملوء بالمارة وأصوات الباعة تتعالي في الحقيقة هناك أكثر من سبب للحزن"  وقوله السارد أيضا "هناك أكثر من سبب للحزن، واصلت المسير والمدينة لا تكترث بي، مثقلا بالتوجسات أهيم في أنحائها وهي لا تريد أن تطلق سراحي" .

"هيهات" مجموعة قصصية حافلة بالانفعالات المتناقضة (الغضب والحب والحزن والشفقة...)، وهي تضطلع بدور أساس في بناء عوالم النصوص القصصية، وقد استطاع محمد الشاب أن يروض جموحها تعبيرا رائقا ولغة شعرية جميلة وبناء متماسكا... إنها مجموعة قصصية مستفزة جدا.

 

 عبيد لبروزيين

.......................

1  - محمد الشايب، هيهات، مجموعة قصصية، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 2011، ص 7

2  - نفسه، ص 7

3- نفسه ص 9 

4- نفسه ص 13 

5- نفسه ص 15 

6- نفسه ص 19 

7- نفسه ص 19 

 

فموضوع هذه المقالة "لمحة مبسطة عن صرامة فكر الهايكو وأثر كتابته البلاغية"، لما له من تحديات تعكسها الفلسفة وسياقات تحكمها في تدوين الحياة اليابانية، وأهمية أحقية موضوعاته المتجددة، وحقل بكارته، التي تخص ـ من قبل ـ بعض من ألهم لهم الشأن بخصوصه، وثمرة الدراسة الجديرة في جديد موضوعاته، وحقول قضية الإبداع فيه، وآثار فهم الهايكو في تلاحق أطواره المختلفة عن تطورات جديرة به من إضافة على الآخر. وقد يأخذ منا في هذه اللمحة إيجاز للمحات ثلاث أو أكثر، مبسطة، لتسليط الضوء عليه، والوقوف على وجه صرامته وإبداعه؛ نشأة ونموا وازدهارا.

ولأجل ذلك سأجعل هذه المقالة مدخلا أوليا مبسطا، تدفعنا متابعين حلقات لمحاتها القادمة؛ أو إفاضة اكثر بقليل مما ورد (من كيف إلى لماذا، واين، ومتى ومن هم شيوخه ومريدوه)؟ حتى تبادل أنتقال لغة ترجماته، إن تطلب لاحقا للأمر ضرورة.

وإن كان هناك منا أغفال أو سهو غير مقصود "فنحن بشر"، سبحانه. ومن وجد إصابة، نأمل من الأخرين تسديدها ودفعها للقاريء ليسود سؤدد الحوار والتواصل، بارفع قيمة مضافة تعمها الفائدة فهما للجميع. مع الشكر الخالص لفريق عمل تحرير موقع الناقد العراقي لعونه وتحمله أعباءنا وحرص الاستاذ د. حسين سرمك من تقويم وتعاون ودعم نبيل معنا. ونأمل دوما من الله العظيم التوفيق.

أما بعد:

هيمن تصور المهتمون بكتابة "الهايكو" الياباني، من الربع الأخير للقرن الماضي، أن البحث في الهايكو ومعالجة إشكالياته ومهامه سيقتصر على طريقة الكتابة الموجزة البارقة؛ أي قصيدة "الومضة" اليابانية كما يحلو للبعض تسميته، خصوصا بعدما أفلحت الأخيرة في الخروج من معطف المحلية على غرار أنفصال خصائص تعلم اللغات و الكتابة في فنون ترجمة لسانياتها، بمعنى اخذا اتصال تصور الكتابة فيها كحجوم للأشياء أو سائر المتخيل عن التكنولوجيا المحمولة بساطتها.

لكن بقدر ما أنصلت وصغرت بذاتها عن معارف فنون الكتابة الشعرية أشتد ارتباطها بالفلسفة وتعمق. بحيث ألفت نفسها ـ أي الهايكو ـ نفسها موضوعا لتأمل أم معارف. وخير المعارف من تأملها هو معرفة كيف تتجاوز منها نبذ مساوئ اتصالها من قطائعها، أو العكس. وتزيد نفعا مجالا من مجالات أشتغالها، ونظرا لأهمية تلك التأملات أو المعارف في كتابة به، تطور بأعتبار أن أغلب الفلاسفة والمفكرين عنوا الأسلوب والمنهج به وبإشكالاته، خصوصا في القرن العشرين والعقدين الأخيرين ليومنا هذا على مستوى الثقافة العالمية أو العربية خاصة (=كتاب المغرب العربي ـ بنحو أدق، لأسباب معروفة لدى لجميع).

ولعل سبب أهتمام الفلسفة بنظم كتابة قصيدة "الهايكو" يرد إلى كونها تفكيرا في الحاضر، والغرض، قبل كل شيء، وأنتباها إلى ضرورة التعايش في المنجز الإنساني العام، والأنخراط بالمشاركة والإسهام في بناءه عبر أنتشاره بين شتى الثقافات العالمية. وبالعمل على توجه الأفاق نحو المستقبل. وجلي أن انشغال صرامته في طريقة نظم نشأته الأولى منذ القرن الخامس (كما تظهرها حفريات الدراسات المتخصصة)، وصرامته هذه فكرية، غير أنه لا ينفي أتجاها نحو الماضي، وأن مرونته تروم، في الحال ذاته، إنتشال القبلية بإنقاذ الذاكرة وضمان استدامتها واستمرارها، فهو بذلك يشكل تقاطعات مع الفلسفة (ظاهرا ومحتوى) في مجالات عديدة. بمعنى أن تكون المعنى تشكل علينا المراد لا بالمجاز فحسب، بل، أيضا مقياسا لبلاغة الكلام، في حرص منهج الكتابه فيه على أيجاد صيغة الأبداع له، فيه تفسيره الموازن بين قوة دور الحقيقة وأقتدارالمجاز في التعبير الفني ـ عند وقع الأختيارـ أي حينما يكون موضوعا للتأمل، الذي يتقدم به للحصول على درجة من المعرفة وآثرها في تدوين، وأبلاغ قضيته الجديرة بالدراسة أو المراجعة لوقعها في رسالته ـ الهايكو.

لكن العلاقة ولقاء الحقيقية بينهما يتكشف في أرتباطهما في حيز الموسيقى، العلامات اللغوية، فكلتاهما قوة "أقتدار" يعلن عن ذاتهما بصفتهما صحبة تمكن مع ما تحثه تلك العلامة من جاعلية، أي حمولة شحناتها الثقافية والنفسية والمعرفية بالعمل على توجه الأسماء الأفعال في تحولها لصفات حقيقة نحو المستقبل، مما تكون كلتاهما مضطرة. إلى فك علاماتها. فيكون كلهما، أي الشاعر والفيلسوف يوثقان تأملاتهما لما سيصدرانه عن قراءة إشارات، هي كلمات في صرامة نظمهما، وسياقات تؤلف نصوصا بلاغية رفيعة الفكر، وهما يستخرجان اسرارها الخفية من جمل أسمية تعمها٫ معززة بنبع مصدري، وجعل الجلة فعلية خفية بالدوافع التحفيزية تحرك جمالا جوهريا لمعنى مادي ملموس وأستدعاء توظيف للحواس بمدارك تتلذذ بالجمال المعرفي الحسي في أعماقه.

ويحدث للشاعر من خلال صرامة أسلوبية فكر الهايكو، أن يتعرف كثيرا من تلك الإشارات تأملات لم يسبق له أن تعمق بجوهرها أو ظاهرها تمام المعرفة، وما يخفي وجه الحكمة في رفض أو قبول تفسير النطم الشعري بمعنى الطريقة والأسلوب في الكلام أو إطلاقه على توالي الألفاظ في النطق والإسماع أو تلاؤم الحروف وانسجام أجراسها أو إنكارها أن تكون بمثابة الميزة البلاغية كامنة في اللفظ ذاته، ما يعني دون أن يستنفد إمكاناتها الدلالية؛ فهو يمر جانبها في كثير من الأحيان، أثناء بحثه في النص في لغته الأصلية عن الحقيقة، ولذلك تبقى معرفته بالنص وإحاطته به ناقصة، مما يسوغ تعدد تأملات القصيدة الواحدة من جهة، ويبرر قراءات متنوعة هي في الواقع أطر حوار محددة وتبادل لوجهات النظر، ودعوة إلى مجتمع المحبة والمعرفة والصداقة في تعبير عن أن الحياة سريعة الزوال. وبكلمة واحدة تغدو قصيدة الهايكو تفكيرا، لمرورها أثناء بحثها عن الحقيقة بالفهم والشرح والتفسير فالتحديث، وهي لعمرية بساطة الظاهرة سهولة الفهم نفسها والوصول إلى دلالاتها، كما هي التي تحرض عليها عمقها الفلسفة والجمالي أيضا، التي تفتأ تعيد قراءة الإشارات/العلامات، وإعطاءها معان مغايرة عما ألف، نظرا للقراءة الجديدة التي تخضعها لها، مما يحول مسير الفكر والمعرفة لتوضيح مشاكلها العلمية الجادة لقضية الإبداع "الهايكوي".

ويؤكد الأستنتاج السابق كما هو معظم الشعراء اليابانيين الذين أسهموا في تقدم موضوعاته الفلسفية وثقافته المعرفية وأزدهارها قد يكون من العسير تفسير آرائهم وخططهم الفكرية والبلاغية تفسيرا سليما ما لم تمخض قضية الشذرية الموجزة بقيمة الدقة الوامضة، من إضافات إضاءة البرق، الذي يرى أن سر التفكير يكون نفاذ ضوئيته دوما تأويلا، أي تفسيرا وتطويرا، وترجمة لإشارات متغيرة سريعة، فلا يترك ألا وجود إيجازه سوى لمعان تكمن في إشارات قبلا في السر، تابعة  معانيها ملفوفة المقياس ومطوية لبلاغة كلام، وفي حرص حال، موازنة غامضة لما يجبر على التفكير إنسجام أجراسها بين دور الحكمة والمجاز في الأسلوب الفني.

ومن ثم دفعت العلماء في وقت مبكر إلى بذل ما رخص للعين ظهورا أوغال للقلب غناه ضموره وأفصحه، بجمع الكلام له، وحفظه وتدوينه وتعليمه، مع جهد عرض تقبله، وتفسيره، ودراسة أساليب نظمه البيانية ومقابلتها بأساليب البلغاء، ثم أستخلاص عناصر الجودة في اساليبه البيانية ومواضع فجوة التقصير في سلاستة؛ ليظهر امتياز العبارة على وضح الكلام من موضع قويم أو اعوجاج، توكيد رفعة الأجراس القويمة الذين استوت لديهم ملكة البيان، ومن أجل خدمتها خاضوا في مسائل الفلسفة والبلاغة كالقول في الهايكو البلاغي، وتفضيل الكلام على كلام، وكانت أيضا وراء زيادتهم للمقايس البلاغية وتعميقها، وإرساء نظرية النظم وتقرريرها فيه، وبيان مكانته في التعبير الجميل، والتشبيه والتعمق فيه، والإيجاز والإطناب والإلتفات بالتماثل (إن صح التعبير) وبيان الميزة البلاغية من خلال أجراسه في مقاطعه الثلاثية (=النشأة والنمو والنتيجة) وأين تكمن موازنتها لمقاطع ثلاث مكونة الـ(17) صوتا/أجراسا، بطريقة (5 ـ 7 ـ 5 )، أو، 5 ـ5 ـ7 أو أيضا 7 ـ 5 ـ5 ) حسب فهم علمية الأسلوب؟ والمقاطع "الثلاث" تعني؛ بالنشأة والنمو والأزدهار. بمعنى رسم المنهج السليم لثقافة التربية الفنية والتعاليم الأدبية القادرة على الخلق والنقد والإبتكار وتوليد المعاني الخلقية الجمالية قبل فقدانها أو الزوال؛ للوقوف على وجه إبداع الهايكو البلاغي؛ وظيفة أنبثاق المثال، حكمته، والقول بعمله المأثور.  فمنذ أن وجد الهايكو أصبح سر تجدد الفكر الياباني دوما طريقا للإيمان بنور وصف لنفس الطبيعة برسمها الحياة واستمرار تجديدها بالبدء الفطر الخلقي الفطري، وأعمار الكمال، وسيادة الذوق والجمال، لتقلد تعلمه من أمور الحياة، و تعميم ثمرة فهم الهايكو في فهم قول اللحظة، و وقوف الهايكو على وجه تفرده بالزمان وإبداعه بالمكان. فهو، مثلا، يعود بأستمرار إلى تراثه الفلسفي، ويعيد قراءته قراءات جديدة؛ كحال شيخ البلغاء من اللاحقين في تاريخ هايكو اليابانيين (باشو ماتسويو 1644 ـ1694)، الذي يستحدث بأستمرار، وليس على كل مائة سنة، ومن ثم تفهم إبداعية الغرب، الذي يستلهم أرتقاءه وتطوره من إعادة ترجمة تراثه الياباني وفهمه وفك إشاراته وتأويله وتفسيره. وهذا يعضد ذهاب ما رسل إليه حق أثار لاحقة من مريدوه بعده، مثل (بوسو يوسا 1716 ـ 1783 ، شيكي ماساوكا، 1867ـ 1902 ، كيوشي تاكاهاما، إيبيرو نوك تسوكا 1874ـ 1959 ...وآخرون) إلى أن (الهايكو) هو تواصل للتفكير في العصر الذي تأتي منه وقائع حال التفسيرات والشروح، قبل أن تكون له تأويلات لنص من النصوص، لاستعداد همة اليابايين للنهوض المستمر للفهم البارق لتغيير واقعهم وإحداث أنعطاف في معيشه وذهنيته.

وعلينا ألا ننسى، أيضا، بأن الأصل في الأختلاف بين نظم قصائد الهايكو ليس النص بعلاماته التي قد ينظر إليها بصفتها جوهرا موضوعيا، وإنما يرد إلى إلى ما أمتازت بوصوله الذوات إليه خاليا من التبديل والتحريف والزيادة والنقص، التي يفترض فيها أنها مختلفة وأنها جوهر ذاتي متعدد، وأن كل "هايكو" يكشف في النص الذي يكتب فيه عن معنى غير متوقع، وهو ما ينعكس مباشرة على الفكر، أي على الفلسفة التي تتغذى عليه الهايكو، لميزته المرموقة هو الأشغالات اللامتناهية لحظة بلحظة، وفقا لما يتغلغل ويسود الحواس الواقعية من مصادر الحياة اليومية، أما التجريد والتعميم فهو مطلق الغياب.

تسعفنا نظم قصيدة الهايكو في تخطي ذاتنا وعالمنا، وفي الخروج إلى عوالم أخرى ما كان لنا نطلع عليه إلا بإتقان لغاتها جميعها؛ في الدلالة للتواتر وتاريخ الهايكو نفسه. ويسمح تعدد المبدعيين وكثرتهم في تيسير المهمة التي يمكننا من الوقوف على الفلسفات وفنون ومعارف وغيرها كانت ستظل في حكم المجهول بالنسبة إلينا. والأكيد أن المبدع يقدم من خلال نصه الشعري قراءته الخاصة للنص مرحلة نضج الأصل والكمال، وهي إبداية بيانية لغة تخاطب القوب والعقول معا، ادخرها أصل الشيء، حتى بلوغ الحواس مرحلة بدء النشأة ونمو الكمال ونضجه، وازدهار الجمال بفهمه، أي نصا مختلفا بالضرورة، ما يعني أنه يبسط أمامنا أختلاف قراءته عن قراءة الآخرين بالضرورة، وما يفيد بأن النص المكتوب لا يوجد إلا في الصورة البلاغة التي هو عليها في لغة الوصول، وأن لا مثيل له خارج ذاته.

يتبعها مقالة: وقفة وامضة عن تمييز السمات الفلسفية للهايكـو والتانكو/ أو(تفكيك التشابه وقطيعة التواصل من أختلاف)

 

إشبيليا الجبوري

 

كريم مرزة الاسديأنا العراق ُلساني قلبهُ ودمي *** فراتهُ وكياني منهُ أشطارُ

1- مدخل إلى رحاب الجواهري:

بعد تدقيقنا الدقيق، وتحقيقنا الحقيق، بما لا لبس فيه إلا التصديق ! إنّ شاعر العرب الأكبر محمد مهدي بن الشيخ عبد الحسين بن الشيخ عبد علي بن الشيخ محمد حسن المرجع الديني الكبير في عصره (1)، والشهير بـموسوعته الفقهية (جواهرالكلام)، وإليه ومنها يعود نسب العائلة الجواهرية الكريمة، أقول ولد شاعرنا العبقري في السادس والعشرين من تموز عام 1899م / 1317 هـ (2)، في محلة العمارة بالنجف الأشرف، وأوصلت المعلومة إليه عن طريق صهره الأستاذ صباح المندلاوي في أواخر عمره المديد، وعلى ما قال لي أنه أقرّها، لذلك انتشرت من بعد، وكلّ من ذهب إلى غير تاريخنا لميلاده المدون - على أغلب الظن - لم يحالفه الصواب، وذهب مذهب جواهرينا في إصراره على التصغير، والكبير كبير!، ثم ماذا؟!! وأنا أتجول في صحن السيدة زينب بريف دمشق الشام غروب يوم الأحد 27 تموز 1997م، فجعت بسماع نبأ وفاته، وكانت فجر ذلك اليوم؛ بل صدمت، لا من حيث ما ستقوله لي: إن الموت حق ٌّ، وحكم المنية في البرية جارٍ ِ، وقد بلغ من الكبر عتيا، لا تحرجني عزيزي، أنا أتفهم هذه الأمور، ولست بغافل عنها وعنك ؛ وإنّما لأن الرجل" مالىء الدنيا، وشاغل الناس " قرنا من الزمان، بضجّه (الضمير للقرن) وضجيجه، وعجّه وعجيجه، وبؤسه ونعيمه، وقضه وقضيضه، أيّ أنه عاش في هذه الحياة ما يقارب ضعف ما قضاه المتنبي ابن كوفته فيها (303هـ - 354 هـ / 915 م - 965 م)، وأكثر من ذلك عمراً شعريا، ونتاجاً أدبيا، ولو أن المقارنه تعوزها الدقة العلمية، والنظرة النقدية - كما تعرفون وأعرف - لكن استعارتي لمقولة ابن رشيق القيرواني في (عمدته) عن المتنبي في حق الجواهري ليس عبثا، وليس أيضا من السهولة بمكان، أنْ يحلّ محله - أي محل الجواهري - إنسان، أوشاعر فنان في آخر هذا الزمان ! إلا ما شاء الله.. نعود إلى الصحن، والعود أحمد ؛ أخذت برهة أتأمل أحوال الدنيا وأحداث العصر، ومصير الإنسان، الغافل الولهان، إذ يتربص به الموت، ويلاحقه القدر، وهو سرحان، لحظات فلسفية عابرة، وما الفلسفة كلـّها إلا " تأملا للموت " على حد تعبير آفلاطون، وراود ذهني حينها بيت الجواهري الرائع، وحكمته البالغة في الرصاقي بعد أن استحال إلى تراب (3) :

لغز الحياة وحيرة الألبابِ *** أنْ يستحيل الفكر محض ترابِ

وربطت البيت بقصيدة المعري الشهيرة الخالدة في رثاء أبي حمزة الفقيه (غير مجدٍ..)،خصوصاً البيت التالي، وأنا أسير على أرض مقابر قد دثرت، ثم كسيت:

خفـّفِ الوطء ما أظنُّ أديمَ الأرض ِ إلا من هذه الأجسادِ

خففتُ الوطء، وردّدت مع نفسي: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ثم رفعت رأسي إلى السماء، كمن لا يريد أن يتجرع هذا المصير المؤلم - في حساباتنا - للإنسان، وعادت بي الذاكرة إلى سنة 1971 م، ووقفت مع مكابرة الجواهري، وهو يرثي عبد الناصر:

أكبرت يومكَ أنْ يكونِ رثاءا *** الخالدون عرفتهم أحياءا

الله أكبر و أكبر على كل حال، والجواهري نفسه لاريب من هؤلاء الخالدين، وله خصوصية مميزة في وجدان العراقيين، ونفوس المثقفين منهم، فهو محل فخرهم، وعنوان أصالتهم،وعنفوان فروسيتهم:

أنا العراق ُلساني قلبهُ ودمي *** فراتهُ وكياني منهُ أشطارُ

وبلا شعورأخرجت ورقة كانت بجيبي، أحتفظ بها للحظات الفكرالخاطفة الهاربه، وسللت القلم الحسام، وهمهمت وحدوت وحسمت الأمر بـ (الكامل)، وبأبيات ارتجالية ثلاثة:

عُمْرٌ يَمُرُّ كَوَمْضَـــةِ الْأحـْـــــلَام ِ *** نَبْضُ الْحَيَاةِ خَدِيْعَة ُ الْأيَّـــــام ِ

هَلْ نَرْتَجِي مِنْ بَعْدِ عَيْش ٍخَاطِفٍ ***أنْ نَسْتَطِيلَ عَلَى مَدَى الْأعْوَام ِ

أبَدَاً نَسِيْرُ عَلَى مَخَــاطِر ِ شَفْرَة ٍ *** حَمْرَاءَ تَقْطِرُ مِنْ دَمِ الْآنـَـــــامِ

تم ذهبت إلى شقتي في ضواحي مدينة دمشق الزاهرة، وعملت القهوه، وبتُّ ليلتي، ودخّنتُ عدة سكائر، وواصلت مشوار قصيدتي مستلهما شعر الجواهري، وذكرياتي والأيام، وما في اللاوعي من (أفلام)!، وأكملتها بعد يومين أو ثلاثة، بعد تجوالي في شوارع الشام الفسيحة،وساحاتها الفارهة، وحدائقها الغناء منفردا، فتمّ لي منها اثنان وثمانون بيتا، ودُعيت للحفل التأبيني الذي أقامه المثقفون العراقيون بدمشق في الثاني من شهر آب (1997م)، وكانت القصيدة العمودية الفريدة المشاركة، وشارك فيه كل من الباحث هادي العلوي، والدكتور عبد الحسين شعبان، والكاتب عامر بدر حسون، والشاعر زاهر الجيزاني، وختم الحفل نجل الفقيد الدكتور فلاح الجواهري نيابة عن العائلة الكريمة، وكان عريف الحفل الشاعر جمعة الحلفي،  ونشرتها عدة صحف عربية وعراقية بمناسبة مرور أربعين يوما على وفاته، منها(تشرين) السورية، و(الوطن) العراقية الصادرة من دمشق وغيرهما، ثم نشرت في العديد من المواقع الكبرى والرصينة.

نكتفي بهذا القدر الوافي من المدخل للجواهري الشافي .

2 - الجواهري ... على أعتاب ذكرياتي ....

عجيبٌ أمركَ الرجراجُ  *** لا جنفــــــاً ولا صددا

تضيقُ بعيشــــــةٍ رغدٍ *** وتهوى العيشةَ الرغدا

وتخشى الــزهدَ تعشقهُ *** وتعشـــقُ كلَّ من زهدا

ولا تقوى مصـــــامدةً *** وتعبـــــدُ كلَّ من صمدا

لا أستطيع استيعاب الجواهري بأجمعه، ولا الإلمام بكليته، هذا محال...!!،آلا وهو الجواهري و الجواهري - أنت سيد العارفين - قضى قرناً من الزمان في هذه الحياة، القرن العشرين كلـه - أو كاد - من ألفه إلى يائه، ووضع نيفاً وعشرين ألف بيتٍ من الشعر، وأنا القائل: (عشرون ألفاً صُفّفتْ أبياتها)، ثم ماذا ؟ لا يوجدعندي - الآن في غربتي - مجموعة ديوان الجواهري سوى (ذكرياته)، الجزء الأول، وذكرياتي عنه، ومما قرأت منذ طفولتي المبكرة حتى شيخوختي المتأخرة !!، وأزعم معظم ما كتب عنه وأكثر !! وأيضاً مما حفظت من أشعاره، وهذه الشبكة العنكبوتية جنبي  بغثـّها وغثيثها!، المهم أنني أسير على سواحل محيط الجواهري العملاق، عملاق بمتانة إسلوبه،وقوة بيانه، وحباكة ديباجته، وسمو بلاغته، ووضوح عبارته، وحيوية نبضه، وشدة انفعاله لحظة سكب خوالجه وعوالجه، وبروز ظاهرة (الأنا) الفنية العالية المحببة سيان بتحدياتها الصارخة، أو عند سكب آلامها النائحة في شعره، وشعره غزير الإنتاج حتى أنّه بلغ قمة عالية بين شعراء الأمة على امتداد تاريخ أدبها، فإذا تجاوزنا الشعر الجاهلي الذي دون بعضه القليل بعد قرنين من ظهوره - ولا أقول ولادته ونشأته -، فما - مما وصلنا - في عصري صدر الإسلام والأموي ما يستحق عنده الوقوف للمقارنة نتاجاً بنتاجه، إلا أنّ الفرزدق (ت 114هـ) له حوالي (7235 بيتا)، وجرير (أيضا 114هـ)، وله (5640 بيتا)، فخلفا لنا مجلدات ديوانيهما الرائعين، نعم ! في العصر العباسي ترك لنا أبو نؤاس شعرأ غزيرا (ما يقارب اثني عشر ألف بيت)، بالرغم من قصر الفترة التي عاشها في هذه الحياة، على أغلب ظني بين (142- 200 هـ)، ولا أميل لأي رواية أخرى، وابن الرومي (221 - 283 هـ)، وصلنا شعره سليماً معافياً أقرب إلى التمام، فسبق الأولين والآخرين في كثرة النظم، فبلغ قمة القمم (30515بيتاً)، وهو غزير ممتع أي إمتاع، فالرجل قضى حياته شاعراً شاعراً لحظة لحظة، فما حياته إلا الشعر، وأسرّكم - من السرّ والسرور !! - والكلام بيننا، والحديث شجون، بقى شعره بتمامه، لأن الرجل كشخصية على قد حاله، لم يهتم ولم يبالِ به ولا بشعره أحد، فوصل إلينا أقرب للتمام، والحمد والشكر لرب العالمين على لطفه الخفي !!  و للمقارنة السريعة من بعدُ، ومن بعدِ جاء المتنبي (ت 354هـ)، له (5578 بيتاً)، فالشريف الرضي (ت 406 هـ)، له (13832بيتا)، ومهيار الديلمي (428 هـ)، له (22525 بيتاً)، وأبو العلاء المعري (449 هـ)، وأبيات شعره ما يقارب (13515 بيتاً)، ثم في العصر الحديث، ونأخذ تاريخ الوفاة بالميلادي، للظروف المرحلية، لأحمد شوقي (ت 1932م) حوالي (11336 بيتاً)، وخليل مطران (ت 1949م)، وله (23187 بيتاً، لم ندرج الشعر التالف أو المتلوف، ولا شعرالملحمات الدينية، أو الأرجوزات التعليمية، فالجواهري - مما يتضح على الأغلب - يأتي ضمن الأسماء الخمسة الأوائل في غزارة الإنتاج من بين كل شعراء العرب منذ عصرهم الجاهلي إلى يومهم هذا .

3 - " ذكرياتي " بين يدي ...!!

مسكت الجزء الأول من كتاب (ذكرياتي) لجواهرنا الجواهري، وقلبت ورقتي العنوان فإذا به صدر ذكرياته بمقولة لحكيم صيني تقول:" وُلدوا فتعذّبوا فماتوا "، لابدَ أن هذه الفكرة راودته فترة طويلة، بل تخمرت في ذهنه، وزُرعت في دمه حتى آمن بها قناعة لا تتزعزع، فجعلها الكلمة الأولى لكتابه الموعود، ولكن... جزما، أبعاد المقولة، واتجاهاتها الفكرية، وفلسفتها الحياتية، متابينة في عقلي الرجلين، فالتطابق محال، ومدلولها واسع على أية حال، وله أن يحلل أبعادها كما يشاء، و(ابن الرومي) (ت 283هـ / 896م)، قد سبق الرجلين بما ذهبا إليه:

لِما تؤذن الدنيا به من صروفها ****يكون بكاء الطفل ِساعـة ّ يولدُ

وإلا فما يبكيـــــــه منها وإنـّها **** لأفسحُ مما كــــــان فيهِ وأرغدُ

إذا أبصر الدنيا أستهلَّ كأنّـــهُ******بما سوف يلقى من أذاها يهدّدُ

وللنفسِ أحوالٌ تظلّ كأنـّــــها ***** تشاهدُ فيها كلَّ غيبٍ سيشــــهدُ

المهم وُلدوا نعم وُلدوا، وإنما الولادة هل هي قدر محتوم، مقيدة في سجل معلوم، أم عقبى ملاقحة عابرة لمصادفة غابرة ؟، فالرجلان تركا لغز وجود نائب الفاعل في المبني للمجهول لتعليل العقول، والعقول حقول !، وعلى العموم، الحياة لم تعطِ عهدا للحكيم الصيني ولاللشاعرالعربي، ولا لغيرهما، كيف ستكون، ولا تبالي بأحدٍ كي تقول له: ممنون !! سُعد أم تعذب، والمسألة فيها نظر، فالحياة لذة وألم، صحة وسقم، رخاء وعدم .وصاحبنا هو الأدرى بذلك، ففي قصيدته (سجين قبرص)، يطل علينا بقوله:

هي الحياة ُ بإحلاءٍ وإمرار ِ*** تمضي شعاعاً كزند القادح ِ الواري

أمّا في حكمته الصينية، فواضح لي ولك، ما أراد من المفرادات الثلاث إلا (فتعذبوا)، لماذا ؟ لأنه - بغريزته الفنية - رام ما لا يُستطاع إليه سبيلاً، جمع النقيضين اللذة والثورة، الحنان والرفق بالخاصة، والحقد والألم من أجل العامة، وطلب من زمنه - كمتنبيه - " ما ليس يبلغه من نفسه الزمن"، فوقع في صراع الأضداد، وطغى على شعره التشاؤم، والكآبة، وعدم الرضا، والتبرم:

عجيبٌ أمركَ الرجراجُ  *** لا جنفــــــاً ولا صددا

تضيقُ بعيشــــــةٍ رغدٍ *** وتهوى العيشةَ الرغدا

وتخشى الــزهدَ تعشقهُ *** وتعشـــقُ كلَّ من زهدا

ولا تقوى مصـــــامدةً ***وتعبـــــدُ كلَّ من صمدا

ومنذ ثورة النجف على الأنكليز (1917م)، وحصارها الشهير - وثورة العشرين من بعدها -، وكان حينها شاباً يافعاً، ارتسمت في ذهنه صورة لا تـُمحى، تخيلها شاخصة بعين الآخر، وعكسها إلينا من فوران دمه الذي لم يبرّده غليله، ولو بعد عشر سنوات منها، اقرأ معي ما يقوله في قصيدته (الدم يتكلم):

لو سألنا تلك الدمــــــاءَ لقالت ** وهي تغلي حماسة ً واندفاعــا

ملأ اللهُ دوركم من خيـــــــالي *** شبحاً مرعباً يهزُّ النخــــــاعا

وغدوتم لهول ما يعتريـــــــكم *** تنكرون الأبصار والأسمـاعا

تحسبون الورى عقاربَ خضراً ** وترون الدروب ملآى ضباعا

والليالي كلحاءَ لا نجمَ فيـــــها *** وتمرُّ الأيـــــام سوداً سراعا

هل هذه الرؤية المتشائمة،هي رؤية الإنسان الجلاد المرتعب الخائف للإنسان الثائرالمنتفض المستشهد - والعكس صحيح في معادلة صراع الحياة - أم نظرة الجواهري السوداوية المستديمة المتأملة والمتألمة للحياة كلّها على طول الخط ؟ القضية تطول، وما انا بدارس، ولا باحث في حياة الجواهري، وشاعريته وشعره، وإنما نظرات عابرة على أعتاب (ذكرياته)، وأعني عدّة أوراق، سبقت فصوله المفصلة، مهما يكن من أمر، ما تنتظر منه أن يرى الدنيا بعد مصرع أخيه جعفر في معركة الجسر (27 كانون الثاني 1948م)، غير ما ذكره عنها موريا بكلمة (جسر ٍ) من النكد في (تنويمته للجياع)، التي نظمها بعد ثلاث سنوات (آذار 1951م) من الحدث الجلل ؟:

نامي فما الدنيا سوى *** "جسر ٍ" على نكدٍ مقامِ

و أترك إليك محيط الجواهري لتغوص فيه مراراً وتكراراً، لقد خلفنا الموت خلفنا ناسين أو متناسين، والموت حقٌّ لا ينسانا، قدم إليهما، فاستقبلاه مرغمين طائعين، أو كما يقول جواهرينا :

وأنَّ الحياةّ حصيدُ الممات *** وأنَّ الشروقَ أخو المغربِ !

