امجد نجم الزيديقراءة في نص (بهلوان العمر) للشاعرة المغربية خديجة العلام

لكل نص مهما كان جنسه او نوعه ايقاع، يبنى عليه النص، لتتكون مجموعة من العلاقات التي تشكل مساراته، او الانساق التي ترسم خطابه، وربما يتفرد الشعر، وخاصة قصيدة النثر الحديثة، بانها تحاول ان تختط لها مسارات بنائية تساعدها على ايجاد ايقاع داخلي للنص، ليس مجرد لعبة شكلية، وانما يدخل في صميم بناء النص وتكوينه، لذلك فان الاشارة الى هذه المسارات تبني للقارى رؤية ما، او تفتح نافذة لكي يطل منها على النص وثيمته، ربما يرى بعض القراء ان الثيمة ودلالاتها مقصية عن هذا التحليل، وربما ايضا المعنى الذي يحاول الشاعر/ الناص ان يقدمه في نصه، ولكن الانشغال هذا الا يعني ان الثيمة غائبة بصورة كلية عن التحليل بقدر ما اننا سنجترح لها مسارات بنائية، نترك للقارئ مساحة ليعبئها بتلك الثيمة او دلالاتها المقترحة، وهذا ما سنفعله في تحليلنا لنص الشاعرة المغربية خديجة العلام (بهلوان العمر).

يبنى هذا النص على لعبة تداخل الازمنة ان كانت بصورة صريحة او من خلال الدلالات الدالة عليها، حيث ان هناك زمن يجمع النص باطار تنبؤي يرتكز على الزمن المستقبل، من خلال سين الاستقبال (سنعود)، ولكن يخترق هذا الزمن وشبكته التي يجمع بها دلالات النص زمن اخر، هو الزمن الماضي، والذي لم يكن ظاهرا بصورة صريحة، اي لم يبني افعال النص التي كانت اغلبها افعال مضارعة، بل من خلال الاحالات الدلالية، التي ربما توحيها كلمات مثل (ذكريات) وغيرها، والتي تحيل من طرف غير مباشر الى افعال واحداث وقعت في غير الزمن المهيمن على النص، ومن خلال لعبة الازمنة هذه، تتحقق حركية النص، وتبدأ دلالاته ببناء شبكة من العلاقات في المقطع الاول على أقل تقدير.

سنعود هذا المساء

على وقع حوافر الصهيل

ترافقنا الذكرى

لون النبض أحمر

لا تسأل عن

قضايا الأمس المثيرة

ولا عن أحلام الغد المؤرقة

نلاحظ هنا ان النص قد ابتدأ بفعل يدل على المستقبل (سنعود)، أي ان كل الافعال وما سيحدث داخل النص سيتم في المستقبل، بعد ان يتحقق فعل العودة، وسنلاحظ ايضا ان هذا المستقبل سيحمل حمولة من دلالات تشير الى الماضي، والتي ربما سيدخل زمن كتابة النص ضمن هذه الاستعادات الماضوية، بعد ان يتحقق فعل العودة كما اسلفنا، أي ان النص برمته سيصبح جزءا من (الذكريات) او (قضايا الامس) دلالات الماضي، التي قوضت هيمنة فعل المستقبل، رغم ان جمع الدلالات تشير اليه والى المسار الذي يبني علاقات النص (ولا عن أحلام الغد المؤرقة)، أي انه جعل الامس والغد ضمن مسار دلالي واحد مرتبط بالفعل المضارع (تسأل)، اما ما كان يحكم هذا المسار وجمع الضدين (الامس والغد) هو (لا الناهية)، ولكن الفعل الدال على المستقبل (سنعود)، هو بالحقيقة نقلة واحدة في الزمن، حيث ان اللوحة المستقبلية هذه لا تحتم فعل الاستمرار في تلك العودة، أي انطلاقها كفعل مستقبلي دائم الحركة، وانما ستتوقف هذه العودة في نقطة معينة وهي (هذا المساء)، والتي ستثبتها في هذه النقطة المحددة هي مرساة الماضي وذكرياته، من خلال تجريدها من حمولتها الزمنية المباشرة، واعتبارها متاعا ماضويا، يهيمن على دلالات النص، أي ان هذه اللعبة وان بدت ظاهريا لعبة تداخل للأزمنة (ماضي- مضارع- مستقبل)، الا ان دلالة النص الباطنية او المضمرة تظهر ان التداخل هنا تداخل دلالي مرتبط بالزمن، بالإشارة الى ان الحمولة المعرفية وما يبني كيان (انا النص) داخل الزمن؛ هو مركب متكون من الأزمنة الثلاثة، اذ يكون الماضي هو المتاع، والمضارع الفعل، والمستقبل هو التطلع أو النظرة الى الامام.

وحده الليل سيد المكان

يوزع فينا أدوار مسرحية

تنعشنا رائحة القهوة وكعك أمي المدهون بالحنان

وبعض من زيتها الساخن على نار شغبي

سأدير وجهي وأغمض عيني

الجار يفتش تحت الانقاض عن حلم

عن ذكرى

وكما نلاحظ في هذا المقطع ايضا يستمر النص في بناء دلالاته وفق الترسيمة التي وضعناها له والتي وضحناها سلفا، اذ يأتي هذا المقطع متمما ومكملا، ويلعب على نفس البنية الشكلية السابقة، ولكن ما يأتي بعد هذا المقطع الى نهاية النص؛ يختلف من حيث البناء عن الجزء الاول، اذ يستبدل اولا (نحن) بـ (انا- انتم)، اذ ان خطاب هذا الجزء موجه من (انا) المتكلم الى (انتم) المخاطبين، وهذا الافتراق بين جزئي النص؛ أي المقطع الاول الذي حللنا بنيته الشكلية سابقا، وهذا المقطع يرينا ان الزمنين المهيمنين على المقطع الاول وهما (الماضي والمستقبل)، يقل حضورهما في هذا الجزء، ولكنهما ضمنا موجودين يغذيان دلالات النص.

أيها المطر كن رحيما بمن سكنوا ظلك

ووزعوا خيوط العنكبوت غذاء

وادخروا دموعهم لمواسم الشتاء

أيها الغجري لا تسال عن فستان الراقصة

ولا عن بهلوان يمسك فينا هواء الصمت

لا تسالني عمن انا فقد اضعت هويتي بين الحزن والجراح

لم اذكر من تاريخي سوى وشم رسمه الليل على قلبي

حيث نلاحظ اختفاء تلك اللعبة الزمنية من هذا الجزء، اذ اصبح (انا النص) هو المهيمن، الا ان تلك الانا ان ارادت ان تغادر صومعتها، تحتاج الى الزمن الجمعي ان يجرفها بتياره، فلا حركة لتلك الانا الا في المجموع، الذي هو الزمن.

تعالوا ايها العابرون

نخلع وجوهنا

نلملم ما تبقى من العمر

لنسافر مع الصبح

نقترف الحب في الموت

ننخر عباب العمر

نسجل للتاريخ خطايانا

عسى السماء تجود بنبي يكسر

قطار الحزن الواقف فينا.

نلاحظ اذن ان الشاعرة العلام قد بنت نصها هذا على رؤية ترى ان (الانا)، من دون النظر الى كيانها المعنوي داخل النص، وانما باعتبارها بنية شكلية، لا يمكن ان تنفصل عن الذات الجمعية (نحن)، المحركة للزمن، ولكن هذا لا يعني ان تلك الانا ذابت وفقدت كيانها، وانما حافظت على نفسها كمحركة لهذا الزمن وبانية توقعاته، فقد انطلق النص من بنية جامعة ووجد له مسارا فرديا، في تشكيل المواقف الشخصية، بغض النظر عن الثيمة التي ابتنى عليها النص، فالتركيز هنا جاء على البناء الذي غلف تلك الثيمة والمسارات التي فتحها، لتتشكل علاقاته.

 

أمجد نجم الزيدي

 

رحيم الغرباويمفهوما الجميل والجليل أخذتا مساحة واسعة في الفكر الفلسفي والنقدي فمن الفلاسفة يرى الجميل في المنفعة، ومنهم في الانسجام، ومنهم من يرى الجميل في اللذة والمتعة شكلاً ومضموناً، ويبدو أنَّ الرأي الراجح للشعور بالجمال يعتمد على أساس التذوق ووسيلته الحس، وهو واحد لدى الجميع، ولا فارق البتة بين الناس في طريقة تأثرهم بالأشياء، لكن لاتكون بنفس الدقة لدى جميع الناس، ويرجع ذلك إلى نقص في الذوق إلى الخيال والملكات العقلية الاستدلالية، ويبدو أنَّ الاختلاف في الذوق أقل بكثير من الاختلاف بالمسائل الفكرية والمنطقية، أمَّا الجليل فإنَّه يعتمد الشعور والإحساس وكل جليل يستشعر من خلال عظمته أو قدسيته وقيمته ولا نتفق مع طروحات (بيرك) الذي يوقف الجليل على عامل الخوف والفزع والذي يعدُّه أقوى مؤثر على الروح، والخوف يعني توقع الموت أو الألم ، ويرى كل ما بدا للإدراك في صورة مثيرة للخوف يسمى جليلاً (1)، وهذا في مفهومنا كمسلمين لايعد جليلاً، فالجليل لدينا كل ما يثير ذهولنا وارتياحنا إزاء عظمته، فهو جليل .

وبهذا يمكن أنْ نحدد مفهومي الجميل والجليل، من أنَّ ما يمنح المتلقي رضى ودهشة وسرور فهو جميل، وكل ما يشعرنا بالذهول من رهبته والارتياح لعظمته، وقدسيته فهو جليل؛ لذا سعى الفنان لاسيما الشاعر من تطييب حواسنا وأذواقنا؛ لأننا لانريد من الفنان "ما يقذى عيوننا في الطبيعة أو يضع تحت أنظارنا ما اعتدنا أنْ نشيح عنه أبصارنا في عالم الواقع(2)، وللفن قدرته على إضافة جمالٍ للأشياء القبيحة والجميلة على السواء؛ ليجعل من الأولى جميلة ومن الأخرى أجمل ، ولعل الفيلسوف الألماني كانت يقول "إنَّ الجمال الطبيعي لهو شيء جميل، وإنَّ الجمال الفني هو تصوير جميل لشيء سواء أكان هذا الشيء جميلاً أم قبيحاً في الطبيعة نفسها " (3)، ويمكننا أن نقرأ قصيدة (كذَّبتُ صدقي كي أصدِّق كذبها) للشاعر يحيى السماوي  هي واحدة من اللوحات المعبِّرة لمفهومي الجميل والجليل، إذ يقول: (4)

متماهيان

ترى سرابي كوثراً

وأنا أراها في بساتين الأنوثةِ والمنى

تفَّاحة الفردوس في حلمي القديم ... ،

ونخلةَ الله الظليلة

والمبشِّرة البتول

فيها من البحرِ

اللآلئ والنوارس والسحاب،

وبي من البحر المتاهةُ والمدى واللافضول

نجد السماوي يمازج بين الجميل والجليل، ويبدو أنَّ كلَّ جليل جميل وليس كل جميل جليل، فالألفاظ (كوثر، بساتين، الأنوثة، المنى، تفاحة، حلم، اللآليء، النوارس، السحاب) جميعها تبعث على المتعة والسرور والفائدة، ويبدو أنها مُشكَّلة من أصوات رخوة هامسة، وهي (الواو، والسين، والثاء، والنون، والميم، واللام،والحاء) تتواءم مع النفس الطروبة التي تستشعر الرقة والشفافية .

أما ألفاظ المقدس فهي: (الكوثر) التي ذكرها القرآن الكريم في قوله (إنَّا أعطيناكَ الكوثر)، و(الفردوس) وهي أيضاً لفظ مقدس يحيلنا إلى جنان الخلد و (نخلة الله، والبتول ) وكلاهما مقدستان، كذلك لفظة (البحر) لما له من عظمة وسعة ورهبة وذهول .

ثم يقول:

وأنا المغامرُ في تهيُّمهِ بكأس زفيرها،

وبلثمِ مُقلةِ نهدها المائيِّ

والطفل المشاغب .

فنراه يستمتع بجمال المرأة المعشوقة لاسيما مكمن الإثارة والتي تتطلع النفس الجامحة إلى فتوته وشبابه، واصفاً إياه بالمائي؛ كون الماء يمثل وسيلة الارتواء .

ثم يقول:

فأتيتُها

مُستأذِناً شرف الدخول

في بيتِ طاعتها

أبشِّر بالفسيل النخلَ

والتنُّور بالمحراثِ

والصحراء بالأنعامِ والمطر الهَطول

وأزفُّ للكأس الحَرامِ

بِشارة الخمرِ الحلالِ بِزِقِّ مائدة

الذهولْ.

فنراه يشير إلى جلال المحبوبة بقوله: (مُستأذِناً شرف الدخول)، فيقوم بالبشارة لكل ما هو جميل بنفعه (النخيل بالفسيل، والتنور بالمحراث، والصحراء بالأنعام) وهذا الخير هو ما تتوق له كلُّ نفس، وتراه جميلاً، ثم يعطف الشاعر مرَّةً أخرى على الجليل المقدس (بشارة الخمر الحلال) وخمرة الشاعر هي رمز للخمرة التي ذُكِرت في القرآن الكريم التي يسقيها الغلمان المخلدون للفائزين بالجنة، ولربما يشير إلى مائدة السيد المسيح (عليه السلام) المقدَّسة .

ثم يحاول أنْ يصف الحبيبة من أنها بشيرة؛ لذلك هي مُقدَّسة في هواها؛ وهو (المُبشِّر، والمُبَشَّر، والرسالة، والرسول) بقوله:

فهي البشيرةُ في الهوى

وأنا المُبَشِّرُ

والمُبَشَّرُ

والرسالةُ

والرسول .

ويبدو أنَّ الشاعر تعالقَ مع الحبيبة ذات الجمال الآسر، فقد وضعها في جميع مواطن الجمال؛ والمُلفِت أنَّ الشاعر مُحِبٌّ وَلِهٌ يتوق إلى موطنه (الحبيبه) كلّ حين ويبدو أنه لما استحسن صورة المرأة جعلها صورة الوطن الذي يتوق إليه كلَّ حين ولعلها امرأة في وطنه مايزال يتوق إليها في أغلب أشعاره فصارت لديه بمنزلة المقدس لما يضفيه عليها من صور الجلال؛ لذا صارت له ملاذ الهوى، فنراه يعيش تباريحه المقدسة، ما يشعرنا أنَّه يتوق إلى موطن الأهل والأحبة والذكريات والمرتع الجميل .

ثم ينهي قصيدته بلوحة فنية جميلة يقول:

سأعود

طفلاً مُشمِس الأيامِ

في ديجور مملكة الكهول .

لذلك حين يعيش في أروقة الجمال والجلال يرى نفسه سيعود طفلاً مشمس الأيام؛ كناية عن السعادة والسرور والأمل الباذخ المعطاء؛ ما جعل كهولته مشمسة الأيام كما هي الطفولة المشمسة حتى غدت مملكةً مضيئة الدياجير .

 

د. رحيم الغرباوي

..............

الهوامش:

(1) تراث الإنسانية، أقلام الصفوة الممتازة من الأدباء والكتَّاب والعلماء، الهيأة المصرية للتأليف والترجمة : 1/70-71

(2) الفنان والإنسان، د. زكريا إبراهيم، مكتبة غريب، الفجالة، مصر،  1976: 89

(3) الفنان والإنسان: 94

(4) أطفئيني بنارك (مجموعة شعرية، يحيى السماوي، دار تموز، ط1، 2013م:13 وما بعدها .

 

محمد المسعوديتعد قِصص "كُحل" لتغريد أبي شاور، وهو كتابها الثالث بعد "خرز" و"نمش"، تنويعا آخر من تنويعات الكتابة التي تجعل من البوح الأنثوي الشفيف والجارح أفقا جماليا يُجلي مكنونات المرأة ومعاناتها، ويصور تطلعاتها وأفراحها. وهو تنويع جديد في الكتابة الإبداعية سلك سبلا غير مطروقة في عمليها السابقتين.

وانطلاقا من هذا الغنى والتنوع الفني والموضوعي في تجربة الكاتبة، وتركيزا على قصصها التي اشتملت عليها مجموعة "كُحل" اخترنا لهذه القراءة زاوية نظر أُحادية نستند إليها في مقاربة النصوص، وتتمثل في الكشف عن سمات بوح الأنثى في هذه القصص، وذلك انطلاقا من اتخاذ أشكال توظيف المفارقة مدخلا للقراءة باعتبارها مكونا هاما في بناء متخيل القصة وتشكيل عوالمها السردية. فكيف يتمثل بوح الأنثى في قصص "كُحل"؟ وكيف تعمل المفارقة على تشكيل عوالم القصص ومتخيلها؟ وهل استطاعت المفارقة تحديدَ ملامحَ خاصة للبوح الأنثوي في هذه القصص؟

إن المطلع على "كُحل"، وقبلها "خرز" و"نمش" يُلفي اهتمام الكاتبة بالمرأة وقضاياها لا من زاوية ما يُطلق عليه "الأدب النسائي" والانتصار الكلي للمرأة ضدا على الرجل ونكاية فيه، كما تذهب بعض تيارات "النسوية" المبالِغة في طروحاتها، وإنما تنظر إلى وضع المرأة ومعاناتها في سياق فني متوازن، واستنادا إلى رؤية أدبية تؤمن بأن التعبير عن معاناة المرأة ومكابدتها لا يتجزأ من التعبير عن ثقل الواقع ووقره الذي يلقي بكلكله على الرجل والمرأة على السواء، في عالم تخلخلت فيه القيم واضطربت فيه معايير كل شيء.

في قصة "سارة" نرى الساردة "ليزا" تحكي في بساطة وعذوبة رغباتها الأنثوية، وحلمها الطبيعي في الزواج برجل، وحلمها بفستان عرس جميل وطرحة فاخرة، وطوقٍ شَعَري أحمر مشكوك بغصن أخضر رهيف من شجر الليمون. وذلك أثناء حديثها مع أمها وهما عائدتان من عرس ابنة الجيران "سارة". وفي الطريق ارتطمت قدمُ "ليزا" بشيء طري سقطت بسببه على وجهها، بينما ارتفع أنين يشبه المواء أو العواء، فإذا به جرو صغير منهك القوى. أخذته أم "ليزا" بين ذراعيها ومضيتا نحو البيت. لم تتبينا طبيعة الجرو، هل هو جرو كلب أم ذئب. أخلدتا للنوم في انتظار عودة الأب من المدينة صباحا، وتقريره مصير الجرو، هل تربيه "ليزا" أم لا. بهذه الكيفية كانت القصة تضع في بؤرة اشتغالها بوح "ليزا" برغباتها الأنثوية الطفولية وحلمها بعرس شبيه، أو يفوق عرس جارتها الجميلة "سارة". "سارة" التي اختارت ليلة مكتملة البدر لتكون ليلة عرسها، لكن لكل اكتمال نقصان. وهكذا كانت المفارقة تثوي في تفاصيل هذا الاختيار، ومن ثم تتمثل في مصير "سارة" السيئة الحظ التي نهشت جمالها الذئاب حينما أحاطت بعربة العروسين، ولولا أن أب الساردة صرخ هو ومن معه حتى استفاق أهل القرية وطاردوا الذئاب بالنار لتحول العرس إلى مأتم. وقد كانت الذئاب تبحث عن جروها الضائع من يومين. وبسرعة فائقة هرعت أم الساردة نحو المطبخ لتحمل الجرو الصغير الذي وضعته بين يدي زوجها ليهرع به بعيدا عن البيت، بينما كانت الأم تخبر ابنتها بأن لا أحد سيتزوج الفتاة التي تربي في بيتها ذئبا. وبهذه الشاكلة كانت مفارقة أخرى تثوي بين تلافيف أحداث القصة: بين أحلام الساردة في الزواج، وبين أعراف القبيلة التي تأبى أن تتزوج من فتاة آوت ذئبا صغيرا وربته. فالمحبة والحنو والتعاطف ومشاعر الإنسان لا تلتقي بغدر الذئاب وفتكها. ومن خلال الحدث الأخير نرى مدى تقارب الأب والأم في تقرير مصير ابنتهما وإسراعهما إلى التخلص من الجرو الصغير قبل أن يتفطن أي من أهل القرية إلى ما قامت به المرأتان من خطوة نحو إيواء الجرو والنية في تربيته.

انطلاقا مما سبق نلمس مدى حضور المفارقة في تشييد عوالم هذه القصة الجميلة في تقاطعاتها الإنسانية وبوحها الأنثوي البريء الشفيف.

ولا تختلف حكاية "وجدان" عن حكاية "ليزا" ساردة قصة "سارة" من حيث التيمة التي اشتغل بها النصان، وهي موضوعة الرغبة في الزواج، والحلم بزوج يحمي الساردة الحالمة، ويكون له قدر بين الرجال، ويكون كفؤا لها، كما كان يمنيها الأب، وهو يُقسم بجلال شيبته، وبأوطانه الضائعة، وبعمره الثقيل الذي يحمله على كتفيه. ومن ثم، فهي قصة جعلت من البوح الأنثوي برغباته وحلمه بالاستقرار وبناء أسرة، أساسا لبناء عوالمها السردية. غير أن المفارقة في هذه القصة لم تأت من عنصر طبيعي، ولم تتشكل من خلال تعارض مشاعر الرحمة والبراءة مع نواميس المجتمع وأعرافه، وإنما تتشكل المفارقة في كنه العوائد الاجتماعية، وفي تجلياتها لدى الرجل. وهكذا يجد القارئ نفسه أمام واقعة لا تخلو من سخرية وفكاهة، ومن قدرة لدى الكاتبة على تحليل نفسية شخصياتها وكشف عقدها.

إن الشاب "كمال" الذي اختاره الأب لوجدان وظن أنه ملأ يديه الإثنتين منه لم يتبدى سوى عن شبه رجل تتنازعه أفكار طائشة، وتحركه نوازع متخلفة، ويمتلك روحا حيوانية (كما نعتته وجدان)، على الرغم من أن الأب زكاه، والعمة اعتبرته شابا عائلي المزاج، وعلى الرغم من أنه تعلم في أوروبا، وعاد إلى وطنه ليشتغل طبيبا بيطريا، وعلى الرغم من أنه ينتمي إلى عائلة ذات حسب ونسب، إلا أنه ابن مخيم ولاجئ مثله مثل الساردة "وجدان" معلمة الأدب، كان من المفروض أن يكون أكثر وعيا وأشد خبرة بالحياة. وهكذا تقف القصة عند طبيعة هذه الشخصية المضطربة اللامتوازنة في رؤاها وتفاعلها مع العالم من حولها، التي تتميز بالغطرسة، وتسعى من وراء زواجها بوجدان إلى الانتقام ورد إهانة قديمة تلقاها منها. وقد كان التلاسن وإبداء عدم التفاهم بين "وجدان" و"كمال" سمة طبعت مسار حياتهما، وكان هذا الحال وراء تدخل الأب، وصفعه كمال وطرده من بيته.

هكذا تكشف هذه القصة طبيعة شخصية "كمال" المتناقضة التي تتسم بالمفارقة والتضاد، فشتان ما بين ظاهرها وباطنها، وما بين هيئتها وتفكيرها، وبين ما تعلنه من سلوك وما تضمره من نوايا. ولعل هذه الطبيعة المضطربة كانت سببا في خلاف "كمال" و "وجدان"، ومن ثم رفض "وجدان" الاقتران به على الرغم من بلوغها سن التاسعة والثلاثين. وهكذا كانت المفارقة بين طبيعة الشخصيتين واختلافهما عنصرا جوهريا في تشكيل متخيل هذه القصة، ومن ثم تشخيص معاناة بطلتها، وتوزعها بين الواقع والحلم.

ولعل القصة التي حملت المجموعة اسمها "كُحل" أكثر قصص المجموعة بَوحا بأحلام الأنثى ومعاناتها، وأجملَها من حيث توظيفُ المفارقة وجعلُها أساسا لتشكيل المتخيل القصصي، ورصدُ تمزقات المرأة في عالم مبني على التناقض والمفارقة. إنها قصة امرأة حملت اسم "كُحل"، ولاقتران الاسم بها وحملها إياه مسارا طويلا من المفارقات التي تنطوي على مأساة هذه الشخصية، وتُشكل عمق معاناتها. فقد أسماها والدها بهذا الاسم لأنه كرهها معتقدا أنها حرمته من زوجته التي كان شغوفا بها، فهي قد ماتت أربعة أيام، فقط، بعد ولادة ابنتها. والكحل كان سببا في امتصاص وميض عيني الساردة "كحل" بعدما أضيف إليه الزيت البلدي وعُفرت به جفونها لامتصاص حمى ألهبتها. ولأنها كانت قاسية صبيانية النزعة مع أبناء الجيران سميت "القائد كحل"، ولأن الكحل يسهم في جمال الأنثى ويقربها من زوجها، اكتحلت الساردة لرجلين أحدهما في آخر سنين عمره أخبرها أن الكحل يزيدها قتامة ونصحها بالامتناع عنه، فلم تمتنع فامتنع عنها الشيخ بالموت، أما ثانيهما الأرمل فقد قال لها إن عينيها تردان الكحل إلى أصله، فلما عرفت أن الكحل سيخرجها من إطار الصورة صار التحدي أكبر وازدادت تعلقا به، مدركة أن الحياة تنهب الكثير وتعطي القليل، وأن النساء اتفقن على الخطوط الأولى للجمال، ولم يفكرن في البداية سوى بالبهجة، والحب، والروح الهائمة المحلقة ونسين أصل الأشياء، ولهذا يستبدلن كحلهن في كثير من الأوقات بدموع آخر الليل. ومن ثم قررت أن تظل "كحل" في مجتمع انكسر مروده.

بهذه الشاكلة تترى المفارقات في القصة لتكوِّن جوهر المتخيل، ولتشكل حياة الشخصية القصصية. وقد قامت لعبة السرد على التلاعب باسم الشخصية في تقاطعه مع الكحل الذي اتخذته المرأة وسيلة للزينة، وعُد من عناصر إضفاء الجمال على المرأة، لكنه بالنسبة إلى بطلة هذه القصة، كان وبالا عليها، وكان علامة قتامة ودمامة، وسبب معاناة وخلاف مع كيانها، ومع من أحاط بها.

وعلى وتيرة هذا اللعب بالمفارقة في تجلياتها المختلفة، وفي سياق بوح أنثوي جارح استطاعت هذه القصة تجسيد جوانب من معاناة بطلتها في مفردات قليلة وصور دالة وفي سرد متوتر سريع الإيقاع.

في ضوء كل ما سبق نتبين أن المفارقة أدت دورا فعالا في تشكيل متخيل أغلب قصص مجموعة "كحل"، وأنها كانت أداة فنية أساس في التعبير عن تطلعات الأنثى وآمالها، وكشف معاناتها وآلامها، وأن اقتران المفارقة بالبوح الأنثوي الشفيف تارة، والجارح تارة أخرى منح هذه القصص نكهة فنية تتميز بالحيوية والجدة. وننتظر من الكاتبة أعمالا أخرى قد تطور هذه الإمكانات الفنية وتمضي بها نحو آفاق جديدة من البوح الأنثوي، وبالله التوفيق.

 

محمد المسعودي 

 ..........................

تغريد أبو شاور، كحل، منشورات وزارة الثقافة، إبداعات (عدد 76)، عمان/الأردن، 2017.

 

 

فالح الحجيةوعلى العموم فان الشعر الاندلسي يتميز بميزات كثيرة منها سهولة الالفاظ وسلاسة التركيب ووضوح المعاني كما ظهر في شعر الشعراء وفي حركة التجديد في الشعرالعربي في بلاد الاندلس مثل الموشح وذلك لجمال الطبيعة الاندلسية وسعة خيال الشعراء بهذه الطبيعة وافتتانهم بها فقد رق الشعر وكثرت التشبيهات البديعية والتوليدات الكلامية العجيبة فجاء ت قصائدهم رائقة التحلية فائقة التورية بديعة التنسيق.

ومن المثير جدا كثرة الشاعرات الاندلسيات بالقياس الى عددهن في المشرق العربي ومفاده ما تتمتع به المراة الاندلسية من علم ومعرفة وحرية شخصية فمنهن على سبيل المثال - عائشة القرطبية وولادة ابنة الخليفة المستكفي وحسان التميمية و حفصة الحجازية وحمدونة بنت زياد وغيرهن كثير .

وستبقى هذه القصائد وذلكم الشعراء يذكّروننا ان العرب فتحوا بلاد الاندلس وعمروها واقاموا فيها حضارة عربية لم تكن موجودة في المجتمع الاوربي كله واصبحت هذه الحضارة رافدا من روافد النهضة الاوربية الحديثة وسببا من اسباب تقدم الانسانية في الماضي والحاضر والمستقبل .

فالشعر العربي في الاندلس ما هو الا امتداد للشعر العربي في المشرق فقد تشابهت معاني الشعر الاندلسي اول الامر و معاني الشعر العربي في جميع مناحي الحياة والا مور التي قيل فيها فكأنه هو, فكان هناك شعر عالى النشأة شريف المعاني نشأ بجانبه شيء من شعر المجون والابتذال والخلاعة اوجدته الطبيعة الاندلسية الا انه قليل وبمرور الوقت دخلت حركة التجديد الى الشعر الاندلسي كما دخلته في الشعر العربي المشرقي و غالى الشعراء في المدح الى حد ان اتوا بالمستحيل وغير المأتي به في وصف الممدوح في المشرق غير انه بعد الاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد وتمركز الحكم فيها واحساس الشعراء بتغيير البيئة والمجتمع انعكس ذلك في شعرهم فرق ولطف وابتعدوا عن البدوية التي كانوا عليها الى شعر محدث جديد وكان للطبيعة ومشاهدها الجميلة الحضور العظيم في الشعر العربي الاندلسي فتبدلت الطبيعة الصحراوية الجافة بطبيعة خصبة خضراء قد افاض عليها الله كل نعم الحياة و الجمال وحباها بما شاء من خير ونعم بين الخضرة وواريج الورود وظلال وارفة وطبيعة غناء تسر الناظرين وتفتح القلوب وتبهج النفوس مقرونة بالجمال الخلاب لينشد الشاعر قصيدته فيها بل هي القصيدة ذاتها .

*

وكان لاتصال العرب بالغرب نتيجة هذا الفتح المبارك وتطلعهم على عاداتهم وتقاليدهم ان اثر هذا في تقدمهم فكان الشعر الاندلسي رقيق الحواشي رفيع المعاني رقيق الشعور الشعري عذب الالفاظ جميلها واضحة البيان في تعبيرها .

كل ذلك ظهر في الشعر العربي في الاندلس حتى تطور في معانيه وفي كل ما لبسه من اثوا ب قشيبة وحلل ناعمة رقيقة فكان الشعر الموشح الجديد في الشعر العربي وكذلك ظهور شعر الزجل تبعا لما اقتضته طبيعة المجتمع هناك و حاجته الى ايجاد فن الغناء وموسيقى تنسجم معه .

