رحيم زاير الغانمالطبيعة والإنسان وحدهما من يخلقا تكاملا على مستوى الوجود، فالإنسان بتلمسه  لجمال الطبيعة، هذا الحضن الرحب للأشياء المختلفة، هو وحده من يمتلك سرَّ ديمومة تصوير الجمال، على الرغم من حقيقة ان جمال الطبيعة قائم بذاته، لكن حقيقة تعالق الإنسان والطبيعة يحقق صورة الوجود في تماهيه وانسجامه، في إبراز طبيعة الاشياء،  لذا بات من المفيد إدامة هذا التناغم بين الإنسان والطبيعة، الذي من شأنه أن يذهب بنا بعيدا في تصويره للمحسوس، وفي الحفاظ على صورة جمال الموجودات، عبر وحدة وجودها، لما لها من تأثير  جلي في عديد التجارب الحياتية والإنسانية كالفنون مثلا، وما الشعر بمنأى عن مؤثرات الطبيعة، ان صورة الطبيعة حاضرة في المخيلة الشعرية، ويحق لنا عدها مساهم فاعل في تذكية خيال الشاعر والفنان، لما تشكله من انعطافة كبيرة في مجال الشعر والرسم، وما تركته الطبيعة في الشعر الأندلسي على سبيل المثال، من أثر ايجابي في توسعة الخيال، وإضافة نوعا من السكينة والهدوء الذي انعكس على مجمل مضامين قصائدهم، بما مثلته من عنوانات ومتون لنصوص شعرية بارزة في وقتها، متخذين من الخضرة والأنهار والمناخ المعتدل، الذي أثر بشكل مباشر على اقتناء المفردة التي تتناسب والطبيعة كبيئة معاشة، ان تأثير الطبيعة وأجوائها الخلابة على النصوص الشعرية أخذ مجالا واسعا في اتساع الرقعة الشعرية في أصقاع العالم كافة، حتى النص الغربي تأثر هو الآخر بها، وما  الشاعر الروسي (سيرغي يسينين) بعيدا عن التوصيف، إذ عدَّ نفسه آخر الشعراء القرويين، ومنذ فترات ليست بالقريبة ظهر إلى الواجهة ما أطلق عليهم (شعراء القرى) تماشيا مع التوصيف الأول من كونهم شعراء الطبيعة، وذلك لما واجهوه من إقصاء قسري عن رحم الطبيعة وتأكيد انتسابهم للمكان/ الطبيعة، أو كونهم تمسكوا بالطبيعة/ القرية، ولم يفارقوها، وما عمدوا إليه من إضفاء توصيف دقيق للهوية المكانية/ القرى، التي ينتسبون إليها، معتمدين على مفردات تدل دلالة واضحة على تواصلهم مع بيئتهم الأم، وأكثر هذه المفردات تحمل السمة الريفية/ القروية، خصوصا عند أغلب شعراء القرى في العراق، مثل استخدام مفردة، (النهر،الشجر،العصافير،الريح، الحقول، حمام الفاخت....الخ)، مجسدين التصاقهم بالطبيعة /القرية، تحديدا، من خلال توظيف المفردة الملتصقة بالقرى في شعرهم كالسيّاب، وحسب الشيخ جعفر، وعيسى حسن الياسري، حتى وان غادروها فحقولها وأنهارها عالقة بالأذهان وقامات نخيلها حاضرة والارتباط الوثيق بأرض الأجداد كذلك حاضر وبقوة، رباط لا يفارق المخيلة، وهذا بالضبط ما سار على خطاه الشاعر عمار المسعودي متخذا من مجموعته الشعرية، (يزرعُ بهجاته)، منطلقا لإعلان التحاقه بركب شعراء الطبيعة/ شعراء القرى، محاولا إعادة الشعر إلى رحم الطبيعة، ممثلا بالقرية، بعد انصراف الكثيرين، إلى موضوعات ترتبط ارتباطا مباشرا بالشعر الوجداني وتوجهاته المتعددة، أو انشغال البعض بموضوعات المدينة وهمومها التي لا تقل شأنا عن الطبيعة، أو موضوعات إدانة الحرب، والوجع اليومي، والدعوة إلى الخلاص من الأوضاع المتردية وغيرها من الموضوعات التي صرفت ذهن الشاعر عن الطبيعة، كما صُرف ذهن المزارع عن القرية واستصلاح أرضها، لكن المسعودي هنا، خاض تجربة شعرية ذاتية، من أجل إعادة النص الشعري إلى رحم الجمال و الزقزقات والنقاء، تجربة عبر فيها عن انتمائه إلى سديم هذه الأرض التي تولد فيها ونشأ.

أن تأثير الطبيعة متحقق من خلال عتبات المجموعة بدءاً من عنوانها، (يزرعُ بهجاتِه)، فالفعل المضارع، (يزرعُ)، يدل على الاستمرارية في زرع البهجة والفاعل هنا ضمير مستتر تقديره (هو) يعود على الشاعر/ المسعودي/ المزارع، المفتون ببذار الأرض والكلمة، مُؤسساً لعتبات نصية تتخذ في قسم غالب منها الطبيعة منطلقا لها، مثل، (بساتينه، بالقمر ولا يضاء، خوف رمانتين، صغار الباقلاء، كانت من نخيل، أنا ذابل، فاكهة لبهجاتي، استبدلها بشجرة، تمايل نخيل، لوازم قروية، خيال شجرة)،  مُؤكداً انتمائه للقرية، وقد أكد هذا المعنى في  عتبتين  نصيتين، هما،( لم أرَ البحر)، في نفي لرؤيته البحر وما يمثله من علامة للنأي والهجر، وفي هذا إشارة واضحة لتعلقه بالنهر والقرية التي تمثل الوطن بكل معاني الانتماء،  وما تصريحه في عتبة، (لا أصلحُ للهجرة) إلا إعلان عن رفضه لهجرة أرض الأجداد، وتأكيد على مكوثه في حضن الطبيعة/ القرية، وما متون النصوص بمنأى عن الارتباط الوثيق مع الطبيعة/ القرية

(ان تمتَّعتَ بخضرتي

فلا تحدَّثنَ أحد عنها

فان تحدثت وبحتَ ببعض أسرارها

سكنتك صحاراك وهجرتك قراك. ص8)

بحسب النص الشعري يبدو الانتماء إلى الطبيعة/ القرية، يأخذ منحى مختلفا، إذ إننا لا نجد الشاعر هنا يفكر مجرد تفكير بهجر القرية  فحسب، وإنما يدعو من يتمتع بخضرتها، إلا يحدث أحداً عن أسرارها وما تتمتع به من كنوز لا يروم فقدها بمجرد إخبار الآخرين في إضفاء لصبغة القداسة عليها، لقوله، (سكنتك صحاراك وهجرتك قراك) فكأنما تسكنك الصحاري وتهجرك قراك بخضرتها، لعنة تطالك بمجرد الحديث عنها للآخرين، لتعيش الجدب والفاقة.

(لا تكتب أية خضرة

ما بيني وبين حقولي

لا تكتب أية زهرة

لا تكتب أي غصن

ان كتبت كل ذلك،

فقد محوتني   ص21)

من خلال النص الشعري، نجد خشية الشاعر من أن يكتب الخضرة أو الزهرة أو أي غصن بينه وحقوله، لكي لا يشكل فاصلا بينه وبين تماهيه والطبيعة، مغطيا المساحات الفارغة، قاطعا الطريق على من يروم كتابة أي شيء يحول وهذا التواشج الغريب، فما عداه، محو له شخصياً، متخذا من ثيمة المحو سلاحا لمحو من يحاول الحؤول بينه والحقول، حتى لو كانت من بذار الأرض/ الحقل، كالخضرة، والزهرة، والغصن، من أجل الاستمرار بحفظ أسرار القرية التي، مازالت حصونها بمأمن من الوشاة والطامعين.

(لو تتركني هذه الفاختة

ألعب الاختفاء تحت عينيها

أتسلق-في غفلة- أسراب التين

في الجانب الآخر من النهر

لو تتركني أصوِّرُ

أنينها ووحدتها ص23)

في النص الشعري، نجد الفاخت تمثل بؤرة تمركز النص هذا وما يليه في تتمة للرؤية، حيث أن حمام الفاخت، يدل دلالة واضحة على  البساتين والأنهار، وإضفاء صفة العين الحارسة على (أسراب التين)، في ضفة النهر الأخرى، حارس أمين على ممتلكات القرية المقابلة، حتى أنَّ شاعرنا/ المزارع/ الحارس، تمنى لو يلعب لعبة الاختفاء تحت عينيها في تصريح واضح ليقظتها، وما تمنيه للتسلق في غفلتها إلا دليل واضح على اليقظة التامة، في تناغم واضح مابين الإنسان الشاعر/ المزارع، وما بين موجودات الطبيعة الأخرى/ حمامة الفاخت/ الحارس الأمين، ناهيك عما يحمله هذا النوع من الحمام بالذات من صفات تحمل السمة الألفة بينها وبين البشر، فما ان نظرت إليها إلا رافق نظرتك الشعور بالوحدة، التي هي من سمات البشر، كذلك نجد سمة الأنين هنا، إلا سمة مشتركة، في تجسيد للوضع النفسي الضاغط، الذي عاشهُ الحارسان/ الإنسان والفاخت، في أنسنة لها.

(كان صوتها النازل

من أعلى الشجرة موجعاً

أسمعه فأتفقد أمِّي ص23)

نجد حاجة ملحة لاستكمال المقطع الشعري، ليمكننا توضيح الرؤية التي جاء بها النص الشعري، ان هذا النوع من الحمام، التي تهوى المكوث في أعلى الشجرة، لكن صوتها النازل إلى الأرض يثير فينا شجون الفقد، وان أول ما يتبادر إلى الذهن هنا  فقد الأم، في إشارة بليغة لكون حمام الفاخت/ الام، في الطرف الثاني من النهر فقدت الحارس/ الزوج، الموكل إليه رعاية البستان، وحماية أسراب التين/ الصبايا، وهذا سرُّ أنينها ووحدتها، فكيف يمكنها إطباق جفن، والأخطار تحيق بها من كل صوب؟ لذا فأن حفظ خضرة  القرى من حفظ أسراها، فليس الرجال وحدهم من تتقن كتمان السرِّ.

(لا أصلح للهجرة كوني لا أمتلك حقيبةً

تتسع لبساتيني

لأصدقائي

لدروبي إلى المدرسة

لأبي الذي لا يستبدلُ

بكل هذا العالم

قريته الحسناءَ ص65)

 يصرح النص الشعري عن التصاق الشاعر بالبساتين/ الطبيعة/ القرية، فهو لا يصلح لهجرتها، وليس بمقدوره هجرة الأصدقاء، والمدرسة، فالقرية هنا لم تقتصر على الطبيعة فقط، وإنما على أبنائها والأماكن التي ارتادها في مقتبل العمر(المدرسة) وهو يحث خطاه في دروب قريته الناعسة، والارتباط يتوثق أكثر بارتباط أسرته هي الأخرى وما ارتباط أبيه بقريته، إلا توثيق عرى الانتماء، حتى انه لا يبادل حسنها  بكل العالم، في ترميز عالٍ لجمال القرى الظاهر والباطن، في مشاكسة واضحة لقبح العالم الخارجي، بكل مغرياته.

من هذا نجد القرية/ الطبيعة، ملتصقة في وجدان الشاعر، والالتصاق مصيري، قد يذهب إلى ابعد من خشية فضح إسرار القرى للغرباء، بل إنّ الخشية تأخذ منحى آخر، من خلال الخشية من الخروج من رحم الطبيعة/ القرية، ودخوله في زحمة العالم الفسيح، فهو لا يغامر بترك إرثٍ من الذكريات، أو ترك ارثٍ من الارتباط الوثيق؟، فالقرية أرض الآباء والأجداد.

 

رحيم زاير الغانم

 

ثائر العذاريليس المشير التجنيسي الذي يوضع على أغلفة الكتب (شعر، رواية، قصص، مسرحية، ....) محض طريقة للتصنيف، بل هو بمثابة أمر لجهاز التلقي عند القارئ لتشغيل نظام توقع لأشكال خاصة من البنى اللغوية تتعلق بالجنس الأدبي الذي تحدد سلفا. وحين يكون المشير التجنيسي (متوالية قصصية) فإن القارئ سيتهيء للبحث عن الوحدة التي تجعل القصص المتعددة مشروعا أدبيا واحدا، ما يكسبها دلالة جديدة غير الدلالات الناتجة من قراءة القصص منفردة.

يرجع اهتمامي بالمتوالية القصصية إلى عام 2011 حيث عرفتها للمرة الأولى عندما كنت أستاذا زائرا في كلية الآداب بجامعة الإسكندرية بمصر، ومنذ ذلك الوقت بحثت عن كل ما يتعلق بها من أبحاث وكتب، واكتشفت أن معظم ما كتب كان أمريكيا وغير مترجم إلى العربية وبذلت ما أستطيع من جهد للحصول عليه، فالأمريكان يعدون المتولية القصصية التي يسمونها  غالبا (حلقة القصة القصيرة  Short story cycle) ابتكارا أمريكيا، وكتبوا فيها المئات من الأبحاث الأكاديمية والكتب، وأزعم أني اطلعت على أكثرها، وأستطيع أن أؤكد بمسؤولية أن لا أحد ممن كتب بحثا أو كتابا ينكر فيه أن تكون المتوالية القصصية جنسا أدبيا قائما برأسه، وفي الوقت نفسه وحتى عام 2002 لم يكتب أحد كتابا أو بحثا في محاولة لإثبات أن المتوالية القصصية تحمل من الخصائص ما يجعلها جنسا أدبيا مستقلا، لكن الطريف أن الباحثين وهم يكتبون عنها كانوا يستعملون كلمة (الجنس الأدبي genre) دائما لوصفها على الرغم من حيرتهم التي يعبرون عنها دائما بسبب وقوع المتوالية القصصية في منطقة رمادية بين الرواية والقصة. ونذكر في هذا المقال الأعمال التي نظن أنها تمثل مراحل تطور النظر إلى المتوالية القصصية

يعد فورست إنجرام أول من كتب كتابا خاصا بالمتوالية القصصية، حيث نشر كتابه (تمثلات حلقة القصة القصيرة في القرن العشرين) الصادر عام 1971، واللافت أن إنجرام وضع تحت عنوان الكتاب عبارة (دراسات في الجنس الأدبي)، وهو أيضا أول من وضع لها تعريفا حيث رأى أنها "كتاب يضم مجموعة من القصص التي قصد المؤلف أن تكون مترابطة بمستويات متعددة ما يدفع القارئ إلى تعديل تجربته القرائية عند إتمام الكتاب."

 ونشر روبرت لوشار بحثه الموسوم (المتوالية القصصية- كتاب مفتوح)، وهو بحث نشر في كتاب مشترك مع إلين كليري وسوزان لوهافر عام 1989 بعنوان (نظرية القصة القصيرة في مفترق الطرق) وليس أطروحة دكتورا وقد أرسلت لي لوهافر نسخة مصورة منه منذ سنتين. وكان لوشار قريبا جدا من الاعتراف بتجنيس المتوالية القصصية، فقد كان يرى أنها تجمع بين وحدة القصة وتنوع الرواية وهارمونية الشعر الغنائي. ثم عدل عام 2012 عن التسمية وفضل استعمال (حلقة القصة القصيرة) في كتابه (حلقة القصة القصيرة – بعيدا عن ظلال الرواية).

وفي عام 2002 صدر أول كتاب حسب علمي تعامل مع المتوالية القصصية على أنها جنس أدبي مستقل، ولكنه لم يكن معنيا بإثبات ذلك قدر عنايته بربط البنية الشكلية للمتواية ببنية المجتمع الأمريكي، وهو كتاب (حلقة القصة القصيرة الأمريكية المعاصرة- الجنس الأدبي في ضوء العرقية) لجيمس ناجيل، فقد رأى أن المتوالية القصصية إذ تقوم على الوحدة والتعدد في الوقت نفسه فهي تعبير فني عن تركيبة المجتمع الأمريكي الذي تحافظ فيه العرقيات على هويتها، لكنها تنتمي في الوقت نفسه إلى الهوية الوطنية الأمريكية.

وفي عام 2011 حصلت جنيفر سميث على درجة الدكتورا من جامعة إنديانا بعد تقديم أطروحتها (قصة واحدة وأصوات متعددة – مشكلة الوحدة في حلقة القصة القصيرة)، وأصبحت بعد ذلك أستاذة متخصصة بالأدب الأمريكي الحديث ونظرية الأدب في الجامعة نفسها، لكنها ظلت منشغلة بالمتوالية القصصية في أبحاث عدة حتى نشرت كتابها (حلقة القصيرة الأمريكية) أوائل عام 2018، حيث طبعته جامعة أدنبرا الاسكتلندية. وهو أول كتاب موضوعه إثبات كون المتوالية جنسا أدبيا، كما إن الناقدة تطلب من غيرها أن يتخلصوا من التسميات المتعددة (المتوالية،  الرواية المركبة، الرواية في قصص، الموزائيك،.....) وأن يتفقوا على استعمال الاسم الذي اقترحه فورست إنجرام (حلقة القصة) فهو بحسب تعبيرها الاستعارة الأنسب لوصف هذا الجنس الأدبي. وكان اللافت أن تحتفي جامعة أدنبرا بالكتاب في عرضها له على موقعها الرسمي على الشبكة بهذه العبارة:

"يعطي هذا الكتاب اسما ونظرية للجنس الأدبي الحاضن للتشظي فضلا عن التكرار اللذين يميزان السرد المعاصر."

إن ما يشعرني بالفخر لي ولجامعتي أن أشرف على رسالة ماجستير عنوانها (المتوالية القصصية جنسا أدبيا) بنتها الباحثة على أسس قريبة من كتاب جنيفر سميث قبل صدوره بعامين. وأنا أتمنى أن يلتفت الزملاء الأكاديميون وطلبة الدراسات العليا إلى هذا الجنس الأدبي المبهر، فهو حقل من الدراسة الأدبية ما زال بكرا في البحث الأكاديمي العربي،  كما أتمنى أن أرى المزيد من كُتّاب القصة العراقيين الذين يخوضون التجربة لنرى مزيدا من الكتب وقد أشارت أغلفتها إلى أنها متواليات قصصية.

 

د. ثائر العذاري

 

عبد الرزاق عودة الغالبياختلف الباحثون والمتتبعون والنقاد في أصل قصيدة النثر، حتى أدى هذا الاختلاف إلى تهميشها لأكثر من قرن ونيف من الزمن، بعد استلال حرية الشعر من السلة الأوربية وقذفه تحت الخيمة العربية، التي استقبلت بجفاء وتجهم وجه الحداثة الإيجابية القادمة من الغرب، المحمّلة بالمدارس ذات الاتجاهين، الإيجابي والسلبي. وقد نشط التيار الترجمي لفلترة القادم الجديد من الغرب، وتنقية عملية التغريب بعملية التجريب، وبتحدٍّ لتلك المرحلة، بعد أن سببت انقسام الأدباء إلى مؤيّد ورافض لهجمة الحداثة في النصف الأول من القرن المنصرم، ظهرت الحرية في الشعر، لكنها ظهرت بشكل خجول وحذر على يد الرواد المجددين مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي، وغيرهم من شعراء العرب، وقد بدأت الحرية بالانزياح نحو فضاءات أوسع، بتحفظ شديد من الخروج الكامل من القيود الخليلية، واستهلها السياب بخروج ناعم بشعره الوسيط الذي يغازل فيه القريض من جهة، والشعر الحر من الجهة الأخرى، فكان شعره غير مكتمل الحرية، وصار شعرًا (وسيطًا) في البناء الفني، ومنه بدأت الحرية في الزحف التدريجي حتى عبرت نازك الملائكة واكتملت - تقريبًا- عند عبد الوهاب البياتي، ثم بانت ملامح قصيدة النثر تلوح في أفق المرحلة، وأنا أعرف أن قصيدة النثر قضية كبرى عسيرة الولادة، كشفتها الترجمة عندما بدأ المترجمون بالانفتاح على الغرب، وترجمة الشعر الأجنبي الغربي إلى اللغة العربية وبالعكس، فتوهم المترجمون أن قصيدة النثر هي تلك القصيدة الناتجة عن الترجمة، وتناسوا أعمدة الترجمة التكوينية وتأثيرها على المعلومة المترجمة من لغة إلى أخرى، سواء أكانت شعرًا أم نثرًا أو أي أسلوب آخر، وسأوضح ذلك في الحقائق المنطقية  التالية:

1- فقدان الشكل والارتكاز على المضمون:

إن قصيدة النثر وليدة للترجمة، وكل قصيدة في أي لغة كانت تدخل رحم الترجمة تخرج منها عارية من الشكل تمامًا (ولو افترضنا أن الشكل هو الأردية والمضمون هو الجسد)، فإنها تخرج من بطن والدتها الترجمة جسدًا عاريًا كجسد طفل حديث الولادة، تستقبلها في مسقط رأسها الجديد اللغة المُتَرجَمة إليها، وكأنها وليدة بعمر رضيعة، تصرخ صرختها الأولى في أرض الغربة، ولا من ثوب يسترها، وما دام النص الأدبي شكلًا ومضمونًا، فإن القصيدة المترجمة مبتورة الشكل، لذلك تخرج من جنسها النصي الشعري لتبحث عن جنس جديد قريب منه، حتمًا سيكون (الخاطرة)، لأنه أقرب جنس سردي للقصيدة المترجمة، والسبب في دخولها هذا الجنس السردي هو اضمحلال الموسيقى الشعرية منها، لكون الموسيقى الشعرية- من وزن وقافية وتفعيلة- تحسب نقديًّا على الشكل وليس على المضمون، وسندعم هذا الافتراض -الذي أظنه واقعًا- بمثال بسيط:

 لو ترجمنا قصيدة للمتنبي أو أبو العلاء المعري أو أي شاعر فحل آخر، وبالبحر الطويل أو أي بحر خليلي آخر، إلى اللغة (الإنكليزية) أو(الألمانية) أو (الأسبانية) أو أي لغة غربية أو شرقية أخرى، فهل ستحافظ تلك القصيدة على موسيقى هذا البحر في اللغة المترجم إليها...؟ بالطبع لا...! ، ولسبب بسيط، لأن الإنكليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الأسبانية لا تحوي بحورًا خليلية في شعرها، وتلك اللغات لها شكل وطبيعة وتركيب نحوي مختلف تمامًا عن اللغة العربية، من منطلق المبدأ اللغوي في علم الترجمة : (ليس بالشرط  لحقيقة في لغة معينة أن تفرض نفسها كحقيقة مشابهة أو ذات الحقيقة في اللغة الأخرى)، وهذا المبدأ يفرض على المترجمين الدقة في ترجمة المضمون على حساب الشكل، لذلك يهمل المترجم الشكل (البناء الفني) للنص الشعري المترجم، ويجتهد في جمع شظايا المضمون المنتشرة في أرجاء القصيدة، ليحصل على وحدة المضمون وترابط المعنى، لينقله بدقة وأمانة من اللغة الأصلية إلى اللغة المترجم إليها، بمكافئات ترجمية متقابلة في المعنى والمقبولية التواصلية، وتلك عملية شاقة ودقيقة، وهذا يعني أن القصيدة المترجمة فقدت الشكل قسرًا، وأصبحت ناقصة شعريًا وأحادية التكوين، (وبنظرة شكلانية) فإنها فقدت شاعريتها وصارت جنسًا نثريًّا لا ينتمي إلى الشعر.

2-  فقدان الموسيقى الشعرية يعنى فقدان الجنس للنص الشعري بفعل الترجمة:

 

وكما أسلفنا، تفقد القصيدة المترجمة الشكل أو البناء الفني في رحم الترجمة، وهو- البناءالفني- بدوره يحوي الموسيقى الشعرية، والموسيقى الشعرية هي اهم عمود من أعمدة الشكل، من وزن وقافية وتفعيلة وموسيقى داخلية وإيقاع (وبما أن الموسيقى تدخل في البناء الفني الشعري لتوليد كينونته الشعرية، فإن الشعر لا يكون  شعرًا إذا فقد الموسيقى)، وعليه، فقد فقدت القصيدة المترجمة جنسها الشعري بفقدان شاعريتها الموسيقية، وصارت جنسًا نثريًّا سرديًّا، فتحولت إلى (خاطرة نثرية)، والخاطرة معروفة كجنس سردي - مقابل لقصيدة النثر بفرق الموسيقى، علمًا أن الموسيقا في القصيدة النثرية داخلية ولا تمس نهايات جمله- وليس شعري، أي تحوّل جنسها من الشعر باتجاه جنس النثر، لكون الموسيقى هي الإسفين الفاصل بين الشعر والسرد في خارطة الأجناس الأدبية، وهوعمود مهم ومكوّن بنائي من أعمدة الشكل وليس المضمون، بذلك ارتكزت القصيدة المترجمة على المضمون فقط، فصارت قصيدة مبتورة، وهذه القضية التي خدعت الباحثين الذين  كتبوا عن القصيدة المترجمة التي سموها (بقصيدة النثر)، وعن أصلها وسبب دخولها الأدب العربي، وهل دخولها إلينا هو تغريب أم تجريب أم تخريب...؟ ، فاتهموها بأنها فارغة من الانزياح، وأن أسلوبها جاف، وهي تحمل قضية سردية، ولم يدركوا أن كل تلك الاتهامات هي حقائق تخصّ الشكل المسلوب في رحم الترجمة، قد فاتهم الانتباه إليه، ولم يدخلوا في تفسير ثناياها بشكل فلسفي ومنطقي عميق...

نستنتج من تلك التسمية، أن كل شعر يترجم يصبح (قصيدة نثر) بأسلوب علمي (تقريري) خالٍ من الانزياح، لأنه يحمل في داخله الدلالات السيمانتيكية فقط، والتي تحافظ على ترابط المعنى في المضمون بشكل دقيق، ولا تعطي مجالًا للدلالات الذرائعية من خيال ورمز، لذلك تكون قصيدة الغرب المترجمة للغتنا العربية (قصيدة نثر)، وقصيدتنا المترجمة للغتهم (قصيدة نثر)عندهم أيضًا، وبرأيي الذرائعي المتواضع: لا أحبب ترجمة الشعر، إلّا بتصرف أدبي، لولا أن تصبح القصيدة هجينة (أي المضمون من لغتها الأصلية والشكل من اللغة المترجم إليها) لفقدانها الشكل الأصلي واسترداده كشكل جديد في لغة غير لغتها الأصلية، أي في اللغة المترجم إليها ،وهنا تقع في مصيدة الخيانة الترجمية.

3- قصيدة النثر هي وليدة ناقصة من القصيدة المترجمة:

برأيي الذرائعي المتواضع: لا توجد قصيدة نثر أجنبية على الإطلاق، وإنما هناك (قصيدة مترجمة) جاءت من الغرب، وحين ترجمت، جرّدتها عملية الترجمة من الشكل بسبب عوامل التعرية الترجمية والسبب بسيط يكمن بعمومية الولادة، فكل قصيدة تترجم من لغة إلى أخرى تشهد ولادة كاذبة لقصيدة نثر، وتلك الحقيقة التي جرّتني إلى القول في موسوعتي الذرائعية المجلد الثاني (الذرائعية وسيادة الأجناس الادبية): إن قصيدة النثر لا أصل لها، وهي وليدة للترجمة، ويكمن أصلها بمن يرعاها، أي من يستقبلها في جهة الترجمة الثانية، فلو كانت قصيدة النثر ذات أصل أجنبي ولد من رحم الترجمة، فهي إذًا بجانب واحد  فقط، أعني المضمون فقط، مجردًا من الشكل أو البناء الفني، لكون شكلها قد خلع في رحم الترجمة، ولو أضاف لها المترجم شكلًا لارتكب خيانة ترجمية، لأنه أعطاها شكلًا عربيًّا ليس لها، وجعلها هجينة بمضمون أجنبي وشكل عربي....هل يجوز ذلك...!؟ ونتيجة لذلك فقد حصرت القصيدة المترجمة بين أمرين لا تحسد عليهما:

- الأمر الأول: لو أضاف لها المترجم بناءً فنيًّا من لغته التي ترجم إليها، لصارت القصيدة هجينة من لغتين، المضمون يعود للغة الأصلية، والشكل يعود للغة المستقبلة، إذًا هي ليس قصيدة أصيلة بل قصيدة بنت حرام التصقت بها الخيانة، لكونها لم تولد بوضع شرعي.