وقفا الرجلان عنده حيث وقف العقل المحسوس المحدود من قبل، وكان يعنيان شأن الحياة الدنيا، وما عساهما أن يفعلا غير ما فعلا، الجواهري - ولا أدري بالآخر - بطبيعة الحال يكثرمن ذكر الله في شعره، وتـُعدُّ قصيدته عن الإمام الحسين (ع) من أروع الشعر العربي، والرجل ليس بحاجة إلى شهاداتنا، ولا يحفل بها، فلماذا الإطالة ؟!! الآن صرخ في أذني ببيتين من الشعر، هازّاً بيديه مستهزئاً !:

دعِ الدهر يذهبْ على رسلهِ***وسرْ أنتَ وحدكَ في مذهبِ

ولا تحتفـــلْ بكتاباتـــــــــهِ *** أردْ أنتَ مـا تشتهى يُكتبِ !

ثم أردفني هامساً مع نفسه ببيت قاله في ثمانياته (نيسان 1986م)، ومضى إلى رحمة ربّه:

اللهمَّ عفوكَ إننّي برمٌ *** ولقد يُدسُّ الظلمُ في البرم ِ

إذاً رجاء اقلبْ ورقة الحكمة، واقرأ الإهداء الذي كتبه الشاعر بخط ّ يده اعتزازاً وتقديراً واهتماماً وحبّاً: " أُهديه إلى من هم أعز علي من صفو الحياة إلى كلِّ مَن ودعّني من أهل بيتي وإلى كلِّ مَن اقام " .

وضعت لك خطـّاً تحت الجملة التي أروم التأمل فيها (بين هم والحياة)، فالشاعر رغم التشكي والتبرم والتشاؤم، بل حتى الكآبة المرسومة على تقاطيع وجهه، هو رقيق الطبع جداً، كشاعر مرهف الحسِّ، يفيض قلبه بالحنان والحب ِّ، والعاطفة الصادقة:

جربيني منْ قبل ِأنْ تزدريني *** وإذا ما ذممتني فاهجـريني

ويقيناً ستندمين علــــــى أنّكِ *** منْ قبلُ كنتِ لــمْ تعـرفيني

لا تقيسي على ملامحِ وجهي *** وتقـــاطيعهِ جميعَ شــؤوني

أنا لي في الحياةِ طبـعٌ رقيقٌ*** يتنافى ولونَ وجهي الحزينِ

ومن الطبيعي أنْ يكون أهله الأقربون أقرب إليهِ من حيث معاملتهم بالرّقة واللطف والحب، فهم الأغلون، ففكرة (الإهداء) مختزنة في وعيه لأهله، ووردت في مقدمة ديوانه المطبوع عام (1961م)، حين كتب قائلاً: " إلى قطع متناثرة من نفسي هنا وهناك ...أهدي ديواناً، هو خير ما أهديته في حياتي كلـّها، وقد لا أقدر أن أهدي إليهم شيئاً بعده "، و (صيغة الإهداء) - أيضاً - ليست بجديدة على ذهنه، وكان قد ضمنها في قصيدته (بريد الغربة)، التي نظمها (1965م)، وأرسلها إلى أهله في العراق:

ويا أحبابـــي الأغليـــن***منْ قطعوا ومَن وصلوا

ومن هم نخبةُ اللــذات***عندي حيـــــــن تنتخلُ

هُمُ إذْ كلُّ من صــافيت *** مدخــولٌ ومُنتـــــــحَلُ

سلامٌ كلـّــــــــــهُ قبـــلُ ***كأنَّ صميمــــــها شغلُ

وشوقٌ من غريبِ الدارِ***أعيــتْ دونـهُ السّـــــبلُ

ولهذه الإشكالية المعقدة بين الخاص والعام، وأعني بين خصوصياته العائلية الأصيلة والمتينة بروابط حبها الجارف من جهته على الأكثر، وعلاقاته الإجتماعية المتميزة و المتماسكة لمنزلته الأدبية الرفيعة، وبين المهمات الصعبة الملقاة على عاتقه عرفاً وطبعاَ لإثارة العقل الجمعي الواعي ... كم يجب تقدير وتثمين مواقفه الجريئة، وتضحياته الكبيرة إبان شرخ شبابه، ونضج كهولته، ولكن في شيخوخته - من سنة 1972م - أُثيرَ موضوع صمته واغترابه، لأغراض عديدة، ودوافع متعددة، اغتاض منها فردَ عليها - والشاعر ليس بكاتم غيض - متحاملاً على من تحامل، ومعللاً بتخريجات عامة على من تساءل، والعجيب أن ردوده تحمل في طيّاتها الانتقادات الواضحة والمباشرة، للمواقف المتخاذلة دون ذكر الأسماء، وينتقد ! وتعجبني من ردوده (1977م) هذه الأبيات الرائعة :

قالوا سكتَّ وأنت أفظعَ ملهـبٍ *** وعي الجمــوع ِ لزندها، قـدّاح ِ

فعلامَ أبدل وكـــرَ نسر ٍجامـح ٍ*** حردٍ بعشِّ البلبــلِ الصـــــدّاح ِ

فأجبتهم:أنا ذاك حيثُ تشابكتْ ***هامُ الفوارس تحتَ غابِ جناحيِ

لكنْ وجدتُ سلاحهمْ في عطلةٍ ****فرميتُ في قعرِ الجحيم ِ سلاحي

وقد يعذر من يعذل، ومن التفتَ وحلـّل بواطن (أعز علي من صفو الحياة)، يدرك أنه - إبان الحروب العبثية والمجانية - كان يخشى على المتعلقين به، والمخصوصين لديه من أفراد أسرته، داخل العراق وخارجه، بل حتى على نفسه، من سطوة نظام لا يعرف للرحمة معنىً، وشيخنا لم يرَ من حقـّه أن يتجاوز الخطوط الحمراء لأرواح ومصائر غيره، وبلا ثمن، ثم ما جدوى التهليل لهذا أو ذاك من المتحاربين أوالمتصارعين، قال الأبيات التالية - وفيها إشارة إلى أبنائه - من قصيدة ساخطة على الأوضاع، داعية للوحدة الوطنية ولمِّ الشمل على سبيل مقارعة الظلم والإرهاب، وجهها إلى صديقه السيد جلال الطالباني في (10/12/ 1980 م)، أي بعد اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية بثلاثة أشهر، إثر رسالة من الأخير إليه، يحرضه فيها على التغني بالنضال:

يا صاحبي - ويموت المؤمنون غداً - ***وخالدٌ صدقُ قــــــولٍ ناصفٍ زَمِنِ

حتـّى كأنّي - وأشبـــالي - بعيدهـــــمُ *** عُفـْرُ الأضاحي من المنحورةٍ البُدُن ِ

وكنتُ منهم كمصلوبٍ على وثـــــــن  ** ضحى على ربّــــــــهِ يوماً ولم يدن ِ

فلـــنْ أغني بأعـــــراس ٍ مهلهلــــــةٍ *** ولنْ أنوحَ علــــــــى موتى بلا ثمنِ

والبيت الأخير واضح ومبين، فلا تضحية بلا ثمن ثمين، يعود مردوده للشعب والملايين، هذا رأيه، وربما لك رأي، لا أطيل عليك، والإطالة إفادة،إذا كان الوقت لديك يتسع، فالحديث عن الجواهري ممتع، رويدك - يا صاحبي - ما بقى لديَّ في هذه الحلقة إلا قصيدته (برئت من الزحوف)، نظمها الشيخ المشرف على التسعين في حزيران براغ سنة (1985م)، إذ صكَّ سمعه أخبار منتقديه، بل شاتميه، لموقفه الصامت من الحرب الرعناء، وتعالت حواليه الأصوات المنتمية من هذا وذاك، وهاجت عليه الأقلام المسيسة من هنا وهناك، وهرعت إليه سائلة عن سرِّ سكوته على هؤلاء وأؤلئك، فأجابها بإنسياب قافية شجية:

وســــائلةٍ أأنتَ تـُـسبُّ جهراً ** ألسـتَ محجَّ شبان ٍوشيــبِ؟

ألستَ خليفة َالأدبِ المصفـّى ** ألسـتَ منارةَ البلدِ السّليب!؟

أيسرحُ شاتموكَ بــلا حسيبٍ **وتسمعُ من هناكَ بلا نسيبِ!

أقولُ لهـــــا ألا أكفيكِ عبئـاً  ** ألا أ يكِ بالعجبِ العجيــبِ!؟

لقدْ هجتِ اللواعجَ كامنــاتٍ ***وقدْ نغـّرتِ بالجرحِ الرغيبِ

برئتُ من الزحوفِ وإنْ تلاقت **تسدُّ عليَّ منعطفَ الـدروبِ

زحوفُ "الرافدين"فقدْ تهزّتْ **بهنَّ مزاحـفُ البلــدِ الغريبِ

برئتُ من الزحوفِ بدونِ حول*سوى قـُبُلِ الحبيبِ على الحبيبِ

لتسلمهُ إلى وبش ٍخسيس ٍ****ومرتكبٍ ومشـــــبوهٍ مــريبِ

إلى صُحفٍ تسفُّ بلا ضميرٍ** سوى ما دُسَّ منها في الجيوبِ

برئتُ من الزحوفِ مجعجعاتٍ ***تخلـّفُ سكتة ّالموتِ الرهيبِ

مباحٌ عندهنَّ دمـي لذئـــبٍ *** ولا أسدٌ يبيـــحُ دمـــــــاً لذيبِ

وأُنبَذ ُ بالعــراءِ بلا نصير ٍ***** نبيل ٍأو أديـــبٍ أو أريـــــــبِ

بيت القصيد المفيد ما قبل الآخير، وخلاصة القول " ولا أسدٌ يبيحُ دماً لذيب ِ"، هل اقتنعت يا قارئي الكريم، أم أنّك تهزُّ رأسك حائراً بين الرفض والقبول، لك ولي ما نقول، وله: أعزُّ عليَّ من صفو الحياة !! وإلى الملتقى، فالموضوع ما انتهى سبيلا....وكفى بالله وكيلا!

4 - الجواهري بـ "ذكرياتي" بين إجابة قلبه وزبد صدره...!

أجب أيها القلبُ الذي لستُ ناطقاً ***إذا لم أشاوره ولستُ بســـامع ِ

وحدّثْ فأنّ القومَ يدرونَ ظــاهراً ***وتـُخفى عليهم خافيات الدوافع ِ

وفجّر قروحاً لا يطـاقُ آختزانها *** ولا هي ممـــــا يتقى بالمباضعِ ِ

تلفـّتُّ أطرافي ألمُّ شتــــــــــائتاً *** من الذكرياتِ الذاهباتِ الرواجع ِ

تحاشيتها دهراً أخافُ آنباعثـها ***على أنّها معدودة ٌ مــن صنائعي

ودّعتك على أمل اللقاء بك وعداَ، ووعد الحرِّ دينً عليه، سأواصل المسيرة، وهذا مشوار العمر أخيره، ولو أن العين ضريرة، لكن الذاكرة بصيرة، ليست هذه بشكوى، وإنّما هو التّحدي لأي نائبة من نوائب الدهر صغيرة كانت أم كبيرة، ولعن الله كلّ من باع ضميره!!!

هذا " ذكرياتي" بين يدي، قلبت ورقة الإهداء، فإذا بصورة الجواهري إبان مطلع شبابه تصافح عيني، بجبته وعباءته ونحافته وعمّته، واقفاَ باعتدال قامته الشامخة، سابلاّ يده اليمنى على كرسي بجواره، وواضعا يده اليسرى عليها، لا تبدو على ملامحه نظرات التحدي، وتعبيرات التصدي، وإن كان في شعره غيره في صورته، مما يعطيك انطباعاً، أن الرجل في الأصل طبعه الهدوء والسكينه والوداعة والألفة الطيبة، والعلاقة الحميمة، وما الثورة والتمرد والهيجان إلا حالات عابرة تنتابه بين حين و آخر، إثر موقف جماهيري، وصدمة قوية، أو عقبى انفعال شديد وحادث جلل، وغالبا ما يسكبها شعرا مبدعا،أو يكتبها نثرا رائعا، وعندما يأتيه الإلهام الشعري " أشبه إلى الوحي" فيضاً، ينعزل منفردا، ويغضب على من يأتيه قاطعا، حتى أنّ أروع قصائده (يا دجلة الخير) نظمها في ليلة براغية واحدة !! .

وقبل أنْ أقلب ورقة الصورة المعممة، تأملت قليلا متسائلا عن سرِّ اختيار هذه الصورة من بين آلآف الصور التي أخذت له كشخصية شهيرة، طيلة عمره المديد، ألم يقل ذات يوم بحقها ؟!:

قال لي صاحبي الظريف وفي الكفّ ***ارتعاشٌ وفي اللسان انحبــاسه:

أين غــــادرتَ "عمّة ً" واحتفاظــــاً ***قلت: إنّي طرحتها في الكناسه

عضضت على شفتي، وقلت ربما الأمر عابر، وورد على باله خاطر، لا بأس الصورة معبّرة و عابرة، وله ما يشتهي ويتشهّى، غلقت الكتاب، فوقع نظري على غلافه الأخير، فإذا بصورة ثانية للجواهري المعمم تحتله كاملاً، وهذه المرّة واضعا نظارته على عينيه، واقفا بشموخه المعتاد، ويبدو أكثر هيبة ووقارا، وأكبر عمرا، قلت مع نفسي لآتصفح الكتاب، فوجدت صورة ثالثة على الصفحة 173 تشغل حيزها تماما، إذاً الأمر مقصود لرغبة نفسية جامحة عارمة، تنطلق من اللاوعي المكبوت، وربما يدعمها وعيه بحدود، ولا اعرف بالتأكيد ما كان يدور في مخيلته إبان طفولته المبكرة، إذْ تتراكم العقد في العقل الباطن للإنسان، فهل كانت العمامة لديه ترمزالى وقار أبيه، أو علم جده صاحب الجواهر،أو جذور عائلته، أم انّها تمثل عمائم عمالقة الشعر، عمامة المتنبي العظيم، وعمامة العبقري الخالد ابن الرومي،وعمامة أبي العلاء الشاعر الفيلسوف العتيد؟ ولم أذكر عمامة الشاعر الشاعر الفنان المبدع البحتري، لعلمي أنّ الجواهري يعشق شعر الأخير، لريشته الفذة، وزجالته الرائعة، ويكره شخصيته لإنتهازيته الفجة، المهم لا يهمني كثيرا ما قال، أو ما لم يقل الجواهري بهذا الشأن ! فانا لا أعيد " ذكرياته"، وإنّما أسجل انطباعاتي على أعتابها، ولكن بالتأكيد هذا التغيير في لباسه، سيان لعمامته بطاقيته، أوغترته - الوشاح الأبيض الطويل الذي ارتداه إبان فترة سجنه - أم لعباءته و جبته بطاقمه ورباط عنقه ... لا يعبرعن دهاءٍ سياسيٍّ، ولا عن نفاق ٍ اجتماعيٍّ، ولا هم يحزنون، لأن ببساطة القول الشاعر العملاق لم يخلق لهذه الأشياء، فهو أكبر منها، وأعرف بها، والبيتان اللذان قالهما في مدح الملك فيصل الأول، ليشير فيهما إلى حسن تمرسه في السياسة، و ألمعيته في الدهاء - وهما يحملان الضدين المدح والقدح - لا ينطبقان على الجواهري نفسه، بأي شكل من الأشكال، أو حال من الأحوال، اقرأ معي وتمعن !:

لبّاس أطوار ٍيرى لتقلب الأيّــــــــام ِ مُدّخراً سقاط ثيابِ

يبدو بجلبابٍ فإن لم ترضْه **ينزعْهُ منسلاً إلى جلبـابٍ!!

لم تفتني الأبعاد المجازية، والصيغ البلاغية للبيتين، كما تتوهم، بل ألعب اللعبة نفسها، رجاء تابع معي، الرجل خلع عمامته، لا كرهاً لها، ولا سخطاً عليها، ولا تخلصا منها، وله أن يطرح صورتها المزيفة في الكناسة بجلسة عبثية، وإنـّما ابتعادا عنها، نشداناً لحريته، وتكيفاً لبيئته، واحتراماً لخلفيته،وإلا فهي مخبؤة في دمه، مزروعة في وجدانه، فاعادها إلى مقامها، وارجعها إلى هيبتها، متباهيا بها، فهي الشعر وإصالته، والتاريخ ومهابته، والكلام وبلاغته، هذا ما تقوله لي أعتاب " ذكرياتي"، وإنْ خُفيت الأمور على الجمهور:

أجب أيها القلبُ الذي لستُ ناطقاً ***إذا لم أشاوره ولستُ بســـامع ِ

وحدّثْ فأنّ القومَ يدرونَ ظــاهراً ***وتـُخفى عليهم خافيات الدوافع ِ

وفجّر قروحاً لا يطـاقُ آختزانها *** ولا هي ممـــــا يتقى بالمباضعِ ِ

تلفـّتُّ أطرافي ألمُّ شتــــــــــائتاً *** من الذكرياتِ الذاهباتِ الرواجع ِ

تحاشيتها دهراً أخافُ آنباعثـها ***على أنّها معدودة ٌ مــن صنائعي

الآن قلبت ورقة الصورة،ووصلت إلى ورقة تحمل عنوان (المقدمة)، والبيتين الموجعين:

أزحْ عن صدركَ الزّبدا ***ودعهُ يبثُّ ما وجدا

وخلِّ حطـــــامَ مَوْجدةٍ *** تناثرُ فوقــــهُ قصَدا

البيتان من قصيدة ما بعدها قصيدة في الروعة !! فإنْ كانت (يادجلة الخير) رمزالحنين والشوق ومناجاة الأوطان، و(أخي جعفر) عنواناً لجرح الشهيد، ودم الثائر ...، أمّا هذه فهي منتهى صدق ما تبثُّه النفس البشرية من مكنونات أليمة مكبوتة، تقطع نياط القلب، بجرأة متناهية في عصر ٍلا يرحم ! قال عنها الجواهري نفسه هنا (الجواهري ينتصر للجواهري) ! وكتب إلى مجلة الديار اللبنانية، التي نشرتها في عددها المؤرخ (15 - 21 أذار 1976)، قائلا: " آخر ما لدي، ومن أعزُّ قصائدي إلي "، حصل من خلالها الشاعر على جائزة (اللوتس) العالمية لسنة 1975م، فاقامت جمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف حفلاً تكريميا له بالمناسبة، وذلك مساء الخميس (2 / 11 /1975م) في قاعة الاجتماعات التكريمية، وألقى الشاعر قسماً منها، فعدد أبياتها (124) بيتاً، فإليك عدّة أبيات ونعقب:

ولا تحفلْ فشــقشـــــقة ٌ**مشتْ لكَ أنْ تجيش غدا

ولا تكبتْ فمِــــن حقبٍ *** ذممتَ الصبرَ والجــلدا

أأنتَ تخافُ مـــن أحدٍ *** أأنــــــــتَ مصانعٌ أحدا

أتخشى الناسَ أشجعهمْ ***يخافك مغضبـــــاً حردا

ولا يعلــــــوكَ خيرهمُ *** ولستَ بخيـــــرهمْ أبــدا

ويدنو مطمحٌ عجـــبٌ *** فتطلبُ مطمحا بَـــــــعدا

ويدنو حيثُ ضقتَ يداً ** وضعتَ سدىً وفاتَ مدى

أفالآنَ المنى منــــــحٌ *** وكانتْ رغـــــــوة ً زبدا؟

وهبكَ أردتَ عودتــها ***وهبكَ جُهــــدتَ أن تجـدا

فلستَ بواجدٍ أبـــــــداً ***على السبعين مــــــا فقدا

صفق الجمهور هنا كثيرا، ودعوا له بطول العمر، أريدُ منك أنْ تتساأَل معي، وتساعدني على الإجابة، لماذا كان يكبت الجواهري، ويصبر حتى ذمم صبره والتجلدا؟! وممنْ كان يخاف شيخنا فيصانعه حتى سكب لوعته مستنكراً حرداً على نفسه؟! ومن هو أشجع الناس الذي كان يخاف الجواهري إذا غضب؟! ومن هو خيرهم الذي لا يعلو شاعرنا منزلة ؟!!

والقصيدة طويلة، ولا أريد أن يغلب شعرُهُ مقالتي، وينجرف القارىء الكريم معها، ويتركني منفردا، وينسى في غمرة النشوة لذة الفكرة ! ديوانه متوفر وافر، والقصيدة من مجزوء الوافر (مفاعلتن مفاعلتن   مفاعلتن مفاعلتن)، عروضتها صحيحة، وضربها مماثل لها، ويعتري أبياتها جوازات الوافر، ومعظمها من زحاف القضب، وهو حسن، تتحول فيه (مفاعلـَتن) الى (مفاعلـْتن)، بإسكان الخامس، فتصبح التفعيلة (مفاعيلن)، واختار الجواهري، أو انطلق - على الأصح - من اللاوعي، هذا - أو من هذا - البحر السريع المتلاحق - يأتي في المرتبة الثانية بعد الكامل في سرعته - لبث همومه المتراكمة كسيل جارف للأحقاد و الإعلام الزائف، وما ألف إطلاق قافيتها الاّ دليل الشموخ والانطلاق للمارد العملاق !

أزحْ عن صدركَ الزّبدا***وهلهلْ صادحاً غردا

وخلِّ البـــومَ ناعبــــة ً ** تقيء الحقدَ والحسدا

بمجتمــع ٍ تثيرُ بـــــهِ *** ذئابُ الغابـــةِ الأسدا

بهمْ عــــــوزٌ إلى مددٍ ***وأنتَ تريدها مــــددا

كفى من القصيدة مددا، وبعد انتهاء الحفل العائلي النجفي، والتكريم المعنوي، وكعادة أهله الأصيلة، ورفقته العريقة، دهدى بيتين من الشعر، كأنهما عند سامعيه جوهرتان من الدرّ:

مقــــامي بينكمْ شكرُ **ويومي عندكمْ عمرُ

سيصلحُ فيكمُ الشـّعرُ** إذا لـم يصلح ِالعذرُ

ونحن نعتذرإليك،ونرجو أن يصلح الأمر، ففي الإطالة مللٌ، وفي الترقب أملٌ، والجواهري لا يمُلُّ، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ ...

 

كريم مرزة الأسدي

......................

(1) الشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر بن الشيخ عبد الرحيم النجفي، ولد في النجف الأشرف بحدود 1192هـ / 1778م (تختلف الروايات في سنة ولادته)، وتوفي فيها سنة 1266 هـ / 1850م، ودفن في مقبرتهم الشهيرة قرب الصحن الحيدري الشريف، تزعم الحوزة، وكان المرجع الأعلى للطائفة الامامية في جميع أنحاء العالم، اشتهر بموسوعته الفقهية الاستدلالية (جواهر الكلام)، أنجب من الذكور ثمانية، كلهم خلفوا إلا الشيخ حسين، إذ توفي شابا قبل الزواج، والعائلة الجواهرية ترجع بكنيتها، ومجدها وشهرتها إليه.

(2) هنالك روايات تجعل ولادته في 17 ربيع الأول سنة 1317 ه ـ لذلك عزفت عن ذكر الشهر واليوم لعدم تيقني تماما من صحتهما.

(3) توفي الرصافي 1945م، وقال الجواهري بيته في ذكرى الرصافي 1959م .

 

محمد فتحي عبدالعالتقديم: تعد رواية أولاد حارتنا من الروايات الابرز تأثيرا في الأدب المعاصر والأكثر تطرفًا واثارة لحفيظة الأوساط الدينية في مصر والعالم العربي وقد قام بتأليفها  الكاتب المصري نجيب محفوظ وتعد الرواية عاملا أساسيا في وصوله للعالمية وحصوله علي جائزة نوبل للآداب عام 1988م، كأول مصري وعربي يحصل علي الجائزة وفي المقابل كانت سببا رئيسا لمحاولة اغتياله عام 1995.

الحكمة من الرواية بحسب المؤلف:

بعد ثورة يوليو عام 1952 توهم الكثيرون أن الأمور سوف تسير نحو التحول الي الحياة الاجتماعية العادلة الا أنه وبمضي الوقت اكتشفوا أن أصنام العهد الملكي التي هدمت حلت محلها اصناما جديدة وأن الأبواق الإعلامية التي سبحت بحمد الأصنام الهالكة هي ذاتها التي تصنع الأصنام الجديدة وتبارك عبادتها وأن لا شيء من حياة الناس قد تغير. حاول نجيب محفوظ عبر استحضار قصص الأنبياء أن يضع نصاب قادة يوليو 1952 حاجة المجتمع الماسة إلى تحقيق العدل ونبذ الظلم وهي القيم التي نشدها الأنبياء في رسالاتهم. غير أنه استخدم طريقة غير مألوفة فقد نزع عن هذا القصص الديني لباسها المقدس وأوجه الاعجاز فيها مسقطا إياها علي الواقع وبدت القوالب الواقعية شديدة السذاجة كما هو الحال في تحويل النبي موسی صاحب معجزة العصا الي جبل الحاوي والنبي عيسى الذي يبريء الاكمة والابرص الي رفاعة طارد العفاريت ! عبر محفوظ عن ذلك بقوله: "فقصة الأنبياء هي الإطار الفني ولكن القصد هو نقد الثورة والنظام الإجتماعي الذي كان قائما." ولأن الأمور بخواتيمها فهل وصلت الرسالة لقادة يوليو والاجابة: بالطبع لا.. فلم يفهم أحد أن للقصة طابعا سياسيا قبل تصريح الكاتب بذلك والدليل أن الرئيس جمال عبد الناصر والمعروف بصرامته مع المعارضة وجه رئيس تحرير صحيفة الأهرام آنذاك محمد حسنين هيكل بالاستمرار في نشرها الأول عام 1959علي الرغم من اعتراض الأزهر مع سرعة الانتهاء من نشر حلقاتها لتكون يومية بدلا من أسبوعية .

شخصيات الرواية:

تتضمن الرواية خمس قصص: الأولى: أدهم والثانية: جبل والثالثة: رفاعة والرابعة: قاسم والخامسة: عرفة.وقد استطاع محفوظ أن يختار للأنبياء أسماء مبطنة قريبة من إسم كل نبي ولصيقة بالواقع فأدهم هو أدم وجبل هو موسی ورفاعة هو عيسی وقاسم هو محمد أما إدريس فيمثل إبليس، وقدري هو قابيل، وهمام هو هابيل وشافعي وعبدة يوسف النجار ومريم أما عرفة فيرمز للعلم المادي الحديث .

قصص الرواية في ايجاز:

القصة الاولي أدهم: وتبدأ القصة بشخص يدعى الجبلاوي وهو المستمر معنا طوال الرواية علي الرغم من تباعد الأزمنة وكان كثير الحريم يقطن في بيته الكبير ذو الحديقة الغناء وله وكالة كبيرة، ولديه أبناء عدة أكبرهم إدريس ولكن الجبلاوي يفضل أدهم ابن الجارية السوداء على بقيَّة أشقائه لعلمه بأسماء المستأجرين واجادته الكتابة والحساب ، وهو ما قبله عباس وجليل ورضوان علي مضض ورفضه ابنه إدريس؛ فيطرده الأب من البيت الكبير إلى الأبد ، فيحاول الإنتقام عبر إفساد العلاقة بين أدهم وأبيه واغوائه بالوصول إلى كتاب الجبلاوي المتضمن الميراث حتي يطمئن إدريس إن كان له نصيب فى الميراث أم لا ؟ فتزين أميمة لزوجها أدهم خوض هذه المغامرة والوصول الي المجلد حتي يعلما نصيبهما أيضا من الميراث فيكتشف الجبلاوي ذلك فيطرد أدهم وزوجه من البيت إلی الخلاء .رزق أدهم من أميمة بقدري وهمام ثم ينشب الخلاف بين الأخوين مع دعوة الجبلاوي عبرالبواب كريم لهمام ليعيش مع جده في البيت ويبدأ حياة جديدة هناك فتتملك الغيرة من قلب قدري فيقذف أخيه همام بالحجر ويقتله ثم يدفنه.

القصة الثانية جبل:وتتناول القصة الصراع بين آل حمدان أفقر الناس وأكثرهم تعرضا للتنكيل والهوان والناظر الافندي حول احقيتهم في وقف الجبلاوي ثم يطل علي الأحداث جبل والذي تتبناه هدی هانم العقيم زوجة الناظر بعد أن رأته في حفرة مملؤة بمياه الامطار ، ثم يتعلم مباديء القراءة والكتابة، وحين يبلغ أشده يعينه الأفندي علي إدارة الوقف.ثم تتسارع الأحداث بفرار جبل الي سفح المقطم بعدما أجهز علي (قدره) احد فتوات الناظر لينقذ (دعبس) احد آل حمدان الذي كان علي موعد مع الهلاك بنبوت قدره الغليظ وفي سوق المقطم يجد جبل كشك حنفية مياه عمومية، يتزاحم حولها الناس ليملئوا أوعيتهم بالماء فيجد فتاتين (شفيقة وسيدة) منعهما الحياء من مزاحمة الناس فملأ لهما الماء. ثم كان استدعاء أبوهما المسن "البلقيطي" مروض الحيات له حيث يزوجه أحدي ابنتيه ويعلمه مهنة الحواة، فكان يخفي بيضة في جيب ويخرجها من جيب آخر، ويتعامل مع الحيات والثعابين ثم يرقّص الحيّة. ويذهب جبل إلى الناظر - بعد أن قابَل الجبلاوي وأمَرَه بذلك - مطالبًا بحقِّ آل حمدان في الوقف فيرفض ثم يلي ذلك أحداث عظام تقع في الحارة فتغزو الثعابين البيوت حتي وصلت بيت الناظر وارعبت الهانم فطلب من جبل أن يطهر الحارة من الثعابين في مقابل إحترام كرامة آل حمدان وإعطاءهم حقهم في الوقف. لكن الناظر يحنث وعده لجبل بعد أن انجز مهمته لتحدث مواجهة بين الطرفين وتنتهي القصة بعودة الحق لآل حمدان .

