عبد الله الفيفيتثير بعضُ الأساليب البلاغيَّة جنونَ القراءات في عقول من لا يفقهون فنون القول، مثلما يمكن أن تستثير لوحةٌ سوريالية لـ(سلفادور دالي) الجنونَ في عقل إنسانٍ لا يخلو من لُخْمَةٍ بالفطرة، أو كان قميء الخيال بالاكتساب! 

تُرى ماذا سيقول هؤلاء، الذين لا يفقهون المجاز البلاغي، في مثل قوله تعالى: ﴿وأَنزَلَ لَكُم مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج﴾؟! [الزمر: 6].  كيف أنزل الأنعام؟  وهل الأنعام نزلت علينا من السماء؟  غير أن الجهل بفنون التعبير ليس وحده وراء ما قد يثار حول النصوص، بل الغرض في البحث عن المطاعن عامل آخر أحيانًا.  من ذلك توقُّف المنتقدين عند مفردة «مكر» في الآية: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّـهُ، واللَّـهُ خَيْرُ المَاكِرِين﴾، [سورة الأنفال: 30]. مع أن أمثلة هذا كثيرة في العربيَّة وفي غير العربيَّة.  كقول الشاعر الجاهلي (عمرو بن كلثوم)، في معلَّقته:

أَلا لا يَجهَلَنْ أَحَدٌ عَلَينا ** فَنَجهَلَ فَوقَ جَهلِ الجاهِلينا؟

وقوله «فنجهل فوق جهل الجاهلين» إنَّما هو مجازٌ مرسَل، لعلاقة السببيَّة بين الفعل وردِّ الفعل؛ فالجهل الأوَّل في البيت حقيقيٌّ والآخَر مجازي. وقد جاء في «القرآن» أيضًا: ﴿وجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾. [الشورى: 40].  مع أن الجزاء ليس بسيِّئة.  وجاء: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ، واتَّقُوا اللَّـه﴾، [البقرة: 194]. فسمَّى ردَّ الاعتداء اعتداءً، مع أنه ليس باعتداءٍ على الحقيقة. وقال: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا، فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُون﴾، [هود: 38]. 

وكم بين الحقيقة والمجاز، بخاصَّة، وبينها واللغة الوظيفيَّة، بعامَّة، من مزالق دلاليَّة على غير البصير بأساليب التعبير؛ فتراه متخبِّطًا في دماء الكلام، أو آخذًا إيَّاه على ظاهر معناه! ومن جانب آخر، فإن في هذا الأسلوب- من حيث علم البديع- (مشاكلة) لفظيَّة. وهو فنٌّ أسلوبيٌّ معروف في بلاغة العرب.  منه قول (جَحْظة الأنطاكي، -324هـ= 935م):

قالوا: اقتَرحْ شيئًا نُجِدْ لك طَبخَهُ ** قُلتُ: اطبَخوا لي جُبَّةً وقَميصا

أفكان الرجل مجنونًا ليقترح عليهم أن «يَطبخوا له جُبَّةً وقَميصا»؟!  كلَّا، بيدَ أن من لا يعرف البلاغة- التي تعتمد فنون المجاز لا الحقيقة، واللغة الوظيفيَّة لا اللغة المعجميَّة، والتصوير والتخييل والبديع، لا نَقْل الواقع كما هو، ووضْع الألفاظ في مواضعها الأصليَّة- سيَعُدُّ أساليبها كَذِبًا، أو جنونًا.