فترنم الشاعر الاندلسي بكل مايحس به وما تفرضه عليه ظروف الحياة الحلوة الجميلة التي يعيشها والطبيعة الغناء من ابتكار في المعاني ورقتها وانتقاء الكلمات الخفيفة الرقيقة في النفس والخيال الواسع والتاثير في الاخرين . ونتج عن هذا التطور الكبير التجديد في الشعر في قصيدته واسلوبه ومعانية وفنونه وايجا د نوع جديد من الشعر اسموه (الموشحات) واخر اسمونه (الزجل) وسناتي عليها جميعا بايجاز.

فالموشح فن من فنون الشعر العربي استحدثه الاندلسيون بدافع الخروج على نظام القصيدة و على النهج القديم وانسجاماً مع روح الطبيعة الجديدة كونه اقرب اندماجاً في تنوع الموسيقى الشعرية في التلحين والغناء.

والموشح فن جميل من فنون الشعر العربي اتخذ قوالب بعينها في نطاق تعدد الأوزان الشعرية وقد اتسعت الموشحات وتطورت لتشمل كل موضوعات الشعر وأغراضه وقد عرف ابن سناء الملك الموشح فقال :

(الموشح كلام منظوم على وزن مخصوص وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات ويُقال له التام، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويُقال له الأقرع، فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات).

وقيل سمي موشحاً لأناقته وتنميقه تشبيهاً له بوشاح المرأة في زركشته وتنسيقه . فالموشحا ت سميت بذلك لأن تعدد قوافيها على نظام خاص جعل لها جرساً موسيقياً لذيذاً ونغماً حلواً تتقبله الأسماع، وترتاح له النفوس، وقد قامت القوافي فيها مقام الترصيع بالجواهر واللآلئ في الوشاح فلذلك أطلق عليها (الموشحات) أي الأشعار المزينة بالقوافي والأجزاء الخاصة، ومفردها موشح وتعني انها منظومة موشحة أي مزينة ولهذا فلا يقال قصيدة موشحة لأن لفظ القصيدة خاص بالشعر المنظوم في البحور الستة عشر المعروفة .

و قد نشأت الموشحات في الأندلس أواخر القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) وكانت نشأتها في الفترة التي ازدهرت فيها الموسيقى وشاع الغناء من جانب،وقوي احتكاك العنصر العربي بالعنصر الاسباني من جانب آخر، فكانت نشأتها استجابة لحاجة فنية حيث،أن الأندلسيين كانوا قد أولعوا بالموسيقى وكلفوا بالغناء منذ أن قدم عليهم زرياب وأشاع فيهم فنه . والموسيقى والغناء إذا ازدهرا كان لازدهارهما تأثير في الشعر أي تأثير، وقد اتخذ هذا التأثير صورة خاصة في الحجاز والعراق حين ازدهر فيهما الغناء والموسيقى في العصر الأموي ثم العصر العباسي، وكذلك اتخذ هذا التأثير صورة مغايرة في الأندلس حين ازدهر فيها الغناء والموسيقى فيظهر أن الأندلسيين أحسوا بقلة انسجام القصيدة الموحدة إزاء الألحان المنوعة، وشعروا بجمود الشعر في ماضيه التقليدي الصارم أمام النغم في حاضره التجديدي المرن، وأصبحت الحاجة ماسة إلى لون من الشعر جديد يواكب الموسيقى والغناء في تنوعها واختلاف ألحانها ومن هنا ظهر هذا الفن الشعري الغنائي الذي تتنوع فيه الأوزان وتتعدد القوافي، والذي تعتبر الموسيقى أساساً من أسسه فهو ينظم ابتداء التلحين والغناء ونتيجة لظاهرة اجتماعية .

و كذلك جاءت نتيجة لظاهرة اجتماعية حيث أن العرب امتزجوا بالأسبان، وألفوا شعباً جديداً من العرب و الاسبان وكان من مظاهر الامتزاج أن عرف الشعب الأندلسي العامية اللاتينية كما عرف العامية العربية، أي أنه كان هناك تزاوج لغوي نتيجة للازدواج العنصري.

واول من اخترع فن التوشيح الأندلسي مقدم بن معافى القبري،ثم ياتي بعده اسم أحمد بن عبد ربه صاحب (العقد الفريد)، أما المؤلف الفعلي لهذا الفن كما أجمع المؤرخون فهو أبو بكر عبادة ثم الأعمى التطيلي كبير شعراء الموشحات، وابن باجه الفيلسوف الشاعر ، ولسان الدين بن الخطيب .

اما في بلاد المشرق فكان الفضل لابن سناء الملك المصري في ذيوع فن الموشحات في مصر والشام وهو صاحب الموشح المعروف :

كللي يا سحب تيجان الربى بالحلى

و اجعلي سوارها منعطف الجدول

ويتكون الموشح من أجزاء ولكل جزء من هذه الأجزاء اسم يميزه عن غيره ولمعرفة هذه الاجزاء نقوم بتحليل هذه الموشح القصير لابن مهلهل في وصف الطبيعة ً:

(النهر سلّ حساما على قدود الغصون

وللنسيم مجــــــــال

والروض فيه اختيال

مدّت عليه ظـــــلال

والزهر شقّ كماما وجداّ بتلك اللحون

أما ترى الطير صاحــا

والصبح في الأفق لاحـا

والزهر في الروض فاحا

والبرق ساق الغماما تبكي بدمع هتون)

فنجد انه يتكون كما يلي:

1- المطلع: اصطلاح يطلق على مطلع الموشح الذي يتكون عادة من شطر أو شطرين أو أربعة أشطر وهو هنا في موشح ابن مهلهل يتكون من قسمين أو شطرين أو غصنين:

النهر سلّ حساما على قدود الغصون

وقد تختلف قافية الغصنين كما هو الحال في المثال السابق،وقد تتفق كما هو الحال في إحدى موشحات ابن زهر:

فتق المسك بكافور الصباح

و وشت بالروض أعراف الرياح

2- الدور: وهو مجموعة الأبيات التي تلي المطلع، ، ويتكون الدور من مجموعة من الأقسمة لا تقل عن ثلاثة وربما تزيد عن ثلاثة بشرط أن يتكرر بنفس العدد في بقية الموشح وأن يكون من وزن المطلع ولكن بقافية مختلفة عن قافيته وتلتزم في أشطر الدور الواحد. والدور في الموشح موضع التمثيل هو:

وللنسيم مجـــــــــال

والروض فيه اختيال

مدت عليه ظــــــــلال

3- السمط: هو كل شطر من أشطر الدور،وقد يكون السمط مكوناً من فقرة واحدة كما في هذا الموشح ،وربما يتألف من فقرتين.

يتبـــــــــع

 

اميرالبيـــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــد روز

 

محمد كريم الساعديللشعر تصورات يطلقها الشاعر في حدود تأثيراته الوجدانية التي من الممكن أن تكون مباشرة من خلال المواقف التي يمر بها يومياً، وتترك أنطباعاً خاصاً له أثر في حياته الشخصية من خلال التاريخ الشخصي الذي مر بأحداث كثيرة بعضها مؤلم وبعضها فَرِح، أو تاريخ عام يشترك فيه مع المجتمع وابنائه في افراحهم واحزانهم، في مسراتهم ونكباتهم، أو تكون القضية متخيلة كون الشعر يستند الى بعض الصور المتخيلة التي تدعم القصيدة من خارج الواقع المعاش وتكون جماليتها مختلفة تماماً كون الشاعر قد قدمها وأطلقها في أفق ألا توقع لدى المتذوق الذي لا يمكن أن يتفهمها الا في سياق أشتغالاتها الواقعية في بعض الاحيان، أو ما يتخيله في ذاكرته التي تتفق،أو تختلف في المعنى مع الشاعر . لذلك فإن مجالات العمل على جلب التصورات الداعمة للقصيدة كثيرة ومجالاتها متعددة ومتنوعة، وهنا قد يتخذ الشاعر في الربط بين ما هو متصور وبين ما هو وجداني من رحم الواقع، وبين ما عام وبين ما هو خاص في أنتاج صور شعرية يتحسسها في ضوء صور تشكل في ذاته معاناة كبيرة تجاه التاريخ الوطني،أو الانساني الذي يمكن أن يضيع أمامه تاركاً في ذات الوقت حكايات مجهولة لا يمكن أن تشير اليها، أو تدونها وقائع . فالمجهول قد يكون شيء قادم مخفي، أو قد يكون ماض أختفى مع أصحابه الذين كان لهم أثر في عاطفة الأحبة الذين يتوقون لمعرفة ما كان لهم، أو أين تركوا ما يمكن أن يكونوا حاضرين فيه، باعتبارهم عاطفة قد أصبحت مجهولة الهوية وقد طواها الزمن في مكانات شتى لا يبوح بها هذا الزمن، ومن هنا يأتي لغز الحياة،كمثل جندي مجهول لا يمكن أن تتكوّن صورته في ظل الصور الكثيرة في الأذهان المبعثرة، وهنا تكمن المغامرة الشعرية في أنتاج تصورات عن المفقود الكلي من الجزئيات المبعثرة، وسيبقى المعنى ويختفي الملمح في ضوء الكلي المرمز لذلك المفقود، على اعتبار " إن النمط العام، الذي أرغب بالتأكيد عليه، هو ذلك التصور عن الحياة، أو الطبيعة، كما لو كانت لغزاً لتركيب الصور. إننا نتمدّد وسط هذه القطع المتناثرة من اللغز . ولابدّ أن ثمة طريقة لتجميع هذه القطع مع بعضها البعض (...) أياً كانت الطريقة التي تفضل بها تصوره هو من حيث المبدأ قادر على جمع وتركيب كافة القطع المختلفة في شكل واحد متناسق، وأي أحد يتمكن فعل ذلك سيعرف ما هو العالم "(1) في تصوراته الكلية التي تختفي فيه الجزئيات التي تشبه عمل الجندي المجهول في تضحياته لصالح الكلي، هي بطولة فردية مخفية لا يعرفها سوى الجندي المجهول والشاعر الذي يتصورها في لحظة التضحية التي تُذكر مع أسمه فقط كلما ذُكر صاحبها، وتبقى لحظة احتجاج ضد كل من أراد تصدر الأشياء في جهوزيتها دون أن يقدم شيء في تكوينها، فهذا الاحتجاج الذي يطلقه الشاعر ضد بطولات زائفة للحاضرين، هو احتجاج بصوت الجنود المجهولين، فهو تاريخ يتوازى مع كل نُصب العالم التي وضعت في قلوب العواصم المتحاربة. هذا الاحتجاج الذي يقارب صوت (ويليام بليك) الذي أطلقه سابقاً يحاكي فيه موضوع التضحية بالروح الانسانية لصالح الذين لا يستحقونها، أي " ما رغب فيه (بليك)، مثل كل المتصوفة، هو نوع من أستعادة السيطرة على الجانب الروحي والذي تجمّد نتيجة للانحلال البشري والأفعال الفاسدة لقتلة الروح الإنسانية (...) :

وبكى أطفالهم وبنوا

أضرحة في أماكن مقفرة،

ووضعوا قوانين متعلقة، وسموها

شرائع الله الأبدية "(2)

في هذا السياق تشتغل تصورات الشاعر (عبدالحسين بريسم) في مجموعته الشعرية التي أخذت عنوانها من قصيدته الموسومة ( تاريخ الجنود المجهولين ) وهي من طباعة (دار الصواف ) في العراق محافظة بابل، سنة 2018 . إذ حاول الشاعر في هذه المجموعة الشعرية  أن يكون مدوّن جيد للاحتجاج الذي يتضح في بعض عنوانات قصائده ومنها (تاريخ الجنود المجهولين، أستدرجهم ولا تطع، انتخابات الشهداء، جثث طافية على نهر الفرات) وغيرها من القصائد الأخرى في هذه المجموعة التي تصل الى (21) قصيدة . إذا عمل الشاعر على رصد حقبة تاريخية يطلق عليها (تاريخ الجنود المجهولين)، يحاول أن يدونها بسياقه الشعري، ويذكر فيها الحرب التي أخذت الجنود حطب لها . فالوطن حروبه كثيرة منذ بداية إعلان الدولة والى الآن مروراً بالسبعينات والثمانينات والتسعينات وحتى بداية القرن الجديد، ولكل حرب نشيد يميزها عن غيرها من الحروب، إذ يتجه ببوصلة الجندي المجهول الى أربعة اتجاهات يصور فيها الوطن، وفي أربعة من الفترات العجاف التي يبدأ زمنها الأول في شماله في فترة السبعينيات من القرن الماضي :

" في سبعينيات القرن الماضي

كانت بوصلة الحرب

تشير شمالاً

تأخذ الجنود حطباً

لدفء الجبال

وتعزف موسيقا عسكرية

أناشيدهم جماجم

مازالت أغاني الجنود

حنيناً عاطلاً

صدى لصوت مضى

أنا جندي عربي

بندقيتي في فمي"(3)

بندقيتي في فمي هو الصوت الذي أطلقه في رفض ما أراده أصحاب الحرب بأسم الوطن والوحدة، فهذا الصوت المدوّن للرفض يتكرر في أتجاه أخر وهو شرق الوطن وحرب الثمان سنوات في صورة ثانية، وصرخة أخرى لجندي مجهول في الشرق :

" وفي ثمانينياته

ولت وجهها الحرب

نحو الشرق

سنوات تنزف رجالاً

وملحاً

جنود البوابة الشرقية "(4)

جنود البوابة الشرقية الذين عاد منهم من عاد،وقتل (مجهولاً) منهم من قتل، ليستريح في غيابة الزمن الذي شمل الكثير من أبناء الوطن الذين شكلوا مع غيرهم الاتجاه الثالث من المجهول، ولكن هذه المرة في الجنوب لتقطع معهم رؤوس النخيل أيضاً، من بعد ما كان يميز الوطن في سواد أرضه، أصبح نخيله بلا هوية أيضاً :

" نحو الجنوب

لتقطع رؤوس النخيل

وينمو رصاص الجنود

زرعوا قمصانهم العسكرية

على الطرقات

فما نما إلا العويل على خارطة الوطن"(5)

خارطة الوطن التي تتنظر اتجاهها الرابع حتى يكتمل تاريخ الجنود المجهولين، فغرب الوطن هو المكان الذي ذهبوا اليه، وأنشدوا كل أناشيد التضحية في الألفية الجديدة:

" في الألفية الثالثة

استمرت الحرب

اشتعالاً في غرب الوطن

تتوالد حروباً وصبية تائهين

تأشيرات موت مجاني

وعصبية قاتلة

يا للغرابة

أهذا وطن"(6)

(يا للغرابة أهذا وطن)، هذه الخاتمة في القصيدة، وهذا التساؤل الذي تركه لنا الشاعر، وكأنه يردد صوت ألاف الجنود المجهولين عبر تاريخ تضحياتهم الطويل، وعبر (نُصبهم) التي غطت بأثارها أمكنة الوطن وتاريخه واتجاهاته الأربعة . وبهذا التساؤل في القصيدة صور الجندي المجهول مصير الوطن، وثبت تساؤل أدانة عن صورته التي تلاشت لصالح العصبية القاتلة وأصحابها .

 

أ. د. محمد كريم الساعدي

...............................

الهوامش

1- ايزايا برلين : جذور الرومانتيكية، نقله الى العربية : سعود السويدا، الكويت : جداول للنشر والتوزيع، 2012، ص62.

2- المصدر نفسه، ص107.

3- عبدالحسين بريسم : تاريخ الجنود المجهولين، بابل : دار الصواف،2018، ص14.

4- المصدر نفسه، ص14،ص15.

5- نفسه، ص15،ص16.

6- نفسه، ص16.

 

 

فالح الحجيةمر الشعر الأندلسي بأطوار ثلاثة: فكان منذ الفتح حتى أوائل القرن الخامس الهجري يمثل شعر التقليد لأدب المشرق، ولم يكن التقليد عجزاً عن الابتكار، وإنما شعور بالانتماء إلى الأصل كشعر ابن عبد ربه، وابن هانئ وابن شهيد، وابن دراج القسطلي.

ونلاحظ في هذه الاطوار ان الاول يمتدّ طيلة العهد الأموي وتستغرق نحواً من ثلاثة قرون.وفيها الشعراء والكتاب الذين ظهروا فى هذه الفترة كانوا شديدي الصلّة بأرض المشرق الّتي انطلقوا منها ومنهم العراقي والحجازي ،والشامي واليمنى وكلّ منهم يحن إلى الربوع الّتي فارقها. فاذا الشعراء الأولّون يتّغنون بارض نجد وبلاد الشام واليمن وينظمون قصيدهم على نحو ما كان اهل الشرق ينظمون. ولقد ظهر التقليد فى كلّ شيءٍ، فى المعاني والأساليب والأخيلة والصورالشعرية والموضوعات مثل المديح والهجاء

والرثاء والغزل و..... .

الا انه ظهر جيل اخر ترسم شعراءه خطى من سلفهم لأنّهم كانوا شديدي التأثر بهم ولم تكن الفترة الزمنيّة كافيّة لأنّ تجعلهم يذوبون فى البيئة الجديدة، فقد ظلوا يحسون انّهم غرباء، وظلّت صلتهم بالمشارقة وحنينهم الى مسقط رؤوس ابائهم حاضرة. فنسجوا على منوالهم فى الاوزان والأغراض والمعاني والأساليب لكنّهم يقصرون عنهم تقصير المقلّد عن المبدع. وكان ذلك واضحا فى شعر ابن هانئ الاندلس وابن عبد ربه وابن درّاج القسطلى بحيث كانت مطالع قصائدهم غزليّة تقليديّة وفيها وصف للطلول والصحراء وخيام البدو وحتى الناقة .

لكن ليس طبيعيّا أن يظلّ تقليديّا عدة قرون تقريباً، لولا أن شعراء الأندلس كانوا شديدي المحافظة على التقليد القديم، لشعورهم بالضعف حيّال المشارقة ولكثرة ما اهتدى اليه شعراء المشرق من وجوه الإجادة والإبداع . فكان هولاء الأندلسيون يحاولون تقليد ابي نواس ومسلم بن الوليد وابي تمام والبحتري والمتنبّي وسواهم من فطاحل الشعراء في المشرق العربي فى تلك الفترة من الزمن..

ومما امتازت به هذه المرحلة أيضا النشاط اللغوي فقد بذ ر العرب الأولون القادمون من المشرق بذورها وتعهدها على سبيل المثال ابو على القالي بالعناية فتتلمذ بعض الاندلسيين علي يديه وتخرج على يديه لفيف من الأدباء واللغويين امثال ابن القوطيّة مّؤلف كتاب (الأفعال) وابن السيّد البطليوسى صاحب كتاب (الأقتضاب) وأبي بكر الزبيدي صاحب كتاب (أخبار النحويين) وغيرهم كثير.

اما الطور الثاني وهو طور التجديد وفيه ادرك الأندلسيون خلالها شخصياتهم وتحقق لهم التأثر الفعلي بالبيئة الأندلسية وانماط الحياة فيها وتعمّقت جذورالثقافة العربية فى أراضيهم. وهكذا ظهرت ملامح التجديد فى كلّ من الشعر والنثرعلى حد سواء من غيران يزول التقليد زوالاً نهائيّاً الا انّ تقليد الشعراء الاندلسيين للمشارقة المجددين هو ذاته لا يخلو من تجديد ولعل أبرز مظاهر التجديد فى الشعر الأندلسي بأنّ تلك الفترة تتجلّى فى العناية بالشكل، وقد فهموا ان الشعر عمليّة غنائيّة فنّية فصرفوا اهتمامهم الى الموسقي وسهولة الألفاظ ورشاقة التعبير وخفّة الوزن حتّى بات الشعر الأندلسي فى هذه المرحلة يمتاز عن الشعرالعربي في المشرق بسهولة اللفظ وأشراق الديباجة وقرب المتناول، بحيث ان الأندلسيين بهذه الحقبة نسوا اوطان ابائهم واجدادهم وراحوا يصفون بيئتهم وما فيها من خصب وجمال ونضارة خضراء وتعلّقوا بها تعلّقا زاده حدّة ما كانوا يلقونه من عيون تتفتّح على تلك الجنان واطماع تمتدّ الى معاقل العرب فى الأندلس. فكان الشاعر ينفعل اشدّ الأنفعال لمرأى الأرض الّتي ترعرع عليها وتكوّنت ذكرياته ايام الصبّا والشباب بين حنايها فيغنيها لسانه بغناء عذب رقيق فيصوّر مفاتن البلاد ومحاسنها . ا .*

اما الطور الاخر اوالمرحلة الثالثة فهي مرحلة التجديد وتعني المرحلة الأخيرة من نهضة الشعر الأندلسي، حيث بلغ فيها ذروته. وفيها تحررالشعرالاندلسي من تقليد الشعر في المشرق العربي كل التحرر، وصارت له اساليبه ومعانيه وصوره الشعرية المنبعثة من افكار ومخيلات الشعراء الاندلسيين وفنونه الخاصة به والمستمدة من الحياة الاندلسية الخالصة، كشعر الموشحا ت ورثاء المدن والشعر الغنائي، والاستنجاد وكل فنون الشعر الاخرى …

أنَّ اكتمال الشَّخصيَّة الشعرية الأندلسيَّة لم يؤدِ ّ إلى إثبات الوجدان الأندلسي المستقل فحسب؛ بل ساهم بشكْلٍ كبير في ظهور إبداع أندلسي أصيل شهِدته الأندلس، متمثِّلٍ في الموشَّحات والزَّجل، باعتبارهما فنَّين جديدين في الشعر الاندلسي ثم العربي ، فهما يعدان من ثمار التطور الأندلسي.

وقد صور الشعراء بيئتهم الرائعة ، وبرزت العوامل الأندلسية الذاتية كما في شعر ابن عبدون، وابن خفاجة، وابن سهل، وأبي البقاء الرندي، وابن خاتمة الأنصاري، ولسان الدين بن الخطيب، وابن زمرك، ويوسف الثالث ملك غرناطة، وابن فركون، وعبد الكريم البسطي.

بسبب هذه محاكاة شعراء الاندلس للشعراء العرب في المشرق وتتبعهم أساليبهم ومعانيهم فقد تكنوا باسمائهم فقيل للرصافي ابن الرومي الأندلسي، ولابن دراج متنبي المغرب، ولابن هانئ الاندلسي متنبي الأندلس، ولابن زيدون بحتري الأندلس.

وكانت ظاهرة الانتقاء من التراث من خصائص الأدب الأندلسي، فكانوا يضمنون قصائدهم أقوال الشعراء قبلهم وأشعارهم وأمثالهم وكل ما صادف هوى في نفوسهم. ولقييت حركة التجديد صدى واسعا مستحباً في نفوس الأندلسيين، فلم يتقيد أغلب الشعراء بالاساليب الجاهلية او القديمة ومعانيها وأوصافها وقد نفروا من الألفاظ الوحشية والغريبة عليهم إلى الألفاظ المأنوسة الرقيقة، وكانت القافية الواحدة، وأوزان العروض الستة عشر ومثلها أكثر المعاني والأساليب المتوارثة في الشعر التقليدي في الأندلس .

الاساليب الشعرية في الاندلس تتشابه مع الاساليب الشعرية في المشرق العربي في بداية تكوين الدولة الاندلسية وتختلف عنها باختلافات بسيطة باختلاف شخصية الشاعر.

وعلى العموم كان هناك اسلوب رصين ومتين بنى عليه الشعراء قصائدهم دخلت عليه بعض من كلمات غريبة الا انه بقي جزل العبارة فخم اللفظ شديد سميك البناء .

الا ان الشعراء تاثروا بالامم الغربية بعد اطلاعهم على عاداتهم وتقاليدهم وتغيير البيئة عليهم والشعراء اول الناس يتغيرون ويتاثرون بمثل هذه الامور ويهيمون بمثل هذه الاشياء فادى هذا التغير الى تطور اساليب الشعر فتطور الاسلوب الشعري الغنائي اولا وما ل الشعراء الى التحرر من القيود الشعرية والانطلاق منها فكانت هناك قصائد في الشعر في الاسلوب السهل والتفعلية القصيرة او المشطورة او قل قطعت تفاعيل الخليل الى النصف في بعض الاحيان او الى الربع وحسب الحاجة وموازنة الموسيقى الشعرية الغنائية حيث ظهر الموشح في الشعر العربي في الاندلس واقتبسه الغربيون بعد عشرات السنين والموشح موسيقاه من الاوزان الشعرية المألوفة في الشعر العر بي توشحت اواخره اما بقواف ثنائية او ثلاثية واما بجمل متحدة القافية ومتوازنة المعنى .

اما اساليب الشعر العربي في الاندلس على العموم سهلة رقيقة مفهومة المعنى جعلت الشعراء ينظرون الى التقدم والتحضر والرقي ويلقون بانفسهم في مهاوي الحياة السعيدة المؤطرة بالرفاهية وسبل العيش الهني ينشدون للحياة المرفهة بين الروضة والجنة وبين الغنوة والرقصة واللحن الجديد او بمعنى اخر ينشدون ما يبهج النفس وفق ما املته الطبيعة الاندلسية الخضراء فتركت هذه الطبيعة ثروة شعرية ما زالت تطوي الايام وتقف كالجبل الشامخ في وجه كل الصروف الدهرية والاحداث الجسيمة بقصائدها العصماء التي هي من عيون الشعر العربي ولا تستطيع ان تطويها الايام او تغير من مكانتها الادبية والثقافية رغم مرور مئات السنين .

يتبع

 

امير البيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــــد روز

 

 

رحيم الغرباويقراءة في قصيدة (قدِّيسة الشفتين) للشاعر يحيى السماوي .

الوحدة الخفية لكيان المتألِّه هي وحدة وجود، ومن هذا يمكننا أنْ نقرأ عقيدة الشاعر حين يعيش محنة الاغتراب الروحي والجسدي على السواء، إذ نراه يمازج بين نقيضين من كونين متضادين ومتآلفين، هما الروح السماوية والجسد الأرضي وما يكتنفهما من نزعات ورغبات، لكن عند المتألهين من الأنبياء والأوصياء والولاة والشعراء نجد أنَّ نزعتهم تختلف عن السواد الأعظم، فهُم يرشفون زادهم من ينبوع المطلق؛ كون الروح في أحايين كثيرة تترفع، فيذعن الجسد لها ويرضخ؛ ما يجعله ينقاد لها؛ لذلك نجد أن الروحانيين يعتقدون بعالم الغيب أكثر من اعتقاد الآخرين به؛ فنجدهم يعشون بشفافية عالية، ومنهم الرمزيون والسرياليون والمثاليون والرومانسيون، أي تتعد مذاهبهم في الرؤى بتعدد مشاربهم وتوجهاتهم الثقافية والعقدية .

ولعل هذا اللون من الاتجاه تقَلَّده الشعراء النبوئيون الذين وجدوا من الشعر الميتافيزيقي "تجربة شخصية يفجرها الشاعر في حدوس ورؤى وصور، فالشاعر الميتافيزيقي لايعنى بالأفكار إلا من حيث انعكاسها وانصهارها في نفسه، فالشعر استبطان للعالم وجهد للقبض عليه دون حل أو جزم أو تحديد، وخارج كلِّ نسق أو نظام عقلاني منطقي "(1)، فقد رأينا وليم جيمس شديد الولع بالميتافيزيقيا، إذ يرى أنَّ العلاقة بين الفيلسوف والشاعر وكلاهما يغوران في عالم الميتافيزيقيا " ليست قائمة على الموضوع، ولا على طبيعة المعالجة فحسب، بل هي علاقة تقارب على أساس الميادين التي يدور في فلكها كلٌّ من الفلسفة والشعر " (2)؛ لذا نجد أنَّ علاقة الشعر بالميتافيزيقا، هي أبرز " محور في شبكة الرؤيا الإبداعية للفنان، تظهر على السطح بوصفها واجهة باطنية لعالم الفن، إذ أنَّ ميتافيزيقا الفن بوجه عام هي معالجة الفن من رؤيا معينة، أعني من حيث علاقته بالوجود الإنساني: والفنان أوالعبقري هو الذي تتيح له قدرته المعرفية أن يرى حقيقة العالم بأسرِّه والوجود في جملته "(3)؛ لذلك نرى رسالة الشاعر هي ذاتها رسالة الفيلسوف، إذ أنَّ عثور كلٍّ منهما "على موضوع مؤثر يدل بوضوح على امتلاك كلٍّ منهما حالة مضيئة تسمى الإلهام أو الحدس أو الاستبصار... وثمة قرابة تجمع ... هي العناية والانشغال بمصير الإنسان ومواقفه البشرية، وقيمه الخلقية " (4) .

ويعد الشاعر يحيى السماوي من الشعراء الذين انشَّدوا إلى عالم الميتافيزيقا وهو ينظر بعين الفيلسوف وبقلب الشاعر حين يخترق عوالم الميتافيزيقاً بحدوسه واستبصاراته بعدما عاش الغربة بعيداً عن الوطن متوحداً مع المعنويات؛ ليقدِّم صوراً لها بأشكال محسوسة، موظفاً صور الجمال المادي في خدمة المُستَبصر المعنوي؛ ليرقى إلى عالم المثال (المقدس) بعدما ألمَّت به مواجع الوطن السليب والغربة الماحقة التي ما زال يعيشها بعيداً عنه، فنراه يجسد في قصيدته (قدِّيسة الشفتين) كيف براق المرأة يتطوَّف في عالمٍ سرمدي؛ من أجل أنْ يرى إشراقة النور شأنه شأن المتصوفين وهم يغمرون ذواتهم في شمس الحقيقة، فيقول (5):

في ليلِ إسراء المقدَّسة /البتولِ /

الإبنةِ / الأمّ / الصديقةِ / والرفيقةِ

أشرَقتْ شمسان

شمسٌ خضَّبتْ بالضحكةِ العذراء

أوتارَ الربابةِ

فاصطفاها القائمون إلى صلاة العشق

مِئذنةً ,

وشمسٌ نورها الصوفيُّ

أكثرُ خضرةً من بُردةِ الفردوسِ ...

أسرى بي شذاها نحو مملكة الرحيق.