القصة الثالثة رفاعة: حيث زنفل الطاغية قاتل الاطفال ينزل بآل جبل أشد ألوان العذاب مما يضطر شافعى النجار وزوجته الحامل (عبدة) إلی الفرار ثم العودة مرة اخري إلى الحارة بعد أن هدأت الاحوال وبصحبتهما ابنهما رفاعة ..كان رفاعة شغوفا بالقصص التي يرويها الشاعر جواد بقهوة جبل عن الجبلاوى وأبنائه وهذا ما صرفه عن التركيز في مهنة أبيه في النجارة وكان رفاعة كثير التردد علي زوجة الشاعر (أم بخاطرها) التي كانت تجيد ترويض العفاريت بالزار والبخور السوداني والتعاويذ الحبشية والاغاني السلطانية ليتعلم منها فشعر أن هذا هو العلم الذى يحقق السعادة الحقيقة ويعالج الشرور ثم جاءه  أمر جده الجبلاوي(فالإبن الحبيب من يعمل !!) علي عودة العدل إلى الحارة ، يتزوج رفاعة من البغي ياسمين انقاذا لها إلا أنه كان زاهدا في الزواج فتستغل غيابه في تطبيب الناس عبر طرد العفاريت وتخونه ياسمين مع بيومي الفتوه والذي يتآمر مع الفتوات علي قتل رفاعة فلمَّا عرف رفاعة بعزمهم هرب مع أصدقائه الأربعة الذين كان قد اصطفاهم بعد توبتهم (زكى الصعلوك وحسين الحشاش وعلى البلطجى وكريم القواد) ، الا أن الفتوَّات ظفروا به بمساعدة ياسمين وقتلوه ثم دفنوه ويستخرج أصدقاؤه جثته من المكان الذى دفنها فيه الفتوات ليدفنوها فى إحدى المقابر ثم يقتلون ياسمين لخيانتها إلا أن أهل الحارة سري بينهم أن الجبلاوي رفع جثَّة رفاعة ودفنها في حديقته ، ثم بالَغُوا في تقديس والديه ومنهم من امتنع عن الزواج اتباعا لسيرته.

القصة الرابعة قاسم: نأتي لقاسم الطفل يتيم الأبوين الذي تربي في كنف عمِّه زكريا بائع البطاطا من حي الجرابيع والذي يذهب به إلى يحيى العجوز بائع الأحجبة والبخور والمسابح وتتوطد العلاقة بينهما ، ومع عمل قاسم في رعي الغنم حُبِّب إليه الخلاء والهواء النقي وحب النساء ثم يحدث الزواج بين قاسم والسيدة (قمر) التي يرعي غنمها والتي تكبره بسنوات وفي أحدی الليالي ينتاب القلق قمر علي زوجها فترسل في طلب عمه زكريا وابن عمه حسن وصديقه صادق للبحث عنه فيجدوه مغشيا عليه ولما أفاق أخبر قمر أن أحد خدم الجبلاوي ويدعي قنديل قد أخبره بأمر الجبلاوي له بالتصدی لظلم الفتوات وبعد قمر يخبر صديقه صادق وابن عمه حسن ، وعمه زكريا يحاول إثنائه خشية بطش الفتوات ومع اضطهاد أتباع قاسم وموت قمر يقرر قاسم الهجرة بعيدا عن الحارة وتصله الأخبار بأنهم يتآمرون لقتله فيهرب عبر الأسطح المجاورة تاركا مصباحه مشتعلا في شقته لتضليل المتآمرين ويقابله أتباعه المهاجرين ممن سبقوه فى جبل المقطم بالغناء ونشيد (يا محنى ديل العصفورة) ثم يتزوج ببدرية الفتاة الصغيرة أخت صديقه صادق وبعد أن نمت قوة أتباع قاسم فيهجمون على زفة سوارس فتوة الحارة وتدور معركة بالشوم والنبابيت تنتهى بانتصار قاسم وأصحابه فيقرر الفتوات الثأر فيزحفوا على الجبل حيث قاسم وأتباعه ويفاجئهم لهيطة الفتوة الكبير من الجنوب وتدور معركة عنيفة يقتل فيها لهيطة .ثم يحاول رفعت ناظر الوقف أن يستأصل شأفة قاسم وأتباعه عبر استدعاء جلطة وحجاج الفتوتين لإحكام القبضة علي قاسم وأتباعه في الجبل وليطمئن أن لا خلاف بينهما فيمن يصبح كبيرا للفتوات خلفا للهيطة ؟.لكن يقتل حجاج غيلة ويدب الشقاق بين جلطة وأنصار حجاج المغدور ويحاول ناظر الوقف الحيلولة دون اندلاع القتال بين المعسكرين موضحا أنها مكيدة من قاسم لبث الفرقة  ولكن نصح الناظر يذهب ادراج الرياح ويتقدم قاسم ورجاله إلي بيت الناظر والذي فر من توه ويقف قاسم أمام البيت الكبير خطيبا قائلا: (هنا يقيم الجبلاوي جدنا جميعا لا تمييز في الإنتساب إليه بين حي وحي أو فرد وفرد) ثم وزع ريع الوقف على الجميع بالقسطاس فرأى فيه الجرابيع نموذجا فريدا لم يعرفوه من قبل ثم تعددت زيجاته ليربط نفسه بأهل الحارة جميعًا ثم مات قاسم فخلفه (صادق)على النظارة متبعا سيرته، ثم دب الخلاف بين القوم حينما رأوا أن (حسنًا) أحق بالنظارة لقرابته من قاسم، ليعود الجرابيع بعد موت صادق للتناحر وتمنَّى الناس لو عادت أيام قاسم وصادق مرَّة أخرى. القصة الخامسة: حيث عرفة الغريب والذي يتخذ من بدروم في الحارة معملاً فكان هو وأخيه حنش يعملان على ضوء مصباح غازي مثبت في الجدار لصناعة الأعاجيب، حيث يخلط المواد بعضها ببعض مستخرجا موادا جديدة ، كان عرفة لا يصدق حكايات أهل الحارة عن الجبلاوي وجبل ورفاعة وقاسم ويقول عرفة (وما أنا فتوة ، ولا برجل من رجال الجبلاوي ولكني أملك الأعاجيب في هذه الحجرة ، ومنها قوة لم يحز عشرها جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين) ويدير محفوظ على لسان عرفة وزوجته عواطف حوارا هاما للغاية: (فقالت عن جبل ورفاعة وقاسم: أولئك كلفوا بالعمل من قبل جدنا الواقف ، فقال عرفة بضجر جدنا الواقف ؟ كل مغلوب على أمره يصيح كما صاح أبوك " يا جبلاوي " ولكن هل سمعت عن أحفاد مثلنا لا يرون جدهم ، وهم يعيشون حول بيته المغلق ؟ وهل سمعت عن واقف يعبث العابثون بوقفه على هذا النحو وهو لا يحرك ساكنا؟ فقالت: إنه الكبر ، فقال لم أسمع عن معمر عاش طول هذا العمر فقالت: ربك قادر على كل شيء فغمغم قائلا: كذلك السحر قادر على كل شيء) فدفعه فضول العلم لاستجلاء حقيقة كتاب جده الجبلاوي وسر قوته المتضمن شروط الوقف والذي طرد ادهم بسببه فتسلل إلی البيت الكبير فحفر حفرة بمساعدة أخيه دخل منها ليري أمامه خادم الجبلاوي الأسود العجوز فخنقه خشية افتضاح أمره ثم فر مسرعًا، وإذا به يسمع أن الجبلاوي لم يحتمل خبر قتل خادمه فمات كمدا عليه، فيشعر عرفة بالذنب تجاه وفاة الجبلاوي ويعزم علي اعادة الحياة له بسحره وأن يحل محله قائلا: (إنه يجب على الابن الطيّب أن يفعل كلّ شيء، أن يحلّ محلّه، أن يكُوْنه.) فيقتل فتوة الحارة ويفجر عددا من الفتوات الاخرين عبر متفجرات من زجاج سحري ثم تأتي خادمة الجبلاوي تنفيذا لوصية الجبلاوي ، لتخبره أن جده الجبلاوي قد مات وهو راض عنه! ثم تتوالی الأحداث ويدفن عرفة وزوجته عواطف أحياء بأمر الناظر قدري الذي حاول الاستحواذ علی سحر عرفة لبسط سلطاته وظلمه ولكن عرفة قد أستطاع أن ينقذ قبيل موته الكراسة التي سجل فيها خلاصة عمله،وبحث عنها حنش في القمامة حتي اهتدی لها وأصبح عرفة حديث الناس ورأوا أن ملاذهم الوحيد هو سحر عرفة وواجه الناس شعراء المقاهي الذين يتغنون بقصة الجبلاوي "لا شأن لنا بالماضي ولا أمل لنا إلا في سحر عرفة ولو خيرنا بين الجبلاوي والسحر لاخترنا السحر"؛ ثم رفع أهل الحارة أسم عرفة فوق جبل ورفاعه وقاسم ولم يعد يعنيهم إن كان قاتلا للجبلاوي أم لا؟ .

الجدل حول الجبلاوي:

لا مفر أمام القاريء لهذه الرواية من الإعتراف أن الشخصية الرئيسية فيها هي الجبلاوي ثم يليه عرفة ...ويحاول الكثير من المتيمين بأدب محفوظ تخطي مسألة تجسيده للذات الالهية في شخص الجبلاوي خاصة وأن محفوظ قد صب عليه جام غضبه علي ألسنة أبطال الرواية بعبارات متدنية واعتباره رمزا للدين وكأن هناك اختلاف بين الله والدين!!

لقد أضاف محفوظ للجبلاوي أوصاف لا تكون إلا لله تعالى فيذكر أنه عاش فيها (يقصد الحارة) وحده وهي خلاء خراب وهو ما يتطابق مع ما جاء في العهد القديم في سفر التكوين: (في البدء خلق الله السماوات والأرض ، وكانت الأرض خربة وخالية) ويصفه في موضع آخر: (وهو يبدو بطوله وعرضه خلقا فوق الآدميين ، كأنما من كوكب هبط) . ويقول أيضا على لسان جبل: (ولكنه بدا لي شخصا ليس كمثله أحد في حارتنا ولا في الناس جميعا) وهو ما يتطابق مع القران الكريم في قوله تعالي: " ليس كمثله شيء " اضافة إلی أن الجبلاوي بقي للأجيال المتعاقبة ، معتزلا ومختفيا لا يراه أحد ولا يتصل بأحد إلا عبر وسطاء وخدم ، ولا يعلم الناس عنه شيئا إلا من خلال ما يروى وهو ما يتفق مع قوله تعالي:" وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم "

كما يلحق محفوظ بالجبلاوي أوصاف لا تليق بالذات الالهية فهو لا يكترث بوصاياه المهملة ولا بسلب أمواله وأموال أحفاده فيقول علي لسان عم شكرون: (يا جبلاوي يا جبلاوي حتى متى تلازم الصمت والاختفاء. وصاياك مهملة واموالك مضيعة .انت في الواقع تُسرق كما يسرق احفادك يا جبلاوي.يا جبلاوي الا تسمعني؟الا تدري بما حل بنا؟لماذا عاقبت ادريس وكان خيرا الف مرة من فتوات حارتنا؟يا جبلاوي؟).

وهو الاب القاسي المذل لابنائه علي لسان ادريس: (ما أهون الأبوة عليك، خلقت فتوة جبارا فلم تعرف إلا أن تكون جبارًا، ونحن أبناؤك تعاملنا كما تعامل ضحاياك العديدين)..ويقول ادريس (ملعون البيت الذي لا يطمئنّ فيه إلا الجبناء، الذين يغمسون اللقمة في ذلّ الخنوع، ويعبدون مُذلّهم..). وعن غياب التسامح لدي الجبلاوي يقول بالرواية: (لماذا كان غضبك كالنار تحرق بلا رحمة؟ لماذا كانت كبرياؤك أحبّ إليك من لحمك ودمك؟وكيف تنعم بالحياة الرغيدة وأنت تعلم أننا نداس بالأقدام كالحشرات؟ والعفو واللين والتسامح ما شأنها في بيتك الكبير أيها الجبار!).

تفسير نهاية الرواية في ضوء فكرة موت الإله عند نيتشه:

و يشير هذا المصطلح الي التكفير عن الخطايا عبر موت المسيح وصلبه إلا أن نيتشه طرح فكرة موت الاله في إتجاه مغاير عبر كتابه (العلم المَرِح) الذي نُشِر عام 1882، حيث قال: (لقد مات الإله. ونحن الذين قتلناه). فموت الإله المسيحي، هو موت للإله الأخلاقي وأنه لا توجد قوة ميتافيزيقية (غيبية) تتحكم في الإنسان ، فالإنسان هو المسؤول عن أفعاله وهو القادر علي تشكيل عالمه ومن هنا طرح فكرة الرجل الخارق أو السوبرمان ليكون بديلا للإله الميت، هذا «الرجل الخارق» سيأتي لإنقاذ العالم وسيصوغ أهدافا ثابتة ومعاني قيمية واخلاقية حياتية نابعة من عالمه الذي يعيش فيه وسيكون أكثر وعيا بمعاناة الوجود، ومستعدًا للتضحية بنفسه من أجل تقدم الإنسانية.

ربما نجد في هذه الفكرة تفسيرا للنهاية التي أختارها محفوظ ففكرة الرجل السوبرمان تتجلی في عرفة الذي يمتلك قوة السحر(العلم) والتي لا يمتلك عشرها جبل ورفاعة وقاسم ممثلي الديانات الثلاث مجتمعين مما يجعل أهل الحارة يرفعون اسمه فوق جبل ورفاعة وقاسم كما تضع الرواية قدرة السحر (العلم) في مواجهة قدرة الله فكليهما قادر علي كل شيء وذلك بكل وضوح علي لسان عرفة ثم تنتصر لقوة العلم في قول عرفة (أن أثر السحر لا يزول) ثم نري انقشاع سحب المواجهة بين العلم والدين بموت الجبلاوي (الدين او الاله) بتأثير عرفة (العلم) ثم عزم عرفة علي اعادة الجبلاوي للحياة مرة أخري عبر (أن يحل محله) وهو ما تحقق عبر قتله للفتوات بسلاحه السحري وهنا ينجح العلم في فترة وجيزة في تحقيق ما عجز عنه الدين وصم أذنيه عنه عبر عقود ثم تضحية السوبر مان بنفسه بعد أرسی القواعد الثابتة في كراسته والتي يجدها حنش لينير الطريق للآخرين الذين وجدوا في سحر عرفة الملاذ .وموت عرفة ليس موتا للعلم فالعلم سلاح مستمر بينما موت الجبلاوي هو انقضاء لعصر الدين كحل للصراعات الإنسانية.

انها مفردات محفوظ وعوالمه الخاصة وتصوراته بعيدا عن فكرة الايمان والكفر فأذا أردت سبر أغوار الرواية فأنت تتحسس صراعا نفسيا داخل الرجل لم يحسمه في صفحاته التي تعدت الخمسمائه صفحة بشأن أفكار ثلاث الله والانسان والعلم والمكان هو الحارة الكون بالنسبة لمحفوظ فهو يناقش فكرة الله من منظور ظلما الهيا يراه بحق الضعفاء المتروكين فريسة لفتوات الحارة وأن العدل الالهي لا يظهر إلا عبر مصلحين لا تستمر رسالتهم طويلا (فآفة الحارة النسيان) وينتكس المجتمع مرة أخری ومع كونهم مصلحين فهم يتعاطون الحشيش الأفيون والخمر ثم يناقش فكرة الأنسان وتنوعه بين الخير والشر وذلك عبر السجال الممتد بين الفتوات والمصلحين وأهل الحارة الضعفاء المفعول بهم دوما ثم في النهاية يري أن العلم هو البديل للدين فهو طريق مستمر غير متقطع وبالتالي هو القادر علي ترسيخ ديمومة العدل ومحاربة الظلم دون حدوث انتكاسات بينيه.

ما فات محفوظ:

والحقيقة أن المسألة محسومة فالشر هو وجود أنطولوجي فكيف للانسان أن يتذوق الخير أن لم يعرف مقابله وهو الشر وكيف نستطيع تقرير حقيقة أن الانسان مخيرا دون أن يكون موضوعا بين أضاد أما العلاقة بين الدين والعلم فلا تصارع فيها فالانسان في ممارسته للدين والعلم وفي محاولته اكتشاف المجهول انما يلبي حاجة فطرية ملحة ويدعم الوشائج التي تربطه بخالق هذا الكون .

 

د. محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري

 

جمعة عبد اللهتعتبر هذه الرواية نقلة نوعية في تطوير لغة السرد الروائي، بتقنياتها المتعددة الاساليب في الحبكة الفنية الحديثة. وحتى التطوير في منصات الضمير المتكلم، الذي يجمع صوت السارد والمسرود وصوت الكاتب. اي هناك تداخل بين صوت بطل الرواية او الشخصية المحورية، وصوت الكاتب او (السارد العليم) والمنولوج الداخلي في حواس المشاعر الداخلية. هذا التنوع بالصياغة التعبيرية وأدواتها السردية. وظفت في براعة متناهية اسلوب التداعي الحر. الذي يسلط الضوء الكاشف على العالم الداخلي في الشخصية. هواجسه في التوجس في القلق الحياتي الذي يلفها بالخوف والرعب، أو كشف كابوس الحالة النفسية والسايكولوجيةلهواجس الذات. في تدفق الاحداث الجارية وفي صراع الذات، ان الرواية استخدمت، حركة استرجاع الماضي في خزين شريط الذاكرة (فلاش باك) والنافذ التي يطل من خلالها على الواقع ومنصات تداعياته الجارية، اوفي العالم المحيط به، يراقب ويرصد ويلاحظ تحولات الواقع والشارع. في مؤثراته، في صياغة الوضع العام القائم للواقع. اي اننا بصدد الزخم في اعطى الوصف والتصوير العالم الداخلي والخارجي، بهذا الكم الهائل من الاحداث الجارية والمتلاحقة، في اسلوب توظيف التداعي الحر الذي يكشف بانوراما الحياة والواقع، فأن الفضاء الروائي اعتمد على ركيزتين. بناء الديكور الداخلي للشخصية المحورية او بطل الرواية (يوسف النجار)، في كشف العوالم الداخلية، من خلال الاستبطان والاستنطاق والاستقراء والتحري الداخلي. اوبالاختصار بما في جعبته الداخلية. اما الديكور الخارجي هو العالم المحيط بالشخصية وبالواقع في مجرياته وتداعياته. لذلك نجد التمازج والانسجام بين صوت الشخصية المحورية، وصوت السارد. وصوت الكاتب نفسه، الذي وضع بصماته بشكل واضح في المتن الروائي. ونجد تحولات في الازمنة المتعددة في التنقل، بين الماضي والحاضر، او بشكل ادق ما قبل وبعد عام 2003. لذلك الاحداث تلاحق الشخصية المحورية (يوسف النجار) حتى في منولوجه الذي يغطي حالته النفسية والسايكولوجية. من خلال تسليط الضوء الكاشف على طبيعة النظام الشمولي، الذي يتميز بالعسف والاضطهاد والانتهاك. سواء قديما وحديثاً، والمرحلة ما بعد عام 2003. التي تتميز في سمة الفوضى العارمة أو الخلاقة الى الاسوأ، العابثة بالحياة، والتي تدفع او تصرع الانسان الى مراتع الخوف والقلق من المجهول القادم. تجعل الانسان يعيش شرنقة كابوس المغلق بالقلق والخوف والتوجس والشكوك. هذه افرازات النظام الشمولي بتعدد صياغته واسالبيه وسلوكه وممارساته. لكن تبقى السمة البارزة في هذه النظم الشمولية. هو الانتهاك والخوف والتوجس، وعدم الثقة في فزاعة الشكوك والظنون التي تولد الريبة، عالم قائم على الخوف والفزع. هذه دلالات النص الروائي في رواية (الذئاب على الابواب) يعني الذئاب التي تترصد الابواب، تتحكم في مصير الانسان وتترقبه عند الابواب لتقوده الى المجهول. ان الرؤية التعبيرية في المتن السردي. تدلل على محنة الانسان ومعاناته، هذا الترميز الدال. وفق هذا المنطق، فأن شخصية (يوسف النجار) هي شخصية كل مواطن عراقي ويمكن القول بأن ضمير المتكلم يمزج بين (انا ونحن) تحت قبضة النظام الشمولي. فأن الشخصية المحورية او بطل الرواية، يحمل مظاهر عامة، كما هي مظاهر ذاتية وخاصية، رغم ان الرواية تدور عن المحنة الحياتية لسيرة حياة (يوسف النجار) لكنها محنة حياتية عامة. من حيث الكابوس الحياتي العام، من حيث الاستلاب والانتهاك. من حيث زرع الخوف، من حيث وضع الانسان تحت مجهر المراقبة والترصد والملاحقة. من حيث الخوف من المجهول، يعني ان المحنة ذاتية عامة، المتعددة الجوانب. بأن تكون الحياة رخيصة. وتعمق الحياة الى الازمة الوجودية وخاصة، وخاصة بعد عام 2003. حيث كثرت الذئاب على الابواب، تعمقت المعاناة اكثر من السابق، دلفت الحياة الى شرنقة شريعة الغابة. ولكن لابد ان نسجل النقلة النوعية، او التحول النوعي في حياة بطل الرواية (يوسف النجار) هو استعداده الشجاع في تمزيق الكابوس، في مواجهة الذئاب على الابوب بالعزيمة الشجاعة وبالتحدي، ونزل من شقته، وهو في كامل الاستعد للمواجهة (تيقن من وضع سلاحه تحت طيات ثيابه، قام بفحص السلاح الناري قبل الهبوط نحو الاسفل تأكد من وجود الاطلاقات داخل السبطانة، أعاد مسدسه الى وضعه، ورتب هندامه، أغلق الباب وراءه وهبط لملاقاة الرجلين، أستجابة لتحديهما العنيد) ص327.

أحداث المتن الروائي

الشخصية المحورية (يوسف النجار) يعيش حياة صعبة وشاقة، بعدما نسف الارهابين بيته وقتلوا زوجته وابنته الوحيدة. فقد ظل منعزلاً يعاني سأم والحزن الحياتي بعد فقدان عائلته، ويعيش حالات الخوف والكابوس، بأنهم ارسلوا رسائل تهديدية، بأنه سيكون الضحية القادمة، او القتيل المنتظر. ويحاول صديقه ان يواسيه ويشد من عزمه (- لقد كشفوا عن انفسهم بالاعتداء على بيتك

- ولكن لا أظن أن لي أعداء يكرهونني الى درجة الانتقام من أسرتي؟

- عليك بالصبر وألا تبدو أمامهم ضعيفاً خائر القوى، انهم ينتظرون تلك اللحظة التي تتهالك فيها الى الارض، كي يملأ الحبور صدورهم الخاوية. حذار. حذار من لحظة الانهيار تلك) ص13. هذه الديموقراطية الهوجاء والعرجاء التي بشر بها المحتل الامريكي في العراق. حين جعلوا المواطن يبحث عن ملجأ من الرعب الحياتي، والعبث في الحياة، والخوف من القادم بالمعاناة والانتقام، وتصفية الحساب بالقتل والاختطاف. اصبح الواقع يعيش الارهاب والاجرام، في دولة الفوضى. كأن الحياة تعود الى الماضي البغيض، بعد فشل انتفاضة الشعب عام 1991.، حيث اصبح الكل مطارد وملاحق بالسجن والتعذيب والاعدام. هكذا يطل من شريط خزين الذاكرة (فلاش باك) وهو يتطلع من خلال النافذة. تلك الحياة آنذاك، حياة البؤس والمعاناة، معاناة الحروب والارهاب والانتهاك والاهمال، فبعد تخرجه من الجامعة سيق الى الجيش كضابط احتياط. وارسل الى جبهة منسية من الله والانسان. لا احد يسأل ولا احد يزورهم. كأنهم في سجن اختياري، او في منفى في ارض منسية. ولكن بعد انتهاء فترة التجنيد، كون حياته، رغم انه كانت لديه مغامرات جنسية مع الفتيات من خلال استوديو التصوير.. ولكن بعد الاحتلال تدهورت الحياة الى الاسوأ، في تردي الى الفوضى. والحكومة والمسؤولين ليس عندهم حاسة الاصغاء، لا يحركوا ساكناً، كأنهم ليس لهم علاقة في حماية الناس، وليس لهم علاقة بالفوضى الجارية، من القتل والاختطاف أمام الموت المجاني، امام القتل على الهوية، أمام السطو المسلح، امام الرعب في الشارع. كل هذا والحكومة غافلة عما يحدث سوى انهم انفتحت شهيتهم على نهب المال العام، استولوا على المال ودمروا البلاد (- لا يمكن لهذا ان يحصل أمام انظار المسئولين في الدولة، ولا يردعهم الموت المجاني، الذي أكل الاخضر وألتهم اليابس) ص30. بأن الامور انفلتت عن السيطرة. الفقراء يموتون جوعاً ’ بينما الاغنياء واللصوص يعيشون في ثراء فاحش بالتخمة. اصبحت الحياة تليق بالحيوانات السائبة، وليس ان تليق بالبشر. و(يوسف النجار) يأكله القلق والخوف، من رسائل التهديد التي يرسلونها بالاقتناص من حياته بالقتل (لن يطول اختفاؤك عنا، ايها الواشي الرخيص) ص187. (لن تفلت من ايدينا، نحن اقرب اليك من حبل الوريد، أيها الماجن) ص209. ويتعرف على زميلته في الكلية (عبير) بعد حوالي ثلاثين عاما. فكان في البداية يتوجس منها، بالظنون والشكوك بأنها مرسلة منهم لتجسس عليه، او مدسوسة منهم، لكن بعد ذلك تبددت الشكوك حين عرف معاناتها الحياتية والعائلية، واقترب اليها في علاقته، ليبدد الوحشة والانطوى. في واقع لا يحمل الثقة والاطمئنان من الاخرين. في واقع تعيس في ظل الحاكم المدني (بول بريمر) والذين من جاءوا بعده في الحكم. فقد فككوا المؤسسات الدولة وباعوها في المزاد العلني. واهملوا المواطن بالحرمان، ان يصارع من اجل البقاء في كفاحه اليومي، في هوس الحياة العابثة. كأن الانسان يعيش وسط ذئاب كاسرة لا ترحم، في هوس الشعارات المزيفة بأسم الدين والمذهب والشريعة. ويقودون الفقراء الى الجحيم، بأسم الفضيلة والايمان والتدين. تزهق الارواح البريئة في الاحتراب الطائفي، وتنزف الدماء. بأسم الدين يشرع السحت الحرام والفرهدة والقتل على الهوية والاسم. لذلك يحير الانسان في وصف هؤلاء الشراذم التي تعصف في البلاد بهذا العبث الكبير، من اي صنف سياسي ينتمون (لذلك يحير الانسان في تسمية أهل هم سياسيون. أم عصابات، أم مليشيات خارجة عن القانون. تعاديك لاسباب غامضة، لانك لا تستطيع الوصول أليهم، لتفهم منهم اسباب العداء) ص156.. ولكن يعرف الانسان أنه مطارد ومطلوب رأسه كحالة (يوسف النجار) الذي يرى الحياة عبارة عن كابوس، لذلك يشعر بالقلق من حياته وهو مطلوب منهم. ولا يعرف من هم، واي صنف وجماعات هم، هل هم حقيقة بشر أم وهميين. في هذه الغابة، التي تعج بالذئاب بمختلف الاصناف والاشكال. هذه الحياة المزرية بالتدهور الى قاع الانحدار، اينما تذهب تشم رائحة الموت بالقتل اليومي العشوائي (وطالت التفجيرات، أماكن لم يتوقعها يوسف أو سواه. فجروا المقاهي ودور السكن والاسواق، وبدأت مسيرة القتل على الهوية، وفرز الطائفة والدين والمذهب من خلال تحليل الاسم واسم الاب والجد) ص233.. والكل يتساءل الى اين المطاف في هذه المحنة الحياتية وما هي النهاية ؟. الى متى تظل الناس تعيش الرعب الحياتي في واقعها اليوم؟ والنخبة السياسية الحاكمة، يبعون الوطن الى دول الجوار. انه زمن اللصوص التي تنهب كل شيء من خيرات واموال البلاد. ولكن حين يتكلم المواطن عن معاناته ويرفع صوته، يأتيه كاتم الصوت ليخرسه الى الابد، في سبيل تكميم الافواه بالارهاب الدموي، ومحروم عليهم النطق بعذاباتهم ومحنتهم. انهم يرريدون الانسان مسلوب الارادة، كالخرفان التي تقاد الى مسلخ الذبح. بهذا الاختناق يشعر (يوسف النجار) هكذا قتلوا واغتالوا المثقفين والمفكرين البلاد الوطنيين، الذين رفضوا الواقع المأزوم، هكذا كان مقتل (هادي الهادي، واغتيال كامل شياع واخرين غيرهما لم اتذكر، منْ يصدق أن المدينة أستجابت الى خرائب وفضلات تهيم فيها الحشرات والدواب ويختفي فيها اللصوص وقطاع الطرق في الليل) ص272. انه زمن اللصوص والقتلة، ان تصبح الحياة لعبة الحظ والقدر. هؤلاء الذين يحكمون الوطن جاءوا من اجل كعكة الوطن وتقاسم الفرهود. لا يعنيهم من الوطن شيئاً. واصبح الانسان سلعة زهيدة، ازاء هذا الاختناق مزق (يوسف النجار) الكابوس القلق والخوف، واستعد للمنازلة في مجابهة الذئاب على الابواب.

 

× الكتاب: رواية الذئاب على الابواب

× المؤلف: أحمد خلف

× الطبعة الاولى: عام 2018

× الناشر؛ دار النخبة 6 شارع رجاء الرسول من شارع وادي النيل / القاهرة

× عدد الصفحات: 328 صفحة

جمعة عبدالله

 

 

1193 لبنى شرارة"في وسط هذا السيل الجارف من الشاعرات العربيات من خلال ديوانها" حديث الفصول الاربعة .

كلنا نكره ونحب، ليس هذا فقط بل كلنا نرتكب المعاصي ونؤجج الحروب،وهل الشعراء لهم نصيب بهذه الأخطاء؟ فالجواب نعم فهناك الكثير منهم كتب قصائد لا تزال عالقة في ذهنية العربي منذ أيام الجاهلية  ولا تزال اشعار العرب المتعلقة بالحرب، وغيرها من الملاحم الا خير دليل على اهتمام الشعوب بهذه الظاهرة التي تميز التحولات العظيمة للاحداث،وقد تكررت الألفاظ الدالة على الاعتراف بالذنوب، وعلينا إن نتطّهر بالمعرفة والحكمة لما احتواه الكون من أسرار وجمال

"ذاك القمرُ، ملامحُه مبهمة، رغم صفاء الجو " ص87

والاعتذار والاعراض عن الذنب والندم على ما فعلناه مع العزم على عدم العودة اليه . ديوان " حديث الفصول الاربعة " هو صرخة إنسانية في جمهورية الشاعرة اللبنانية " لبنى شرارة " من خلال المشهد الطبيعي المتمثل في فصول السنة،وهي الربيع، الصيف، الخريف، والشتاء .