بل دع عنك البلاغة، واذهب إلى مادَّة «مكر» في معجمات العربيَّة، لتجد أن التوقُّف على دلالةٍ واحدةٍ من دلالاتها خطلٌ قرائي. لأنك واجدٌ في العربيَّة أن المَكْر يعني: الخديعة والاحتيال. وهذا معنى واحد، توقَّف لديه عقلُ مَن لا يفقه مِن العربيَّة إلَّا ظاهر ما شاع على ألسنة العوام، غير مدركٍ ما سواه. على حين أن للمكر معاني متعدِّدة. منها: الاحتيال في خُفْيَة. وليس كلُّ احتيالٍ شرًّا، بل قد يكون تدبيرًا لخير، أو مكرًا مشروعًا بعدوٍّ.  وقد وقف المفسرون عند هذا؛ فقال (ابن الأَثير)، مثلًا: «مَكْرُ الله إيقاعُ بلائِه بأَعدائه دونَ أَوليائِه». وقال (الليث): «المَكْرُ من الله تعالى جَزاءٌ، سُمِّيَ باسم مَكْرِ المُجازَى».  وقال (الرَّاغب): «مكْرُ الله: إمهالُه العبدَ وتمكينُه من أَعراض الدُّنيا».  وقيل: هو والكيْد مترادفانِ، وفي «الفروق» لـ(أبي هِلال العسكريّ) أَنَّهما مُتَغايِران. وفي «البصائر»: «المَكْرُ ضَرْبان: مَحمودٌ، وهو ما يُتَحَرَّى به أَمْرٌ جميلٌ، وعلى ذلك قولُه تعالى: ﴿واللَّهُ خَيْرُ المَاكِرين﴾، ومذمومٌ وهو ما يُتَحَرَّى به فعلٌ ذميمٌ، نحو قوله تعالى: ﴿لا يَحيقُ المَكْرُ السّيِّءُ إلَّا بأَهلِه﴾.»  والمَكْرُ أيضًا: صفةٌ جماليَّةٌ في المرأة، وهو حُسْنُ خَدَالَةِ السَّاقين.  والمَكْرُ: سَقْيُ الأَرضِ، يقال: امْكُروا الأَرضَ فإنَّها صُلْبَة ثمَّ احرُثوها، أي: اسقُوها. ومَكَرَ أَرْضَهُ يَمْكُرُها مَكْرًا: سقاها، فهي مَمْكورة. والمَمْكورَةُ: المَطْوِيَّةُ الخَلْقِ من النِّساء، وقد مُكِرَتْ مَكْرًا. وقيل: هي المستديرةُ السَّاقَين أو المُدْمَجَةُ الخَلق الشَّديدةُ البَضْعَة. وقيل: ممْكُورَةٌ: مُرتَوِيَة الساقِ خَدْلَةٌ، شُبِّهَت بالمَكْرِ من النَّبات. والماكِرُ: العِيرُ تَحملُ الزَّبيب. وامْتَكَرَ: اخْتَضَبَ، وقد مَكَرَه فامْتَكَرَ، أي خَضَبَه فاخْتَضَبَ.(1)  إلى غير هذا.  وتلك شجرةٌ من المعاني، لا يصح الاقتصار منها على غُصنٍ واحد. إن «المَكْر»، إذن، من خلال هذه المعاني والظلال: تدبيرٌ خفيٌّ وتخطيطٌ لطيف. ولذا؛ فلعل (محمَّد محسن خان ومحمَّد تقيّ الدِّين الهلالي) قد أحسنا في ترجمة الآية ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّـهِ، فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّـهِ إِلَّا القَوْمُ الخَاسِرُون﴾، [سورة الأعراف: الآية٩٩]، هكذا: 

"Did they then feel secure against the Plan of Allah? None feels secure from the Plan of Allah except the people who are the losers. "

أمَّا مَن ران على عقله عُرفٌ لغويٌّ ساذج- فيريد أن يغسل العربيَّة من دلالاتها، والنصوص من طاقاتها على فتح الآفاق القرائيَّة المتعدِّدة- أو مَن ران على قلبه شَبَقٌ إلى التشويه والطعن في النصوص، فلا جدوَى من الحديث اللغوي معه أو الحِجاج البلاغي. 

* * *

«مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، ومَنْ لا يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ.»(2) 

مقولةٌ نُسِبت إلى السيد المسيح. والحق أنها لا تخلو الثقافات الإنسانيَّة- شرقًا وغربًا- ومنها ثقافة استقراء النصوص، من الأخذ بفحوى تلك المقولة، رغم دعاوى التسامح، والرحمة، والروحانيَّة، وقبول التنوُّع والتعدُّد. ثقافةٌ ظاهرةٌ في الخطابات الغربيَّة، طافرةٌ من سواد الأحبار والرهبان، الذين ما زالوا يحكمون العقليَّة الكنسيَّة وأتباعها، وإنْ بحرير الأصوات ومعسول الكلام، كما هي ظاهرةٌ في الثقافة الإسلاميَّة عبر العصور؛ فالشرق في ذلك غربٌ، والغرب شرقٌ، ولا يختلفان!

 

بقلم: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيفي

..................................

 (1)  انظر: الزبيدي، تاج العروس، (مكر).

(1)  إنجيل مَتَّى، 12: 30. 

 

ثائر العذاريفي العمل الإبداعي الأصيل لا يمكن الفصل بين الشكل والموضوع، فالشكل إن لم يكن ذا دلالة تخدم الموضوع وتتسق معه يصبح ضربا من العبث. ومع ذلك تحاول الدراسات الأدبية الفصل بينهما قسريا لأغراض الدراسة والتصنيف، لأن المعول في تحديد جنس العمل الأدبي يقوم أساسا على السمات الشكلية، بل إن العمل الأدبي إنما اكتسب أدبيته من الشكل لا الموضوع، أو كما يقول (فريدريك جيمسون):"إن من الخطأ أن نتصور أن موضوعات قصص (همنجواي)، مثلا، هي أشياء من مثل الشجاعة والحب والموت، لأن الواقع إن موضوعاتها الأعمق، ببساطة، هي كتابة أنماط معينة من الجمل، وتجربة أسلوب محدد. هذه في الحقيقة، هي التجربة الأكثر صلابة لعمل الكاتب".

تتراجع صعوبة الفصل هذه كثيرا حين نتحدث عن المتوالية القصصية، وكان غريبا أن يكتب ناقد (عبقري) وهو يتحدث عن المتوالية القصصية، يزدري نقاد زمانه ويتبرم بجهلهم: "وواحدة من آفات النقد الأدبي عندنا أن مسألة النوع شكلا ومضمونا لا تأخذ عند بعض النقاد إلا اهتماما سطحيا، فلا يفرقون بين مبنى الكتابة ومعناها، ويعدون الاشتغال على المضامين هو اشتغال على الأشكال. ومن ثم يعطون للقصاصين شرعية ابتداعهم لتسميات لأعمالهم السردية…"، لكن الواضح أن (عبقريته) لم تكن معه حين كتب هذه العبارة، فهي تكشف أنه لا يميز بين الشكل والمضمون.