- الأمر الثاني: لو تركت على حالها دون تغيير أو تلاعب بعد الترجمة، لصارت -قصيدة ناقصة ومبتورة وخرجت من شاعريتها- جنسًا نثريًّا يدعى بالخاطرة.

إذًا في الحالتين لا وجود لقصيدة نثر قادمة من الغرب في الأدب العربي، وإنما قصيدة النثر هي ابتكار عربي جديد أصيل، حاول به شعراء الحداثة تقليد القصيدة المترجمة، وظنوا أن ذلك جنسًا مستوردًا دون الالتفات لعوامل التعرية الترجمية التي تحدث على النص الأدبي عند مروره في قناة الترجمة، وانطلت عليهم تلك الخدعة قرنًا كاملاً من الزمن، حتى ظهر المد الذرائعي ليقف حاجزا بين التفكيك وسيادة النص على التجنيس، فكشفت الذرائعية اللثام عن الفوضى في ساحات الأدب العربي ونصرت الذرائعية لأجناس الأدبية المهجورة واوقفت فوضى التخبط والضياع بين الأجناس التي سببت هذا الوهم، وكشفت المستور. 

4- الخدعة الترجمية ومصيدة اضمحلال الشكل لقصيدة تقليد نواتج الترجمة:

وبنظرة فاحصة فوق نتاج شعراء (ما سمي في حينه بقصيدة النثر) من عهد الحداثة من الرواد إلى الوقت الحاضر، سنجد فرقًا شاسعًا بين الجيلين، وذلك الفرق يكمن بالخدعة الترجمية، فقد كتب بعض الرواد قصائدهم بجانب واحد، أي مضمون فقط، تقليدًا لنواتج القصائد الأجنبية المترجمة، والقسم الآخر اخترع بعض البدع في مواضيع قصائدهم، كالكتابة بغموض مطبق، وادّعوا -في حينه- أنه فلسفة، وأن الجيل المعاصر لم يرتقِ لمستوى قصائدهم ليفهمها، ثم تحدّثوا على نواقص شاعرية تلك القصيدة، على أنها صفات تكوينية لذلك الجنس المبتور، بذلك وقعوا في مصيدة اضمحلال الشكل على حساب المضمون، وهذا السبب الذي احتجز تطورها حتى ظهور الرؤية الذرائعية التي كشفت اللثام عن تلك الخدعة، من هذا المنطلق نشد على أيدي شعراء الجيل الثاني (شعراء الربع الأول من القرن الحادي والعشرين)، الذين قلبوا ميزان هذا الجنس الشعري المبتور رأسًا على عقب، من جنس مبتور قائم على تقليد لنواتج ترجمية، إلى قصيدة عربية مستقلة بالشكل والمضمون والأغراض والشاعرية المتكاملة، وقد اعتبرت، أنا، هؤلاء مجدّدين في الشعر العربي بعصرنة راقية ومبتكرين لجنس راق جديد اسمه (قصيدة النثر العربية) وأدعو الباقين من الذين اتبعوا شكلانية النص الأحاديّ التكوين المقلِّد لنواتج الترجمة أن يقتنعوا بالنظرة الذرائعية تلك، ويعدّلوا من مسار قصائدهم، بالدخول في مسار القصيدة الجديدة (قصيدة النثر العربية)، لنعلن ولادة هذا الجنس المعصرن على أيديهم، وهذا ليس عيبًا، بل هو إعترافً بشفافية الأدب ومصداقية النقد والتنظير النقدي العربي العلمي، ودعونا هذه المرة لا ننتظر قرارًا أجنبيًّا بما نكتب أو نبتكر في أدبنا العربي، كما كنا نفعل، لأننا قادرون على أن نفكر ونبتكر وننظر فيما يخصّنا دون تدخل أجنبي، وبالطريق الصحيح الذي سار فيه أجدادنا العظام.

5-  الهامش النقدي أو البؤرة في قصيدة النثر العربية:

أما هامش القصيدة، فهو ابتكار جديد أُضيف لقصيدة النثر العربية، لتعزيز تفرّدها العربي، وهو وحده حكاية ذات شجون، من عصرنة وتجديد وتحديث، شكلًا ومضمونًا ونقدًا، وقد اعتبرتُ - من وجهة نظري الذرائعية المتواضعة- بأن الشاعر ينقد نفسه في هذا الهامش، أي يقوّم ما كتب بشكل مقتضب، فيظهر وكأنه يعطي بؤرة  ثابتة لنصه تدور حولها أحداث القصيدة، وهذا شيء جديد في أجناس الشعر، أن يحضر الشعر والنقد للشاعر نفسه معًا، وفي نص واحد، بمعنى أن يقرأ الشاعر نتاجه باقتضاب نقدي ليساعد المتلقي على قراءته، وهي:

أولًا- صفة نقدية وليس شعرية، لكونها تخرج عن حدود القصيدة بالشكل الكامل، لتكون خلف أسوار البناء الفني، ولمسة عصرية فائقة الذكاء، تضاف للشكل الشعري العربي، فتعطي قراءة جديدة للشاعر والمتلقي والناقد،

ثانيًا: الميزة السابقة قسمت البناء الفني في القصيدة النثرية إلى ثلاثة جوانب مرئية (عنوان ومتن وهامش)، وتلك العتبات النصية، ميزة جديدة لو استثمرت نقديًّا وأدبيًّا، سترفع حتمًا من شأن قصيدة النثر، وتجعلها من أنواع الشعر العصرية المتفوقة، وستخرج بها حتمًا نحو أفق الإبداع الفني والشعري، وكل من تلك الميزات يكمل الثاني، وهذا سيكون فرضًا جميلًا في قصيدة النثر.... 

6- أغراض قصيدة النثر العربية الجديدة:

أخذت قصيدة النثر أغراضًا عصرية، تتميز بها وتختلف عن بقية أنواع الشعر بعمومية التعبير بأغراضها الخاصة العصرية المشخصنة باستراتيجية الشاعر، والتي تختلف كثيرًا عن شبيهاتها من القصائد المكتوبة بلغات أجنبية، وقد امتازت تلك القصيدة بالإسناد الاجتماعي بتلك الأغراض، من منطلق المبدأ الذرائعي (الأدب عرّاب للمجتمع) لأنها تحمل قضايا المجتمع بخصوصيات أغراضها المتنوعة، والمطابقة لقضايا المجتمع الذي تنطلق منه، لذلك تثبت أصالتها الإنسانية بعمق أدبي رصين، وسأذكر من المؤسسين لتلك الأغراض والذين برعوا فيها على الساحة الشعرية العربية لحد الآن، وقد تفرّدوا في أغراض ابتكروها وأجادوها وبرعوا فيها، ومنهم من يمزج أكثر من غرض أو غرضين أو ثلاثة أغراض في قصيدة واحدة، لتوصيل رسالته الإنسانية لنواصي المجتمع بطرق أدبية عصرية راقية، وهم:

- عبد الجبار الفياض، يكتب بغرض فلسفي، وآخر أنثروبولوجي ، وأحيانًا خليط بين الفلسفة والمثيولوجيا.

- شلال عنوز، يتخذ أسلوب الرمز والقرين، ويخلط بين الوطن والرومانس.

- ريتا الحكيم  تكتب بغرض اجتماعي نسوي.

- عبير العطار تكتب بمسار رومانسي.

- محمد الماغوط يكتب بمسار اجتماعي.

 وهذا نموذج لشعرائنا المجدّدين، والذين بروزا في قصيدة النثر وأغراضها المعصرنة. وسيبقى الباب مفتوحًا، لربما تبرز طاقات أخرى  باغراض أخرى، ونحن بالانتظار، وأظن القائمة ستطول.....! وأخيرًا أقول وأنا في صدد تأليف الجزء الرابع من موسوعتنا الذرائعية أنا والأخت عبير خالد يحيى، التي ستدرس قصائد المجدّدين ممن ذكرت أسماءهم في أعلاه، وغيرهم من يتصل بها ويعرض نتاجه بعد إضافته من قبلها لموقع حركة التصحيح والتجديد والابتكار في الأدب العربي....أعتذر لكل شاعر كتب حرفًا رصينًا ولم أذكره في مقالتي هذه، وبابنا مفتوح للجميع....

 

بقلم: عبد الرزاق عوده الغالبي

........................

المصدر: الموسوعة الذرائعية المجلد الثاني (الذرائعية والأجناس الأدبية) تأليف عبد الرزاق عودة الغالبي وتطبيق الدكتورة عبير خالد يحيى.

لا مصادر أخرى لكون كل ما قيل من رأي في تلك المقالة هو جديد.

 

طارق الكنانيللذّات في ما تتلفّظ به وجود وكينونة، ولاسيّما إذا ما كان ملفوظها خطابا إبداعيّا مشكّلا باللّغة. تتفاوت درجات حضورها فيه من خطاب إلى آخر وتتباين، فقد يكون صريحا معلنا، وقد يكون خفيّا مضمرا. والسرد الروائيّ منخرط في هذه المقولة غير منفلت من حدودها وغير مستثنى.*

ففي رواية سارق العمامة للروائي "شهيد شهيد" كانت هذه الذات تتجسد في خطابه بوصفه متكلما حيث كان الراوي المنوط به فعل السرد يطبع خطابه بطابع ذاتي ، فهو في بداية الرواية يطرح عدة تساؤلات من خلال الراوي ليظهر من خلال هذه التساؤلات فلسفة تنويرية تكتظ بها مخيلة الكاتب كأطروحة بديلة عما يحدث في المؤسسة الدينية والتي هي بيئة الكاتب التي يتحرك بها ولو اننا لاحظنا انه أخفى البعد المكاني والزماني في الرواية فهو لم يصرّح حقيقة بهما ولكننا نتلمس وسط هذه التساؤلات التي طرحها ضيق المساحة التي يتحرك بها الكاتب .

بعد ان طرح تلك التساؤلات يأتي ليجيب عليها من خلال خطاب شخصية الراوي حيث تخلى عن كينونته بوصفه فاعل ملفوظ ينبجس عنه الخطاب فيشحن بتلوينات الذات وانطباعاتها ويمكن استجلاء ذلك من خلال الخطاب الروائي الذي مارسه الكاتب ، فهو في تقريره ان يصبح نبيا بناءً على حلم، وهذا الفعل مشترط بفعل آخر هو ان "يسرق عمامة " غير محددة ، وما لهذه العمامة من رمزية في المتخيل المجتمعي فهو يفصح عما تمثله له هذه العمامة من عائق كبير امام طموحه، حيث ان امر تلّبس الذات بملفوظها ليس بمقصور على خطابات السيرة الذاتية والروائية (ان كل ملفوظ يكون لامحالة يحمل بصمة من تلفظ به مطبوعا بها)*. فهو يفصح بشكل جليّ عما تمثله هذه العمامة وحاملها وسطوتها ونرجسية حاملها ففي الحوار الذي اجراه مع " ظهر الدين" –ولا يخفي ايضا ما لهذا الاسم من رمزية مقصودة – يظهر الكاتب سطوة رجل الدين وحقيقة شخصيته من خلال اظهار غطرسته بالتعامل مع الآخر .

لم تتوقف الرواية عند حد معين في نقد الظواهر المجتمعية وما تقوم به المؤسسة الدينية من فعل يحد من الممارسات المدنية ويطبع المجتمع وتفكيره الجمعي بطابع ديني ضيق حتى راح يحاكي بعض النصوص القرآنية التاريخية والاحاديث النبوية ، فعملية اختيار الجامع كمكان -تم اختياره بشكل عشوائي – في حقيقة الأمر لم يكن كذلك ، فهو فعلُ مقصود للانطلاق بمقارنة قصدية اراد من خلالها الكاتب ان ينقل ما يحدث هناك فهو يتساءل لماذا سميَّ ببيت الله وما لهذه التسمية من مردودات سلبية. ففي البداية كانت الكلاب تمارس الجنس امام الجامع فممارسة الجنس بصورة علنية كفعل محرم دينيا ، واما هو فاعتبره فعل جمالي مقدس ، وفي اليوم التالي تم القاء الطفل ليلتقطه هو ويرشحه ان يكون هو "النبي اللقيط " وهذا مقصد آخر اراد من خلاله الكاتب ان يقول ان من يسكن القاع يمكنه ان يصبح نبيا فالنبوة ليست مقصورة على النخبة والنبوة ليست معاجز بقدر ماهي طرح ما يمكن طرحه من الافكار والجماليات التي يمكن ان تجعل المجتمع بصورة افضل ورؤية افضل من خلال نشر المحبة ، واليوم الثالث حيث تعاطف مع اللص الذي يسرق الجامع ليطعم عياله وهذا مأخذ يأخذه الكاتب على المؤسسة الدينية فإهمالها للإنسان واهتمامها بالمساجد لا يجعل الحياة افضل فالصلاة تصبح هناك عادة وخوف وليست فكرة للاتصال بالخالق، فالعبودية تعني الخوف والكراهية ، هنا يطرح الكاتب معنى جديد لجمالية العلاقة بين الخالق والمخلوق فهذا الخطاب لا يتعدى خطابا ذاتيا اراد من خلال شخصية الراوي التمهيد له وازالة الحرج من مقاربة الذات فأمكن للدرس السرديّ المشتغل بالرواية أن تغتني بمداخل جديدة تقارب من خلالها الذات مدارها على إشكاليّات متعدّدة تبحث جميعها في قضايا الذات في علاقتها بما تنتجه من خطابات تنظيرا أو تطبيقا وتحليلا. وفي اليوم الرابع حين دخل المسجد فلم يجد هناك من يصلي وحين اراد المكوث طرده الشيخ من الجامع فنجد الحوار الذي دار بينهما ، اليس هذا بيت الله ما علاقتك انت به، ولكن حين هدده الشيخ بالشرطة ورجال الأمن نراه انفتل هاربا لا يلوي عن شيء ، فالسلطة هي من حببت رجل الدين بالعمامة.

الكاتب اراد ان يصل من خلال شخصية النبي المبتكرة الى امور عديدة بأن النبوة هي ان نعتني بالإنسان كإنسان بعيدا عن المعجزات وخوارق العادات فهو لم يطلب ان تتنزل مائدة او يفلق البحر او يحيى الموتى او يجعل النار بردا وسلاما او تحدث معجزة الاسراء والمعراج فهو لا يحتاج الى هذه المعاجز بقدر ما يكون نبي ينشر المحبة بطرق أخرى غير التي جاءت بها الرسالات السابقة أو كما يعتقد الكاتب بأن الديانات قد اختُطفت من قبل رجال الدين وتم توظيفها بشكل يلبي مصالح الطبقة التي تكونت بفعل الاذعان المجتمعي لرجل الدين من خلال ما يبثه من تعاليم وضعية تم الاتفاق عليها في المعابد ليبقى المجتمع تحت تصرفهم ، فهو قد عبر عن ذاته في السرد الروائي بشكل يجعل القارئ يتابع بشغف ما سينتج عنه المشهد الآخر ....لكنه في الجزء الأخير من الرواية أوغل في ما هو ليس من الخطاب وحاول أن يسقطه عليها خارج مقولات أدبيّة الخطاب الأدبيّ ومقتضياته وسننه. ففي مشاهد يصور فيها جبرئيل وقد فقأت عينه بناءً على احدى الروايات ويصور فيها سليمان وقد اتكأ على منسأته والحشرة تأكل هذه العصا حتى يسقط سليمان ، احسست بأن هذه المشاهد كانت محشورة حشرا فالحدث الروائي كان يتصاعد في اليوم السابع وأنّ المقاربات السرديّة أمكن لها أن تتطوّر بفضل ما ارتفدت به ممّا حقّقته بعيدا عن الاغراق الذي اضافه الكاتب في المشهد الأخير .

ان انفتاح المقاربات السرديّة على مدارات عرفانيّة مستجدّة منه ما هو موصول بالخطاب الفلسفيّ ومنه ما هو موصول بعلوم اللسان كلسانيّات التلفّظ والتداوليّة ونظريّات تحليل الخطاب…. بما توليه للذات من أهميّة في طروحاتها وفي مقارباتها إيّاها في مختلف أجناس الخطاب يجعلنا نتساءل: هل هناك صلة أو علاقة بين الذات في السرد الروائيّ لرواية سارق العمامة وبين المرجع والمتخيّل؟.

ومن خلال الرواية موضوع البحث نقول :نعم ان ما تم طرحه من افكار عبر الكاتب فيها عن الذات بشكل متقن .

الرمزية في الرواية:

يطرح الكاتب في روايته "سارق العمامة "الكثير من الرموز التي تعتبر محورية في بنيوية الرواية وهو يوغل في القصدية من وراء هذه الرموز ومقارباتها.

- ففي المهلة التي اعطيت " للنبي المجنون " سبعة ايام رمزية عالية فتاريخ وادي الرافدين يزخر بها ولعله قصد بذلك كيف خلق الله السموات والارض وفي اليوم السابع استوى على العرش* ، ولعل ملحمة جلجامش خير من يوضح تلك الرمزية فلقاء شمخه وانكيدو دام سبعة ايام ، وفي الذاكرة الجمعية للمجتمع العراقي نحتفظ بالرقم سبعة في الفرح والوفاة ففي اليوم السابع هناك حفل خاص .

- الجامع وهو البيت الذي يطلق عليه بيت الله فهو من خلاله يطرح عدة تساؤلات لماذا يغلق هذا البيت ، لماذا لا يوجد مصلين ، لماذا هذا الترف الباذخ في الجوامع او بيوت الله ، لماذا ترتكب المعاصي هناك حيث يحتقر الانسان ، وحتى الشحاذ لا يحصل على نقود بقدر ما يحصل عليها الذي يقف بباب البار.. لماذا يطرد الفقراء من بيت الله ..اراد الكاتب ان يقول شيء كبير من خلال هذه المقارنة.

- عمامة ظهر الدين ، لماذا ظهر الدين ، حيث عدد اسماء منها بطن الدين وغيرها استخفافاً بهذه التسميات التي لا علاقة لها بالمسمى، ولماذا لم يطلق اسم قلب الدين فهناك قصدية في هذه التسمية تؤطر علاقة رجل الدين بالدين فهي مجرد قشرة خارجية ليست بالعمق الذي من خلاله يمّكن رجل الدين من نشر العدالة واسعاد المجتمع فهو غير معني بها .

- الفندق الذي كان عالما مصغرا بساكنيه الذين يمثلون قاع المجتمع فقارئة الحظ التي انتحرت والشيطان الذي يشبه كل واحد في الفندق بما فيهم النبي المجنون فهو يرمز الى الشر الذي في داخلنا فلا وجود للشيطان بقدر ما موجود نزعات انسانية شريرة باتجاه فعل الشر ، وصاحب الفندق الذي كان متسامحا مع الكل .

- الطفل اللقيط والحوار الذي كان يدور بينهما واطلاق اسم النبي اللقيط عليه.

- ابو نؤاس ومأساته التي رويت بطريقتين وكل طريقة تعبر عن حدث معين وفترة معينة ، وهذا الحدث وقع هنا وعلى هذه الارض وكلاهما سيء فلا وجود لأفضلية احدهما على الآخر ويرمز لحقبتين مررنا بهما ومازلنا نعيش الحقبة الثانية .

- عدم معرفته باسمه ومجهولية الهوية التي ضاعت في خضم هذه الاحداث ففقدان الهوية هي سمة ظاهرة للفترة الحالية تم تسويقها عبر شخصية المجنون.

- عندما يكون ملك الموت اعور فأنه سيرى نصف الحقيقة وبالتالي فهو يخطئ هكذا انتهت الرواية بنداء الراوي (حتى الملائكة يخطئون).

تبقى رواية سارق العمامة حدث فني وسردي متميز يستحق الدراسة والتوقف عنده فهو تجاوز كل الخطوط الحمراء والصفراء فقد طرح اشكاليات عديدة لم نستطع الالمام بها في هذه العجالة .

 

طارق الكناني

 

رحيم زاير الغانمان ما تنتجه المخيلة المؤلف من نص، لا يقف عند عتبة هذه المخيلة، بل أنها تتواصل مع مخيلة متلقيها/ القارئ، بفعل ما تحققه المسافة الجمالية كونها نقطة التقاء هاتين المخيلتين، لذا يجب التنبه إلى الآثار التي يتركها النص على مخيلة القارئ النموذجي، لتحفزه على التحليق، ضمن أفق وعوالم النص، وكذلك ضمن السياق العام للمنتج الإبداعي، والتراكم المعرفي، وما يحدثه من فهم، الذي قد يحقق الوصول إلى المعنى، وهذا لا ينفي تأويلا ثانٍ أو ثالث للمعنى، إذ ان النص الشعري، لا يخضع لتأويل واحد في اقصاء للتأويلات الأخرى، أو انه يضفي صبغة ما على مخيلة كل قارئ، لما لشفرات النص الشعري القدرة على تزويد المخيلة النقدية للمؤول بمعانٍ متعددة، لذا لا غرابة ان نجد القارئ (س) مثلا لو حظي بفرصة تمكنه من قراءة النص الشعري (ص) مرة ثانية ، بعد ان اكتسب خبرة في قراءة النصوص، فأنه عندما يأتي للنص المفترض (ص)، في المثال، لا يَقدِمُ لنا وهو حامل نفس المعنى الذي وصل اليه في القراءة الأولى، مع العلم انه نفس القارئ المفترض(س) ، أي أن تنامي المخيلة والمعرفة والذائقة الفنية لدى القارئ نفسه لها أثرها الفاعل في الوصول إلى المعنى أو إنتاج معنى جديد، وبحسب الظروف والخبرات المكتسبة، وكلما تحقق الاتصال بين القارئ والنص، كلما أسس لعلاقات مستقبلية بينهما، حتى أننا نجد القارئ يتمكن بفطنته من كشف مخرجات ومدخلات النص الشعري لنمطية التأليف، وفي هذا مردود سلبي على النص، كون الرتابة حلت بلعنتها وعرف القارئ ان لا سرَّ في لعبة التأليف هذه، إذ لم يأتِ المؤلف بجديد، يتمكن به من إبهار القارئ وكسر أفق توقعه، ليصنف هذا النتاج ضمن النصوص العادية/ النمطية، التي لا تحرك بحساسيتها وجدان القارئ، كونها فقدت المبادأة و والمفارقة وضبابية الأفكار وغياب الرؤية، وهذا يعود لنضوب مخيلة المؤلف المقارنة بتوقد مخيلة القارئ، لتحسب للقارئ الرجاحة في هذه الجولة.

لكننا نسجل في أحيان أخر رجاحة كفة النص، من خلال تخييبه أفق توقع القارئ، كون المؤلف، اتخذا من كسرر أفق التوقع سبيلا للفرادة والمبادأة والمفارقة التي تعتبر من ميزات النص الشعري الحديث، وقد نلمح خيطية تتشكل قد تُنبئ برتابة حلت بالنص، تمكن القارئ ادراك مجريات النص وفك شفرات اللعبة النصية، لكنها سرعان ما تتبدد بكسر افق توقع القارئ، ، كل ما تقدم سيتم تناوله في مجموعة ( هجير الهواجس )، للشاعر حامد عبد الحسين حميدي، كإجراء لإثبات ما تم تداوله سالفا.

(مسافة موؤدة .. تكدست

على نثار جريح،

للسراب شرنقة، أسقمتها

انحناءات الهديل...) ص13

 من مواصفة النص الشعري الحداثوي انه يصل إلى متلقيه عبر ما فيه من إيحاء وتوهج مفردة، وعدم اتصاله بما سبق إنتاجه، وهذا ما يدغدغ مخيلة القارئ، للاسترسال مع النص الذي كما يبدو لأول وهلة بنزعة خيطية، لكنها غير منسابة إلى الرتابة، إذ ان فَخاخ النص عجلت بكسر أفق التوقع، فالمسافة الموؤدة التي تتكدس على نثار الجريح، في انزياح أضفاه المؤلف، شكَّل كسرا لأفق التوقع، أردفه بسراب شرنقة أسقمتها انحناءات الهديل، في خرق يُثيرُ تساؤلاً: من أين للسراب شرنقة؟ قطعا، ان العين التي اضمحل في افقها الأمل، صارت تتصور للسراب شرنقة، بعدما انحنى هديل الحمام، فبعده لا مسلمة دائمة البقاء، فلا يمكن احتفاظ الأشياء بموجبات ديمومة حدوثها.

(خارجاً

تلملمُ بقايا السواد

تنثر أحزانك المتحجرة،

..في كأسٍ مثقوب

خرافتك الماطرة

تنزلق، من وراء النافذة) ص 21

 حين تتلاءم مخيلة المؤلف والقارئ، تنتج لنا معنى جديدا، أو قل معانٍ عدة، مادام التأويل حاضرا لفك شفرات النص الشعري، التي تمنح القارئ النموذجي، مِثل هكذا فرصة، عندما تأخذ من الطبيعة شفرات من اجل ترصين النص بها، وما نجده من بقايا السواد ونثر الأحزان المتحجرة، كدلالة لثباتهما في مخيلة الفرد كنسق جمعي، ألفَ هاتين الثيمتين في النصوص الشعرية، لكن المفارقة ان الشاعر تمكن من جمعهما بشطرين متجاورين، غير معتبر بكشف أفق التوقع، إذ انه انتظر هو الآخر، بعدها ببث شطر مفارق، جمع من خلاله، السواد والأحزان المتحجرة، في كأس مثقوب، متكئ على خرافة ماطرة، لكنها هذه المرة تنزلق من وراء النافذة، في كسر لأفق توقع القارئ المواكب لنتاج المؤلف.

(وأنحني في جوفه،

الصمتُ الهرم..

يتوكأ على عكازه،

يمسحُ أدمعه على جدار الظلام،

وأنين الغربة

ينساب في قبضة الريح،

أفعوانا...) ص29

 ان النص الشعري المفارق، ينتج معنى مفارقا أيضا، يحمل ذات الأهمية والتوجه، ولذا يحتاج إلى قارئ، بمواصفة تلقي هكذا نص محمل بدلالات هائلة، تحتاج من القارئ التأمل والتريث في إصدار الحكم القاطع، من اجل إنتاج المعنى، فالنص على هكذا مستوى من تبني مشروع كسر أفق توقع القارئ، اذن يحتاج لقارئ لا يؤمن بالحكم القبلي، أو لنقل أكثر روية وصبرا إنصافا للنص، فمن ينحني في جوف الصمت، الهرم!؟ ليتوكأ على عكازه؟! أنه كسر توقع من نوع خاص، مع العلم ان الشاعر جمع الصمت، والهرم وهما متجاورتان دلاليا نوعا ما، ليذهب بعيدا في كسر أفق توقع القارئ، عندما يمسح أدمعه في جدار الظلام، وأنين الظلام، ولا غرابة ان انساب في قبضة الريح أفعوانا.