" كم مرة  غسلك ِ المطر ُ، ولم تطهري من الشر، أيتها الأرض " ص59

والمعروف عن الشعر له الكثير من الفضائل ولا داعي لسردها في هذه المقالة ، بل نقل نعم " كان الشعر ديوان فضائل العرب " فالشاعرة  شرارة  تطلق صرختها الإنسانية وهي بمنزلة الحاكم في واقعنا المعاش هذه الأيام،وهي محتجة على الكثير من القضايا التي تلامسها في حياتها .كل هذا في ديوانها الجديد المعنون "حديث الفصول الاربعة" وكم تمنيت إن تحذف كلمة " الاربعة، لأن القارئ يعرف هذه الفصول وبالتالي لا داعي لذكرها، والكتاب صادر من دار ليندا للنشر والطباعة والتوزيع – سوريا – السويداء، ويقع الكتاب في ص100 من القطع المتوسط  .

أليس الشاعر أو لنقل الشعر هو التعبير عن مشاعر الناس والتجسيد لأفكارهم، وهو الشاعر الذي سيجل مآثر الناس،ويبدو ومن خلال قصائدها  إنها تمعنت كثيرا بشعراء العصور الذين سبقوها حيث نجد قصيدتها فيها ألم كبير لما يحدث الآن في مجتمعاتنا، فظلت تلك الشاعرة العصامية وهي تؤسس لحقيقة موضوعية مستغلة تفاصيل الحياة اليومية لتنسج منها قصائدها والتي نحن بصدد طرحها الى القارئ، من حيث الالفاظ والصور والمعاني والأخيلة يقول إبن سلام "وكان الشعر في الجاهلية عند العرب ديوان عملهم ومنتهى حكمهم،به يأخذون واليه يصيرون" واليوم يبقى الشعر النافذة الفعالة للتعبير عن همومنا الجمة .

" تحت المطر،أسير بلا مظلة، أخبئ دموعي المنهمرة ص32

وعلى الشاعرة التي إتخذت من بعض مفرداتها المتكررة في هذا الديوان " حديث الفصول الأربعة " مثل الثلج ، البحر، الشمس، الأرض، الصباح،  المطر، وغيرها لتؤكد ارتباطها بهذه الفصول وكذلك تنسج هذه التأملات في عمق الطبيعة والإنسان، وراحة الجسد المنهك من متاعب الحياة، كان عليها كذلك الغوص في حقول الانكسار اليومي، الذي نحن نلامسه في كل يوم من جراء هذه الفصول الأربعة التي أرادت منها مشعلا تتوهج من خلاله حتى تصب فيه مفرادتها اليومية بوصفه وميضا ً من النبض الإنساني، مشترك بين الناس جميعا، ولهذا شاعرتنا " شرارة " ظلت ملتزمة بالسهولة والسلاسة في بناء الجملة الشعرية، وكانت جميع مفرداتها الشعرية بهذه القصائد التي اطلق عليها شعر الهايكو خالية من التعقيد، وحاولت توظيف استعارات كثيرة من لغة القران الكريم  وقد نجحت في نسجها بما يتساوق مع فكرتها، وهي محاولة منها بتنأئ عن الغريب والنادر .

" التين ُ والزيتون، غذاء  ودواء، واية في الكتاب المبين " ص 73

والذي يعرف شعر " الهايكو " كما يقول الشاعر " المصيفي الركابي " في مقدمة الديوان فهو جنس أدبي ياباني المنشأ انتقل الى الثقافة الانكليزية والأمريكية ثم إلى الثقافة العربية عن طريق الترجمات، ولبناء قصيدة الهايكو عناصر أساسية ومن هذه العناصر، المشهد الطبيعي المتمثل في فصول السنة، وهي الربيع الصيف الخريف والشتاء، ويبدو أن الشاعرة ومن خلال ديوانها أخذت على عاتقها فلسفة ومفاهيم هذا الشعر وتبنته حتى ظهر إلى النور ديوانها الجديد المعنون " حديث الفصول الاربعة " وهي منطلقة عبر قراءة واعية " ان الشعر في جوهره نقد للحياة " ودائما في كتباتنا نؤكد على هذه الفلسفة العميقة والمؤثرة، لأن الشاعرة اللبنانية تصدح بمفرداتها عبر فك طلاسم وخفايا هذه الحياة والتعبير عنها بجمل شعرية مكثفة ومعبرة وهي سمات لقصيدة الهايكو وهي تحاول الغوص في اعماقها وتمييز عناصرها المختلفة التي تكوّن نسيجها العام .

"منذ سنين، تردد نفس الأغنية، بلا ملل ايها البلبل " ص100

ونحن بدورنا نرصد كل تجربة شعرية في مهجرنا الإغترابي، حتى نؤكد للقارئ العربي هي بمثابة بناء جديد للعمل النقدي، بالرغم من أن بعض التجارب الشعرية تحتاج من الشاعر ان لا يستسهل الشعر من حيث المنهج الشعري والأدوات والمفاهيم والتصورات، ونحن امام صور شعرية خاضعة لتوجيه العمل الفني والدقة في اختيار المفردة المدروسة والمسترسلة مع الإيقاع الموسيقي الشعري، ويبدو أن شاعرتنا " شرارة " متأثرة بفلسفة " سقراط " من خلال الجمع لحكمة وهدفها النهائي " ومن المعلوم ان النفس البشرية يعز عليها ان تتعرى وان تفضح نقائصها ولو امام نفسها، فمتى نرسم ونعزز ماذا نريد من الشعر أو اي منجز أدبي، " ألم تمل النوارس، عشقك الأزلي، أيها البحر " ص78

ولهذا ظلت الشاعرة باحثة في ايامنا عن عناوين واقعية يعرفها القاصي والداني ولكنها حولتّها بطريقة أو أخرى إلى رموز مغروزة بالفصول الأربعة ومنها " الصقيع، المزرعة، الفضاء، الأرض " وغيرها لتؤكد لنا انها في أحضان الطبيعة تلاقحت أفكاري ورؤاي مع ما احتواه الكون من حكم وأسرار وجمال ملون بالوان الفصول الأربعة .

" لأنك رمز ُ السلام، تأتي بلا ضجيج، أيها الثلج " ص16

 

قاسم ماضي – ديترويت

 

محمد عرفات حجازيتدور أحداث الفيلم حول الشيخ قمر الدين (محمد عبد القدوس) الذي يعمل عطارًا وقرأ كثيرًا في كتب السحر القديمة والمخطوطات وكتب الكيمياء وأقام معملًا في منزله لتحويل التراب إلى ذهب ما أثار استياء زوجته وابنه الصغير فصيح (أحمد فرحات)، واستطاع العطار استقطاب ابنه الأكبر عصفور (عبد المنعم إبراهيم) للعمل معه بمعمله في محاولة لإسعاد البشرية، بعد أن تمّ طرده من عمله في مهنة الصحافة.

المحطّة الأولى للفيلم تتجلّى من خلال تنمّر أمين بائع الذهب (توفيق الدقن) على عصفور واستغلال طيبته وإذلاله أمام أهل الحي الشعبي حيث يقيمون؛ كون الأخير مرتبطًا عاطفيًّا بآمال (زهرة العلا) زميلته في الصحافة وابنة خالة أمين.. تتوالى أحداث الفيلم لتُسافر آمال في مُهمّة صحفيّة إلى لبنان تتعرّض خلالها الطائرة لعاصفة ولم تصل خلال موعدها لينتشر خبر موت آمال ما أدى بعصفور إلى الرغبة في الانتحار، وخلال مُحاولاته البائسة يعبث أخاه الأصغر فصيح بمحتويات المعمل ما أدّى لحدوث عدة انفجارات مُتتالية نتج عنها خروج عفريت احترق نتيجة حالة إغماء أصابت فصيح من هول الموقف وتحوّل إلى رماد يُخفي أيّ شيء يُلامسه، ويكتشف عصفور سرّ الطاقية بعد أن أفسدت الانفجارات المُتتالية مُحاولة انتحاره..

هنا، يضعنا صُنّاع الفيلم أمام السؤال الخطير: هل امتلاك الإنسان الضعيف المُسالم لقوة خارقة (مثل طاقية الإخفاء) ستحوّله لوحش خارق يسرق وينهب ويقتل، أم أنّه سيستخدمها لإحقاق الحقّ وإنصاف المظلومين؟ لم يُخيّب عصفور أملنا، فقد تمكّن من مُقابلة مستر نوجات (جورج بورانيدس) ملك الشكولاتة وأجرى معه سبقًا صحفيًّا رفع من قُدرة الجريدة التي كان يعمل بها، كما أرشد الشرطة عن عصابة لتزييف النقود، وفضح خطط زعماء السوق السوداء، وأرشد عن سارقي آثار منطقة تلّ العمارنة، ليتمّ تعينه كرئيس لتحرير الجريدة وتتبدّل حياته وينتشي المجد بعد خطبته آمال.

أمّا أمين فقد تمكّن بعد غيظ شديد ـ بسبب المكانة التي وصلها عصفور وخطبته لآمال ـ من معرفة سرّ تلك النجاحات، ليُقرّر مع عشيقته لولا الراقصة (برلنتي عبد الحميد) سرقة الطاقية، والفتنة بين عصفور وآمال لإفشال الخطبة بعد تصويره عاريًا في أحضان لولا الراقصة لتبدأ بذلك المحطّة الثانية للفيلم والمرتبطة بالسؤال السابق..

يزداد تنمّر أمين على أهل منطقته بعد استحواذه على الطاقية، ويبدأ في تحقيق أحلامه غير الأخلاقية المنشودة، كسرقة محال المجوهرات لترتفع بذلك أسهم أمين لدى آمال التي وافقت على خطبتها منه بعد انفصالها عن عصفور، ولدى عشيقته لولا الراقصة وشريكته في مسعاه الجديد، وفي المُقابل تنحدر إسهامات عصفور الصحفية ويتراخى عن عمله بعد فقدان الطاقية ويتمّ رفده من عمله ليُخبره بعدها فصيح بتفاصيل واقعة السرقة ويذهب عصفور للراقصة لاسترداد حقّه المسروق بعد أن هدّدت أمين بفضح السّر إن لم يتزوّجها ليدخل أمين ويسمع حوارهما  فيعتمر الطاقية ويقتل لولا ويُتّهم عصفور بالجريمة الذي ذكر للشرطة قصّة الطاقية فأودعوه مشفى الأمراض العقليّة.

هنا يضعنا صُنّاع الفيلم أمام سؤال آخر: مَن تُساند: الحبيب السابق والمُتّهم بالقتل وهو بريء، أم الخطيب الثريّ ابن الخالة القاتل اللص؟ لتأتي آمال بما تحمله من طيبة ووداعة وتُنصفنا من خلال مُساندتها لعصفور بعدما علمت بجرائم أمين، ويستطيع فصيح صُنع طاقية أخرى تمكّن بواسطتها عصفور الهرب من المشفى وإجبار أمين على الاعتراف بكافة جرائمه أمام الشرطة، ليقوم الضابط بعدها بإحراق الطاقية.

تعود آمال وعصفور وفصيح إلى الحي وينتهي الفيلم على دخول أم عصفور لمعمل زوجها في محاولةٍ منها لتحضير بورنيطة (طاقية) الإخفاء ليؤكد لنا بذلك صُنّاع الفيلم استمرار الحلم.

لقد تألّمنا لآلام عصفور وانتشينا بنجاحاته وأفراحه، وعشنا معه لذّة الاختفاء عن الأنظار والانتقال من حالة الوجود إلى اللاوجود وتعلّمنا منه درسًا أخلاقيًّا، وقد أجابنا عصفور في نهاية الفيلم عن سؤال فلسفي هام: هل خلاص الفرد رهن بقيام ضرب من الرفاهية المادية وإن جاءت بطريقة لا أخلاقية؟ ليبقى سؤالنا: لماذا نستدعي الفيلم الآن؟

حديثًا ذهب مانوفيتش إلى أنّ الأفلام أدوات تخدم هدفين هما: الكذب، والتمثيل. وبتقديمها بهذا الشكل، تتوافق السينما على نحوٍ مثاليّ مع التاريخ السياسيّ والاجتماعيّ، بينما نعتقد أنّ السينما ليست فقط وسيطًا يتعلّق بالمُؤثِّرات الخاصة في المقام الأول، كما أنّ الأفلام التي يهتمّ بها بعضنا أكبر اهتمام، ويعتبرونها محوريّة لمشروع السينما كلّه، لها مَهمّة أخرى مُختلفة تمامًا عن الكذب أو الإثارة؛ تهدف للاكتشاف والالتقاء والمُواجهة والإفشاء.. وعليه، فلا ينبغي أن يكون هدفها النهائي هو أن تعني بقدر ما تكشف.

تمّ طرح السؤال التالي على موقع (فيس بوك)؛ لاستطلاع الرأي: ما الذي ستفعله لو أصبحت غير مرئيّ لمدة أربع وعشرين ساعة؟

1188 جدول

جاءت إجمالي التعليقات (53) تعليقًا، منها (3) تعليقات تهدف المُتابعة فقط، ما يعني أنّ التعليقات التي يُمكن تحليلها هي (50) تعليقًا فقط، وذلك بواقع (33) تعليقًا للذكور، بما نسبته 66%، و (17) تعليقًا للإناث، بما نسبته 34%، ويُمكن عرض النتائج كما يلي..

- أغلب التعليقات تصبّ في اتجاه الأفعال غير الأخلاقية بما نسبته 74% (26% تحفّظ، و 18% سرقة ’المصارف، ومحلات الذهب، وسرقة المحلات العامة’، و 12% قتل ’قتل رؤساء وملوك عرب، ورؤساء غربيين، والمجرمين الفاسدين’، و 6% تمنّي، و 12% سفر، أو استخراج جواز سفر أوروبيّ).

- بعض التعليقات تُعبّر عن الحيرة والتأرجح بين الأخلاقية بما نسبته 12% من المجموع الكلّي (6% لن يفعلوا شيئًا، و 4% الخلود إلى النوم، و 2% عن حيرتهم إذا تحقّق الأمر فعلًا).

- حضور الجانب العاطفي لدي المُتفاعلين خاصةً الإناث (4% الانتقام من الرجال الخونة، و 2% التشهير بالآخرين مِمَّن يستحقُّون ذلك، و 2% مُراقبة الآخرين وحديثهم عنهنّ، و 4% زيارة أحبّتهم السابقين).

لقد ذهب دادلي أندرو إلى أنّ السينما الحقيقية مهما يكن مظهرها أو زمنها، لها علاقة بما هو حقيقي، ومن قبله أكّد أندريه بازان على أنّ الفيلم يضعنا في تواصل مع الواقع من خلال ما تراه أعيننا مُركّزًا على الشاشة، ولكن أيُّ واقع هذا في فيلم سرّ طاقية الإخفاء ـ والذي تمّ تصنيفه بضرب من الخيال الكوميدي؟!

إن الطاقية موجودة في زمننا بوفرة: كم من شخص اعتمرها فأفرغ خزانة المؤسسة التي تحت يديه وتوارى خارج الوطن، وموظفون اعتمروها فكفتهم عناء العمل فلُقِّبُوا بالأشباح، وآخرون وضعوها على رؤوس أموالهم فتوارت عن الضرائب... وها هو العالم الافتراضي: الدخول بأسماءٍ مُستعارة وإطلاق العنان للنفس بالشتائم وتصيّد الإناث والولوج للمواقع الإباحية.. إثارة الفتن وترويج الشائعات والأكاذيب والخرفات.. الهكر (الحسابات والبيانات والصور الشخصية) وما نجم عنه من أضرار.

وها هو العلم المُعاصر يطلُّ علينا بعدّة محاولات لإخفاء الأجسام، من أبرزها السيطرة على أشعة الضوء واستخدامها لتغيير مظاهر الأجسام لتصبح غير مرئية عن طريق تشتت أشعة الضوء الساقط على الجسم. وتعتمد تلك الخدعة على التلاعب في سرعة الضوء، وبالتالي تغيير معامل انكسار للجسم وللضوء الذي يمرّ من خلاله. وعن طريق تلك التقنية، يمكن للص اقتحام أي مكان، حتى لو كان مُزوّدًا بكاميرات فيديو لتأمينه، ما يضعنا أمام تحدِّيات أخلاقية حقيقية..

 

محمد عرفات حجازي

 

1185 نور الدين ضرارللشاعر نور الدين ضرار

إن الخوض في مراحل المغرب الأكثر حساسية وخطورة، من حيث التقلّبات الإيديولوجية، تبعا لسياقات تاريخية معينة، هو بمثابة توغل في الملغوم، وحين تكون الزاوية التي تتيح محاصرة، كهذه ذاكرة تنزف بمحطات الوجع الإنساني، رافلة بلبوسها التوثيقي الذي تتقاطع لديه المعرفة والثقافة، تكون صفحات التاريخ أكثر عريا وانكشافا.

في مجموعته الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، والتي انتقى لها عتبة " تداعيات من زمن الحب والحرب"، الواقعة في ما يربو على المائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط، باعتمادها مسرحة الخطاب وتنويعه عبر إيقاعات تستدعي تقنية تجاذب الأضداد، ما منح مثل هذه التجربة، طابع الخصوصية والمغايرة والزيغ عن المنمط في القول الشعري الحديث.

تذود المجموعة عن رؤية إنسانية شاردة في تاريخ شبه منسي، تحاول، في غمرة النضج والاختمار النفسي، الذات الشاعرة استحضار تفاصيل بعيدة، دالة على جرح إنساني عميق، ووجع من طراز خاص، وعلى نحو مترجم لخلل ما في هوية، كان من المفترض بعض الانفتاح على ممكنات الدفء الوطني وموجبات احتواء الكائن، وتلبية مطالبه المنوطة بإملاءات التراكم التقني، وإفرازات العصر الذي يتطور بشكل هيستيري، محموم.

نجد الدكتور محمد عرش، وقد قدّم هذه المجموعة بقوله: [ الشاعر هنا ينقل ما يمور من مآسي جيله، وخيبات زمنه، بما يتجاوز واقعه المحلي، ويشمل واقعه القومي، من منظور تقدمي تحرّري، ولكن دون التنازل عن قيمة الشعر برهانه المتواصل عبر كل نصوص المرحلة على البعد الجمالي في المقام الأول.

إن روعة الصورة والبناء حد الإدهاش، تتجلى في نفض الرماد عن الجمر، ومعايشة لحظات الكتابة من جديد، حيث القصائد هنا عصارة تجربة شعرية حقيقية، على الرغم من حداثة عمرها الفتي، من منظور تواريخ كتابتها.نور الدين ضرار الذي بلغ اليوم مرحلة متقدمة من عمر القصيدة المغربية برصيد إبداعي وترجمي وازن، يرتئي من خلال هذه المجموعة المتقدمة في زمن كتابتها والمتأخرة في زمن نشرها لأسباب ذاتية وموضوعية، أن يعود بنا لعهد الصبا والحلم من خلال اللغة، لغة الشعر التي رافقته، في حله وترحاله، في سعادته وحزنه، في نجاحه ونكوصه، تبعا لفخاخ الواقع في البحت عن جنته الخاصة، وهي بتعبير بروست في"البحت عن الزمن الضائع" تلك الجنة الحقيقية التي أضعناها.].

من هذه الخلفية، يتبدى حجم الخسارة المدوية التي تكبدها جيل بأكمله، يقاربها الشعر، برمزيته المعهودة، ما كانت لتضيع كتلك جنة، تنرسم لها ملامح المشتهى لدى أجيال أخرى تتعاقب لتتمّم الرسالة، بيد أن ذلك الانزلاق، فرض واقعا غير مرغوب فيه، وأسهم في تسلل الخدر والغيبوبة، إلى العقول، كما الإدماء على القلوب، فأتت على مقاسات مختلفة دوخة مركب، ولم يزل كائن ما بعد تلك النكبة، يتخبط في أضرب الخسائر والهزائم والانكسارات.

لو أن الانتقال، حينها، تم بشكل مخملي سلس، من مناخات ضاربة في الفلسفة المحافظة ومنطقها اللعين، باتجاه أفق تقدمي تحرّري منتصر لإنسانية الكائن، ومنطلق مما هو محلي ضيق، مرتقيا السلم الوجودي عبر القومي، كي ينخرط في هوية إنسانية مشتركة، لتفادينا الكثير من طقوس الدراما التي نعيش عروضها المخزية، الآن.

يقول شاعرنا في إحدى مناسبات البناء الدرامي لنصوصه التي تدين زمن الرصاص:

[بيُتم الأغاني

أبكيكِ ككلِّ العائدين

من تُخوم الليل،

وأيُّ ليلٍ ما رشفنا دمعاً

من حزنِكِ الشفيفِ،

ورَفعنَا من كفنكِ رايةً

لِعُبُورنا الأثير؟

في خَتم الأماني

أبكيكِ،

وكَأني وحدي بين الرّاحلين

أبكِيكِ بلوعَةِ طفلٍ

يُودِّعُ أُمُّه الوداعَ الأَخير](1).

هنا جحيمية الزمن والمكان، على حدّ سواء،  تسرق لذة الهوية من الكائن، وتنثال بكامل تلكم السوداوية القاهرة، بحيث لا تبقى البراءة، في عدا تلكم الكوة القادر على خلقها، الشعر وحده، بعد أن خانت الإيديولوجية، الكلّ، كونه، أي الشعر، النابض في وجودنا بسائر ما نشتهيه من قيم ومثالية و جمال.

يحصل ذلك، حتّى وإن نخرتنا المعاناة، بحيث تشحّ وسائل صرفها، ولم تبق من علياء تنفسّ عنا التَّبِعات المسكونة برواسب سنوات الرصاص، سوى القصيدة التي توقف ذلك الزمن، وتعيد صياغته حسب اشتعال الرؤى، والتنبيه إلى ضرورة الاستفادة من دروس التاريخ.

ونقتبس له أيضا قوله :

[ الطائِراتُ

تسُدُّ عينَ الشمسِ،

وتُطبِقُ السّماء..

وطفلُ بِزِيِّهِ المدرسي

جالسٌ في أوّلِ الصفِّ،

شهيدا مرشَّحا للنسفِ،

في حضرة الأقران

يرسُم بالطبشور

على اللّوحِ عذَابَهُ..](2).

تدغدغ المتلقي لوحة البوح هذه، بعوالم الطفولة، مثلما تنتهك أنساق العودة المجروحة إليها فروسية شاعر، يحمل روح ما تبقّى من مناضل، آن له الترجّل، خبر زمن الحب والرصاص، على حدّ تعبير صاحب المجموعة التي بين أيدينا.

نطالع له كذلك:

[ وحده حادي الرواة

في سوق الحي

يبدأ من الختم

وعند منتهاها

يغيبُ في سديمِ الظلام،

ووحدَنَا نصنع من اشتعال الرؤى

في أعيُنِنا حرائقَنا المُشتهاة

حربا وسلاما،

ونعلنُها في الأرض

أسطورةً أو أضغاث منامة،

ولنا بعدها عن ظهر القلب

كأطفال المدارس

أن نحفظَ كلَّ ما جاء فيها

قعودا وقياما..

هنا سيدي عثمان

بمقتضى العادة

يدفع الفقراء دمهم

مقابلَ شواهدِ الفقر والإقامة،

في حمّى الساحات

يتلاطمون حشودا من هتاف

على اللافتات

يرفعون حشره اليوميّ،

فكل يوم موت

وكل موت قيامة..](3).

خلاصة القول أن شاعرنا أبدع في حدود هذه الفسيفساء، وقد حافظ على الوظائف الجمالية، في بناء دراما وثّقت على نحو ما، لحقبة دامية من تاريخ المغرب، صمت عنها كثيرون، ولم يقتحم حماها وينسف حصونها، سوى قلة، وداخل هذه القلة، أسماء معدودة، استطاعت مقاربة الظاهرة بشكل صحيح، معززة الفعل الإبداعي، بعمق وصدق وحرارة التجربة.

علما أن الإدهاش لا يكتمل بغير مقامرة تأجيج الممارسة الإبداعية، إجمالا، عبر توليفة المعرفي والجمالي، مع قوة توظيف قواعد تجاذب الأضداد، مثلما يثري ذلك هذا الديوان، نزوعا إلى البرزخية التي قد تُكسب القصيدة حِلْميَتها، وغواية نقاط المابين، وهي الجنة المفقودة، أو الحياة المنشودة المؤطرة بثقافتين متضاربين : الحب و الرصاص / الموت.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

........................

هامش:

(1) مقتطف من نص " تذكرة لسفر النسيان " صفحة 59/60.

(2) مقتطف من نص" الطائرات تحجب عين الله" صفحة89.

(3) مقتطف من نص" هنا سيدي عثمان " صفحة 111/112.

 

جمعة عبد اللهالقدرة المتمكنة في الفن الروائي، في استلهام منصات التاريخ، العابقة في ذاكرة المدينة وحكاياتها ووقائعها على الواقع الفعلي. في لغة سردية متعددة الاساليب والتقنيات، في الدلالة في كيفية استغلال الدين والموروث الديني، وتحويلهما الى قميص عثمان، تتصارع عليه الاطراف المتنازعة، في الاستحواذ والاستيلاء، لتمرير مصالحها الخاصة عبر هذا الميدان الحيوي في حياة الناس، بما يملك من تأثيرات سايكولوجية واسعة المدى. وهذا يدل على ضعف الدين في تحصين نفسه، من تنازع والاستيلاء. لك من يريد استغلاله والادعاء بأنه احق بقميص عثمان من غيره ومن الاخرين. لذلك يستغل الدين بشكل بشع، من اجل خداع الناس في تمرير اغراض ومآرب نفعية خاصة. في حلقة التصارع والتنازع. ويوم الطف في عاشوراء كربلاء في (التشابيه) في معركة كربلاء. كنموذج حي. في النص الروائي. يستلهم حكايات الناس، بالرصد والملاحقة، في كشف المعلوم والمجهول في خفايا الاستغلال الدين وموروثاته. من لب الاحداث الواقعية التي جرت وحدثت على الواقع الفعلي. لذلك ان المتن الروائي وظف اسلوب تقنية (ميتاسردية) اي ماوراء النص ومابعد النص. اي النص والنص الموازي له، من الرؤية الفكرية في تقصي حكايات الناس المتدولة والمنقولة. لذلك يوجه الكاتب اشارة وتنويه مهم لنص الروائي الى القارئ (أليك يا من سألتني - اعزك الله - ما كنت ترغب بمعرفته وقراءته من صفحات الايام الخوالي، ما حدث فيها في مدينتي الجميلة المتشحة بالسواد). بالاحداث وما آلت اليه الاحداث والوقائع. في موضوعة الدين واستغلاله، في موضوعة الاحداث وما جرى بعد ذلك. في موضوعة الاشخاص وما جرى لهم من الاحداث وعواقب الاحداث بعد ذلك. هذا العمود الفقري لنص الروائي ورؤيته الفكرية والتعبيرية الدالة، ضمن واقعية الاحداث بموضوعيتها الجارية، في الماض وما بعد عشرين عاماً انقضت عليها، اي ان منصات الرواية تتناول الفترة ما قبل سقوط الملكية وما بعدها بعشرين عاما، من خلال تقصي الحقائق والوقاع التي جرت فعلاً، لذا فأن الاسلوب الروائي يمتلك الخيال الفني في ترتيب وتنسيق واقعية الاحداث وما آلت اليها، وتقنيات الرواية، هي حصيلة متابعة وملاحقة الشخوص الرئيسية. الاحداث التي استغلت قناع الدين. الوقائع بعد ذلك. اي ان المنصات الحدث الروائي تعتمد على، الراوي الاحداث الجارية، والمروي الاحداث اللاحقة بعد ذلك، والمروي اليه. الرسالة والمضمون التي تدور في استغلال الديني، واستغلال المورث الديني في (التشابيه). وقسم النص الروائي الى قسمين. القسم الاول الاحداث ووقائعها وشخوصها في تفاعلهم الحياتي الجاري. والقسم الثاني: ماذا حدث بعد ذلك وما آلت اليه الامور والنوائب على شخوص الرواية.

 × في القسم الاول استعراض الشخوص والاحداث الجارية لهم

 1 - جاسم الاعور: وجه الشؤم والشر. الخادم المطيع والذليل الى الحاج (فريح). وكل يوم يؤدي قسم الذل والمهانة (كل يوم يهرول مسرعاً الى كف الحاج ويأخذها بين كفيه ويقبلها) ص32. منزوع ومسلوب لارادة، او انه أنسان مسخ لذلك يتندر عليه الحاج (فريح) بأهانته (التقيت بالكثير من الناس، مثل شاكلتك يا أعور الشؤم، انك ابن خنزير ركب أمك فحملت بك) ص34.

2 - الحاج فريح: الرجل الغني المتمكن، بنى مسجداً للقرية، في سبيل اظهار التدين والتقوى في الظاهر، لكنه مخادع في استغلال الدين والناس، في الاحتيال والشيطنة والخداع، وكل عام يقوم بأقامة العزاء والتشابيه في عاشوراء. ويتجول في سيارته (الفورد) مع اعوانه وحاشيته التي ترافقه ’ اينما حلَ ورحل، وهم: جاسم الاعور والشقاة (شرجي القامة) و (حميد الطويل).

3 - الشيخ عبدالكريم: رجل دين بسيط، يكدح من اجل رزقه اليومي، من خلال عمله في المكتبة وبيع القرطاسية. ولا يتدخل في شؤون الناس والاحداث. يحاول ان يبعد ابناءه من السياسة ومصائبها.

4 - (مهدي وهادي): ابناء الشيخ عبدالكريم. الاول انهزم من القرية بعد مطاردة ملاحقة الامن. بعدما انكشف اشتغاله بالسياسة، في انضمامه الى الحزب المعارض للحكومة. والثاني (هادي) طالب في الدراسة الاعدادية، اتخذ طريق شقيقه الاكبر في السياسة والحزبية، ويحاول ان يتقمص دور في مراسيم (التشابيه) من اجل تمرير دعاية حزبه المناوئة للحكومة. في استغلال هذا الموروث الديني لدوافع سياسية. لذلك يحذره أبيه قائلاً: (اذا كانت جماعتكم يعولون على التشابيه، فقل لهم أن هذا اكبر خطأ يرتكبونه.

- أبي. ليس لجماعتنا دور في ذلك، صدقني

- ليكن الله معكم.. ولكن انتبهوا لانفسكم)ص52.

5 - مله (أبو ناجي): جاء الى قرية ولا يعرفه احداً من الاهالي، فهو غريب لايعرف عن ماضيه شيئاً، لا الاهل ولا الفصل والنسب، لكنه حشر نفسه في الدين لخداع الناس. وهو من عناصر الامن مع صديقه (خبالو) بالترصد والتجسس ومراقبة تحركات الناس واقوالهم. وتحركات الشباب واحادثيهم وتطلعاتهم السياسية والحزبية المناهضة للحكومة. ويريد ان يعرف من يروج بالسياسة، وتوزيع المنشورات السياسية المناهضة للحكومة (يجب ان اعرف مصدر هذه المناشير ومن يوزعها) 46.

6 - (الملحة) الفتاة الغريبة التي جاءت الى القرية، ولا يعرف عن ماضيها، واشتغلت خدامة في بيت الحاج فريح. تتطاولها ألالسن بالظنون المريبة والشكوك في علاقتها المشينة مع الحاج فريح وجماعته. وتتطلع اليها العيون بالريبة السيئة، وانها تعتبر عنصر فاسداً في القرية، وخطراً على نساء القرية.