لقد كان الشكل، تحديدا، هو ما دفع النقاد الأوربيين والأمريكان (الجهلة بحسب نظرية صاحبنا) إلى عد المتوالية القصصية جنسا سرديا قائما برأسه. ذلك أنها بنية شكلية قبل كل شيء، تختلف عن بنية الرواية والمجموعة القصصية.

إن ما يكسب المتواية القصصية هذه الصفة هو أن القصص المكونة لها كتبت لتكون كتابا، فهي تشترك بعناصر مثل الراوي واللغة وزاوية النظر والمكان والزمان، فإذا كانت هذه عناصر موضوعية فهذا يعني أن علينا أن نكف عن الكتابة ريثما ينشر (العبقري) تعريفه الجديد للشكل وعناصره.

ولكي تتضح الفكرة أكثر اقدم للقارئ الكريم مراجعة موجزة لمتواليتين قصصيتين جنسهما كاتباهما ابتداء من الغلاف.

أما الأولى فهي (أمواج الليالي) للقاص (إدوارد الخراط) التي صدرت عام ١٩٩١، وأثبت كاتبها على غلافها عبارة (متتالية قصصية)، وأحسب أنها أول كتاب عربي كتبت هذه العبارة على غلافه.

تتألف (أمواج الليالي) من تسع قصص أولها (سحب ملتبسة) وآخرها (شجرة مضطربة الثمر)، كل قصة يمكن أن تقرأ وحدها، لكن قراءتها جميعا ستعطي دلالات أخرى تقربها من الرواية، ولم تنتج تلك الدلالات إلا عبر اشتراك القصص بعناصر الشكل، فالقصص كلها يرويها الراوي المتكلم نفسه، وفي كل قصة يعرض نتفا من تجربة حبه الفاشلة، وتشترك القصص في أنها كلها كتبت بأسلوب (المونولوج)، وتشترك بالمكان، فكلها مبنية على تأملات الراوي لحواري القاهرة الشعبية، وحياة الناس البسطاء فيها، وتشترك بالزمن، فكلها تدور أحداثها في الستينيات من القرن الماضي، وأخيرا تشترك باللغة، فهي تعمد إلى الجمل القصيرة التي بناها الكاتب بطريقة توحي بقلقه وشعوره بالوحدة. وكما يرى القارئ الكريم أن هذه كلها عناصر شكلية.

وأما المتوالية القصصية الثانية فهي (حفلة السيدة دالاوي، لفيرجينيا وولف) التي الفتها الكاتبة بالتزامن مع روايتها الشهيرة (السيدة دالاوي) في عشرينيات القرن الماضي، لكنها لم تنشر حتى اكتشفتها (ستيلا ماكنيكول) المتخصصة بأدب وولف ونشرتها عام ١٩٧٩ مكتوب تحت عنوانها (متوالية قصصية).

يمكن ان تعد هذه المتوالية القصصية مثالا لتشابك الشكل والمضمون حتى يصعب الفصل بينهما، فالقصص السبعة المؤلفة للمتوالية ابتداء من (السيدة دالاوي في شارع بوند) وانتهاء بالقصة الأخيرة التي عنونتها (بالإجمال) كلها تتحدث عن عوالم (السيدة دالاوي) قبل المرحلة الزمنية التي تتحدث عنها الرواية، وخاصة تلك الأيام التي كانت تعد فيها للحفلة. لكن هذه التجربة الفريدة لوولف في عمقها تجربة شكلية، فالقصص مكتوبة بلغة متشابهة تتسم بالهدوء والسهولة.

كما تؤدي القصص وظيفة فنية مهمة، فهي في الحقيقة تبني شخصية السيدة دالاوي، بحث إذا قرأناها قبل قراءة الرواية سيكون سلوك هذه الشخصية الرئيسة وتفكيرها غير غريبين علينا، فضلا عن أن هناك قصة هي الرابعة التي عنوانها (الأسلاف) ترسم للقارئ عالم دالاوي بعيون أخرى غير عينيها هي، ففي هذه القصة تتحدث جدتها عن سلوكها وبيتها وشذرات من طفولتها. إن بناء الشخصية قضية شكلية لا موضوعية ومثلها رسم المكان ووصف ما تشتريه دالاوي من ملابس وأزهار ومستلزمات أخرى استعدادا للحفلة.

إن المتوالية القصصية لعب بالشكل لا الموضوع، فهي جنس أدبي هجين كما يسميه بعض النقاد، جمع بين سمة الوحدة التي تسم الرواية وسمة التعدد التي تسم المجموعة القصصية، فأنتج هذا الجمع جنسا أدبيا جديدا يتيح فسحة كبيرة من الإبداع والفتنة.

 

د. ثائر العذاري

 

رحيم الغرباويللشاعر العراقي الكبير يحيى السماوي .