ويبدو أنَّه يتعالق مع ليلة إسراء الرسول التي لها أثرها عند المسلمين؛ لما لها من قدسية عظيمة، إذ أوردها قرآننا الكريم في قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (6)، ما جعل المرأة (الوطن) بمخياله تتطوف وهي تحمل سرَّ الأبدية، و من خلال هذا الإسراء المقدس انبثقت شمسان، الأولى خضَّبت أوتار الربابة، كناية عن التراث المجيد الذي ظلَّ ناصعاً بما فيه من حسٍّ فني مُمثَّلاً بالربابة، وهو دائماً في حالةٍ من السرور؛ لهيبة مقامه لدى المثقفين والمجاهدين والمتذوقين وعشاق الفن؛ ولا يخفى أنَّ تراتيل القرآن الحنيف تؤدى بموسيقى طروبة تخشع لها القلوب قبل الآذان؛ ما عُد هذا التراث مئذنةً في رؤيا الشاعر؛ لما يتَّسم به من نبل وقداسة، أمَّا الشمس الأخرى التي بزغتْ، فهي شمس الشاعر المتصوّف الذي أسرى به شذاها نحو مملكة الرحيق، وهل في الوطن أجمل من رحيقه ؟ ولعل الشاعر في هذا التشكيل الفني يشير إلى قداسة الهدف وسموه، وهو يتوجه صوب المقدس ببراقين: براق المرأة (الوطن) التي يرى فيها صوراً متعددة من القداسة والوفاء والحنان، وكل ماهو جميل وسار . والآخر: هي الشمس ذات النور الصوفي الأخضر التي لاتُقارَن حتى ببردة الفردوس، وأيّ بهاء هذا الذي يستشعره الشاعر، وهو يعيش عالمَ الدهشة والرفعة والخيلاء حين يستذكر المرأة (الوطن) ورحيقه .

ثم يقول:

فأنا بها

المتهجِّد

الضلِّيل

والحُر المكبَّل بالهوى القدِّيس

والعبدُ الطليق،

والمٌقلة العمياء

والقدَمُ المُخضَّبُ

بالبريق .

وأنا اللهيب الباردُ النيران ...

والماء الذي أمواجهُ

تغوي بساتين اللذائذِ بالحريق .

نرى السماوي يدخل في صراع مع الذات، فهو المتهجِّد والضلِّيل، والحر والعبد، والمقلة العمياء والقدم المخضَّب بالبريق، وهو اللهيب البارد والماء الذي يغوي بالحريق، يشير بتلك الأضداد إلى التراث القوي والمعاصرة الضعيفة الغوية المستكينة لواقع العراق اليوم , فبعدما كان مقدساً صار مدنساً، وبعدما كان فتياً وحرَّاً طليقاً، صار عبداً مملوكاً في ظل الاحتلال والتبعية، وكما كان لهيباً صار بارد النيران، بينما بساتين اللذائذ صار يغويها المال وهو ينهمر على بساتينها لكنه، ما فتئ يغوي تلك البساتين بالحريق، في إشارة إلى الدمار الذي خلَّفته القوى الضالة من تفشٍّ للفساد والسحت الحرام في ضِياعهم و(فللهم) وبساتينهم التي جعلوا من الماء يسري فيها إشارة إلى المال الحرام، مستعملاً لفظة الماء مجازاً على الرغم من أنه يطهر الأشياء لكن استعمله مجازاً؛ لعلاقة السببية .

ثم يعطف، ليقول:

أهي الطريق

إلى المزيد من الفجائع؟

أم هي الفردوس؟

لستُ اللهَ ...

كيف – إذن - سيعرف ما نهايتُه الغريق؟

فنراه يعيش الحيرة أمام هذه الفجائع، فهو يستنكر أنْ تكون الجنة التي وُعِد بها العراقيون ما قبل سقوط النظام بهذا الحال، فالوطن اليوم ليس هو الجنة المرتجاة، ولعل السفينة التي يقودها المتخرصون غارقة لامحالة ولايمكن للغريق أن يدرك النهاية مادامت الأمور آيلةٌ إلى المجهول .

ثم يقول:

الورد للشرفات ...

والماء السلافةُ للفراشة

انجدي حلَّاجك المحكوم بالصلبِ المؤجَّل

انجديه !

عسى ينشُّ السعفُ عن صحنِ الفراتِ الجوعَ

والقنديل في ديجورِ دجلة يستفيق .

ليقرر حيقة أنَّ الورد للشرفات تجمِّلها، بينما الماء الزلال هو منهل الفراشات كناية عن الترف الوديع لكل ماهو حي وجميل، فالورد لايحيا إلا بالنظر إليه بعناية ووداعة، والشرفات رمز الرخاء والعمران والمدنية، بينما الماء السلافة فيمثل الفطرة النقية والطيبة التي تتدلع حوله الفراشات في إشارة إلى عصور النقاء، فالسماوي يقارن هذه الصورة بالماضي البعيد حيث حضارة العرب ونقاؤهم وصفاء عالمهم الغني بالجمال، الوارف بالخصوبة؛ مستحضراً المدينة الفاضلة الأثيرة (بغداد) ذات التراث التي نجدها ماكثة في ذهنيته؛ لتنجد الحلَّاج من الصلب، وحلاج الشاعر مبادؤه التي تخالف مبادئ حكَّام العصرمن الظلاميين؛ كي يوحي للسعف أنْ ينشَّ الجوع عن صحن الفرات، ومن عادة السعف الذبول حين يموت صاحبه أو إذا مادهم من يرعاه عارض مميت، فبمحياه يعمُّ الخير، إذ يعود السعف؛ ليثمر من جديد، فيملأ صحون من يسكن الفرات، ويعني بذلك أبناء وطنه العراق، أمَّا القنديل فيعود مرة أخرى يضيء إذا ما عاد الحلَّاج إلى بغداد من جديد؛ ليحيي المبادئ والقيم والعلوم والمعارف التي هي على وشك الضياع لما آل  إليه الوطن بجميع مرافقه .

ثم يقول:

الماءُ أعطشني

فهل لي من سرابكِ رشفةٌ

تحيي رمادَ غدي ؟

الشواطئ أوصدتْ أنهارها

والنبعُ فرَّ،

وليس من حبلٍ لأدلوَ

من سلافةِ بئرِ واديكِ العميق،

أو لستِ مَنْ بعَثتْ رمادَ هشيمِ مائدتي

وأيقظتْ الربابةَ من عميقِ سُباتها

فاخضرَّ بعد يباسه

حجر الطريق .

ولكونه يعيش في الغربة، فقد أنهكه الظمأ، وأنَّ بلده صار سراباً، فعساه أنْ ينهل ولو رشفةً من لقائه؛ لتحيي رماد مستقبله بعودةٍ مأمونة، ويبدو أنَّه يتأمل خيراً في قابل الأيام، أما في الوقت الحاضر؛ لما للظروف البائسة التي حلَّت ببلده؛ ما جعل الشواطئ توصد أبوابها أمامه، بينما النبع فرَّ هارباً من ضجيج الحروب والمزمجرات، وقد أشار للشواطئ والنبع كونهما رمزين من رموز الخير والعطاء، كما أنَّه ليس هناك من حبل؛ ليدلو دلوه بواسطته، فكل شيءٍ عائد إلى يباب . ثم يُسائل بغداد أليست هي يوماً من بعثت من هشيم رماد مائدته الخير الوارف ؟ كما أنَّها هي من أيقظت فيه تراثه الأصيل الممثل بالثقافة والفن والإبداع بعدما كان في سبات عميق، بينما هي من جعلت الطريق مخضرَّاً يوماً؛ كناية عن نيل الهدف . ويبدو أنَّ استفهاماته هي أملٌ مستقبلي يريد إضاءته؛ لأنه يحاكي بغداد عاصمة بلاد الرافدين الذي انماز بأسطورة عشتار رمز الولادة والخصب والنماء .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

..................................

الهوامش:

(1) زمن الشعر، أدونيس: 279 )

(2) مشكلة الفلسفة، د. زكريا إبراهيم: 231-244

(3) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي: 56، وينظر:الفنان والإنسان، د. زكريا إبراهيم: 226

(4) دراسات في الشعر والفلسفة، د. سلام الأوسي: 86

(5) مجموعة (اطفئيني بنارك) للشاعر يحيى السماوي: 57

(6) سورة الإسراء: 1

 

عبير خالد يحيىللقاصة السورية د. عبير خالد يحيي

مجموعة قصصية للكاتبة السورية عبير يحيى.. 20 نصًّا توزّعوا على ما يقارب المائة صفحة.. عن دار النابغة مصر.

الكاتبة لها أكثر من 10 إصدارات.. منها شعر.. ونقد.. والسرد. كما لها عدة دراسات نقدية ذرائعية منشورة.

تعرفت على الكاتبة من خلال إصدارها الموسوعي الذرائعي النقدي الصادر في ثلاثة أجزاء تنظير المنظر العراقي عبد الرزاق عودة الغالبي ودراسات تطبيقية للكاتبة. كان ذلك في معرض القاهرة للكتاب نوفمبر 2019 عرفت أنها تكتب الشعر والقصة, بعد أن أهدتني نسخة من مجموعتها "ليلة نام فيها الأرق". التي شحنتها إلى عدن عبر البحر ضمن كتب اقتنيتها من أيام المعرض.. إلّا أن تلك الكتب لم تصلني شهر مارس 2020. أثر مروري بعدن.. لأحمل كتبي وأحشرها تحت مقاعد العربة.. خوف مصادرتها من قبل نقاط المليشيات إلى صنعاء.. فعناصر تلك المليشيات يرون في الكتاب ريبة وشك.. وكثيرًا ما يصادرون كلما يقع بين أيديهم.. فرعبهم من الكتب قوي.

ليلة نام في الأرق.. عنوان يشكل صورة مغايرة لمدلول الأرق.. كمات حمل جملته مفارقة تجعلنا نقف متسائلين: إذ كيف ينام الأرق.. وهو إلَّا نوم في معناه. أربع كلمات كوّنت نصًا مكتملًأ لجنس الومضة السردية.. صيغت بحرفية فنية ولغوية عالية.. حين نجد الكاتبة وقد روّضت الأرق لينام. ظننت بأن تركيبة تلك الجميلة العنوان قد أتت مصادفة.

وقد حسبتُ الكاتبة ضمن عدد ممن يتناولون النقد.. ثم ينجذبون لرياح السرد.. محاولًا الركوب على تيارين ليحصد الفشل... وخاصة من يقعون في شرك الاستسهال. ظننتُ وكل ظن متعة أن كاتبتنا من أولئك.. وأنني سأجد نصوصًا ركيكة.. لكني ما أن قرأت أولى نصوص المجموعة حتى كشف عن قدرت عالية.. تفصح عن مبدعة متمكّنة من أدواتها الفنية.. وأن تركيب جملة عنوان مجموعتها لم يأتِ مصادفة.. بل عن وعي عالٍ. إذ أن جمل أولى نصوص المجموعة "يوم مُت". جاءت مبهرة.. تماثل روعة عنوان المجموعة.. وسأقتص منه "وحدها أمي كانت ترى في ضحكتي المعاقة حياة". يمكن للمتلقي كل حسب معارفه قراءة تلك الجمل.. فأمر طبيعي من أم أن ترى الأم ما يأتي به ابنها جميل.. لكن أن توصف تلك الضحكة بالمعاقة.. هذا ما يبعث على التأمل.. والتساؤل.. فمفارقة ضحكة معاقة.. وحياة. الجملة الثانية "أرى دواخل الباقي من آل آدم بعيني العمياوين..." . والثالثة "أسمع من الأصوات ما يعجبني فقط.. أضيف لإعاقتي اعاقة جديدة باختياري...". تلك الجمل النصية بدلالتها.. ليست هي الميزة الوحيدة التي تميزت بها نصوص هذه المجموعة. إذ أن المفارقة حاضرة أيضًا بشكل مدهش في نهايات معظم النصوص. تلك المفارقة التي تختلف عن نهايات كثير من قصص الكتّاب.. فمفارقات عبير تأتي لتسلّط الضوء على بعض التساؤلات.. إلّا أنها لا تتوقف عند ذلك.. بل أنها تحمل في الوقت نفسه مزيدًا من التساؤلات.. تلك التي تدفع بالمتلقي إلى إعمال الفكر بالبحث عن أجوبة " لكن نظرة أخرى إلى من فوق الطاولة.. جعلت لمى أيضًا تصرخ صرخة أعلى.. قبل أن تسقط فوق سارة" هذه الكلمات الأخيرة لنص بعنوان "نهاية الانتظار".. وحكاية النص أن صديقتين حميمتين.. تدرسان الطب.. لمى تحب حسن أخ صديقتها سارة.. الذي اختفى منذ أشهر في ظل ظروف الحرب السورية.. حتى أمسى مصيره مجهولًا.. إلا أن سارة أخته تفاجأ بوجود جثته ممددة أمام الطلبة كعيّنة لتشريحها.. يغمى عليها وتسقط أرضًا.. لتهبّ لمى حبيبة حسن تستطلع سبب سقوط سارة.. وما تكتشف الأمر حتى تسقط هي الأخرى.

بالطبع النهاية أجابت على تساؤل حول مصير الغائب حسن.. ولكنها في الوقت نفسه أضفت تساؤلات جديدة .. كيف قتل.. وكيف جلبت جثته إلى طاولة التشريح؟. إلى آخر تلك التساؤلات...

نهاية لنص قصصي "أماه أنا مازلت عذرااااء.

وصوت الطبيب الذي دخل توًّا في ذات اللحظة: البقية في حياتك .. لم نتمكن من إنقاذها".

 تلك نهاية لقصة بعنوان "قرناء السوء". لزوج يأتي أم زوجته متذمّرًا من رفض ابنتها النوم معه.. مهدّدًا بالزاوج من أخرى.. تفكر الأم بعلاج لعزوف ابتنها التي كانت تسألها عما يشكو زوجها إلّا أنها كانت تردّ عليها إلى أن كل شيء على ما يرام.. وتحت تكرار شكوى الزوج تذهب الأم إلى شيوخ العلاج بالقرآن الكريم.. الذي يؤكّد لها أحدهم بأن ابنتها لها قرين من الجن.. وقرينها يرفض أن يشاركه أحد فيها.. وأن علاجها ركوب البحر في ليلة عاصفة لتخيف القرين.. حتى يفارق البنت خوفًا من العاصفة.. ترتّب الأم مع صاحب قارب على نقلها إلى جزيرة بمبرّر زيارة أختها.. ومع بداية ليلة عاصفة يتحرّك القارب بالأم وابنتها.. وأثناء العبور تشتد العاصفة.. أثناء ذلك تتحاوران.. لتكتشف الأم بأن ابنتها لا تزال عذراء.. وما ادعاءات الزوج بتمنّعها إلى لذرّ الرماد على العيون.. بغرض إخفاء عجزه.. لكن العاصفة تغرق القارب ويتم انتشالهما بين الحياة والموت.. تعيش الأم وتلفظ الابنة أنفاسها.

 تختلف لغة خطاب نصوص المجموعة بشكل مطرد.. فنص بعنوان "برغماتي" مختلف في لغته عن نص بعنوان "ضربة جزاء" وهكذا تأثّث الكاتبة نصوصها بتباين خطابي واضح.

تلك اللغة التي شكّلت بنى النصوص على شكل فقرات خبرية مترابطة.. نسجته الكاتبة بشكل فني مكثّف.. فنص بعنوان "نهاية الانتظار" تبدأ بتساؤل من لمى لصديقتها سارة حول صحتها بعد ملاحظة شحوب وجهها.. لتخبرها أنها قلقة على صحة والدها بعد اختفاء شقيقها حسن.. الذي يزوره في أحلامه ميتًا.. فقرة ثانية حول طبيعة العلاقة العاطفية بين لمى وحسن الغائب. فقرة ثالثة تسلط الضوء عن عمق الصداقة بين لمى وسارة.. فقرة رابعة تصف الكاتبة وضع المدن تحت سيطرة المليشيات.. فقرة تالية قبل الآخرة.. وصف حول دراستهن للطب.. فقرة أخيرة تصوّر لنا الكاتبة قاعة التشريح.. حيث تسقط سارة مغمي عليها.. لتلحق بها لمى بعد أن شاهدت جثة حسن على طاولة التشريح دون أن تذكر الكاتبة من يكون.. وقد تركت للمتلقي تخمين ذلك. وهكذا معظم نصوص المجموعة .

النصوص تنوّعت من نصوص حوارية مثل نص بعنوان "مركب نقص" إذ لا وجود للوصف أو لحدث خارج مسارات الحوار بين الأم والابن المتسلّط. إلى نصوص تتّسم بحوار داخلي للشخصية.. مثل "ضربة جزاء" و"سيرة ذاتية" و"وجوه". ونصوص أخرى غلب عليها الوصف كنص بعنوان "كتلة قذرة" حيث تصف الكاتبة رجل كان من ذوي الوجاهة أو ممن أثرَوا بطرق غير مشروعة.. إلا أنه ضيع ما جمعه في صالات القمار والمواخير.. ليهيم بعد ذلك على وجهه.. يحمل أشلاء طفلته التي باع المختطفون أعضاءها لعدم قدرته دفع ما طلب منه كفدية.. "سبحان مغير الأحوال.. هل عرفته؟!. نطقها أحد المارة ضاربًا كفًّا بكف.. منبهًا مرافقه.. مشيرًا باتجاه الرجل.. كهل انحنى.. تكوم هيكله في بذلة فاضت عليه.. وتمزّقت في مواضع كثيرة.... لترسم خارطة البؤس والشقاء. إن أمعن أحدهم النظر فيها قد تدلّه بقعة صغيرة جدًّا أنها من القماش الفاخر المصنوع للنخبة.. سوادها خالطته كل ألوان القذارة.. فغدا لونًا بلا انتماء..."

وهكذا في نص بعنوان "نذور الوطن".

نصوص أخرى غلب عليها لغة الوجد.. مثل نص ""ليلة نام فيها الأرق".

المكان شبه متماهي.. وإن ذُكرت الإسكندرية في بعض نصوصها سواحلها وبعض أحياءها ومعالمها.. مثل نص "سيرة ذاتية" حيث كان قصر المنتزة وبحر الكونيش مكانًا.. كما كانت بعض النصوص قد أشارت إلى أوضاع سورية.. وما يدور من نزوح للأهالي والاختطاف.. وتعدّد الاستشهاد.

سلطت بعض النصوص الضوء على قضايا اجتماعية هامة ومنها نص بعنوان "الأفئدة الراحلة". وغيرها من نصوص المجموعة. نصوص المجموعة وما تحمله من هموم مجتمعية.. ورؤى قيمية أظهرت بصمة الكاتبة المتميزة.. خاصة في نص "يوم مُت". حين شكلت من بعض جملها كما ذكرنا سابقًا نصوصًا مكتملة.

هي قراءة سريعة.. من كاتب يتعاطى السرد الروائي.. ويأخذ بمقولة الروائي الإسكندراني محمد محمود عطية.. أن القاص أكثر إلمامًا بقراءة النصوص السردية.. تحية لنجمة أدبية أثبتت وجودها من خلال تعاطيها النقدي الذرائعي.. كما هي في نصوصها الشعرية والسردية.

 

بقلم الناقد: الغربي عمران

 

 

عبد الله الفيفيأشرنا في مساقٍ سابقٍ إلى أن حكاية البحر المتدارك حكاية؛ لكثرة رُخَصه: فاعلن/ فَعِلُن/ فاعلْ+ فاعلُ. حتى تصوَّر بعضٌ أنَّ الخَبَب بحرٌ مستقلٌّ؛ لأن التفعيلة (فاعلن)، التي يُفتَرض أنها أصل هذا البحر، تبدو نابيةً حين تَرِد مع تفعيلات (فَعِلُنْ/ فاعِلْ). كما أن هذا البحر قد يتَّفق إتيانه في النثر المحض؛ ولعلَّه لذلك أهمله (الخليل). وقد ضربنا على إشكالات هذا البحر مثالًا من الشِّعر التناظري لدَى (أحمد شوقي)، وشَهِدنا خروجه عمَّا أجازه العَروضيُّون في حشو هذا البحر. أمَّا في شِعر التفعيلة، فنستشهِد بـ(نزار قبَّاني) على سبيل المثال، لا الحصر:

يا سِتَّ الدنيا يا بيروتْ

مَن باعَ أساوركِ المشغولةَ بالياقوتْ؟

مَن صادرَ خاتمكِ السحريَّ،

وقصَّ ضفائركِ الذهبيةْ؟

[مَن ذبـ][حَ الفر]حَ النائمَ في عينيكِ الخضراوينْ؟

مَن شطَّب وجهكِ بالسِّكينْ،

[وألـ]ـقَى ماءَ النار على شفتيكِ الرائعتينْ

مَن سمَّمَ ماءَ البحر، ورشَّ الحقدَ على الشطآن الورديَّةْ؟

ها نحن أتينا.. معتذرينَ.. ومعترفينْ

أنَّا أطلقنا النار عليكِ برو[ح قَبـَ]ـلِيَّةْ..

فقتلـ[نا امرأ]ةً.. كانت تُدعَى الحُريَّةْ...

فتلحظ استعماله تفعيلة (فاعِلُ) أربع مرَّات، في مقطعٍ تفعيليٍّ قصيرٍ من قصيدةٍ طويلة، وهي المقوَّسة من النصِّ. بل إنَّك في بعض الأسطر تقرأ شيئًا عَجَبًا:

مَن شطَّب وجهكِ بالسِّكينْ،

[وألـ]ـقَى ماءَ النار على شفتيكِ الرائعتينْ

فسكَّنَ نهايةَ السطر الأوَّل، ليكسِر التفعيلة، على نحوٍ لا نعرفه في أيِّ مذهب، متطرِّف أو معتدل، قديمٍ أو حديث. ولو قال: "مَن شطَّب وجهكِ بالسِّكينِ، وألـقَى...". لاستقامت تفعيلته. أمَّا أن تصبح التفعيلة مجرَّد وتد، هكذا (وَأَلْـ = فَعِلْ)، فلم يسمع بهذا أحدٌ قبل القبَّاني! ومن حُسن الحظِّ هنا، أو سوئه، أن قصيدة الشاعر مسجَّلة، بقلمه وبصوته، فلا مجال للاعتذار بخطأٍ كتابيٍّ أو قرائي!

ويُمكِن أن نستنتج من هذا أن هؤلاء الشعراء يعوِّلون على سلائقهم، التي لا يُعوَّل عليها، ولا عِلْم لهم بالعَروض، بوصفه عِلْمًا. ومن مؤكِّدات ذلك، لدَى (نزار) تحديدًا، ظاهرة التكرار الغريبة العجيبة في قصائده، وكأنَّما هو يجترُّ الجُمَل لاستعادة التعكُّز عليها إيقاعيًّا بترديدها؛ حتى لا يكلِّف نفسه ضبط إيقاع جديدٍ لكلام جديد. وأغلب الظنِّ أن هؤلاء الشعراء كانوا يعتمدون على أنفسهم على هذا النحو، من دون تدقيقٍ عِلْميٍّ في أوزانهم وتفعيلاتهم، مُغترِّين بالمقولة الشائعة: إنَّ الشعراء لا يحتاجون إلى عِلْم العَروض، وهم أكبر من العَروض. وهذا صحيحٌ بالجملة لدَى الشاعر المطبوع قديمًا، غير صحيح بالتفصيل؛ وإلَّا لتحاشَى هؤلاء هناتٍ تعيب شِعرهم، كانوا في غِنًى عنها. ولولا تلك الثقة العمياء الزائفة لما وقع (أبو تمَّام)، وهو مَن هو، في أخطاء عَروضيَّة لا مسوِّغ لها، وإن التمسَ له المعتذرون المعاذير. فما كان أحرى الشعراء بمنهج (أبي العلاء المعرِّي)، الذي لم يغترَّ بفِطرته الشِّعريَّة، بل قوَّمها بعِلم العَروض، فما عَثَرَ في شِعره، في ما نعلم، على تلك الاختلالات التي يُعثَر عليها لدَى غيره من الشعراء. ولقد درستُ "سَقْط زَنده" و"لزوميَّاته"، خلال بحثي في "الصُّورة البَصَريَّة في شِعر العُميان: دراسة نقديَّـة في الخيال والإبداع"، وما وقفتُ على شيءٍ من الخلل في موسيقاه. بل هو إنَّما بنَى لزوميَّاته على الالتزام بما لا يلزمه موسيقيًّا في قوافيه. كان أبو العلاء كذلك؛ لا لأنه كان يعتمد على سمعه بسبب كفِّ بصره فحسب، بل لأنه أيضًا عالمٌ بالعَروض، كما دلَّت على هذا كتبُه.

ولعلَّ استخفاف شعراء التفعيلة بضبط إيقاع تفعيلاتهم، من نحو ما رأينا لدَى (نزار)، وهي ظاهرةٌ لمن تتبَّعها، كان هو السطر الأوَّل في كتابة قصيدة النثر العربيَّة. ولروَّاد قصيدة النثر حَقٌّ حينما يسمعون قصيدةً، كقصيدة نزار "يا سِتَّ الدنيا"، لا بالتفعيليَّة الملتزمة هي ولا بالنثريَّة الخالصة؛ لسان حالهم: إمَّا أن يكتب الشاعر قصيدة تفعيلةٍ ملتزمةٍ بالتفعيلة، كما يدَّعي، أو فليكتب قصيدة نثر، ويريحنا من أوزار التفعيلات ويستريح!

إن فكرة القصيدة العربيَّة قائمةٌ على تحدِّيَين، هما: تحطيم اللغة، ثمَّ إعادة بنائها في خَلْقٍ جديدٍ قويم، غير ما كانت عليه في سالف بنائها المألوف. وتلك فكرة الخَلْق أصلًا؛ من حيث إنَّ الإبداع الأوَّل للخَلْق جاء على هذا المنوال، خَلْقًا منظومًا على أبحُر، لا حُرًّا ولا نثرًا. ومن دون هذا يُضحِّي المُبدِع- إنْ صحَّتْ تسميته مِن بَعْدُ مُبدِعًا- بأداتَي تحطيم المادَّة ثمَّ إعادة تخليقها وبنائها، راكضًا وراء معنًى سرابيٍّ، تُحَصِّله اللغةُ اليوميَّةُ الاعتياديَّة، فيخسر بذاك الشِّعريَّةَ من حيث جوهرها، بوصفها خَلْقًا لُغويًّا. وهذا يُحدِّد مفهوم الإبداع؛ فلا إبداعَ بلا نِظامٍ متناسل. لا يعني هذا التوقُّفَ عند القوالب الموروثة الجاهزة، دون خروجٍ عليها؛ لأنَّ هذا يعني في المقابل أنَّ عمليَّة الخَلْق الفنيِّ قد توقَّفتْ على ما أنجزه الأسلاف. بل يعني أنَّ فكرة الخَلْق الفنيِّ قائمةٌ على تلكما العمليتَين معًا: تفتيت المادَّة الأوَّليَّة، ثمَّ إعادة تشكيلها خَلْقًا آخَر. أمَّا التخلِّي عن هذا، بدعوَى أن عمليَّة الخَلْق قائمةٌ في المعنى والرُّوح والمضامين، فتصوُّرٌ أشبه بادِّعاء تحضير الأرواح بلا أجساد، فضلًا عن كَونه أمرًا قائمًا أصلًا في جِنسٍ آخَر، هو: النثر الفنِّي، ولا جديد عندئذٍ تحت النصِّ، سِوَى نِسبة جِنس أدبيٍّ (النثر الفنِّي) إلى جِنس أدبيٍّ مختلفٍ: (القَصيدُ الشِّعري). وكذا فإنَّ الاكتفاء بتعبئة الأجساد الشِّعريَّة الجاهزة، التي أنجزها العرب منذ مئات السنين، هو إفلاسٌ آخَر للإنسان العربيِّ المعاصر، وعجزٌ عن أن ينهض بالسَّويَّة الفنيَّة التي كان عليها الشاعر العربيُّ قبل زهاء ألفَي عام، أو التي كان عليها الشاعر الأندلسيُّ يوم أن اتَّخذ الموشَّحات أجنحةً شِعريَّة، أو تلك التي لدَى الشاعر العامِّيِّ حين يصطنع أشكاله البنائيَّة المبتكرة. بغير هذا نصبح إزاءَ شِعرٍ لا يختلف كثيرًا عن منظومة (ابن سودون المجنون/ أو الساخر، -868هـ= 1463م)، إذ يقول، لا فُضَّ فوه!:

الأرضُ أرضٌ، والسَّماءُ سَمــاءُ  ...  والـماءُ ماءٌ، والهواءُ هواءُ

والبحرُ بحرٌ، والجِبالُ رواسخٌ  ...  والنُّورُ نُورٌ، والظَّلامُ عَماءُ

والحَرُّ ضِدُّ البَردِ قَولٌ صادقٌ ...  والصَّيفُ صَيفٌ، والشِّتاءُ شِتاءُ

كُلُّ الرِّجالِ على العُمومِ مُذَكَّرٌ  ...  أمَّا النِّساءُ فكُلُّهنَّ نِساءُ!

***

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

 

مادونا عسكرفي قصيدة "خلايا الأربعة" للشّاعر الفلسطيني فراس حج محمد

أولا: النّص

خلايا الأربعة

ثلاثةٌ وأربعُ نسوةٍ

فكيف يقتسمون ما زاد عن عدد الذّكور؟

لا بأس إن طمعوا في وجبة أخرى

على جسد جميل أبيضَ مثل الحرير مؤجّل لنهاية السّهرة؟

يتبادلون بمائهم بوردتها النّديّة

ويملؤون الكأس ثانية وثالثة ويخرقون المحبرةْ

ويخمدون على رماد محترقْ

ثلاثة وأربع نسوة غرقى بهذا اللّحم

منذ بداية الحضرةْ

يا ليتهم أكلوا على مهل خلايا الأربعة.

ثانيا: القراءة

يعتمد هذا النّص ببعديْه الأفقيّ والعموديّ على الرّمزية الّتي تخلص بالقارئ إلى عوالم الشّاعر الدّاخليّة العميقة. والمقصود بالرّمزيّة استخدام الشّاعر لمصطلحات تحتاج للتّفكيك كيما نتبيّن مقاصده أو نتلمّس بعضها.

يدلّ العنوان على حركة النّص الّذي تعمّد الشّاعر فراس حج محمد أن تكون مبهمة بعض الشّيء ليستفزّ القارئ إلى العلوّ والعمق في آن. (خلايا الأربعة). الخليّة جزء لا يتجزّأ من الحياة الإنسانيّة وينبغي أن تكون تامّة عاملة نشيطة كي لا ترهق الجسد، وبالتّالي فنحن أمام حركة نشيطة في كيان الشّاعر نفسه، بل حركة تامّة تؤمّن له السّعادة الكيانيّة. مع العلم أنّ (خلايا) منسوبة بالإضافة لـ (الأربعة) وليست للشّاعر. لكنّ ثمّة اتّحاداً بينه وبين هذا الرّقم الّذي له دلالة أرضية يدعمها الشّاعر بدلالة سماويّة (ثلاثة)، الرّقم الذي يرمز إلى العالم الإلهيّ (عالم الكمال). وهنا تتجلّى الحركة الأفقيّة باتّجاه العلوّ، والحركة العموديّة باتّجاه العمق.