7 - جمال وسليم، اصدقاء (هادي) وهم طلبة في الدراسة الاعدادية، ولهم نفس التطلعات السياسية والحزبية، ويريدون ان يشاركوا في ادوار (التشابيه) وينتظرون اشارة من الحزب، عبر مسؤولهم الحزبي الاستاذ (صبيح) مدرس الرياضة في مدرستهم.

× القسم الثاني: ماذا حدث وما ألت اليه الامور ومصير الشخوص بعد عشرين عاماً. في نشاطاتهم الحياتية والسياسية.

× اخبار هادي: الشاب الطموح، راح ضحية من قبل الامن، قتل قبل قيام الحكم الجمهوري.

× خبار سليم وجمال: اصدقاء هادي. الاول سليم مات في التعذيب، والثاني جمال الوحيد لعائلته بعد اربعة شقيقات، القي عليه القبض من قبل الامن وضاعت اخباره.

× اخبار الملحه: الفتاة الغريبة في القرية، اختلفت حولها الحكايات والروايات في مصيرها واختفائها، بعضهم من يقول أنها هربت مع (مله ابو ناجي) بعدما انكشف أمره بأنه عنصر أمن مع صديقه (خبالو) وبعض الاخر يقول، بأن مله ابو ناجي وشى بها، لانها رفضت الانصياع الى رغباته الجنسية وسجنها في الامن، وبعضهم من يقول بأن عائلتها او اخوها الصغير ذبحها غسلاً للعار.

× اخبار الحاج فريح: بعد الحادثة المشؤومة، في حملة الامن على الشباب في يوم عاشوراء، ايضاً هو اختفى وضاعت اخباره عن القرية.

هذه رؤية النص الرؤائي، في استغلال الدين كقميص عثمان يتنازع عليه الاطراف المتنازعة

 

 جمعة عبدالله

 

 

1174 جوكاتثمة روايات يمكن أن نسميها روايات المدن، وهي تلك الروايات التي تعالج حركة المجتمع عبر نقله إلى مدينة متخيلة، كما فعل ماركيز في مئة عام من العزلة، ونجيب محفوظ في الثلاثية، تلك المدن متخيلة حتى حين تحمل أسماء مدن حقيقية، فمدينة دبلن عند جويس مثلاً ليست دبلن الحقيقية، وفي هذه المدينة المتخيلة يحاول الروائي قراءة حركة المجتمع في مدة محددة من التاريخ بعيون رواته.

ويمكن أن تعد رواية (جوكات) للروائية المصرية انتصار عبد المنعم (التي صدرت عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في أغسطس ٢٠١٩) من هذا النوع من الروايات، فقد اختارت لروايتها مدينة متخيلة اسمها (جوكات)، وعند البحث نجد أن هذا الاسم ورد في كتابات سابقة للروائية، ففي كتابها (حرف الأجداد.. مستقبل الأحفاد) الصادر عام ٢٠١٥ تعقد فصلاً بعنوان (إطلالة على تاريخ مدينتي إدكو ورشيد)، تذكر الاسم (جوكات) على أنه الاسم الفرعوني لمدينة (إدكو) الواقعة قرب مصب فرع النيل الغربي (رشيد) في البحر المتوسط ص٨٥. وهي هنا تستعمل ذات التكنيك الذي يوظفه ماركيز في أكثر من عمل، حين يصور مجتمع (ماكوندو) القرية الصغيرة لكنه، في الحقيقة يتحدث عن المجتمع البشري كله.

واللافت في الرواية من البداية استعمال تعابير الكتب المقدسة للعنوانات الداخلية، بعد إعادة صياغتها لإنتاج دلالات جديدة مضادة، فبنية الرواية تقوم على أن لكل خبر في الكتب المقدس جانب آخر مضاد له، فالرواية تقع في قسمين؛ (السفر الأول لعنة الخروج) في مقابل سفر التوراة الثاني (الخروج) الذي يتحدث عن انتصار الرب لموسى وقومه بخروجهم من مصر وإهلاك فرعون وجنده، بينما يروي السفر الأول في (جوكات) حكاية تخلف بعض اليهود عن الخروج ولجوئهم إلى التلال القريبة من (جوكات)، والمفارقة أن يكون اسم زعيم هؤلاء وصاحب فكرة التخلف (شلومو بن لاوي)، والمعروف أن اللاويين هم كهنة اليهودية، وجاء السفر الثالث في التوراة الذي ينظم أحكام الشريعة باسم (سفر اللاويين).

يحكي القسم الأول حكاية هؤلاء الذين وجدوا أنفسهم بين بطش فرعون وعدم تصديقهم لوعود موسى بالنجاة، فدفعهم رعبهم إلى الاعتقاد بأن قوتهم في الذهب الذي راحوا يدبرون المكائد لسرقته واكتنازه لأنه وسيلتهم للسيطرة والأمان بعد إنشاء مملكتهم، ولذلك عاشوا مجتمعا مغلقا متخفيا يحتكر الذهب والعلوم منتظرين أن تحين الفرصة للتغلغل في مجتمع (جوكات) والسيطرة عليه واستعباده.

وترصد الرواية تحولات هذا التجمع السري عبر التاريخ وظهور المسيحية ثم الفتح الإسلامي، وفي كل تلك المراحل كان ذلك المجتمع يتلون ظاهريا بلون العصر الجديد بينما يحافظ سرا على معتقداته، أما سكان جوكات الأصليين فقد كانوا يدفعون ضريبة الخضوع والابتزاز في كل تلك العصور التي كان فيها رجال الدين من كهنة وقسس وشيوخ يستعملون الدين وسيلة للاستعباد والسيطرة.

أما (السفر الثاني لعنة الماء) فيقف في مواجهة قدسية الماء الذي وصفته الكتب المقدسة بأنه مكان عرش الله، ومصدر كل حياة، فالماء في الرواية مصدر للموت أيضا، لأن هذا القسم يركز على حكاية إبراهيم أحد المصريين البسطاء من سكان (جوكات)، الذي عاد إلى أهله بعد سنوات من العمل في السعودية ليموت غرقا مع من غرقوا في العبارة (سالم أكسبريس) عام ١٩٩١.

وعلى الرغم من أن الرابط الظاهر بين السفرين هو مآسي سكان (جوكات) وما يلاقونه من قهر، فإن ثمة رابط خفي بينهما، فبعد سنوات من غرق العبارة يتعلم يوسف ابن ابراهيم الغوص ويذهب مع فريق من خمسة صحفيين مغامرين هو سادسهم لاستكشاف العبارة المستقرة في قاع البحر، ويضم الفريق صحفية اسمها يهوديت سمع منها كلاما يستخف بدماء المصريين. كما نعرف بعد ذلك أن يوسف أنشأ قبرا رمزيا لوالده في مقبرة البلدة التي استطاع سكانها بصعوبة شراء أرضها من أبناء شلومو الذين باتوا يسيطرون على معظم أراضي (جوكات).

هناك تقنيتان مهمتان وظفتهما الرواية لبناء النغمة المناسبة للسرد؛ فأما الأولى فهي (الراوي) حيث لم يكن منطقيا أن يكون أحد أبناء (جوكات)، لأنه لن يشعر بالخديعة، ولا أن يكون أحد أحفاد شلومو بن لاوي لأنه لن يكشف أسرار مجتمعه، فبنيت الرواية على منظومة من الرواة يقودها راو لا يمكن أن يكون من البشر لأنه شاهد على التاريخ كله، رآه رأي العين، بل إنه من أول الرواية إلى آخرها يروي حكايات الشخصيات بضير المخاطب، فهو يخاطب الشخصيات مباشرة ويحكي لها ما حل بها، وهو أيضا قادر أيضا على ترقية أي من الشخصيات لتصبح راويا ثانيا وتتحدث بضمير المتكلم كما فعل مع ابراهيم ثم مع ابنه يوسف. هذا الراوي الخالد في التاريخ يسلب القارئ صفة (المحكي له)، فالمحكي له محدد دائما بوصفه إحدى شخصيات الرواية.

وأما التقنية الثانية فهي لغة الراوي التي تكشف عن تعاطفه الشديد مع سكان (جوكات) ومآسيهم، فلم تكن لغته محايدة، كما ينبغي للغة الراوي العليم، بل كانت لغة وجدانية Lyrical تقطر ألما وهي تصور ذلك الكم الهائل من القهر لمجتمع بسيط كل همه أن يعيش بسلام.

 

د. ثائر العذاري

 

خضير اللاميويعتري النفسَ، إنكارٌ ومعرفة

وكل معنى له نفي وإيجابُ

المعرِّي ..

لست بشاعر؛ لكني متذوق له، كما لم يسبق لي أن كتبت، نقدا شعريا، لأيّ شاعر، سواء كان عراقيا أو عربيا، حداثيا أو غير حداثي، ولم يخطر ببالي أن اكتب ذلك ابدا، لم يكنْ هذا ؛ تكلّفا، أو امتناعا، او ترفعا، بل إنني أتذوق قراءة الشعر قصيدا، ونظما، وأطرب لسماعه وإيقاعاته . و كان كثير من القصائد اتذوقها، واطرب على ايقاعاتها، وتهزني قراءتها، مثل شعر الجواهري العمودي، أو نزار قباني، الحداثي حتى الطرب، وأخيرا، نجلهما الشاعر المبدع يحيى السماوي، الذي لم التقه. بيد أنَّ الأشهر القليلة الماضية، لفتت انتباهي قصائده الحرة، فرحت ابحث عنها، على وسائل التواصل الاجتماعي، وعندها نشأت علاقة صداقة وديّة، بيني وبين الشاعر السماوي . وذات يوم حمل لي، بريده، ديوانه الشعري الجديد " نهر بثلاث ضفاف "، وهو مكرّس عن إينانا، إلهة السماء، والمطر، والحب، في الأساطير السومرية، وكانت فرحتي به غامرة وجذلة جدا :

هبوط إينانا

شقّتْ ظلام الليل إينانا 1

فأيقظتِ المرايا ..

البَستْني

بُرودةَ الفَرَح المؤجَل ِ

منذ عام الهجرة الاولى

عن الماء الفراتِ

وسيِّد الشَّجرِ

النخيلْ

**

وعن السماوة

والظِباء الفاتنات

اذا نظرن الى الغزال

أسرنه

بمصائد الطرف الكحيلْ ..

77 samawi600

وبدءا، من عنوان المجموعة الشعرية هذه، التي تصدًّر غلافها،" نهر بثلاث ضفاف. "الذي دفعني للتوقف قليلا عند العنوان هذا متأملا إيّاه. إذ من هنا، ومنذ الشروع بقراءة الديوان، هذا ابتدأ الشاعر المبدع السماوي، بتورية لغلاف ديوان قصائده، ومن ثم لتنسحب، لتشمل بعض قصائد الديوان، او لنقل قصائده السيميائية إن صحّ التعبير، على وفق نظريات ما بعد الحداثة، التي تستولد نصوصا عدّة، بمعنى آخر ؛ أنِّ المتلقى للنص مثل هذا، يجترح نصه إيّاه، في الاعمال الابداعية، مثل السرد الروائي، فضلا عن الشعر الحداثي ؛ وما بعد الحداثي، الذي نحن بصدده . وربما، تُعّد هذه مغامرة أن اكتب لأول مرة، عن شاعر كبير بهذا الصدد، مثل يحيى السماوي. ولكي لا أطنب في الكتابة المابعد حداثي، عن قامة شاعر كبير . وما يحمله هذا الديوان من بعض سيمياء، وتوريات، شملت الديوان الشعري هذا بأكمله . وبوصف كتابتي عن هذا الديوان، أن تكون محاولة أولى لي عنه، وكي احذر مطبّاتٍ، أنا في غنىً عنها، في دخولي أول مرة معراج الشعر ؛ وبالذات معراج الشاعر الكبير المبدع يحيى السماوي . بيد أنِّ ما دفعني ايضا، عن تناول ديوان شعره الجديد هو ثيمته الشعرية المتميزة، عن إينانا إلهة الشعر والحب والجمال .

بيد أنَّني ازعم لنفسي، أنًّ لدي قدرة على فك بعض شفراته، ومداخله فيما يطلق عليه الميتاسرد، وان كانت في غور عميق لدلالات المعنى فيملأ النص عبقا مثيرا تدعها تفيض في اجواز النص، بخاصة اذا كان الجو ذا محمولات عشق، او دلالات رموز، تملأ نص يحيى السماوي هذا عبقا مثيرا .

واذ إننا نعرف أن للنهر ضفتين وليس ثلاثا، اذن، لابد ان تكون قصائد هذا الديوان حاملة سمة التورية، او سيمياءعلى وفق أدب ما بعد الحداثة، التي حملها غلاف المجموعة الشعرية . وبالتالي، لا بد وأن نجد تورية، وهذا يعني منذ مستهل كلامنا، أننا ندخل قصائد، ذوات سيمياء من خلال غلافه، او ما قاله لنا في كلام المعري البليغ اعلاه ؛ ومن ثم من أولها، حملت قصائد اينانا دلالات سيميائية، وفي أولها ايضا، اينانا الرمز الاسطوري في الحب ؛ ونحن نعرف أنًّ الأساطير، سواء كانت رمزا، او تأريخا، اوتراثا شعبيا، وفي غيرها من الاعمال الابداعية، تُعد إرثا للشعوب التي تستخدمها او تؤمن بها، بوصفها مؤشرات ومحمولات لتاريخ تلك الشعوب وحضاراتها وإرثها .

ولكن، من هنا، إن اردنا، التوقف عند قراءتنا عند كل قصيد من قصائد هذا الديوان، وهذا يعني أن ندوّن ديوانا نقديا لشعر هذا المبدع يحيى السماوي ؛ لذا فإنني هنا لا بد، وأن كنت انتقائيا، في تناولي هذا العمل الشعري . ووقفت عند بعض قصائده في تناولي اياها، فضلا عن ذلك، أنني أعّد الديوان الشعري هذا " نهر بثلاث ضفاف "، قصيدة واحدة او ملحمة او رمز اينانا من أوله، الى اخره، رغم تقطيعه الى قصائد قصيرة جدا، وفيه ضربة كما هو الحال في فن القصة القصيرة جدا ..

فقصائد المجموعة القصيرة والطويلة هذه، تجعلك تتوقف عندها، تتأملها، تدخل في ثنايا معانيها العميقة، .تسمو في رؤاها، وهذا إن دلّ على شيء؛ فهو يدل على الباع الطويل للشاعر السماوي، في تناول مثل هذا القصيد – الشعر، الذي اطلق عليه الشاعر، نهر بثلاث ضفاف. وان اردت مقارنته بشاعر اخر، في مثل هذا الجنس من الفن الشعري، وعلى حسب قراءاتي له، فإنني لن اجد فيه، غير الشاعر المبدع يحيى السماوي .

وجاء في تقديم الديوان، "نهر بثلاث ضفاف" للإستاذ . د عبد الرضا عليّ :

"في هذه المجموعة" نهر بثلاث ضفاف. "اشتغل السماوي على تطويع الرمز الاسطوري الخاص بـ " إينانا " إلهة الجمال والحب والتضحية عند السومريين، وجعله عامّاً في فاعلِّيته الانسانية الانسانِّية، فتحوَّل الخاصُّ الى عام، وخرج الرمزُ من جغرافيِّتهِ المكانيِّة إلى فضاءٍ إنسانيِّ شامل . "

نعم، فهذه عتبات أطّرها الشاعر المبدع يحيى السماوي، لتضيء معالم بغداد، على مساحة غلاف الديوان هذا، ديوان " نهر بثلاث ضفاف ." قصيدا واحدا من اوله الى آخره، رغم مقاطعه الى قصائد ينطقها الشاعر السماوي احساسا ومشاعر إن صح التعبير .. وإن ثيمته واحدة وإن تعددت عناوينه، وهما اسطورتهما، كما أنه أي الديوان مكرس لإلهة الحب والجمال، وهما اسطورتهما، ونرى ايضا بعضا من قصائده قصيرة جدا، وفيها نلحظ ضربة فنية، كما هو الحال في فن القصة القصيرة جدا، الذي هو سائد الان على الساحة في القصة القصيرة جدا ..

 

اكتشاف

قال التائه في

الصحراءْ

**

لا قارورة خمرٍ

مثل غديرٍ أيا كان الماءُ

ولا مزّاءْ

**

حين يشبُّ هجيرٌ

كالافياء ..

ونختتم كلامنا هذا، بما جاء في تقديم الديوان، "\ نهر بثلاث ضفاف. " للإستاذ الدكتور، عبد الرضا عليّ :

" في هذه المجموعة " نهر بثلاث ضفاف. " اشتغل السماوي على تطويع الرمز الاسطوري الخاص بـ "إينانا" إلهة الجمال والحب والتضحية عند السومريين، وجعله عامّاً في فاعلِّيته ا الانسانِّية، فتحوَّل الخاصُّ الى عام، وخرج الرمزُ من جغرافيِّتهِ المكانيِّة إلى فضاءٍ إنسانيِّ شامل . "

 

كتابة: خضير اللامي

......................

1- إينانا: إلهة السماء والمطر والحب في الاساطير السومرية .

 

صالح الرزوقلا يوجد في تجربة الشاعرة العراقية ذكرى لعيبي أي خلاف ذي شأن مع الحداثة. إلا في خروجها على تقليد رواد الشعر الحر بنقطة واحدة. وهي أن حزنها ليس دراميا و لكنه إنشادي. ويبدو لي أن ميولها لتدمير الذات هي التي تضع مسافة عازلة بينها وبين النغمة الموضوعية عند السياب والبياتي ونازك الملائكة. فالسياب يعيد ترتيب مشاعره بتسلسل حكائي لا يخلو من الصور. وكذلك البياتي إنه يستخرج من الواقع عناصر أسطورية تصنع جدلا دراميا. وتضيف الملائكة له ربط الأسباب بالنتائج. وهذا أوضح عنصر في قصيدتها المشهورة (كوليرا). فالاستعمار والوباء والتخلف يحتلون نفس الدور في تخريب علاقات العاطفة بالطبيعة. أما ذكرى لعيبي فهي تقدم نوعا من صيغة عاطفية تقفز من الذات إلى الواقع القاسي والمؤلم وتتحطم على جدرانه وصخوره. ولذلك يغلب على قصائدها أسلوب التشكي والمناجاة. مثلا هي تفتتح مجموعتها (امرأة من كرز وعسل)* بقولها:

لو نطق الحزن

لقال هذه امرأة الدمع

وأم الصبر (ص 7).

وتقول في قصيدة (ياسمينة مسكونة بالغد):

وفي قمة الخوف أترك قلبي

ينقره النسر،

وأمضي

إلى حتف حبي (ص12/ يمامة تتهجى النهار)**.

ونادرا ماكانت ذكرى لعيبي تستعمل المحاورات أو توجه خطابها لإنسان معروف. فهي تكاشف نفسها لكن الطرف الأخر هو دون اسم أو هوية ويغلب عليه اللاتناهي. وتستعمل لهذه الغاية التذكر والنظر للسطوح العاكسة كالمرآة والزجاج والماء. وكلها حواجز سائلة لا تفيد معنى التماسك والوحدة العضوية. وربما هذا هو سبب الخلاف الهام أو الفرق الأساسي بين رمزية الماء والمطر في شعر الحداثة (السياب مثلا) والمعنى الذي تستعمله لعيبي. فهو يأتي لديها بشكل رمز بارد، ولا يفيد معنى الضرورة ولا الحياة ولا حتى الخصوبة. وإنما يدل على التعطيل والارتياب والشك. وفي بعض الحالات هو سراب أو مجرد إشارة للركود. بتعبير آخر إنها تستعمله لتعزز من إحساسها بواحد من اثنين.

1- البكاء والتأسي، وهذا في حالة المطر. كقولها:

يا قطرة مطر نزلت

على يباب الروح (ص 12/ امرأة من كرزوعسل).

وقولها:

أنا الفلاحة

القادمة من حقول الله

لروحي المغموسة بالبكاء المر

وفستاني المطر. (من قصيدة: هب لي إشارة).

2- ثم الشك واللاجدوى. وهذا الاستعمال مبتكر، ويضع الرمز عند حدوده الموضوعية، سواء لأن الماء بلا قوام أو لأنه يأخذ شكل سراب في الصحراء. وبهذه الطريقة تجدد ذكرى لعيبي في عنصر من عناصر الشعرية العربية. فإذا كان العرب يشبّهون المادة بصفات مادية كالليل وموج البحر، فلعيبي تشبه العاقل بصفات غير عاقلة. ويساعدها ذلك على تحويل الانتباه من المرئيات إلى مجال التخيل مثل: فيضان النهر الذي يدل على طيب المعشر واتساع الرؤية (ص68 من امرأة من كرز وعسل)، أو الثمار الجاهزة للقطاف التي تدل على سنوات العمر الآفل والاقتراب من الموت (ص 76/ المرجع السابق). ومثل هذا الوجدان، الذي يمكن تجريده أو تصويره، هو أحد خصائص أدب المرأة ولا سيما في بواكير عصر الحداثة. فقصائد الحداثة ذات ميول عدائية ضد الجميع: الذات المنفصلة عن نفسها. والغربة التي تجهض مشروعها الوطني. وأخيرا الوطن الذي يبدو أشبه بقانون بطريكي أوحاجز أمام ضرورات الحرية. لقد كانت أساليب الاحتجاج راديكالية عند شعراء الحداثة ومنهم تيسير سبول وتوفيق صايغ وخليل حاوي، بعكس أسلوب الأجيال الحالية التي قللت من تشرذم اللغة والتراكيب لحساب غليان العاطفة وارتفاع شحنتها، والفصل ما بين السلوك اليومي والحياة الذهنية. وتستطيع أن تجد بهذا السياق تركيبة عجيبة تضع أخلاق الطاعة الكلاسيكية جنبا إلى جنب مع تمرد الأفكار وتشوه مكونات النفس. حتى أصبح كل شاعر مضيفا لخيال غريب عنه. بمعنى أنه يعيش حياة مركبة من وجه (متمرد وساخط) وقناع (مهذب ومطيع). وبهذا السياق كانت ذكرى لعيبي تبتعد عن إلحاق الضرر بنفسها وغيرها وتنحو لتكون إنسانة تبريرية، تلقي اللوم على الآخرين. بمعنى أنها لا تتقاسم معهم ثمن الخطيئة، وإنما تتنصل من الذنوب، وتتهمهم. ولذلك تداخل لديها معنى الوطن والأسرة، وتحولت المرادفات من دافع إيجابي أو ليبيدو إلى دافع سلبي أو عصاب. وتسبب مثل هذا التحول بإحساس عام بالحرمان والهزيمة والفراغ أو العطب. وحلت محل الصور الغريبة (العجائب في شعر الملاحم الشعبية، والقوى الخفية في واقعية جنوب أمريكا) مواقف أليفة وإنما تحترق بنار الواقع.

ولكن ابتداء من مجموعتها الأخيرة، وهي (بوح في خاصرة الغياب)*** تبدأ ذكرى لعيبي بالتعبير عن استعدادها للتحول. بمعنى أنها لا تنظر باتجاه واحد، ولكن باتجاهين، وبنبرة مونولوجية لكنها أبعد ما تكون عن النواح ودون فلسفة النهايات الحزينة حصرا. و تكثر من استعمال تراكيب نصف يائسة أو نصف متفائلة مثل: درب أحلامي (ص15)، النور في حضرة الظلام (ص30 )، سيموت الموت (ص75)، وغير ذلك كثير. وتستعمل لهذه الغاية طريقتين.

الأولى في الأسلوب. وبها تتخلى عن كل بقايا بواكير الحداثة، وتضع حدا لقانون العروض من بحوروتفعيلة، وتستبدل قانون القصيدة بحساسية الفن الشعري. 

الثانية في المضمون. وتلح فيها عمدا على العتاب وليس الهجاء، وعلى استنهاض العاطفة وليس الهجوم، وأحيانا تترك الباب مواربا لشيء من التفاهمات. أو يمكن القول للصلح مع الذات. وإذا كانت مجموعاتها السابقة تشكل هجوما على قانون الأب (والابن والرجل والطاغية ضمنا)، فهي تبدو في هذه المجموعة مفتوحة ومستديرة على نفسها وغيرها. أو بتعبير آخر لديها إحتمالات وفرص، كقولها في خاتمة أول قصيدة من المجموعة:

بكى الوقت والقلب

بكت قصائد

مكسورة الجناح

متعبة أنا،

أيذوب عني هذا الصقيع؟ (ص17).

ولا يخفى على أحد الأهمية الرمزية لصورة ذوبان الجليد. فهي تدل على التحفز والاستعداد واستكمال الدورة الطبيعية أو النشور، ناهيك عن المعنى التاريخي لعبارة (ذوبان الجليد) في السياسة والأدب، والتي بشرت بنهاية الستالينية وبدايات ثاني عصور التنوير.

 

صالح الرزوق

..................

* امرأة من كرز وعسل. منشورات مركز الحضارة العربية. القاهرة. 2015.

** يمامة تتهجى النهار. منشورات مركز الحضارة العربية. القاهرة. 2010.

*** بوح في خاصرة الغياب. منشورات أمل الجديدة ومؤسسة المثقف العربي. دمشق. 2017.

 

انطوان القزي

ليست هي الكلمة التي تبوح، وليست هي القصيدة ترود مطارح الغنج وتجرح الأقلام، بل هو الملاّح الذي أسدل ساريته بين أكثر من ضفّتين، وهو العاشق الذي طبعَ قبلة على أكثرَ من شفتين، وهو النخيلُ الذي أطلق في الريح أكثرَ من جناحَين.

هو يحيى السماوي الذي عانقت دلتاه ثغور الأنهر، وأسكرت نجواه شفاهَ الظلام، تُلبس الأفقَ شموساً سافرة وتدركُ نعاسَ الليل مع رقصةِ القناديل.

كانت إينانا إلاهة السماء والمطر، وكانت أسطورة سومر، وكانت فوّارة العشقِ وأرغنَ المسافات،.. وإينانا السماوي عروسٌ تلتحفُ الأمس سواراً وتخرجُ من بيت ماضيها، دربُها التيهُ وسقفُها اللا مكان، تعصر أعناق الأقاحِ طيباً لفراشاتِ السهَر وتزرعُ النهدة في دنانِ الهزيع.

صيادٌ هو، تفيءُ المواسمُ إلى راحِ كفّيه، وتُفردُ الغيمة خصلة على مفرقيه، وفي عباءَته السومرية آلهة وأقباسٌ وفردوسُ ملائكة، وحرّاسٌ خبّأوا الخطايا في سلالِ الأعياد.

إنْ تسألوه، فهو شاعرٌ ساحر، وإن دنوتم  فإلى هالةِ الفارس الأبيض يرتدي الفصولَ أثوابَ آسٍ ويرودُ الجزرَ ليسَ كسندباد بل كنورسٍ غافلَ المراسي الى حيث تشقّ أرياشُه صدورَ الحواري.

في يديه مفتاحُ المستحيل، وفي مساكبهِ زرَعَ الهديلُ أعشاشاً لندى الأسحار.. وتمرّ إينانا السماوي تنثرُ رذاذاً لأنثى ألهبَ وجنتَيها الخجل وغزلتْ منديلَها عبَقاً لرياحينَ رمضاء.

77 samawi600

يضرب السماوي موعداً مع العاصفة لينتصر، يمتطي السواري ليدركَ الموانىء البعيدة ويترك للريحِ أن ترسمَ خريطة شرودِه.

بين بردهِ والدفء أكسيرُ لهَب، وبين مدّه والجزْر خبزٌ لسمكٍ عابر .

ثائرٌ لا ينتظر،  بركان نهدات تزلزل الجبال وتوقظ الشموس وتُغافلُ شهرزادَ من شباّكٍ أدركَهُ النعاس، لينهي رحلة القصص الطويلة.

شاعرٌ أوصد الأبوابَ وترك لرجفة السراج أن ترقص. يعتصم بحبّ إينانا وتعتصم القصيدة بخياله، وبينهما نهرٌ بثلاث ضفاف.

سلمت يداك يحيى السماوي، زيّانَ الضفافِ تبقى وقبطانَ الشواطىء وملاّحاً يُسكرُ الهزارات بكأس سندسية.

يدمن يحيى السماوي متعة الإبحار مع أشرعة مجنونة، ويتقنُ القطافَ في زمن البواكير، ويمضي إلى حيث النذورُ تشعل  جمرَ قصيدته وحيث البحارُ ترسو إلى ضفافه.

في محرابهِ، يخبزُ رغيفَ الهمَسات وخلفَ محاريثهِ تنبت بذارُ السرائر.

لا يفرش بساطاً لوردة، ولا يحنو أمامَ سحْرِ إينانا، بل يرفعُ أباريقَ دفئهِ صلاةً لأقانيمِ السفر ويولمُ للعصافيرِ شدوَ قوافيه، وبين الريشةِ والريشة يبني عمارةً للشعر. 