ليس كغيره من شعراء القصيدة العراقية ممن اتهموا المدينة بالدنس أمثال السياب والبياتي ومردان وسعدي يوسف وغيرهم من الجيل الخمسيني والستيني وحتى السبعيني من القرن العشرين . يشرق علينا الشاعر يحيى السماوي بطلته الشعرية البهية؛ ليوثق لنا حرصه على المدينة الرؤوم التي يحن إليها حنين الإبل لمسقط رأسها، وهو يندب ذاته لفراقها، وإن كانت الظروف القاهرة هي من حكمت عليه بالابتعاد والغربة، فهو يتَّهم نفسه بالدنس تجاه القدِّيسة المدينة، إذ نراه كما يقول أدونيس " أمحو الآثار والبقع في داخلي، أغسل داخلي " (1)، وكأنه يريد أن يغسل الأدران التي خلفها تأنيب ضميره تجاه مدينته الأثيرة، إنَّ هذا الإحساس يمثل الصدامية المزمنة التي تكشف عن عرى المسافة بينه وبين الواقع الذي يراه جحودا، بينما يرى صفاء ذاته قد نالتها غوائل ذلك الواقع تجاه مقدساته، ومنها مدينته الأثيرة (السماوة)، وهذا الاصطدام قد ولَّد لديه " الشرارة المضيئة للعالم، وأنَّ الفن ينبع دائماً من الصدام، من الرغبة في أنْ لايفقد الإنسان صفاءه، ويصبح هذا الهمُّ الذاتي جذراً لهموم الناس جميعا " (2)، فنراه يقول في قصيدته:

مُذنباً جئتُكِ

أستجديكِ صفحاً،

حاملاً جثمانَ أمسي،

فانجديني من ذنوبي

في يميني

دمعةٌ تستعطفُ العفوَ، وقلبٌ يتشظَّى

ويساري تشتكي ثقلَ كتابي المُستريب .

فنراه يقر بذنبه عساه يعيش في بحبوحة الراحة، وكأنَّه أرتكب جريرة لاتُغتفر واصفاً يساره بأنَّها تشتكي ثقل كتاب آثامه، مومئاً إلى قوله تعالى (وأمَّا من أوتيَ كتابَهُ بشمالهِ فيقولُ يا ليتني لم أوتَ كتابيَه) (3)، متوسلا أن يُمحى ذنبه؛ لما ارتكبه من عقوق تجاه مدينه، ويبدو أنه في تصويره لأمسه على هيأة جثمانٍ يومئ إلى شدَّة الحزن والأسى الذي كان يلاحقه وما زال، بينما ينغِّم كلماته بصوت النون الأغن؛ ليكثف من دلالة الحزن في المقطع، إذ أورد صوت النون والتنوين عشر مرات مستعطفاً الحبيبة (المدينة)، لكنَّنا نراه حين عَطفَ على يساره المثقلة بذنوب كتابه، أفرغ سطره منها؛ ليبيِّن بشاعة الاحساس، ولعل التنغيم بالتنوين والنون يمثلان الشجو و الحزن مع حالة من الاسترخاء النفسي معهما، بينما بشاعة ثقل الآثام ليس لها إلا صدى التعكر والقلق مما هو فيه؛ وقد عمَّد الشاعرسطره: (ويساري تشتكي ثقلَ كتابي المُستريب) بأصوات (الراء والكاف والقاف والسين والباء) من دون نون أو تنوين جميعها مثلت مدعاة شعور الجفوة والاكتئاب لما يحمله من أوزار صعاب . ثم نراه يصف حاله إزاء ذنبه الماكث في أعماقه، فيقول:

يتسلّى بحطامي ندمٌ أشرسُ

من ناب اللهيب

خذلتني لغتي

فالتمسي لي في كتابِ العشقِ عذراً !

...

سأسمِّي وردةَ الرمان جرحاً

وأسمِّيكِ دوائي والطبيب .

وأسميني جريحاً

نزفة الآهات

والدمع الصبيبْ .

فنراه يصور الندم بهيأة وحش كاسر له ناب من لهيب، وأشد ما يحرق الجسد هو اللهب الذي يجعل الألم ممضَّاً حين يحرق ببطءٍ، بينما نراه يسمي وردة الرمان جرحاً؛ لاحمرارها على الرغم من أنها تصنع الحياة، ومدينته صانعة الحياة نراه يعدُّها قلقاً له؛ لما يضنيه منها توسله غفرانها من دون استجابة، كما نراه استعمل صيغة (فعيل) لقافيته؛ ليمد فيها صوت الياء؛ فيمنح نهايات سطوره بعداً زمانياً، يصوّر من خلاله عمق مأساته، فـ (ناب اللهيب، والطبيب، والدمع الصبيب) معانٍ تجلت فيها نوازع الألم والمرض والحزن واللوعة .

ثم يعطف بأسئلته؛ ليبين كيف يتخيل الأشياء بعد نوال المغفرة، إذ نراه يقول:

... وأسمِّيني المصلِّي بين محرابينِ

يستنشقُ نعناعاً وطيبْ،

وأسمِّيكِ

التي تختزلُ الأسماءَ والأشذاءَ

والفوزَ الذي يجعلُ خسرانيَ

ربحاً ...

ويحيل السوطَ غصناً ...

وجدارَ الكهفِ نهراً

موجُهُ الشهد وشدو العندليب،

وأسمِّيكِ الفراديسَ ...