(ثلاثةٌ وأربعُ نسوةٍ ) إذا اعتبرنا أنّ ثلاثة تعود إلى الذّكور مع أنّ الشّاعر لم يذكر هذا الأمر سنقع في الفخّ التّضليلي الّذي أراده الشّاعر. فثلاثة تساوي عالماً واحداً، ونجد أنفسنا أمام شخص واحد لا ثلاثة. وأمّا النّسوة الأربع فهي الخلايا الّتي ذكرها الشّاعر في العنوان. وهنا أيضاً سنكون أمام شخص واحد بدل الأربعة استناداً إلى الجملة التّالية (فكيف يقتسمون ما زاد عن عدد الذكور؟).

الاقتسام هنا معنويّ غير ماديّ، إذ يقصد الشّاعر كيفيّة اتّصال العلو الكامل بالعمق الأرضيّ. الخلايا الأربع تجتمع في جسد واحد، وهي ذاتها تحمل في داخلها ما هو إلهيّ. ولعلّ (الأربعة) ترمز ضمناً إلى جهات الأرض الأربعة، وبالتّالي ثمّة صراع بين السّماويّ والأرضيّ، أو بمعنى أتمّ جاذب إلى العلا وآخر إلى الأرض (لا بأس إن طمعوا في وجبة أخرى/ على جسد جميل أبيض مثل الحرير مؤجّل لنهاية السّهرة؟). الطّمع لا يسكن العلو، بل الأرض، وهو يرمز بشكل أو بآخر إلى الطّمع بالمزيد من الاحتراق والرّغبة. وأمّا الجسد الأبيض الجميل مثل الحرير فيرمز إلى العلو. فالكاتب يريد بالجسد الكيان كلّه وليس اللّحم والدّم. ما تؤكّده الجملة التّالية المتضادة مع الأولى (ثلاثة وأربع نسوة غرقى بهذا اللّحم). الوجبة الأخرى مؤجّلة إلى نهاية السّهرة أي إلى نهاية الحياة الواقعيّة بانتظار استكمال الحياة. 

سيمرّ الشّاعر بمراحل متصاعدة حتّى يبلغ المقام الأرفع (يتبادلون بمائهم بوردتها النّديّة/ ويملؤون الكأس ثانية وثالثة ويخرقون المحبرةْ) وما ملء الأكؤس إلّا تعبير عن هذه الحالة التّصاعديّة حتى بلوغ تمام النّشوة وذروة الحالة العشقيّة.

لا تخلو هذه القصيدة من المعاني الأيروسيّة إلّا أنّها تتخطّى الحدود البيولوجيّة إلى معنى الرّغبة بالحبّ. وهنا يدخل معنى الرّغبة إلى قسمين: الأوّل جسديّ يرتقي إلى الرّوحيّ ليلتزما معاً في رحلة النّشوة الصّوفيّة. (ثلاثة وأربع نسوة غرقى بهذا اللّحم / منذ بداية الحضرةْ). والخلايا تعمل معاً في جسد واحد، وهنا تتجلّى الحركة الصّوفيّة وتتراءى لنا سكرة صوفيّة يدور فيها الكاتب حول ذاته الكيانيّة، أشبه بدرويش يدور في حلقات الرّقصة الصّوفية، رافعاً يداً نحو العلوّ وممدّداً أخرى نحو العمق. يرغب بالمزيد من الانتشاء والاتّحاد (يا ليتهم أكلوا على مهل خلايا الأربعة).

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

رحيم الغرباويلقصيدة (مهلاً أيُّها الزمن) للشاعرة هدى الجابري

الشعر هو توق الروح؛ لاسترداد عالمها الأثير، ولا يتشكل ذلك إلا بالاستكانة بعد التعطش، والهدوء بعد الثورة، والأمل بعد التشاؤم، ولعل الأضداد هي ما تعمل على انفراط الفكر بين عالمين لاتتحقق بينهما الموازنة إلا بالبوح؛ لذا ولدت اللغة لدى الآدميين؛ كي تتوازن الرغبات أمام تحققها، والذي يدهش أنَّ اللغة هي مفاتح القلب حين يطرب أو يحزن، والعقل حين يملي ويستجيب، إذ أنَّ لغة الوجدان هي لغة تعبِّر عن الرغبات، وتنتظر من ديمها الاستجابات الذي يلعب القلب دوراً فاعلاً في شحذ هذه اللغة التي يصدِّرها العقل، بعدما يبتكر لها سلسلة من الايقاعات المنظمة حسب تدفق خلجاته؛ لتكون الأقوى تأثيراً، على المتلقي بوصف المشاعر تتأتى بلغة فنية حين يكون خالقها فنان شاعر، ويبدو أنَّ الفن يصدر عن الدماغ لا عن القلب ... أي لاينبغي لقلب الفنان أن يغلب عقله أو أنْ يجعله يفقد صوابه، بل لابد للفنان أنْ يبقى مالكاً لانفعاله.. ومعنى هذا أنَّ الشعر صورة من صور التحرر؛ لأنَّه في أصله حرية، إذ ليس الشعر انفعالاً كما يرى البعض، بل هو مرآة لهذا الانفعال (1) ينسل من طريق اللغة التي يضفي عليها العقل من طاقته الخلَّاقة المُبدعة، ولعل في التعبير الشعري عمقاً إنسانياً في كثير منه، فهو يكشف عن قيمة الأثر الفني بوصفه ظاهرة حضارية ذات دلالات موضوعية، أي أنَّ النص حين يظهر قد روعي فيه فنيَّته التي يتوجَّب فيها مقومات النص التركيبية والإيقاعية والدلالية؛ لدواعٍ يتقصدها ناظمها؛ كي يصبح هذا النتاج فنَّاً وشرطه أنْ يستولى على قلوب المتلقين؛ ولا يكون ذلك إلا بفنية احترافيه، تمكِّنه من بعث المتعة والطرافة؛ وما على الفنان إلا أن يراعي مقومات العمل الفني، ومنها الايقاع والموضوع والتعبير .

وقد صُنِّف الشعر إلى مذاهب منه الكلاسيكي، والرومانسي، والرمزي، والسريالي، وغيرها، ويبدو أنَّ المذهب الرومانسي - مدار حديثنا - كان على نحو خاص " نظرية جمالية فلسفية، إذ أنَّ مبادئ المعرفة الفنية وعكس الواقع على أيدي الرومانسيين لايمكن وعيها بمعزل عن مضمونها الفلسفي "(2) , فكان يُعتَقد أنَّ "ما يثير الشعر فيهم هو القوى التي تسيِّر الكون "(3) .

ولعلَّ الشاعرة هدى الجابري من النساء المبدعات اللاتي نظمن وجدانهن بسلسلة حرفية معبِّرة فيها عن لواعجها، وهي تحاول أنْ تداخل بين الرومانسية والميتافيزيقا؛ لتمرر من خلالهما تجربتها الشخصية؛ ولتمنح النص طاقة إيحائية؛ ممازجةً في آنٍ بين شعورها الرومانسي ورؤيتها الفلسفية؛ لتعطي الشعر حرية البوح عن هاجسها في فكرة اللانهائي؛ وهي تتلقى العالم تلقياً فلسفياً، إذ نجدها تبث أفكارها تجاه المُنتَظر، مخاطبةً الزمن بقولها:

مهلاً أيُّها الزمن …

لا تُسرعْ …

مازلنا في بداية المشوار

قال:

سيأتي … ,

انتظريني هنا

في هذا المكان

… .

فالزمن في ضوء رؤية الشاعرة يمثل لوناً " من الأبدية الممزقة التي تتصف أجزاؤها جميعاً وهي الماضي والحاضر والمستقبل بأنَّها دائمة الإفلات، ومصير الإنسان يتحقق في هذه الأبدية المفككة، وفي هذه الحقيقة المرعبة للزمن " (4)؛ لذلك نراها تخاطب الزمن؛ وتناشده كي يبطئ في سيره؛ لتبقى محافظة على بهائها الذي تخشى عليه الزوال، في حين تنتظر ملاذها الغائب؛ مما جعل الزمن ينتظرها دون أنْ يستمر في المسير، ولعل توقُّفه لايمكن أنْ يلحق بالانسان الجهد أو التعب، وهي نظرة ميتافيزيقية أرادت بها الشاعرة أنْ تعيش عالماً يوتوبياً، يمثل الخلود الذي بحث عنه كلكامش حين راد أنْ يوقف الزمن؛ كي يبقى حياً لا تأخذ به الأسباب، فهي التي تدرك أنَّها ستنتظر طويلاً، ولابد لها أنْ لاترعوي طالما توقَّفَ لها الزمن؛ لتظلَّ بعنفوانها، ومشاعرها , وجميل وفائها .

تقول:

لا يهمُّني غروب

الشمس،

ولا رحيل المواسم

زهوري في ربيع دائمٍ

لا تعرف الذبول .

فنراها تطلق لفظة (زهوري)؛ كناية عن الحيوية والجمال اللذين تتمتع بهما، فهي في ربيعٍ دائم؛ كون الزمن أذعن لها؛ لتحقيق ما تصبو إليه، ما جعلها تستشعر أنَّها تعيش في أوج كمالها ولايتغير فيها ما تخشاه، كما أنَّها والأمل وجهان خالدان بعدما توقف لها الزمن الأرضي، فأضحت تعيش سرمدية الإحساس .

ويبدو أنَّ من يعيش الحالة الشعرية يقع في كثير من الأحيان على قدم طروحات الفلاسفة أوالمفكرين بوعيٍ أو دون وعيٍ منه؛ لذا نجد المصادر التراثية والمعاصرة تنقل لنا رؤية ابن عربي للكمال من أنَّها: " رؤية انطولوجية وعرفانية، لا رؤية خلقية، فالكمال هو التحقيق الوجودي لا الكمال الخلقي، أي الأمر المحمود عرفاً، وعقلاً، وشرعاً، وعلى ذلك يكون الكامل هو من كان في ذاته صورة جامعة لكل الحقائق "(5)؛ أما رجال الدين و الفلاسفة، فيرون أنَّ الكمال في القيم الأخلاقية، بينما الرومانسيون، فيرون ذلك في جمال الطبيعة وحسن الخَلق، ولذلك لانبخس لشاعرتنا إحساسها بالكمال، ما جعلها تُعجِّل بطلبها من الزمن لأنْ لايسرع؛ كي تحافظ على ما هي عليه، منتظرةً بذلك الحبيب الذي طال غيابه، وهي بأمس الحاجة إلى عودته.

 

د. رحيم الغرباوي

..............................

الهوامش:

(1) ينظر الفنان والانسان، د. زكريا ابراهيم، مكتبة غريب، الفجالة، د. ت: 96

(2) نظرية الرومانسية في الغرب، أ ز س دمتريف، ت د. نوفل نيوف، دار التنوير للترجمة والتأليف والنشر، دمشق، 2007م: 21

(3) اتجاهات جديدة في الشعر الانكليزي، ف . ر . ليفز، ت د. عبد الستار جواد، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، ط2، 1987م: 170

(4) العزلة والمجتمع، نيقولاي برديائييف،ت فؤاد كامل، طبعة دار النشر المشترك، بغداد، 1986م: 123 .

(5) المعجم الصوفي في الحكمة في حدود الكلمة، د . سعاد الحكيم، ندرة للطباعة والنشر، لبنان، ط1، 1981 م: 92.

 

في "يوم شبت بعبدالله النار لـ "جودت جالي"

بداية، يتعيَن على المتلقي ان يستخدم خياله عند قراءته لهذه القصة، لتفكيك وتركيب المعلومات المُقدمة اليه، من قبل الراوي، حتى يكون التواصل غنياً واكثر انفتاحاً في استلام المعنى: الاجتماعي – الاخلاقي – الاقتصادي – الديني، والعثور على الجزء غير المكتوب الذي يحقق لنا تشكيل صورة مُتخيلة . لقد استطاع الراوي ان يرسم صورة انسانية مستلبة من انسانية الانسان في مجتمع ليس من الممكن تحقيق الحد الادنى من عدالة الاله، او عدالة الفرد، وبالذات في العالم الثالث، المسحوق ما بين الدكتاتوريات المفترسة والتخلف وملحقاته .

المشكلة في قصة "يوم شبت بعبد الله النار"، هي: متى تنتهي الحكايات ومتى يبدأ التاريخ؟ ذلك ليس ممكن ابدا، ستبقى الحكايات تتوالد، وسيبقى التاريخ مهمشا، وسيظل شبيه عبود متواجدا دائما في انحاء العالم، عليه يكون عبود جزءا من المأساة، كما هي زوجته التي "يتفجر جسدها شهوة " جزءا مضافا، بل وعاملا مهماً (= الزوجة المهمشة) في ترسيخ الخطيئة وسقوط الانسان .

عبود الشخصية الرئيسة، موظف في مفرزة التصليح السيَارة العائدة لمنشاة السكك، متزوج منذ سنتين، وحصل على دار في المجمع السكني بفضل الزواج، ولكنه بقى يقضي كل اوقاته مع زملاءه في مفرزة التصليح، واغلب الاحيان يبيت في دارهم بعيدا عن زوجته التي اخذت تملا فراشها بجسد الرفيق مولود الأسود ضابط أمن المجمع، وهذه القصة تذكرني بقصة " عبود والمدينة " المنشورة في المجموعة القصصية "فك الحزن" لنفس المؤلف، حيث " عبود " الآخر تختلف شخصيته كليا من حيث المظهر والسلوك، فهو ارعن، شبه اخرس، " بالغ البلادة وسخا رث الملبس "، لكن هذه الموصفات والعيوب تجعله يتغلغل في المدينة بشكل خرافي، وتصبح جسرا للوصول الى المراد الذي يتحسر عليه بقية شبان المدينة، وذلك حينما يذهب مع النسوة الى داخل بيوتهن بل وغرف نومهن بعربة الحْمَالة الصغيرة، بينما الآخر الاول تخونه زوجته، مفارقة دلالية عميقة من الجانب السوسيولوجي – الاخلاقي، ولكن هذه الدلالة تكون طبيعية من الجانب الجسدي (= العملي)، لان الحقيقة تبقى شيئاً ممكناً داخل النسق التاريخي، لكن تأويل  ظاهرة معينة الى حقيقة يعني ان نفهم هذه الظاهرة انطلاقاً من سياقها، فالحقيقة المعزولة عن سياقها تبدو كما لو كانت معزولة تماما،عليه بهذه الدلالة التأويلية، نستطيع القيام باستخلاص المعنى الذي اراده المؤلف .

رغم اتسام القصة بالواقعية الانتقادية الا اننا نعثر فيها على رمز يمتلك طاقة كبيرة على الايحاء الذي يوشر الى معاني اخرى مفتوحة تستمدها من باطنية النصْ نفسه، واذا علمنا ان غاية النقد الأساسية عند بعض النقاد هي تعيين المعنى في النص الادبي، وتلك الغاية لا تتحقق الا اذا اصبح المتلقي او القاريء جُزءا من العملية القرائية، رغم ان الفعل الكتابي نفسه يتضمن القراءة، هذا الكلام سيكون بمثابة المدخل للوصول الى توضيح دلالة القصد في معرفة احتراق عبود، ووجوب احتراقه مع ايحاء بذلك لما سوف يحدث له:  "لا مفر من ترك العمال يكملون طقسهم الصباحي حتى يستحيل الخشب الى رماد "،  ويستحيل " عبد الله الى كتلة نار " ايضاً في لحظة اهمال، مع توكيد فعل الاستحالة في العمل على اخماد النار الملتهبة فيه، ثم اخيرا يكون كما يصف الراوي نظرة البدوي اليه الذي لا يثير انتباهه اي شيء في الكون " رؤيا مشتعلة مرت به في طريقها الى البرية، نحو الأفق البعيد " .

بهذا سيكون علينا ان نتسأل: هل هذا الموت كان يرمز الى التحرر؟ واذا كان كذلك فمن الذي تحرر: عبود ام الراوي ام المؤلف .

 

أسامة غانم

 

 

المصطفى سلامقراءة في رواية "ليالي تماريت" للكاتبة أمينة صيباري

 تحمل مغامرة الكتابة في جنسين أدبيين أو أكثر طابعها الخاص، فهل الانتقال من جنس إلى آخر يدل على امتلاك أدوات وتقنيات الجنس الجديد؟ أم أن الكتابة في الجنس الأول حققت نضجا في امتلاك الإمكانيات التعبيرية والتقنيات الفنية في الجنس الأدبي المتحول عنه؟ أم أن الكتابة في فيه استوفت شروطها الضرورية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون ضريا من التجريب الإبداعي لإمكانيات فنية  واختبار تقنيات جديدة في الكتابة الأدبية ككل؟

 يتطلب هذا الموضوع يحثا خاصا واستقراء لتجارب من الكتابة زاوج أصحابها بين أكثر من جنس أدبي، مثلا بين الشعر والسرد أو بين المسرح والرواية أو بين النقد والإبداع .... إذ هناك شعراء كبتوا القصيدة ثم تحولوا إلى الرواية. كما يمكن استبيان الخطاب النقدي باعتباره معرفة عالمة وعلمية وفنية بخبايا الإبداع الفني عامة كما لها خبرتها الدقيقة في مسألة الكتابة عبر الأجناس. في هذا السياق، تمثل رواية " ليالي تماريت" للشاعرة أمينة صيباري نموذجا روائيا لتجريب الكتابة الروائية بعد الكتابة الشعرية . فما هي طبيعة الكتابة الروائية في هذا النص؟ وما هو الأفق الدلالي الذي يتنظم الرواية؟

من الحكاية إلى القضية:

 تحكي غادة البطلة في الرواية كيف كانت تعاني من الأرق، وما يحدثه من مضاعفات وآلام، ما ينجم عنه من تعب ونصب . وكيف كانت تتحايل على النوم، إذ أصبح أعز ما يطلب. هذا الوضع جعل البطلة تواجه الليل في عتمته وعزلته وصمته. كما تولد لديها تمثل لليل، إنه فضاء للعيش والحياة، إنه زمن ممتد فضائيا تلتقط فيه البطلة الآرق جمالياته:

تقول الساردة: "انا الآن متأهبة لمسامرة الليل وأرقه .....لم أعد أتهيب من جفاء النوم، طبعت العلاقات مع الأرق، الأرق المزمن، الذي لا ينفع معه دواء أو حيل . "

 يؤسس الأرق كاختلال يفقد الجسم معه توازنه ويجعله يحيا بإيقاع واحد وعلى وثيرة واحدة هي اليقظة . يحيا الآرق وفق طقوس معينة. وحفاظا على اتزان الذات وضمان صيرورة أقل معاناة، كانت البطلة تعد بعض متطلبات الحفلة أو الانتظار مثل: الشاي والموسيقى والمكسرات ( لوز – أكاجو- زريعة- حمص وفول سوداني ) إضافة إلى الأنترنت والكتابة والقراءة، ناهيك عن الدواء. إن الأرق محنة ومعاناة ليلا واضطرابات نهارا...

الإخراج السردي في الرواية:

 اتخذت الرواية طريقة خاصة في إخراجها السردي لمادتها الحكائية، حيث توزعت إلى إهداء ومدخل وفصول . لقد أشارت البطلة في استهلالها إلى العناصر التالية:

- الموضوع أو القضية ويتمثل في الأرق وكيف غدت تتآلف معه .

- ميثاق السرد حيث تكلفت الساردة بتنفيذ وصية غادة في حكاية مآسيها وأحزانها وخيباتها: " وأن غادة تسحبت والروح، استقلت بها عن جسدي، تركت لي حرائق البحر يسترها الماء ويفضحها الملح، وغرقت في أوراق مكسراتها وشجونها. ..... ما المانع أن أحكيها غائبة عني، وتحكيني حاضرة في، نجرجر ذيول الذاكرة على الطرقات ؟ المأساة حين تحكى لا تصبح ملكا لأصحابها ..."

- بداية السرد: تشير الساردة في هذا المدخل إلى بداية الخريف أو نهاية شتنبر، وهو شهر يشهد عدة أنشطة تكشف عن تحولات إما في الفضاء الاجتماعي أو السياسي مثل: الانتخابات أو تشكيل الحكومة أو الدخول البرلماني او الجامعي....ناهيك عن التحول الطبيعي من حيث الانتقال من فصل الصيف إلى فصل الخريف .

لقد تناوب الحكي عبر ليال، إذ في كل ليلة تتناول مكسرا وتقرأ ما هو مدون في الورقة الملفوف بها. وبعدد المكسرات تتحدد ليالي الحكي، غير أنه ليس هناك انضباط او توافق بين عدد الليالي وعدد المكسرات، بل قد تتعدد الليالي بين مكسر وآخر. إن الأمر هنا شبيه بلعبة أو تسلية الحظ، فغادة البطلة، تبدأ طقوس الحفلة أو الاحتيال على الأرق، وما هذا إلا صورة ثانية للعبة الانتظار التي تعودت عليها عبر سنين عددا. تبدأ الحفلة بقراءة المنثور المكتوب على ورقة المكسر كفاتحة أو استهلال ثم تبدأ عملية التداعي لأفكار عبر الذاكرة فتتناسل المحكيات بتذكر المآسي والخيبات.

إن ذاكرة البطلة مثخنة، تشبه جنديا عائدا من الحرب مثقلا بالحكايات عن الموت والخوف والهلع. كما تتابع الراوية الحكي عن موضوعات تدخل ضمن اهتماماتها الإعلامية أو المعرفية. تقول الساردة: " إمعانا في تجاهل الوحدة، صبت غادة كأس شاي آخر، بطقوسية غير معتادة، وعدت حبات اللوز، أربعون حبة بالتمام والكمال، البارحة كانت تسعا وثلاثين ." وتحكي في موقع ثان من الرواية: " كانت الساعة تقترب من الثانية، أغلقت الحاسوب، سحبت من درج المكتب عشوائيا ورقة من أوراق الزريعة والكاكاو، تماما كما تسحب أوراق اليناصيب . الحظ مهم جدا في مثل هذه المسائل، فقد يكون معك ....أو ضدك..."

انكتاب الرواية وقراءتها عبر التناص:

 هناك عبارة أو مقولة عربية مفادها: " لولا أن الكلام يعاد لنفد " بمعنى أن الكتابة والإبداع لا ينطلقان من فراغ أو عدم، بل هناك انعكاسا وتجليا لنصوص وأجناس فنية على سطح أو عمق النص الجديد. وبذلك يصبح النص الجديد انعكاسا وتجليا لخارجه من النصوص والخطابات. ووفق هذا التصور، تتوافد على النص الجديد نصوص سابقة أو معاصرة فيصبح بلا حدود أو بلا ضفاف.

 إن النص الجديد ينكتب من نصوص وأنساق فنية أخرى. ولما كانت القراءة مقترنة وجودا وعدما بالكتابة والإبداع، أي أنهما محفلين متلازمين. ولما كانت الكتابة متأسسة على التناص، فكذلك الشأن بالنسبة للقراءة. ويتحقق هذا الأمر عبر عمليات التأويل خلال فعل القراءة باعتباره فعلا مركبا من عمليات متداخلة .

 في هذا السياق، ونحن نقرأ رواية" ليالي تماريت " ندرك أنها انكتبت من خلال تناصها مع مجموعة من النصوص، وقد تحقق هذا التفاعل على سطح النص عبر مجموعة من المستويات:

1 – التناص على صعيد العنوان:

 إذا كانت للنصوص ذاكرة، وكانت لها سجلاتها من حيت انكتابها انطلاقا من نصوص أخرى محولة . فإن القراءة بدورها تؤسس ذاكرتها انطلاقا من اشتغالها وتفاعلها مع نصوص سابقة عن النص الجديد. وهذا يتحقق بواسطة بعض العلامات النصية أو المؤشرات المضمنة في النص، فبمجرد قراءتها يتم استدعاء نصوص سابقة واستحضارها، وهكذا تتوالد الأسئلة:

كيف تعالقت مع هذا النص ؟ ماذا أضافت إليه؟ وكيف تم اقتباسها من أصلها؟ إن كان هناك أصل ؟؟

انطلاقا من عنوان الرواية " ليالي تماريت " يستحضر المتلقي نصوصا سابقة مثل نص الليالي المعروف ثم نص " ليالي تماريت " للشاعر الإسباني غارسيا لوركا . وتماريت اسم القرية التي ولد فيها الشاعر لوركا. وهي تقع ضمن أملاك غرناطة. كما أنها تعني اسم العاشقة بالأمازيغية .

 2- التناص على صعيد الشخصية:

  تعد الشخصية في النص الروائي بناء أو دليلا ثقافيين، يحفلان بمعاني ودلالات غنية . إنها لا تحضر إلى عالم الرواية، ولا يسند لها الروائي أفعالا من غير أهليتها لذلك. إن الشخصية هوية تاريخية وقيمة رمزية أو حمولة ثقافية. وإذا عدنا إلى رواية " ليالي تماريت " نلاحظ أن شخصياتها المحورية انبنت بدورها من خلال آلية التناص التي أغنت قيمتها الدلالية ووسعت من أفق تلقيها عند القارئ.

- غادة: اسم علم للشخصية الرئيسية في النص، تحمل في ذاكرتها المعجمية معاني مثل النعومة والليونة وهي صفات خاصة بالمرأة والنبات . فالغادة من الفتيات الناعمة واللينة. والغيداء: المرأة الرشيقة. والأغيد من مالت عنقه ولانت أعطافه. ومن الدلالات الحافة بهذا اللفظ نجد أيضا: الأغيد من غلبه الكرى أو الوسن. والأغيد أيضا هو الوسنان المائل العنق ...هكذا تكشف ذاكرة الكلمة معجميا عن طيفها الدلالي. فإذا كانت غادة امرأة في الرواية فهي تحمل صفات الرشاقة والنعومة والليونة. غير أنها تفقد صفة من غلبه النوم ومالت عنقه، بل هي هنا مغلوبة ومقهورة بالأرق نقيض النوم.

ومن بين المتناصات فيما يخص العلامة "غادة " هناك "غادة السمان " الكاتبة والأديبة السورية، التي أحبت العلم والأدب كما شغفت بالتراث العربي. ومن بين ما تشترك فيه الغادتان:

- التأثر بموت الأب تقول الساردة: " ليت أبي كان حيا . أشياء كثيرة تغيرت. كنت قريبة جدا منه، وبوفاته فقدت حليفا كبيرا وصديقا رائعا . خطفه الموت باكرا . "

- كتابة وتدوين الرسائل، فغادة الشامية كتبت رسائل إلى كل من غسان كنفاني وأنسي الحاج . في حين كانت غادة في الرواية تدون رسائلها دون أن تبعث بها إلى فريد العطار.

- الانهمام بالشعر كتابة وقراءة، تمثلا وتأويلا، رؤية وتعبيرا، فالشعر عندهما تصوير للحياة كما أن حياتهما دونتا شعرا.

- الموقف التحرري: إذا كانت لغادة السمان في تجربتها مواقف تحررية من كثير من القضايا والظواهر مثل معركتها مع الحب، وكونها لا تمثل المرأة المحبوبة المستسلمة المسلوبة الإرادة، بل سعت إلى بناء شخصيتها بناء مخالفا للمعتاد والمألوف، ذلك البناء المتأسس على ثقافة المحافظة. وكذلك هو الشأن في ما يخص بطلة الرواية التي اتجهت اتجاها غير تقليدي في علاقتها بالعطار، ثم في شكل وصيغة انفصالها عنه ثم كذلك في طريقة تحررها من ثقافة المحافظة.

كما تحضر عند القارئ " غادة الكاميليا " حيث تألمت مارغريت غوتييه كثيرا من تصرفات زوجها أرماند وقد اشتركت البطلتان في:

- تجربة الحب العميقة والمؤثرة .

- القسوة على المرأة اجتماعيا.

تضحية المرأة بالنفس

 وبالعودة إلى الرواية، ومن خلال سيرورات الأحداث اتي تحكيها غادة، فهي عاشت تجربة حب عميقة مع العطار ثم ضحت بنفسها بعد اختيار العطار قرار الإجهاض أو الإسقاط ثم هناك مظاهر مختلفة للقسوة اجتماعيا على غادة.

فريد العطار: يوحي هذا الاسم بفريد الدين العطار في عالم التصوف، فأين يشتركان وفيما يختلفان أو يتفارقان؟

من خلال الاطلاع على الترجمات الخاصة بفريد الدين العطار وفريد العطار في الرواية، يقف القارئ عند النقط التالية:

- نظم الشعر أو التعبير عن كثير من الأفكار شعريا .

- موت الأب، ففريد الدين العطار تفيد التراجم أنه فقد والده وكان لذلك أثرا في صياغة حياته. كما أن فريد العطار في الرواية لم يذكر والده في الرواية مما يفيد غيابه والغياب موت.

- التعلق بالأم: تفيد سيرة فريد الدين العطار أنه كان متعلقا بأمه، ونفس الأمر ورد في الرواية بخصوص فريد العطا ر: الله يعطيك الصحة ما عندي ما نقول، طاجين خرشوف حقيقي لا غبار عليه وكأن لالة رقية هي من أعدته. ثم استطرد قائلا: امزح فقط، ليس إلى هذه الدرجة، لا طبيخ يعلو على شهيوات أمي .

أعرف هذا جيدا خالتي رقية، طباخة ماهرة أكيد، لكن الرجل على العموم يبقى اسير أذواق أمه، مهما طال به الزمن ...."

- الموت أو طريقة الموت: تفيد الروايات أن فريد الدين العطار قتل من طرف المغول، وفريد العطار في الرواية قتل بسبب حادثة سير في الطريق السيار

لم يحضر البعد الصوفي في تجربة العطار هنا في الرواية، لأن رؤيته ليست دينية، بل حداثية، إنه متمرد على الطقوس والعادات، ساع إلى استنبات نماذج غربية في تربة الثقافة المغربية خاصة والعربية عامة، منتقد للعادات والتقاليد المغرقة في الماضوية، يقول في حوار مع غادة منتقدا تقاليد الأعراس المغربية: " تضحكني مسالة الحفاظ على العادات هاته، وكأنها مهددة بالانقراض. انظري حولك، ستجدين كل شيء يكرس العادة. نحن كائنات تراثية بما في الكلمة من معنى. نحن لم نضع قدما في الحداثة، لنخاف منها على التقاليد، أيتها المجنونة. الدليل، ما تودين القيام به ....."

و نلاحظ أن فريد العطار يختلف عن فريد الدين العطار في إسقاط " الدين " من الاسم وإسقاط ركن من بنية الاسم إسقاط لكم دلالي، كما أن إضافة عنصر جديد إلى هذه البنية تعني إضافة كم دلالي جديد. وإسقاط الدين هنا تعني إسقاط الرؤية الدينية لدى فريد العطار، وهذا الأمر يتجلى في موقفه من الإنجاب . تتذكر الساردة موقف العطار من هذه المسألة: التاريخ لن يعيد نفسه معي، خسارة واحدة تكفي، نكبة واحدة تكفي . لماذا تصرون على تفريخ التعاسة . بالله عليك أعطني شيئا واحدا يمكنه أن يحفز الإنسان على الإنجاب في ظروف كهذه . لا مدرسة ..لا مستشفى ..لا مقبرة ...يمكن للإنسان أن يرقد فيها بسلام . انظري مقابرنا، واعدلي عن أي فكرة مجنونة اسمها الخلفة . قليلا من الاحترام للخلفة . "

كما أن غياب المنظور الديني لديه يتأكد في موقفه من الإجهاض . في حوار بين غادة والعطار، يقول العطار:

- لقد حددت موعدا مع الطبيبة من أجل الإجهاض. قالها ببرودة كأنه يقترح الذهاب لنزهة .