(في منامهم: رأيت

 عناقيد من الطفولة،

تخرج من شرانق الحياة

تشرب هوس البقاء

رمالها على جدار) ص73

ان مخيلة القارئ حاضرة لمحاكمة النص الشعري، مادامت المخيلة منضبطة بأطر نقدية، فلا سبيل لمخيلة الباث إلا إنتاج نص شعري يتوافق مع هذه القدرة، وبذا يمكننا عده الرقيب الايجابي، الذي يحمل حسَّاً بالمفردة والجملة الشعرية أو بالنص الشعري، كبناء فني متماسك، لذا يُنتج النص وفي الحسبان، تصاعد معمار النص فنيا، مع مغادرة الرتابة/ الخيطية، التي قد تشيع نوعا من الملل، الذي يحفز المؤلف إلى إنتاج نص يحمل سمة الفرادة، فرؤية العناقيد في المنام تصرف المخيلة إلى خيطية نصية متعارف عليها، كعناقيد العِنَب، لكن النص غاير التوقع، عندما حرف بوصلته من الاعتياد إلى المفارقة، في جملة (عناقيد من الطفولة)، وما خروجهم من شرانق الحياة إلى معنى أشمل مُثِلَ في جملة (تشرب هوس البقاء)، وفي هذا خروج من عالم الأحلام/ الرؤية إلى الدخول في عالم الرؤى وبث الأفكار، وما فيه من إنتاج لمعنى المواجهة والتحدي، مع التقييد التام بالمعنى الافتراضي الذي أفاض من المنام، لكنه ضمن أطر الحياة التي امتدت سلطتها إلى عوالم أخرى.

نخلص إلى ان المؤلف يسعى إلى مد جسور التواصل بين النص والقارئ، بين مخيلتين أو لنقل انه يستهدف مخيلة ناضجة نخبوية عارفة بما يدور في خيال المؤلف وتتناغم معها، على اعتبار ان المؤلف، عندما ينتج نصا شعريا يضع في حسبانه نوعية متلقيه، وهذا بالطبع خاضع لمخيلة ناضجة، بحيث أن بمقدوره صناعة نص يراعي مستوى قارئ محدد، اي اننا نشهد القصدية حاضرة من انتاج النص، ولا يقف عند هذا الحد بل يتعداه إلى خرقه لأفق التوقع، في تغييب شبه تام لأفق توقع القارئ سياقيا، محققا لقارئه امكانية انتاج معنى جديدا، مما يضفي على النص الشعري سمة الفرادة والمغايرة والتي من شأنها استنهاض حساسية وجدان القارئ، التي هي امتداد لحساسية وجدان الشاعر، لنجد توقد المخيلة ماثلاً في النص الشعري، في نأيٍ عن الرتابة أو ما يمارس من قتلٍ نصوصي بالمجان.

 

رحيم زاير الغانم

 

رحيم الغرباويزهير البدري أحد أعلام مدينة الكوت الذي عُرِف بطيبته ونقائه وحبِّه للناس والحياة، فنان أحبَّ الفن منذ نعومة أظفاره، فاتجه إليه بـ (كاميرته) الأنيقة لتتنامى لديه عدسة التصوير، زاول السياسة بصدق، فكان معارضاً للحكَّام ومازال، نافح الشعر، فكتب عن الحياة والحبّ والسياسة وطرز كتاباته بالوصايا والحِكَم، ولشغفه بالأدب ساهم مساهمةً فعالة في إقامة شارع دجلة الأدبي في مدينة الكوت الذي صار موئلاً للأدباء والمثقفين والفنانين، ولبيع الكتب، كما أسس رابطة دجلة الأدبية ملتقى الأدباء والشعراء والكتَّاب، وهي علامة مضيئة في تاريخه الأدبي الحافل بالجمال والطيبة والاهتمام بما عشق وما أغدق من عطاياه المثمرات، فصار أباً للنشئ وصديقاً لرواد منتداه، وأنيساً لمن هو حاضِرٌ معه في حلقات الرابطة الأدبية، كما أنه أنتج عدة مجاميع شعرية آخرها (أموت واقفاً) التي مثَّلتْ روحه الأثيرة، مُجسِّداً فيها معاناة الذات إزاء منغصات الواقع المأزوم ؛ مما جعلهُ يكتب خلاصة ما اعتراه من أسًى شعراً، بينما عبَّر به عن خلجات حبِّهِ لأبناءِ وطنه بروحٍ عذبة متسامية، فنراه يقول :

سأقدِّمُ طلبَ استرحامٍ

إلى الله

أدعوهُ ؛

كي يدخلَ جميع العراقيين الجنة بالتزكيةِ ؛

لأنَّ حياتهم مازالتْ جحيماً مُستَعِرةً .

كما أنَّه يشيدُ بعراقيته ؛ كونه يحبُّ وطنَهُ، ويذوب تفانياً وإخلاصاً لسهولهِ وصحاريه، جبالهِ ووديانه، فنراه لعمق تعلُّقهِ يتجاذب مع حضارات بلدهِ القديمة ؛ كونه ينتمي إليها فكراً وأصالةً، يقول :

أنا السومريُّ

من دون اكتراثٍ وحسبانٍ للعواقب

لسنا ملائكة ؛ كي نحيد !

قررتُ الهروبَ منكم ؛

لأعودَ إلى جذري السومري

أكتبُ قصيدتي بقلمٍ مِن قصب،

وورقِ برديٍّ .

كما نجده يتوق إلى الحبَّ الدافئ، وهو يختار لذلك المرأة (الأرض) التي بودِّهِ أن يعيش غضارة هرمه مع طيفها الباذخ الجمال ؛ مما يجعله يشعر بالنشوة بهذا الشعور الصافي من خلال نصوصه، وليس المرأة فحسب، إنما كل ما يقوِّي من عرى إنسانيته، مستشعِراً أنَّ جميع الناس هم أخوته في هذا الأفق الفسيح الذي أغدق الله نعمتَهُ للبرايا في حومة الوجود ؛ لذلك نجده يسترفد عذوبة الحياة من كل زاوية من زواياها، يجعله يعيش رومانسية الكلمة وشفافيتها الوهاجة بالمتع الدانية، لذا فهو يخاطب الحبيبة بقوله :

أمطريني

أمطري غيثاً مِدادا

عطش الزرعِ انتظارْ،

جفَّ ضرعي والخضارْ،

يا بسٌ حتى غديري والنهارْ

أمطري غيثاً أنيقاً

غيثكِ يحيي الغريق ... .

وهكذا نرى روحه الدافقة بالأمل والبشارة تحيي الوجدان، وتبعث عند قارئ حروفه رفعة الضمير .

في هذهِ المجموعة الدافئة نتلقى من بوح أديبنا البدري روحاً عذبة المشاعر، مُحبَّةً للخيرِ، غنيَّةً بالأملِ، مُعشِبة بالمعاني الجميلة .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

 

 

702 هيام الفرشيشيكتابة من سلاسة الوصف المولد... في الشعرية المتدفقة وجمالية القص..

بين السرديات والنقد والكتابة الاعلامية تواصل الكاتبة هيام الفرشيشي تجربتها ضمن حضور أدبي تونسي وعربي كما كان من ثمار كتاباتها أن توجت مجموعتها القصصية "المشهد والظل" بجائزة زبيدة بشير للإبداع الأدبي بمركز المرأة التونسية للدراسات والبحوث والإعلام حول المرأة. وشاركت القاصة والناقدة هيام الفرشيشي في عدد من الفاليات الأدبية التونسية والعربية وهي الى جانب نشاطها وكتاباتها تدير بيت السرد بدار الثقافة ببن عروس .. ومن أعمالها المميزة نذكر مجموعة المشهد والظل التي كنا أفردناها بهذا الحيز الكتابي من الاحاطة والدراسة ومن ذلك .."..نسيج لغوي ناعم يأخذ القارئ إلى عوالم متداخلة من حيوية الواقع ولعبة التخييل ، كل ذلك ضمن فضاء سردي يرتقي بالقص كفن مأخوذ بالتشويق والإبهار ... إنها سلاسة الوصف المولد في شعرية متدفقة تمنحها البراءة والحنين وأصل العناصر والتفاصيل والأشياء في زمن ذهبت بعض كتاباته إلى اللهو بالتصنع والفبركة والافتعال ... هي الكتابة زمن طفولتها لا تلوي على غير التأنق لأجل أن يجد القارئ عند نهاية كل قصة شيئا من المتعة التي تتركها الشخصيات أو الأمكنة أو الحالات أو حتى نبرة القص والمشاهد التي تحيل عليها القصص ... إنها لعبة القص ومشتقاته الجمالية ... لعبة الأمكنة وأسرارها ... لعبة المشاهد والظلال ...

هكذا رأيت الأمر وأنا أخلص من قراءة المجموعة القصصية " المشهد والظل " للأديبة هيام الفرشيشي الصادرة عن دار البراق للطباعة والنشر والتوزيع في 152 صفحة من القطع المتوسط حيث يتحلى الغلاف بعمل فوتغرافي للمصور حسن بحصون في جريدة الأخبار اللبنانية ...

ثمة خيط رابط بين مختلف القصص في هذه المجموعة يتمثل في الشحنة الحسية والنفسية التي عملت من خلالها القاصة هيام الفرشيشي على إذكاء عنصر التشويق لشد القارئ خصوصا أمام تعدد الشخصيات من قصة إلى أخرى وتنوع حضورها ونحن نعرف بالخصوص ميل بعض القصاصين إلى افتعال الأحداث والتفاصيل للتأثير على القارئ وتتم من ذلك إهمال سلاسة السرد وحميمية طرائقه فكثيرا ما كانت الأعمال جافة وبعيدة عن العذوبة وعناصرها المحبذة في التعاطي مع الإبداع القصصي ...

لقد نجحت القاصة هيام الفرشيشي في " المشهد والظل " في شد القارئ من خلال جمالية القص حيث دقة الوصف والخطاب الذهني الموجه والمعبر عن مسائل فكرية تتعلق أحيانا بالفلسفة والوجود والحرية إلى جانب ما يتبع ذلك من مواقف وآراء ، وكل ذلك يحصل بعيدا عن الإقحام والإسقاط . فهي توفقت إلى السرد الحميمي والصادق في ذهابه إلى الأشياء والعناصر والتفاصيل والحركات والأحداث والمفارقات بنعومة السرد وما ينهض عليه من عناصر الفن والجمال ...

وأما الشخصيات فقد تخيرتها القاصة بدقة من حيث مكابدتها الوجدانية والنفسية والفكرية ، بما يحببها للقارئ ويقربها من هموم الذات وأعماقها لنجد أنفسنا في النهاية أمام عمل لا يبعد كثيرا عن أشجان الكتابة وهي تعري حالات وتكشف ممكنات اجتماعية وثقافية وحضارية كما أنها عملت على توثيق الصلة والعلاقة بحيز من الأمكنة التي لها مجالات شاسعة في الوجدان العام . من ذلك المدينة العتيقة هذه التي اشتغل عليها العديد من الشعراء والروائيين ولكن الأمر عند هيام الفرشيشي كان مختلفا بالنظر لطريقتها المخصوصة في السرد . التي يتبين معها قارئ هذه المجموعة القصصية أن القاصة تكتب وفي الآن نفسه تكتشف معه ومثله الحالات والأمكنة وما إلى ذلك من العناصر التي يقترحها هذا العمل القصصي البديع ...

في قصة المشهد والظل تكشف القاصة حيزا من معاناة الصحفية التي تسعى للذهاب إلى الحقيقة وما يواجهها من عراقيل نفسية وميدانية في هذا العمل النبيل الذي كان همه بالأساس إنارة الآخرين بالحقائق . وقد أبدعت في وصف ذلك السرد الذي اقتضته الظروف الحافة بهذا العمل إلى جانب متعة نقل مشاهد المكان أي القرية التي قصدتها في حالات مناخية خاصة فيها الرياح والعواصف والصقيع ...

تقول في القصة بالصفحة 57 : " شرد ذهنها وهي داخل الحافلة تستعرض سبب حلولها بهذه القرية المختفية وراء الجبل ، وخمنت أنها ستشعر بالراحة قليلا ، فرغم تشعب الطريق ، فهو لا يخفي نضارة أشجار الفلين والصنوبر وأشكال الهضاب المتدرجة التي تراءت كديار ذات قباب أعادتها إلى تصاميم معمارية يبدو أنها نابعة من الطبيعة . عادت إلى ذاكرتها نبرات رئيس التحرير نائمة في خيالها كعائق صخري يطمس جمال المشهد المنفتح ، توقفت الحافلة في ساحة تنطلق منها الطرق المنحدرة ، استفسرت السائق عن الطريق المؤدي إلى نزل الخطاف فأجابها بضرورة السير بضعة أميال والحذر من الأمطار الأوحال الزلقة ... "

في "رحلة البحث عن الهوية" يتداخل الحلم بالذكريات وبالأسئلة الحارقة التي تذهب طويلا مع الإنسان في حله وترحاله ذلك أن القاصة لعبت على الحنين والقلق والاستعادة حيث الذاكرة لا تغيب حتى في حالات اليأس وما إلى ذلك تقول بالصفحة العاشرة : " استقبلتها ساحة باب سويقة ببناءاتها الحديثة التي انمحت منها بقية المشاهد الراسخة في ذاكرتها منذ أيام الطفولة . شعرت بتكسر الحلم في أعماقها وتكثف الخدر الجاثم على كتفيها ... استوت الذاكرة مع الحاضر ... إلى أن تقول في الصفحة 111: " اتجهت إلى القباضة المالية لتقتني طابعا جبائيا من أجل تغيير بطاقة هويتها التي مازالت تحمل صفة آنسة ... كان عمق الانسلاخ عن الماضي أشبه باجتثاث تلك الصورة العالقة في هذا المكان ، فقد شيدت القباضة المالية على أنقاض المقهى القديم الذي طالما جاءته رفقة أقاربها الصغار أيام عيد الفطر ... إنها فتنة السرد في تجوال الذات بين الأمل وهنا تعبر القاصة عن ذلك بالحلم والمولود المنتظر وحميمية القلق الإنساني والوجداني في تعاطيها مع المكان والذكرى ... إنها المراوحة بين القلق والحنين وهنا نلمس خصوصية هذه الكتابة القصصية لدى هيام الفرشيشي التي كثيرا ما كانت نظرتها للأشياء التي تسردها مفعمة بالشعرية ... شعرية الحالة وشعرية التعاطي معها وهو ما أكسب المفردة السردية شحنة هي من قبيل ما يعبر به الشعراء في قصائدهم وهم يتحاورون مع الحياة والوجد يحاولون بناء عالم حالم فيه الحنين والحيرة ... وقدرة الذات الإنسانية على الخوض في هذه العوالم ...

في قصة "غياهب الوهم" تطرح القاصة خصائص كل من عالم المدينة وعوالم الريف والقرية التي رأتها فسيحة على عكس أزقة المدينة التي رأتها أتربة وأوساخ وغبار وروائح كريهة منبعثة من المنازل ... فبين حكايات الحمام وعجوز الستوت ودور ودكاكين المدينة العربي التي صارت مجرد قضبان تسجن أحلامها البكر والريف الذي رأته مجالا أوسع للحياة ... تبرز نظرة القاصة إلى الفهم الذي يسيطر لدى البعض في الخلط بين الوسطين حيث ترى الحياة منطلقة وأجمل في الريف حيث تقول بالصفحة 117 :

" عذراء حياة الريف . الهواء نقي والأرجاء رحبة . والسماء لوحة ضاجة بالحياة . سارت عربية بين الهضاب والروابي وكأنها تبحث عن أغصان جديدة أو عن أعشاب نبتت هنا أو هناك . فشدو العصافير يبهجها ورقرقة السواقي تنساب في مشاعرها ...

"الرسم على الروح" قصة في غاية الأناقة حيث المتاهة بين الواقعي والخيالي في عشق القاصة للفنون ومنها الفن التشكيلي ضمن متعة السرد المقتحمة لعوالم جمال الصافي وستيورات كونديلي والرسم والسينما ... طقس قصصي آخر ولكن ببصمات هيام الفرشيشي التي نجحت في نحت أسلوبها في الكتابة الذي برز في القصص مع اختلافها في المكان والشخصيات ... نقرأ في هذه القصة بالصفحة 132 :

" لم يكن ذلك صوتها حتما بل صوت هدى المنبلج من المتاهة وهي تتخيل عودة آل غورخاس إلى الهند القديمة ... "لم ينتبه الرسام المنهمك في تلوين لوحته إلى أثر لوحاته على روحها .. غادرت المرسم ، تأملت أشعة الشمس الحمراء المنتشرة على أمواج البحر المتلاطمة والبجع الوحشي وهو يفتح أجنحته . في تلك اللوحة الخلاقة عاد إلى اللون توازنه وهي ترقص مع البجعات رقصة الانسياب ...

هكذا تتعدد الأسئلة التي تستبطنها مختلف قصص المجموعة لتلتقي في أمكنة ومناخات سردية وحالات ذهنية ونفسية ووجدانية مختلفة يجمع بينها جوهر وروح القص المعتمد في هذا العمل المميز الذي لفت إليه عددا من الأدباء والنقاد ومنهم الروائي المصري إبراهيم جاد الله والأديب الفلسطيني جهاد أبو حشيش والناقد راسم المدهون والأديب المغربي عبد الحميد الغرباوي والأديب التونسي أحمد ممو حيث أجمعوا على أهمية هذه الكتابة القصصية في خضم الأصوات الأخرى وضمن التخييل الذي يرسم عالمه الخاص ...

هذه المجموعة تم تتويجها في تونس من خلال فوزها بجائزة الكريديف لهذه السنة وقد أفادت القاصة والناقدة هيام الفرشيشي من تجربتها هذه باعتبار ما يتيحه النقد والبحث الأدبي والدراسة من خبرات تنعكس في النظر على النثر الأدبي على كونه الجزء المميز ضمن المحصلة الإنسانية ولذلك كان عملها القصصي هذا مميزا في أدبيته وتيماته المقصودة وثريا نظرا للدأب الأدبي الذي عرفت به الأديبة هيام الفرشيشي التي نحتت صوتها السارد بكثير من التأني والصدق والشغف ...

" المشهد والظل " مجموعة قصصية حرية بالقراءة والمتابعة والاهتمام لتميز أسلوبها وتعاطيها الجاد مع متطلبات القص الجمالية والفنية فضلا عن الإشارة إلى دور الأدب في النظر إلى الذات وإلى الآخرين ..." هكذا هي الكاتبة هيام الفرشيشي في جانب من كتاباتها.. بين السرديات والنقد والكتابة الاعلامية تواصل تجربتها ضمن حضور أدبي تونسي وعربي مميز..

 

شمس الدين العوني

 

صالح الطائيللمرة الرابعة يطل علينا الأديب الواسطي زهير البدري بمجموعة شعرية أسماها "سأموت واقفا"، وهي من شعر النثر الذي أدمن عليه البدري، ودافع عنه بضراوة، إلى درجة أنه بدا يقرأ كل ما كتب ويكتب عنه، ليُكوِّنَ فكرة تمكنه من أن يدافع من خلالها عن معشوقه.

وللمرة الرابعة بدت عنوانات البدري غريبة، مستفزة، نافرة، مشاكسة، ناعمة أحيانا وخشنة في أحيان أخرى إلى حد التطرف؛ ابتداء من عنوان المجموعة، وصولا إلى عنوانات القصائد والمقطوعات.

والملاحظ هنا أني استخدمت جمع (عنوانات) بدل (عناوين) الشائع لأن هناك خلاف في استخدام هذا الجمع، وقد ذهب المختصون إلى أن (عنوانات) صحيح اتفاقا، وأما استخدام الجمع بصيغة (عناوين) ففيه نزاع وعدم اتفاق، والأكثرون يذهبون إلى أنه خطأ شائع؛ لأن العنوان في الأصل مصدر. وقد اشتقت (العنونة) من هذا السجال الجميل، وبرزت إلى الوجود بعد أن اهتم بها المتخصصون. ونحن هنا نسير على أثرهم لنتحدث عن العنمونة لدى الأديب الواسطي زهير البدري.

لقد ضرب البدري في سياق مجاميعه الأربع مثلا على أهمية العنونة، وأحقية الانشغال بها، والاشتغال عليها، وهذا يؤكد لنا أن انتباه الأوربيين إلى أهمية عنوانات الأعمال الأدبية والإبداعية كان مجرد سبق تاريخي لا أكثر، وألا فالعنونة كانت مهمة وملهمة وتحظى بالاهتمام منذ أن وُجد الكتاب، وفي تراثنا العربي هناك آلاف المؤلفات التي صيغت عنواناتها بكثير من الاهتمام والعناية والتقدير، بما يعني أن أجدادنا عرفوا أهمية العنونة، وأجادوا استغلال الفرص للإفادة منها، أما اهمالنا لها، فهو جزء من الاهمال العالمي؛ الذي تعرضت له على مدى سنين طوال، إذ لم تحظى العنونة بالرغم من أهميتها بالاهتمام مرة أخرى حتى في العالم الغربي إلا في عام 1968 بعد أن صدرت دراسة بعنوان "عناوين الكتب في القرن الثامن" تقدم بها عالمان فرنسيان؛ هما فرانسوا فروري وأندري فونتانا من خلال كتاب مثل باكورة الأعمال النقدية التي تهتم بالعنوان. والظاهر أن تكرار التحشيدية لدى الأدباء والشعراء دفع النقد الحديث إلى الاهتمام  بظاهرة العنونة، ففتحها مجالا للنظريات  اللسانية والسيميائية بعد أن أصبح العنوان موضوعاً رئيسياً له أثره في المنتج الفكري الإنساني، وليس هامشياً كما كانوا ينظرون إليه من قبل، فالعنوان وفق الرؤى النقدية الحديثة يعتبر عتبة من العتبات النصية، إذ اعتبر النقد المعاصر أن موازيات النص مثل العنوان، التمهيد، المقدمة، الحواشي هن العتبات الأساسية للدخول إلى ردهات النص والتمتع بما جاء فيه من رؤى.

من هنا أرى أن العنوان هو اللحظة التنويرية المبدئية لفحوى النص، والبوابة الرئيسية التي تفتح النص على الجهات الكونية الأربع، والنقطة المشتركة بين المتلقي والنص. ويعني هذا أن العنونة فن لا يقل أهمية عن صياغة النص نفسه، فهو واجهته، والممهد لسبيل سيره، والمعلن عن وصوله، والداعي إلى استقباله، وللعنونة خصوصية وأهمية تصل أحيانا إلى درجة التحكم بالنص، فهي التي تدفع بالنص إلى الواجهة، وهي التي تحجب النص عن الأنظار، وتضع بينه وبين المتلقي حجابا في أحيان أخرى. 

إن أهمية العنوان تأتي من كونه يحدد مغزى المتن، حتى أن قيمة المتن الأدبية تنخفض وتكاد تتلاشى مع عدم وجود عنوان، والعنوانات أنواع منها الايحائية؛ التي تهدف إلى لفت الأنظار إلى أمر خارج سياق العنوان نفسه، والاستهلاكية أو الإغرائية؛ وهي التي تنضوي على كم من الخداع بغرض الترويج للنص، والاستفزازية؛ وهي التي تعمل على التأثير على المتلقي،  والتوضيحية؛ وهي التي تريد توضيح مقاصد النص، والتعينية؛ وهي المسؤولة عن تسمية العمل الأدبي، لتفرق بينه وبين الأعمال الأخرى.

إن عنوان العمل الأدبي الرئيس يدل غالبا حتى ولو عن طريق الإيحاء والسيموطيقيا على جميع العناوين الثانوية الداخلية، ولكل عنوان بواعثه وأسبابه ودوافعه وغاياته. فنظرا للطبيعة الدلالية للعنوان على أنساق العلامات والأدلة والرموز، سواء أكانت طبيعية أم صناعية، نراه يشغل حيزا كبيرا من علم العلامات أو السميوطيقا في دنيا الاتصال الأدبي، سواء بين مكونات النص الواحد، أو بين المنتج والمتلقي، ولا أغالي كثيرا إذا ما قلت إن المبدع يعطي لكتابة العنوان من الأهمية والاهتمام ما يعطيه للنص ذاته وربما أكثر، فمقاصد العنوان أن يفتح لك كوة تطل من خلالها على ما بين دفتي الكتاب، فالمعروف أن هناك هوة فاصلة بين المتلقي والعمل ، أي عمل؛ يقع بين يديه، لأنه لا يدري علام سيطلع، وماذا سيواجه داخل الكتاب، وهو حينما ينشغل بقراءة العنوان والتمعن في معناه ومقصداه ستتحول هذه اللحظات إلى مرحلة إحماء وتهيئة لدخول عالم النص، وربما لهذا السبب نجد من يكتب عن شعرية العنوان، حيث عثرت على أطروحة دكتوراه بعنوان "شعرية العنوان في الشعر الجزائري المعاصر" تقدمت بها الطالبة مسكين حسنية إلى جامعة وهران ـ السانيا ـ كلية الآداب واللغات والفنون.

وهنا تتجلى أهمية لعبة العنوانات ولعبة فن العنونة. حيث تتضح الفكرة من العنوان كقيمة اصطلاحية مدياتها واسعة، تفتح الآفاق وتقرب المسافات وتهيء العقول لتجني ما تبحث عنه لأنه وسيلة الاتصال الأولى لكل باحث عن سبل لإقامة علاقة فكرية واتصال نوعي بين كيانين يختلفان كليا، بين القارئ والمبدع.

من هنا جاءت عنوانات البدري متساوقة مع مضمون مجاميعه بدءً بالمجموعة الأولى (إننا معا) ثم الثانية (طقوس صوفية) والثالثة (حوار مع صديقي المتوسط) والرابعة (سأموت واقفا)، فهو من خلال كل هذه المجاميع كان يتماهى مع سحر العنونة، ليختار من حدائقها الأجمل والأكثر قربا لروح النص، لذا لا غرو أن تجده في مجاميعه كلها يتحدث عن  الروح والزمان والمكان والمشاعر وبشكل متكرر، لكن بصيغ جديدة مبتكرة، ولقد رصدتُ هذا التوجه في نتاجه منذ مجموعته الأولى التي تجد عنواناتها قد احتلت أربع قواعد رئيسة وقواعد فرعية أخرى، والرئيسة هي: المشاعر، الروح، الزمان، المكان، ففي عنونة المشاعر تجد في المجموعة الأولى: انتظار، زيارة، أردت أن أكتب عنك،  الإخوة الأعداء، وعشرات العنوانات الأخرى التي تكررت من حيث المحور ولكن باختلاف المعنى في المجاميع الأربع.. وكذا في عنونة الروح: الدنيا محبة، ممكن، آخر الكلمات، نصيحة، حلم وأمل.. وفي محور الزمان: سفرة ،هل فات الميعاد، بعد كل وداع، وقت ضائع، زمن .. أما في محور المكان فتجد: طني، الجنة، دمشقية، شرقيون، مكانك قلبي.

إن للعنونة لدى الأديب زهير البدري بوارق أمل تتممها براعة المقطوعات النثرية لتكون ألقا ساميا يرقى إلى مواشجة عذوبة الروح وعذاباتها، حيث تمتد معاناة الجميع، جميع الباحثين عن أمل بغد مشرق سعيد، ولقد احجمت عن إيراد مقاطع من نصوصه، لكي أترك للقراء متعة المتابعة والقراءة والتفاعل.

مجموعة سأموت واقفا، صدرت عن دار المثقف للطباعة والنشر في بغداد وتضم 49 نصا من شعر النثر، وتتوفر الآن في المكتبات

 

صالح الطائي

 

نايف عبوشفي قصة رائعة من أدب التراجيديا، جادت بها قريحة الكاتب المبدع إبراهيم المحجوب، جاءت ولادة أحداث قصة (طريق الهلاك والقبور المفقودة) إبداعا متميزاً، ينتمي بتجلياته السردية، إلى منهج الواقعية في القص، وتسجيل الحال الذي عاشته مدينة الموصل، أثناء تحريرها، بما يملكه من قدرة وصفية، دون إخلال بمقومات الخيال المطلوب نثره على واقعية السرد، ليبقيه محلقا في دائرة الحس الوجداني المرهف، الذي يضفي على آلية القص اقتدار الكاتب في التعبير، وسمو تصوره، وبأسلوب شيق، يخرجه بألق متوقد، من حالة التقرير الجامدة .