اليقين ... القِبلةَ ... المحراب

والوادي الرحيبْ .

فيحاول أنْ يلتمس العذرَ ويتوب إليها؛ متوحِّداً معها كما يتوحد الصوفي بالملكوت المقدس، فالألفاظ: (أصلي، محرابين، الفوز، الفراديس، اليقين، القِبلة) تدل على قدسية الهدف، بينما النعيم الذي يتوق إليه فنراه قد جسَّده بالألفاظ (نعناع، طيبْ، ربح، نهر، الشهد، العندليب)، وهو ما يتنمناه أن يعيش بفضاءات مدينته المقدسة الرؤوم؛ ليكفِّر عما بداخله .

ثم نراه يركن مرَّةً أخرى لحالة الإحباط التي يستشعرها مصوِّراً أنْ لاغفران لسعيه، وسوف يقضي زمنه في حمى الصراخ ولهيب القلب الموكل بأحزانه، فيعبِّر عن نوبات يأسه بسبب هذا الواقع المحموم الذي لا يمنحه ما يتمنَّاه، لما يستشعره من تقصير إزاء مدينته الحلم التي يرى ذاته أنه سيعيش لامحالة بعيداً عنها من دون أنْ ينصفها إلا بالاعتذار، فيخاطبها قائلاً:

وأسمِّيني

مسيحاً دونَ إنجيلٍ، وقربانَ المراثي ...

وأسمِّيكِ الصليبْ

والعناق الشفع والوتر

الذي

يدرأ أحزانَ المنافي

وعذابات الفتى / الكهل / الغريب .

فابعدي حيثُ تشاءين

اركبي الموجةَ، والريحَ ...،

احجبي الأمطارَ

والأنهارَ

عن بُستانِ صدري

فسيرويني الذي في بئرِ جُرحي من صُراخٍ

وبِقَلبي من لهيبْ .

فهو بهذا المقطع ينطلق بعد يأسه، ليكون كالمسيح يجوب الفيافي والوديان لكنَّه دون إنجيل؛ بوصفه حُرِمَ المغفرة، فعادَ بلا رسالة، وليس له من قربانٍ للمراثي، فهو المطرود من فردوسه الذي كانَ يأمله، بينما يسميها الصليب بوصفه المصلوب عليها، بيد أنَّه يتمنى أنْ يبقى مستديماً في عناقها كما الشفع والوتر لدى المتبتلين لبارئهم والممسكين بعروته الوثقى؛ ليدرأ عنه أحزان المنافي متوحداً مع مدينته التي صارت كرمة لصلبه، قانعاً بذلك؛ للخلاص من عذابات منافيه التي دهمته غوائلها منذ صباه حتى كهولته، حين عاش غربة الروح والجسد بعيداً عنها، وهو الذي لايرضى إلا برضاها طالما يرى نفسه مقصِّراً تجاهها، مخاطباً لها؛ إخلاصا ووفاءً بأفعال الأمر (ابعدي، اركبي، احجبي) ومتوالية الأفعال بما تحمله من معانٍ، فهو الشاعر الذي سيبقى هائماً مع أحزانه، فلا تروِّيه سوى بئر جرحه المكتنز بالصراخ، واللهيب المودَع في قلبه، عندما تُحجب عنه أمطارها وأنهارها، و صدره يبقى يباباً بعدما كان بستاناً يانع الطلع .

لكنَّ شاعرنا سيظلُّ يأمل العودة لها وإنْ لم يحن الأوان، فلطالما طلب نجدتها، وقال شعره في حضرة فيافيها الرحيبة الأضواء، إذ لابد يوماً يتكلل اللقاء بالمغفرة والتواصل بالمودة بعد إزاحة كابوس الضلالة، وتستحم الشمس بشذا اللقاء .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

....................

(1) أدونيس أوالإثم الهيراقليطي، عادل ظاهر: 164

(2)  معارج المعنى في الشعر العربي الحديث، د. عبد القادر فيدوح: 89

(3)  سورة الحاقة: 25

 

 

حسن العاصيلم يشهد تاريخ الأدب العربي حالة من عدم التوافق بين الكاتب والناقد والمتلقي، كما أحدثت قصيدة النثر التي تسببت في انقسام المهتمين بالأدب والشعر إلى من تحمس للتجربة وأيدها، وآخرون اتخذوا منها موقفاً عدائياً.

أظن أنه السؤال الشائك، بقدر ما يبدو عليه أنه السؤال البديهي، إنما السؤال عن قصيدة النثر يثير العديد من التساؤلات عن هذا الكائن المختلط والمتناقض، الذي يتطلب الكثير من التدقيق في أشكال الشعر المتجذرة في اللغة. قصيدة النثر لا تجعلنا نتساءل عن ماهية الشعر فقط، بل تدعونا للتفكير بمكانة الشعر في اللغة. إنه السؤال المثير المربك. ربما لو تفحصنا التاريخ وأجدنا القراءة، لتكشفت لنا خبايا ربما البعض منا يجهلها، وما نجنيه من قراءة التاريخ يجعل مقاربتنا للحاضر، موضوعية أكثر وعلمية ومنهجية دون مواقف مسبقة.