- وما أدراك أني سأجهض ؟ قلت بلهجة غاضبة .

- تعرفين رأيي مسبقا في المسألة، أنا لست مستعدا لأكون أبا واتفقنا على هذا منذ البداية . لعلمك أي إنسان أتى إلى الوجود دون رغبة الأب أو الأم يعتبر لقيطا ...." وبالنظر إلى الحجج التي قدمها العطار والتي تخص موقفه من الإجهاض مثل: رغبة الأب وكون الإنجاب التزام أخلاقي بين الوالدين وتوفير شروط العيش المثلى ...." لا تستند هذه الحجج إلى مرجعية دينية.

3- التناص على مستوى الليالي:

لكتاب الليالي " ألف ليلة وليلة " اثره الواضح على الإبداع الروائي العربي، حيث هناك استثمارات غنية لهذا النص فنيا ودلاليا ؛ استلهاما وترميزا، محاكاة وتهجينا. ويعرف المشهد الروائي العربي حضورا قويا لهذا النص. ورواية " ليالي تماريت" سجلت تناصها مع هذا المكون التراثي من خلال لفظة ليال، إضافة إلى طريقة الحكي أو السرد حيث تروي البطلة تجربتها مع الأرق باعتباره خصما مهددا لكيان البطلة.

4- التناص مع رواية: ليليات امرأة آرق

يبدأ الحكي في هذه الرواية من لحظة تغيير في حياة البطلة سعاد، وهي دكتورة في أمراض الجهاز التناسلي، وقد صاحب هذا التحول تغيير في رؤيتها لذاتها وللأشياء من حولها وللناس . وتشترك البطلتان غادة وسعاد في ما يلي:

- البطلتان غادة وسعاد تدونان ليلياتهما.

- البطلتان مهيمنتان على السرد، فهما السارد والموضوع .

- غلبة التذكر والاسترجاع واستحضار الماضي في الحاضر عبر توظيف تقنية التكثيف.

- السرد الذاتي: حيث خلال حديث البطلتان تحكيان عن ذاتيهما، عن أناهما، وهذا النمط من الحكي يغطي مسار الرواية ككل وإن كانت هناك موضوعات حافة أو جانبية .

- توظيف تقنية الاستبطان الذاتي أو ما يعرف بالتداعي الحر أو انهيال الشعور.

- خيبة امل المرأة في الرجل .

إن قراءة الروايتين معا تكشف عن مساحة مشتركة بينهما فنيا ودلاليا، تعبيرا ورؤية.

 من البعثرة إلى الانتظام:

هل المرأة كيان مبعثر؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال، وجبت استشارة المعجم العربي عن دلالات البعثرة، وما تتضمنه من معان، لن الوقوف عند معاني هذا المصطلح قد يفيدنا في فهم وضع المرأة خاصة والإنسان عامة . فتاريخيا حقق الإنسان انتقالا من حالة التشظي والارتحال أو البعثرة: " الوجود في حالة الطبيعة " إلى الاستقرار والانتظام داخل أنساق تنظم العلاقات البين إنسانية وترتب شؤون العمل وقواعد السلوك .

يفيد المعجم أن البعثرة تحمل طيف دلاليا أهم معالمه:

- التفريق والتبديد .

- القلب والهدم.

- الاستخراج أو البعث ...

إذا كانت البعثرة ضد النظام أو الانتظام، أي هي وصف لحالة من حيث أشياؤها ومكوناتها، أي بنيتها. وإذا كانت المرأة كيان أو بنية نفسية ووجدانية وفكرية وجسدية، فقد تتبعثر هذه المكونات أو تنتظم، أي من الممكن أن تعرف البعثرة طريقا إلى كيانها أو تحافظ على انتظام بنيتها . وبالنسبة للبطلة في الرواية، فتبدو كيانا قلقا مبعثرا، تسعى إلى إعادة الانتظام لكيانها عبر جبر انكساراتها الداخلية. فأين وكيف تتجلى البعثرة لدى البطلة؟

تتوزع تجربة البطلة في الرواية إلى:

1 – عشق البطلة لفريد العطار وهو يمثل مظهر التكامل والانسجام أو التماسك .

2 – الانفصال أو الطلاق، ويمثل هنا البعثرة والتشتت .

3 – العمل والاستقرار، وهو مظهر آخر للتكامل أو إعادة بناء الذات وبالتالي الخروج من عالم البعثرة أو التشظي .

تكشف الدراسات الأنتروبولوجية والاجتماعية أن المرأة لا تكتمل وجوديا إلا بالآخر، فالبطلة متأثرة ومعجبة بأبيها . كما أنها معجبة وعاشقة للعطار ثانيا، وكأن الأب والعاشق في مرحلة أولى أو الزوج في مرحلة ثانية هما الفاعلان المحوريان في تماسكها وغيابهما أحدث زلزلة في كيانها وبعثرة في وجودها. ويؤكد هذا الوضع أن الفاعل التاريخي في المرأة هو الآخر مما يضاعف من جهودها في صيرورة تحررها ونجاح رهان استقلالها .

العشق منح البطلة انتظاما وأعطاها تماسكا وحققت نجاحا، وبالتالي اكتمل وجودها . إن عشق العطار أعاد تركيبها وصياغتها بصورة مختلفة عن صياغة الأب.

للعشق أثره الواضح في صياغة وجدان البطلة، هذه الصياغة فاصلة عن صياغة الأب من جهة وصياغة الزوج من جهة ثانية .

كانت البطلة تراهن على أن الزواج المتأسس على العشق سيقويها ويضاعف تماسكها ويغني تجربتها . غير أن الزواج كمغامرة محفوف بالمخاطر التي تتعدد وتتنوع . ونقيض الزواج الانفصال أو الطلاق وهذا ما أحدث زلزلة وبعثرة في كيان البطلة .

بعد الانفصال تبدأ مرحلة الصياغة الذاتية والتي تتحقق من خلال التخلص من الآثار السلبية للانفصال والاستعداد لمواجهة الواقع من جديد، لأن موقف المرأة المتزوجة أو المستقرة في أسرة من الواقع مختلف عن موقفها وهي مطلقة (اجتماعيا ونفسيا وفكريا وماديا)

لقد سعت البطلة بعد مدة أو فترة من الحياد السلبي من الحياة والعلاقات والمعرفة ...إلى الخروج من هذه الوضعية التي أضحت تؤرقها بالقوة والفعل . وهذا لا يتأتى إلا بالتأهيل المعرفي ثم العمل والاستقلال ...

- تملك البطلة غادة أهلية معرفية، إذ لها مستوى معرف أكاديمي، إضافة إلى سعة اطلاعها ومتابعتها للشأن الثقافي محليا وعالميا، وهذا يظهر من خلال نقاشاتها وحواراتها السابقة مع فريد العطار.

- كما أن العمل منحها روحا جديدة، وخلصها من أزمة العطالة أو أن تبقى عالة على أسرتها. لقد أصبح العمل نشاطا يخفف من حدة أزمتها ويحررها من إمكان تبعيتها لغيرها ماديا ويفتح أمامها علاقات إنسانية جديدة .

- إضافة إلى هذين الشرطين، هناك الاستقلال في العيش والسكن، حيث اكثرت شقة بعيدة عن أسرتها، هذا النمط من العيش سيمكنها من ممارسة طقوسها وهواياتها وخاصة القراءة والكتابة والسهر....

بهذا التحول، عملت البطلة على تجديد وضعها داخل النسق الاجتماعي وأعادت تنظيم علاقاتها من جديد مع أسرتها وأصدقائها وواقعها وذاتها ...لقد انتقلت من حالة البعثرة إلى حالة الانتظام والتماسك، كما انتقلت من حالة المتأثر، المنفعل، إلى وضعية أو صيغة الفاعل .

خاتمة:

 رواية " ليالي تماريت " نص سردي بنكهة شعرية، حيث يتداخل السردي مع الشعري، وهو من النصوص الروائية التي منحت الكلمة للمرأة في التعبير عن تجربة تكاد تكون عامة في حياة المرأة العربية . وذلك من خلال التعبير عن ذاتها وعن علاقتها بالرجل – كعاشق وزوج وصديق ...- وما أضافته إليها من معاناة أو دعم معنوي. والكتابة في هذا النص تأسست على خبرة المؤلفة في الشأن الثقافي وموضوعاته، وفي الشأن السياسي ورهاناته، وفي الإبداع الفني وأجناسه ...كما تندرج ضمن الخطاب النسوي الذي يساجل قضايا الفكر الاجتماعي والسياسي المهيمنين من خلال تناول بعض الأسئلة التي لازالت تطرح أمام الخطاب النسوي التحرري، وهذا ما جعل الكتابة هنا في هذا النص تصدر عن موقع المرأة الحداثية التي تؤمن بقضية المرأة وتناضل من أجل تمكينها والاعتراف بها .

 

د. المصطفى سلام

...........................

مراجع:

 1 - إبراهيم محمود: الأنثى المهدورة – لعبة المتخيل الذكوري في صناعة الأنثى. مركز الإنماء الحضاري،ط1، 2009 .

2 - ألكسندر دوما الابن: غادة الكاميليا، 1848 .

3 - أمينة الصيباري: ليالي تماريت، رواية، سليكي إخوان، ط1، 2019

4 - رشيد بوجدرة: ليليات امرأة آرق، م.و.ك. الجزائر .1985..

5 - سعيد بنكراد: فعل القراءة وإشكالية التلقي، أنظر www.saidbengrad.net .

6 - لسان العرب: مواد ( غ ي د ) و( ب ع ث ر )

7 - محمد أخريف: لوركا العربي، جريدة الاتحاد الاشتراكي، بتاريخ 23 أغسطس 2017 .

 

 

في رواية "التشهي" (دار الأدب - 2007) للعراقية عالية ممدوح، يظهر الفعل الجنسي على انه عنصر إنساني فعال، في استراتيجيات السرد، وفي الايروتيكية، ويساهم في صنع المعاني المختلفة المتفرعة منه : السياسية، السوسيولوجية، التاريخية، الأيديولوجية، وهنا بالذات تبرز السياسية التي كانت متوازية و متداخلة ومضمرة للفعل الايروتيكي، كل ذلك يشتغل عبر الذاكرة الفردية لبطل الرواية، وبعض الشخصيات الأخرى – كيتا، المغربية، يوسف، ألف - ، وهذا يجعلنا نطرح على أنفسنا سؤالا : هل الذاكرة الذاتية تتماهى مع الذاكرة التاريخية ؟ رغم إن الذاكرة الفردية مطلقة – بمعنى أنها ذاتية بحتة - والتاريخ لايعرف الا النسبي كما يقول بول ريكور، ولكن التاريخ الشخصي يكون ملحقا وتابعا للتاريخ العام (= الشمولي) وبهذا تكون ذاكرة الروائية والقاريْ – خاصة العراقي - مشتركة في التفاعل والتجربة لتاريخ العراق المعاصر، وزمن الاحتلال الأمريكي، مما سوف ينتج رؤية ابستمولوجية خارج النص السردي، تزيد في تفاعل الاتصال القرائي وتعمقه من الداخل، فالخارج (= التجربة) له انعكاساته وإمكانياته في ترسيخ الداخل (= القراءة)، فالقراءة في روأية التشهي هي همزة وصل بين العالم الروائي للنص والعالم الواقعي للقارىْ، وبهذا تحولت عملية القراءة إلى وسيط للإعادة التصوير، لإعادة التشكيل، فان نقطة بداية الاتصال تبدأ من المؤلف لتكون نقطة نهايته عند القاريء، ومن دون : " قاريء يتملك عالم النص، لاوجود لعالم يمتد أمام النص، أن النص هو بنية في ذاتها لذاتها، وأن القراءة تحدث للنص بوصفها حدثا خارجا وعرضيا "(1)، فلقد يكون القاريء فريسة الاستراتيجية التي اشتغلت عليها الروائية وضحيتها، مادامت هذه الأستراتيجة مخفية في اعماق النص، ولان تماسك الاسترتيجية أكانت مخفية او ظاهرة فان نقطة انطلاقها يكون في الجانب غير المرئي من النص الادبي .

تبدأ الرواية وسرمد برهان الدين الذي لم يكمل الخمسين بعد ’ المترجم، والمنفي في لندن، والشيوعي السابق، بمخاطبة ذاته :" ماذا ألم بي وبصاحبي - ص2 "، وصاحبه هو قضيبه (ذكَره) الذي اصيب بالضمور والانكماش إلى حد الأختفاء، نتيجة السمنة المفرطة، ودخول الذكَر مرحلة اللاعتيادية حيث انه لم يختفي كليا، ولكنه بقى لا ينتصب ابدا، انها اللعنة، لأنه كان يعتبر عضوه الوسيلة لا ثبات وجوده "بيولوجيا" في ممارسته للجنس مع النساء ’ بينما كان هذا الانغماس غير الطبيعي يدلل ذهنيا على تستره على فشله في المواجهة عندما كان في العراق، وفي اوربا لاحقا، فالجنس هو التعويض :" ان عضوي المسن كان يجامع من اجل اللا شيْ، من اجل الفراغ والتلاشيْ، من اجل الاخرين، لا من اجلي انا- ص 8".

أن اختيارت القراءة في التشهي هي اختيارت مشفرة اصلاً فيها، وتستدعي قارئاَ يتجاوب معها، وعندها تتكشف بلاغة الرواية المتركزة على الروائية عن حدودها، وهنا علينا التأمل في لحظات ثلاث، تقابلها ثلاثة محاور متجاروة، متميزة، وهي :

1 – الاستراتيجية كما يتدبرها المؤلف وتتوجه إلى القاريْ.

2- تسجيل هذه الاستراتيجية في تصور ادبي .

3- أستجابة القاريْ باعتباره أما فاعلأ أو باعتباره الجمهور الذي يتلقى (2) .

وأن القول بأن الروائية تصنع قرأئها قولا يفتقر إلى جدلية المناظرة، قد تقوم الرواية بايجاد قرأء جدد، نعم، ونعني بذلك القاريْ الشكاك، فأن القراءة ماهي الا عملية جدلية بين النص السردي والمؤلف الضمني، جدلية ترغم القاريْ للرجوع إلى ذاته.

وهذا ما حصل في "التشهي" حيث قامت عالية ممدوح بتوصيل رؤيتها للآشياء إلى القاريْ المتلهف لمعرفة ما في سطورها، دون أن تكشف له مفاتيح اللعبة، ودون أن ترشده إلى المداخل، لقد وضعته في عملية الاكتشاف، والسير فيها رغما عنه، فان عالية ممدوح في غموضها هذا، وتضليلها للقاريْ، قد قامت بتحريره من ذلك في الوقت ذاته، مع احالة النص الروائي إلى ذاته، ليكون مؤوَلا احالاته وشفراته في مواجهة القاريْ، الذي تتحول قراءته عندئذ إلى قراءة تأويلية .

وان سلطة سرمد برهان الدين الصورية في الكتابة والذهنية في القراءة، تتوزع عليهما بالتساوي، وذلك حينما يبدأ الجسد بالتحول إلى مسخ، إلى جسد ميت عمليا (أخصاء +سمنة متوحشة)، لكن مع وجود التفكير، بكل استيهأماته وشبقيته ..وفعاليته، او سيرته الحياتية معجونة بسيرته الجنسية، وهذا يذكرنا بمسخ كافكا عندما يستيقظ صباحا وقد تحول إلى حشرة، مع بقاء عملية التفكير، ويتحاور مع اهله عبر باب غرفته الموصود وهو في خضم تفكيره بوظيفته وبمقابلته لأهله، فلقد عمل كافكا على مسخ جسد بطل روايته كله، حيث حوله إلى صرصا ر، بينما عالية ممدوح مسخت قضيبه (ذكَره) فقط، مع تشويه الجسد بالسمنة المفرطة، ففي هذا التوافق - المتنا فر، تبرز عندنا الصور المضمُورة، والمختفية، وهنا وفي هذه الحالة تعمل القراءة على اظهار غير المكتوب في النص .

ويتفأجا القاريْ و سرمد من موقف طبيبه الباكستاني (حكيم الصديقي)، عند مراجعته له في عيادته في لندن، بل وتكون اقواله متسمة بالامعقولية والشطط مع سرمد، موقف غير متوقع، وسرمد في قمة معاناته وتفكيره بصاحبه الذاوي، المنكسر الضعيف، المنكمش –ص، 12، 14 – يسمع صوت طبيبه الخالي من أي أمل :

أنظر الي، في هذه اللحظة أريد أن اقول شيئا لنفسي وليس لك فقط، أبدا لم تكن أعضاؤنا ذخرا لنا، أعني ذخيرة وطنية .دائما هناك ذلك الأمر المثقل بالغم، الضمور، الأنكماش وربما الأختفاء - ص 3 الرواية.

جملة تحمل من الدلالات – الرمزية الكثير، بـ انفتاحات تأويلية مختلفة متعددة، و خاص (ذخيرة وطنية) دلالاتها التأويلية واضحة وهي الموت المجاني في حروب عبثية، واذا علمنا أن سرمد قد مر بعدد من حالات الأختفاء، اختفائه عن العراق بسفره إلى لندن المصمم من قبل اخيه مهند لكي يستولي على حبيبته ألف، مطالبته من قبل دور النشر باخفاء اسمه من على أغلفة الكتب التي يقوم بترجمتها، واخيرا أختفاء جزءا من جسده:

- كنت اتحذلق على حالي وانا احسب الاختفاء ضروريا في بعض الاحيان، قلت ربما هو اختفاء لحقبة من عمري ص4 الرواية.

- ابتسمت بدون مناسبة حين عادت اليَ ملاحظات دور النشر التي كانت تفاوضني مازحة

أو جادة :" عليك بالاختفاء، نعني اختفاء الأسم، أسمك "ص5 الرواية.

- بالتاكيد هو اغراء حقيقي ان يختفي عضوك، كأن هناك مصلحة عليا مرتبطة بالأختفاء ص3 الرواية.

تتكيْ بنية رواية التشهي على قضيب سرمد، اداة المتعة الجنسية، لقد جعل ادونيس الجنس اداة للتجاوز، وخلخلة السائد، وتقويض سلطة المحظور" والخروج منه إلى واقع ميتافيزيقي، لان الاستغراق في الجنس ينقل الأنسان إلى عالم اخر بعيد، متناسيا ذاته المادية الواقعية " (3)، بينما بطل التشهي اتخذه وسيلة لاثبات وجوده ولتعويض فشله، ثم تنبثق حين الضمور الذكريات والأستيهأمات والمشاهد، ويكون الجنس/العضو هو نقطة الانطلاق نحو استكشاف المخفي، وذلك باستعادة سيرته الجنسية مع اربع من عشيقاته : فيونا لنتون الأربعينية ذات الشعر الاشقر الداكن الأستاذة في المعهد البريطاني في بغداد التي فتحت بايديها اكمام شهواته الداعرة، وافساده بين ساقيها وهو لازال في الثانوية، ولازال ضائعا مابين "الاستمناء والتشهي"، وهي المرأة المشعة برائحة وماء المضاجعة، والرغبة المخيفة المقذوفة من قصص الف ليلة وليلة، انها تضاجع مثل كاهنات معابد اور وبابل اللواتي جعلن اجسادهن متعة لكل عابر سبيل، انها التي "تموت وتعود مابين ساقي ومائي فتبتكر صرخات لم اسمع مثلها من قبل – ص 21 الرواية"، انها الغواية بذاتها، بلحمها وشحمها، انها المرأة التي تعيش للجنس وبالجنس، انها تضاجع لكي تستمر في الحياة، وأن كل ماعرفنه عن السيدة فيونا الاسكتلندية، جاء على لسان سرمد، ولنستمع اليه وهو يوصفها بدقة متناهية :

ترفعني إلى اعلى وترفع ذكَري أعلى، أعلى كثيرا، اعلى من الأعوام والبلدان واللوردات وملكات وملوك بريطانيا العظمى وكأنها تجهزني لتقنيات لم أجربها بعد، تدلك وتمسد كل شيْ بيدها بقدميها بظهرها وبطنها ويتم الأنفجار فأشعر أنني بللت وجهها وشعرها ورقبتها ونهديها. كانت تاخذه بيدها وتجعله يصب كما يشاء على اطراف وأجزاء بدنها، فتضحك بطريقة شيطانية لم اسمع مثلها –ص 20 الرواية، فهي تزداد اشعاعا وهو يزداد عتمة، في قولها له، وهي تحمحم :سأدربك وأعلمك .سأطبخك على نار جسمي حتى تتصاعد رائحتك من داخلي، من جوفي ولساني فأنا خليط من كل شيْ، منك ومني .وأنت بكر تغرف على عجلة وبلا تركيز- ص19الرواية .

وبسبب مثل هكذا مقاطع وغيرها، منعت رواياتها، فتقول في احدى مقابلاتها في مجلة نزوى الثقافية العدد 67 :"فكتبي شخصيا كلها ممنوعة في بلدي وفي بلدان عربية لا أقدر على تعدادها، وانا شخصيا ممنوعة لزيارة بلدان عربية لأنني لا أملك جواز سفر عراقي ."، وللأسف الشديد أن كثيرا من المسؤولين في مجال الثقافة قد نصبوا أنفسهم فقهاء عليها أي الثقافة، ولكنهم هم فقهاء للظلام، ولا يستطيعوا أن يميزوا مابين الواقع والخيال ومابين الحقيقي والحلم، فعالم السرد غير (= يختلف) عالم الواقع، وبالمقارنة، فان شخصيات الروائية نفسها (هي "غير واقعية "تمأما، و"غير واقعية "ايضا هي التجربة التي يصفها القص. وفيما بين "واقعية الماضي " و "لاواقعية القص" يكتمل التفاوت واللاتجانس) (4) .

أما كيتا عشيقته البرلينية، الشيوعية السابقة، خريجة جامعة كارل ماركس بدرجة امتياز، اول ما تعرف عليها في بيت أحد أعضاء الحزب الشيوعي العراقي بلندن، ونقرأ وجهة نظرها في احداث العالم وفي علاقتها مع سرمد ورأيها في الشيوعية، من خلال أشتراكها في السرد، اضافة إلى وجهة نظر سرمد فيها، وعلاقتة الجنسية معها، وللدلالة الرمزية على ذلك لنتأمل ما تقول له كيتا في اثناء الجماع على لسانه :

أسمع انت لا تضاجع لكنك تنتقم، أخبرني، هل جميع الرجال العرب يمتلكون ضراوة الانتقام هذه وممن يا عزيزي- ص 22 الرواية).

هذا يذكرني ب بطل رواية "موسم الهجرة إلى الشمال "واشكالية علاقاته مع نسائه، في فقَده السيطرة على نفسه عندما يكون في الفراش معهن، لحين قتله زوجته الانكليزية، فالانتقام ما هو الا نتيجة حتمية للتراكمات السايكوسوسيولوجية وترسباتها ضد الاستعمار والاضطهاد والعنف والاستغلال، والصراع بين الشرق والغرب، والرؤية المشوهة لكل منهما، ولكن سرمد كان يعمل على الانتقام من ذاته بتعهر جسده لحد اذية الأخر، احيانا، لانه فقد بلده إلى الأبد دون ان يكسب بلدا أخر (ص- 74) . وهذا حال الشيوعي المهزوم مهيار الباهلي احد شخصيات رواية "وليمة لا عشاب البحر "، فانه يغرق نفسه في تجاربه الجنسية، والالتذاذ بها، عبر استعادتها كل مرة بشكل اخر لكي ينسى اين هو، ويلتقي في هذه الرؤية مع سرمد عندما يقول :

(أما وطني انا، فهذا البانسيون وهذا الجسد) .

بل نرى ان رؤية سرمد اكثر تطرفا في ذلك، حينما يقول :

(فعضوي هو الآخر أحسبه وطنا- ص 99 الرواية)

هم مهزومون أمام حكوماتهم وانظمتهم الاستبدادية، وليس ذلك فقط بل مهزومين أمام انفسهم، عندما يحصورون ذاتهم في أصغر مكان في العالم، في الجسد- المكان، ولكنهم في اللاشعور، يبحثون عن المكان الاول، "لان من بين جميع الامكنة الحقيقية والمجازية علانية واستفزازا وجمالا هو الجسد "(5)، وهو الذي يشكل المكان الاول الهنا ايضا كما يقول بول ريكور، وبامكاننا ان نتعرف على مدى قوة وسحرية الجسد لدي عالية ممدوح في ادبها، وماذا يشكل عندها هذا الجسد حينما تصفه بطريقة مليئة بالخشوع والتعجب :

اتذكر دائما جسد السيدة افتخار عاهرة الحي الذي كنا نسكنه وهي تحت العباءة وتمشي وراء جسمها يسابقها حيوانا لامثيل له) (6).

وعندما يكون هو مع مجموعة من الضيوف ومن ضمنهم كيتا في ضيافة السيدة هنكا البلغارية، وهو يتحاور معها يشطط خياله في رسم صور فانتازية لاعضائها الجنسية مع اقتحامه العنيف فيها :

رفعت كيتا راسها وابتسمت في وجهي .كنت اشاهد في تلك الابتسامة مبيضها ومهبلها وبالحجم المكبر .شاهدتها وانا اخترقها على السرير وهي تئن وحبات العرق لاتقوى على مسحها فأمسحها بشفتي .كانت بين ذراعي وهذه الضحكة كانت تصلني كهديل (الفختاية) فوق تيغة حوشنا بالوزيرية .ص- 26 الرواية.

ومن المفارقات العميقة في رواية التشهي أن اغلب شخصيات الرواية من الشيوعيين السابقين :سرمد برهان الدين –كيتا –نسيم جلال–الطبيب السوري يوسف – ابو مكسيم - واعتقد ان ذلك كان مخطط له مسبقا وبقصدية عالية من قبل الروائية، فالقيادات سقطت مع سقوط جدار برلين، ف كيتا تقول عن نسيم وهو عينة من شيوعيي الخارج :"كان يردد وهو داخلي :أن الشهوانية السياسية لا تصل إلى الشهوانية الجنسية –ص 32 الرواية "، بل ان البعض منهم قام باستغلال الشيوعيين الهاربين من البلد، مثل ابو مكسيم، الشيوعي المتأمرك، ذو اللهجة العراقية –الايرانية، الذي يقدر ان (يدحرج روؤسا كثيرة وفي أوقات قياسية وليس بيده وبدون شفقة تذكر ..انه متفرد –ص 40 الرواية)، ليس ذلك فحسب بل انه كان يقوم بعقد صفقات مشبوهة، وأعمال قذرة، ورغم ذلك كان يضع البازباند في مكان من جسمه، انها الازدراجية، وانه السقوط الذي جعلهم يبررونه عند دخولهم تحت خيمة المحتلين، ويبررون العولمة والانفتاح، لقد اصبحوا بياعي كلام، ان هذا يجعل القاريْ /الناقد في منزلة الرائي المتأمل ذاتيا ازاء المعاني التي نسميها التاريخ، والتي تطرحها عالية ممدوح بصورة مباشرة صادمة للبعض، فلقد عملت على اقتحام تابوات الجنس والسياسة لبلد فيه حرب تلد اخرى، فهي تقول لوكالة فرانس برس:

كيف تلاحق بلدا بالكلمات والسرد والشخصيات وهو يحتضر مابين قوة الاحتلال وبين الخراب والجرائم والمليشيات التكفيرية .

هنا تتوضح لدينا مفارقة المعنى، التي تعمل على تصعيد وتزايد القدرة التأويلية عند القاريْ، وتعمل ايضا على تحقيق الفكرة الاستراتيجية التأويلية التي توحد الروائية والقاريْ، فالفكرة تقوم بوظيفة حلقة الوصل بين المعنى المتواجد في النص والمعنى الواقع خارجه، بل تتعدى ذلك لتكون بين معنى المؤلف ومعنى المؤوَل، لضمان مشاركة المعنى بين المؤلف والقاريْ معا، وبهذا نستطيع الجمع بين ذاتية المعنى وسمة التأويل السوسيولوجية .

أما المغربية أمينة والتي اطلق عليها ابو مكسيم البيضاوية، فكانت بنت اقطاعي، تعمل في موسسة للادوية في لندن، وهي زيرة رجال، وكانت تحب انوثتها والكشف عنها، وتنام مع من تشتهيه ووقت ماتشتهي، وهي باختصار شديد السكرتيرة والمترجمة الاستثنائية، وهي ليست لها اية علاقة ايديولوجية /سياسية مع أي جهة، انها تمثل الشهوة المنفلتة، وهي بالنسبة إلى سرمد :" كانت أكثر نسائي شبقا وسخونة وضحكا عاليا –ص 11 الرواية " و " كانت ألذ النساء إلى حياتي – ص 80 الرواية "، وتقول له حين تشاهده في حالته الغرائبية:

انني أفهم صاحبك أكثر منك، سرمد، مدينتك تدك دكا وأنت غير قادر أن تدكني بوردة –0 ص 0 8 الرواية)، هل أصبح الجسد /الوطن غابة من القبور في هذا الترهل المتمثل بالاحتلال والاحزاب الدينية والاممية والقومية ؟! أن العجز لا يقتصر على الجانب الجنسي وانما يشمل : العجز اليوم أمام المحتل كما بالامس أمام الطاغية، وما يتركه ذلك من خراب وتدمير للنفوس وللأمكنة، أن في رواية التشهي تتداخل الزمكانية عميقا، وتتداخل الشخصيات والوقائع، حيث الكل تراهم موجودين في كل صفحة من الرواية، وأن هذا التداخل لا يشعر به القاريْ، لذا ينبغي "الاعتراف ..أن عالية ممدوح تمتلك اهم (الشفرات /المفاتيح) في الكتابة الروائية، ليس لأنها تجيد قواعد اللعبة بمهارة فائقة، وانما لأنها تفتح مجال اللعب على الروائي الدال المفتوح على مستويات متعددة من الاصوات، بما في ذلك الكيفية في خلط الترتيب الزماني والمكاني للشخصيات والاحداث "(7)، وعليه يجب ان نضع لقراءتنا هذه هدفا في دراسة التضمينات والصور المتعددة والشخصيات المختلفة ومناقشتها بحيادية ومن ثم ربطها بالجوانب السياسية والسوسيولوجية والتاريخية والايديولوجية، لكي نتمكن من العثور على الشفرات /المفاتيح، ضمن سياقات الجدلية /التأويلية وانفتاحاتها على الجوانب الثقافية الحديثة.