وتقع القصة في ٣٠ صفحة من الحجم المتوسط. وكان الغلاف من تصميم الفنان الكبير الدكتور خليف محمود المحل. والقصة صادرة عن دار المثنى للطباعة والنشر، ومسجلة في دار الكتب والوثائق في بغداد برقم إيداع ٤٢٨ لسنة ٢٠١٩ .

وكما يشير الكاتب في مقدمته عن القصة، فهي تجليات من واقع الأحداث المأساوية التي عاشتها مدينة الموصل سواء أثناء تحريرها، أو خلال مأساة النزوح، حيث يلاحق بأسلوب الواقعية، الحال الاجتماعي في ظروف الحروب، لشخوص ناس قصته، عندما شردت العوائل، وندمت دورهم، مما دفع بالكثير منهم إلى الهجرة، او اضطرهم إلى العيش في مخيمات النزوح، التي أقيمت على أطراف المدينة، في ظروف قاسية، لا تحميهم من برد الشتاء، ولا تقيهم من حرارة الصيف.

وقد جاء سرد الكاتب لأحداث ووقائع القصة، بأسلوب سلس، يشد القارئ بشغف إلى إحداث القصة، بسبب طبيعة السرد الفني المقتدر للحدث، وهو ما يعكس قدرة الكاتب على تحويل الوقائع العملية، إلى صورة قصصية مشوقة، دون فقدان التخييل المطلوب في السرد، والقص، الذي يصاحب عادة القص التجريدي الرمزي المألوف في أدب القص.

ولعل من قبيل المصادفة ان يكون الكاتب، ومصمم الغلاف، من منطقة ريف جنوب الموصل، التي احتضنت الكثير من عوائل مركز المدينة، أثناء النزوح، وفتحت لهم  قلوبهم، قبل فتح ابواب بيوتهم، وتقاسموا معهم الهم، والالم، ورغيف الخبز، في تلاحم عكس وحدة المصير، وألغى ثنائية ابن الريف، وابن المدينة، من قاموس التداول وإلى الأبد.

ولا شك أن متعة قراءة القصة، والوقوف على تفاصيل أحداثها، والتفاعل معها بالقراءة المباشرة لنص القصة، ستكون أروع وأكثر نكهة، من مجرد تلقيها عن طريق العرض المكثف.

 

نايف عبوش

 

رحيم زاير الغانممجموعة (لا مأوى أيتها الغيمة) اختيارا

ان تأويل النص الشعري المراد معاينته، يحتاج من الناقد إلى إبداء نوع من الاستعداد لقراءة النص مرات عدة، متخذا من القراءة الأولى للاطلاع على طبيعة اللغة والعتبات النصية والبناء الفني بشكل عام، ولتكون القراءة الثانية المتأنية من اجل فهم طبيعة النص الشعري واستيعاب الثيم/ المواضيع، التي تم تناولها، متخذا من التأويل، بمعنى سوء الفهم، طريقا إلى ذلك، لتأتي القراءة الثالثة لتفعيل حركية القراءات  التأويلية الأنفة التي من شأنها فهم المعنى النصي، وما هذا المدرك الأخير ببعيد عما يهدف إليه المنهج الهيرمينوطيقي/ التأويل، إذ انه يعني إعادة قراءة النص الشعري، بنص نقدي موازٍ له، يشكل حلقة الوصل بين الشاعر والمتلقي لفك ما تشاكل، وما اخذ منحى الالتباس، كذلك الأخذ بنظر الاعتبار الحرص على تأويل فراغات النص، وما يمكن تأويله مما سكت عنه النص، لإنتاج معنى تأويليا جديدا، والذي يكون ضمن فضاء المعنى الذي بثَّه الشاعر عبر نصوصه، في نجاعة الوقوف على خفايا النص، ومع كل ما تقدم ليس بمقدور المؤول الخوض في تأويل للمعنى خارج سلطة النص، ولا يعتمد تخمينا ما من اجل ليّ عنق النص الشعري ليحقق فهما/ تأويلا خاطئا، بعيدا عن فضاءه، أو سياقه العام، بمؤثراته الخارجية والداخلية، معتمدا الإحكام القبلية، وهذا بالضبط ما سار عليه البعض، عندما تلمسوا بوادر معنى جزئي، (معنى أول)، فأحالوه إلى استحضار شامل للمعنى، كل هذا سيتم تناوله في ضوء ثيمتي الاغتراب والرفض، وما يتشظى عنهما من إدانة للممارسة الخاطئة، من أزمات وحروب، نتج عنه قتل للجمال، وإحياء لقبح الخراب، في كشف لتنامي هذين الثيمتين في مجموعة (لا مأوى أيتها الغيمة) للشاعر ماجد الحسن، على اعتبار انهماهما يشكلان بؤرة تمركز لأغلب نصوص المجموعة الشعرية.

(الأماكن....

التي تتقاسم حقائبنا

ظلت تموءُ في أسفل الخرائط ص52)

في المقطع الشعري  نتلمس الاغتراب يشقُّ طريقه المعبد بالهجير إلى الأماكن، التي تقاسم حقائبنا الوداع، محملا بمردود نفسي ضاغط بتنامي الشعور الدائم بتقبل فكرة هجرة الأماكن/ الأوطان، عندما تضيق به الخرائط، لا الأماكن فحسب، في ترميز عالٍ لاتساع فجوة لاتساع هوة الشعور الاغتراب، وما مواءها إلا علامة من علامات الضجر الشديد الذي طال الأشياء برمتها، (الإنسان، الأماكن، الحيوان/ بدلالة المواء)، في إنتاج لمعنى الرفض عما يدور حولنا من واقع مرير، يصعب التعاطي معه.

(دائما ....

ما يترجل الليل عن صهوته

ويطيل وقوفه في المدينة

المدينة....

التي تخدعُ الياسمين

وتمجدُ الأشرعة ص54)

في النص الشعري الأنف نلمح معنى الرفض الضمني، لتكرار ترجل الليل في المدينة، الليل بما يحمل من سيمائية الظلمة والتسلط والاحتواء، يبدو انه تمكن من المدينة التي باتت تخدع الياسمين، في محاولة لتقويض نقاء الموجودات فيها، التي لم تعد تأنس بالبقاء، فالمدينة تمجد الأشرعة، في إنتاج معنى جديد لم يؤلف من قبل، فكأنما المدينة تقبلت الليل، لتكون عنصر فاعل ضمن منظومة الاستحواذ والاحتواء، بل أنها مارست دور تمكين الآخر عندما مجدت الأشرعة، بما تحمل من دلالة الدعوة لترك المدينة/ الوطن.

(حَذِرٌ....

وهو يدبُّ مخالبه في راسي

ويقضم ما تبقى من رؤاي

فلا أحدّقُ بدمي هذه اللحظة

علَّهُ يغسل قمراً....

سيكفنهُ الدخان ص55)

 

في قراءة فاحصة للنص الشعري، يبدو الشعور بالاغتراب في تصاعد تام، لكنه هذه المرة مشوبٌ باستسلام من نوع مختلف، بدءا من (وهو يدبُّ مخالبه في راسي)، وان اتخذ الشاعر من تخفيف هول المخالب، بلفظة( يدبُّ) بدل لفظة (ينشبُ)، لتتماهى مع الحذر، الذي أضفى نوعا من تقبل المخالب، لكنَّ الموتَ واحدٌ، وان سرعان ما يخرق معنى التماهي مع الموت عبر بثِّ لفظة (القضم)، وما تحمل من دلالة ممارسة القتل البطيء التي تلتهم ما تبقى من أفكار ورؤى، عندها تبرز ثمية رفض التحديق بالدم التي أرادها له ذاك الغول الذي نشب مخالبه في رأسه، وان كان رفضا مشروطا هذه المرة، (علَّهُ يغسل قمراً..../سيكفنهُ الدخانُ)، في إنتاج لمعنى تقبل الموت.

(ونحن على بعد حربين

الريح تبرم أجسادنا

نلتف على بعضنا ونعوي

لم نعد نقوى على حمل وسائد تشيخ ص57)

بمجرد تأويل النص ينتابنا شعور بأهمية الإشارة للحربين الطاحنتين اللتين مرتا على الإنسان العراقي، وما فاعلية الصورة الشعرية العميقة التي بثها الشاعر في النص الشعري إلا انعكاس للممارسة الخاطئة التي تبنتها مؤسسة السلطة يومذاك، ان تصوير الريح العاتية التي أمكنها من برم الأجساد، تنامت بجنبها صورة أعمق واشد إيلاما، (نلتف على بعضنا ونعوي)، فكامنا الصورة الأولى (الريح تبرم أجسادنا) هي نتيجة الحرب الأولى، والصورة الثانية المجلجلة بعواء الحرب الثانية، لوطأة الفاقة والجوع والألم والمأساة، وما (لم نعد نقوى على حمل وسائد تشيخ)، إلا لإعادة إنتاج لمعنى الرفض للهزال الذي رافق برم الأجساد والالتفاف على بعضنا، وفقد قدرة حمل الأشياء.

(كيف نسلخ عن أجسادنا الأنقاض؟

والمدينة معولٌ

والرثاء يركضُ حافياً فوق الشفاه ص59)

تتجلى في النص الشعري ثيمة الرفض للواقع المتهالك، مادامت المدينة/ الوطن معول، تقف دون تحقيق الخلاص على أنقاض الحروب التي مرت، وظنّاً منها أنها في استعداد دائم للخراب، مادامت، ( المدينة معول) في تكريس لدورها في الخداع وتمجيد الأشرعة، (في نص سابق ص54 )، وما قد ينتج عنهما من شعور بالاغتراب، وما ركض الرثاء حافيا على الشفاه إلا كشف عن حروب غير معلنة سكت عنها النص ولم يصرح بها،  فهي حرب تدار عبر حلقات متشعبة من الباطن، تحمل سمة الاقتتال الداخلي، بدلالة المدينة معول/ الوطن معول، في إعادة قراءة للحروب التي عاف عنها الزمن، لتعيد إنتاج معناها بقراءة بعيدة عن التوصيف المعتاد.

(عندما سالَ كل شيء

اتسعت الحفرةُ

وتناسلت الوجوهُ معتمة

فانشقتِ الأرضُ عن رؤوس ذابلة ص67)

قد لا يتكشف لنا جليا المعنى الذي قصده الشاعر من النص الشعري الأنف، لكن قراءة واعية للنص، تكشف لنا المعنى الحقيقي، ويمكننا من بعدها خلق تطابق جدي وفاعل، من شأنه فكِّ الشفرات النصية، ان التجاور الدلالي بين السيل والحفرة من المسلمات التي يمكننا تخيلها، ولا تعدُّ خرقا نسقيا بالتأكيد، لكن الاسترسال مع ما يمكن ان يفصح عنه السياق النصي، من حال الوجوه التي تتناسل، كونها (معتمة)، لتنشق الأرض عن رؤوس ذابلة، في توصيف لمرارة تناوب الموت على نفس الحفرة  التي سيق اليها أبناء هذه المدينة/ الوطن، فكلما نشبت الحرب،( عندما سال كل شيء/ اتسعت الحفرة)، ولما في هذا من إدانة بينة للحرب.

( لا غيمة ....

تفتح خزائنها لمحنة العابرين

ولا مأوى لهذا الصوت...

إلا جوف الأرض ص71)

في النص الشعري هذا، لا نجد نفيا لوجود الغيمة، بقدر نفي لغيمة تفتح خزائنها لمحنة العابرين/ أبناء البلد المهاجرين، وكذلك لا نجد نفيا لوجود المأوى بقدر وجود مأوى يسكنه هذا الصوت/ الصوت الرافض للواقع المتهالك، لم يجدوا إلا جوف الأرض مأوى، ومن خلال المعنى المحايث للنص الشعري، يتكشف لنا تنامي الشعور بالاغتراب والاستلاب الداخلي الذي مثلته المدينة/ السلطة يومذاك، وهي تضيق على أبنائها، تَجَسَدَ برفض فتح خزائن العطاء، أو تقبل صوت أبنائها، وما مثله من تشاكل بُنى متصارعة، لا يُحقق فعلا ايجابيا على ارض الواقع، كالأمل بوصول المدينة وأهلها الذين عُدوا من العابرين إلى برِّ الأمان، لكنه التهميش والاستبداد والاحتواء، لتفرد السلطة جناحيها على المشهد ككل، في تنام لاستحضار جديد لمعنى جديد.

وبذا نتلمس في المجموعة الشعرية (لا مأوى أيتها الغيمة)، بأنها ذهبت بعيدا إلى قراءة الواقع المعاش وما وراء الواقع، بعدما حددت ملامح المراحل السابقة وما شهدتها من حربين قاسيتين ألهبت شاعرية الحسن ذات البعد الإنساني الشفيف، ليقف بالضد من هكذا ممارسة، عبر الرفض والإفصاح عن شعور عالٍ بالاغتراب، وعلى الرغم مما تقدم، فلم يهادن أو يساوم، بل انه اثر الإدانة لسوء ممارسة السلطة آنذاك، لما نتج عنها من دمار وحصار وانكسار في المعنويات، وهجرة جماعية، مسجلا موقفا  للشاعر الحي، لما يدور حوله من نكبات، بل انه اثر إظهارها للعلن ووضع بصمته على السلبي منها الذي بدا يحتل أفق المخيلة الشعرية للشاعر ماجد الحسن.

ان من أولى اهتمامات المنهج التأويلي الوصول بالدراسة النقدية إلى فهم المعنى الحقيقي للنص الشعري، مع التنبه إلى الغواية التي قد يمارسها النص، لذا لا ننقاد خلف المعنى الأول، بعد سقوط أول أقنعة النص الذي لا يفضي إلا عن معنى فضفاض، قد يندحر بمجرد الخوض بقراءة أعمق وأكثر تمحيصا، إذا من الضروري استشراف الواقعة والمعنى للنص الشعري، وهذا من ضرورات الممارسة النقدية، فقد يبني البعض تصورا خاطئا متيقنا من قراءة أولى بأنه أدرك المعنى، وما لهذا من أثر غير محمود العواقب، لذا نعيد التأكيد على أهمية الابتعاد عن الحكم القبلي الذي يُعدُّ داءٌ خطيرٌ لا يبرح البعض عن معاقرته، والتأكيد يأتي لما له من مردودات غير محمودة العواقب، قد تودي بالدراسة النقدية إلى الإهمال والدخول في حرج كبير، لما فيه من خروج عن المنهج الأكاديمي الرصين والأمانة العلمية في توظيف المصطلح النقدي التأويلي، والإجرائي المطابق لمعنى النص، اللذين يُعدُّان قوام العملية النقدية برمتها، فما الداعي للتعجل في اقتناص معنى قد يكون زائفاً ؟!، وما الداعي للتشويش على مخيلة المتلقي؟، فالعُجالة ليست المُبتغى!

 

* رحيم زاير الغانم

 

حميد الحريزيالعنوان: العنوان يشير بقوة الدلالة الى ولادة المسوخ الشريرة والا ماذا يرتجى من رحم الشيطان، حيث الشر والقهر وسلب حرية وثروات الاخرين والحط من كرامتهم

احداث الرواية تدور حول ما جرى وما يجري في العراق بعد الاحتلال الامريكي في 2003.

يسلط الراوي الضوء على ظاهرة ارسال البعثات الدراسية الى الغرب خصوصا امريكا مخصصة للطلبة المتفوقين دراسيا باعتبارهم عقولا علمية واعدة ليس من السهل الحصول عليها، يلف الغرب الراسمالي حباله حولها لتكون تحت هيمنته ومطية من مطاياه لاستغلال الشعوب ونهب ثرواتهم ومن اهم هذه الثروات هي العقول المبدعة وخصوصا في مجال العلوم الصرفة، بالاضافة الى الاستفادة من نبوغهم وتفوقهم وامكانياتهم الفكرية والعلمية لتطوير صناعات هذه البلدان بعد تقدم لهم المغريات المختلفة لتبقيهم في بلدانها وعدم عودتهم لبلدانهم .

(علاء) الفتى الكربلائي الذي حصل على زمالة للدراسة في امريكا وقد حصل على شهادة الدكتوراه في علوم الطاقة الذرية، تمكنت المخابرات الامريكية من جذبه واقناعه بالبقاء في امريكا عبر عرض العديد من المغريات التي لايمكنه الحصول عليها في بلده بسبب غباء وجهل وعمالة الحكومات في هذه البلدان، كذلك فان المخابرات جندت احد فتياتها لتكون الحبيبة والزوجة المختارة لتكون عيون واذان المخابرات الامريكية لاتفارقه في كل حركاته وسكناته، وقد عاشت هذه (الزوجة) معه ردحا من الزمن وانجبت منه وهي لاتكن له الحب ولا العطافة وانما تقوم بوظيفة رسمية مكلفة فيها، وقد كانت تعامله بخشونة وفضاضة وتتحكم في كل قراراته وتصرفاته ..

وقد لاحظ انها تهتم بشكل متزايد بالاماكن التراثية العراقية، وتمتلك معلومات مفصلة حول معارفه وعلاقاته كعلاقته بصديقه (احمد) هذا المهمو بالوطن والناس والذي حاول الاطاحة به وتوريطه بعلاقة غير شرعية بالفتاة اللعوب (شهد) التي كان علاء يطارحها الغرام كلما سنحت له الفرصة مستغلا علاقة الصداقة التي تربطه (باحمد) عبر مخطط محكم رسمته (شهد) باعتبارها من اقارب احمد، حينما اضطر الى المبيت في دار اهل (شهد) ومحاولتها توريطه في علاقة حميمية ( عطر تجاوز رئتيه وبات يعث في كل خلايا دمه المتدفق عبر شرايينه،حتى ابتلعت شفتاها فمه، ولا مس جسده المرتجف جسدها الثائر كالبركان ) ص8.

امر هذه الفتاة مربك فمرة فتاة لعوب ومرة زوجة بلاحب انتهت بطلاق، ثم غرام حد الهيام ب(احمد)، ثم وفاتها حرقا داخل سيارتها على اثر انفجار ارهابي وهي ترفض الاخلاء حتى لاتكشف نفسها بسبب احتراق ملابسها رغم محاولة رجل الامن ومحاولة (احمد) فتظهر بمظهر العفيفة الشريفة وتحافظ على ستر جسدها حد الموت .

اما علاء فقد اطلع على ماتخططه امريكا للعراق من مخطط اجرامي لاابادة البشر وسرقة الثروات، نشر الارهاب في ربوعه .

انتفض انتصارا لوطنه وشعبه فاصيب بالحمى وادخل المستشفى، رسمت المخابراا الامريكية مخطط اصابته بالسحايا ومحو ذاكرته واعادته لوطنه عقوبة لانتصاره لشعبه ورفضه الاخلاقي والوجداني لما يخطط لوطنه وشعبه (ياوطني انهم يكيدون لك كيدا عظيما، بغضا ليوسفيتك وجمالها، وسكاكين النسوة ستقطر دما، بعد ان يقدوا قميصك من دبر،ومعجزات كهنتهم سيطلقون لها العنان لتفتك بعشقك، ويشوشون صور ذلك العشق الذي ولد فطريا فيك، سيسلبون كل شيء جميل فيك) ص44.، وقد طلبت زوجته من جهاز المخابرات فك ارتباطها به وحصلت على الموافقة فعلا ولكن شبه صحوة ضمير جعلها تتخلى عن قرارها وتعود اليه متعاطفة مع احساسه الوطني الانساني ،وتجدد عاطفة الحب معه وكانها تكفر عمكا فعلته طوال الفترة السابقة ..

كانت هناك اشارة ذكية لرجل الامن ومحاولته اقاذ (شهد) باعتباره عراقي غيور على ابن وطنه وشعبه وقام بواجبه الامني والانساني، الذي ازعج المسؤول الذي تاخر موكبه وعدم اهتمام رجل الامن به موجها له كلاما جارحا، رد عليه بشجاعة وجرأة، حينما حابه لعدم تادية التحية له وانشغاله بانقاذ (المرأة)

(تحيتي لهذه المرأة التي ضربت مثلا في الشرف والعفة اهم منك ومن جاء بك من حانات الغرب التي كنت تتسكع بها) ص113.

ثم يكيل له سيلا من السباب لعدم انسانيته وعدم وطنيته، فيعاجله المسؤول بطلقة في فمه ويغادر المكان ضمن رتل حمايته..

الروائي جسد لنا الحاكم الديكتاتور بالصنم، الذي كان يشترك في حوار مع ابن العراق الوطني الشهم المتمسك بانسانيته ووطنيته بالرجل صاحب القبعة والذي يتماهى مع شخصية (احمد)، فالصنم يتشظى الى عددا كبيرا من الاصنام القزمة بعد اسقاطه على يد المحتل الامريكي، والناس انتقلت من عبودية الصنم الواحد متوزعة ليعبد كل جمع منهم صنم قزم جديد .

يستعين الروائي بشواهد تاريخية من تراث العرب والمسلمين والعراقيين الصالح الثائر، والمجرم الفاجر ليعزز سردياته ويماثل بين الحاضر المؤلم والماضي المظلم .

الرواية دعوة ليستعيد الانسان العراقي انسانيته ووطنيته وان لايقدس ولا يعبد غير الله الواحد الاحد، دعوة لكشف زيف المستعمر الاجنبي الذي كان ولا زال هو السبب الرئيسي لكل مآسي العراق من حروب وارهاب وسرقة للثروات، انها دعوة مشبعة بالالم والوجع والانكسار حيث تذهب نداءات الضمير الواعي ادراج الرياح، العميل والفاسد والمجرم يتمتع بالثروة والسلطة في حين تكون رصاصة الغدر والقتل لكل صوت حر ووطني شريف ينتصر لوطنه وشعبه .

كان الروائي يتنقل بين لوحات معلمة باسماء شخصياتها المختلفة علاء، احمد، شهد، الصنم، صاحب القبعة متتبعا تصرفاتهم وتحولاتهم ومعاناتهم باسلوب ممتع وشيق تجذب القاريء وكانه يراقب مشهدا سينمائيا بانوراميا شاملا .

 

بقلم :- حميد الحريزي

 

رحيم زاير الغانميصف د. يوسف عليمات النسق بأنّه (نظام علائقي فوقي متعالي محمل بمرجعيات ثقافية ايدلوجية وأُطر معرفية جمعية)*، يتشكل النسق من خلال تراكم ثقافة تبثها مؤسسة السلطة، الموجه والراعي للنسق المهيمن، الذي يقوم بدور ترسيخ القيم التي تقف قبالة كلّ ما من شأنه الوقوف بوجه هذه الماكنة القمعية، فهي تُقاد بفكر إقصائي يستمر في تأصيل أطروحات الهيمنة لتهميش الأخر وإقصاءه، وتقويض دوره المجتمعي، ناسية أو متناسية أن الأنساق التي قامت بزجّها داخل منظومة السلطة، لم تعد جاذبة، فهي لمن تجلب لها الديمومة لقلة فاعليتها، على العكس تماما من المنظومة المجتمعية، نشطة وفاعلة فهي ولود، مقارنة بمؤسسة السلطة المستبدة / العجوز، فرحمها يشكو انسداد قنواته المعرفية، لذا تمضي تدريجيا للعزلة، وما يؤكد ذلك خلو ذهنها عمَّا يفكر به الطرف الآخر/ المهمش، تجاه الحياة واتجاهها هي بالذات، لذا نجد من المفيد فحص عينات لنصوص شعرية، مراعين فيها البعد السيميائي للنسق، لما للعلامة والنسق من إعادة إنتاج المعنى، لكن هذه المرة تحت مظلة النقد الثقافي لما يوفره من حرية في استهداف نسق السلطة المستبد، ولما يترك المجال واسعا كي يتسنى لنا طرح ما يعانيه الفرد/ المهمش، والتنبه إلى إعطاءه الدور الحقيقي ليتمكن من إظهار فعله الايجابي في المؤسسة المجتمعية الحيّة (الجماهير/ الشعب)، كلُّ هذا سيتم الكشف عنه من خلال تناول مجموعة (خسوف الضمير)* للشاعر (رعد زامل)

(لم تكن حياتي

غير موجٍ يغشاه موج

فلا تسأليني عن الظلام

الذي أوصلني إلى

الظلام)

ما تشكله السلطة من نسق مهيمن، من خلال ما يتم ضخه من قيم ثابتة، بحسب مفهومها ، ويجب الانصياع لها، على الرغم من إدراكها لما تنتجه هذه القيم من إيغال في تهميش الآخر، لتزيد بسط يدها لسلب حقوقه، وهذا ما ندركه جليا في ثيمة (الظلام / السلطة )وما تمثله من نسق مهيمن، في مواجهة المهمش (حياتي/ الشاعر) في النص الشعري، الظلام الذي يوصل إلى ظلام أخر، في تتابع للسيطرة المفرطة في ممارسة الإقصاء ، ويبدو واضحا أن الشاعر يتناص مع قوله تعالى: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ......﴾*، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الآية الكريمة تصف ظاهرة طبيعية تحدث في أعماق البحر، وهي واضحة الدلالة والمعنى، وما تحمل بين طياتها من علامة العتمة بحسب النص(موج يغشاه موج) مُشكّلا نسقا مضمرا، وثيمة (الظلام) هنا تشكل علامة للنسق المهيمن / مؤسسة السلطة.

(لا تسأليني عن أخر الموانئ

فكلها محفوفة بالقراصنة

لا تسأليني عن البوصلة

فهي الأخرى

تغضُّ الطرف عن الضياع)

في النص نجد النسق المهيمن يزدادُ إيغالا في اخذ دور التعسف فثيمة القراصنة / السلطة/ المُهيمن، وما يحمل من نسق مضمر، السيطرة والاستحواذ، فمهنة القرصنة من المهن المشينة، فهي علامة دالة على من يقوم بفعل السرقة بالإكراه وما يقوم به القراصنة في البحر تمارسه السلطة على الأرض/ السفينة، من مصادرة لحقوق المُهمش/ الإنسان (لا تسأليني عن آخر الموانئ)،حتى أن المهمش لم يظهر بدلالة متعينة، بخلاف النسق المهيمن/ القراصنة التي تظهر بكامل وجودها المعنوي، وما يحدثه هذا النسق المسيطر من فرض ضبابية على الوجهة (الضياع)، فالبوصلة وما تمثله من علامة الاستدلال للوجهة الصحيحة، لأجل الانفتاح على المستقبل، لذا تزداد الحيرة والتردد في العودة لكنف الوطن/ الأرض، فالموانئ هي الأخرى محفوفة بخطر القراصنة/ السلطة، وما تمثله من كونها بوابة للعائدين إلى الوطن/ الأرض، ومنطلقا للباحثين عن سبل الخلاص/ الحرية بعيدا عن الهيمنة، ورغم ذاك نجد النسق المضمر يشي بتقويض فسحة الحرية هذه، فالسفينة/ الحياة من دون بوصلة/ من دون رؤية مستقبلية، كونها تشكل علامة التشتت والاضطراب التي يدأب النسق المهيمن على إنتاجها، من خلال سلب الحقوق ومصادرة الحريات على الأرض جلية .

(الأبواقُ والطبول

ثمَّ الغنائمُ والشرارةُ الأولى

هذا ما جنيناهُ من الحرب

ولان الأبواق للمنشدين

والطبول للمهرجين

والغنائم للمتخمين)

الحرب تضفي نوعا من البؤس الذي يُؤطر حياة الفرد ومنظومته المجتمعية المقترن بضجيج الأبواق والطبول، فعسكرة المجتمع تشكل خرقا لنسق المدنية، وهذا بحد ذاته نسقا مضمرا تثقف له مؤسسة السلطة، وكلّ ذلك يحدث عبر نسقها المهيمن ثيمة (الحرب)الذي يتشابه ومرجعيته (الأبواق والطبول)، التي تشكل نذير شؤم لهيمنة لا يمكن الخلاص من مخالبها الناشبة في جسد الحياة الطري، الحرب هنا في تتابع لفرض السيطرة، على جملة من الخاسرين الجنود/ المهمشين، فهم وقود الحرب، أما غنائم الحرب فهم الخاسر الأوحد، / النساء/ الأطفال/ الشجر/ الحيوان، في تتابع للأنساق المضمرة التي من شأنها كشف زيف حرب مؤسسة السلطة، التي يسحق فيها المهمشين/ الجنود/ الغنائم، تلك العوامل المساعدة على الاحتراق التي تشكل سمة لقسوة المؤسسة / السلطة.