لقد شهد أواخر القرن التاسع عشر تطوراً هائلاً للمجتمعات البشرية، نتيجة الثورة الصناعية والمكننة التي بدأت في القرن الثامن عشر، مما أسهم بصورة فعالة في نمو مختلف القطاعات. وشأنها شأن المكونات الأخرى، تفاعلت الثقافة مع تلك المتغيرات التاريخية، فكان من الطبيعي إحداث صيغ وأدوات معرفية تنتج الوعي والفكر والأدب أيضاً، كانعكاس للتطور في أنواع الأدب، بسياقات غير معهودة، فظهرت الرواية والمسرح والقصة، ثم قصيدة النثر التي استقبلت بالتشنج الانفعالي من قبل المتلقي العربي ومن جانب النقاد، وهذا يعود في جانب منه إلى أسباب تتعلق بالموروث الثقافي، حيث اعتمد في معظمه على قصيدة الشعر الموزونة بشطرين. فإن كان التوتر له ما يبرره وجدانياً عند المتلقي الذي لم يعتد هذا النمط من الشعر، إلا أن الاضطراب والاختلاط الذي أصاب النقاد، هو موقف مستهجن ثقافياً ومعرفياً بظني، ذلك أنه لا يمكن فصل الثقافة والأدب عن سيرورة الحياة وما يمسها من تطور وحراك دائمين.

من جانب آخر، ظهرت قصيدة النثر في ذروة الجدال بين المهتمين حول قصيدة التفعيلة وتصنيفها ودلالاتها، فبدا الأمر وكأن قصيدة النثر تعرب عن ذاتها على أنها الشكل الحديث والبديل للقصيدة، فتسببت في إحداث جدال وعراك ثقافي لم ينتهي للساعة.

ليس الصدمة فقط من أضرم النار في قش الكلاسيكيين، بل هناك جوانب أخرى لهذا الأجيج الجدلي الملتهب حول قصيدة النثر، منها ما يتعلق بالمقاربات الدينية التي أقدم عليها بعض الشعراء، ولاقت استهجاناً من أوساط ثقافية ودينية واجتماعية متعددة في أكثر من بلد عربي، حيث اتهمت قصيدة النثر في كونها تسيئ للدين، مما جعلها هدفاً لأكثر من جهة خشية تطورها ومقدرتها المس بالموروث المقدس. كما لا يمكن إغفال العامل الفكري والأيديولوجي في خلفية مشهد الجدال والتناحر بين المؤيدين لقصيدة النثر، وهم في معظمهم من الليبراليين والحداثيين الذين يسعون نحو تطور المجتمع وبنيته الثقافية وأدواته الأدبية، وبين الرافضين لها وهم غالباً من أصحاب الأفكار الكلاسيكية التقليدية والمذهب السلفي.

تطالعنا كتب التاريخ عن فن المقامات الذي مزج ما بين الشعر والنثر، ومن أشهر رواده "بديع الزمان الهمداني" وهو نمط يتضمن إيقاع لا يصل الشعر من حيث الوزن والقافية. في الحديث عن قصيدة النثر، لا يمكن تجاهل تأثير الشعر الصوفي الذي ظهر نثراً مع نشوء الإسلام ثم تطور مع ابن العربي وابن الفارض، قبل أن يصل إلى صيغته المعاصرة. ولا بد من المرور على نوع أخر من الشعر هو الرومانسي، الذي ظهر في بدايات القرن العشرين ومن أهم رواده جبران خليل جبران. ثم في خطوة نضوج الشعر النثري الرومنسي، ظهرت مجموعة أبوللو المصرية في بداية ثلاثينيات القرن العشرين، التي دشنت مرحلة ولادة قصيدة النثر التي تبلورت عند جماعة شعر السورية التي ضمت أدونيس وأنسي الحاج وسواهما، حيث بدأت قصيدة النثر تفرض نفسها كنوع أدبي جديد.

قصيدة النثر ليست نبتاً من كوكب آخر، ولا هي دخيلاً غير مألوف في الشعر العربي، بل هي نتاج تطور طبيعي لمكونات الثقافة وبنيتها وهويتها وأدواتها وآلياتها، تطور اخترق جدار الجمود والسكينة في الشعر العربي، وأحدث اهتزاز في ركود القصيدة الموروثة. تماماً كما اقتحم المسرح بعض العواصم العربية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كفن جديد قادم من الغرب، وشق طريقه الوعرة ثم تطور بصورته الحالية، نتيجة إصرار الرواد على اقتحام عالم جديد وغريب على الذائقة العربية التي اعتادت التبجيل والثناء على الشعراء، في عوالم تعتبر الشعر هو الفن الأرقى. إلا أن المسرح لم يناله ما نال قصيدة النثر من تقريع وتبكيت، بالرغم من أنها شكلت ثورة في اللغة والتراكيب وأوجدت فضاءات جديدة لتحليق المفردة.