إن المميز في التشهي، هو عندما نقوم بتحليل مضامين الرواية وارتكازاتها، ورؤيتها، وتحولاتها التخييلية - السردية، لا نستطيع تناولها بعيدا عن شخصيات الرواية ابدا، والا كانت مبتورة، ويسقط التحليل في فخ التجزئة القسرية، بمعنى ان اية دراسة تتناول الرواية، ولا تعرج على الشخصيات كأنها تكون تبحث في القشور، ولا تستطيع تجاوز المربع الاول، وللتداخل العميق في سردية النص :الزمكانية، الشخصيات، الأحداث، تداخل الحوارات، تمفصل شكل الرواية. مثلا تبدا الرواية بمقابلة سرمد للطبيب الباكستاني، بينما هذا الحدث في حقيقة النص يكون قبل ذاهب سرمد إلى باريس للعلاج في مصح صديقه الطبيب يوسف، فالتسلسل الزمني في هكذا رواية قد الغي تمأما، لان النص كله مبني على الذاكرة، فهي رواية –ذاكرة، لتتحول قبل نهاية الرواية إلى رواية – مذكرات على شكل مخطوطة :-

فلا اقدر على اعادة تركيب ماضيَ فجميع من سردت شذرات عنهم في هذه الكراسة ينفلتون من التجانس ولا اريد أن ابرهن من خلالهم على أي شيْ ....كلهم حظروا إلى هنا، في المخطوطة، كل الأسماء التي ذكرتها هنا، وحتى لو حضر أصحابها مرة واحدة فقط، سوف اقوم بتعدادها وليس حسب التسلسل ... حتى دخل الشقر تلك البلاد .ص 123 – 124 الرواية) .

التشهي، الشهوة، الاشتهاء، مفردات متعددة تلتقي في تشه، الرغبة الملحة والشديدة في ذلك الشيْ، الجنس، الطعام، الملابس، الكتابة، السياسة الخ :

- كنت اشتهيها واشتهي تحولاتها ص 28 .

- الشهوانية السياسية لاتصل إلى الشهوانية الجنسية ص32 .

- انت اشتهيت أن تكون روائيا او حكائيا ص134.

- فانا احب الاكل والمضاجعة ص4 .

- فهذا الجسد الذي تملؤه الشهوة ص95 .

- ارجوك يا سرمد تعلم الهدوء هو أكثر قوة واشتهاء ص 56 .

شهوة الدمار، وشهوة القتل المجاني، واشتهاء الاخضر الابراهيمي "هكذا يسمي العراقيين

عملة الدولار فئة المائة كنكتة "، وتشهي الخراب الضاربة اطنابه في كل زاوية، وشهوة الغاء الاخر على الهوية، وشهوة الاحتلال في استباحة شعبا ووطنا، وتتجلى براعة الروائية في الاحالة للسمنة إلى عملاء الاحتلال :"السمنة جعلتني رهن ذلك الاحتلال "ص 92 . ولقول كيتا له :" إن الغرب والشرق دمر بلدك فكنت تفتي علي بصوت ممرور، ربما، البلد يغري بالتدمير أليس كذلك ؟ ص44 "

ويتسأل سرمد بخبث مبطن عن معنى اسمه واسم بلده :" ترى ما معنى اسم سرمد، وما معنى اسم البلد، ذاك الذي هناك؟ " ف سرمد= الأبدي = الأزلي، فكيف ذلك مع وجود عضوا متعطل "مصاب "، بينما الطبيب حكيم يضعه في مربع الموت، وذلك لعدم قيام عضوه بواجباته الجنسية :لماذا لم تمت ؟ولا حل كان أمامك الا الموت، انت اصلا كنت مخصصا للموت، عضوك الكريم تخلص منك ص3، هنا توقف يهدد تجربة الابدية هذه :في موت القضيب، هكذا تستمر المعركة بين الأبدية والموت، لكن العلاقة بين الأبدية والموت لا تمحَى، أما رمز مهند، فهو لايحتاج للتفكيك او التأويل العميق، فهو يمثل السلطة الدكتاتورية، القمعية، المستبدة، قبل الاحتلال، وهو ضابط مخابرات، وكان يستعين بكل شيْ من اجل تحقيق مأربه، بالفتيات الجامعيات وموظفات فنادق الدرجة الاولى والثانية ونساء السياحة والخطوط الجوية، لقد قام بفتح شركات ومطابع ومجلات وصحف لتغطية انشطته الاستخبارية (ص121)، وأسس وكالة مصرفية في بيروت سماها هندس، تورية لجعل الاسم " مهند = السيف = القتل، البطش، الدم " و العمل يتوافق تمأما مع اسم الوكالة، ففي اللهجة العراقية هندس تعني الظلام الدامس، حتى اخيه سرمد لا يسلم منه :

" لا تتأفف كثيرا فلدي تسجيلات لك ولألف وانتما بلندن في غرفة نومك وفي الفندق .للبيضاوية وهي تصبغ شواربك وتحممك مثل حيوان رخوي لا تهش ولا تنش .لكيتا وانتما بالحمام سويا وأنفاسك الرقيقة تمسحها من على الزجاج لكي ترى وجهيكما بالمرآة – ص 47. "بل انه كان افظع واخطر من ذلك، لوجوده في شبكات مشبوة وخطرة، معه ابو مكسيم الشيوعي، وابو العز الفلسطيني، انه بؤرة الشر الاسود، المعجون بالغموض والخيال، والقسوة والاغراء، فهو متوحد باطنيا متناقض ظاهريا .

يقول روب غريية:"الرواية بحث عن واقع لن يوجد الا بعد الأنتهاء من الكتابة "، أما في التشهي، فالواقع كان موجودا اصلا قبل كتابة الرواية، فالرؤية السردية عبًرت عن الواقع المتخيل بعين ثاقبة، واختزنت كل المتغيرات والحالات التي عصفت بهذا الواقع المأساوي، فقط نقل إلى عملية التحولات التخيلية، ففي هكذا نص ايروتيكي ينظر اليه على انه لعبة، تمنح المؤلف والقاريْ امكانية انتاج معان وعلاقات لأ نهائية وللقاريْ وحده حرية رؤية واستخلاص المعاني من النص الايروتيكي، وقد طور بارت الأرتباط بين القراءة والخيال في مواضع عدة، فهو يتحدث في كتابه "لذة النص " عن العلاقة بين القراءة والتخييل الخلاق، ويحدد لاحقا فعالية القراءة بوصفها شهوانية "حلم- قراءة "، بل يكرس ذلك ويعمقه عندما يضع الانا /الاخر/العالم في علاقة جدلية عرفانية من خلال القراءة حيث تصبح "رغبة في الاخر وعشقا للجسد "(8) .

وهذه العلاقة الجدلية- العرفانية في تقديس الجسد، نعثر عليها في علاقة ألف بسرمد، حيث وهو في وضعية الانهيار الكلي يجعلها بجانبه (يتذكرها بحميمية)، ولا يستطيع التخلي عنها : "مرضي هو شهيتي لبطنها وفخديها وصدرها، لجميع أعضائها ولذاتها وتعاستها –ص 110 الرواية " وينسى جميع الفروج التي ضاجعها باستثناء فرج ألف، اختزال في الجسد وفي التوحد وفي الذاكرة، أما هي فتكون الجهة الاخرى للجسد المتشاركين به، المنعتقين منه، والمتوحدين فيه، رغم فناء عائلتها بيد مهند، فالاب الدكتور رياض البغدادي وجد مقطعا بمشرطه، وسيف شقيقها تبخر، و والدتها المهندسة المعمارية اصيبت بفالج أقعدها (ص116 - 117) هي بقت على موقفها المتحدي والمعارض بينما هو وقف (على الحدود القصوى ما بين الجريمة والجنون .ص 117) وقام برحلة اللاعودة منها (رحلة التخلي والخيانة)كما يسميها هو .

وباختصار شديد، نقول ان سرمد انسان لا منتمي، ويتجلى ذلك في ذروة موقفه العبثي من الاخر والعالم، حيث يتماهى مع ذكّره، وذلك عندما يسأله يوسف عن مرجعه يكون الرد متسما باللامعقولية، وباسقاط جميع الثوابت :"نظرت في عينيه تمأما، فتحت أزرار معطفي الصوفي وسترتي أيضا مددت يدي إلى ذكّري وأشرت عليه قائلا بتمهل شديد :

- (هذا...) ص 127 الرواية .

من الواضح هنا أن القاريْ كما الروائية تمأما ينغمس بصورة فعالة في خلق نص جديد، نتاج لتداعيات شخصية يستثيرها النص الأصلي ليجعل لذة عملية القراءة ترتبط بالأحساس المفعم بالذات، ذلك الأحساس الذي تفيد القراءة في بلورته، رغم انشغال القاريْ في استبطان النص وتأويله، لينتهي بالتأويل الذاتي لذات ما وذلك لمعرفة نفسها ولمعرفة الذات الاخرى . وتتجلى قصدية المؤلف المختفية وراء النص، عند اشارة سرمد إلى ذكّره بكل برود ولامبالاة، ليس إلى حاجتها للتفسير والفهم فقط بل إلى الأستيعاب المقترن بفرز المعنى، الذي يعمل على "انكشاف طريقة ممكنة للنظر إلى الأشياء، وتلك هي القوة المرجعية الأصيلة للنص ...ويسعى التأويل في مرحلته الأخيرة إلى المساواة والمعاصرة والاندماج بمعنى المشابهة .وتتحقق هذه الغاية بمقدار ما يحقق التأويل معنى النص للقاريْ الحاضر "(9)، ولتتحول الصور الوجودية إلى صور مجازية، وهذا ما يسميه غادامير بانصهار الآفاق حيث "ينصهر أفق عالم القاريْ بأفق عالم الكاتب .ومثالية النص هي الرابطة في عملية انصهار الآفاق هذه "(10)، وهنا تكون للخيال وظيفة تأويلية محددة في دعم ومساندة المعنى، وامكانية طرح الأسئلة الحقيقية الأبستمولوجية .

وباستطاعتنا العثور على تحولات التخييل الأيروتيكي، بصورة جلية مع عمق في تمايز هذه التحولات، وتشظيها، حيث تتلبس الجنس والسياسة، وذلك في قول ألف : آه سرمد، الجنس معك يشبه التحريض ضد كل شيْ، كلا، ليس هو الثورة أو التمرد كما تقولون في السياسة .الجنس معك يتبدل وينقلب من حال إلى حال فيجعل أشيائي الصغيرة في داخلي تنتقل من مكانها . تعرف، أشتهي لو كنت منحرفة بطريقة من الطرق، أعني، الجنس يظل امرا مفتوحا على الدوام، يتغير في كل ثانية، يصير أنواعا وأنواعا ولا تكفيه التأطيرات والتنظيرات أوالتعابير الشعرية- ص 114 الرواية)، أن هذه التحولات لا تخضع لاي شيْ، لا للتأطير، ولا للتنظير، بمعنى انها مفتوحة ويشتغل اللا متوقع واللا مخطط فيها .

ألف ..من هي ؟انها المعيدة في الجامعة، والتي كانت جزءا من مؤامرة مهند لاقصاء اخيه سرمد إلى خارج العراق، دون أن تدري، لكي يستبيحها، وليذل سرمد من خلال جسدها بتعهيره من قبله، وتدخل العملية الجنسية معه ايضا في نطاق تحولات التخييل الايروتيكي، في صورة سلبية، يقول لسرمد :اسمع، خراء عليك وعلى ألف التي كانت تضاجعني وهي تحلم بك فوقها وأنا اعرف ذلك ولانحتاج لاهي ولاأنا إلى أي اثبات ولكني أبقى داخلا فيها ليس بقوة الرغبة واللذة وانما بشروط العداوة والبغض الذي يركبني وأنا اركبها ص46)أسمها أول حروف الابجدية، أ، مليْ بالالغاز والسحر، أنه نوع من " الترانيم السومرية "، وملحمة كلكامش، واناشيد التوراة، "هل هو هكذا، حقيقي وخرافي ".

وليس من الممكن ابدا، دون قراءات معمقة، وتأويلات تستند على مستلات من النص أن ننشى عملية ترميزية دلالية، فمثلا هل اسم ألف "رمز إلى السلطة التي ظل الشيوعيين العراقيين يحلمون بها ويغازلونها عن بعد "(11)، فمن خلال قراءتنا تستنبط الرموز وخاصة نحن محكومون بسياقات الحياة التي يقوم عليها الوعي الجمالي/ التاريخي /التأويلي، وأن عالية ممدوح كانت متعمدة في عدم اعطائها اسم صريح، فقط حرف، لايخضع لاي معنى مادي، المعنى يولد من بين وقائع ألف، لذلك ينبغي (التسليم بلغة الخلق التي عبرها يوجه الاله خطابه .بيد أنه لايمكننا الانغلاق في فكرة مفادها أن"المعنى "لا يستعمل في الخطابات والكتابات فحسب، وانما أيضا في جميع الابداعات البشرية بحيث تكون قراءة وفك الرموز نشاطا تأويليا) (12) .

الفهم التأويلي لقرائية النص يضعنا أمام ثلاثة اتجاهات قصدية :قصد المؤلف، قصدالقاريْ، قصد النص، وبهذه العملية تنشأ جدلية – حوارية، تتجاوز ديالكتيك هيجل بين النقيضين، فما بين السمنة المفرطة و ضمور الذكّر، ومابين اليسارية المتطرفة والصفقات المشبوة، ومابين فكر سرمد المتناقض ودموية مهند الثابتة، ذلك كله نتبينه في انتاجية النص المقروءه، وانتاجية المؤول، ولكن ليس بالضرورة أن يتطابق مع ماقصده المؤلف !ف قرائية النص انما تحكمها قوانين وآليات مضمرة في داخل فعل القراءة، غير قوانين وآليات عملية الكتابة، وهذا يكرس بان القاريْ/ الناقد هو كائنا تاريخيا ثقافيا .

أن القصدية الثلاثية تلك، تكون خاضعة لثلاث مفاهيم غاداميرية أساسية وهي: التفسير، والفهم، والحوار.

التفسير هو ايضاح شيْ ما، أما الفهم من خلال التفسير يتكشف لنا نهائية الفهم الإنساني، فالفهم يبقى دائما فهما مفتوحا، أو تكثيف وعينا لمعرفتنا بالأخر وبالعالم، فالفهم عند غادامير يمثل :اللغة .الجدل . التاريخ، أما الحوار فهو يتضمن التفسير والفهم، لكنه يتجاوزهما، الحوار يتسم باللأنهائية، وهو وسيط التواصل مع الآخر .

ويتساءل البعض لمعرفة كيف يصبح النص ايروتيكيا ؟ بداية علينا معرفة العلاقة التفاعلية بين النص والجسد، ومدى عمق العلاقة التي تربطهما، اذ يمثل الجسد مجموعة من الرموز والعلأمات والاشارات، بشرط ان لا تقع في المخيال السردي الاباحي، بل أن تتشكل في القراءات الثقافية المتعددة والانساق المختلفة، مع رؤية متجذرة إنسانيا، وبهذا المفهوم نستطيع أن نكّون رأيا عما فعله مهند بـ يوسف، لنبدأ با اقوال سرمد فهي سوف تكون مدخلا ولو ضيقا، ولكن سوف تعمل على أضاء "الفعل" المرتكب :

"كنت اعرف جميع المكابدات التي تعرض لها من ملاحقات مهند ثم الفتك به والتواري من أمامنا أيأما طويلة وكيف تمرد على الصداقات كلها وفر إلى جامعة الموصل - ص 70 "

وفي المقطع السردي التالي يعلم القاريْ ما معنى "الفتك به " وماهي طريقة الفتك تلك وكيف :" كل شيْ يفعله بالظلام ..كان يتركني انزف كما في المرة الاولى حتى يمتلىْ لباسي الخام بالدم الذي بقيت صورته تطاردني حتى هذه اللحظة – ص 71 الرواية "

هذا الفعل اللإنساني، يترك جرحا مفتوحا نازفا في الذاكرة وفي الجسد عند حاملهما، مما سوف يترك ذلك على سيرته الحياتية والجنسية مخالبه الغائرة فيهما:

" تزوجت روزالين التي تكبرني بخمسة عشر عأما لكني كنت اعيش بمفردي، اضاجع بصورة مزرية واصبح أكثر صعوبة اذا ما حاولت المضاجعة مرة ثانية ابدو مجهولا، ليس من ألنساء فحسب وانما من نفسي بالدرجة الاولى – ص 74 الرواية " .

هذا الحفر في المسكوت عنه (التغاضي) المضمّن في خطابات الجسد المنتهك يؤدي إلى تفجير تاريخ المكبوت لأغناء الثقافة الأبستمولوجية المعاصرة .

تبدأ رواية التشهي بـ "اليه ..".وتنتهي بـ "و..."، بمعنى بداية لم تبدا ونهاية لم تنتهي، فمن هو المدعو "اليه " ؟!، وال "و..." من الممكن أن يتناسل منها كلمات لا نستطيع أن نحصيها، انه الفخ الذي تنصبه لنا الروائية، فخ الممكن والمستحيل، الفخ الذي من يستطيع أن يمسك بمفاتيح خرائطه، قد يكون حل الغازه، ومن لا يستطيع يكون قد تاه، والسطور تصبح عنده مملة، رتيبة، مسكونة بالظلام الدامس "هندس "، هذه كانت لعبة عالية ممدوح في السرد – التخييلي، عندما قامت بخلط كل الأزمنة والأمكنة والشخصيات، وخلط المواقف، والروىْ، لتعمل على اعادة كتابة الرواية بالاشتراك مع القاريْ، انها لعبة البلد المسمى العراق في تحولاته :السوسيولوجية .السياسية، التاريخية . الثقافية. انها اللعبة التي "يضخون ثلاثة انواع من السموم القاتلة في عروقنا ومع هذا لايقضي علينا – ص 137 الرواية"، لعبة أن اكون او لااكون، وهل سيبقى اسمه المريض العراقي ؟وهل سيظل نائم في دواخله أو سيطول غيابه عن الوعي ؟ او ستظل "تعيش في مكان اخر وهذا الأخرهناك" ؟ أسئلة تتناسل منها أسئلة، والأجابة اظن انها عند الأخر الذي هو: أنا. انت .هم . ولكنها ستكون ملغزة، ملغومة .

وياتيه صوت ألف من شريط مسجلة سيارة يوسف وهو في الخلف وراسه ملقى في الخلف، وهما ذاهبان إلى النورماندي:"فما عليك الآالبقاء حيا فهذا وحده يفقأ عين مهند من قبل وعيون الشقر من بعد ...ماذا عسانا نفعل لكي ندون ما يحصل، وأية لغة علينا أن ندون بها، فالعربية سوف تتحول إلى نشارة خشب، وكأن هناك لعنة سرمدية تتعقبني ولغتي، اللعنة على الأسم والحرف والفعل والمفعول به، ودجلة المخنث – ص 135 الرواية".

يتساءل بول ريكور في مفتتح كتابه "الذاكرة، التاريخ، النسيان "، سؤالين :من ماذا هناك ذكرى؟ لمن هي الذاكرة؟ (13)، أن الذاكرة هي التاريخ للإنسانية، فمن ليس له ذاكرة ليس له تاريخ، ومن هذه الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، وتفاعلهما فيما بينهما جدليا، تنتج سوسيولوجيا الذاكرة الجماعية التي بدورها تعمل على خلق التاريخ، الحامل في دواخله :الأنا، الأخر . وهذا ما نشاهده في شرائط التسجيل التي تبعثها ألف لسرمد :فهي تاريخ شخصي وتاريخ بلد .

أن الرسائل والتقارير الخاصة والوثائق لسرمد كمخطوطه "باعتباره قطعةّ من الماضي، ليس هو حامل التراث، بل انها استمرارية الذاكرة، فبواسطتها، يغدو التراث جزءا من عالمنا الخاص " (14)، وهذا ما اشتغلت عليه عالية ممدوح كما قلنا، من خلال الجمالية الايروتيكية، المستندة على الذاكرة السوسيولوجية، بافاقها المفتوحة .

 

أسامة غانم  

.........................

الهوامش والاحالات:

* أن مصطلح الايروتيكية يدخل ضمن نطاق النقد الثقافي، وتكون مديات اشتغاله وتشكيلاته وتمظهراته واسعة جدا، ولا محدودة في الكتابة عن الجسد، وفي رواية التشهي قمت بنحت المصطلح، وذلك باضافة مفهوم الجمالية المستعارة من النقد الادبي، حيث جعلته هنا يعني الكتابة عن جمالية الجسد .

1 – بول ريكور. الزمان والسرد ج 3، ترجمة: سعيد الغانمي، مراجعة د.جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط 1 بيروت 2006، ص 246 .

2 – م .ن . ص 239 .

3 – ادونيس .الثابت والمتحول ج 3، دار الفكر ط 5، بيروت 1986 .ص 216 .

4 – الزمان والسرد ج 3، ص 236 .

5 – عالية ممدوح . السفر باسرار الجسد إلى مدن الباء، جريدة الاديب العدد 52 في 22 /12 /2004 .

6 – حوار مع عالية ممدوح . جريدة الاديب العدد 71 في 11 /5 /2005 .

7 – عباس عبد جاسم .عراقية عالية ممدوح الروائية (عدد خاص) العدد 52 في 22 /12 /2004 .

8 – محمد شوقي الزين .التصوف العرفاني، كتابات معاصرة، عدد 35 ص8 .

9 – بول ريكور .نظرية التأويل : الخطاب وفائض القيمة .ترجمة : سعيد الغانمي، المركز الثقافي العربي بيروت –الدار البيضاء ط1 2003، ص 145 .

10 – م .ن . ص 146 .

11 – زهير الهيتي . التشهي والاخصاء، موقع ايلاف الالكتروني، 20 / ديسمبر /2007 .

12 – هانس جورج غادامير .فلسفة التأويل، ترجمة :محمد شوقي الزين، منشورات الاختلاف /المركز الثقافي العربي، ط2، 2006 ص 90 .

13 – بول ريكور . "الذاكرة، التاريخ، النسيان "ترجمة : جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت ط1 حزيران / 2009 ص 31 .

14 – هانس جورج غادامير .اللغة كوسط للتجربة التأويلية، ت أمال ابي سليمان، مجلة العرب والفكر العالمي، بيروت العدد3 /1988 .

لقد اعتمت في دراستي هذه للرواية على النسخة المرسلة بالانترنيت من قبل الروائية إلى الصديق الناقد والروائي عباس عبد جاسم والتي ارسلها لي بدوره، وكانت مطبوعة على ورق A4 .

 

محمد المسعوديمن يقرأ رواية "كيميا" لوليد علاء الدين يتبين له أن النص ينتمي إلى الأعمال السردية التي نحت منحى فانتاستيكيا في سياق محاولتها تشكيل عوالم متخيلة تقرأ في ضوئها التاريخ وتسائل شخصياته وتحلل نفسياتها وتفاعلها مع الناس والحياة، بحيث يقوم المتخيل الروائي في نص "كيميا" على تحليل شخصية جلال الدين الرومي وصديقه شمس التبريزي في موقفهما من حب "كيميا" و"علاء الدين ولد" ابن جلال الدين الرومي. فكيف يشتغل الفانتاستيك في رواية "كيميا" لوليد علاء الدين؟ وكيف يُسهم في تشكيل عوالمها المتخيلة وبناء طرحها الروائي؟ وكيف تتشكل الرؤية السردية في الرواية انطلاقا من هذا الاشتغال الفانتاستيكي وارتباطا به؟

هذه أسئلة ستكون منطلقنا إلى مناوشة رواية "كيميا" للروائي والشاعر وليد علاء الدين، وهي عمله الروائي الثاني بعد "ابن القبطية"؛ وفي العملين معا يستحضر الروائي شخصية جلال الدين الرومي إن بشكل أو بآخر. فكيف تحضر شخصية الرومي في "كيميا"؟ وما حدود الفانتاستيكي والتاريخي في بناء متخيل الرواية؟

يجعلنا السارد نعيش معه – من بداية الرواية إلى نهايتها- تفاصيل رحلة قام بها إلى تركيا لحضور ذكرى الاحتفاء بمرور ثمانمائة عام على ميلاد جلال الدين الرومي، وكانت هذه الرحلة بغرض كتابة تغطية، أو إنجاز كتاب عن الشاعر الصوفي، وعن "المولوية" وما تبقى منها، فكانت الرحلة بابا نحو ولوج عوالم غريبة ودخول السارد في متاهة أحداث ووقائع تشبه أحداث أفلام الرعب، وعوالم الأشباح والأرواح.

وهكذا منذ حلول السارد "وليد علاء الدين" بغرفته في الفندق، وجد نفسه خاضعا لحالة غريبة لا يعرف كيف يخرج منها، إلى درجة تختلط عليه الأحلام بالوقائع، ويجد نفسه مُسيرا للقيام بأفعال يمليها عليه "شبح" علاء الدين ولد ابن الرومي، أو روحه. بل إن التماهي بين الشخصيتين يتبدى من خلال تحول شكل السارد أو توهمه ذلك وقد تداخلت أحلامه بواقعه، يقول في مقطع دال من الرواية: "أفزعني أيضا أنني عندما حدقت في الكلمات محاولا فك شفرتها، لم يكن الوجه الذي يطالعني في المرآة وجهي، كان وجها آخر" (الرواية، ص. 13).

وقد كانت علامات كثيرة تؤكد أن روح "علاء الدين ولد" قد تلبست جسد وعقل وروح السارد "وليد علاء الدين" في الرواية. وهذه الروح التي انبعثت بعد ثمانية قرون من موت والدها (الرومي) وصديقه (شمس التبريزي) ليس لها من غاية سوى كشف عوار الرجلين، وتعرية أفعالهما أمام الناس، وكشف مدى ظلمهما ل"كيميا" ووقوفهما في وجه حب "كيميا" و"علاء الدين ولد" البريء الطاهر. وبهذه الكيفية تقدم الرواية صورة مختلفة عن الشاعر الصوفي من منظور يستثمر بعض معطيات التاريخ، لكنها تندغم في سياق فانتاستيكي مفرط في غرابته، لتقدم "حقيقة" أخرى عن جلال الدين الرومي وشمس التبريزي. حقيقة "جديدة" تقطع مع الصورة المتداولة عن الرجل وصديقه. وهكذا سيتبين للقارئ مدى ما قام به الرجلان من شطط وعسف وهما يئدان حب "كيميا"، بل ويطمسان ذكرها. وبذلك ستتحول رحلة السارد من الكتابة عن المولوية وعن الرومي إلى رحلة تتغيا معرفة قبر "كيميا" والعثور عليه في مسار فانتاستيكي تقوده روح "علاء الدين ولد" التي تلبست السارد، وأملت عليه منطقها ودفعته إلى كشف الحقيقة الخفية لجلال الدين الرومي ورفيقه التبريزي، ولتبين للعالم أن القداسة الممنوحة للرجلين لا يستحقانها.

ويبدو من خلال أحداث الرواية، في متخيلها الفانتاستيكي الغريب، أن السارد يتماهى بشخصية ابن الرومي (علاء)، ويذوب كل منهما في الآخر إلى حد ما. ولكن على الرغم من هذه الحيلة الفنية، حرص السارد على تبيان أن هناك حدودا بين ذاته باعتباره شخصية معاصرة تعيش في زمننا وتتعامل مع واقعها بعقلانية ودراية، لها همومها وتطلعاتها المرتبطة بالكتابة والإبداع؛ وبين شخصية "علاء الدين ولد" التي عاشت قبل ثمانية قرون، وكانت لها هموم مختلفة وإشكالات أخرى تتعلق بسعي شمس التبريزي إلى تهميشها ومنعها من تأدية أي دور ضمن أتباع جلال الدين الرومي، ومن هنا كانت شخصية متمردة قلقة.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل قلق وتمرد "علاء الدين ولد" كان مبررا لكي يتحامل على "التصوف" وعلى "الدين" ويرفضهما؟ وهل هذه "النظرة النقدية الرافضة" هي نظرة هذه الشخصية الروائية أم نظرة السارد "وليد علاء الدين"؟ وهل نجد انسجاما في هذه الرؤية إن كانت رؤية "علاء الدين ولد" ابن الصوفي الشاعر جلال الدين الرومي؟

مما لا شك فيه أن الروائي ذهب إلى حيز "جديد" قصد تشكيل متخيله الروائي، ومما لا شك فيه أن القارئ ينبهر بمدى جرأة الكاتب، وهو ينبش في سيرة جلال الدين الرومي وشمس التبريزي ومن أحاط بهما من شخصيات، وأنه سيكتشف تصورا آخر ل"حقيقة ممكنة" تحاول الرواية أن تعرضها على متلقيها، هذه الحقيقة التي يمكن إجمالها في جملة واحدة مختصرة: جلال الدين الرومي وشمس التبريزي كانا مجرمين قاتلين أسهما بقتل "كيميا" ووأد ذكرها باسم العشق، وأنهما حالا بينها وبين معشوقها الحقيقي: "علاء الدين ولد" الابن الأصغر لجلال الدين الرومي. ولكي يقنعنا السارد بهذه الحقيقة المكتشفة "الجديدة" توسل بصيغ فنية مركبة ومتعددة، وبأساليب سردية ملتوية ومتنوعة، كان قوامها الفانتاستيك، كما حاولنا أن نبين، لكنه جعل الرؤية السردية والنظرة إلى الحقائق المتخيلة التي تقدمها الرواية منظورا إليها من زاوية نظر السارد المحوري "وليد علاء الدين"، ومن ثم لم يضع السارد بينه وبين شخصيته المستدعاة في الرواية مسافة تمكنه من تقديم رؤية نقدية موضوعية لممارسات الرومي وسلوكاته، كما سقطت في رفض التصوف والدين من أفق زمننا لا زمن علاء الدين ولد ابن الرومي، وبهذه الشاكلة كان الخلل ناجم عن التماهي المطلق الذي وقع بين الشخصيتين. ولم يتمكن الأفق الفانتاستيكي من جعل الروائي يكتب رواية تاريخية متخيلة يصحح فيها رؤية القراء لما يمكن أن يكون قد حدث منذ ثمانية قرون سالفة، فضلا عن أن الرواية عرفت تدخلات الروائي تكشف عن معتقده ورؤيته، لا رؤية شخصياته السردية المتخيلة، فعلى سبيل المثال يقول السارد:

".. خرجت إلى المحطة. استوقفت أول تاكسي. طلبت من السائق أن يقلني لمشاهدة كنيسة آيا صوفيا، لا أعرف لماذا أحسست أن طلبي أغضبه، استمر هذا الغضب خلال حوارنا القصير جدا، قال: " Aya Sofia Cami"، قلت ظانا أنه لم ينتبه:" " Aya Sofia Church"، قال بحدة:" Cami... Cami"، وانتهى الحوار.