 

أنطوان القزي

رئيس تحرير "التلغراف" الأسترالية

 

جمعة عبد اللهروايات السجون، أو روايات أدب السجون. هي في مفهومها ومضمونها العريض، هي تتلخص في دائرة الصراع والعلاقة غير المتكافئة، بين الجلاد والضحية. في كسر وتحطيم ارادة الضحية، في انهزامه الروحي. بكل الوسائل المتاحة في قبضة الجلاد، في استخدام اساليب التعذيب الوحشي البشع. في هدم وانهزام معنويات الضحية، بالانتهاكات الصارخة واللانسانية، بهدف تحطيم كرامته وقيمته الانسانية. لكي يتحول الى جيفة تنهشها الذباب والحشرات والبعوض. بأختصار شديد، أن زنزانة السجن تحت قبضة النظام الشمولي الطاغي في الارهاب الوحشي والدموي. هو موت بطيء للسجين أوالضحية، واذا يخرج سالماً من زنزانات الموت، فأنه يخرج بجراحات عميقة لا تشفى. هذه منصات المتن الروائي في رواية (أنا الذي رأى). لكنها في احداثها في المتن السردي، تختلف عن روايات أدب السجون، التي تهتم في مسألة السجين السياسي المعارض والحزبي ضد الحزب السلطة الحاكم. او معرضاً سياسياً لسلطة الحكم في البلاد، لذلك يتعرض السجين السياسي الى الاسقاط والبراءة، والاعتراف على خلية حزبه ورفاقه الاخرين. فهذه الرواية تختلف فهي لاتتحدث عن السجين السياسي المعارض والحزبي. وانما تتعرض وتتناول فئات واسعة من شرائح المجتمع العراق أبان الحكم البعثي، في قبضته الحديدية الباطشة، حتى على فئات هم بعيدين جداً عن الشؤون السياسة والحزبية، وليس لهم خلاف مع حزب البعث الحاكم، وليس لهم شأن بالسياسة والحزبية، وانما هم ضحايا غدر من الدسائس والمكائد والتجسس. او نتيجة هفوة كلام عابر. او هم نتيجة ضحايا ورهائن من اخوانهم واهالهم واقربائهم، اذا كان فيهم معارضاً للنظام الحاكم، او شيوعياً، ويتحملون معاناة تبعيتهم في السجن اهلهم واقاربهم، مثل اهل الطلبة واقرابائهم، الذين يدرسون في الدول الاشتراكية سابقاً، ويحملون راية المعارضة ضد الحزب البعث الحاكم، فيأخذ اهاليهم رهائن للسجن والاعتقال،، او ربما احد الاخوان والاقرباء، يحمل السلاح في حركة الانصار المسلحة. او ربما سقطت لوحة رقم السيارة في الطريق سهواً، فتعتبر جريمة وتهمة، او ربما رفض اطلاق النار على الضحايا الابرياء والاسرى، فيطلقون النار عليه، وربما من كثرة التعذيب الوحشي والبشع، يصاب الجلاد بهستريا الصياح والتهجم على جهازه الامني والسلطة، واسكاته بالموت. أو ربما صدفة مشؤومة تقوده الى موت، دون ارادته. وكثير من الحكايات بما انزل الله من غرائب وعجائب لا يهضمها العقل. لذلك يعني هذا بأن كل شرائح المجتمع الحزبية وغير الحزبية وحتى من الحزب الحاكم، وحتى من صلب الحزب والسلطة، هم يتعرضون للسجن والاعتقال والموت، حتى بدون تهمة توجه اليهم. ولكنها تشير الى نهج واسلوب السلطة الشمولية بالارهاب العنيف والدموي. وهذه الرواية اعتبرت افضل رواية لروايات السجون في عهد النظام البعثي. واعتبرت من افضل سبعين رواية عالمية في ادب السجون. حسب الموقع الادبي الامريكي في نيويورك. موقع شؤون المكتبة . Librarything.com. وترجمت الى اللغة الانكليزية بعنوان / Saddam city. وكتبت عنها الصحافة الادبية، الانكليزية والامريكية أكثر من اربعين مقالة. وكما وترجمت الى لغات عالمية آخرى. وجمعت في لغة السرد الشفاف والمتدفق بحرارة الاحداث برهافة ساخنة، جمعت اللغة الفصحى واللهجة العراقية. ويمكن اعتبار هذه الرواية من سرد الاحداث المتلاحقة في النص الروائي، بأن الصدفة او الصدف تلعب دوراً بارزاً ومهماً في حياة الضحية، دون ارادته. فهي رواية الصدفة او الصدف المشؤومة . التي قادت الضحية، او بطل الرواية. السارد بضمير المتكلم (مصطفى علي نعمان) بأنه ضحية صدف متوالية تنهال عليه، تدفعه الى التهلكة وعلى شفى الموت والاعدام، ولكنها في نفس الوقت، تنقذه صدفة واحدة من شبح الموت والاعدام الذي يلوح في الافق، فبدلاً من الموت والاعدام، يتنسم عبير الامل بالحرية. كأنه كان في كابوس مرعب ووحشي. لذلك لابد من استعراض احداث المتن الرواية، والتعريج على الصدف المشؤومة التي قادته بين الموت والحياة :

 - يبدأ الحدث الروائي بالحدس الطفولي البريء، في صباح يوم الاثنين، أو الاثنين المشؤومة، بسؤال طرحته طفلته (عبير) على ابيها بقولها (- بمثل هذا اليوم ولد النبي. أصحيح (بابا) في يوم مولد النبي لا يحدث مكروه للاطفال) ص1. أجابها في ابتسامة مطمئنة. واستعد للذهاب الى مقاول البناء، وهناك وجده في مكتبه وسلمه مبلغ (الفي دينار) سلمها دون ان يأخذ وصل التسليم الموقع بتوقيع مقاول البناء، تذكر غلطته الفادحة في الغباء، بأنه لم يستلم وصل تسليم المبلغ (الفي دينار) واذا انكر المقاول المبلغ، فماهو الدليل والاثبات بأنه سلم هذا المال، ولكن في الطريق تعرضت سيارته الى العطل، نتيجة الطين في الشارع. ترك سيارته المعطلة وذهب الى مدرسته، لانه مدرس في مدرسة ثانوية. ووجد المفاجأة في انتظاره. رجال من الامن والمخابرات، يطلبان استجوابه، بأستجواب بسيط خمس دقائق ويرجع الى مدرسته. وذهب معهم. ولكن اول خطوة يدخل فيها باب بناية الامن والمخابرات، تتلقفه الضربات العنيفة والمبرحة، واصبح مصيدة لضربات والاهانات بالعنف السادي، ووضعوا العصابة على عينيه، وقيدوا يديه الى الخلف ودفعوه الى زنزانة السجن، فحين انتبه الى نفسه، وجد نفسه في غرفة صغيرة مليئة بالموقوفين، فلم يستطع ان يجد مكاناً يجلس فيه، فظل واقفاً ينتظر الاستجواب البسيط. وبعد ساعات طويلة من الهواجس القلقة، التي بدأت تنهشه. بعائلته واطفاله، ومقاول البناء فقد نسي ان يأخذ منه وصل تسليم المبلغ، وفي غرفة الاستجواب، قالوا له بأن أسمه (مصطفى علي عثمان) حاول ان يقنعهم بالوثائق الرسمية، بأن هناك خطأ بالاسم وان اسمه الحقيقي كما هو مثبت (مصطفى علي نعمان) فأستخفوا به بالاهانات والضربات المبرحة، بأنه يضحك عليهم ويكذبهم. حتى سحلوه الى غرفة السجن يداوي جراحه المؤلمة. وظل واقفاً يئن من جراحه وقلقه شديد على عائلته، ولكن يواسي نفسه، بأنه ليس سياسياً وليس معارضاً. وليس له علاقة في الاوضاع ومجرياتها. لانه يتذكر الحكايات المروعة، في اختفى واعدام اشخاص ابرياء ليس لهم علاقة بالسياسة وحزب البعث الحاكم. مثل جاره البريء الذي خطف من الشارع. وبدأت عائلته تبحث عنه في مراكز الشرطة والمستشفيات، وبعد خمس وعشرين يوماً جاءهم تبليغ بالذهاب الى الطب العدلي، وتفتيش ثلاجة المستشفى. وشاهدت زوجته ان الثلاجة مليئة بالجثث المشوهة والمقطعة الاوصال، ولا يمكن معرفة ملامحها. لكنها اهتدت الى جثة زوجها من ملابسه الداخلية، ولم تسلم الجثة إلا بعد أخذ تعهد صارماً ، لا فاتحة. لا تشييع. لا صراخ. لا سواد. واستعرض بذاكرته الكثير من الحكايات المروعة، في الاختفاء والموت والاعدام، حتى هدم البيوت على ساكنيها في وحشية لا يصدقها العقل، واحد نزلاء غرفة السجن معه، قال له. بأنه مارسوا معه التعذيب الوحشي والسادي حتى خفقات الموت، واخيراً طلبوا منه، ان يذكر اسماً اي اسم يخطر في باله لا على التعيين، وإلا استمروا معه حتى تخرج روحه للموت، فذكر اسم ابيه، ضحكوا عليه وقالوا هذا اسم أبيه، ان يختار اسماً آخراً، فأختار أسم (خاله) فجيء بخاله ومارس معه شتى انواع التعذيب السادي ولم ينطقوا بالتهمة الموجهة اليه، وها هو معه يئن من الاوجاع في جميع انحاء جسمه، وهو لا يعرف التهمة. وتوالت التحقيقات في الاصرار على ان أسمه (مصطفى علي عثمان) وهو يتوسل ان يقتنعوا بأسمه الحقيقي، رغم الدلائل الدامغة التي تثبت حقيقة اسمه. وظل على هذه الحال أربع وثلاثين ساعة. وهو يشعر بأن كل خلية في جسمه تتخلى عنه، فلم يصبر على حالته المزرية وتوسل بحارس السجن بعد ما انهكه التعب والارهاق، ومن البرد الذي يلسع جسمه، لانه كان مرتدياً ملابس خفيفة (- أرجوك أسمح لي أن اذهب الى المرافق فقط. لقد قضيت اربعاً وثلاثين ساعة، بدون طعام او ماء او مرافق) ص30. ظلت هواجس تنهشه في رعبها، بماذا ستقول عنه عائلته، طفليه وزوجته عن غيابه. ماذا عن مصير زوجته وهي من التبعية، ويخاف على مصيرها، وفي حملة تبعيث المجتمع. سجل بحزب البعث كمؤيد، واخذ منه تعهد بالاعدام، اذا أنتسب، أو أيد اي فئة اوحزب، أو اخفى معلومات. حتى يتوقى العواقب الوخيمة من قبضة الارهاب والانتهاكات الصارخة، سواء كانت بسبب او بدون سبب، حسب مزاجية أمين الامن والمخابرات، ان يعبث في حياة الناس، ويوزع الحياة والموت بين الناس . لذلك قال لهم في الاستجواب بأنه رجل عادي جداً جداً مهتم بعائلته فقط. ضحكوا عليه بصلافة والاستهزاء، وضحكوا على عبارته بأنه أنسان عادي جداً جداً، وقال له المحقق (- لا تتعجب. سنرى. واكمل أخر : كل الناس خطرون، الانسان الوحيد لا خطر منه، هو الميت والمسجون.

- انك تخفي عنا الحقائق) ص38. وسأل عن انتمائه الحزبي، فأجاب بأنه بعثي بدرجة مؤيد. فصرخ به مسؤول التحقيق :

- مؤيد خراء. أبحثوا عن اخوانه. اقربائه. أولاد عمه . اذا طلع احدهم شيوعياً أذن) ص49.

واخذوا ينقلونه من سجن الى آخر، في استمر اساليب التعذيب الجسدية والنفسية. حتى كانوا ينقلونه من محافظة الى آخرى، حتى المحافظات الشمالية (اربيل. سليمانية. دهوك) وفي كل سجن يواجه هوان العذاب والانتهاك والمعاناة والظروف القاسية. ويسمع حكايات مرعبة من السجناء الضحايا، او حكايات عن المعدومين، حكايات الموت المريرة، وكان يسمع من القرويين الاكراد في محافظات كردستان العراق، حكايات الموت لا يصدقها العقل، مثلاً اعدام لكل من يأوي رجال الانصار، او يقدم مساعدة او يتعامل معهم في بيع البضائع. او لم يخبر عن تواجدهم ومرورهم في القرى. يعني اصبحت الحياة رخيصة وتافهة ومضحكة في الموت المجاني، وهم ابرياء ليس لهم علاقة في الصراع السياسي. وكذلك عن اساليب جهنمية، مثل زرق الابر ليصاب الضحية بالجنون. او يسحل الضحية حتى تزهق روحه. او حرق اعضاء جهاز التناسلي الحساسة، او ممارسة اللواط. او حالات التجسس على الاباء من خلال اطفالهم، مثلاً سألوا احد الاطفال هل يحب السيد الرئيس، فأجاب بلا، لان أباه كلما يظهر الرئيس في الشاشة يبصق عليه، واعدم أباه مع عائلته وهدم بيتهم عليهم، او احد التجار الكبار، تواطؤوا مع خادمته في استدراجه الى حديث سياسي على فراش المضاجعة. ومعها كاسيت التسجيل، واراد ان يسكتها بالكلام عن السياسة فقال لها (شعرة من عانتكِ خير من الف عفلق) وعرضوا الكاسيت على زوجته وهي لم تصدق، وكان اعدامه بعدما أسمعوه كلامه. وحكايات آخرى يقف لها شعر الرأس لهولها وغرابتها. نظام مبني على القبضة الحديدية الباطشة في التنكيل لكل فئات الشعب، لا يخلط بين الناس، كلهم بنظره مجرمون.

وكان (مصطف علي نعمان) مصاب بالدازنتري الحاد، فحين تهب عليه اوجاعه الحادة، والتي لا يتحملها، يتغوط في اكياس النايلون الازبال بالاسهال الفظيع، وامام السجناء، وهو يذوب بالخجل والمهانة. وخلال التحقيقات يحاول ان يثبت برائته لكن دون جدوى. وفي احدى التحقيقات، اخرجوا له صورة كان في صالة الفندق وورائه شخص مجهول لا يعرفه. فسألوه عن علاقته بالبيش مركة والشخص الواقف خلفه بالصورة، فأجاب ليس له علاقة (ليس لي علاقة، هات شخصاً يشهد علي، اي شخص، اعدموني) ص98. وقال لهم بأنه خلال زيارته السريعة الى (السليمانية) اراد ان يأخذ صورة تذكارية. فقالوا له ان هذا الشاب خطير مطلوب رأسه لانه من الانصار، من خمس سنوات يطاردونه دون جدوى، وقالوا له. لماذا اخذ اجازة شهر واحد، في نفس اليوم الذي سرقت سفينة راسية في شط العرب، كانت محملة بالاسلحة والمتفجرات. فقال لهم اخذ اجازة شهر واحد لبناء بيته، فلم يسعفهم في الاقناع، بل شددوا عليه اكثر بالتعذيب والضرب والاهانات، حتى جعله يجزع من حياته ويتمنى الموت. لكنه ينهشه ويعذبه مصير أطفاله، مصير زوجته وهي من التبعية. ولكن من احد الصدف النادرة، في التحقيق الاخير، وقع مع محقق، يحب البصرة واهل البصرة. فقال له المحقق (لقد كان حظك كبيراً، أنني احب اهل البصرة ومن يسكنها، سهمت عيناه من جديد في ذكريات مخملية، مثيرة تفيض من ملامحه كلها) ص105. وساعده في اطلاق سراحه، وهو غير مصدق، الامل الذي انعشه واعاده الى الحياة، بعد قاب قوسين من الموت، واطلق سراحه بعد سنة وثلاثة اشهر عجاف في مراراتها القاسية، التي لعبت به الصدف الكثيرة بين الموت والحياة.

 - اهم الصدف التي تجرعها بكؤوس من الحنظل:

1 - صدفة اعتقاله في مولود النبي

2 - الصدفة المتسرعة في تسليم مقاول البناء، الفي دينار ونسى ان يطالبه بوصل استلام المبلغ.

3 - صدفة عطل سيارته في الشارع

4 - صدفة اعتقاله نتيجة تشابه الاسماء، من اسمه الحقيقي (مصطفى علي نعمان) الى الاسم (مصطفى علي عثمان).

5 - صدفة اخذ اجازة شهر لبناء بيته، في نفس اليوم الذي، سرقت فيه سفينة محملة بالاسلحة والمتفجرات راسية في ميناء شط العرب

6 - صدفة خذ صورة تذكارية في رحلة سياحية الى (السليمانية) واخذ صورة في صالة الفندق، وصدفة وجود شخص خلفه خطير مطلوب رأسه بالموت.

7 - الصدفة الوحيدة التي انقذته، هي وقوعه مع محقق يحب البصرة واهل البصرة، وساعده في اطلاق سراحه.

هذه الصدف المشؤومة التي تحيي وتميت الانسان دون علمه وارادته، لكنها تشير الى الحياة الشاقة، تحت قبضة السلطة الشمولية، في ارهابها وزهق الارواح البشر.

 

 جمعة عبدالله

 

الكبير الداديسيدأبت "جمعية أكورا للفنون" بدعم من مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط موقع آسفي . على عرض شريط سينمائي في الخميس الأخير من كل شهر فكان الجمهور ليلة الخميس 26شتنبر 2019 على موعد مع عرض الشريط المغربي " دموع الرمال" بحضور مخرجه عزيز السالمي في قاعة الأطلنتيد.

 الفيلم الذي حاول تصوير معاناة المعتقلين المغاربة في مخيمات البوليزاريو بتندوف في مساحة زمنية قاربت الساعة و47 دقيقة شخص أحداثة ثلة من المثملين المغاربة أهمهم: محمد الشوبي، السعدية لاديب، عبد الله الشكيري، محمد الخطاب، عادل أباتراب، عز العرب الكغاط، نعيمة المشرقي، عبد الله لاماني، وفاطمة هراندي، ليصنف الشريط نفسه ضمن أفلام القضية، وهي هنا للمغاربة قضية وطنية بامتياز، وقد صرح المخرج أثناء مناقشة الشريط بعد العرض، أن هدفه الأول من هذا الفيلم هو التعريف بالقضية الوطنية وتسليط الضوء على ما كابده المعتقلون المغاربة في معتقلات تيندوف من تعذيب في ضرب سافر لكل المواثيق والعهود الدولية الضامنة لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية،

انطلق الشريط بجمل سينمائية من الأرشيف (مقتطفات من خطاب الراحل الحسن الثاني، والعاهل المغربي محمد السادس، وصور من المسيرة الخضراء...) قبل أن يلقي الشريط بالمشاهدين في لج القضية حيث الأبطال الثلاثة الناجين من زنازين تيندوف يكابدون صعوبة الاندماج في المغرب المعاصر خاصة وهم يرون أحد الجلادين الذي أذاقهم أشد أنواع التعذيب والتنكيل قد عاد إلى الوطن و تسلق مراتب عليا في المجتمع ليصبح برلمانيا، بل ومن علية القوم يناظر في حقوق الإنسان، ليرتد السرد السينمائي القهقرى ويعود بالمشاهدين إلى الظروف التي اعتقلوا فيها يوم اعترضت ميلشيات البوليزاريو حافلة مدَنية تقل مسافرين مدنيين رجالا ونساء وتمطر الحافلة بوابل من الرصاص، مما أجبرها على التوقف. ليعيث أفراد العصابة فساد في الحافلة وركابها، جردوهم من كل ما يملكون، وقادوهم قسرا تحت الضرب والرفس، وكل القتل رميا بالرصاص مصير كل من حاول الهرب أو تردد في تنفيذ ما يطلبون، هكذا يضع الشريط المشاهدين ضروب من التعذيب القاسي لمواطنين مدنيين (خصي، قطع الألسن، اغتصاب..) ظروف حياة تنعدم فيها أدنى درجة من الكرامة الإنسانية، أعمال شاقة غير نافعة، الأوساخ، قلة الأكل وندرة الماء، وما يقدم من أكل على قلته يقدم بطريقة مذلة، نقل الأرز في عربة البناء (la brouette ) وتوزيعه على المعتقلين بمجراف البناء (pelle La ) ويستمر العرض في الانتقال بين معاناة الحاضر في المغرب، وعذاب الماضي في المعتقل من خلال تقنية الفلاش الباك التي حضرت بقوة في معظم فترات الشريط، فأحالت الشريط مسلسل معاناة مرتبطة حلقاته بين الآن والماضي،

وعلى الرغم من تصنيف الفيلم ضمن الأفلام المعالجة لقضية عبر أحداث ووثائق تاريخية هادفة همها الدفاع عن قضية وطن انطلاقا من أحداث واقعية، ما دام المخرج اعتمد في كتابة السيناريوعلى ما كتبه أحد الناجين في سيرته، ففكرة الفيلم يقول السالمي تولدت مباشرة بعد قراءته لمذكرات السجين السابق عبد الله لماني والذي جعله أحد أبطال الفيلم . وعلى الرغم من توظيف أحداث تاريخية محفورة في ذاكرة كل المغاربة منها ما هو مرتبط بالرياضة ( فوز اعويطة بميدالية أولمبية سنة 1984)، بالكوارث (زلزال الحسيمية) أو السياسية (خروج المغرب من منظمة الوحدة الإفريقية + وفاة الحسن الثاني).... فإن المخرج أضفى لمسة فنية على تلك الأحداث وأحسن توظيفها في بناء تطور أحداث الفيلم، مما وسم عددا من اللقطات برمزية فنية دالة نكتفي بالإشارة منها إلى :

- سقوط أحد الهاربن برصاص البوليزاريو على شعار المغاربة (الله الوطن الملك) في أحد المرتفعات.

- تشكيل الناجين وهم يحكون معاناتهم لنجمة خماسية على عشب أخضر .

- رمزية اللباس كما تجلى في تقديم الناجين بلباس العرسان، سواء أثناء نزولهم من السيارات بالتركيز على البلغة والجوارب البيضاء، أو أثناء دخولهم قاعة الاستقبال بالجلابيب البيضاء

تقنيا الشريط به عدة نقط مضيئة ومشرفة منها الموسيقى التصويرية التي أبدع السيد زكريا نويح في تكييفها مع المشاهد، إضافة طريقة التصوير وحسن توظيف الإضاءة في الليل وبالأقبية، ناهيك عن الكادراج الذي كان يضع الأحداث في عمق الصورة، مع حسن تحريك الكاميرا وحسن اختيار زوايا التصوير في إدارة جيدة للكاميرا من طرف جون مارك سيلفا....

وبما أن لكل جواد كبوة، فرغم كثرة الجوانب المضيئة في فيلم "دموع الرمال" فهناك ملاحظات لا تنقص من قيمة الفيلم الفنية والتاريخية منها:

- في لحظات كثيرة عانت تعابير الوجوه وملامح الممثلين دون حجم المعاناة، و بل شاردة عن خصوصية اللحظة، فقد ظلت الوجوه باردة في لحظات تتطلب تفاعلا أكثر كما كان لحظة لقاء العائلات بالعائدين فبدت مثلا ملامح الممثلة نعيمة لمشرقي مثلا وكأنها خارج اللحظة، وظهرت ملامح البنت التي لم تر والدها لأزيد من 30 سنة عادية خالية من أي تعبير ومثل ذلك كانت معظم الوجوه، تلك الزوجة التي غاب عنها زوجها وتوجت غيره والتي ظلت تتساءل مستنكرة (لماذا عاد)

- تقديم وجهة نظر المغرب الرسمية لقضية الصحراء من خلال التركيز على خطب ملوك المغرب، مع الحضور القوي للإديولوجية في إطار الصراع بين نظامين مختلفين، كل طرف يمجد نظامه، يقول أحد قادة البوليزاريو كان يكيل الشتائم للنظام الملكي في المغربل إن (جبهة التحرير الجزائرية (FLN) إله والبوليزاريو ديانة)، مع غياب شبه تام لحضور وتفاعل المجتمع المدني مع القضية، فلا جمعية تحدث عن اعتقال المدنيين، ولا جمعية حضرت عودتهم، ولا احتضنتهم أو سعت لإعادة إدماجهم، والأغرب غياب عائلات المعتقلين جسديا أو وجدانيا بين من غيبه الموت، ومن انشغل عن قريبه بانشغالات الحياة: فلم يجد أحد المعتقلين أحدا في انتظاره بعد هلاك كل عائلته في زلزال الحسيمة، والبطل الآخر وجد زوجته تزوجت غيره، والثالث كانت له بنت تعمل في مجال السينما لم يكن لديها الوقت لمجالس أبيها... وإلى جانب تنكر الأسرة والمجتمع، يسجل في الشريط تنكر الدولة لهؤلاء المعتقلين مقابل إيلائها حضوة للجلادين العائدين.. وهو ما وسم الشريط بنزعة ذاتية تعبر عن موقف المخرج/ كاتب السيناريو الأقرب للموقف الرسمي، وكان ممكنا عرض المعاناة كقضية إنسانية، بالتركيز على الخرق السافر لحقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا وإنسانيا والتخفيف من الطرح الرسمي والأيديولوجي للقضية...

- وثوقية المقدمة وضبابية الخاتمة: يلاحظ مشاهد الشريط أن المخرج بدأ شريطه واثقا، مقتنعا ومؤمنا بعدالة القضية منطلقا من وثائق تاريخية، لكنه في الخاتمة / النهاية عجز عن اتخاذ موقف صريح وواضح من الجلادين الذين استفادوا من نداء (إن الوطن غفور رحيم) وتسلقوا مناصب عليا في الدولة وأيديهم ملوثة بقتل الأبرياء من المدنيين والتلذذ بتعذيبهم ـ ليلامس الشريط قضية حساسة تتعلق بمكانة قادة من البوليزاريو العائدين لأرض الوطن (المغرب) وتحملهم لمهام رسمية، وهو ما وضع المخرج في مأزق/ النهاية فلم يعرف أي مصير يختار لأحد الجلادين لما اختلى به أحد ضحاياه كان قد هتك عرضه وأخصاه أمام الملأ، اختلى به بعد تربص في مرحاض إحدى الجامعات التي نزل بها الجلاد محاضرا في حقوق الإنسان، لينقض عليه ويقتله خنقا، قبل أن يتراجع المخرج ويظهر الضحية تصفح عن الجلاد ويطلب منه العودة إلى المنصة ومواصلة أكاذيبه، وأن القتل لم يكن سوى قتلاوجدانيا وهو ما يكشف تردد حيرة المخرج في إصدار موقف صريح من الجلادين العائدين لأرض الوطن ....

إن كثرة الانتقال الزمني بين الماضي والحاضر، والإفراط في توظيف الفلاش باك، والانتقال المكاني بين مخيمات تيندوف، الدار البيضاء، العيون، الداخلة، الحسيمية... كان له تأثيره على المونتاج الذي أشرف عليه كل من المخرج ومنير الرايس ، فكان الصوت في بعض الأحيان يسبق الصورة كسماع القرآن قبل ظهور البطلين في المقبرة، أضف إلى ذلك بداءة المؤثرات الخاصة، إذ ظهر تفجير الحافلة بعد اختطاف الركاب بدائيا ودون المستوى المنتظر من شريط يتغيى الدفاع عن قضية وطنية في المحافل الدولية، ....

 وفي الأخير نشيرة إلى نقطة سالبة أخيرة وهي تغييب المرأة على الرغم من كون عدد منهم النساء كن في الحافلة، كما أن كل النساء اللواتي استقبل الناجين كن سالبات لا واحدة قدمت دعما ماديا أو معنوية فظلت المرأة مغيبة وسالبة في معظم المشاهد السينمائية، وقد اعترف المخرج بهذا التقصير أثناء المناقشة وبرره بإمكانية إخراج سريط جديد خاص بالمرأة

ختاما، يبقى فيلم (دموع الرمال) تحفة فنية ووثيقة تاريخية انضافت إلى خزانة السينما المغربية، وما الملاحظات في هذا المقال سوى إثراء للنقاش والنقد السينمائي في المغرب والوطن العربي.

 

ذ. الكبير الداديسي

 

1169 تاء الخجلباريس تبتسم للروائية الكبيرة فضيلة الفاروق

حين تنتحر الابتسامة.

شكراً باريس لهدوئك رغم صخب المارين، الكل يسرع في اتجاه حياة أفضل... شكراً. للطمأنينة التي تسكنني.. شكرا لأنني انتهيت من قراءة رواية (تاء الخجل) للأديبة الكبيرة فضيلة الفاروق ..وأنا في المترو في مطعم يشعرك بالدفي وأنت تبحث عن الفرح في وجوه المارين العابسين كوجه السماء الغائمة .. والمطر ينثر زخاته ...يبلل شوارع باريس ورياحٌ حنينة تعبث بأوراق الأشجار... .

رواية تروي فيها الكاتبة بكل روح إنسانية وحزنٌ وأسى لما عانته المرأة الجزائرية في فترة الإرهاب، حزنٌ وألمٌ ودمارٌ وضياع للإنسانية، واغتصاب حرية وشرف المرأة وعذريتها الحالمة، وحلمها الذي كبر معه الألم، ، واغتصاب الأنثي و تقتل من قبل الأسرة كما فعل الأب الذي ألقى بابنته البالغة ثمانية أعوام من على أحد الجسور خلاصا من عارها باسم الفهم الخاطئ للدين، الإرهاب الذي تفنن في زرع الموت الموت بكل الطرق من أجل دفن العار والفضيحة، لتصبح تاءُ التأنيث، تاءُ الخجل والدمار، تاء الفضيحة، طرحت الأديبة فضيلة الفاروق في هذه الرواية الموضوع بحبكة أدبية في غاية الدقة وجمال، الحرف والعمل الروائي المتقن والمثقل بهموم وطنٌ ضاع في خلفيات دينية متشددة، ليس لها أسس من صحة، التطور الذي يظهر بكل جماليات الإبداع عند الكاتبة، التي طالما حاربت في كتاباتها التخلف والتعصب، دافعت عن حرية المرأة من أجل القضاء عن العادات والتقاليد التي توءد روحاً وفكراً للامرأة، تجاوزت كل الطقوس والعادات التي لا تخدم عقل وحرية فكها، هذه الأنثي التي حاربت كل العقد النفسية الموجودة في المجتمع، حتى تبرهن له أن أفكارها توازي أفكار الرجل، وأنها قادرة على التحدي، من أجل بناء أسرة سعيدة، تعلمت وأثبتت وجودها الفكري والعملي بكل جدارة، في غياب العدالة التي لا تنصف المغتصبات {حسب ما كتبته الروائية} وحدهن المغتصبات يعرفن معنى انتهاك الجسد، وانتهاك الآن، الحب الذي تبحث عنه الروائية فضيلة الفاروق في (تاء الخجل ) مؤلم وعنيف، لأنه ولد في بيئة قاسية جدا، خاصة منقطة قريتها التي تعرف بالتشدد كون اهلها من الشاوية الأحرار، أو أمازيغ الاوراس، لكنه ليس أكثر إيلاماً من الانفصال الذي يجعل الدنيا تصبح أكثر حدة. امرأة هاربة من أنوثتها ومن الآخر(الرجل) ومن مجتمع محافظ جدا، لأنه مرادف لتلك الأنوثة المستضعفة والمهمشة في مجتمع لا يقدم أدنى متطلبات الاحترام للمرأة، فهي إذن مشروع أنثى وليست أنثى، لكنها تملك قنبلة في داخلها تنفجر في أي لحظة وبكل الطرق التي يعرفها الانفجار، هو التمرد على كل الطقوس ...

(كنت مشروع أنثى ولم أصبح أنثى تماماً بسبب الظروف، كنت مشروع كاتبة، ولم أصبح كذلك إلا حين خسرت الإنسانية إلى الأبد. كنت مشروع حياة، ولم أحقق من ذلك المشروع سوى عُشر، وحدهن يعرفن وصمة العار، وحدهن يعرفن التشرد، والدعارة، والانتحار وحدهن يعرفن الفتاوى التي أباحت الاغتصاب، تاء الخجل رواية من أجل 5000 مغتصبة في الجزائر، تلامس قضية طالما عانت منها المرأة في كل مكان وتؤشر الخلل في العلاقة بين الجنسين في المجتمع وهي بحث يلقي الضوء على الواقع السياسي والاجتماعي في الجزائر. "الاغتصاب استراتيجية حربية، إذ أعلنت الجماعات الإسلامية المسلحة "GIA" في بيانها رقم 28 الصادر في 30 نيسان/إبريل، أنها قد وسعت دائرة معركتها للانتصار للشرف بقتل نسائهم ونساء من يحاربوننا أينما كانوا، في كل الجهات.)

حقيقة مرة عاشتها المرأة الجزائرية بكل مرارة التي تخنق النفس والهواء .. وتبصم على جبين العفة عارٌ من العيار الثقيل والموجع ..حتى الدمار ...

الشيء الجميل في الرواية أعتقد بقي مؤجلاً في مخطوطات البطلة إلي إشعار اخر ...ونغمة الأرانب التي تمثل ربما الفرح الوحيد للبلطة؟

هذا المساء باريس 24 ديسمبر 2015

سليمة مليزي

القراءة من كتاب (ابتكار فكرة النقد ) تحت الطبع

 

عبد الله الفيفي1- النص الرقمي/ النص الإلكتروني التفاعلي (سؤال المصطلح والموضوع):

نقصد بـ(الأدب الإلِكتروني التفاعلي) ما يُعرَف بـ(النص المترابط Hypertext)، تحديدًا، لا ما دُوِّن من الأدب إلِكترونيًّا، عبر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة.  فهذا الأخير لا يعدو نصًّا أدبيًّا دُوِّن بالتقنية الحديثة، أو نُقِل إلى هذه التقنية، ولا فرق بينه والنصِّ التقليدي، مخطوطًا أو مطبوعًا، إلَّا في الوسيط بين الكاتب والمتلقِّي، من الورقة إلى الشاشة.