قصيدة النثر هي أعمق لحظة في اللاشعور المتدفق، هي الصياغة الترويضية لأصدق حالة انفعالية بين الوعي واللا إدراك، هي التعبير الشعوري للأرق حين نضع الأنا في مواجهة العدم، وهي القناة التي تدفق باختلاجات الكاتب وتسكب في حوض المتلقي. وبهذا فإن قصيدة النثر هي صورة فوق البنفسجية للانفعالات في تعبيرها اللغوي الذي يقوم على رجّ اللغة للنفاذ من الممرات نحو دلالات جديدة تتيح للقلق وللمشاعر والأفكار والصور الرائجة أن تتحول من حالة الركود، إلى وضع لا انتظام فيه ولا ركود للأنساق، كما هو حال الفكر والمعرفة، إذ أن الرؤى والأفكار والمواقف في القصيدة النثرية تتحول إلى نمط متخيل، تساعد على ولوج كينونة مجهولة للشاعر.

الشعر بصفة عامة، وتحديداً قصيدة النثر تعتبر حاملاً للقلق الإبداعي، أكثر من الأصناف الأدبية الأخرى، لذلك تحتاج قصيدة النثر إلى أداة لرفع هذه الكم الكثير من المشاعر والاضطرابات، وهذا ما يؤديه الإيقاع الشعري من خلال كونه ينظم التنبيهات في النص بين سكون وسكون، هو حركة اللغة ومفرداتها. قصيدة النثر تعوم خارج البحور التي وضعها أبو خليل الفراهيدي، التي فرضت بنية إيقاعية سمعية وبصرية.

إن قيام القصيدة النثرية بخرق القوانين وتهشيم المقدس هو ما استثار حمية المدافعين عن القصيدة الموزونة، وهي النقطة الشائكة التي لا زالت موضع جدل بين المهتمين. هذه الإشكالية استغلها كثير من المتطفلين على الشعر الذين تسلقوا هذا الصنف الأدبي عبر نتاجهم، بذريعة أن لا قوانين هنا ولا ضوابط.

لا أفهم سبباً موضوعياً للتوتر الذي يبديه بعض شعراء قصيدة الوزن تجاه قصيدة النثر، بالرغم من إني لم أسمع مرة أحد شعراء قصيدة النثر يعتبر أن المتنبي مثلاً ليس بشاعر، ولم يرفض أحداً قصائد امرؤ القيس أو أبي تمام، لذلك لا يمكن أن تلمع صورة قصيدة الوزن على نفي قصيدة النثر.

قصيدة النثر تمردت على التراكيب اللغوية الساكنة، لتفرض صياغتها في بنى تعبيرية حديثة، لإنشاء ضجيج في الراسخ، وهنا تظهر قدرة القصيدة النثرية على استنباط لغة لها وحدها. قصيدة تبنى فيها الصورة الشعرية وتصاغ لغوياً ويتم تحميلها المعنى عبر وحدة المتناقضات التي هي أساس القصيدة النثرية، مثل قصائد محمد الماغوط " على سبيل الذكر.

وقصيدة النثر تقوم بتشظي التراكيب المألوفة، وعلى التوتر الانفعالي الذي ينقل الشحنات عبرها للمتلقي، تراعي التكثيف المرتكز على رؤية شاملة عميقة للظواهر، تمكنه من امتلاك رؤيا شفافة واضحة للأحداث، عبر إيقاع يتولد من داخل القصيدة.

إن الشعر هو الشعر مهما اختلفت الأدوات والأنماط والقوالب والأجناس، والأوزان الخليلية ليست مقدسة، وقصيدة النثر ليست بديلاً عن أي صنف أدبي آخر، وهي لا تدعي ذلك، ولا ترفض الأجناس الأخرى، فيما ترفضها قصيدة الوزن. والقصيدة النثرية شأنها شأن الأنواع الأدبية الأخرى، علق بها الكثير من المتطفلين الذين استسهلوا كتابة القصيدة النثرية، لذلك كما نقرأ رواية جيدة وأخرى سيئة، وشعراً موزوناً جميلاً وآخر قبيحاً، فإننا نرى نصاً بديعاً لقصيدة النثر، وآخر مذموماً.

في عالم يتجه نحو التطور والتغير والتحديث بسرعة مرعبة، لم تعد تجدي معها الأعراف الأدبية التقليدية السائدة، التي تظهر على أنها قاصرة وعاجزة عن تحقيق الشعرية المعاصرة، فلا بد من بروز أنماط أكثر رحابة في التعبير عن الحالة الشعرية بكسر طوق الأوزان وقفص القوافي، والخروج على ما هو مألوف وتقليدي في اللغة والشعر والصياغة والإيقاع والصورة والتأثير، فكانت قصيدة النثر التطور الطبيعي للشعر في عالم معاصر، بل أنها شكلت ثورة على الساكن والهامد في اللغة والشعر، وبظني هي من أرفع وأفخم وأعمق أشكال الكتابة الشعرية

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

عبد الجبار نوريربما يبدو في أختيار الروائي شوقي للعنوان الصادم والذي يعتبر من جملة (المسكوتات) التي أختارها بشجاعته المعهودة في أسقاط ورقة التوت عنها وأظهارها للمتلقي للمشاركة في أيجاد الحلول لها .