(أتوسل بالحيتان

وهي تبتلع أخر الأبناء

فأقول لها :

لماذا تقطعين نسلي

أيتها الحروب

وأنا جذع نخلة)

النسق المهيمن يكرر طقوسه، من إشاعة طقس الخراب اليومي المعاش، وما تمثله ثيمة الحرب/ الحيتان من بؤرة تمركز النص الذي من شأنه إنتاج نسق مهيمن فعلامة الحيتان/ الابتلاع وهي سمة / الحرب التي تبتلع / وتقطع(لماذا تقطعين نسلي)،وفي المقابل نجد جذع نخلة/ الإنسان/ المهمش، من غير امتداد طبيعي وهذا مخالف لسجية الله في خلقه، وهذا ما نلحظه كعلامة لقطع النسل، فحروب السلطة لا يعنيها أمر الفقراء/ المهمشين أو استمرار النوع البشري، فتأتي الأنساق المضمرة تباعا، مُبينة قسوة السلطة في ممارسة فعلها القمعي، في ابتلاع آخر الأبناء رغم التوسل، وهذا إيغال في تهميش الآخر.

(في كل الحروب

التي هدأت

وظلت رحاها تدور

رأيت الجنود

يخلعون أعمارهم

والحرب تطحن ما يخلعون

وعلى وجوه الأرامل

رأيت القحط

يمحو ما كان الأحبة

على الشفاه يرسمون)

نسق الحرب الهادئة لا ينسجم مع دوران رحاها، إذ انه لا يشكل معطى علاماتي لإيغال النسق المهيمن في ممارسة فعل الهيمنة، نجد هنا نسق (الحرب) / المحرك الأساسي لماكنة السلطة/ المهيمنة، فمن خلالها يمكن لمؤسسة السلطة أن تبث أنساقها المهيمنة، أن مؤسسة السلطة/ لا يمكنها الهدوء أو الجنوح للسلم، فهي لا تؤمن بالهدوء فالحرب في دوران دائم، لما يشكله الهدوء من علامة معرقلة لديمومتها ،وما سمة رحى تدور/ طحن/ محو، الإيغال في إلغاء الأخر، وما (القحط) إلا نتيجة لذلك، ففي هذا النص بالتحديد يأتي نسق( القحط)، ليشكل علامة شُح المعنوي، فالحياة لا تقف عند المعطى المادي فقط لتُدام فحسب، بل أنها تتعداه للمعطى المعنوي (الفعل الحياتي)، نسق(الديمومة والنماء) بالضد من القحط، فالمشاعر والأحاسيس الكامنة في الصدور وسيماء الوجوه، ترسل علامة للحياة المعترضة على هذا الجدب، الذي خلفته السلطة/ المهيمنة، وأثره السلبي على أرامل الجنود/ المهمشين(يمحو ما كان الأحبة/ على الشفاه يرسمون)، وما فيه من رفض واضح لهكذا ممارسة قمعية.

(مرة..

في الليل

لو طرق سمعك هذا العواء

فتأكدي انه البؤس

لازال يعوي ورائي

مثل ذئب

بينما لازلت أتقهقر

أمامه مثل أرنب)

ثيمة (الذئب ) سمة السلطة، التي تحمل في جنباتها علامة الغدر فهي من صفات الذئب/ السلطة، ليأتي بعده، العواء/ البؤس، وهذا كلّه يحدث تحت سلطة الليل/ مؤسسة السلطة، مشكلا دلالة الاحتواء والإحاطة ،مع بقاء المهمش/ الإنسان منتجا لمعنى الجبن، بدلالة تقهقر الأرنب، الذي يفترض أنّه لو طرق سمعك هذا العواء سيتقهقر، النسق المضمر هنا جعل السلطة/ المهيمن، تفرض سطوتها على الإنسان/ الأرنب/ المهمش، وتجعله يعيش دوامة الخوف والخواء الداخلي وهذه ثقافة أزلية ناتجة عن تراكم نسقي منذ أزمان موغلة بالقدم، والجدير بالذكر هنا أن هذه الأنساق تبقى تدور في فلك مؤسسة السلطة، وتعمل على تغذيتها لتنمو وتصبح ثقافة مجتمع، والأجواء مناسبة لبقائها مادام الإنسان/ المهمش يستجيب لنسق السلطة فلم يستطع للان إنتاج معنى الثبات والصمود الذي من شأنه لو حصل، لنشأ جيل جديد يؤمن بفكر الإصلاح والتغيير، لكنه وبحسب النصوص التي تم معاينتها لم يحصل البتة .

(أنا والجنود غدا

طرفا معادلة خاسرة

فالجنود حطبا

يمضون في الحرب

وأنا سيقانا

من خشب أغدو

للراجعين منها

بقدم واحدة)

تتخذ مؤسسة السلطة من تكرارها لثيمة (الحرب) متكأ لرفد نفسها بما تبثه من ثقافة التعبئة الجماهيرية وعسكرة المجتمع لردم الهوة بين السلطة والمنظومة المجتمعية المعارضة/ المهمشين، ولتقويض حضور الأخر الشعبي، ظنَّناً منها في ضمه لصفها، فيتوالى دفعها لثقافة العسكرة/ الحرب، المحرك الفاعل في أدارة مؤسسة سلطة الأزمة، وفي إقصاء المهمش/ أنا / الجنود/ الإنسان، ويكون بذلك طرفا في معادلة خاسرة، فنتاج المعركة التدمير والقتل، (فالجنود حطبا/ يمضون في الحرب)، لتعيد إنتاج المعنى ولكن هذه المرة موت / وسلب السيقان الخشبية، لتكون بديلا لطرف/ قدم جندي بائس/ مهمش، يمكن للسلطة استغلاله، فتبقيه على قيد الحركة، مُشكلة علامة لسلب حقوق الجُند/ المهمشين، فهم ليسوا أكثر من كونهم بيادق أو شرارة لنشوب الحرب ثم إلى احتراق فرماد، ليتشكل النسق المضمر، لما يدخره النسق المهيمن/ مؤسسة السلطة من الفتك والجور وسلب الإرادة من جهة، وخنوع واستسلام من المهمشين/ الجنود من جهة أخرى، وهذا ما لمسناه من سياق النصوص الشعرية التي تم معاينتها، وهذه بالضبط ثقافة النسق المهيمن/ السلطة، الذي لا يمكن التخلص من سطوته في حقبة زمنية قصيرة، فالمنظومة المجتمعية عليها أن تنتج انساقا متتابعة تؤمن بفكر التغيير الذي من شأنه الثورة على الموروث/ النسق الثابت/ المهيمن، لتُعيد إنتاج المعنى المقاوم/ التحرري/ المتجدد في ضوء معطيات الإصلاح ، الذي يحقق ما تطالب به من مشاركة فعلية وفاعلة على إدارة السلطة والاستجابة لتمكين الفرد من حقوقه مع الأخذ بنظر الاهتمام ما يُلقى على عاتقه من واجبات، مبرهنة على تمكنها من إنتاج معناها وفق نسقها التحرري/ الإصلاحي/ المتجدد .

 

رحيم زاير الغانم

............................

الاحالات

* جماليات التحليل الثقافي الشعر الجاهلي نموذجا، يوسف عليمات، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط1، 2004: ص44

* خسوف الضمير، رعد زامل، دار الروسم،ط1 بغداد، 2014

* سورة النور: آية 40

 

كريم مرزة الاسديأ - القصائد بالشعبي:

1 - روحي ولا تكَلها: شبيج

وانت الماي

2 - مو حزن لكن حزين

مثل ما تنقطع جوّا المطر

شدّة ياسمين.

 3 - الريل وحمد

مرّينه بيكم حمد، واحنه ابقطار الليل.

...................................

ب - القصائد بالفصحى:

 4 - ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة

مرة أخرى على شباكنا تبكي

5 - إلى الضابط الشهيد إبن مصر...

ليس بين الرصاص مسافة

أولاً - التمهيد

أدرجت اسم الشاعر العراقي الكبير مظفر النواب في كتابي (للعبقرية أسرارها.. تشكّلها.. خصائصها.. دراسة نقدية مقارنة)، المطبوع في دمشق عام 1996ممن قبل دار العروبة للطبع والنشر والتوزيع، وأعادت دارفضاءات عمان الأردن للطباعة والنشر والتوزيع على حسابها الخاص مع تسليمي (100 نسخة)، وزعتها بالمجان على مكتبات الجامعات العراقية، وبعض المكتبات العامة في مدينتي النجف وكربلاء. أقول أدرجتهبين عمالقة عباقرة الدنيا، ودنيا العرب من الأقدمين والمعاصرينلسببين، أولهما هو شاعر عبقري في الشعبي العراقي الدارج (الحسجة)، وفي شعر الفصحى، والسبب الثاني أن الرجل فرض نفسه على لاأمة العرب، كأشهر شاعر، يتفاعل معه الجمهور، والشاعر الثاني في عصر الذي اشتهر أكثر من غيره، شاعر المرأة نزار قباني، ولأن الإنسان بطبعه لديه أعز شيءٍ ما أمتنع عليه، وهو هجاء سلاطين العصر الطغاة الجبارين، والتغزل الفاحش بالجنس الآخر، فقد برزا واشتهرا، كما برز واشتهر الشاعران العملاقان في عصرهما، وهما الأول دعبل الخزاعي لهجائه خلفاء عصره الضخام كالرشيد والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل، ووزرائهم وقادتهم وولاتهم وقضاة قضاتهم، وتأثر بدعبل مظفر النواب - كما ذكر لي، واعتبره رائده الأول،وربما أخذ منه بعض صور الهجاء المقذع، كقوله - وتنسب لغيره - في الحسن بن سهل وزير المأمون، و رجاء ابن الضحاك، مستشار الخليفة، وابنيه مسؤولي الأمن والجيش في الدولة، ودينار بن عبد الله قائد حرس الخلافة، وقاضي القضاة يحيى بن أكثم، ورماه من رماه بالشذوذ - صدقاً أم كذبا- لذلك استثناه دعبل من رد العيب، وهؤلاء كانوا يسكنون في أرقى مناطق بغداد في ذلك العصر، وهي محلة (المخرم)، موقعها بين ملعب الشعب الحالي والبلاط الملكي

ألا فاشتروا مني ملوك المخزمِ ** أبع حسنا وابني رجاء بدرهـم

وأعـــــط رجاء فوق ذاك زيادة ** وأسمع بــــدينار بغــــير تــندم

فإن رد من عيب علي جميعهم ** فليس يرد العيب يحيى بن أكثم

ودعبل كان يقول لجرأته المتناهية" لي خمسون عاماً أحمل خشبتي على كتفي أدوّر على من يصلبني عليها، فلم أجدْ

والشاعر الثاني الجريء حتى العظم أبو نؤاس لتهتكته وعبثه ومجونه وخمرياته، وتغزله بالغلمان، إذ اخترق كل التقاليد الاجتماعية والدينية في عصره، إذ ركب ضد التيار، والحق أن تصنع الزهد والتقوى والتدين رياءً ونفاقاً، سرعان ما تجد القبول والتبجيل والاحترام بسهولة لدى العقل الجمعي، والمجتمع، ولكن الجرأة المتناهية التي تحتاج إلى شخصية فذه حديدية، تجدها عند الذي يسير أو يسبح ضد التيار الجارف!!

مهما يكن من أمر شاعرنا مظفر النواب كان عبقرياً في شعره الشعبي والفصحى، وأكمل عبقريته الفذة في أنه استطاع أن يفرض نفسه على عصره مشتهراً.

ثانياً - نبذة عن مسيرة حياته:

الشاعر العراقي مظفر عبد المجيد النواب ولد عام 1934م في مدينة الكاظمية، من أسرة النواب الثرية المهتمة بالأدب والفن والمراسم الحسينية، قد هاجرت إلى العراق من الهند؛ إذ كانوا من أمراء الهند، وهم في الأساس عائلة عراقية تنتسب إلى الإمام موسى الكاظم (ع)، هربت للهند إبان ثورات العلويين، ومطاردتهم من قبل سلطات الخلافة العباسية.

تعرض عبد المجيد النواب لهزّة مادية أفقرته، ولكن المظفر نشأ عزيزاً أبياً شامخاً، دخل كلية آداب بغداد وتخرج منها، وبعد قيام ثورة 1958م عيّن مفتشاً فنياً بوزارة التربية في بغداد، انتمى للحزب الشيوعي العراقي، ولمّا حمّ الصراع بين الشيوعيين والقوميين سنة 1863م، تعرض للملاحقة والمراقبة، فهرب للبصرة، ومنها للأحواز في إيران، ومن هناك دخل الأراضي الإيرانية محاولاً الهروب إلى روسيا؛ ولكنه وقع في فخ المخابرات الإيرانية، فسلمته مخفوراً إلى الأمن السياسي العراقي، وبدوره هذا قدمه إلى المحكمة العسكرية، التي أقضت عليه بحكم الإعدام، تدخل الأهل والمعارف، فخففوا عليه الحكم، وسجن في سجن نقرة السلمان الرهيب، في محافظة المثنى (لواء الديوانية سابقاً، قبل انشطارها إلى محافظتي القادسية والمثنى)، أي في الصحراء القاحلة قرب السعودية، ونقل بعد ذلك إلى سجن الحلة المركزي، واستطاع مع السجناء السياسيين أن يحفروا نفقاً من زنزاناتهم يؤدي إلى خارج السجن، ولما نجحت الخطة، وهرب من السجن توّجه للأحواز العراقية في الجنوب العراقي، ومكث سنة حتى أعفي عنهم 1969م، وباشر بوزارة التربية كمدرس للغة العربية، ولكنه ترك التجريس ةغادر العراق إلى دمشق، ومنها لعدة عواصم عربية وغربية، ثم رجع واستقر في دمشق حتى عاد للعراق سنة 2011م.

ثالثاً - من قصائده:

أ - من قصائده الفصحى:

قمم) والتي يهجو من خلالها الحكام العرب بأوصاف وألفاظ لاذعة)

(القدس عروس عروبتكم) والتي يصف فيها العرب بالخذلان والتواطؤ في موقفهم تجاة قضية القدس.

 (نعم مولاى تراب) وهى القصيدة التي يصف فيها كم الإساءات التي تتعرض لها الشعوب العربية جراء تصرفات المخابرات العربية في كل الدول.

 يا حزن) وهى إحدى قصائده التي يصف فيها الحزن والألم.)

عالم القطط) وتنضم أيضا هذه القصيدة إلى شعره السياسي.)

الخوازيق) وهى تقدم نوعا من الهجاء للوضع العربي.)

في الحانة القديمة) في تلك القصيدة استغل كافة الوسائل اللغوية والتعبيرية لتجسيد فكرته التي يريد التعبير عنها واستمر في الإسقاط السياسي بشكل مبهر.

ب - ومن قصائده بالشعبي .

((للريل وحمد) التي تتراوح تواريخ كتابتها بين اعوام 1959 – (حرز) (ابن ديرتنه حمد) (حجام البريٍس) و (حسن الشموس)(يانهران اهلنه) (براءة)، تنتمي بروحية كتابتها الى تلك الحقبة من الزمن ايضا. اعقبت تلك (مشتاك ياديرة هلي) (العب ..العب) (كالولي) (ليل البنفسج)(موحزن) (شكواطيب من أذيتك) (بعدك انت كلشي) (حمام نسوان).

 كتبت خلال اكثر من ثلاثين عاما، كأنما شهدت شاعرية النواب التي اثمرت خلق مسار مغاير في مسيرة الحركة الشعري.

رابعاً - ما ذكرته عنه في كتابي (للعبقرية أسرارعا...)

 مجّدته بكتابي (للعبقرية أسرارها...) مع أشهر عباقرة العالم والعرب على امتداد المكان، وعمق  الزمان،

وأشرت إليه في قصيدتي التي مطلعها :

نعيماً أيّــــها العـــــربُ *** وكــــلُّ ترابكم ذهبُ

بقولي:

ونصقلُ صوتَ(قائلنا)**عروسُ العربِ تـُغتصبُ

فلا (القدسُ) الشريفُ لكم**وفي (أوراسكمْ)صخبُ

لقد هُــــــزّتْ مرابعكمْ *** وما اهتزّتُ لكم رقبُ

وضمنت بعض مقاطع أخرى من قصائده بقصائدي . وأشرت إليه في مقالاتي، وأحياناً بعناوين عريضة .

 لاريب هو من أشهر شعراء العرب، لأنه هجّاء ساخر، مناضل وطني  وعروبي غيور، وظاهرة صوتية مميزة، تلاقف العرب مسجلاته الصوتية من البحر إلى البحر، .................................

 في الفصل السادس من كتابي (للعبقرية أسرارها...)، تحت عنوان (الاغتراب النفسي لدى العباقرة)، وفي الصفحة 110 ط 1 (طبعة دمشق) أقول فيما قلت :

" المعاناة امتلاء النفس بما يتفاعل فيها من أحداث الحياة وملابساتها ومفارقاتها،، والشعر تنفيس لهذه المعاناة، ومفتاح التعبير عن آمال الجماهير، وترجمان أحاسيسها و أهدافها، ومن هنا أيضاً تأتي غربة الشاعر مظفر النواب، فكان من أكثر الشعراء رفضاً للواقع المرير بكلّ أبعاده، وإنّ إغترابه النفسي موضوعي بتداخلات ذاتية هامشية، وربما تنتفي الذات عنده في كثير من الأحيان، فخلق من جبلة الرفض والتمرد، ولا يدري أين يحط ؟!! ويرى الساحات أمامه حالكة معتمة في زمن الشرذمة والتجزئة، فمن قصيدته (ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة) يقول: 

مرة أخرى على شباكنا تبكي

ولا شئ سوى الريح

وحبات من الثلج على القلب

وحزن مثل أسواق العراق

مرة أخرى أمد القلب بالقرب من نهر الزقاق

مرة أخرى أحني نصف أقدام الكوابيس بقلبي

أضيء الشمع وحدي وأوافيهم على بعد

وما عدّنا رفاق

لم يعد يذكرني منذ اختلفنا أحد غير الطريق

صار يكفي

فرح الأجراس يأتي من بعيد

وصهيل الفتيات الشقر يستنهض حجم الزمن المتعب

والريح من الرقعة تغتاب شموعي

رقعة الشباك كم تشبه جوعي

واثينا كلها في الشارع الشتوي

ترخي شعرها للنمش الفضي

للأشرطة الزرقاء واللذة

هل أخرج للشارع

من يعرفني

من تشتريني بقليل من زوايا عينيها

تعرف تنويني وشداتي وضمي وجموعي

أي الهي أن لي أمنية أن يسقط القمع جدار القلب

والمنفى يعودون إلى أوطانهم

ثم رجوعي

لم يعد يذكرني منذ اختلفنا

غير قلبي والطريق

صار يبكي كل شئ طعمه طعم الفراق

حينما لم يبق وجه الحزب وجه الناس

قد تم الطلاق

حينما ترتفع القامات لحنا أمميا

ثم لا يأتي العراق

كان قلبي يضطرب

كنت أبكي

كنت استفهم عن لون عريف الحفل

عمن وجه الدعوة

عمن وضع اللحن

ومن قادها ومن أنشد

أستفهم حتى عن مذاق الحاضرين

أي الهي . . أن لي أمنية ثالثة

أن يرجع اللحن عراقيا

وإن كان حزين

ولقد شط المذاق

لم يعد يذكرني منذ اختلفنا أحد في الحفل

غير الاحتراق

كان حفلا امميا

إنما قد دعي النفط ولم يدع العراق

يا الهي رغبة أخرى إذا وافقت

أن تغفر لي بعدي أمي

والشجيرات التي لم أسقها منذ سنين

وثيابي

فقد غيرتها أمس بثوب دون أزرار حزين

صارت الأزرار تخفي

ولذا حذرت منها العاشقين

لا يقاس الحب بالأزرار بل بالكشف

إلا في حساب الخائفين

وقد صبَّ دعبل الخزاعي من قبل ما يقارب ألف ومائتي سنة إلى مثل هذا التغرب النفسي والوحدة، ومظفرظاهرة تماثله - كما نوّه الباحث الراحل هادي العلوي في كتابه (الهجاء في الشعر العربي إذاً لماذا المؤرخون وكتاب الأدب والمفكرون المنحازون من العرب قديماً وحديثاً وجهوا سهامهم على الشعراء والمعارضين دون التمعن والتفهم لذواتهم، واحترام الرأي الآخر، فجروا عامة العرب إلى التعصب الأعمى القاتل للأرواح والحضارة والتقدم ؟!!!

 أليس من حق دعبل أن يصرخ لإنعدام مناصريه أيام الشدة كما صرخ المظفر نفسه :

ما أكثرَ الناسَ ! لا بل ما أقلهمُ *** اللهُ يعلمُ أني لمْ أقلْ فندا

إني لأفتحُ عيني حينَ أفتحها **على كثيرٍ ولكنْ لا أرى أحدا

خامساً - القصائد المختارة 

القصيدة الأولى - شعبي:

روحي ولا تكَلها: شبيج

وانت الماي

مكَطوعة مثل خيط السمج روحي

حلاوة ليل محروكَة حرك روحي

حمرية كَصب مهزومة بالفالة ولك روحي

وعتبها هواي ....

لا مرّيت ... لا نشديت .... لا حنيت

وكَالولي عليك هواي

وعودان العمر كلهن كَضن ويّاك

يا ثلج الي ما وجيت

تعال بحلم ...، أحسبها إلك جيّه واكَولن جيت

يلي شوفتك شبّاج للقاسم ... ودخول السنة من الكَاك

يا فيّ النبع واطعم .... عطش صبّير ولا فركاك

يلرهميت ... يا مفتاح فضة ولا رهم غيرك عليّ مفتاح

أجرت لك مخدتي وانطر الشبّاج اليجيبك

وانت عرس الليل والقدّاح

يا هلبت تجي وترتاح ؟؟

طركَــ المسج والنوم ...... طركَــ المسج والنوم

عمر واتعده التلاثين ... لا يفلان

عمر واتعدّه واتعديت

ولا نوبة عذر ودّيت

وانه والمسج والنوم ... واغمّض عود اجيسك يا ترف تاخذني زخة لوم

واكَلك: ليش وازيت العمر يفلان

يفلان العمر ... يشكَر ولك يفلان

وهجرك دم ... كل ليلة اشوفك بالحلم عريس

اكَول اليوم يجيبه .... خلص كَلبي واكَول اليوم

ولا التفتيت ... ولا وعديت ... ولا استخطيت

ولا طارش جذب ودّيت

ولا مرّة شلت عينك تعرف البيت

وكَالولي عليك هواي .... ورحت ابراي وجيت ابراي

حسبالي سنة وسنتين وتلاثة

واشوفك ذاك البكَلبي .... واضوكَــ الماي .. واضوكَك ماي

حسبالي اشوفك ابن اوادم .... يا شكَلك ... موش اشوفك هاي

ولا حسّيت ....... ولا استخطيت

ولا جيت اعله ماي

تبيع بيّه وتشتري بالسوكَــ

لا ما جيت

وكَالولي عليك هواي ... كَالولي...

كَالولي...

كَالولي

القصيدة الثانية - شعبي:

مو حزن لكن حزين

مثل ما تنقطع جوّا المطر

شدّة ياسمين

مو حزن لكن حزين

مثل صندوق العرس ينباع خردة عشق من تمضي السنين!

مو حزن لكن حزين

مثل بلبل قعد متاخر

لقى البستان كلها بلاي تين

مو حزن ..لا مو حزن

لكن احبك من كنت يا اسمر جنين!

خذني يا بحــــــر

خذني خشبة

خذني والبحارة لو نسيوك كلهم ... ما نسيتــــك!

ما نسيتــــك

الخشبة عاشت عمر طيب

عشقت كل المخاطر

عاندت ... مشيت بوجه الريح

لكن .... ما كسرهــــــــــا!

وصارت تسافر وحدهـــــــا

بلا اتجـــاه ....!

وارجع احط خـــدي على خـــدك

يا بحـــــــــــــر

خشبــــة وبحــــــر

خشبة.... خلاص حنينة وكلش حزينـــة

خشبـــة لكن حيـــل اهيب من سفينـــــة!

 

ما بكيتـــــــــــــــك

فارقت انت السفينة

وانا جايبلك بحــــــــــر...!

جبتلك طوفان الحلم

حلم منذور بغياب الشمس

فارقت حلم الناس

ومليت السفينة والسفر!

ما بكيتـــــــــــك

انا بكتني السفينـــــــــــة!

منين ما طش الرذاذ ... تريد تِبْحـــــــر...

تدري نوبات السفن لو ضاق خاطرها بجبن قبطانها

تسافر وحدهــــــــــا!

ما بكيتــــــــك

انا بكتنني السفينة

تدري نوبات المحبة تمـــــــلّ

واحبك للقهـــــــــــــر

القصيدة الثالثة - شعبي:

 الريل وحمد

مرّينه بيكم حمد، واحنه ابقطار الليل، واسمعنه دك اكهوه

وشمينة ريحة هيل

يا ريل...

صيح ابقهر...

صيحة عشك، يا ريل...

هودر هواهم

ولك

حدر السنابل كطه

يا بو محابس شذر، يلشاد خزامات

يا ريل بللّه .. ابتغنج

من تجزي بام شامات

ولا تمشي .. مشية هجر...

كلبي...

بعد ما مات

وهودر هواهم

ولك

حدر السنابل كطه

جيزي المحطة...

بحزن...

وونين...

يفراكين

ما ونسونه، ابعشكهم...

عيب تتونسين

يا ريل

جيّم حزن...

أهل الهوى امجيمين

وهودر هواهم

ولك

حدر الستابل كطه

يا ريل

طلعوا دغش...

والعشق جذابي

دك بيّه كل العمر...

ما بطفه عطابي

تتوالف ويه الدرب

وترابك...

ترابي

وهودر هواهم

ولك...

حدر السنابل كطه

آنه ارد الوك الحمد .. ما لوكن لغيره

يجفّلني برد الصبح...

وتلجلج الليره

يا ريل باول زغرته....

لعبته طفيره

وهودر هواهم

ولك .. حدر السنابل كطه

جن حمد...

فضة عرس

جن حمد نركيله

مدكك بي الشذر

ومشلّه اشليله

يا ريل...

ثكل يبويه...

وخل أناغي بحزن منغه...

ويحن الكطه

كضبة دفو، يا نهد

لملمك ... برد الصبح

ويرجنك فراكين الهوه ... يا سرح

يا ريل...

لا.. لا تفزّزهن

تهيج الجرح

 

خليهن يهودرن...

حدر الحراير كطه

جن كذلتك...

والشمس....

والهوة...

هلهوله

شلايل برسيم...

والبرسيم إله سوله

واذري ذهب يا مشط

يلخلك...اشطوله!

بطول الشعر...

والهوى البارد...

ينيم الكطه

تو العيون امتلن....

ضحجات ... وسواليف

ونهودي ز مّن...

والطيور الزغيره....

تزيف

يا ريل...

سيّس هوانه

وما إله مجاذيف

وهودر هواهم

ولك...