ولطبيعة النصِّ الإلِكتروني التفاعلي، أَستبدلُ كلمة "إلِكتروني" بـ"رقمي"، في تسمية هذا النوع من النصوص، لأسمِّيها: "النصوص الإلِكترونيَّة التفاعليَّة"، بدل "النصوص الرقميَّة".  ذلك لأن التعامل في هذا النصِّ- إنشاءً وتلقِّيًا- هو مع التقنية الإلِكترونيَّة.  فكلمة "إلِكترونيَّة" ضروريَّة لإشارتها إلى التقنية الوسيطة، التي من دونها لا قيام لهذا النص.  ونحن نستعمل: "الصحيفة الإلِكترونيَّة"، و"الموقع الإلِكتروني"، و"النشر الإلِكتروني"،،، إلخ.، فأَولَى أن يُسمَّى هذا النصُّ: "النصُّ الإلِكتروني التفاعلي".  ثمَّ إن مصطلح "رقمي" مصطلح مُلْبِس، ومشوِّش على مفردة مستقرَّة قديمة مستعملة، تتعلَّق بالرَّقم، بمعنى الكتابة من جهة، وبالأرقام، بمعنى الأعداد من جهة أخرى.  وهناك ما يُسمَّى حديثًا "العَروض الرقميَّة"، مثلًا، وتتعلَّق بوضع معادلات رقميَّة لوزن الشِّعر بدلَ الأسباب والأوتاد والتفعيلات.  على أن مفهوم (النص المترابط أو المتشعِّب Hypertext)، الذي استعملَه للمرَّة الأُولى الفيلسوف وعالم الحاسوب الأميركي (ثيودور نيلسون Theodor Holm Nelson)، 1965، قد تخطَّاه الزمن، فضلًا عن أن "الترابط" هو شرطٌ مشتركٌ بالضرورة- بمعنى أو بآخر- مع مختلف أضرب الكتابات والنصوص؛ فلا قيمة نوعيَّة تحملها دلالة الكلمة هنا عن "النصِّ الإلكتروني التفاعلي".  كما أن مفهوم (النصِّ الإنترنتِّي Cyber text)، الذي كان أوَّلَ من استعمله الباحث النرويجي (آرسيت Espen J Aarseth)، لم يعد يدلُّ على خصوصيَّة "النصِّ الإلِكتروني التفاعلي"؛ بما أن النصوص اليوم أضحت في معظمها إنترنتيَّة، بشكل أو بآخر.  يضاف إلى هذا أن ما يُنشَر من هذا النوع هو في الأصل إنتاجٌ ورقيٌّ، أو هو قابل بشكل أو بآخر لأن يكون إنتاجًا ورقيًّا، وله سوابق، قبل وجود الإنترنت، بطرائق مختلفة للكتابة والتوزيع والدمج والإرفاق النصوصي أو التشكيلي، مثلما في فنِّ (التشجير الشِّعري) الذي عُرف في التراث العَرَبي خلال القرن الحادي عشر الهجري، السابع عشر الميلادي، أو (الشِّعر الهندسي)، المختلَف في تأريخ ظهوره.(1)  ومن هنا فأنا أرى أن مصطلح "النص الرقمي"، أو "النص المترابط"، أو "النص المتشعِّب"، أو "النص الإنترنتِّي"، كلَّها مصطلحات إمَّا غير دقيقة الدلالة، أو قد عفا عليها الزمن، ولم تعد صالحة للاستعمال، إذا توخينا الدقَّة في ما نعنيه الآن.  على أني لا أرى أن صفة "الإلِكترونيَّة" تُغني بحال عن صفة "التفاعليَّة Interactive"، إذا أريد لتسمية هذا الشكل الكتابي أن تدلَّ على طبيعته.  وتبدو كلمة "تفاعليَّة" أنسب، وأشمل، وأعمق من غيرها في إشاريَّتها إلى علاقات النصِّ الداخلية وعلاقاته الخارجيَّة: بنائيَّة، وفي فضاء التلقِّي.  لهذا كلِّه، سبق أن اقترحتُ- منذ 2008، في بحث نشرته في ("مجلَّة آداب المستنصريَّة"، العدد السابع والأربعين، كليَّة الآداب، الجامعة المستنصريَّة، بالعراق)- مصطلح: "النصِّ الإلِكترونيِّ التفاعليِّ" مصطلحًا عَرَبيًّا للإشارة إلى هذا النوع من النصوص.

2- في الشِّعر:

كانت لي مقاربة في قصيدة إلِكترونية تفاعليَّة للشاعر العراقي (مشتاق عبَّاس معن)، عنوانها «تباريح رقميَّة لسيرةٍ بعضها أزرق»، نُشِرت على موقع «النخلة والجيران» الإلِكتروني، 2007. 

وتكمن الصعوبة في التعاطي نقديًّا مع القصيدة الإلِكترونيَّة التفاعليَّة في كيفيَّة وصفها، وتحليلها، ومن ثَمَّ إيصال القراءة النقديَّة إلى المتلقِّي، بما أن هذه القصيدة معتمدة على التقنية.  لأجل هذا فنحن بحاجة إلى (قراءة نقديَّة إلِكترونيَّة تفاعليَّة)، تضاهي طبيعة القصيدة الإلِكترونيَّة التفاعليَّة، وإلَّا كانت القراءة تقليديَّة لنصٍّ غير تقليديٍّ ولا مألوف، ولا مهيَّأ لمعظم القرَّاء، وسيتعذَّر على القارئ متابعة ما نقدِّم إليه، إلَّا في نطاقٍ نخبويٍّ ضيِّق.  ذلك ما شعرتُ به في مواجهة أعمال الشاعر مشتاق.

ولعلَّ ما يجابهه المطَّلع- ولا أقول القارئ؛ لأن العمليَّة في تلقِّي القصيدة الإلِكترونيَّة التفاعليَّة لم تَعُد قراءة نصٍّ فقط، بل هي تفاعل مع ضروبٍ فنِّيَّة مختلفة، من: نصٍّ، وصورة، وموسيقى، فضلًا عن الإيقونات، والروابط التصفُّحيَّة، واللوحات الإلِكترونيَّة- هو ذلك الشتات بين: (متن)، و(حاشية)، و(هامش)، و(تفرُّعات أخرى)، و(أشرطةٍ تمرُّ عجلى). ومع أن القارئ يفتقد في تفاعله مع القصيدة الإلِكترونيَّة التفاعليَّة التجسُّدَ الواحديَّ للنصِّ، فإن ما يعايشه من شتات في تفرعات النصِّ له جماليَّاته وجذبه، كجمال شجرة غنَّاء، ذات فروع، وأغصان، وزهور، وثمار، وأطيار.

وأحيل المهتم إلى تفاصيل تلك المقاربة المذكورة، ورقيًّا في المجلَّة المذكورة أعلاه، وإلِكترونيًّا في عدد من المواقع الإلكترونية، تحت عنوان "نحو نقدٍ إلِكتروني تفاعلي".

 

بقلم: أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

.......................

(*) هذا الجزء الأوَّل من ورقة بحثٍ قدَّمتها ضمن البرنامج الثقافي لسوق عكاظ 13، بمدينة الطائف، مساء الخميس 21/ 12/ 1440هـ= 22/ 8/ 2019م.

(1) انظر: أمين، بكري شيخ، (1979)، مطالعات في الشِّعر المملوكي والعثماني، (بيروت: دار الآفاق الجديدة)، 181، 209.

 

حاتم جعفرنقول عنه، هو سليل المسرح العراقي يوم كان زاهيا، وسليل مدينة مباركة بأهلها، يجمعهما جسر من التناغم والتكامل، ومنهما إستمد خطوته اﻷولى ليضعها على طريق من الثبات والثقة. من هناك ستبدأ رحلة سالم، وسالم هذا سيمثل الشخصية الرئيسية والمحورية في رواية الصديق محي الإشيقر (كان هناك)، الصادرة منذ ما ينيف على العشرين عاما، ومن مغتربه، بلاد الشمال البعيدة، يوم حُمل كغيره من ضحايا العالم الثالث على راحة من الطمأنينة، بعدما وُصدت أبواب ذي القربى ولم يكن لنا وله وقتذاك غير بلاد الثلج والنفوس الطيبة، فيا لجمالها وجمال أهليها. كان قد كتب سرده اﻵنف بين مدينتين، تقاسمتها مالمو السويدية، مكان إقامته، واﻷخرى كوبنهاغن، حيث اﻷحبة واﻷصدقاء والندامى. ويبقى السؤال شاخصا: هل سيصل سالم قرص الشمس، إذ هي وجهته ومبتغاه؟.

وقبيل الشروع في مشواره، وصل مسامعه وعلى حين غفلةصوتا رخيما، هادئا، متماسكا، ينم عن خبرة ودراية بمتاعب السفر وعثرات الدنيا وما يحيط بهما، انها إحدى الوصايا وأظنها على غاية من اﻷهمية، إذ قيل له وبإيقاع يشبه التعويذة: عليك يا ولدي أن لا تكون وحيدا في ترحالك البعيد والإضطراري، فالطرق ليست كلهاسالكة بالحب. لذا ونزولا عند تلك الوصية ووفاءا لها، قرر سالم أن يأخذ معه إرث مدينته وجرعات من الصبر وأضمومة من صفاء الروح، ليحفظها في إحدى زوايا القلب، دون علم الرقيب، الرابض على حدود الوطن وما يفترضه من نوايا مخبئة.

تحولت أرض السواد سوادا وجفَّ ضرعها، وتمرها الباسق منذ بدأ الخليقة لم يعد يُشبع اﻷبناء، ونهراه لم يلتقيا منذ دهر ولن يلتقيا ما دامت الأرض والسماء ليست لنا. في يوم كهذا من أيام القحط والجدب السياسيين وما أضيف لهما من سبي منظم، طال الحرث والنسل، والذي ما إنفكت الدولة وأجهزتها تسلطه وبفخر على (أبنائها المشاكسين) حسب أعرافها وقوانينها، نقول في ذلك اليوم النحس خرج سالم من زقاقه، حيث وُلِدَ وكبر وحيث سيمضي الى مغتربه، ليقضي هناك أكثر من نصف عمره، تاركا ورائه ليالي العشق وحوارات السياسة الساخنة.

قبل أن يواصل مسراه، توقف طويلا بمواجهة إحدى الحضرتين، تذكَّرَ يوم دخوله أحد المرقدين بصحبة أمه وهو ماسك بذيل عباءتها، عملا بوصيتها حين كان صغيرا. راح يسترجع ما حدث له في ذلك اليوم وبما لم يبح به ﻷحد حتى في كبره. ففي يوم كهذا من أيام الحزن وإستحضار التأريخ، وبينما كانا يؤديان سوية طقوس الزيارة الكبرى، غابت عيناها لبرهة خاطفة بفعل التزاحم والتدافع ومن قبلهما التهدج، ليفلت الصبي من بين يديها. وقبل ان تدخل في فصل من النواح وما يتبعه، وإذا بسالم يظهر وعلامات وجهه تنذر بفرح غامر وبعد أن نجح في إختبار العودة اﻵمنة الى أمّه ليشبكها بقوة، خشية إنفلاته مرة أخرى، حتى سألته: كيف إهتديت ووصلتني؟ لم يحترْ جوابا، فببداهة العارف ردَّ عليها: أترينَ يا أمّي تلك المآذن العالية والمزدانة بماء الذهب والحب؟ فهي وقلبكِ دليلي اليكِ، فما كان منها الاّ أن تحتضنه ثانية حتى إلتصق بشغاف القلب. ومنذ تلك الواقعة و(الولد) راح يجيد لعبة اﻷمكنة والإتجاهات، وستتحول فيما بعد الى ذخيرة لا يستهان بها، ليبان تأثيرها في ما بعد عند التحاقه بالثورة الفلسطينية، فمنذها لم تنقصه النباهة ولا دقة الملاحظة، فهما بوصلته وهما معينه حين تتيه أو تضيق الطرق.

كان للطقس الحسيني حضورا واضحا في أعمال محي الإشيقر، ولهذا العامل أثر فاعل ومهم في رفد الحركة المسرحية في محافظته عموما وفي مركزها بشكل خاص. وإذا كان الفن العراقي قد أنجب وعلى هذا الصعيد من أسماء لامعة، فسيأتيك في مقدمتهم وعلى الفور، تلك الشمعة الخالدة في سماء المسرح العراقي وأحد روادها، الا وهو الفنان القدير وطيب الذكر والثرى، بدري حسون فريد. ثم راحت تلتحق به تباعاشخصيات أخرى لا تقل عطاءا وإبداعا، ولعل جواد اﻷسدي سيكون من أبرزهم.

عن الكاتب وإذا كان لنا من قول، فهو إبن بار ووليد طبيعي لهذه المدينة، حيث جمع بين يديه صناعة الكتابة وفن المسرح وتلك الشعائر والمشاعر الدينية والتي نَمَتْ معه وظلَّت ملازمة، مرافقة له حيث يشاء من اﻷمكنة. غير ان ما يمكن إضافته وما دمنا نستعرض المؤثرات الخارجية على سيرة صاحب الذكر، هو ذلك الميل العروبي المعتدل، الواضح عليه والمتجسد في طبيعة إنتمائه السياسي، يوم حَملَ وصحبه راية الدفاع المشروعة عن شعوب الشرق وهمومها وفي مقدمتها القضية الفلسطنية. ولا أظن انَّ في ذلك من غرابة، فكثير من اﻷسماء الثقيلة التي حملت هذه الراية وعلى مستوى الوطن بل ومنهم من عبرحدود بلاده، هم من أبناء مدينته. وقد يكون مرد ذلك هو إحساسها المبكر بتلك اﻷوجاع التي تعاني منها الشعوب المضطهدة، ولربما للتأثير الديني هنا بعض نصيب، عدا عن إطلاعها وإنفتاحها الواسع على أثنيات وأعراق متعددة، بإعتبارها مركزا دينيا ووجهة سخية العطاء، مع الحفاظ وهنا مربط الفرس وخلاصة القول على هويتها القومية، دون أن يكون ميلها هذا على حساب أو يأتي بالضد من أخوته من المكونات اﻷخرى.

وعود على بدء، فمن خلال قراءتي لرواية الصديق محي وﻷني قريب منه، سنكتشف انَّ هناك تقاربا شديدا بين شخصية سالم، والذي يُعد المحرك الرئيسي للسرد كما سبق القول، وبين كاتبه. فمن خلال سيرورة العمل سيدفعك الى القول بأنَّ سالم وعلى ما أرى، يمكن عدَه إبنا شرعيا، يقترب كثيرا من صاحب النص إن لم يتطاببق معه والى حد بعيد. فهمّه الروحاني جلي عليه، وراحته ستتجلى أكثر حين يكون على مقترب من أضرحة مدينته المقدسة، وستبقى كذلك حتى يومنا هذا. هي سلواه إذن وستعطيه دفعا ودفقا من الطمأنينة، ومن غير أن يكون مبالغا في ذلك أو ميالا لطرف أو جهة على حساب أخرى، فكما رأى في مقام محي الدين ابن عربي في شام سوريا، مزارا محببا له، فسيجد راحته أيضا في ضريح السيدة زينب أو أزهر مصر وقيروان تونس أو جامع آيا صوفيا في اسطنبول، فكل هذه اﻷماكن وشبيهاتها، ستفتح له بابا من التأمل وتبعث في نفسه السكينة.

وأن يكون الكاتب قد إستقى عمله من تجربته الشخصية فهذا لعمري شيء حسن، فاﻷعمال الروائية ستتنوع بكل تأكيد مشاربها ومصادرها وبما لا يدع مجالا للشك، وسيكون من بينها وفي مقدمتها تجربة الكاتب الشخصية وما يحيط بها من أجواء وعلاقات وبيئة. وقد تأتي أيضا من طبيعة مشاهداته وإطلاعه على تجارب اﻵخرين، مضيفا عليها نوع قراءاته وما سيستنبط منها، فكلما إتسع مخزونه المعرفي، كلما إنفتحت ورحبت أمامه أساليب التعبير وتعددت وبرشاقة وحيوية أكثر. فضلا عن ملكات الكاتب وموهبته، وكيفية توظيف رصيده لما ينوي خطّه في مدونته وهذا هو اﻷهم.

وكي لا نطيل عليكم فها نحن نستعرض سريعا بعض من أهم محطات رواية محي(كان هناك):

أسباب السفر عديدة وكُتِبَ عنها الكثير، فقد تكون دوافعها إقتصادية أو سياسية أو لأغراض أخرى متعددة، غير ان الشعب العراقي وأكاد أجزم وبالقياس الى أخوته وجيرانه، فهو اﻷقل حظا واﻷقل حماسا للتغرب، وعن ذلك قرأنا العديد من اﻷعمال اﻷدبية. وﻷنا نخوض فيما كتبه صديقنا فسنتوقف ونقتطع ما كان قد حققه من إختراق لأعماق سالم وتمكنه كذلك من قراءة ما يفكّر به في لحظة كهذه، دون أن يبوح بذلك:

أدرك بقلبه ان هذه النظرة هي اﻷخيرة، وما من فرصة لوداع أي شيئ.

بإختصار هذه الجملة ستنبؤك بعدم رغبته البتة بالسفر.

وﻷنه واثق من أحاسيسه الداخلية والتي تشير الى أنه سوف لن يعود ثانية لمدينته التي أحبها وأحبته بل تنافسا على ذلك، فراح يصفها بجملة رائعة، كثيفة التعبير وغاية في اﻷناقة:

فقد كانت منذ لحظات أشبه بمشكاةسماوية معلقة في أسفل قبة ظلام الكون.

مع التقدم بقراءة الرواية سيكشف الكاتب وبوضوح، السبب المباشر الذي يقف وراء مغادرة سالم مدينته بل وطنه:

كان سالم ولدا من نار وشقيقا للحدائق.

وفي ما بعد ستأتي جملة أخرى، تبين طبيعة التهمة التي وُجهت اليه والمتمثلة بــ :

هاجم سالم أحد المسؤولين بسكين خاص بتكريب النخل... .

هذا ما ورد في التقرير اﻷمني الذي رفعه أحد المخبرين الى سيده.

بعد أن خرج من الحدود وأطمأن أن لا عودة الى تلك الوجوه اﻷمارة بالحقد والكراهية، أراد سالم أن يستنشق هواءا عذبا،صافيا، طالبا من رفيق رحلته والذي أسماه محمداً فتح كل نوافذ الحافلة التي أقلتهم الى بلاد الشام، ثم راح قائلا:

أريد هواءاً.

فهواء مدينته ووطنه قد طالها الخراب والتراب، وما عادت أنسام دجلة الخير تأتيه بريح الصبا.

واصل سالم رحلته، وﻷنه لا زال يقلّبُ في ذاكرته تلك الليالي الخوالي، فقد فاته التنبه الى (ريمة)، هذا هو اسمها والتي وصفها بــ :

الوردة الجالسة في المقعد المجاور له.

ربما لإنشغاله بأخيه همام، فقد كان هو اﻵخر قد مرَّ من هنا قبل فترة من الزمن، ثم راح متسائلاً:

ولكن.... الى أين ...؟ هذا ما لا أعرف...

وبعجالة إستدرك وجهة أخيه،إذ إلتحق حين ذاك بأحدى فصائل المقاومة الفلسطينية.

ما إنفك الحنين يضرب بذاكرته لينقله الى هناك مرة أخرى، مستعيدا تلك اﻷمكنة، انه نوع من الوصل الذي يصعب فصمه:

سطور دقيقة لنخلات متكئات على أفق من اﻷزرق الذي في عطر أمي، ودرب نحيييييييل طافح بالنرجس والعسل. هل هو النهر النائي الفرات؟ بلى.....هو طريق الجنة المعبد بصوت أبي، وحقول القمح الناضجة في عيني الطائر المحلق... عاليا.

سالم سيلتقي أحد تلامذته، إسمه عامر، وصل حديثا بلاد الشام يوم كانت آمنة ووجهة للخلاص من قمع ذلك القابع في بغداد. هو بابلي اﻷصل والهوى والميول ويفخر بنسبه هذا، لِمَ لا، فهي منهل الحضارات وعزّها، وجنائنها لا زالت معلقة لترفل التأريخ وكتبته بما خطّه اﻷولون. غادرها مجبرا كما أخوته الآخرون من أبناء تلك البلاد، حين لم يروا من خلاص سوى إعادة ترتيب أوضاعهم وَﻷم جراحهم بعضا من الوقت، حتى تزف ساعة العودة المباركة والمظفرة.

كان هارون رجل اﻷمن ثالثهم، ومركز جذب أحايثهم، فما أن يدور الكلام عن آلة القتل الاّ ويكون حاضرا. سيستعيد عامر ذلك المشهد الذي سقطت فيه زوجة رجل اﻷمن من علٍّ على رماح مسننة بعد أن مسَّها الجنٌ، كانت بمثابة السياج الذي أرادت أن تحمي دارها وتحتمي به، ناسية إن تلك الرماح سوف ترتد عليها حين تحين الواقعة:

أعدادا غفيرة من اﻷهالي تتوجه صوب ضابط أمن المدينة المعروف بإسم هارون، هذا ليس اسمه الحقيقي فهو يستعير مجموعة من اﻷسماء.... .

صَدَقَ وأصابَ محي في قوله هذا، فإسمه بالتأكيد عبارة عن إستعارة لكل رجال البطش التي مرَّت على بلادي الحزينة والضحية، ويوم تحكَّمت بمصائر شعبي، فربما هذا الشخص قد عاش قبل مائةسنة أو خمسة قرون أو أكثر، ومارس ذات القوة والبأس مع معارضي حكمه، ومن المؤكد أن يأتي زمان، سيرتدي به ذات الـ(هارون) هذا زيا آخر وسيتستر خلف عباءة رجل دين، أو يعتمر عمامة بألوان مختلفة، أو يكون قد حنَّ الى طربوشه التركي ويحلم بعودة سلطة آل عثمان، أو سيستحضر شخصية تشبه بهجت العطية، وزير داخلية الملك المفدى ولكن بِحُلة وتسويق جديدين، دون أن يفوته إستخدام تلك التي شاعت آنذاك والمسماة بألـ(الفيصيلية) ليتذكر أيام الملك المعظم.

بالمناسبة قد يعترض أحد القراء ليقول: زمان الملك كان أرحم، ربما، ولكني تعمدت إيراد مثال كهذا، كي نعقد مقارنة خاطفة وقد تكون متأنية، بين ما فات من زمان وبين ما يحلُّ بنا هذه اﻷيام. إيه يا بلادي، الا تراهم يتنافسون ويتقافزون كالقردة لنيل ذات المنصب الذي كان يشغله هارون، ومن شدة اليأس وبلوغنا مرحلة متطورة جداً من الإنحطاط والتداعي، بتنا نخشى على بغدادنا من الموت ويبقى جلاّدها، فما نراه هو سقوط الدولة ومن قاع الى قاع وليس في اﻷفق حلاّ.

لم يطل المقام بسالم طويلا في الشام، فشدَّ أحزمته ورحاله صوب بيروت، حيث الثورة الفلسطينية وحيث رغبته ومراده. أختيرَ له هناك مكانا في إحدى قواعدها، كذلك إسما حركيا قريب الى قلبه ووجدانه (حسين). صادف أن يكون إسم مسؤوله أبو الشفيع. تقاربا وأنسجما على نحو سريع، وتصاعد بينهما منسوب الثقة، فراح كل منهما ينفتح على اﻵخر وبشكل مُطّرد ليدخلا في بعض من التفاصيل. وعن ذلك فقد بادر سالم وببضعة كلمات، أعادتني أنا، المتطفل عليهما الى ما كنت قد ذكرته في بداية المقال عن وجود صلة قوية تجمع ما بين (سالم) من جهة وبين كاتب الرواية من جهة أخرى. وعن هذا فلنستمع الى ما دار بينهما من كلام:

اني عملت في حقل التعليم لفترة من الزمن قبل التحاقي بالمقاومة.

ــ (ولكن لا يبدو عليك انك كبير في العمر.) قال

ــ (لكنني أشعر انني مسنٌ) قلت

ــ (أبدا، لو لم تخبرني... بعمرك، لقدرت أننا متقاربان في السن)

في ما بعد ستتعزز الثقة أكثر بسالم حتى بات يُكلف من قبل المكتب العائد لإحدى فصائل المقاومة الفلسطينية ببعض المهام السياسية، كصياغة التقارير التي تخص عمل الثورة، والتي لا تخلو من جهد فكري وسعة إطلاع.

شبح رجل اﻷمن والمتمثل بهارون ظلَّ يلاحق سالم حتى في منامه على الرغم من بعاده عن وطنه، ولكن هذه المرة سيحضر بطريقة مختلفة تماما، حيث أوقفه أمامه كما المتهم، باحثا عن مصير شقيقه:

أريد معرفة أي شيء عن مصير همام....

علما أن شقيق سالم هذا، كان قد خضع لعملية تعذيب بشعة ولكنه بقي صامدا، بسبب من تكليفه:

بإغتيال أحد المسؤولين الكبار... بعد أن زُودَ بمعلومات كافية عن هذا المسؤول .... .

بعد أن يفيق من حلمه هذا سيعود سالم ليتذكر بيته الذي هناك، في مدينته المقدسة. ومما لفت إنتباهه هو أنَّ أخاه الذي يكبره لم يكن من بين مودّعيه، إذ كان وقتها منشغلا في أمرٍ ما، كما قيل له، ولعل أهل البيت تعمَّدوا عدم إخباره فما يربطهما من ود لعصي عليهما تقبل فكرة افتراقهما، فهما بمثابة الإبن وأبيه. وعن ذلك ستأتيه اﻷخبار عن مدى الجرح الذي أحدثه ﻷخيه بسبب غيابه هذا.

ومع المضي في قراءة الرواية، سينقلك محي الى جو آخر من السرد، لكنه سوف لن يفقد الترابط والتسلسل المنطقي للعمل. ففي إحدى صفحات الكتاب وبشكل ما سيشير للقارئ عما يمكن تسميته بإحدى الساحات التي تقف عندها الحافلات القادمة من الشام، ليتحول هذا المكان مع مرور الوقت الى ملتقى يضم بين جنباته غرباء بيروت ولبنان بشكل عام، تراهم على درجة عالية من التوتر والقلق، منتظرين زائرا جديدا أو كل مَنْ سيأتيهم بخبر ما، يفتح لهم بابا من اﻷمل. من بعيد سيلوح لهم شخصا ما، بدأت معالمه تتضح شيئا فشيئا:

كان ذلك رجلاً عالياً بعينين واسعتين وجبين مقطب يعتمر اليشماغ والعقال....، سقطت عباءته الحنية اللون عن كتفه، بحركة ما أعاد عباءته الى كتفيه وهو يشعل لفافته وينفث الدخان من فمه وأنفه، متقدما بصمت أب من طراز صديق.

يبدو أن الزائر يدخل بيروت أول مرة، هذا ما يشكل من إنطباع لكل مَنْ يراه. فطرق الوصول الى مايريد، ضاعت وتشابكت ولا يدري من أين يبدأ؟ كيف سيستدل على شقيقه؟ فمهمة العثور عليه في هذه المدينة المتباعدة والمترامية اﻷطراف، بدت صعبة عليه إن لم تكن مستحيلة، غير انه بقي مصرا على تحقيق ما جاء من أجله. المساء بدأ يزحف والمارة أخذت أعدادهم بالتناقص ولكنه لم يفقد اﻷمل، فها هو يلتقي بشخصين ممن سيفتحا له باب الرجاء، وحسن المصادفة هذه المرة قادته الى مبتغاه وليبادر أحدهم وبلهجته الخاصة والمفهومة في آن:

ــ: (بتسأل عن حد)؟

ردَّ عليهما بسرعة المستغيث وبلكنة فراتية، عذبة:

ــ: (أنشد عن أخي سالم.)

ﻷن في وجهيهما بعض حيرة، راح مكملاً سؤاله، بفخر واعتزاز، ربما أراد من وراء إيضاحه هذا أن يكسب تعاطفاً معه:

ــ: (هو مقاتل، فدائي في إحدى الجبهات ...)

لم يتأخرا كثيرا، حيث استجابا له وأعاناه على مبتغاه. فبعد أن أجريا بعض الإتصالات الهاتفية الخاصة، أبلغوا سالما بوصول زائر مهم الى بيروت ويقو بالبحث عنه، فما كان منه الاّ الإستجابة السريعة، فلعله قادم من هناك:

ــ : (أوقف سيارته بمحاذاة أحد محلات الفليبرز بهدوء. اشترى علبة دخان.. مرَّت بخاطره صورة أخيه الكبير، لكنه استبعدها. حتى إذا كان أخوه القادم، فكيف… ومن الذي أوصله؟)

لم تخطئ عيناه، ليصرخ سالم من بعيد بعد أن تيقن من ناظريه:

ــ: (شِفْتكْ .. شوصلك..؟)

التقيا، تعانقا بحرارة، شدّا إنتباه المارة وتوقفت بسبب هذا المشهد حركتهم. انها لصورة مؤلمة جدا، علَّقَ أحدهم. في هذه اﻷثناء بدأت حمم النيران العبرية تتساقط على رؤوسهم لذا:

ــ: (تلَّ سالم أخاه من ذراعه ليضعه على كتفه أو بين ذراعيه وربما أسفل قلبه.. في مدار من الركض بل الطيران.. رامحا به صوب أي مكان آمن … ومن هناك بإتجاه دمشق)

توادعا على عجل، خشية عودة الطائرات العدوة ثانية. لم يعد سالم الى وحدته أو لنقل مكان عمله، والتقارير التي كان يشتغل عليها تركها مفتوحة على أمل إستكمالها حين عودته. علامات القلق على محيا أبو الشفيع باتت جلية، رغم محاولته التغطية على ذلك من خلال تظاهره بقراءة أمر ما. على نحو مفاجئ:

رنَّ جهاز الهاتف في المكتب، فإنقطع أبو الشفيع عن القراءة، ليرد على المتحدث

ــ: (نعم

ــ: (هل هذا مكتب..

ــ: (نعم..

ــ: (أنا

ــ: (نعم

ــ: (هنا، منذ البارحة كان يرقد..

ــ: (نعم

ــ: (وكان يحمل بطاقة صادرة عنكم تحمل اسم همام حمزة..

ــ: (نعم

ــ: (مات منذ ساعة.

هذا يعني ان همام هوسالم والعكس صحيح. في كل اﻷحوال فقد إنتهت رحلته وهو بعيد عن وطنه. وسيجري التأكد فيما بعد من أنه كان قد تعرض الى حادث صعب الشفاء، إثر سقوطه من سلم البيت الذي كان قد لجأ اليه مؤقتا، ولم تفد معه كل المحاولات التي بذلتها تلك العائلة التي سكن عندها من أجل إنقاذه.

ــ: (فألرضوض والكدمات والكسور قد لحقت برأسه وأضلاعه بكل وضوح).