ولكن آيا صوفيا كنيسة أيها السائق. وإن تحولت إلى جامع بعد غزو القسطمطينية على يد السلطان محمد الفاتح، فهي توصف بأنها أعظم كنيسة بنتها اليد البشرية على الأرض. سخر لها الإمبراطور جوستيان أفضل المعماريين؛ آرتموس الأمهر من آسيا، وإيسادور من ميلانو، وجلب لها الأحجار والأعمدة والرخام من مصر وبعلبك وأوبوا وأثينا وروما، وأنفق عليها 360 مليون فرنك ذهبي، واستخدم فيها عشرة آلاف عامل، حتى قيل إن هذه البناية لم يُشهد مثلها منذ آدم، ولا يمكن تشييدها بعد الآن. فمن أقنعك بأنها جامع؟" (الرواية، ص. 26)

يتبين القارئ في هذا المقتطف من الرواية- وهذا مثال واحد للتدليل- تدخل الروائي المباشر وإملاء رؤيته الخاصة التي تؤمن بما يعتقده هو، وهذا التصحيح لتصور سائق التاكسي لا يضيف للرواية شيئا سوى تبيان رفضه وإعلان اختلافه عما يعتقده الناس وما هو واقع. ولعل هذه التدخلات المباشرة هي التي جعلته لا يتمكن من التحكم في وضع مسافة بينه، باعتباره شخصية متخيلة وبين نفسه ككاتب، وبين هذا السارد والشخصية التاريخية المتخيلة "علاء الدين ولد" فجعل الجميع يعلن عن موقف واحد ورؤية سردية واحدة لا تنبئ عما يقتضيه منطق الرواية من تنوع وإمكان للتعبير عن وجهات نظر متباينة.

ومن خلال هذه النتيجة التي نصل إليها نؤكد أن الرواية الفانتاستيكية التي تنطلق من التاريخ وتزعم تصحيح بعض "الحقائق" ينبغي أن يتحلى أصحابها بروح حيوية محايدة لا تنطلق من أحكام مسبقة. رواية تشدنا وتطرح رؤية مغايرة، ويكفيها أن تطرح السؤال، وتنبش في المقدس.

وفي الختام أشير إلى أني استمتعت بهذا العمل الروائي وبخياله الطريف، وبشعريته وجمال لغته، وبقدرته السلسة على الانتقال بين السياقات التي خلقها الكاتب في روايته. وسوف يجد المتلقي في الرواية ما يشده ويلبي تطلعاته لمعرفة ما جرى ل"كيميا"، وكيف كان الرومي والتبريزي رجلين ظالمين، وأنه في النهاية سيتفق معي في الرأي الذي خلصت إليه بصدد الرؤية السردية في هذه الرواية.

 

محمد المسعودي

..........................

وليد علاء الدين، كيميا، دار الشروق، القاهرة، 2019.

 

رغم ان القصة القصيرة لا تتحمل الا العنوان الرئيس بسبب عدم الابتعاد عن التكثيف والتركيز، اللذين هما من شروط تقنية القصة القصيرة، لكن زيد الشهيد قام باختراق هذه القاعدة عندما وضع ثلاثة عناوين فرعية في الداخل مع العنوان الرئيس: بين فكوك الحذر – المهارة على ايقاع التأني – الهديرُ بعينٍ ثانية "، وبدلاً من ان تتشظى القصة وتضيع الفكرة، منحها ذلك التحاماً عميقاً في رسم جمالية تشكيل النصْ، وتدفقاً في انسيابية السرد، وهذا جعل المتلقي باستطاعته ان يقوم بقراءة القصة من حيث العناوين الفرعية كلا على حدى دون ان تختل الفكرة، لان كل عنوان يمثل القصة الرئيسة ويمثل قراءة مضافة للنصْ برؤية منبثقة من النص الكلي المتوزع على ثلاث قراءات متداخلة ومستقلة في ذات اللحظة،مما اعطى السرد جمالية ثقافية في تشكيل الصور السردية، وهذا ما انسحب على العنوان الرئيس " الجسرة الخشبي.. شيفرةُ الَتجاوز " ايضاً، من حيث التفاعل في التداخل والاستقلال مع العنوان الرئيس:

الحذر = الاكتشاف

التأني = التجربة

الهدير = المواجهة .

وبهذا، جعل زيد الشهيد مضمون القصة ينبثق من العناوين جميعها، متحدة: الاكتشاف في مواجهة التجربة .

وهذا السرد استخدم هنا، لكي يجعل المعنى يتيه عن المتلقي، ولا يستطيع الامساك به، الا من خلال قراءة ذكية دقيقة متعمقة للنص، رغم مخاتلة المعنى وراء ابواب مواربة، ولكن من خلال الجمل المبثوثة في السرد، تمكنا من استخراج ذلك:

ففي " بين فكوك الحذر "، نقرأ " كلما طالع المياه تندفعُ دفَاقةَ ومٌسرعة من تحت الجسر تراجع مصعوقاً، ومَكبوحاً من مفردة: إيَاك ..إيَاك ! تسكبُها الأمُ الهلعة من جموحِه بينما يطالع الضفة البعيدة ناظراً لها عالماً غير مُكتشفٍ " .

اما في " المهارة على ايقاع التأني "، فنقرأ " لا .. لا تخلع ملابسك وتنزل الى الماء .. لا بدَ أنْ تتعلَم، لا اكتساب مهارةٍ دون تَعلَمٍ، ولا يتحقق التحدي إنْ لم تكتمل أدواتُ الاستعداد " .

وفي " الهدير بعين ثانية " نقرأ " إنَه الآن رجلُ يقطعُ دونَ خشيةٍ دربَ الجِسرِ مرات ومرات، ويعبرُ النَهرَ غير آبهٍ لسرعة مائه ولا للهدير الذي كان يبصره مهولاً .. ينظرُ الى النهر بلا خوف لأنَه بلغَ من العمر ما يمكنه من مواجهة المواقف وايجاد القرارات الحاسمة ".

وبهذا يتحقق المعنى الكلي للنصْ، الذي هو: الاكتشاف في مواجهة التجربة لكي نتجاوزها .

وتمتلك سردية نصْ " الجِسرُ الخَشَبي .. شيفرةُ التَجاوز " لغة جمالية شعرية، معجونة بـ تاريخ سيرة طفولة، على شكل شهادة / ذكرى للشخصية الرئيسة والوحيدة في عملية السرد، التي تأخذه " خُطاه مَسحوراً " لعبور الجسر الخشبي، ولكنه " ينكفىء مُتخاذلاً "، خائفاً، لان " كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤية "، الرؤية لما بعد الجسر، رؤية الضفة الاخرى، معناه أن عبور الجسر يصبح حجاب يمنع الرؤية، ولكن عند العبور يهتك الحجاب، وتتحقق الرؤية للضفة الاخرى غير المكتشفة، لأن الرؤية لا تخبر، بل تشهد .  " ثم اخيراً وضع القدمُ على بلاطة مدخل الجسر من الجانب الثاني "، لتتلاشى رهبة الخوف التي كانت في دواخله من: الجسر الخشبي ودعائمه الخشبية، ومياه النهر .

هنا يكون من حق المتلقي ان يتسأل: لماذا هذا الاصرار على عبور الجسر الخشبي ؟ وما الذي يرمز له ؟ ورغم ان الرمز متعدد الاشكال: مجازية، بلاغية، ايحائية، كلها تعمل على تعميق المعنى، ولقد وظف رمز الجسر بجمالية منسجمة مع شخصية الطفل في ترقبه وتطلعاته وفضوله ومن ثم خوفه المكسور لاحقا، هذا كله اصبح مصدر تأثير وادهاش للمتلقي .

 

أسامة غانم

 

 

1423 فيلم استارلك 1الدليل  نحو عالم لا يوجد إلا في المخيلة

من البديهي القول ان لتاركوفسكي لغة سينمائية ومفردات إخراجية خاصة ومتميزة جداً لا يجيدها غيره وهو الرائد في ميدان السينما الشعرية، ويحتل فيلم ستالكر موقعاً خاصاً في عالم تاركوفسكي السينمائي فقد صممه كادراً بعد كادر انطلاقاً من سيناريو لأركادي وبوريس ستروغاتسكي عن رواية لهما ومشاركة تاركوفسكي نفسه وإشرافه التام على السيناريو. هذا الفيلم يضع المتلقي، الناقد المحترف والمشاهد العادي، أمام تحدي الإدراك والاستيعاب. فكلما شاهدته مرة تلو الأخرى يبدو لك وكأنك تشاهده للمرة الأولى وتكتشف فيه لمسات ومقاربات لم تألفها عينيك من قبل. الأماكن التي تدور فيها أحداث فيلم ستالكر لا توجد في أي مكان في العالم الواقعي ولا الخيالي، لا من وجهة النظر السينمائية ولا من خلال السياق السيناريوهاتي الذي من المفترض أن يؤطرها. ويتعين علينا الانتظار طويلاً لنكتشف يوما ما ربما شيئاً جديداً وقوياً يتعدى ما نراه على الشاشة خلال مدة العرض.

لنتحدث أولاً عما نراه أو نعتقد أننا نراه على الشاشة. ما لذي يوجد أمامنا؟ هناك على سطح الأرض يبرز لنا حيز مكاني فجأة صرنا نطلق عليه تسمية " المنطقة La Zone " وهي ترجمة غير دقيقة وليس المقصود بها منطقة كأي منطقة كانت في العالم. فهي رديف لحالة نفسية من الخوف والتردد والامتعاض والكآبة والإحباط وضيق النفس. وهي مفبركة من مكونات ومواد غير ثابتة فالمادة تتغير بنيتها باستمرار لندرة وغموض تجانسها ومظاهرها وسماتها وماهيتها فهي تتعدل برمتها باستمرار، وتغير من طبيعتها وماهيتها الفيزيائية. والسبب أو الذريعة التي تقف وراء ذلك، كما يوحي الفيلم، يمكن اختزاله بجملة هي، ربما بسبب اصطدامها بنيازك فضائي من أعماق الكون، وربما بسبب زوار مجهولين أو بفعل كائنات فضائية متطورة لا نراها جعلتها في حالة تحول دائم لسبب نجهله، والتي تركت هذه " المنطقة" غير قابلة للاختراق والفهم والإدراك والاستيعاب، ومختلفة عما يحيط بها كلياً. نشعر بذلك من خلال معلومة تقول إن مجموعة من الجنود الذي أرسلوا لتطويق وعزل هذه " المنطقة اختفوا ولم يعودوا ولم يعثر لهم على أثر، وتم هجر المنطقة ومنع أي كان من الاقتراب منها، ووضعت حولها الحراسات. وفي وسطها توجد " غرفة" غريبة ومثيرة للقلق والخوف رغم أن ما يشاع عنها أنها تحقق لمن يدخلها كل ما يرغب به ويريده كأنها عفريت المصباح السحري لعلي بابا. لكن هل هذه هي قصة " ستالكر" حقاً؟ ليس على وجه الدقة. لا توجد هناك قصة، والخيط السردي الوحيد الذي يربط بين الشخصيات الثلاثة ويدفع بها إلى الاقتراب من " المركز" هو شعور أكثر من كونه سرد لحدث حقيقي. الأمر المهم الوحيد هو المكان الكوني الفريد من نوعه وليس له مثيل في أي " مكان" آخر. فالمكان هو البطل وهو الحدث الدرامي، ومنه، ومن الشخصيات الثلاثة تتجلى شعرية وشاعرية المقاربة السينمائية. من الواقع المرئي، ومن محيط العناوين، ومن حواف الفيلم الخام إلى منتصف "المنطقة"، يعمل الفيلم بأكمله كأنه مغامرة، رحلة عبر الحواس، وفهم حساس للذات وللعالم من خلال هذا المكان الخارجي، ومن داخل روح الشخصيات التي تسافر من خلال تلك المنطقة، وعبر أرواحنا نحن المتلقين.

كل فن وبراعة وتقنية وحرفية تراكوفسكي تكمن برمتها عبر هذا الاهتزاز غير الملموس والذي هو، وفي نفس الوقت، شعور غامض ومحبط يغزو الحواس، وينتشر في الجوانب المرئية وغير المرئية والدقيقة في الإحساس الحسي والجسدي الذي يحصل عليه المتلقي.

1423 فيلم استارلك 2

نادرة هي الأفلام التي تعرف كيف تستغل بقدرة واتقان البنية اللحظية والآنية والامتداد والعمق الذي تتمتع به السينما، أي الجغرافية الخلاقة بالذات، التي تسمح، من مجرد لصق لقطتين وربطهما، بخلق فضاء ومكان فريد من نوعه، وأن تؤسس بنية متسقة ومتجانسة ، وهذا بالضبط هو ما نجح فيه تاركوفسكي في فيلم ستالكر، في كل لقطة من لقطاته، وكل مشهد من مشاهده، على نحو دائم ومستمر وبلا أية ثغرة. يأخذنا تاركوفسكي بأسلوبه ويضيعنا داخل هذا " الديكور" البالغ الجمال والافتتان، من خلال معمارية الفيلم وهوية بنيته وهيكيلية الحلم ورؤيته الشعرية والحميمية لسينماه الذاتية ما يضع فيلمه هذا في مصاف تحف سينمائية وآثار فيلمية خالدة لعمالقة من مقام المخرج الياباني ميزوغوشي والمخرج الفرنسي آلان رينيه والأمريكي أرسون ويلز، والإيطالي فيلليني، والبريطاني، ستانلي كوبريك، على سبيل المثال لا الحصر.

كل شيء جاذب ويؤخذ بعلته في فيلم ستالكر، فهو أكثر من فيلم، إنه شيء ما عن المادة والذاكرة والمخيلة ومادة الذاكرة. اقترب تاركوفسكي بقدر ما يسمح به الظرف والتقنية، إلى أقرب ما يمكن من هذه النقطة الهشة حيث تغدو الصورة موضوع تمثلها وتجليها كما لو أن سطح العدسة يعمل على لمس سطح الأحلام والأشياء. الجلد المميز البشرة المتميزة، الوجوه الجريحة، السحنات المتعبة، العشب، الأرض الرطبة، المعادن الصدئة المعلقة في جمود أشكالها، الأحجار المتكسرة، الزجاج، و"خاصة الماء الذي دائماً هو أدنى مني، هناك دائمًا، مياه" ، بمختلف حالاتها ، وفي جميع أساطيرها الباردة والصامتة ، والتي يغفو ستالكر في مستواها وعلى مستوى سطح الأرض حين يستلقي تحت ضوء النهار في ذروة المشهد المصور بلقطة متابعة ترافلنغ من أعلى مكتشفة على بعد بضعة سنتمترات ما يركد في الأعماق ، قطع البورسلين والخزف المصقول لكنها مهشمة، والأوراق المستعملة والمطبوعة المتفككة والمنهارة ، والأحجار والحصى، والأخشاب المنقوعة. كأنه مكب قمامة مدهش وساحر تراكمت فيه كل الصور والذكريات. وفي نهاية لقطة بالأبيض والأسود تبدو يد ستالكر مطوية الأصابع بالكاد طافية فوق سطح الماء حيث تبدو الشخصية في وضع جسدي كمن يختلق الأحلام، تعكس هذا الغياب في الواقع وعن الواقع، في ظل ظروفه، هو بمثابة نوع من انعدام الوزن أو فقدان التوازن، متناسيًا حالات طوارئ ومركبات المادة.

في هذه المواد المتداعية المنهارة والمتهالكة الشائخة الغارقة في الماء أو الضائعة في الهواء، تتلاطم فيها كل الحكايات والسرديات الممكنة، وربما كل الأفلام. تلك المفردات الصورية هي نوع من المادية المسحورة. فالــ"منطقة" هي مكان لغزي غامض محفوف بكل أنواع الرغبات والحنين، حيث لايمكن لأحد أن يعود أدراجه، فهي مكان متحجر، خارج الموت، والضباب، والطيور والحشرات ذوات الأجنحة الرطبة التي تتسلق الوجوه كأنها علامات هادئة ومهدئة ومريحة لخلود الروح، هل هي الجنة الخاصة بتاركوفسكي رمزياً؟ إنها على أية حال مكان مهجور، ساحة مليئة بحضور الأشباح غير المرئية حيث يمكن البقاء فيها إلى الأبد فالزمن فيها لانهاية له.

ستالكر مع ذلك فيلم ملموس، والصور فيه معمولة لكي تحس وتلمس بقدر نظراتنا، فبشرة الوجه كله مستغلة. يصطدم الفيلم بجدار الواقع خاصة في مشهد العبور. فالمكان محظور وممنوع ولا يمكن الولوج إلى داخل " المنطقة" إلا عبر أو من خلال متاهة حظائر مهجورة يتحرك دخلها ستالكر الدليل، والكاتب والباحث العلمي الفيزيائي، على متن عربة جيب ذات سرعة متنامية حيث ترافقهم لقطات متابعة ترافلنغ أفقية سريعة كأنهم عرضة للمطاردة، تجول سيارتهم الحواف والأطراف في محاولة للولوج عنوة والعبور بعد تلقيهم طلقات نارية أطلقها عليهم جنود الحراسة وفي أعقاب ذلك وجد الدليل ستالكر نفسه ومعه زبونيه الباحث والكاتب على بعد بضعة أمتار من " المنطقة". تواجد الثلاثة في صالة كبيرة جرداء تعكس جدرانها الاسمنتية صدى أصواتهم وآثار الرصاص. وبموازاة قاعدة الكادر تخرج قضبان سكة حديد متجهة نحو اليسار، هناك عربة قطار بانتظارهم يملؤونها بالوقود ويعتلون العربة ويغادرون ثم لقطات متابعة ولقطات كبيرة للوجوه لكل شخص من الشخصيات الثلاثة، صامتين غارقين في تأمل أهمية الرحلة وغرابتها وخطورتها حيث يبدو الطريق طويلاً وفجأة يتحول الفيلم من الأبيض والأسود إلى الألوان وينطلق في إيقاع آخر ومدة زمنية مختلفة. المعطف مبلل والرأس منحنى ومنكس، واليدين في الجيوب، يسير الكاتب ـــ الذي أدى دوره الممثل الذي مثل دور أندريه روبليف لتاركوفسكي ـــ ، وكذلك ستالكر الدليل وعالم الفيزياء والباحث العلمي ، يواصلون تسكعهم وتأملهم كأنهم ضائعين لكنهم غير مستعجلين وهادئين تماماً أو رائقين ورابطي الجأش تقريباً . فهم غير مدهوشين بهيئة المكان وتضاريسه ما يثير حيرة المتفرج الذي من المفترض أن تدهشه غرابة وفرادة المكان، فكأنهم لايعثرون هنا إلا على الاستمرارية المنطقية الخارجية لروحهم وتفكيرهم. فستالكر هو الكائن السائر والدليل العارف لكنه بدون موقف حاسم، وجولة هؤلاء الثلاثة تبدو صامتة تقريباً عدا بعض النقاشات المقتضبة حيث يتم مناقشة ثيمات ومواضيع تاركوفسكي المركزية واهتماماته الوجودية على لسان أبطاله. البحث عن السعادة، ضرورة الخلق والإبداع، وما تثيره من تساؤلات، ما يكدر صفو الشخصيات حيث يعيش كلاً منهم في أعماق منافيهم الداخلية ويقودهم ستالكر الدليل خطوة بعد خطوة في رحلة استهلالية تأملية بدئية.

الفيلم غارق في الرمزية والتنويهات السياسية غير المباشرة فيمكننا قراءة المعاني السياسية المرمزة على نحو بديهي. فالمنطقة مطوقة، ومن خلال طبيعتها وحالتها الذاتية، تنتفي فيها الحرية والاختلاف في داخلها. وهي تبدو كمأوى مثالي لكل المنشقين والمعارضين والمناوئين للحكم. فهي منطقة حرة بمعنىً ما لذلك انتبهت الرقابة إلى الإشارة الخفية التي أرسلها المخرج عبر فيلمه وأوصت بعدم عرضه على نطاق واسع في الاتحاد السوفيتي سنة 1979.

1423 فيلم استارلك 3

حركات الترافلنغ للكاميرا المتابعة للتقدم البطيء للشخصيات الثلاثة والقريبة منهم على مستوى الرقبة والرأس أحياناً مقصودة ومدروسة بعناية مع التركيز على ملابسهم المبللة بالطين وعلى الوجوه والملامح سواقي ودروب من التجاعيد والتقعرات تشبه التعرجات للطريق الذي يسلكونه. يجبرهم ستالكر الدليل على أخذ الحيطة والحذر رغم حنكته وخبرته في التهريب عبر طريق " المنطقة" الوعرة والخطرة ويحذرهم " أن كل شيء هنا يتغير ويتحول في كل لحظة" ويقودهم عبر ممرات ومعابر غريبة تتخللها اختبارات عسيرة وخطيرة كذلك النفق المغلق من جانبيه وطرفيه أو منفذيه بنوع من الأسلاك المعدنية. يتقدم الكاتب أولاً ، وفي نهاية النفق غرفة مليئة بالمياه عليه أن يغطس فيها لنصفه لكي يصعد للجهة الأخرى بملابسه المبللة كلياً وبعد قليل نراه جالساً على حافة بئر في صالة أرضها مغطاة بنوع غريب من الحصى والرمل الناعم. يداعب حجراً. يطغي صمت غريب على المكان قبل ضوضاء سيلان الماء الجارف. الفيلم كله غارق بهذا الصمت كموسيقى ذات ترنيمة واحدة. وعند بلوغهم عتبة غرفة الرغبات لا يدخلون إليها بعد كل هذا العناء وركوب المخاطر، حيث اتضح في نهاية المطاف أنها ليست غايتهم القصوى من هذه الرحلة رغم مغريات المقاربة. وبفعل تعبهم وإرهاقهم من رحلتهم المنهكة يكتفون بالجلوس والنظر. أما الهدف الخفي وغير المعلن لعالم الفيزياء فهو تدمير " غرفة الرغبات" لكنه يتخلى عن هدفه ويرمي القنبلة التي في حوزته بعد تفكيكها مثلما تخلص الكاتب من مسدس كان يحمله خفية، وأصابع الدليل تغطس منغمسة في مجرى مائي وفي الغرفة هناك مطر ومن ثم يتوقف المطر فجأة وضجيج صوت قطار يوحي بالعودة إلى نقطة الانطلاق وفيما عدى لقطتين على طفل الدليل ستالكر يعود الفيلم للأبيض والأسود. فالطفلة، مثل طفل فيلم "المرآة" والمراهق في فيلم "أندريه روبليف"، هي الجواب السحري ليأس البالغين حيث نسمع جملة ستالكر " لا أحد بحاجة للمنطقة". ومع ذلك فهي مستمرة في الوجود تبدأ باهتزاز وارتجاج كأس عند مرور القطار الذي نسمع صوته ولا نراه. ينتهي الفيلم أمام ثلاث كؤوس تحركها نظرة الطفل عن بعد، ويبقى ستالكر يثير الدوار فهو فيلم بعيد عن باقي الأفلام فإنارته الخاصة تبهر كل من يقترب منه.

 

د. جواد بشارة

.........................

رابط فيلم ستالكر

https://www.youtube.com/watch?v=xB7jVTut3-

g&list=PLlqrAt1xGTDhdETB4D4guANmWgzJ_C6Ic

https://www.youtube.com/watch?v=GM_GOpfEQUw&list=PLlqrAt1xGTDhdETB4D4guANmWgzJ_C6Ic&index=2

 

 

وليد خالديمقاربة نقدية في رواية "قيامة البتول الأخيرة" (الأناشيد السرية) للكاتب السوري زياد كمال حمّامي.

مقدمة لابدَّ منها:

لا شك أن موضوع الجسد على مستوى التفكير الغربي والعربي ما زال يشكل هاجسا كبيرا في أدبيات الخطاب الفلسفي المعاصر أولا وبقية الحقول المعرفية الأخرى المتباينة من جهة ثانية، ونعاين هذا الأمر ضمن تمظهراته الثقافية المتنوعة في تحريك الثوابث الراسخة والماهيات المتجذرة، استنادًا إلى تحطيم سلطة الكوجيتو الديكارتي عبر قراءة أركيولوجية تستدعي في سياقها العام قضايا ومضامين تحتكم إلى إنتاجية معرفية تخضع في ميدان الفكر إلى إعادة بناء حقيقية، من خلال مساءلة الأنظمة العقلية المنتجة للمعارف والقيم والأشياء داخل الوعي التاريخي، ويظهر هذا جليًّا مع المشروع النتشوي الذي " جاء من أجل تحرير الدال/ الجسد من المدلول المتعالي المثالي السابق أو الروح، الذي يحظى بأسبقية على الدال/ الجسد.. حيث يصبح الجسد مفكرا عند نيتشه بدل كوجيطو ديكارت، فإذا كان الجسد في الميتافيزيقا الغربية مكمن شهوة ومنذور إلى هامش مدنس ولا يكون مصدر معرفة باعتباره كيانا ماديا، فالجسد هو المفكر، الحكيم المجهول عند نيتشه " (مديحة دبابي).

وهنا تتجلى فلسفة ما بعد الحداثة كنسق فكري منفتح عمل على اختراق حجب المشروع الحداثي، من خلال عملية الفحص المعادة والمراجعة النقدية للفكر المتمركز حول الذات في طبيعته الحضورية " أنا أفكر إذاً أنا موجود " هذه الذات المفكرة في تعاليها وتساميها جعلت من الجسد وجودًا مستقلا كونه يمثل بؤرة للدوافع والغرائز والشهوات في بنيته العضوية الجسمانية، وأمام هذا المنطق المتعالي قذف بالجسد في بحر معاني السلبية والانحطاط والرذيلة والدونية الخاضعة للتراتب القيمي، في حين نجد أنه مع أنصار ما بعد الحداثة أضحى يمثل أحد العناصر الأساسية من خلال تدشينه لمرحلة جديدة داخل رحاب أفق التفكير الفلسفي، الذي يراعي في أنساقه المعرفية قضايا الراهن بكل معضلاته ومشكلاته، وتتحقق هذه الفاعلية في نظر الفيلسوف الفرنسي ميرلوبونتي عندما نسلط الضوء على تضاريس الجسد ليس كمحمول ثقافي حامل للخطيئة، بل ككيان حيّ يشع بالدينامية والفاعلية متجاوزًا في ذلك الطرح الفلسفي الكلاسيكي، بحيث يقيم فعلا تواصليًّا بينذاتيًّا باعتباره دالا ومدلولا يحقق قدرًا كبيرًا من الرمزية والإيحائية والحركية وفق الأطر التداولية أي كأيقونة ترتبط بأشكال الوجود المرئي واللامرئي المدرك بواسطة الأبعاد القصدية، ويبرز هذا بجلاء في اتصال الذات العارفة بالعالم الخارجي في علاقة تلازمية، بهذا المنظور، يغدو الجسد بنية مورفولوجية تحمل قيمة مضافة في كل عملية إنشائية وبنائية، وتكمن المفارقة في كون " الجسد ذاته ليس كتلة فيزيائية- كيميائية أو مجموعة من القوى أو آلة منتظمة وفق مبدإ هو النفس، بل هو كيان قادر على الفعل، وهو وحدة تتم في كل لحظة من خلال الرسيمة الجسدية schéma corporel le التي هي وحدة القدرة التي تحرك مختلف أعضاء الفضاء العضوي، أو هي المفصل أو الوسيط اللامرئي بين أعضاء الجسد وأشياء العالم " بتعبير عبد العزيز العيادي، وبالتالي، فإن هذا التصور يتمخض عنه التخلص من بقايا اللّوغوس من خلال تجاوز منطق فلسفة الوعي التي تقيم تمايزًا بين الأشياء انطلاقًا من التقابل الشهير بين الذات والموضوع، الذي يؤثث لفكرة الحضور المتمركزة في التصورات الميتافيزيقية الغربية، من هنا، ندرك أهمية الجسد كقوة ضاغطة مسكونة بتجارب محملة بإمكانات رمزية وعوالم دلالية قابلة للفهم والتأويل في لحظته المعاشة.

1- تمظهرات الجسد.. جدل الأنا والآخر:

من البديهي أن القراءة النقدية في حاضنة العلم المعاصر تنتج لنفسها خطابًا إبداعيًّا يجعل من الخطاب الأدبي أكثر متعة تحت ظلال القراءة التي تصل إلى درجة العشق الشهواني بتعبير رولان بارت. وبخطى زاحفة نحو عوالم الرواية الموسومة بـ " قيامة البتول الأخيرة " لمؤلفها زياد كمال حمّامي، الصادرة عن نون4 للنشر والطباعة والتوزيع، الطبعة الأولى 2018، المنشية القديمة، حلب، سورية، تجتاحك ترسانة من الأسئلة التي تتشابك وتتضافر فيما بينها، ويجدر في هذا السياق أن نشير إلى تبيئة النقاش التي تحدد طبيعة هذه العلاقة، حيث تجعل من القارئ يحلق في فضاءات الممكن، كما نجد أنفسنا نرزح تحت نير إيتيقا كونية تدغدغ شغاف القلب تحت وطأة الحميمية التي تندرج ضمن القواسم المشتركة التي تجمع بين الروائي والمتلقي، وهو أمر يمكن إدراك أبعاده في حاضنة الوظيفة الحاملة للحركة الاحتجاجية المناهضة للأوضاع المزرية، التي أعلنت عنه طقوس الكتابة بما يتساوق مع مشهدية الواقع الراهن. ومن خلال هذا العرض فإن الجسد كمعطى ثقافي متجاوز للأطر البيولوجية في تشكيلاته الإيحائية والرمزية: حركة وصوتا وإشارة... يكون " وسيلة تعبير، وآلية للرفض، وأيضا صورة للعجز، أي إنه يجمع متناقضات في آن، وهذا ما يشار إليه ضمن استراتيجيات التفكيك في القراءة النصية التي يمكن الإفادة منها، في السعي إلى كشف التناقضات في النص، بدلالاتها الإيجابية، من أجل المزيد من تشريح النص، والكشف عن أبعاده الدلالية " على حد تعبير مصطفى عطية جمعة.

وتبعًا لذلك، فإن جدل الأنا والآخر قد أدى بالسارد إلى اللجوء لعملية استذكارية، وتتجلى بوضوح في استعادة لحظات الماضي الكفيلة من منظوره النهوض بأسباب مخاطبة الحاضر المرتبط جوهريا في انبنائه بعملية الكتابة والتلقي، ويتعلق الأمر باستنطاق الجوانب السيكولوجية والفكرية والإستطيقية ولا يتم هذا إلا عن طريق التنقلات الحاصلة التي تجمع بين السرد الداخلي والخارجي مثلما نجده في المقطع السردي الآتي " يتعالى صوت الإزميل فوق الحجر كنغمات موسيقيّة متأوّهة، حزينة.. يتوقّف، يرتجف الإزميل بين يديه.. يتلفّت يمنة ويسرة.. يتفرّس في أركان هذا القبو "الكهف"، المُكتَظّ بمنحوتاته وأيقوناته، وعدّة تماثيل نصفيّة لشخصيّات تاريخية وفنّيّة، وبعض رسوماته السورياليّة ".