حدر السنابل كطه

القصيدة الرابعة - فصحى:

 ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة

مرة أخرى على شباكنا تبكي

ولا شيء سوى الريح

وحبات من الثلج.. على القلب

وحزن مثل أسواق العراق

مرة أخرى أمد القلب

بالقرب من النهر زقاق

مرة أخرى أحنى نصف أقدام الكوابيس.. بقلبي

وأضيء الشمع وحدي

وأوافيهم على بعد

وما عدنا رفاق

لم يعد يذكرني منذ اختلفنا احد غير الطريق

صار يكفي

فرح الأجراس يأتي من بعيد.. وصهيل الفتيات الشقر

يستنهض عزم الزمن المتعب

والريح من القمة تغتاب شموعي

رقعة الشباك كم تشبه جوعي

و (أثينا) كلها في الشارع الشتوي

ترسي شعرها للنعش الفضي.. والأشرطة الزرقاء..

واللذة

هل أخرج للشارع؟

من يعرفني؟

من تشتريني بقليل من زوايا عينيها؟

تعرف تنويني.. وشداتي.. وضمي.. وجموعي..

أي إلهي ان لي أمنية

ان يسقط القمع بداء القلب

والمنفى يعودون الى أوطانهم ثم رجوعي

لم يعد يذكرني منذ اختلفنا غير قلبي.. والطريق

صار يكفي

كل شيء طعمه.. طعم الفراق

حينما لم يبق وجه الحزب وجه الناس

قد تم الطلاق

حينما ترتفع القامات لحناً أممياً

ثم لا يأتي العراق

كان قلبي يضطرب.. كنت أبكي

كنت أستفهم عن لون عريف الحفل

عمن وجه الدعوة

عمن وضع اللحن

ومن قاد

ومن أنشد

أستفهم حتى عن مذاق الحاضرين

يا إلهي ان لي أمنية ثالثة

ان يرجع اللحن عراقياً

وان كان حزين

ولقد شط المذاق

لم يعد يذكرني منذ اختلفنا أحد في الحفل

غير الإحتراق

كان حفلاً أممياً إنما قد دعي النفط

ولم يدع العراق

يا إلهي رغبة أخرى إذا وافقت

ان تغفر لي بعدي أمي

والشجيرات التي لم أسقها منذ سنين

وثيابي فلقد غيرتها أمس.. بثوب دون أزرار حزين

صارت الأزرار تخفى.. ولذا حذرت منها العاشقين

لا يقاس الحزن بالأزرار.. بل بالكشف

في حساب الخائفين

القصيدة الخامسة - فصحى:

هذه القصيدة ألقاها على مسامعي في أحد لقاءاتي معه بدمشق بصوت خافت هادئ، وذلك عندما سألته، هل تكتب قصيدة النثر؟ أجابني كلا ؛ كلّ شعري موزون، واستشهد بهذه الفصيدة:

إلى الضابط الشهيد إبن مصر...

ليس بين الرصاص مسافة

أنت مصر التي تتحدى

وهذا هو الوعي حد الخرافة

تفيض وأنت من النيل

تخبره إن تأخر موسمه

والجفاف أتم اصطفافه

وأعلن فيك حساب الجماهير

ماذا سيسقط من طبقات

تسمي إحتلال البلاد ضيافه

ولس قتيل نظام يكشف عن عورتيه

فقط

بل قتيل الجميع

ولست أبرىء إلا الذي يحمل البندقية قلبا

ويطوي عليها شغافه

لقد قبضوا كلهم

وأحقهم من يدافع عن قبضة المال

مدعيا أنها الماركسية أم العرافة...

 

كريم مرزة الأسدي

 

رحيم زاير الغانمتعول المناهج الحديثة على دور القارئ في تلقي النص، وما يمكن أن ينتجه هذا التلقي من إعادة لإنتاج المعنى، والذي يتحقق بفكٍّ شفرات بنياته النصية، وأن تجلت (أنا المؤلف)، في النص الشعري، بأن صُرِحَ في بعضها بأسماء أشخاص أو أحداث أو وقائع، مرجعيتها ذاكرة (المؤلف)، فهي رافد من روافد خيال مبدع، والتي لا يمكن اعتبارها تكريساً لأنا، أو لذاتية مفرطة، بل هي كشف لذات ذائبة في قضايا واقعها المعاش، ذات منتجة/ موضوعية، برؤى وأفكار إنسانية سامية هادفة، بعدما اعتصرتها الفاقة، واختبرتها الحروب، وأدمتها النكبات، لتتبلور وعياً جمعياً، رافضاً ومحتجاً لما يدور حولها، لتغدو مرآةً لذوات متلقيها، في إنتاج لنص يمكن عده مزيجاً من قيم راحلة، وأخرى ماكثة للان، تحتاج منا إعادة إنتاجها في ضوء معطيات حاضر ومستقبل بمرجعية تاريخية متهالكة، أن سارت فهي مُتجهة إلى نفق مُظلم،  إذ لا بارقة ضوء، وأن مكثت فإلى هلاك، في إدانة صريحة الى هكذا مآل.

كلُّ هذا سيتم معاينته في ضوء ثيمتي الاحتجاج والرفض في مجموعة ( بريد العائلة)، للشاعر فراس طه الصكر ، وفق متبنيات القراءة التأويلية العميقة للنص الشعري.

(مؤخرا لم يعد بمقدورنا الكلام../ الكلامُ / طيشنا العابر،/ وفضاؤنا الضرير/ لم يعد بمقدورنا أن نتحمل بسالة الهزيمة / أو فداحة الجرح/وهو يتماثل للغياب..) ص17

في النص الشعري نجد الحوار مفتوحا على مصراعيه بينه وبين متلقيه، عبر ثيمة الرفض التي هي نتاج عدم التمكن من التعاطي مع الواقع المعاش/ ممثلا بالهزيمة التي تتكرر في فترات زمنية متقاربة أو متباعدة، فهي تلقي بضلالها عليه، وما عدم القدرة على الكلام إلا إنتاج لمعنى الموقف في زمن الضياع، الذي يعدُّ من أبلغ معاني الرفض والاحتجاج، فالقول بعدم تحمل (بسالة الهزيمة) على طريقة الإمعات، أو تحمل فداحة الجرح الذي يتماثل للغياب من دون الإشارة إليه أو بالوقوف على أسبابه من أشد أنواع الشعور بالخذلان، إذ يمكن بعدها التأسيس لتقبل هزيمة أبلغ وجرح أعمق وأكثر إيلاما.

(سأكتفي بتضميد دمعكَ/ وأترك خيارا واحدا لدمي../ سأنقش الحبَّ على وسادة خاوية،/ فيفضحني ركام هائل من النعاس../ سأبللُ البكاء بعيون لا تتكلم/ عيون أصيبت بالخرس) ص21

ان  قراءة عميقة للنص الشعري يمكننا بعدها من اكتناه بواطن النص، لما فيه من تعدد للدلالات الذي يجاورها تعدد للفهم/ التأويل، وما ثيمة الرفض التي تتكشف بعد فهم بنيات النص، فما يشي به الاكتفاء بتضميد الدمع وترك خيارا واحدا للدم وما سينقش على الوسادة الخالية التي ستؤدي مجتمعة إلى تنامي الشعور بالنكوص جراء الخشية من فضيحة ركام هائل من النعاس، وما ينبي به هذا النعاس من علامة اليأس والقنوط، الذي أصاب العيون بالخرس، عيون لا تتكلم، في إنتاج لمعنى عدم التعاطي مع ما يدور حولها من واقع مؤلم، بعدما فقدت الحياة مقومات الديمومة، فلا غرابة ان سكت صوتها، مقارنة بصخب الحرب، وعلو كعبها .

(لم أشأْ../ أنْ أوقظ الغيم الذي فسرني/ لم أشأْ../ أنْ أحسدَ القبر على شاهدةٍ نخرتها الذكريات / لم أشأْ../ أن أفرطَ أصابعي / باحثا عن تاريخ مليء بالحشرات/ وجفاف القبل ) ص27

يطرح النص الشعري أسئلة متوالية، عن الوجود والذكريات والتاريخ في تراتبية قصدية خاضعة للمنطق في التفكير، عبر رابط يجمع كل هذه البنيات النصية الدالة على مدلول يسري في جسد النص في وحدة عضوية متسقة، ممثلا بثيمة الرفض، عبر بنية (لم أشأْ..) لينتج لنا معنى الإدانة لواقع معاش، واقعٌ تجف فيه القبل، وما لجفافها من علامة لفناء الأشياء، فلا تواصل مع الحياة ولا استمرارية للنوع البشري، ولا إمكانية لتقبل الجمال، نتيجة لاستشراء القبح ممارسة وفعلاً ، يمكن عدها من تداعيات المرحلة والذكريات والتاريخ المليء بالحروب والخراب والدماء وما هذا  الرفض إلا للحرب لا الحياة أو الوجود بمعناه الاشمل.

(معطف آخر للرماد/ وجيبٌ لا يسعُ أحزاننا الباردة../ في قمرٍ ما،/ توانى القدرُ/ أنْ يصبغ أصابعنا برائحة الوداع../ كانوا هنا / رحلوا بلا حقائب/ لذلك فضلوا الرجوع حفاة..) ص31

في هذا النص الشعري المتخم بالدلالات، نقف تجاه بنيتي الرماد والجيب الذي لايسع لأحزاننا الباردة، لتترسخ في أذهاننا ثيمة الاحتجاج على موت الأوطان إذ ان القمر/ قمر ما، والرحيل رحيل حقائب، والرجوع لأصابعنا المصبوغة برائحة الوداع، وأما رجوع الراحلين فرجوع حفاة، فلا المكوث في هكذا وطن يحقق الكرامة ولا الرحيل كذلك فما بالك بالرجوع، في إعادة لإنتاج معنى الخيبة التي تلازم هكذا أبناء ينتسبون إلى أوطان  تتوشح بالرماد، فيضيق أفقها للدفء، إذن هي أوطان بمساحة على ورق الخرائط لا أكثر.

(قل لها أن تنتظر:/ حروبُك التي راودتني صغيراً/ لم أعد قادرا / على ابتلاع رمادها../ قل لها مازلت صغيراً/ على كمائن باردة / وقناع أخرس/ ما زلت صغيراً يا أبي،/ وأحضانك لا تتسع..) ص42

نلمح في هذا النص الشعري تمركزاً لبؤرة انتظار الحرب التي تراود الناس والأشياء، ليتشظى عنها معانٍ ودلالات عدة، (لم أعد قادرا/ على ابتلاع الرماد) و(مازلت صغيراً/ على كمائن باردة/ وقناع أخرس) في مجملها تستدرج المتلقي إلى إنتاج معنى رفض أعم وأشمل رفض قبالة الأب/ الوطن، (ما زلت صغيراً يا أبي،/ وأحضانك لا تتسع..)، فالأبُ هنا على العكس من معناه، أي الوطن/ الحضن الكبير، فهو لا يتسع حتى لإحجامنا أو طموحاتنا الصغيرة، فما الرد لو اتسع الحجم والعقل/ التفكير معا، أي حجم وعقل الابن الصغير، فما دام الوطن لا يتسع، لنا ونحن بهذا الحال، كيف لو نراهن على اتساع رقعة أفق حضوره، الذي نرجو ونأمل؟!

(قبل ذلك،/ أبصرت نجما زاحفاً/ فظننته الصباح../ كانَ ليلاً أبيضَ/ طرزتُهُ الحتوف../ هذا دمُك أيّها القتيلُ/ لا يشبه لون الجريمة،/ له طعم وشايةٍ/ ورائحةٍ تنوء..) ص45

في النص الانف، تتوالى الصور الشعرية التي تُنبئ عن موت قادم، لكنَّ التصويرَ مختلفٌ هذه المرة، فما إبصار النجم الزاحف، والتعليل بظنه ليلا ابيضَ، في انكسار للصورة الشعرية، الذي أضاف معنى جديدا لرفض الموت الذي طرزته الحتوف، وما نكران دم القتيل الذي لا يشبه لون القتيل إلا تكريساً لمعنى جديد لتنوع طرق الموت وصوره وأشكاله، مقارنة بجمود الحياة، معنى رافض لموت بطعم الوشاية ومحتج كونه برائحة تنوء، تبتعد ليندرس بعدها دليل الجريمة.

(انظري إلى هذه الحروب / إنها تلملمُ أوزارها وتغادر،/ وقد دونت أسماءَنا كُلَّنا في (دفاتر النسيان):-/ ساقٌ يسرى،/ ذراع يمنى،/ عينٌ سوداء،/ ورأسٌ أسمرٌ../ أترين ذلك يا حبيبتي؟/ إنهم يحفظوننا/ بأسماء أعضائنا المبتورة!!) ص75

يشي النص الشعري عن دعوةٍ إلى إلقاء نظرة فاحصة على الحرب، وهي تلملم أوزارها، وأن لا يعد كشفا مبكرا في هذا النص تحديدا، بعدما عمدت النصوص الآنفة إلى البوح به، مما استدعى منا اكتناه معناها، ان ثيمة الاحتجاج في هذا النص الشعري، تبدو جلية بعدما عمدت الحرب إلى لملمة أوزارها استعدادا للمغادرة، تاركة وراءها طوابيرَ من مآسٍ وأهات، مدونة في (دفاتر النسيان)، ومحفوظة، (بأسماء أعضائنا المبتورة!!)، في إعادة لإنتاج معنى الموت الذي يتشظى لنا في هيئة انكسار لصورة الحياة في عيون متلقيها من البشر العاديين قُراء نصها غير المكتوب/ المرئي/ الواقع، حصيلة حروب وإن بمسميات بطولية، تطرز لصانعيها التاريخ المشوب بالعار، وتفرض حاضراً معاقاً مجهولَ العواقب، حاضرٌ لغير هدى، كأعضائنا البشرية المبتورة (ساقٌ يسرى،/ ذراع يمنى،/ عينٌ سوداء،/ ورأسٌ أسمرٌ..)

 

رحيم زاير الغانم

 

 

رحيم زاير الغانممجموعة نقوش على جذع نخلة أنموذجا.. مقاربة تأويلية

في النقدية التأويلية ومن خلال استحضار المعنى الشعري يبرز اتجاهان: الاتجاه الأول عندما يتناول نصا شعريا يأتي بإحكام قبلية، محاولا الكشف عن مضامينه وفق تلك الرؤى المسبقة إلى نهاية المشوار الكشف النقدي في النص المؤول، ليندرج تحت طائلة الحكم القبلي للنص، غير آخذٍ بنظر الاعتبار تأثير الفهم الخاطئ، فهو يأتي بمفاهيم على العكس من رؤى وطروحات الشاعر، مبتعداً عن المعنى الحقيقي للنص ، مغرداً خارج فضاء الشيء نفسه، وهذا بحدِّ ذاته يؤشر إلى كونه لم يفحص النص فحصا شاملا، لذا لم يتم إدراك المعنى، ليغدوا النص النقدي في تعميه تامة، والأصعب من ذلك يُسَّوق للمتلقي بحسب هذه الأحكام والتصورات المشوشة عن النص الشعري، وعلى العكس منه نجد الاتجاه الثاني الذي وأن أتى بأحكام قبلية إلا أنه يغير من تصوراته للشيء نفسه، وبحسب الكشف والفهم لمدلولات النص من خلال فك رموزها آخذا بنظر الاعتبار التأثيرات التاريخية والنفسية التي أحاطت بالشاعر لحظة الإبداع الشعري، وهذا لا يعني المحايدة وإنما يبقى القارئ/ الناقد، في مغايرة مع النص الذي من شأنه أن يؤدي إلى الاستحضار المعنوي للكمال، من خلال الفهم والمطابقة بين رؤى الشاعر والنص الشعري، أو أنه يغير من تصوراته وفق الكشف الذي توصل إليه من خلال فهمه للنص الشعري، مع الإبقاء على تحيزه لأحكامه المسبقة حتى يتمكن من الكشف الكامل للمعنى، وهذا ما ذهب إليه هيدغر بأنَّ "الفهم يتحدد باستمرار بحركة التصور للفهم المسبق" هذا ما سيتم تناوله من خلال قراءة تأويليه في مجموعة (نقوش على جذع نخلة) للشاعر يحيى السماوي.

(من حسن حظي أنني هيأتُ

نهري للجفاف ...وللخراب السنديانة..

والحديقة للخريف...

وللفراق الأصدقاء)

 من خلال قراءتنا الأولى للنص الآنف الذكر  نجد الخطاب موجها لنفس الشاعر المنكسرة ، بعد أن أدركت النهاية المحتومة التي ستصل إليها شاءت أم أبىت، فرفعت الراية مقدماً معتبرة هذا الإجراء من حسن الحظ، والأكثر غرابة أنها اعتبرت جفاف النهر وخراب السنديانة وخريف الحديقة وفراق الأصدقاء ضمن منظومة حسن الحظ، ولو أمعنا النظر وفككنا رموز المفردات، لإدراكنا الاعتراض واضحا فليس من حسن الحظ كل ما سلف ، بل أنه سوء حظ، هذا الذي سيطر على نفس الشاعر وجعلها تعيش الأزمة والخراب الذي مرَّ به وما سيمر به مستقبلا، وهو شاهد حقيقي لمرحلة تاريخية مرت بنا جميعا.

(الليلُ نفسُ الليلِ

إلا أنَّ بيتي لا يُضاءْ

بجبين أمي وهي تختتم النوافل بالدعاءْ)

على الرغم من كون الرمز حاضرا إلا أنه  يمكننا تحديد الأشياء وكذلك تسميتها بأسمائها الفعلية، فالليل هنا لا يشكل الليل المعتاد أي المعنى الحرفي للمفردة/الزمن، إنما الليل ما توالت من ظُلم متعاقبة، بتعاقب السلطات المستبدة ( الليلُ نفسُ الليلِ )، فكيف نرجو بعد كلِّ هذا الخلاص ما دام يتوالد ظُلَماً، لتضيق رؤى التفاؤل بامتداد الظلمة للبيت/ الوطن، وما دام مطمح الحرية( أمي/ الحرية)، مُستبعَداً عن دائرة الضوء، فمن يكبح جماح الظلمة ، لنبقى قابعين في سواد لا متناهي فلا ثورات ولا حتى حراك من شأنه إيصال صوتنا عبر طقوس تفتق الحُجب، راكنين إلى الدعاء والنوافل، حجج الشبيبة الثائرة آنذاك، فالدعاء دعوة للتغيير معبدة بنافلة العقيدة الصادقة.

(والدّربُ مرَّ عليَّ مرتبكاً

ومرَّ النهر محتضناً نخيلهْ

هرباً من الأرض الذليلهْ

وأنا مررت علي...بتُّ أثنين:

صحراء....وسنبلةٌ عليلة !)

تكشف لنا القراءة الفاحصة كيف بدا الانكسار جليا في النص الشعري لما يفصح عنه السياق من بث ثقافة الهروب التي شكلت منعطفا بارزاً في حقبة التسعينات من القرن المنصرم، فالدرب مرتبك والنهر محتضن نخيله هاربا من الأرض الذليلة، فعراقة النهر، وشموخ النخيل يقف في  حراجة أمام موقف هذي الأرض التي لم تنجب إلا الهروب، في انهزامية منقطعة النظير، وهذا كله متأتٍ من ركام هائل من حروب وجوع، ألقت بظلالها على الموجودات فأحالتها إلى جبن وتراجع، وصولا للتصحر والاعتلال، ( وأنا مررت علي...بتُّ أثنين/صحراء....وسنبلةٌ عليلة !)،  كيف لا وقد صار أثنين، صحراء وسنبلة عليلة الأزمة النفسية التي مرَّ بها واضحة الدلالة والمفهوم، بل انها صارت المعنى المحايث دائم الظهور في حنبات النصوص بالمجمل، ، وهذا ما يدعونا لاستحضار معنى خراب السنديانة، إشارة حقيقية ترمز للاحتضار الذي لاحَ الموجودات بمختلف تسمياتها.

(حاولتِ اجتياز سور الوطن المسبي فجراً

غير أن البشر الذئابْ

كانوا وراء البابْ)

أنَّ القراءة المتأنية للنص قد تشي بتصور كامل عن الوضع المجتمعي المأزوم الذي هو نتاج لمرحلة ألقت بظلالها على البنى الجوانية للنص الذي أنتج مسحة من الشعور بالضياع، فالتأثيرات النفسية، وليدة أزمة، فالحروب تنتج أزمة، وسوء استخدام السلطة يخلف أزمة، وتنامي الفقر أزمة قائمة بحد ذاتها، كيف وقد اجتمعن تحت طائلة زمان ومكان واحد؟ لذا نجد الهروب حاضرا هذه المرة (حاولتِ اجتياز سور الوطن ) وللأسباب نفسها، والمفارقة التي حدثت من تصدير معنى جديد لممارسة السلطة (المسبي فجراً ) السبي فعل يقوم به محتل غاشم أو أنَّه فعل عفا عليه الدهر، كيف بنا ونحن نجد من يمتلك مؤسسة السلطة، وهو يمارس هذا الفعل، لذا يمكننا عده مغتصبا لها، في معنى مجاور للمحتل الغاشم، وما ذهب إليه بوصفه بشرا ذئاب، وما للذئب من رمزية الغدر، وما وقوفهم وراء الباب وأن جاء كنوبة مراقبة ورصد، إلا أنهم اعتادوا الوقوف خارج أسوار الوطن وهذا يؤكد ما ذهبنا بأنهم مغتصبين/محتلين/أغراب.

(كان الماء من حجر

ولا عشب فينبئُ عن طحين في رحى وجعي

حزمت بقيتي.. لكنَّ باب البحرِ موصدةٌ

وأرصفة الموانئ مقفرهْ !)

ولو تأملنا النص تأملا فاحصا لما آل إليه الشعور الإنساني من يأس وإحباط، لا نلمح غرابة، وقت يكون الموت حاضرا لمداهمة الأشياء وبما فيه من  إعلان عن النهاية التي ساقتها الممارسة الخاطئة للسلطة، في الأمس القريب، فالماء حجر ولا عشب ينبئ عن بشارة لدوار رحى الوجع، في رمزية عالية للجوع الذي قضم أجساد وأعمار من وقع تحت طائلته، كل هذا استدعى محاولة الهرب ثانية بطريقة مختلفة بعض الشيء هذه المرة، (حزمت بقيتي )، لكن النتيجة نفسها، باب البحر موصدة، وأرصفة الموانئ مقفرة، وفي هذا إشارة تدلُّ على أن أبناء البلد قابعين في سجن كبير أسمه الوطن .

(مملكتي رصيف يحتفي بأحبتي الفقراء

حاشيتي الزنابق والعصافير الاليفهْ

والتاج جرح

لا أبيع بجنَّة الدنيا نزيفه !)

وفي تتابع لما سبق من النصوص يطرأُ تغيّرا واضحاً في النص الحالي لما تمَّ كشفه من معاناة مع الهروب وما تمَّ رصده من عنت السلطة نجد النص ينتج لنا معنى مغايرا لما سبق، فبعد الحزن والقنوط والبحث الدائم عن الخلاص، نجد معنى التأقلم مع الرصيف الذي يحتفي بالفقراء ليشكل مملكة الرصيف، فالفقراء الذين يرتادون الرصيف لطلب الرزق، راجعين لصغارهم وفي أيديهم دراهم تجعلهم يماحكون السعادة الهاربة من جيوبهم، إلا أنَّ لهم حاشية من زنابق وعصافير أليفة، في رمز للنقاء ومعانقة الحرية الموهومة من جديد، في إشارة لجرحهم النازف الذي عدوه تاجاً لا يمكن خلعه.

(ما قيمة التحرير

أن كان الذي هبَّ الى نجدتنا

حرَّرنا

وأعتقل الوطن؟)

من خلال قراءة مؤولة للنص تكرر الهمَّ والجوع والهروب، وستتكرر معه لحظة الانعتاق لكنَّها هذه المرة مكسورة الجناح، بعدما كانت الحلم، أتت مشوهة، فالاحتلال مع كل وعوده لم يسقِ بذرة الحرية، المطلب الذي كان يتقدم على ضرورات كثر، ليأتي الجرح غائرا هذه المرة عميقا، فالاحتلال عمّق جذور التسلط وجاء بثقافة الكراهية والفرقة، ليتذوق الشعب مرارة من نوع آخر، فالوطن تمَّ اعتقاله مجددا، وهذه إشارة واضحة قد تفتح الباب لممارسة فعل الهروب ثانية.

(في وطن النخيلْ

يحقُّ للمحتل أن يصادر الإرادة

ما دام أن التابع الذليلْ

ينوبُ عن كلّ الملايين التي تبحثُ

عن خلاصها من عَسَفِ الدخيلْ)

في النص بات التصريح بممارسة المحتل للقمع ومصادرة الإرادة أمراً واضحاً، ليعيد المحتل إنتاج معنى مرارة ممارسة السلطة التي سبقته وأن بدا تحت عنوان آخر، مرارة مازال طعمها للآن لم يفارق حلق الأمة، فالنخيل ذاته رمز الشموخ والإباء  يتعرض للإذلال ثانية بنفس الشخوص (ما دام أن التابع الذليلْ) التابع يتكرر حتى وان تغيرت وجوه القوى المسيطرة على الأرض، ما دمنا متفقين على من يحكم الوطن متمرس بأسلوب إقصائي قمعي، هو وجه من وجوه الاحتلال في نظر الشعب ، فما بالك لو أنَّه ناب عن الملايين بصوتهم وإرادتهم.

(غداً لنا ميعادْ

غداً لنا ميعادْ

مع الصباحات التي تُطرَّزُ البلادْ

بالخير والأمانِ...والرّشادْ)

 في النص نجد بشارة لموعد مع الغد، فالأمل معقود برجال الوطن الراشدين، أولئك الذين يحملون راية الخير والأمان نصب أعينهم، فالموعد الصبح مازال قائما والمكان الوطن البقاء الحقيقي لمعنى الوجود فلا موعد لمستقبل آت من دون وطن، وبهذا نرجو أننا توصلنا للاستحضار المعنوي للكمال من خلال مطابقة فهم النص بحسب رؤى الشاعر نفسه وما تمَّ إجراءه من تأويل للنصوص الشعرية آنفة الذكر، بكل ما تحمل من رمزية نفسية وتاريخية، وضعتنا أمام معترك حقيقي خاضته الأمة، قد تبدو بدايته نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثانية، لكننا نبتعد أكثر إلى نهاية الخمسينات، كتحديد لبداية الخراب، لما أبدته الماكنة العسكرية من دور فاعل في إعلاء كلمة السلطة القمعية وتحجيم دور المؤسسة المدنية.

 

رحيم زاير الغانم

..................

الاحالات

* فلسفة التأويل، هانس غيورغ غادامير، منشورات الاختلاف، الجزائر،ط2، 2006 ص126

* نقوش على جذع نخلة، يحيى السماوي، دار التكوين، دمشق، ط1، 2006

 

 

فاطمة واياوصدرت  رواية مروج جهنم للكاتب العراقي حازم كمال الدين عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بالأردن، صدرت الرواية في الحجم الصغير كما دأب الكاتب مع نصوصه الروائية السابقة، وهو أمر  يستقصده  الكاتب لأنه يؤمن بأن العلاقة بين النص السردي والمتلقي يجب أن لا تكون علاقة تعذيب وضجر.

في البدء كانت جهنم حيث تتكرر جهنم في العديد من السرديات العربية، ما الحمولة التي تحبل  بها هذه الكلمة لتكون عناوين موحدة لسرد الواقع المعاش حقيقة او متخيلا؟ ربما أن الواقع العربي لا يعادله في بشاعته سوى جهنم بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني التعذيب والقهر والخلود أيضا. تتقاطع جهنم في نص حازم كمال الدين مع مروج، وهي علاقة ملتبسة ومتناقضة، توحي بأن الرواية تذهب بعيدا في غرائبية الوصف لواقع اشد غرابة وشذوذا.