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

ظاهر حبيب الكلابيتتشكل الصورة الشعرية عند الشاعرة ياسمينة حسيبي من خلال بناء الأستعارة المتقنة والمجاز القائم على صنعة اللغة المدهشة والعلائق الموحية التي تمكن النص الشعري من فعلية التواصل

والتأثير مع المتلقي فكثيرا ماتميل الشاعرة في نصوصها في التعويل على الأستعارة المخاتلة

والمجاز الذي لايغادر الحقيقة بل تكون الحقيقة متماهية في صورة المجاز وأنزياحاته الدالة التي لايمكن الغور في تفاصيلها وتموجاتها الدلالية الا عبر وجود مستويات متخيلة من البديهيات والنمطيات والفرضيات التي تعوٌل الشاعرة عليها بأعتبارها المتكأ والمشترك الإدراكي بينها كونها صانعة جمال ونص ابداعي وبين المتلقي الذي إعتاد عند قراءة نصوص الشاعرة ياسمينة حسيبي على الوقوف عند نسق لغوي مجازي ينطلق من سلطة الأنا الشاعرة متقنة النص في انزياحاته

وفي تجاذبات الجدل القائم بين طرفي كونية النص في جمال البوح بين الحقيقة والمجاز عبر لغة ضمير المتكلم حيث كانت السيادة في أغلب نصوص الشاعرة عبر ضمير المتكلم بأعتباره ضميرا ساردا كلي العلم

في نصوصها الشعرية ومنها هذا النص لكون التعويل على هذا الضمير يشير الى هيمنة الرؤية الذاتيةومدى قدرة الشاعرة بل حاجتها الضاجة بالصراخ ومن قدرتها على الكشف والبوح والتغيير لأنها متأكدة من صدقية

رؤيتها ورجاحة يقينياتها الروحية والمعرفية فهي لاتقترب بلغتها الشعرية من اليومي الساكن الذي يفترضه نسق التقرير والمباشرة فمن خلال عتبة العنوان القصيدة ..فساتين الروح ..الذي يشي ان الشاعرة صنعت قوالب جاهزة لمفردات الكون الوجودية والمتخيلة ولكن هل من السهل والمتيسر للشاعرة ان تقولب الروح وهي من أمر ربي وسر مطوي عن الخلق ومع ان الملفوظ الأول هو فساتين والأنثى كثيرا ماتنشغل بمظهرها الخارجي وفساتينها بألوانها الزاهية وتصاميمها الرائعة وهي فساتين للجسد فما يكون شغلها الشاغل لو كانت تلك الفساتين للروح وقد غابت عن إدراكنا ماهية هذه الروح فكيف تمكنت الشاعرة من صياغة فستانا يليق

بالروح وهي مستغرقة في ضبابيتها وتمردها تقول الشاعرة.......

سافرة القلب لما أزل أتزين بدمي

فالشاعرة أدمنت في صنعة المجاز المتقن الذي تتكأ عليه في إلباس ملفوظاتها علاقات جديدة تتسم

بالأشراق والأضاءة والدهشة فبعد ان عرجت في متخيلها الشعري من فساتين الروح الى أنها كاشفة النقاب عن جوهرها وسافرة القلب لما تزل تتزين بدمها حيث القلب مضخة الدم في الجسد النامي وان زينتها تكتمل بحركة الدم ونبض الوجود ودفق الحياة فالقلب بديمومة دفقه ونبضه يموج الجسد بالحركة والحياة والدفق فالشاعرة تتشاغل بالحركة الداخلية وجمالياتها حيث عملت على إظهار الباطن الجواني في اشتغالات الجسد وهي تعمل بسلطة الروح وليس للكائن من سلطة على مافي أحشاء جسده

وماعلينا الا ان نتزين مع الشاعرة

بجوانيات حياتنا الدافقةبالحركة والنماء لتنتقل صور المجاز الى المقطع الآخر لترسم بقولها صورة ..كعروس القش تزفني دخنة الحريق ..

فذا جسدي قيد شرط يكبلني ..

حيث تواصل الشاعرة سردياتها الشعرية وعبر ضمير المتكلم الذي يسرد لنا تحولات الذات الراصدة لعوالمها الباطنية والظاهرية فهي اليوم كعروس تمنحها دخنة الحرائق غواية الجسد الذي تعاني منه قيدا

للسلب يمنعها من الخروج للأتحاد بالروح ...

وذي أضلعي لاتستقيم الا في الميل .. ولو صح أمري

لأمسكت بيد الجمر في محاريب الرهبان ....

وتلمست صوت امي في رجفة الشفاه....

ولكن هيهات وقد تصدع زجاج الروح ... .

تعاود الشاعرة ارتياد جماليات

الأستعارة بمجازاتها في مشاكسة الجسد ومراودة تمايلاته في صورة الأضلاع المائلة حيث تتمنى الشاعرة ان تثنى لها الوسادة لتخرج ثائرة على هشاشة الواقع وبلادة اليومي وتحديها اي الشاعرة في كسر قوالب الجمود وان دفعت الى مسك الجمر في محاريب الرهبان ودخناتهم الروحية

وتمكنت بسطوتها الروحية من

إستعادةصور الماضي ومنحه

طاقة الكشف في تلمس صوت الأم عبر محاريب الشفاه ولكنها رغبات تصدعت بتصدع زجاج الروح حيث تعاود الشاعرة تشييء الروح وتجسيمها وقولبتها لتتمكن من تصويرها وإلباسها فساتين البوح أو جعلها مرايا للكشف تتصدع قواريرها

بفعل الألم والجدب والخواء بفعل الجدب الزاحف من صناع الفشل والعقم في أركان المعمورة ثم تقول الشاعرة........

وغدا القلب أبكماً منعقد اللسان

وقالوا.. خيامه الهوى .

قلت أكدس فاخر الوهم في جيوبي ....

وأتغسل نحوب الشعر لأغرق من أحداقي ...

وبما يكفي من الصبر

أتلبسني جلدا وجلدا

وأتوسع ملء رئتي في السعال.

تعاود الشاعرة تجلياتها الباطنية

فضمير المتكلم هو الذي تكفل شجون الحكاية الشعرية بوصف مسهب وتدرج يتقمص محنة الروح والجسد فترصد القلب أبكماً قد انعقد لسانه وحيثما يعقد لسان القلب يعقد لسان الحياة عن التعبير بالنبض والجمال والأنتماء فالقلب له دلالة الوجود والديمومة وللشاعرة وخيالها الشعري نصيب

في رصد ذلك الشحوب والجدب في الجسد واليابسة التي تشكل بصمة الوطن والأنتماء عبر مجازاتها الشعرية وأنزياحاتها التي تتشرنق حول محورين الروح المتصدعة في الجسد

والوطن المباع في مزادات المصالح والمفاسد فالوطن هو الجسد في محنة الفقد والوطن هو الذكرى في محنة الغربة والمتاهة والجسد هو السجن الصغير للروح المكتنز بالسعال والغثيان حيث تعود الشاعرة الى حوارية مع الآخر عبر دوال

قالوا...وقلت عبر حوارية لأجل إضفاء حركية مشهدية تتماهى لأشراك من هم هناك في لعبة الكشف والتفسير .

قالوا خيامه الهوى ..في نعت القلب والشاعرة تجيب بقناعة

المستبصر العارف الذي سبر حقائق الوجود بقولها ...

أكدس فاخر الوهم في جيوبي .

فحين يكون القلب معقود اللسان

بسبب القرف والخواء فأنه لايمنح تجليات البوح الجمالي فهو عند الشاعرة محطة لتجميع

الأوهام وتصٌيد الفراغ والتعويل

على غرف الآلم والمواجع من جمر المدامع وتغتسل نحوب الشعر وان الشاعرة تلبست مايكفيها من الصبر الذي غلف الروح جلدا وجلدا فكان الصبر

الفساتين المفروضة بألوانه الداكنة بالسعال والغثيان الذي طاف على رئتيها زفرات توجع ومرارة وأسىً لتواصل زحف توجعاتها

المحكية بوهج الشعر وكثافة الدلالة المتخمة بالرؤية الشعرية

عبر دلالات الصور العابرة للواقع

يقول باشلار . .الخيال ليس ملكة تشكيل صور الواقع انما هو ملكة تشكيل الصور التي تتجاوز الواقع التي تغير الواقع .انه ملكة

تتجاوز وتفوق الطبيعة الأنسانية.

حيث عملت الشاعرة على اعادة

انتاج تلك الصور بتجديدها وإملاكها صيرورة تتجاوز مفاهيمها الواقعية وتمتلك قدرة جديدة في التأثير وتخليق الدهشة .

ان سعال الشاعرة في تجاويف الألم يكفي لفطامها وعزلتها وان العشق الحقيقي والأنتماء الحقيقي في تشبيه محازي كحليب الأم فمن ثدييها ..الأم...الحقيقة النقاء.

فهي تذرر الضوء في عيوب الكون تظهير . الكون هش كالحلوى . . ورخو كنسج العنكبوت ...حتى المرايا المتلونة

 فخاخ عين للوجوه ..وبين الحسك والحرير ..تدلى صوت الضمير من مشنقة ..فقالوا ثورة تحللت جثتها قبل الدفن ... ووطن تساقط من ثقوب الجيوب ..ومازلت وقد بلغت مني عتيا .. أطوف حول كعبة الجسد ..عارية النبض .. أستدفيء على جمرة القلب..

أتعلم كيف أخيط من ساف الريح خياما للآجئين .

من السطور المقتبسة من نص الشاعرة تتجلى حالات الأنزياح عبر مسارب المجاز وإشتغال دلالات الصور الجديدة التي ألبستها الشاعرة بمهارة مسمياتها

عبر نسق الكشف والتعريف فالكون هش كالحلوى ورخو كنسج العنكبوت الصورتان متطابقتان بالدلالة الجوانية والبرانية بالضعف والخواء فالصور اختزلتها الشاعرة من إنعكاسات الهشاشة على الفرد وعلى الشاعرة الذي لم يشغلها شاغل سوى السؤال الوجودي الذي يؤرق الشاعرة وجودا ومصيرا من خلال كتاباتها الشعرية فهي لاتدعو لمصالحة

جوفاء مع تداعيات السؤال الوجودي بقدر مشاركتها الوجدانية في الكشف والتغيير لمواجهة زحف الفراغ وإنعقاد القلوب عن الحب والرغبة والأنتماء اذ أضحى هذا الوجود

بمراياه المتلونة بتلون الرغبات والمصالح الى فخاخ للضياع والمتاهة والقطيعة حيث تطيح بالوجوه في فخاخ المجهول ويبقى صوت الشاعرة الراصد للزيف يترنح بين مرارة هذا الواقع ونعومة جلده كجلد الأفعى وشفيف الحرير فأنساب صوت الضمير يجتاز قنطرة المشانق كدلالة للصمت وخنق الحرية ولكن الشاعرة متصالحة

مع ذاتها متوافقة مع يقينياتها الجديدة وقد تمثلت المصالحة على تلمسها دلالات الخواء والجدب والسؤال عن الموت حينما يكون شاهدا بوصفه تجليا

ملموسا لصور الخواء والعقم في

كينونة الكون وإندفع هذا الخواء نحو الكائن

لينكشف عبرضمير الشاعرة العليم بخفايا الأمور بقولها... ثورة تحللت جثتها قبل الدفن فهي رحلة الشاعرة في بحثها عن وطنها الذي تساقط من ثقوب الجيوب وهي صورة مؤلمة حينما يودع الوطن ويختزل كمصالح ومغانم تحصدها جيوب الفساد والمصالح الضيقة .ولكن الشاعرة تواصل تحديها ورحلتها وطوافها عبر كعبة الجسد عارية النبض ولكنها تستمدالحياة والدفء من وهج القلب وجمرة العشق للحياة والوطن والأنسان

فهي تعلمت كيف تراود الخوف

وأن تدفع بالموت الى مثواه الأخير تشتاق لوجودها المكتنز بالدفء والحركة والنبض المفجر لطاقات البقاء والنقاء في غربتها وعزلتها . تظهير . وأشتاق ليدي قبل إقترافها للتلويح . .وأشتاق لأنا التي كنت قبلي .. قبل ان تنصب الثورة شباكها لأحلامي ..

وقبل ان يبيع الوطن وقاره في المزاد .. أشتاق لأنا المأخوذة بجذوة النار تحت الثلوج .

ان تأمل المقاطع السابقة للنص الشعري يشير الى إشكاليتين أساسيتين أسهمتا بشكل واخر في تحولات الرؤية القاتمة عند الشاعرة ياسمينة حسيبي أولهما الشوق والعودة للماضي والتمسك بماضي الأنا قبل الفجيعة ووقوع الزيف وحصول الخديعة بالتلويح للفاسد و قبل الوقوع في مخالب الحيتان الجائعة للثراء والترف والخواء

 وثانيهما العودة والحنين لخلاص الوطن من المتاهة وقبضة الزيف اليومي ومتاهات المصالح وتفصيل الأوطان على مقاسات المصالح والسياسة والجيوب الخالية من حب الوطن والولاء للأنسان والقضية

فمع الشاعرة بأحلامها الشرعية او لنقل أحلام يقظتها قبل المتاهة والضياع فمع حلم اليقظة تصبح العلاقة بين الشاعر وعالمة علاقة أئتلاف وتمهي حيث تنصهر الشاعرة بأحلامها وعالمها ووطنها في بوتقة واحدة ويصير كل منهما مرآة لتجليات الآخر كما يؤكد باشلار نقلا عن كتاب جماليات الصورة د غادة الامام ... بقوله ان الصور الشعرية ترتبط بأفق أحلام اليقظة المادية التي تسبق التأمل . وفي مقطع جديد تواصل الشاعرة إستعارات الأدانة

لواقع القرف والزيف حيث تلوح للقاريء عبر سيناريو صوري متخم بالمأساة والفجيعة .تظهير

عن سبات يستحي أهل الكهف

عن إياد أدمنت غدر التصفيق

وعن ضوء تعفن من رطوبة المكان ... أقف خلف مضارب دمي لأخيط جرحا بجرح

أهرقني في العمر وأضع التعب شالا على أكتافي ..

واينما وليت وجهي تلفحني جروحي... أمشي على مجرى دمي لا أهتدي لا أصلني لا أصلني .. وفساتين الروح احترقت كلها في الأنتظار ..  .

عبر مرثية التوجع ورثاء الروح والجسد حيث تعمل الصورة بأتصالها االفني والجمالي على الغور الى المعنى الخفي والمتجلي عبر مراثي الروح والوطن والأتصال الحالم للشاعرة بصنعة الخيال لكي تنفذ

بحلم يقظتها الى باطن الصورة لدرء الفجيعة وخياطة الجراح بالجراح فهي تسرد حكاية اهراقها وجودا وكينونة في مخالب العمر والحياة القاسية لتصنع من المتاعب شالاً للرفعة والسمو للمكابرة وان لفحتها نيران الجراح ستمضي بعزيمتها على دروب دمها المراق لعلها تصل أولا تصل تهتدي أولاتهتدي فالأمر سيان عند الشاعرة بعد حلول غاشية الألم وسعير الجراحات بالأسى والمرارة لأن فساتين الروح احترقت من سعير وهجير الإنتظار الذي لم يشكل مروره خلاصا ولادوامه ملاذا من الفقد والألم والحرمان.

 

الناقد ظاهر حبيب الكلابي

 

جمعة عبد اللهيعتبر القاص والروائي (أحمد خلف) من الاسماء المرموقة في الابداع السردي العراقي. ولا يمكن لاي ناقد منصف وموضوعي، أن يستقرئ ملامح تطور الرواية العراقية. دون ان يعرج على الانجاز الابداعي لهذا المبدع الكبير، في ترسيخ ملامح الرواية العراقية المتطورة، في الاسلوب والتقنية الحديثة لمنجزه الروائي، الذي احتضن هموم الحياة والانسان، في طار جمالية سردية متكاملة في منصاتها، وفي فضائية وافاق تداعيات الزمكان. ورواية (الحلم العظيم). تدخل في هذا الاطار العريض المتمدد في المتن الروائي. في تسليط الضوء الكاشف على مرحلة من حياة العراق السياسية والثقافية. مرحلة الجيل الستيني، في كل ميادن الحياة ومحطاتها. في الثقافة والفكر والسياسة وصراعاتها الدائر آنذاك. ولا يغيب عنها (الدين والجنس). تناولت عمق الازمات الناشبة في عدة ميادين حيوية في الوقع المعاشي، في اشكالها الخاصة والعامة. وفق معايير تلك المرحلة الستينية. في اشكال الاحتدام والصراع والتنافس السياسي والثقافي والفكري، بتوثيق راقٍ ومتمكن. وفي جانبها الحيوي ايضاً. من النكسات والازمات، واحتدام المعارك في الصراع السياسي، الذي انخرط الى العنف المفرط في الخارطة السياسية العراقية الساخنة. وايضاً تكشف ملامح السيرة الذاتية والحياتية لبطل الرواية (عبدالله) الذي يشاطر في الملامح الكثيرة من سيرة الكاتب نفسه. اي انها تملك البوح الحياتي، لتحولات حياة الكاتب (أحمد خلف) ولكن ليس بالصيغة الاستنساخ طبق الاصل، ولكن ببراع المتخيل الذهني والسردي الفني. رغم انها تؤشر في ملامح كثيرة الى الكاتب نفسه، في حياته، البدايات انخراطه في قراءة الكتب والروايات. في مواقفه السياسية والفكرية والثقافية، وسلوكه ازاء الصراعات السياسية والحزبية الدائرة، والتمسك بنهج (اللامنتمي). حتى حد اصحابه المقربين له مازحه مرة في التمسك باللامنتمي بقوله (والحقيقة أنت خليط غير متجانس من افكار شتى) ص22. لكنه ارتبط بصدقات حميمية مع المثقفين الشيوعيين، في صلات وثيقة ويشاركهم في همومهم السياسية والفكرية ويقدم لهم المساعدات، التي قد تقوده الى السجن والتعذيب، مثل الاحتفاظ بحقيبة التي تحمل الاسلحة، أثناء ملاحقات ومطاردات ضد الشيوعيين آنذاك. ورواية (الحلم العظيم) تناولت في استلهام موضوعي الفترة الستينية بكل ميادينها. والاخص الصراع السياسي والفكري والايديولوجي. الصراع الحزبي بين الاحزاب في استخدام العنف المفرط. التعارض بين الايديولوجية والتطبيق السياسي، لدى الحزب الشيوعي، والتي ادت في تفاقمها الى الانشقاق داخل صفوف الحزب الشيوعي. بين جماعة اللجنة المركزية، وجماعة القيادة المركزية. وتعرضت الرواية في اسهاب الى مسألة تجربة الكفاح المسلح في الاهوار، بالحلم الثوري العظيم. وكذلك الى فشلها بحكم عوامل عديدة تحكمت فيها، واصبحت اكبر من تجربة الكفاح المسلح نفسها. وتوقف النص الروائي. في اجلاء عصب فشل التجربة في الانتفاضة المسلحة في الاهوار. وكذلك تعرضت الرواية الى الجوانب الخاصة والذاتية. في مسألة الحب والجنس والتشتت بينهما. اعتمدت الرواية على منصات سردية متعددة الجوانب والاساليب التعبيرية. منها اسلوب التداعي الحر. اسلوب (ميتا سردية) او ما وراء النص الروائي. ومحركات الاحداث الجارية في المتن الروائي. وكذلك في تجلي في تداعيات عنوانها البراق (الحلم العظيم). يأخذنا بكل براعة في مسار السرد الروائي، بتحولاته وتنقلاته. أي اننا بصد بطل الرواية (عبدالله) شخصية ديناميكية متحركة ومتطورة، في تحولاتها نحو الايجاب، او نحو السلب. ورغم ان ضمير المتكلم يتحكم في لغة السرد، لكنه اشرك الضمائر الاخرى. لذلك لا يمكن ان نطلق على السردي الروائي منولوج (الصوت الواحد). وكذلك استخدام وتوظيف تناصات في حكايات شهرزاد في حكايات الف ليلة وليلة. وخاصة التناص في حكاية (حمال بغداد) الصبي التي وقفت عليه أمرأة بالغة الحسن والجمال والملبس، واخذته الى بيتها وادخلته مضجعها في غرفة النوم لتمارس معه الحب والمضاجعة، وهو في دهشة الابهار في الهوى والهيام. وكذلك نفس الابهار الذي عاشه الصبي (عبدالله) وهو يمارس الجنس مع الزوجة الخائنة لاول مرة في حياته، ويسير بعد ذلك في الحب اللاشرعي. لكن يقوده الى الازمة الخانقة، الى ارتكاب جريمة قتل بحق الزوج المغدور بالزوجة الخائنة، التي تكره وتنفر من زوجها ومن شخيره في النوم. وتظل هي محرومة من الحب والمضاجعة الزوجية،. لذلك يضعنا الكاتب في جريمة القتل، أمام (راسكولنكوف) بطل رواية الجريمة والعقاب، ولكن بشكل جديد ورؤية مختلفة تماماً. وكذلك في الدوافع في عملية القتل. كل هذه الاحداث في النص الروائي، تشير الى تعمق الازمة بين كل الاطراف. في ازمة في الحلم العظيم، الذي تحول الى معاناة ومأساة شخصية ل (عبدالله) او المؤلف القصص. كذلك الى ازمة في فشل اسطورة الكفاح المسلح في الاهوار، التي انتهت في سجن الحلة، فشل الاحزاب في صراعها السياسي الذي تحول الى ازمة. من انشقاق الحزب الشيوعي، الى السقوط السياسي العام في المناخ السياسي. لذلك تحول الحلم العظيم لكل هذه الاطراف في الرواية. الى كابوس عظيم في الانكسار والانهزام.

أحداث المتن الروائي:

فتى يعيش في عائلة فقيرة وفي منطقة شعبية. مدينة (الحرية). حين يغزوها الشتاء تتحول الى مأساة. تغرق عند اول زخة مطر، وتبرز البرك واوحال والطين، بفيضان المياه. شبايبك بيوتها مطلة مباشرة على الشارع، بحيث المار يسمع همسات وخربشات الزوج والزوجة في غرفة النوم. لذا داهم هذا (الفتى) هوس التلصص وسماع الهمسات الجنسية في حجرة النوم في الظلام. وتجذبه في الاغراء في سماعها وقت الظلام. في الاغراء والغواية. ويأخذه خياله الاغرائي الى حكايات شهرزاد في الف ليلة وليلة، الى حكاية حمال بغداد، الذي جذبته من السوق، إمرأة بارعة الحسن والجمال والملبس، واخذته الى بيتها، وادخلته غرفة النوم، ومارست مع الحب والمضاجعة وهو في حالة دهشة وابهار لاول مرة يمارس الجنس في حياته. لذلك جلبت انتباهه زوجة مليئة بالاغراء والغواية وانجذب اليها، وادخلته فراش الحب والمضاجعة الاولى في حياته، في ملمسها الناعم وجمال بشرتها. وهو يشم عطرها بذهول. وقد وجدت فيه الاغراء الذي يعوضها من الحرمان من الزوج الذي تكرهه وتنفر منه، وتنزعج من شخير نومه وغيابه الطويل عن البيت. لذلك وجدت بالفتى الشيء المفقود في الحياة الزوجية. لذلك قالت له (هل تعرف أن لك رائحة رجل في الثلاثين، مع أنك مازلت فتىً، لايجوز لي العبث معك، أياك ان تخبر أمك بما يجري بيننا) ص21. ويندفع بشراهة ونهم الى قراءة الكتب والروايات العربية والاجنبية، بالطموح الكبير، او بالحلم العظيم ان يصبح كاتباً ومولفاً للقصص ينشر في المجلات الكبيرة والمشهورة. وزاد اندفاعه اكثر الى الهم الثقافي والادبي، بالدعم الكبير الذي يقدمه له، مدرس اللغة العربية الجديد، صاحب قصيدة (الريل وحمد) وهي اشارة الى الشاعر (مظفر النواب) الذي ساهم في فتح قريحته موهبته الاديبة على القراءة وتأليف القصص، ان يصبح مؤلف قصص. يبدأ مشواره الطويل في خوض غمار الثقافة والادب. ويساهم في الحركة الثقافية ونقاشها الدائر. ويرتبط بعلاقة وطيدة مع اصدقائه الشيوعيين. ولكن لم ينخرط في صفوف حزبهم، بل ظل متمسكاً في نهج اللامنتمي. حتى شقيقه العسكري يلاحظ الولع بنهم قراءة الكتب. وحذره من أنه سيكون عبداً للكتب وتسلبه رجولته وتجعله رقيقاً كالنساء. ويعمق علاقته الجنسية مع الزوجة الخائنة (عفيفة) ليستغل غياب زوجها المخدوع طوال النهار، وينسل الى مخدع الزوجية للمضاجعة على فراش الزوجية. بغواية واغراء منها. حتى بدأت الشكوك تنتاب زوجها بأنها تخونه مع فتى المحلة (عبدالله). لذلك يصرح لها بأنه يكرهه ويحقد عليه، لانها تخونه وتمارس الجنس معه، وانه يرافق المدرس الشاعر الشيوعي، ويتوعده بعمل انتقامي. وتغضب من تهديده (- كيف تجرؤ على هذا الكلام. يا سافل ؟

- طيب. أقسمي لي أنكِ لاتخونينني معه

- أقسم أنك اكبر قواد في الدنيا كلها) ص67.

كانت الفترة الستينات آنذاك احتدم فيها الصراع السياسي بين الاحزاب. وكان يتابع عن كثب، الخلاف الدائر في الوسط السياسي والثقافي. وهومصاب بمرض التشتت بين حبه العفيف لفتاة الجيران (شيماء) التي تبادله نفس الهوى والغرام والعشق، لكن هذا العشق يدوسه وينزلق الى احضان الزوجة الخائنة، التي تغريه بالجنس والمضاجعة. حتى اهمل حبه وداس على قلبه. ولكن ينشغل الى حالة البلاد التي تتجه الى الصراع السياسي بالعنف المفرط. في مناخ سياسي ملبد بغيوم الكراهية والانتقام ضد الحزب الشيوعي، وقد بدأت حملة المطاردات والملاحقات، وفتحت السجون والمعتقلات. في جميع اماكن التجمعات. المدارس. الكليات. المراكز والنوادي الثقافية، والطرقات والازقة، لذا تجد في كل شارع يحرسه شرطي او رجل الامن. في الاعتقالات العشوائية. وساد الركود السياسي لتفادي الاعتقال والسجن. وبدأ الخوف والقلق يلف الحياة العامة. حتى في احدى المرات اوقفه رجل الامن، وسحب مسدسه ويوجهه الى صدره. وهو يزمجر في وجهه غاضباً (- أيها الحقير. لقد حيرتنا. من تكون بحق الجحيم. هل أنت شيوعي ؟ قومي ؟ بعثي ؟ خرائي ؟ منْ تكون وماذا تريد بالضبط ؟ ثم ما هذه الحرية التي تتمتع بها في التنقل من بيت الى بيت، لا يشبه احدهما الاخر، ولا أية علاقة بينهما) ص156.

واراد ان يتخلص من المأزق الذي وقع فيه، بالتذكير بأن شقيقه العسكري من جماعتهم. لذلك تشبث به رجل الامن بذراعه وقال (ألا يعلم ابوك، بأنك ترافق شيوعيين زنادقة ؟) ص157.

وتتعمق الازمة في البلاد الخانقة، التي أثرت على أنشقاق الحزب الشيوعي الى نصفين. جماعة اللجنة المركزية. وجماعة القيادة المركزية. وبعدها تواردت الاخبار حول طلائع الكفاح المسلح في الاهوار،ظهرت بعملياتها الى الوجود على الواقع الفعلي بقيادة الثائر (خالد أحمد زكي) الذي ترك لندن، ليقود حركة الكفاح المسلح في الاهوار بالحلم الثوري العظيم، في سرقة السلطة والحكم من القوى الرجعية الحاكمة. في خوض تجربة الكفاح المسلح مستلهماً تجربة الكفاح المسلح في امريكا اللاتينية وفيتنام. وبدأ المناخ السياسي العالم يتابع اخبار الانتفاضة المسلحة. لكنها ايضاً اثارت الخلافات داخل معسكر اليسار التي طفحت على السطح. بين مناصر ومعارض. حتى بدأت حركة الكفاح المسلح غير منسجة وغير قادرة على التكيف في وضعها الجديد، في التعامل مع معطيات الواقع، وفق معطيات مدروسة،. لذلك وقعت في ازمة الخلاف الحاد. حتى مع الناس الذين يدافعون من اجلهم ويضحون في سبيلهم (خدعنا الفلاحون وغدروا بنا. نحن ضحايا خيانة أكبر من حركتنا) ص300.

لذلك بدأ الفرق الشاسع بين الايديولوجية والتطبيق السياسي، بعدم التعامل الصحيح مع الواقع واستلهام دروسه والتكييف مع رؤية الواقع، دون أوهام. بالذين يطالبون بأقامة دولة العمال والفلاحين. وهم غير منسجمين مع قاعدتهم الشعبية والطبقية. مثلاً : احد الثوريين الذين عنده استعداد ان يضحي بحياته في سبيل الطبقة العاملة. حين خروجه من السجن بعد سبع سنوات، صدفة تشاجر مع احد عمال البناء، ليصرخ في وجهه (_ لقد امضيت سبع سنوات سجيناً من أجل امثالك، ودفاعاً عن طبقتك العاملة، وها انت تجعلني أشعر بالندم على تلك السنوات، فما كان من العامل إلا انفجر بوجه الرفيق، حيث قال له : أي مجنون نصحك بالدفاع عني ؟) ص233. واستعدت الحكومة وجهزت حملتها العسكرية في القضاء على الحركة المسلحة في اهور الناصرية جنوب العراق. وبذلك انتهى الحلم الثوري العظيم، بقتل قائدها (خالد احمد زكي) وبفشل نتيجة الصراعات المصلحية والنفعية الضيقة. وفشلت وانتهى بها الطاف في سجن الحلة.

شعر مؤلف القصص (عبدالله) من التشتت الحياتي وضياع حبه العفيف مع (شيماء) بمرارة وحزن، واعترف لها بالفشل في الحب (أنتِ ضحية مجتمع ملي ء بالشكوك والارتياب، بل والخيبة من الاخرين) ص228. فردت عليه سبب هجرانه وعدم حفظ علاقة الحب. (- هل ارتكبت خطأً ؟ اتراني تصرفت بما يدفعك لهجراني ؟

- ليس الذنب ذنبك، هنا، في القلب الذي لا يحسن الوفاء) ص228.

ويأخذه الاغراء المتزايد والمتصاعد من الزوجة الخائنة، بتحريضها المتواصل بقتل زوجها. حتى تتفرغ لحبها له، وطمعاً بالمال زوجها المخفي في مكان ما في البيت. لانها لم تعد تطيق رؤيته، وفي احد الايام دفعته الى خنق زوجها وهو في شخير النوم، وبالفعل فعل ذلك بخنقه، لكن الزوج استطاع ان يطرحه على الارض ويخنقه بكلتها يديه الثقيلتين، لكنه تلقى ضربة مميتة على رأسه سقط جثة هامدة تسبح في بركة من الدماء. تيقن ان حياته انتهت الى الفشل الذريع. وان حلمه العظيم انتهى الى المأساة والازمة. ودفنوا الجثة في حفرة في حديقة الدار، وفتشوا عن المال المخفي في البيت، فلم يعثروا عليه. وانتابه القلق والخوف من اكتشاف الجريمة والفضيحة. وقد اطلق زفرة يأسة بالخيبة في حياته، بأنه انتهى (لقد خربت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم) ص282.

هكذا انتهت الاحلام العظيمة. الى المأساة والفشل.

× الكتاب: رواية الحلم العظيم

× المؤلف: احمد خلف

× الناشر: دار المدى

الطبعة الاولى: عام 2009

× عدد الصفحات: 304 صفحة

جمعة عبدالله