لذا فالحركة الجسدية كمظهر مادي خارجي يشكل انحرافا في أدق تفاصيله، عندما يتعلق الأمر بمظاهر التواصل، حيث  يتعدى في بنيته السردية منطق الفحولة الجسدية إلى الفحولة الثقافية والفكرية بمفهوم عبد الله الغذامي، وفي هذا الإطار، فإن الإدراك الحسي لهذه الحركة المشكلة للنص في صورتها الاسترجاعية، هي في حقيقة الأمر انفتاح على العالم أي العودة إلى العالم الذي كانت فيه الأنا جزءا لا يتجزأ منه قبل الوعي الذي تتحقق بداخله كل الإدراكات الحسية، فالانتقال من كوجيتو الحضور إلى كوجيتو الغياب يمثل الحجر الأساس في فلسفة الكاتب كمال زياد حمامي، وما يمكن ملاحظته في هذا الشأن أن الغياب يحضر كنسق مرئي تكشف عنه عوالم الكتابة كنفي للحاضر بما يحظى به من قهر وظلم وطغيان، وهي جدلية محكومة بموقف معارض للآخر كشكل من أشكال المواجهة، التي تحاول قدر المستطاع تقويض النظرة السلبية الانهزامية، من خلال فتح الآفاق أمام المستقبل في خط تصاعدي متطلع في طابعه الثوري المنتفض، وهذا ما ألفيناه يتناسب مع إحداثيات الخطاب الروائي ومع طبيعة المراجعات التي تمس التاريخ والذاكرة والقيم "هل تعرف المدينة أنّها تعيش نهايتها الآن، مثل رجل مريض ميؤس من شفائه؟!"، هكذا يفكّر، وإلّا ما معنى أن ينصبَّ التدمير في الأماكن الأثريّة القديمة؟ وفي الأحياء الشرقيّة التي تفخر بتاريخها ووئامها الإنسانيّ؟ !ها هو أكبر سوق مسقوف في العالم يحترق وَيُهَدَّم! المساجد والكُنُس والمقامات والأوابد تُدَمَّر!  أبوابها وحماماتها وخاناتها ومزاراتها صارت حُطاما! أبيحت بيوتها، وذلّت نسائها، وحدها القلعة، أمّ المدينة الأولى، ما زالت صامدة، تقاوم الفناء، والموت، والخراب، رغم مئات الصواريخ، والمتفجّرات المختلفة، إلّا أنّها لم تستسلم، ظلّت شامخة في قلب المأساة، تعلن تحدّيها بكلّ ما تملك من أصالة، وعراقة، وتاريخ مجيد".

والأنا بين الوعي وحركية الجسد جعلت تيماتية البؤر السردية ذات الأصداء الصارخة؛ تتفجر ينابيعها عبر منظومة أخلاقية تؤكد على انكسارات وانحطاط القيم والمبادئ على كافة الأصعدة، مجسدًا الروائي من خلال ذلك كل الجوانب الحياتية في أسمى معانيها الروحية والسامية بطريقة غير مباشرة، فاختزال معنى الوجود محكوم بأسئلة تعتاش في سياق يضطلع في دواله ومدلولاته عبر اختراقات تستنطق الكينونة الإنسانية، في مقابل أشكال العنف التي تمارس على الجسد من خلال ما ألحقته المعاملات من أضرار وخيمة، وقد تأكد هذا في الشخصية الرئيسية "عبد السلام"  الرافض لكل أنواع القمع المرتمي في أحضان العلاقة المرتبطة بين الأنا والآخر، فبهاء الحضور تتكشف في ثناياه الدهاليز الحاملة للرواسب المتوارية العالقة في أعماق المنطق الإيروسي الذي يقتات على فضلات الصور والتمثلات العبثية والعدمية المجسدة للوعي الإنساني، من هنا، فإن انتهاك الجسد هو انتهاك لروح البشرية وكرامتها، ويتجلى ذلك بصورة واضحة في اغتصاب البتول، وهو حضور جسدي مكثف مشحون بالأبعاد التاريخية والإنسانية والدينية " يتذكّرُ بألم شديد ليلة سقوط البتول المريع) صورة بنت الحارة الصبيّة:"البتول"، وهي تتقلّص على مرافئ العار ككتلة بشريّة متحرّكة، تتكور في زاوية الغرفة نفسها التي شهدت حالات اغتصابها اللعين، تتنفس بصعوبة، تبكي، تنتحب، تحاول أن تخفي عُريها المدنَّس، ودماءها المتخثّرة تحت ثرى ساقَيها، وثيابها الداخليّة البيضاء، وتلك الكدمات الموشومة على وجهها المصدوم، وآثار الشذوذ الجنسيّ الوحشيّ الذي تعرّضت له، بعد أن تمّ اغتصابها مرارا وتكرارا، بوحشيّة همجيّة ".

2- الجسد كأفق للانبعاث من الموت:

إن التحليق البانورامي وهو يغوص في أحشاء الخطاب الروائي المرتبط بالجوهر الأنطولوجي، يتيح للقارئ إمكانية الارتداد إلى الأصل الذي يلقي بظلاله على مقتضيات التفكير الذي يسعفنا في تبيين مقدار الأهمية التي يعيشها الراهن، مما يساهم الجسد بشكل أو بآخر كعملية محركة للأحداث إلى اجتياح الكينونة برمتها في منحناها التطوري، إذ يحقق بعدا ثقافيا إنسانيا ينتهج وظيفة استمرارية تخرج من الحالة العدمية إلى الحالة الوجودية، بعدما تخلقت الذات في تجربة روحية تذوقية لازمت الصمت ردحًا من الزمن تكابد الصعاب، وهذا ما يتضح لنا من خلال أعماق التجربة التي تعمل على استزراع الأمل ضمن وضعية خاصة وملموسة، انطلاقًا من تجاوز صدمة الوعي بالواقع عبر إيقاع متنامي يحتوي عبر علاماته السميوطيقية لغة ترميزية متدفقة تصب مجاريها السردية في قالب فني، يكشف عن بنى دلالية عميقة تستهجن كل أنواع الممارسات المنحرفة، وتؤسس لمشاهد طافحة بالمشاعر والأحاسيس والأفكار والصور في نشدانها للحرية المرتبطة بدفء الحياة الروحية والمادية، من خلال الانبعاث المؤسس على الإيقاع المقصود الحسي والعقلي المتكرر المتتابع، إذ يطالعنا في صورة وصفية جمالية تعكس كل سبل الانعتاق من الطبائع الاستبدادية والدكتاتورية المتسلطة، يقول في هذا السياق " تتوالى الضربات المتتالية من يد: "عبد السلام"، الرشيقة، تُظهر ملامح الخصب، والانبعاث من الرماد لجسد تمثال "الحرية " هذه الصورة الحية تجعل من المتلقي يندمج كلية في ثنايا العمل الإبداعي متطلعا ومتلهفا لما ستؤول إليه الأحداث، وعلى أي حال، فإن " الحركة تقوم بتفكيك ما هو مركب لإعادة تركيبه من جديد ولإنجاح عملية التواصل، لا بد أن تتوافق الدلالة التي يرسلها الجسد مع الرموز التي تصل إلى ذهن المتلقي " بتعبير راسل كاظم، وقد جاء الجسد معبرا بحركة اليد عن حالة من حالات الرفض المنضوية تحت قصدية واضحة الملامح؛ كانتفاضة شعورية طافحة بالغضب والثورة على الواقع المأزوم، وتكرار المشهد  المتناثر في جسد البنية السردية للرواية دليل على التحدي والصمود والرغبة في التغيير، وبالتالي، يصبح الجسد طاقة فاعلة من خلال استنبات منحة تتشوف للمستقبل القريب  " يضرب عبد السلام بإزميله الكتلة الصخريّة السوداء، بعد رحلة الذاكرة الخاطفة، المؤلمة، يستمرّ في تساؤلاته، وخيالاته" وقوله أيضا " يطرق بإزميله بسرعة، بغضب، بقهر، وحيرة ".

3- فينومينولوجيا النحت/ الوعي الممكن:

يقول ميرلوبونتي " لم تعد المسألة هي أن نتحدّث عن النور والمكان، بل أن نجعل النور والمكان الموجودين يتحدّثان " لذلك يكتسي هذا القول أهمية مركزية في عملية التسريد كمثير خارجي يغلب عليه الوعي الحسي في مجالات التعبير والتواصل، والكاتب على حسب تقديرنا كان منساقا وراء هذا التوظيف، حيث أضفى على نصه السردي مسحة جمالية من خلال عملية حرفة النحت التي يتزعم مشهديتها الشخصية الرئيسية "عبد السلام" في صورة مرئية كنواة صلبة تندرج تحت عباءة تأملية تسوقنا بخطى حثيثة ضمن دوائر فلسفة الحياة، وهذه الدعوة تؤكد على أن " الفنان يعبر عن المعنى أو الفكرة من خلال معالجته اليدوية للسطح المحسوس، بحيث تكون المعاني والدلالات مباطنة في هذا السياق المحسوس من الإيماءات كالخطوط والبقع اللونية في حالة التصوير " بتعبير سعيد توفيق.

واستنادا إلى ذلك، فلغة النص في مظاهرها الإشارية والإيحائية تستجيب لمقتضيات النشاط الذهني والمستوى الإدراكي بصورة مطمئنة في سياقها العام، إذ تعتمل في بوتقة تشع بالإيجابية في انبثاق الوجود الكاسح المركوز في النفس البشرية، وهو شكل من أشكال التمرد الذي لا تحده حدود، وذلك في ظل استشراف واقع مختلف يفترض من الناحية البراغماتية القفز على الوعي الفعلي إلى الوعي الممكن، وتتمثل هذه الأهمية انطلاقا من دمج اللامرئي في المرئي بحيث تجعل من المستحيل ممكنا في جوانبه الخصبة المتجاوزة لكل أشكال الوجود الهلامي.. " ضربات إزميل ناعمة تتنزَّل على الرأس.. تفتح حدودا ضيّقة، ومتاهات متشابكة، تتشكّل على جسد الكتلة الصخريّة الصمّاء، تلك القطعة التي تشبه في أخاديدها وجه زهرة اللوتس التي تعيد تشكيل نفسها، بنفسها، وتنبض بكلّ ما هو مدهش ومختلف ومذهل..." ولابد هنا من التأكيد على أن زهرة اللوتس تلعب دورا أساسيا بين الأطراف المشاركة المؤلف/ القارئ في امتلاءاتها الرمزية وطاقاتها التعبيرية المعلنة والمضمرة، وعليه، فهذه الإشارة الذكية من قبل السارد تأخذ أبعادا ثقافية واجتماعية محمّلة بمقاصد دلالية وجمالية، ترتفع بالإنسانية على مستوى التفكير من السلب إلى الإيجاب بأي حال من الأحوال، بمعنى هو مطلب من مطالب التنوير الذي يدعو للتفاؤل، ويطمح في كافة أشكاله إلى تجاوز منطق الدعة والخمول والخسة والوضاعة، كما يكشف في الوقت ذاته عن الدوافع الحقيقية التي تنشد عالما جديدا مفعما بالطهر والنقاء والصفاء العقلاني والوجداني.

وهذا الجنوح المنتصر للحرية المضطهدة يعمل في حركيته الدينامية على تعرية الواقع المعيش، منظورا إليه من زاوية العدالة والإنصاف التي تلزم الصمت، ويتجلى هذا في حجم المعاناة التي تعيشها الذات تحت وقع الأنظمة الشمولية، عكستها شخصية الحاج الهلالي من خلال  حضور الوطن في نفسه نتيجة الدمار والخراب الذي لحق به " يفكّر فيما يحدث بالبلد، هو تابع نشرات الأخبار، لا بدّ أنّ العالم كلّه، قد تابعها أيضا، تمتطي تلك الصور والمجازر ذاكرته المرهَقة، صور مأساويّة، تتلوها صور: صورة تفجير دار العجزة للمسنّين في حيّ السريان، وصور تفجير مدارس الأطفال، وموت العشرات من طيور الجنة! ناهيكم بنشر تلك "الفيديوهات"، والتصفيات الجسديّة لمن هم تحت الاعتقال، أو الأسر، وما أكثرها! " وكلها بواعث تأخذ بناصيتنا نحو تلك القيم المسؤولة تجاه الأفعال والسلوكيات في ظل التحولات الكبرى، التي تخطت الطبيعة البشرية في تداعياتها ومعاملاتها.

والرواية منذ البداية تضع القارئ يستشرف معالم الخطاب في مسالك الإرادة المشفوعة بالإقدام والإحجام المنحوت في الذاكرة الجمعية، والتي تتماشى مع رؤيته للعالم المجسدة لقيم الاختلاف والتعددية الثقافية، ويتأكد هذا ضمن خارطته الجغرافية في شكله الملموس من خلال ما جاء في خاتمة الرواية " يترنَّح عبد السلام فوق دمه الساخن، ونزيفه، وقد انهار جسده، وتوقّف الزمن في خفقات فؤاده، ولومضة خاطفة، تهيأت له البتول. ها هي ذي تقفز أمامه بفرح، تطير كفراشة، ترتدي ثوب زفافها الأبيض، تنظر إليه بمحبّة، وشوق، يمدُّ يده إليها، تشير له أن يطير مثلها، فوق حقول القمح، وبساتين الورد، فوق قلعة المدينة، أسواقها، ودخان مصانعها، يبتسم، يتدفّق الدم من فمه ساخنا  نديّا. فجأة .. ظهرت في سماء المتحف الوطني حمامة بيضاء..."

 

بقلم. خالدي وليد/الجزائر.

 

روعة الرواية الناجحة هي قدرتها على سرقتنا بشكل جميل  من الواقع والمنغصات الى ضفاف الخيال والحلم والمغامرة، الروائي” قصي الشيخ عسكر ” في روايته (ربيع التنومة) يستخدم أدواته الفنية خاصة في الجزء الاول من الرواية وقد حمل عنوان (السفر الأول – الانتفاضة- حيث تلتبس الحياة بالموت) الرواية الصادرة من دار امل للنشر والتوزيع – دمشق ومؤسسة المثقف العربي سنة الاصدار 2019 والتي تقع في 170 صفحة ، هذه الرواية من الضروري ان تكون قراءتنا النقدية لها تعتمد على التفاصيل الدقيقة من داخل الرواية! لأن النظر الخارجي للمعمار الفني للرواية لا يوضح تلك الرؤية السياسية التي احيانا تكون ساخرة ،سخرية سوداء واحيانا تكون قاسية ومؤلمة، وسوف يسأل القارئ نفسه هل يمكن للعراقي ان يتحمل كل هذا الكم من الظلم والالم والمعاناة، وهو لا يزال قادر على العطاء والحب وحتى الفرح والسعادة ويكون له أمل؟ ويصاب بالحيرة لأيجاد الجواب عن سؤال آخر: لماذا كل هذا يحدث لنا من دون كل البشرية؟ “حقا نحن العراقيين لم يبق لنا صاحب في هذه الدنيا فكل بلاد المعمورة تناصبنا العداء، لدينا كل شيء، يقول شيوخنا كبار السن ويضيفون، أجل كل شيء، الماء والزرع والنفط، لغنانا وخيراتنا يبغضنا الآخرون، لا أحد يحب فقيرا، والعالم كله يحسد الغني”ص7

78 qusayaskar

العنوان – الاقتباس

استخدم الروائي كلمة (الربيع) التي طالما استبدلتها الشعوب العربية بمصطلح (الخريف) كدليل على فشل ثورات الربيع العربي والتي تم سرقتها من قبل  احزاب دينية فاسدة او عساكر نسخة طبق الاصل من الانظمة العسكرية الراحلة او فوضى الحرب الاهلية! اذن عن اي ربيع نتكلم؟ لذلك كلمة ربيع في هذه الرواية قد لا تعني الا (الفشل)،ربيع التنومة الذي يشير الى انتفاضة عام 1990 بعد الحرب الكونية ضد العراق لأخراجه من الكويت،، بعد ان شعر الشعب العراقي بالملل من الحروب الفاشلة “في آب عام 1988 انتهت حرب، وفي آب عام 1990 قامت حرب أخرى” وهنا الروائي يسترسل بسردية كوميدية ساخرة يسحب من المتلقي ابتسامة الاستهزاء التي قد لاتعبر عن اي نوع من الضحك السعيد بل هي سخرية القدر، التي تجعل السارد (عبد الله بن عبد الرحيم) الاعرج ان يكون مفجرا لثورة الشعب في التنومة ضد الطغيان واستسلام الجيش عام 1990 “لم يكن بوسعي أن ألعب مع صبيان الحارة الذين يتجمعون عصر كل يوم ليتباروا في كرة القدم. وفي لحظة الهياج واختلاط الامور كان ترنتي يقتل أعداءه وينفخ فوهة المسدس وهو يقول Kiss Kiss  … كان هناك أناس يتراكضون، وحزبيون يهرولون في الشوارع والأزقة، حثثت الخطى باتجاه المسجد… البيان الأول جواب اهل العشار! كنت أقف أمام المايكرفون والكلمات تسعى على لساني سهلة لذيذة حلوة حماسية:-

أيها اللواء البطل

لقد انهار الجلاد والثورة تشتعل في كل المحافظات

يا ابناء شط العرب اشاوس:

يا اهالي التنومة. ظننت نفسي أحلق بعيدا. اقود أناسا يعرفونني جيوش تستسلم لي. هي المرة الاولى أقف خلف ميكرفون، لا أصدق عيني.بل لا أصدق نفسي. أيعقل أن يستسلم لواء كامل لنداء شخص أعرج مثلي”ص46

 من ربيع التنومة الى خريف السجن

يملك الروائي قصي الشيخ عسكر القدرة على صياغة الاشكال السردية المتنوعة في روايته (ربيع التنومة) فبعد ان يصور لنا التنومة وهي تحلم بالثورة والانطلاق والانعتاق احسن وصف ويتسرجع التنومة  ( يقول أبي عن أبيه وامي عن جدتها إن الانكليز عام 1914 جربوا كل المزروعات في العراق القطن والموز.نجح الموز في شط العرب) ص17 ، وسرعان ما ينتقل ليصور التنومة  وهي تعاني مما اصاب الانتفاضة من فشل (موت ثان وخراب وسرقة وقتل! في حرب العراق وإيران القادسية المزعومة فرت التنومة بعد ثلاث سنوات إلى العشار وها هو الأمان يحدق بقبضته علينا فيفكر الآخرون بالعبور إلينا وكانت الدعة ذاتها بوجهها القديم ولباسها الزاهي الجديد أبشع صورة من الخوف المحدق بالعشار إذ في التنومة الساكنة الهادئة العائدة للحياة من جديد تسقط امي مشلولة من الخوف)ص31

السخرية والمأساة

لا تغيب عن الرواية حس السخرية لدى السارد حتى في احلك الظروف ومدينته التنومة تتعرض الى ابشع انواع الاقتحام من قبل رجال النظام لتعقب الثوار واعدامهم “انا الان اكره كل نكته أمام الموت. أكره كاري كوبر وترنتي ولا أعجب ببطل يقتل الآخرين وهو يدخن السيجار ويعوج فمه ساخرا من موت رأيته على الشاشة فرحا فكرهته الآن وبطل صفقت له وهو يقتل أمامي بشحمه ولحمه ينفخ فوهة المسدس ويهتف Kiss “ص37

السجن

المكان الثاني الذي تدور فيها احداث الرواية هو اماكن التوقيف والسجن (حيث يلتبس الموت بالحياة)وهنا تتحول الشخصيات وتتبدل سماتها ليكون الكلام عن الشخية (المهزومة والمقهورة واليائسة) فتخلو السردية في هذا الجزء من تلك لسخرية المشوقة والوصف الجميل فلا يبقى الا العذاب والظلم واغتيال انسان الانسانية، وفي هذا الجزء الثاني من الرواية التي اطلق عليه الروائي السفر الثاني – السجن قد نرى محاكاة الى ما جاء في روايات اخرى من اساليب التعذيب خاصة رواية (شرق المتوسط) عبد الرحمن منيف ، وقوة الوصف تجبر المتلقي على الحزن والكآبة فينسى ما كتبه الروائي من سخرية مضحكة في الجزء الاول (نعم تغيرت الأسماء والصفات ويجب من الان ان تبدل كلها إلى معان أخرى)ص87

الاعاقة

احيانا ما يؤلمنا ان تتحول العيوب والنواقص الجسدية  والاعاقات الى طوق نجاة للهروب من التهم المميته التي كانت تلصق ظلما بأي شخص خرج بالصدفة الى الشارع ليعد من المشاركين بالانتفاضة ضد النظام (سيدي انت تعرف أني معاق لا أقدر أن أجاري مشي الأخرين ولا اعرف استخدام السلاح فكيف اطارد كل هؤلاء الابطال ولم أفعل ذلك أهذا يعقل والله لا أقدر ولو كنت غير ذي عاهة”ص104

الخاتمة

كان التنومة والسجن هما يمثلان كل العراق في ظل انتفاضة 1990 التي تخلى عنها الامريكان واتفق مع النظام في خيمة صفوان على ضرورة ان يتم القضاء على هذه الانتفاضة التي تريد ان تجعل العراق (هدية) لأيران ! من خلال رفع شعار (ماكو ولي الا علي  نريد  قائد جعفري) “يتوقف الجنرال شوارسكوف لحظة يتأمل ولا يبتسم لسخرية القدر. ما عليه إلا ان يظهر بقسمات جادة مثل ملامح لاعب البوكر ومن حق الرئيس بوش وحده أن يبتسم وهو يرى العراق كله مغطى بشعارات وصور تبعث في نفسه الريبة والخوف. سوف يسقط العراق بيد إيران، امريكا تقدم بلدا كاملا بملايينه وشعبه وخيراته لقم”ص62

الرواية عبارة عن وثيقة تاريخية لاتخلو من الالم واستذكار تاريخ العراق المضطرب.

 

حمدي العطار

 

فالح الحجيةتقع جزيرة (البيرة) او (ايبيريا) كما يسمونها العرب في اقصى الجنوب الغربي من قارة اوربا. يحدها من الشمال بحرالشمال وفرنسا تحدها من الشمال والشرق اما من الجنوب فيحدها البحرالابيض المتوسط ويحدها من جهة الغرب المحيط الاطلسي وتشمل في الوقت الحاضرعلى مملكة اسبانيا ومملكة البرتغال .

لقد فتح العرب جزيرة اسبانيا (الاندلس) في زمن الخليفة الاموي الوليد بن عبد الملك سنة\ 93 هجربة عندما وجه اليها حملة قوية بقيادة القائد العربي (طارق بن زياد) ومن المفارقات النادرة ان هذا القائد العظيم بعد عبوره البحر من المغرب الى اسبانيا - من المضيق الذي يقع في فم البحر الابيض المتوسط وكان يسمى مضيق (اعمدة هرقل) لان فيه كهف تكثر فيه الاعمدة الحجرية الطبيعية وتغير اسمه الى مضيق(جبل طارق) بعد عبوره وحتى هذه الساعة - احرق كافة السفن التي اقلته هو وجنوده المقاتلين بحيث اصبح الجيش الغازي امام امرين اما الفتح والحياة واما الهزيمة والموت المحقق فكان الجيش العربي قاتل قتالا مريرا دفاعا عن النفس قبل كل شيء اذ لا امل له بالرجوع ومستلهما من التضحية والجهاد في سبيل الله نبراسا بحيث باعوا نفوسهم لله تعالى:

(ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون) سورة التوبة الاية \ 111

فكان النصر العظيم حليفهم .

وغزت اللغة العربية بلاد الاندلس مع الفاتحين وانتشرت بمرور الوقت لكثرة من رحل من العرب او البربر الساكنين في شمال افريقيا او العرب الذين هاجروا اليها لتصبح بعد فترة لغة سكان الاندلس وما جاورها فقد انتقل عدد كبير من العرب الى الاندلس بعد فتحها وتمركز الحكم العربي الاموي فيها وبالاخص من الشام ومصر وبلاد المغرب.

ولما كان الشعر متأصلا في نفوس العرب وعواطفهم كغريزة فيهم فقد عبر معهم البحر الى البلد الجديد وليجد مناخا طبيعيا رائعا رائقا لم بجدوا مثله في البلاد التي قدموا منها حيث وجدوا الجمال والبهاء والخضرة الدائمة سواءا في الجبال او السهول او ضفاف الانهار الجارية وكثرتها مما اوقد جذوة الشعر والثقافة في نفوسهم وافكارهم فشعروا بالهجة والحياة الجديدة وانتشر فيها الشعر الا انه طغت عليه الصفة التقليدية العربية في البدء ثم بدء التاثر في المجتمع الاسباني والطبيعة الاندلسية الجميلة فتحولت الا ندلس الى جنة الله في الارض.

افتخر العرب في بلاد الاندلس بانسابهم واحسابهم كما كانوا في المشرق وهاجرت معهم كل امورهم حتى عصبيتهم القبلية بين العدنانية والقحطانية وانتشرت كما مدحوا اقوامهم وخلفائهم وامراءهم وهجوا اعداءهم والمنافسين لهم فكان الشاعر الاندلسي اول ذي بدء مقلدا للشاعر العربي في المشرق ويحذوا حذوه ويسيرعلى نسقه فقلد ابن زيدون في شعره ا لبحتري وقلد ابن هانىء الاندلسي المتنبي على سبيل المثال وغيرهم كثير .

ظهر الشعر في الأندلس في ظروف تختلِف عنها في الشرق، ظروف تتَّصل بطبيعة الارض الأندلسية وتنوُّعها والعناية بمواطن جمالها، وأخرى متَّصلة بالتكوين الثقافي والنفسي للسكَّان، فلأوَّل مرة يلتقي العربي مع أجناس مختلفة قوطية ولاتينيَّة وبربريَّة ويهوديَّة ومسيحية وعلى أرض واحدة، وتعايشت ابتداءا تحت سمائها الأدْيان السماوية الثلاثة: الإسلام والمسحية واليهودية، فكان في البدء يسمع صوت المؤذن إلى جانب رنين أجراس الكنائس والبِيَع، وتتحدَّث العربيَّة إلى جانب الأمازيغية، والإسبانية وفي مرور الزمن تبلورت في بوتقة واحدة لتكون العربية هي اللغة العامة لهذه البلاد وتذوب كل اللغات فيها الا نادرا وفي الاصقاع البعيدة او في البدان المجاورة او على حدودها وانشر الاسلام في كل اصقاعها الا ماندر.

انتشر الشعر العربي في بلاد الاندلس بعد ان دخل فاتحا مع الفاتحين العرب وسار معهم اينما توجهوا فبلغ ايطاليا وبحر الادرياتيك ووصل الى جزيرة صقلية وجزيرة مالطة بل وفي كل بقعة او جزيرة في البحر الابيض المتوسط وحتى سواحل الاطلسي الجميع تتكلم العربية وتكتب فيها واعتبرت العربية اللغة الرسمية لهذه البلاد وثقافتها وعلومها وادابها وخاصة الشعر فازدهر في كل مكان صار اليه ووجد فيه لجزالته ورقة اسلوبه ووضوح معانيه وخاصة انه نظم في هذه الاصقاع الجديدة الغناء بين الخضرة الدائمة والجو اللطيف وقد اكثرالشعراء من وصف هذه الديارالجديدة ورياضها فهذا الشاعر

ابن سهل الأندلسي في قصيد ته المشهورة بالرداء الأخضر يقول:

الأرض قد لبست رداءاً أخضـرا

والطـل ينثر في رباها جـوهرا

 

هاجت فخلتُ الزهر كافـورا بها

وحسبتُ فيها الترب مسكا أذفرا

 

وكأن سوسـنها يصافـح وردها

ثغر يقبـل منه خـداً أحمـرا

 

والنهـر ما بين الريـاض تـخاله.

سيفا تعلق في نجـاد أخضرا

 

و يقول الوزير ابن الحمارة الأندلسي:

 

لاحَتْ قُرَاهَا بَيْنَ خُضْرَةِ أَيْكِهَا

كَالدُّرِّ بَيْنَ زَبَرْجَـدٍ مَكْنُـون

ويقول الشاعر لسان الدين بن الخطيب في وصف عرناطة:

غِرْنَاطَةٌ مَا لَهَا نَظِيرٌ

مَا مِصْرُ مَا الشَّامُ مَا العِرَاقُ

 

مَا هِيَ إِلاَّ العَرُوسُ تُجْلَى

وَتِلْكَ مِنْ جُمْلَةِ الصَّدَاقِ

ويقول الشاعر ابن سفر المريني متغنِّيًا بالأندلس ومواطن الجمال فيها:

فِي أَرْضِ أَنْدَلُسٍ تَلْتَذُّ نَعْمَاءُ

وَلا يُفَارِقُ فِيهَا القَلْبَ سَرَّاءُ

 

وَلَيْسَ فِي غَيْرِهَا بِالعَيْشِ مُنْتَفَعٌ

وَلا تَقُومُ بِحَقِّ الأُنْسِ صَهْبَاءُ

 

وَأَيْنَ يُعْدَلُ عَنْ أَرْضٍ تَحُضُّ بِهَا

عَلَى المُدَامَةِ أَمْوَاهٌ وَأَفْيَاءُ

 

وَكَيْفَ لا يُبْهِجُ الأَبْصَارَ رُؤْيَتُهَا

وَكُلُّ رَوْضٍ بِهَا فِي الوَشْيِ صَنْعَاءُ

 

أَنْهَارُهَا فِضَّةٌ وَالمِسْكُ تُرْبَتُهَا

وَالخَزُّ رَوْضَتُهَا وَالدُّرُّ حَصْبَاءُ

إنَّ السماحة التي ظلَّلت المجتمع الأندلُسي وبعده عن التعصُّب المقيت، لعِب دورًا كبيرًا في خلق التَّعايُش والتَّجانُس بين سكَّان الأندلس، كان أثره المباشر على الشِّعْر الأندلسي.

لقد انتشر الشعر العربي في الاندلس حتى وصل الى منتهاه في الرقي والتطور في زمن ظهور دول الطوائف حيث ان كل امير جمع حوله الادباء والشعراء وبذلك حصل الشعر العربي في الاندلس على مكانة عظيمة وثروة ادبية كبيرة نتيجة هذا التنافس بين الا مراء والشعراء والطبيعة الخلابة التي بهرت الفكر العربي وبالاخص الشاعر العربي فابدع فظهرت نتيجة هذا الابداع معان جديدة واساليب جديدة متطورة ومتمدنة وظهر الموشح في الشعر والذي لايزال يعد مفخرة من مفاخر الشعر العربي في الاندلس .

يتبــــــــــــــــــع

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــــــد روز