تستهل الرواية بالإعلان عن هدف الكاتب والنص معا والمتمثل في الخروج عن القوالب الجاهزة فنيا ومضمونا، فمنذ الاستهلال يعلن حازم كمال الدين عن مسلكه الوعر الجديد: "الصراط المستقيم نحو الحرية". إنه إعلان عن التحرر من كل أشكال القوالب الجاهزة بدءا بتقنيات الكتابة، وانتهاءا بالانفلات من الموت مرورا بهتك الأسرار الإيروتيكية للعلاقة الجنسية بين العقيد والبطلة.

من يطلع على بعض شذرات من حياة المسرحي والروائي العراقي حازم كمال الدين المقيم ببلجيكا، يتملكه شعور بأن سوادا وغموضا يلف حياته وإبداعاته  على حد سواء، فحازم كمال الدين يتقاطع مع المعري ودانتي في كل من رسالة الغفران والكوميديا الإلهية وهو ما لمسناه في أعمال كمال الدين الروائية السابقة –كبارهيت، ومياه متصحرة، غير أننا في مروج جهنم سنجد أنفسنا إزاء مسرح مغاير وأحداث مختلفة تدور هذه المرة حول فعل الولادة وليس الموت، والذي يمكن القول بأنه هنا  أيضا  أصبح رديفا للموت، هكذا يدفع الكاتب بفعلي الموت والولادة إلى قمة التراجيديا، بل إنه هنا يسائل فعل الوجود والعدم. وهي تيمة إبداعية يمكن القول أنها تغيب أو تظهر بشكل سريع وباهت في السرديات العربية، سواء منها السرديات النسائية أو الرجالية إن صح التعبير. وهي مشاهد توفق الروائي حازم كمال الدين في وصفها وسردها على لسان الراوية / البطلة داليا رشدي، بشكل مفصل ودقيق.

 مع ذلك يمكن ان نتساءل كيف استطاع الروائي حازم كمال الدين وعلى لسان البطلة داليا رشدي  أن يحكي بكل دقة عملية الولادة، ؟

الربط الذكي بين عملية الولادة وفعل القتل في الرواية، وكأنهما فعلان يفضيان لنفس المصير، إنهما نتاج الحرب المستعرة، ونتاج فانتازيا السياسة المتبعة.  سواء أراد الكاتب الحديث عن عراقه المفتقد بعد منفاه القسري، أو عن العالم القديم سنة 1833 فهو يحيلنا على أن الإنسانية رغم عقود من القضاء على عبودية الإنسان الأسود إلا أنها ما تزال تعاني من الرق هذه المرة متمثلا في نضال النكاح العقائدي كما جاء على لسان الراوية/ البطلة داليا رشدي.

فإذا كان الروائي حازم كمال الدين يستشرف المستقبل في رواية كباريهت والذي يحدده في سنة 2030 فإنه في نصه الجديد يفاجئنا في نهاية الرواية بتاريخ يعود بنا بعيدا في الماضي حتى سنة 1833، وهي تقنية تتماشى مع خطه الغرائبي ولكن الرمزي في نفس الآن. فلربما مازال الطريق طويلا أمام الإنساينة لتحقيق الحرية والعدالة.

لعل الروائي حازم كمال الدين يسائل على لسان داليا رشدي الراوية والبطلة واقع المجتمعات الذكورية حيث الرجل حاكما ومحكوما عبيد نرجسيته الجنسية وأهواءه الشاذة. هكذا يضعنا سرد مروج جهنم أمام مشاهد صراع ومعارك رملية وفراشية، تلتقي لتجعلنا أمام رواية رمزية بامتياز ساخرة من المعارك المفتعلة التي لا تبقي على شيء سوى الدمار. مثلما هي معارك العقيد على فراش البطلة التي لاتنتج ولادة بل سوى موتا مؤجلا.  هكذا تصبح الحروب مصيرا محتوما بفعل التمويه الإعلامي واللعب بعقول الشعب لتقبل ضراوة المعارك والخسائر البشرية والمادية.

مروج جهنم  نص يضعنا أما تقنيات عالية في الكتابة تلغي الحدود بين السرد الروائي والركح المسرحي  وفانتازيا الحكواتي، وهو أمر ليس بغريب عن كاتب هو بالأساس رجل مسرح يتقن جيدا تقنيات الإخراج المسرحي. فحازم كمال الدين يشتغل على تقنيات المسرح منذ أكثر من ثلاثين سنة حيث حاز جوائز هامة تشهد له بمستواه الرفيع في مجال المسرح على المستوى العالمي.

استخدم الكاتب أيضا تقنية التناص وهي تقنية تستدعي نصا يتميز بكونه كما تقول الناقدة جوليا كريستيفا: " فضاء متداخل نصيا، وانه مجال لتداخل عدة شفرات، تجد نفسها في علاقة متبادلة وامتصاص لنصوص متعددة ومن تم هدمها"1. وهو ما يتراءى لنا في  رواية مروج جهنم حيث ما فتئت تتكرر عملية التناص عبر مقاطع هامة من نص الرواية، خاصة ما تعلق منها باقتباس من القرآن،  فالنص الماثل أمامنا ما هو إلا نتاج لتداخل نصوص عديدة في ذاكرة الراوية / البطلة .داليا رشدي، وهو ما يوحي بعبقرية خفية استطاع من خلالها الروائي حازم كمال الدين أن يوظف عملية التناص في حبكته الروائية. فهو يستدعي في مقاطع عديدة تعابير قرآنية: "أثناء ذلك رمت الطائرات متراسا بحجارة من سجيل فأحالته عصفا مأكولا وحلقت من جديد بمحاذاة سقف الغرفة"2 .

تختزن ذاكرة حازم كمال الدين صورا متعددة عن الحروب والدمار والقتل والإغتصابات السياسية والجسدية والفكرية التي عانى وما يزال يعاني منها العراق وطن الكاتب المختزن بالذاكرة حيث يعيش منفاه الاضطراري منذ أكثر من ثلاثين سنة. وفي روايته مروج جهنم يتراء لنا هذا الواقع المؤلم بشكل غرائبي وفانتازي من خلال وصف عملية الولادة وما يتبعها من وأد للفتيات المولودات حديثا وهي رمزية عالية من الروائي توحي بأن الثورات تجهض في مهدها. وفي المقابل يدفع العقيد وجنوده بالأطفال الذكور إلى جبهات القتال منذ ولادتهم. وأد المولودات يوحي أيضا إلى أن واقع حقوق المرأة العربية مجهضة منذ انبثاقها، فهي ما تزال تحت رحمة العقلية الذكورية في شتى المجالات الأدبية، الفكرية والاجتماعية والسياسية بل والوجودية أيضا.

ولعل اعتماد الروائي على الحكي على لسان السارد الأنثوي ينم على مجاراة ما أصبح يعرف بالكتابة الأنثوية أو رد الاعتبار لأول ساردة في التاريخ الأدبي النسائي شهرزاد، وهو أيضا التفاتة ذكية من الكاتب لرد الاعتبار للسرد الأنثوي ضمن السرديات العربية.  هكذا يصر الروائي حازم كمال الدين على منح داليا رشدي في كباريهت وداليا رشدي في مروج جهنم، صوتا مسموعا ومحوريا في السردين انسجاما مع رؤيته المستقبلية التي ربما تأتي بمستقبل مغاير على يد المرأة.

من التيمات الجديدة التي وظفها الكاتب حازم كمال الدين كما هو دأبه  البحث عن التقنيات الجديدة والمواضيع الآنية، يتعلق الأمر بظاهرة جهاد النكاح حيث تضعنا الرواية وعلى لسان البطلة والراوية داليا رشدي.

في مروج جهنم ينفتح النص على أحداث غرائبية ويطرح أسئلة تستعصي على كل الإجابات الممكنة والمستحيلة، فالكاتب لا يرنو إلى البحث عن الحلول والتفسيرات الجاهزة، بل يروم إشراك القارئ في عملية الحكي من خلال إعمال فكره من اجل البدائل الممكنة لأنها ليست من مهام المبدع الكاتب.

مروج جهنم أخيرا هو نص غني بإشارات ذكية لكل ما يمت للواقع المعاش في القرن 21 رغم تمويه من الكاتب في نهاية النص بذكر سنة 1833 ، فإضافة لجهاد النكاح، هناك النفاق السياسي المستشري في العديد من الأنظمة الديكتاتورية:" "كلمة الاشتراكي" العقائدية اخترت لها هذا المعنى: " دحرج كذبة صغيرة وكررها حتى يصدقها الناس""  . فإذا كان حازم كمال الدين في روايته كباريهت قد كفر بالشرق والغرب معا باعتبارهما وجهان لعملة واحدة ألا وهي الاستبداد، فإنه هنا وعلى لسان الراوية داليا رشدي يدين الواقع المعاش ويحيلنا بأنه لا يختلف عن واقع العبودية في زمن مضى ولم ينته  رغم صدور  قانون يمنع الرق في ابريطانيا  سنة 1833.

 

د. فاطمة واياو

ادنبرة 10 فبراير 2019

........................

  علم النص جوليا كريستيفا، ترجمة فريد الزاهي دار تبقال / المغرب 1991 ص 78 ، 79

  حازم كمال الدين رواية مروج جهنم، ص 55

 

 

 

 

رحيم زاير الغانمحين يشرع القارئ في تأويل نص ما، فأن عليه الكشف عن شفرات في العالم/ النص الحقيقي، ليتمكن من تفسيره، فلا نص خيالي من دون نص حقيقي، يضاهيه في الأهمية ويزيد عليه في سعة الدلالة على اعتبار ان النصين يسبحان في فلك الخيال والطبيعة، وما من نص خيالي بلا شفرات يمكن للقارئ ملاحقتها كي يصل إلى تأويل للمعنى، وإلا كيف يمكننا من إنتاج معنى جديد، يحاكي الواقع، وهذا لا يمنع من ان (يكون النص عالما مفتوحا حين يستطيع المؤول اكتشاف ما لا يحصى من الترابطات) بحسب امبرتو ايكو/ (التأويل والتأويل المفرط)، وقد يذهب الكثيرون من إمكانية اقتناص المعنى، متخذين من الإفراط في تأويل النص ذريعة من تحقيق الفهم المطابق للمعنى الذي أراده الناص، وقد ينشغل البعض كثيرا في قراءة النص  كي يصل إلى تأويل ما، وقد يصطدم  ان ليس هناك تأويلا نهائيا مادامت السطور تشي بالكثير من التأويلات، فمن يدرك ما جاشت به الصدور، ولم تحقق ما ذهبت إليه، فالشاعر قد يشرع بإنشاء نص، بحسب ثيمة اعد لها العدة لكن في لحظات الإبداع الشعري تنحرف بوصلته الخيال إلى إنشاء نص مغاير لما أراد، فما بالك بتأويل القارئ، هل يمكنه أدراك تأثير هكذا تعرجات وزحافات الثيم لصالح أخرى، لذا من الضروري الإقبال على النص الشعري من دون حكم قبلي، متخذين من الشفرات والعلامات الدالة في العالم الحقيقي متكأ، من اجل إنتاج معنى يتطابق إلى حد كبير مع المعنى الذي قصده الباث، لذا سنعمد في هذه الدراسة المقتضبة إلى تناول مجموعة الشاعر عمر السراي( دراجة هوائية)، في ضوء ثيمة السواد وما ينتج عنها من رفض وإدانة لواقع معاش، وفي هذا فرز حقيقي للقسوة التي يفرضها العالم على النص.

(تعالي.. لأكتب لك على السبورة حكمة اليوم بالطباشير.. أجل..

بالطباشير فهو آخر ما تبقى من حلم زمن أبيض..)

ان تأويل النص الشعري لا يتحقق إلا  بالوصول إلى فك شفرات تنتمي إلى العالم الكبير على اعتبار ان النص الشعري هو العالم الصغير، إذا اعتبرنا ان النص (يتأسس على تشخيص علاقات التعاطف التي تصل الكون الصغير بالكون الكبير) ايكو، هذا من جانب ومن جانب آخر، يجب على القارئ ان ينفذ لفهم المعنى الذي قصده الشاعر وان قصرت الرؤية عن الوصول إليه تذهب إلى إنتاج معنى جديد فالنص الشعري وعبر سطوره يشي بتأويلات لا حصر لها، وهذا بالضبط ما نجده في المقطع الانف، إذ نلمح ترابط النص بالعالم عبر الكتابة والقراءة فالنص عالم صغير مكتوب ومقروء والعالم الحقيقي كذلك، عبر أحداثه المختلفة، الأحداث السوداء التي أغلقت آفاق المعرفة والتفاؤل والأمل، حتى ضاق بنا الأفق  لنركن إلى بياض الطباشير، قبالة كل هذا السواد الذي اتسخت به أيامنا، يا ترى ماذا سنكتب، غير كلمات تُمسح في الدرس القادم بعد أول فرصة للراحة من هذا العناء، وان أتى الدرس الذي يليه هل نكتب عن واقعنا درسا ابيض؟، أو لنقل دروسا بيضاء، هل تفي لمواجهة سواد عالم حالك؟!

(مدينتنا. . التي يوِّزع فيها وكيل التموين كل شهر طمغةً سوداء

على جبهات رجالها.. /مدينتا.. التي تقطع الشارع كل وفاة أحدهم.. وكل موكب ..

/أو حسب المزاج.. )

لا نحتاج إلى الإفراط في التأويل مادام قد تحقق لنا كشفا للمعنى الذي ذهب إليه النص، والذي قد ينتج عنه تطابقا بين المعنيين، إلا انه سينتج معان عدة، فالنص لا يقف عند معنى ما، وما ثيمة السواد، الطاغية على المدينة إلا علامة دالة على الجوع والحزن والكمد مثل وكيل التمويل، إيقونة الشبع المتخيل، الذي لايرعوي عن ترك بصمة السواد التي لا تفارق جبهات الرجال (طمغة سوداء)، وشوارع سوداء كذلك، فهي لا تفتح يوما إلا وتقطع لأيام عدة،  لكثرة النافقين من الجوع، ولا خلاف على المواكب المرفهة التي تواصل تقطيع أوصال المدينة أو حسب المزاج وفي هذا تكريس للسخط الذي يقف أمامه الشاعر موقف الرفض والإدانة لواقع مرير، واقع المدينة والإنسان في أيامنا وفي هذا الالتصاق بالواقع، كشف لقسوة عالمنا الكبير، إذ لم يبالغ العالم الصغير/ النص/ المدون، فهو مرآة عاكسة للواقع المرّ.

(بأني وان صليت خمسا../ سأحافظ على تقليدي الأوسط../ بأن أئدك متى ما أشاء../ فلا تسألي../ بأي ذنب قتلت..!)

على القارئ إلا يعتمد قراءة أولى وثانية فحسب بل يجب ان يحسن قراءة النص الزاخر بالمعنى، فهكذا نصوص تحقق له حسن الوقوف على الكلم الدال، فكلما أعاد القراءة كلما اثري بالفهم، ولا يتحقق له ذلك، ما لم يوسع أفق التوقع ليتم له كشف الترابطات العظيمة بين النص والعالم (ومن يدعي اكتشاف المعنى المزعوم يكون على يقين من أنه ليس المعنى الحقيقي حيث يكون ذلك الأخير هو الأبعد) ايكو، في قراءة فاحصة للنص، نجد الموقف من حكم ألما قبل حاضرا وبقوة بعدما كان اليقين بأنه ولى لغير رجعة في كسر لجمود التوقع، نعم هو إنتاج لمعنى جديد أسس بأثر جاهلي، أنتج لنا سوادا بأثر فكري رسخته عادات و تقاليد متأصلة في البنية المجتمعية، وما شعارات حقوق الإنسان التي صدّعت رأس العالم، إلا مواء قط صغير، لم يرتقِ إلى مستوى الافتراس الحاصل عبر سواد التجهيل، وفي هذا إدانة ورفض جليين للواقع المعاش.

 

رحيم زاير الغانم

 

685 حسين السكاففي “المصهر” الخاص بوزارة الثقافة، في بلدٍ لم يعلن عنه الكاتب صراحة، تمّت صناعة التمثال الزائف، بخليط من إكسسوارات رمزية، من بقايا آثار عدد كبير من ضحايا الجريمة المنظمة، يتم سكب المواد التي جرى صهرها على المجسم الطيني للتمثال المنشود، ليصنع التمثال الحقيقي- الزائف، للرجل الذي نفّذ أبشع عمليات القتل، بأسلحة وأدوات مختلفة. وبعد ذلك يُقام احتفال مهيب أمام أهمّ المباني الحكومية في العاصمة، لتثبيت التمثال، بعد أن يقوم رئيس الجمهورية شخصيًا برفع الستار عنه، الذي يعود للبطل “مرهون عيسى الصاحب” الذي قام، حسب الرواية الرسمية للسلطة، بالتضحية بحياته، ليفدي بها أرواح عشرات الأطفال من “إرهابيّ” كان يستعد لتفجير نفسه، وسط حشد من الأطفال لحظة خروجهم من المدرسة، وهي رواية ملفقة لأن “مرهون” صانع الجرائم، وصاحب التمثال، رحل إلى بلد أوروبي مجهول، متمتعًا بثروات هائلة في البنوك العالمية.

في روايته "وجوه لتمثال زائف" يأخذنا الروائي العراقي حسين السكاف، في السرد الذي أتى على أحداث دراماتيكية، لبلدٍ حولته التطورات السياسية إلى خراب، ليس للعمران فحسب، بل للنفوس أيضًا؛ ليطلعنا، بسرد مخطط له بجدارة فنية عالية، على كيفية إنتاج الجريمة في بلدٍ طاوله الخراب العميم. فالشخصية الرئيسية للرواية واحدة من تلك النماذج الآدمية التي غمرها الخراب الاجتماعي والنفسي، فأصبحت حياتها رهنًا لشبكة سرية معقدة ومخيفة، تخطط وتأمر بالقتل والتفجير والاختطاف. واسم “مرهون” تتكثف فيه الدلالات العميقة لآليات إنتاج البشر كأدوات، مرتهنة بيد السلطة، يستخدمونها كيف يشاؤون.

ترك المؤلف الفضاء المكاني للأحداث الروائية، البلد-الدولة، أسماء المدن، واسم عاصمة البلد، دون تحديد معلن ومباشر، وهذا ما يجعل قارئ الرواية يتخيل مقاربة أخرى للمكان الذي جرت فيه الكوارث والجرائم الوحشية. فهناك أكثر من بلد عربي تعرض للدمار والخراب، ومعهما التضليل والكذب، الذي تمارسه السلطات المسؤولة، لإخفاء الفاعل الحقيقي وراء الجريمة والكارثة.

في سرده للأحداث، نجح السكاف في تفكيك بنية الجريمة السياسية، ومكامن رجالاتها الحقيقيين الذين استسهلوا إخفاء ارتكاباتهم الوحشية المروعة، بإلقاء المسؤولية عنها، دائمًا، على ما يُدعى “الإرهاب” والمنظمات “الإرهابية”، ليكتشف القارئ أن المصدر الأول والأخطر للجرائم الإرهابية، على اختلاف أساليبها وأدواتها، يوجد هناك: حيث يختبئ “الكبار” خلف صفاتهم الرسمية ومراتبهم العسكرية والأمنية العليا.

لم يصعد هؤلاء الكبار إلى رتبهم “العسكرية العليا” بشكل طبيعي، ووفق أنظمة أو قوانين تعتمدها جيوش الدول. فهذا يصبح لواءً وذاك عقيدًا، ليكونا أداة طيعة بيد صاحب القرار، ومؤهلاتهم هي الاستعداد لتنفيذ الجرائم التي يكلفهم بها صاحب القرار في “الدولة العميقة”. فـ مرهون نفسه، الذي “أبدع” في دقة تنفيذ عدد كبير من عمليات الاغتيال والتفجير والاختطاف، وقع بين مخالب عصابة “الدولة العميقة” مقابل الحفاظ على حياته، وذلك بتبرئته من عدد من السرقات وعمليات القتل، الثابتة عليه، ليصبح قاتلًا ناجحًا وبارعًا، بوظيفة ضابط برتبة لواء، يعمل خلف ستار مؤسسة رسمية، لا علاقة لها بالجيش ومراتبه المتسلسلة.

المفارقة التي تُطلعنا عليها الرواية أن يطلق على الجهة التي تُدار خلف ستارها عمليات الإرهاب، اسم: “المؤسسة العامة للثقافة والنشر”، ولا علاقة لها على الإطلاق بوزارة الثقافة، ولم تقدم أي إنتاج ثقافي، ومديرها المباشر هو “مرهون”، أما تابعيتها السرية فتعود لوكيل وزارة الداخلية، لكنه أهم من وزير الداخلية، الذي لم نرَ له أي دور في أحداث الرواية.

شبكة معقدة ومترابطة، من دون أن يعرف العاملون بإمرة الكبار فيها شيئًا عن حقيقتها، فقط مرهون هو الذي يعرف أسرار تلك الشبكة، ورجالاتها، فتحت إمرتها أطباء ينفذون عمليات الاتجار بأعضاء جثث الضحايا، بعد قتلهم بالسم أو بالرصاص أو بعبوة ناسفة. وتحت تصرفه خلايا متعددة تنفذ الأوامر بالقتل والتفجير، وتعمل كل على حدة، يربط كل واحدة منها خيط سري دقيق مع مرهون ومعاونيه. وفوق كل ذلك، ينجح مرهون، بعد أخذ موافقة “الوكيل- الوزير”، بشراء ورشات تقوم بتحضير السيارات المفخخة، وتحويلها، مع عدد من العاملين فيها، إلى أدوات بيده، وبإشراف مرهون “البطل الإرهابي” الذي يتمتع بذكاء خارق في تنفيذ مخططات الاغتيال والقتل والتفخيخ والتفجير. أما الورشات التي فشلوا في شرائها، لتعمل لحسابهم، فقد قاموا بتدميرها والقضاء عليها.

بعد كل تفجير أو جريمة قتل، كما هي حالة الشبكات السرية في “الدولة العميقة”، تقوم المؤسسة الإعلامية الرسمية بإذاعة الخبر وشجبه وإدانة مرتكبيه، وإلقاء المسؤولية فيه على “الجماعات الإرهابية”، مع نعي للضحايا، ومشاركة مسؤولين في الدولة في عملية تشييعهم.

وأظن أن كل قارئ للرواية، وهو يتنقل بين صفحاتها المزدحمة بالأحداث الرهيبة، يحيل أحداثها إلى ما تعرضت له سورية خلال الثماني سنوات الماضية، ذات الأحداث وبأدوات متشابهة ونتائج واحدة، تعرضت لها الجغرافيا السورية، فكانت أبشع عمليات البطش والإرهاب، ومن داخل “الدولة العميقة” تدار ويخطط لها. ولا يغير من هذا الاستنتاج بعض الإشارات داخل الرواية، إلى أن الفضاء المكاني الواسع للرواية –البلد- الدولة، هو العراق بعد 2003، إثر سقوط سلطة الدكتاتور.

في هذه الرواية يعمد المؤلف إلى تحرير القارئ من أوهامه، كما هي العادة التي تؤسسها الدعايات الاستخبارية، بإبقاء شخصية “الرئيس” بمنأى عن أي اتهام في الارتكابات والجرائم التي تجري في البلاد، فيقدم لنا “الرئيس” شخصيًا في قفص الاتهام، وبإدانة موصوفة. فهو “الرئيس” يطلب من “الوكيل- الوزير” رجلًا موثوقًا وجديرًا لعمل ما لمصلحته شخصيًا، ويتم ترشيح “مرهون” لذلك العمل، الذي هو اغتيال صديق قديم للرئيس، يقوم بكتابة مذكراته، وإحضار تلك المذكرات ليد الرئيس شخصيًا، وينفذ مرهون عملية القتل بنجاح، ويستولي على المذكرات ويرسلها إلى الرئيس، بعد أن يمحي أي أثر لها في جهاز الكمبيوتر الخاص بالضحية، وينضد على الكمبيوتر الخاص بالضحية بيان انتحار الضحية، وتعلنه الجهات الرسمية. الضحية الهدف التي أمر بقتلها الرئيس، يصفها مرهون بالصدق والوعي والبحث عن الحقيقة.

على الرغم من التوتر الذي يصيب القارئ من فظاعة الأحداث الدراماتيكية، المؤلمة والقاسية، فإن الكاتب استطاع، بتماسك السرد في الرواية، أن ينتزع رغبة القارئ في المتابعة، مدفوعًا بفضول معرفة الحقائق الكاملة لعالم الرواية الصاخب والمؤثر، وبعد الانتهاء منها سيجد نفسه مضطرًا إلى إعادة النظر في الأحداث العملية الواقعية التي جرت وتجري في البلاد. وربما يعيد النظر في المتهمين، ليكتشف الفاعلين الحقيقيين للفظائع الوحشية التي أغرقت البلاد بالدم والخراب.

 

بقلم: مصطفى الولي – كاتب وناقد فلسطيني مقيم في ألمانيا

 

رحيم زاير الغانممجموعة جدارية النهرين أنموذجا.. مقاربة تأويلية

يُؤسس شلايرماخر الهيرمينوطيقا على قاعدة أخرى مناقضة للأولى : أننا (لا نفهم أي شيء ما دمنا لم نمسك بمعناه أو لم ندرك أهميته بعد. وحسب القاعدة الثانية فأن التأويل يغدو مهمة غير منتهية)*، لذا يجب إدراك أنَّ فهم النص الشعري لا يقف عند معنى محدد بل هو مفتوح على عديد التأويلات، وهذا يتجلى بحسب فهم المؤول، ففي التأويل يخضع النص الشعري لقراءة واعية يوجهها الفهم وصولا  لتطابق الرؤى ما بين القارئ والمؤلف ومعطيات النص ذاته، لذا يجدر بنا وضع المجس النقدي على النص الإبداعي، اخذين بنظر الاعتبار ما اكتنفه من تأثيرات خارجية أو داخلية أحاطت بالمبدع، فلا خوض في التجربة الشعرية لشاعر ما من دون التنبه إلى تلك التأثيرات التي تشكل بمجملها مع الموهبة الشعرية نصا إبداعيا، معتمدين (مبدأ سوء الفهم) أي تجنب الأحكام القبلية التي يتم إطلاقها على النص الشعري ابتداءً، مهما كان نوعها والجدير بنا محاكمة النص نفسه، لذا يعدُّ سوء الفهم هو الواعز الحقيقي للوصول إلى  فهم النص وصولا للمعنى الذي أراده الشاعر، فهما في محايثة دائمة، وأن حدث وتجلّى كشفا جديدا للمعنى فلا ضير لو تم تبديل الحكم القبلي الذي سبقه، متداركين الترهل الذي قد يلقيه التفسير الحرفي، الذي قد يقصي بدوره  الكثير من المعطيات عن دائرة الفهم للنص، لكي لا يُلقي بضلاله على إيهام المتلقي/البسيط، فمن المفيد أن نجرد النص من الرموز التي يحدثها النقل الحرفي للنص الشعري، عبر فكِّ هذه الرموز وتخليصه مما قد يعلق في ذهنه لكي لا يحول بينه وبين الفهم الحقيقي، وهذه مهمة القارئ الخبير، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن التأويل وحسب شلايرماخر مهمة غير منتهية، وهذا مثار خلاف بيِّن مع دريدا/ التفكيكية، الذي لايسع المجال للخوض فيه، لذا سيتم تناول مجموعة (جدارية النهرين)* للشاعر كاظم الحجاج، بحسب ما سبق من الرؤى، مشددين على المعطى الدلالي لثيمتي الحرب والموت، وما يتشظى عنهما من ثيم،  كاشفين عن تقلب صورتيهما في اغتيال الحياة سواء أكان من خلال آلة الموت/الحرب أو التسلط/ الإقصاء.

لكي تعرف المدينة، أنظرْ في وجهيها معاً، وجهها

الذي كانَ، ووجهها الآن. وأنت لن تعرف المدينة إلا

من أهلها: زوجتي وأنا!. ص221

من خلال نظرة متأملة للنص، قد يبدو التأويل مهمة غير منتهية ولذا يجب علينا إيجاد تأويلا/ فهما، مطابقا لما ذهب إليه النص والمؤلف في آن واحد، فالنص يشي بانفتاح على المعني/ المواطن/ المنتمي وغير المعني/ الوافد/ الغريب على حدٍ سواء، وعلى تقلبات المدينة من خلال تعرضها للتغيير الذي لم ينصب في صالحها بحسب معطى التغيير، فالمدينة وقعت تحت طائلين، الأول: التغيير البشري/ الديمغرافي، والثاني تقدمها بالسن، فكل ما حول الرائي في هرم، فالموت، لما يبدو عليه أهلها(زوجتي وأنا)، وهذا بحد ذاته علامة شاخصة لشيخوخة المدينة، فلن ترفدَنا بمواليد لتديم الحياة، أو على أقل تقدير هي في انحسار فالمدينة في إجهاض مستمر، وبهذا تترك فرصة لاستحواذ الآخر/ غير المنتمي، مع عجزها التام للمبادرة لِتُحيل دون تقويضها، وهذا بحد ذاته انعكاس حقيقي لما تشهده المدن في وقتنا الحاضر، والأمر شائع حتى أنَّ يده طالت كبريات المدن .

أتركوا توبة الناس للناس، لا تقتلوا الخاطئين!

كانت (رابعة العدوية) راقصةً... أو أكثر!

لكنْ: لم يقتلها أحدٌ، حتى امتد بها العمرُ.

فصارت.. (عذراء البصرة!).. ص222

أنَّ الخوض في هذا النص الشعري، يفرض علينا ترك مساحة واسعة للتدبر وإبداء الاستغراق العالي لفهم مقاصده النبيلة، مستفيدين من جملة المعطيات التي تم بثها، لما فيه من الدعوة للتسامح وفسح المجال للآخر، من أجل استثمار فرص التلاقي، فالجميع يعيش في كنف المدينة / الوطن، إذا هي دعوة لتجنب القتل الغير مبرر، الذي جلب تدهور وانحطاط المدن/ الأوطان، وهذه دلالة واضحة عن الذي ملك مفاتيح اللعبة ولم يدحرج كرة المحبة في ملعبها الفسيح، وما افرزه من تسلط عقول بليدة لا تميز بين ماهية الخلق أو حكمة السماء، فنحن لا نسكن في مدن فاضلة، أو تحت حكم رشيد، أو على أقل تقدير نحن لسنا في مدينة/ وطن، تتمتع بمزاج وتوجه فكري بلون واحد، كي يُقصى الآخر أو تعلق له أعواد المشانق/ الموت، على عجالة، كإطلاق الأحكام جزافا، فرابعة العدوية كانت راقصة، وقيل عنها الكثير، ( لكنْ: لم يقتلها أحدٌ، حتى امتد بها العمرُ)، فالحياة أم واهبة صبورة تهبُ الكثير، ولا تسترد عطاياها جملة واحدة، تتحلى بالصفح لمن خرق المألوف من شرائعها، حبلُها طويل، لكنَّها لم تشده يوما، ولم تُرخيه ليتوتر على رقاب أبنائها الطرية.

قد ينطفئ العراقيون هنا يوماً:

في سومرَ وبابلَ وآشورَ و..البصرة..

وقد لا يجدون مصباح (أديسون).

لكنَنهم يُضيئون، مثل الشمسِ، هناك..في المنافي! ص236

لا يمكننا فهم النص الشعري ما لم نمسك بالمعنى، ولذا نجد أنفسنا مُلزمين على تأمل النص وهو يفتح نافذة على تنوع السكان القاطنين في الوطن، فالتنوع يشمل المدن جميعها، لكن هذا التنوع لم يشفع لوحدة أبنائه، فلم يبصرْ نور عقولهم، ولو بمصباح، فالغرباء ظلاميون طاردون  للنور بامتياز، أنَّ الإقصاء الأعمى الذي حال والبصيرة أهدر الطاقات، فالانطفاء للعراقيين، وأن حقق هدفه في إفشاء  ثقافة القنوط/ الكسل، لكنه يبدو سمة وقتية يتحقق زوالها، بتحقق المنافي/ البيئة الآمنة للإبداع بشتى أنواعه عموما، والإبداعي العلمي النوعي خاصة، وهذا بحد ذاته أزمة، فالمنافي هنا حققت موت الوطن، في مقابل إنارة العقول بوطن بديل.

ليست الجسور معابرنا فوق الأنهارِ

أقولُ لأولادي القناطر والجسورُ كرامةُ الماء،

كي لا تدوسَهُ الأرجل! ص238

من خلال معطيات النص الشعري نجد لزاما علينا الكشف عن مكنوناته العميقة، ويتحققُ ذلك بالقراءة الفاحصة، من أجل الولوج إلى معناه وصولا للفهم الحقيقي لرؤى الشاعر التي تمَّ بثها فيه، وهذا يأتي من القدسية التي أحيطت بالنص، فالمدينة التي قد تعرضت للتقويض من جهة، والأبناء الذين علقُوا في هامشها من جهة أخرى، مازال يُضفى عليها قداسة من نوع خاص، قداسة الماء، رمز النماء والطهر والتجدد والأمل، فهو المعول عليه، لذا يكون حريّاً بأبنائه الحؤول دون تدنيسه، من الأرجل التي أريد لها إلا تدوس/ تدنس الماء، وهي طرف فاعل ضمن منظومة المُستبيح الذي علَّقت يده أعواد المشانق/ الموت، أما أرجل الأبناء هي أطراف من صنع الماء ذاته/ الامتداد الطبيعي لتتمة دورة الحياة، منه ارتوت ومنه تدبُّ فيها الحياة، فلا حراجة ان يُلامس الماءَ بعضُهُ بعضاً .

أرض السواد:

الأمهات على السواتر، ينتظرنَ إجازة الأبناء،

من يأتي .. ومن (يُؤتى به!)

أرضُ السواد.

في الحروب: الجنين تكيفه الأم خوفا عليه،

ليخرج.. أنثى! ص240

أن إخضاع النص الشعري لقراءة فاحصة، يُعدّ من ضرورات الفهم الذي يوصلنا إلى ادراك المعنى الذي أنشئ لأجله النص الشعري، فالقصدية حاضرة من خلال قصدية  المؤلف و النص ذاته في وقت واحد، لذا يتوجب على القارئ الخبير فهم المعنى المراد تأويله، أنَّ فرز معطى انقراض النوع، وهذا يبدو جليا من خلال ثيمتي (الحرب/ السواتر) و (الخوف/ الموت)، نجد انحراف المعطى الدلالي لبنية، (أرض السواد)، من كونها معطى متعين إلى انحراف دلالتها، لتشكل معطى غير متعين، فلم نجد دلالة الوفرة و فيوض الخيرات، بل انصرفت إلى دلالة اللون الأسود تحديدا، دلالة الشؤم المشوب بالفناء/ الموت، للموجودات، -وكما نعلم أنَّ ارض السواد سمة لخيرات أرض العراق ممثلة بكثافة حقولها وبساتينها، التي كانت ممتدة من البصرة إلى بغداد، إلا إننا نجدها اليوم لا ترتقي إلى أكثر من كونها أرضا للسواتر، وترقب لأنباء الموت وانقراض النوع، فالأمهات تحرص على تكييف الذكور من أبنائها وهي أجنة لكي يخرج المولود أنثى، وهذا بحد ذاته خسران مجاني يهبه الخوف/ الموت/ الحرب للآخر بقسميه في تشاكل مريب، الغرباء/ غير المنتمين، والأعداء/ المحتلين.

رغم أنف السواد:

تغسلُ الفاتنات الخدودْ

كي يصيرَ الصباح نظيفاً..

والعمر قصيرٌ.. ص243

أن نظرة للنص الشعري تفتح افقأ لفهم واعٍ للفجيعة التي حلَّت على الرؤوس وان بدا  التحدي بيّن لإدانة الحرب، وما التفريط بطرف فاعل للديمومة/الذكر إلا دليل جلي لذلك (رغم أنف السواد:/ تغسلُ الفاتنات الخدودْ)، فالموت والنكبات; سواد قابع على الأرض/ المباني والبشر/ الزَّي، فالسواد/ الموت،حقيقة ماثلة لا تقبل الشك، ونهاية حتمية، لقصر العمر الذي يعدُّ علامة الشروع لختام، أريد له أن يكون نظيفاً نوعا ما، في إحكام لقبضة السواد/ الموت الذي طال بأذرعه المدن/ الوطن، وفي هذا توافق للموت الذي يعدُّ هنا مجانيا هذه المرة، فالمدن/ الوطن خالية من الذكور والإناث/ الفاتنات، بعمرٍ قصير، وبهذا يضحى الوطنُ خالياً تماما من عناصر الديمومة والبقاء وما استهداف النوع البشري بجنسيه إلا علامة شاخصة لذلك الاستهداف.

في الحروب بأرض السوادْ:

تدفن الأمهاتُ بنينهنَّ

والجدُّ يرثي الحفيد. ص243

أنَّ القراءة المتأملة والفاحصة للنص الشعري تكشف لنا الفهم الحقيقي للمعنى الذي تم بثَّه من خلال ُبنى متجاورة بنية (الحرب/ السواد/ الموت، وبنية (الرثاء/ الفقد)، اللواتي أهلنَ المدن/ الوطن، إلى النهاية الحتمية له وللقاطنين في هذه المدن/ الوطن، فالحرب جعلت من المدن ساحة  مفتوحة للموت، بلاعبينَ لا يعيرون لها أي اعتبار أصول/ انتماء/ تاريخي، أو كوجود/ حاضر، فالأول غريب-وهنا يتجسد شعوره بالغربة فيها، لعدم إدراكه ماهية المدن- فهو صاحب مشروع التغيير الديمغرافي، والثاني، عدو/ محتل غاشم، والحرب هذه المرة كانت سخية كعادتها فلم تترك من البشر الأحياء إلا أمَّاً ثكلى أو جَدا يرثي الحفيد، والشبيبة تحت الثرى، ليأتي معطى موت البنين هنا متجاورا مع معطى قصر عمر الفاتنات، في نص سبق ذكره في ص243، (والعمر قصيرٌ..)، في إطباق كامل على صفحة الحياة تحت ظلّ الحرب الدائرة في المدن غير مكترثة لما مما تحمله هذه المدن من قدسية ساكنيها، أو قدسية الفاعلية والإقبال على الحياة.

لا مجد للخفاش إلا في الظلام

والنوارس تخسرُ ألوانها

إذ تَحوّم  حول الشراع ص244

ان للنص إستراتيجيته الخاصة به في الكشف عن مضامين ومعطيات عدة، فالنص يوجه خطابه للغرباء/ الهوامش، الذين طرأوا في غفلة من الزمن على المدينة/ الوطن، عندما صارت تشتكي العتمة- البيئة المناسبة لممارسة رغباتهم المريضة-، وما دلالة حوم النوارس حول الأشرعة إلا دلالة واضحة لهجرة الأبناء الأصليين من مدنهم/ الأوطان، وهي فرصة سانحة للاستحواذ عليها وضمها في أتون الظلمة/السواد، لأجل ممارسة الفعل الاقصائي، وما خسارة النوارس لألوانها إلا إشارة دالة على تغيير ملامح نقاء المدن وشفافيتها ونضارتها، فالنوارس كما المدن، في مركب الخسران/ النأي، بدلالة حوم النوارس/ الأبناء، حول الشراع/ المنفى  .

نحنُ لم نشتكِ البرد والحرّا

نحن لم ندخل الحربَ بعدُ

ولسنا الذين هُزمنا.. الخليفة فرّا! ص245

أن اعتماد القراءة الواعية لاشتغال النص الشعري تجعلنا في مرحلة فهم المعنى من خلال العمل ( بمبدأ سوء الفهم) وهذا ما جرى العمل به مع النصوص السالفة، فهو قطعا ليس محايدة النص وإنما تجنب الحكم القبلي مع الانحياز الدائم لرأي القارئ، في معادلة محكمة لتجنب الوقوع في اللبس، من خلال الوقوف على مدركات الوهن بين المدينة/ الوطن، والأبناء/ المنفيون، وهنا في هذا النص الأخير تحديدا نجد البون بدا شاسعا، فوشائج الانتماء قد أفلت واضمحلت، إلى الحد الذي أحدث شرخا في صف الانتماء/ المواطنة، حتى من أبنائها الأصليين، فالمدن التي احتلت من الغرباء وصار مقاليد حكمها بأيديهم، وما ما مورس في حقِّهم من إقصاء، حال دون تواصل الأبناء/ المواطنين معها، وحال كذلك دون رؤية الخطر الداهم، لذا نجد عدم الدخول باتون الحرب إشارة واضحة لفكِّ عَقْدِ الانتماء، (نحن لم ندخل الحربَ بعدُ)، وهذا خير دليل على التوجه الجديد الذي أنتجه الشعور بالإقصاء/ العزل، حتى في مواجهة الفناء/ الموت الذي يترتب على الموقف،  كما يمكننا عّده إدانة صريحة للسلطة، متماهيا مع ما سبق من إدانة للحرب، ان إلقاء تهمة الانهزام تقع على عاتق الآخر/ الخليفة / المهيمن، علما أن المهيمن قد يُخوّن من غادر السواتر، إلى المنافي، وقد يأتي المنفي/ المهمش، مُحملا بأفكار غير متوقعة هذه المرة، وكأن الحرب تقع على أرض لا تمت للسكان الأصليين بصلة، أهل المدن/ الوطن، (ولسنا الذين هُزمنا.. الخليفة فرّا! )، أعلنوا الهزيمة هكذا في غفلةٍ عما يدور على ارض الواقع، غير مكترثين عن كون الجميع في مركب الخسران، أنْ استمر هذا الحال، شاءوا أم أبوا.

 

رحيم زاير الغانم

........................

الهوامش:

* من فلسفات التأويل إلى نظريات القراءة، عبد الكريم شرفي منشورات الاختلاف-الجزائر،ط1 ص26

* الأعمال الشعرية، كاظم الحجاج، دار سطور-بغداد،ط1

 

جمعة عبد اللهالشاعر غني عن التعريف في ابداعاته السردية والشعرية، في أمتلاك ناصية الابداع القديرة والمتمكنة في فعلها ومنجزها الابداعي في الجانبين، ويتميز بالسليقة الشعرية، المنسابة بكل تدفق، كاطائر الحبيس حين يفتح باب قفصه، فيطير مجنحناً بفرح حريته، لذا يشعر الشاعر بأنه تنفس الصعداء، من الهم والمعاناة الداخلية ووجدت طريقها الى البوح والكشف، بفعل وخزات الوجع ألالم ووجع المتتراكمة في غليانها في داخل الوجدان ولروح، لذلك وجدت المنفذ والطريق لخروجها، من النار الداخلية الحارقة في الضلوع . انه يمتلك البراعة النافذة في الصياغة والتركيب والتكوين الصورة الشعرية، بعمق التعبير بالمعنى والمضمون، فيتنازعه ويورقه الحب والعشق الصوفي للوطن، وينطلق بجناحيه الشعرية بأسم الوطن، التي تمتلك بفيض من الطوفان لهذا العشق، ينساب في رونقة الشعر الجميل والفخم، في الاداء الشعري، في مكوناته المتألقة، في اللغة والايقاع والنغمة الموسيقة في جرسها الرنان الهادر، التي تتلائم مع الحدث الشعري ورؤيته الفكرية، من اعماق الاحاسيس الصاخبة والمتذمرة من الحالة الوطن المأساوية، من العواصف الصفراء التي بعثرت حبات وخرز الوطن نحو التفتت والخراب، في احتراق حقوله وبيادره . لكنه يشير الاصابع الاتهام الى الذين اجرموا بحق الوطن . انه يتخذ مكونات الواقع مواده الخامية في تعابيره الشعرية، التي تكشف حالة التأزم، التي يعيشها الوطن المفجوع، بالحزن والاسى . وينطلق من عنفوان حبه الجارف للوطن، الذي مازال جراحه تنزف بدون انقطاع . لهذا ينطلق من هذه الدلالات العميقة، في الشكل والمضمون . فهو يمتلك الخيال الشعري الخصب والديناميكي، بالفعل والنطق الشعري، في خلق الصور الشعرية، التي هي انعكاس حقيقي لحالة الوطن المزرية . يصوغها دون كلف وتصنع وتجميل، وانما يضعنا امام حالة حقيقية للوطن، المطعون بالجراح والمعاناة . انه عاشق الوطن بامتياز . لذلك يكشف عن المخالب والانياب التي تنهش جسد الوطن، لتجعله شبح هيكل عظمي جاف ومتيبس . وخطابه الشعري، يحاول ان يوقد شمعة وسط الظلام القاتم . انه يحاول ان يواسي العشاق، بأن يحافظوا على أمانة حبهم للوطن، كما يحافظون على حدقات عيونهم . وبالوطن يكبر الحلم والحب والعشق، مهما كانت جراحه النازفة، يشمخ الحب والعشق به وبغيره يموت ويج، لذا يقف بالمرصاد لمن ساهموا في اغتيال قلب الوطن وبعثرته، ليكون جسداً بلا روح، وهو يدرك ان العشق والحب اقوى من الموت، اقوى من الطغاة والمتاجرين بدم الوطن، اقوى من الاوغاد الذين وضعوا الوطن في سوق المزايدات الدولية للرقيق بسعر زهيد . يكشف ان هؤلاء الاغوال، راهنوا على حرق الوطن وتحويله الى رماد، ليقول لهم بأعلى صوته المدوي .لا خسأتم ايها الطغاة الاوغاد بما فعلتم بالوطن . في تقطيع اوصاله في مسلخكم، مسلخ العهر والتجارة والسمسرة . بكل الصلافة والاستهتار والاستخفاف، فاذا توهموا هؤلاء الكلاب بأنها لبست فروة الاسود، اصبحت اسود، فهو مهزلة المهازل، ماهم إلا ذيول مأجورة . ومهما حاولوا تحويل العراق الى مطحنة الاحزان والنوائب والنحيب بالقهر الاجتماعي والمعاناة . فأن عشق الوطن لم ولن يموت، لابد ان يمزق حجاب الصمت والخنوع والاستسلام . هكذا برعت قصائد الديوان الشعري في مضمونها التعبيري العميق . وهو يوجه خطابه الشعري الى عشاق الوطن ويناديهم ويشد على اياديهم في مواصلة الطريق حتى النهاية، ان يمزقوا ثوب الحزن والدغش والاحتيال . بهذه القوة الشعرية الملتهبة، في معاني دلالاتها العميقة، بالصياغة بطوفان من الاحاسيس والمشاعر، التي فاضت، في تفاعلها الروحي العميق، تجد صداها عند القارئ والمتلقي . لكي يحفزه على الاثارة والفعل، بالشحن العميق بالدفاع عن الوطن المنكوب، بذود عنه من الجراد الوحشي، الذي اهلك البلاد والعباد . ان الديوان الشعري (تباريح الطائر) زاخر بهذا الكم المدهش، في جوانب العشق للوطن، قصائد باذخة بالجمال الشعري . الديون الشعري اشتمل على 42 قصيدة من الشعر العمودي، خرجت من تنور النار العشقي . لنحاول ان نقتطف ثمار بعض القصائد .

1 - قصيدة (مقام العاشق):

حين يبحر العاشق وهو يحمل في جوانح روحه عشقه، المعاناة التي خلقها الزمن والدهر الاسود واللعين، في الوجد والنوى والجوى، ليغلي بناره الحارقه، ليذود عنه بالعشق الصوفي اعماق الروح، لكنه يتلقى الضربات الموجعة من الطعنات التي تشكك في عشقه كما يتذرع به الشامتون، بأنه يؤدي دور المهرج، وان حبه صلف،وقلبه خزف لانهم لم يعرفوا معنى الحب الحقيقي للوطن في حياتهم، وانما تعلموا على المتاجرة بالعواطف، وزيف المواقف وعلى التلون وتغيير الجلود كالحرباء . لا يعرفون معى الوجد ولوعة الالم، والدموع التي تتحجر في الجفون، لذلك يضعون العوائق والعراقيل، في درب الحب للفتى العاشق .

قد تغنى فهاج فيه جوى

واكتوى منه القلب الدنف

عقت الجفن دمعة فجرت

فاذا العاذلون قد عرفوا

ما لهم ينكرون دمعته

ويقولون أنه صلفٌ

عجباً كيف يحكمون إذن

واذا مر ذكره ٌ وجفوا

لحمة كان قلبه ودماً

أيظنون أنه خزف

2 - قصيدة (كل الذين احبهم):

ما اصعب واقسى فراق وبعد الاحبة، وهم يخوضون مغامرة الرحيل الى المجهول، والى (اللاأين) كأنهم اقتلعوا قلبه واخذوه معهم، لذلك يتحرق شوقاً وحنيناً، في عودتهم ورجوعهم، ينتظرهم على عتبة الباب بصبر نافذ، ينتظر طلوع قمرهم في العودة . لذلك يداري جراح الروح بالاغاني، وويواسيها بالمواويل، الحزينة في الوجد وريح الجوى، والسحب والغيوم تتجمع عليه، لتمطر بمطر الحنين في الآهات . انهم يرقدون في جوانح القلب، ويزورونه في الاحلام، لكنه يريد هذه الاحلام ان تتحول الى حقيقة، ان يطلون عليه في عتبة الباب .

كل الذين أحبهم عبروا

وبقيت عند الباب انتظر

عبروا الى اللاأين وابتعدوا

ذهبوا فلا أثر ولا خبر

بيني وبينهمو النوى نزلت

فإذا بنا شطرين تنشطر

آه فتلك الباب معضلة

غلقت إلى أن يأذن السفر

3 - قصيدة (تباريح اطائر):

عسر الشدة لطائر الحب، في المصائب التي تتوالى وتتهالك عليه، في خضم الشدائد التي تفتت وتقطع نياط القلوب والروح، وتضعه في متاهات الحزن والوجع، في آهات تزفر بحريقها الموجع، هكذا جعله العشق صريع الهموم والمعاناة والقهر، الذي ينزف بجراحه . وما اقسى هذه الاحمال الثقلية لطائر الحب الغرير، الذي اتخذ من العشق، حلم وحياة، يتنفس من خلالهما . يحمل كل اسرار الوجع في اعماق روحه، ويتشطر قلبه بعشقه، كالشظايا، التي تتفتت على قارعة الطريق . فهو لا يملك من الدنيا إلا حبه، وهو يساوي الجنة بكاملها . يترنم ويرقص لها بفرح الجريح . اضنانه التعب والارهاق .

رأيت قلوب العاشقين وقد غدت

نثاراً على طول الطريق وعرضه

فلا هو معني بما ودَّ عاشق

ولا عاشق قد هم يوماً ببغضه

فقلت لقلبي لا تزد وساوسي

وحاذر من القوسين لحظة غمضه

تمرس في صيد المجانين بالهوى

فراش غوى والورد رق بروضه

4 - قصيدة (يكفيك ياوطن النوح):

حقاً ان مأساة العراق ليس نهاية، بل تغور في اعماق المعاناة الشجية بالشجون . فما زالت تنزف الجراح الطرية، مع كل هبة عاصفة هوجاء . فما زالت تراجيدية الحزن والآهات تكبر وتتضخم، وتتفقس بيوضها بالافاعي السامة، فما زال الوطن ينحر كالشاة، منذ ان وطئت الاغوال والاوغاد ارض الوطن، وتحول الى وطن الفجيعة والآهات . منذ ان احطت اقدامها الاخطبوطية والسرطانية، والعراق يعيش سرطان الدم والحياة . منذ ان تكالبت على خناقه الحثالات، والوطن يباع في مزادات الدول كالرقيق، بسعر بخيس . منذ ان تسلقت السماسرة التجار والوطن ينزف بالدماء، التي صارت كالانهار الجارية، عبثاً وجنوناً . منذ ان هجم الجراد الوحشي وسرق السلطة والعرش والنفوذ، وليل العراق يغور في أعماق الظلام . وتحول العراق الى ليلٍ دون نهار، يسلخ ويذبح من الوريد الى الوريد . ولكن الى متى تستمر هذه المأساة وهذا الحزن، وهذا جريان الدماء ؟ هل من نهاية ؟ . ألا يكفي النوائب والاحزان ؟ ألا يكفي هذا الخراب وهذا النواح ؟ متى تنهض العزائم، متى ينهض عشاق الوطن، ليرفعوا صخرة سيزيف عن ظهر العراق .

يكفيك يا وطني النواح على الطلل

لا يأبه الغرقان يوماً البلل

مذ حطت الاغوال في أنحائنا

صرنا رقيقاً في مزادات الدول

الغول عرس بيننا فتجشأت

موتاً مقابرنا وبرحنا الوجل

واستل من ضوء النهار خيوطه

وتوطن الديجور فينا وانسدل

فمتى سترجل العزائم ثائراً

يا أيها الوطن المخبأ في المقل

5 - قصيدة (ساكن القلب):

تداعيات القصيدة كأنها انشودة غنانية بالحماس الوطني الشفاف والملتهب، المنفلت اعماق الروح والقلب، الغارق بالهوى والعشق . الذي يملئ القلب ويجعله اغنية في حضرة الوطن الساكن في القلب، ليصدح بصوت الوطن بكل بهاء، فهو الحلم والامل، رغم الزمن الاسود والقدر اللعين، الذي جلب النفايات العفنة، ليغزوا العراق، ليجعلوه ساحة حرب ودم للابرياء . لتفقأ عيون الطغاة . لتفقأ عيون سلاطين علي بابا والف حرامي . فما هم إلا ألف (شمر) ظاغي ومتعجرف، ما هم إلا ألف (يزيد) سفاح وقاتل، ولكن لنا ألف (حسين) يصرخ في وجوههم التي طبعت فيها الغدر والخيانة (هيهات منا المذلة) . فلابد ان تأتي زغرودة الحلم والامل، لابد ان ينبثق فجر العراق الابي .

لا يريد السلاطين شعباً كريماً

بل يريدون ملة من العبيد

ألف طف لنا وألف (حسين)

ألف (شمرٍ) طغا وألف (يزيد)

فا علموا يا طغاة إنا جبلنا

من دم نازف وضيم مديد

سل عن الهور من (تمعدن) فيه

سومري سليل شعب عنيد

من ضفاف الانهار وهي تغني

أغنيات الرواء في في حلم بيد

6 - قصيدة (يا ساقي الليل):

انه زمن الزيف والاحتيال في بدعه الهزيلة والسخفة، في بهرجة التغيير . ولكنهم جاءوا ليعيدوا من جديد، الماضي البغيض، والسيء الصيت، هذه السعالي المدربة حشدت غولاً وتنيناً، على غدر والخيانة والفرهدة، ليمزقوا صرح الوطن ويقطعوا اوصاله، وان يمرغوا الوطن والمواطن في الوحل والطين، والدوس على الاكباد البريئة، لجعل الشعب كالقطيع الخرفان، عبيد وخدم . في همجيتهم على الاستحواذ على مقدرات العراق . ولكن مهما فعلوا، بضمائرهم التي باعوها في سوق النخاسة، فأن الوطن باقٍ لن يموت . ولابد ان تنتهي يوماً تراجيدية المحنة الحزن والعذاب .

واحذر من الريح إذ تأتي مبرقعة

موتورة حشدت غولاً وتنينا

تأتي على ظهر سعلاة مدربة

عجلى تزيد الاوجاع تمكينا

جاءت تدوس الاكباد موغلة

بلحمنا الحي تقطيعاً وتوهينا

نرى الجراح ونغضي عن نوازفها

وتزجي اللحم كي نرضى السكاكينا

وما علينا إذا بيعت ضمائرها

ومرغ الطين قبل الخد عرنينا

***

- ديوان الشعر: تباريح الطائر

- الشاعر: عبدالفتاح المطلبي

- تاريخ الاصدار: عام 2018

- عدد الصفحات: 215 صفحة

جمعة عبدالله