ثمّ أن مفردات الهتلية والسرسرية تعني باللغة التركية العصملية القديمة (جامعي الضرائب) وتقول الحكاية التركية عندما عيّن الوالي العثماني نخبة الهتلية لجمع الضريبة وصلت أخبارهم بأنهم لصوص وفساد أداريين وماليين، فأستبدلهم بالسرسرية فكانوا أسوء منهم في اللصوصية والحرام، وبما أن العراق كان من الولايات المهمة للأمبراطورية العثمانية فأصبحت تستعمل كلمة "الهتلية" كمفردة تعني الأنحطاط الخلقي وكنوع من الأساءة والذم لأنها تحمل مضامين اللاأخلاق، وأن الروائي أستعمل هذه المفردة كرمزية يرمي بها السلطات الحاكمة والجائرة التي تعاقبت على حكم العراق، وتتضمن الرواية أشارات للزمكنة الجغرافية والتأريخية في العراق، وببراعة المؤلف تمكن أن يغور في أعماق المجتمع العراقي حيث زواياه السوسيولوجية لسنوات المحنة حيث أختار الفترة الحرجة في حياة الأمة في ثمانينيات القرن الماضي والفترة العصيبة بين 2006- 2008 سنوات الأحتراب التي أرتقت لحرب اأهلية حيث نقطة اللاعودة .

الهتلية بناء روائي ممتع مستعرضاً الشخصية العراقية المعاصرة بكامل صورتها الواقعية الملموسة على الأرض العراقية تشق طريقها للوصول إلى التسلط على رقاب العباد  بشتى وسائل اللاأخلاق لسد النقص الذي يعانيه من الأستلاب المادي والروحي محاولة للأستئثار بالمال العام وهو الباب الذي فتحهُ شوقي للرواية للبحث عن الحل للخروج من المحنة لذلك أعتمد الروائي شوقي على أستعراض الأحداث الشاخصة وحوّلها ببراعته المعهودة في الجزئين االشروكية والخوشية إلى رموز ودلالات وصور أستعارية دقيقة الأختيارومتقنة، وأعطى لبطل الرواية الأولوية في الظهور كي يترجم واقع حال البلد المأزوم منذ سقوط العراق جغرافية وتأريخاً في 2003، أما رجال الدين يرمز لهة بالكهنة فهم أصحاب القرار في القيادات الحاكمة الذين وحدهم يمتلكون اللعب في مقدرات العباد والبلاد، وأعتمد الواقعية التعبيرية كنمط للمسار السردي في جعل المتلقي يقوم بنفسه في تركيب الرؤى والأحداث المعروضة في النص ليرجعها إلى أصولها الواقعية المشهودة فعلا على أرض الواقع، فكانت أدواتهُ أرضية الزمكنة والأحداث المتسارعة والمستلبة من قبل أنقلابات العساكر وحكومات توفيقية متلاحقة على السلطة، نجد أن البطل ينفث آهات الندم والأحباط  بشهيق وزفير بحشرجاتٍ مسموعة تترجم وخزات الجلد الذاتي في الصفحة 110-113 أنهُ لم يكن أهلاً في تقديم القربان من دمه وروحه لأيقونة الوطن المصلوب على جدار الخوف حيث يقول :

صمتي يعني فشل آمالي وأمانيي في الأنتصار، تعرض الروائي شوقي وبشجاعة بارعة في التصدي(للمسكوتات) التي تعايش المجتمع والتي تعتبر فوبيا للكتاب والروائيين في تهيّب الأشارة أليها أرضاءاً لجهات وعدم أغضاب جهات أخرى كالمحرمات الثلاثة (الدين والجنس والعنف السياسي) ومسائل الحلال والحرام، والخروج عن طاعة ولي الأمر والأعراف القبلية العشائرية، فالكاتب بجرأته وشجاعته البحثية تمكن الغوص في ثنايا الأعماق والكشف عن زواياها المظلمة لينتشل تلك الموروثات العقائدية والقيمية الدينية والوضعية ويعيد صياغتها جمالياً وسردياً ويقدم مثل هذا النص الأدبي الرائع .

أن نزعة اللصوصية والتخريب تبدو وكأنها ظاهرة مرضية خطيرة، وأن أعمدة علماء النفس والتأريخ منهم الدكتور " على الوردي " والعلامة المؤرخ " عبدالرزاق الحسني " والعلامة المغربي أبن خلدون أكدوا على بداوة وذكورية الشعب العراقي والترسبات الأرثية القبلية التي تحملها الشخصية العراقية بالذات من خلال قساوة البيئة الصحراوية المجدبة والمستلبة والحروب والغزوات والمجاعات والفيضانات والطاعون والحكومات المستبدة كل تلك الظواهرتبلورت في أعماق اللاوعي العراقي(نزعات جرمية ولصوصية وتخريبية) وهنا يؤيّد العلامة المؤرخ عبدالرزاق الحسني تلك النزعات الهابطة والمرفوضة أجتماعياً في كتابه تأريخ الأحزاب السياسية 1908-1958بفصله الخاص بمذكرات الملك فيصل الأول أقتبس النص التالي :

(الشريف حسين يوصي ولده وهو ذاهب إلى العراق : يا ولدي هذا العراق لا يؤتمن فقد غدروا بعمك الحسين بن علي بن أبي طالب حيث دعوه ثم قتلوه فأذهب أليها وحدك، وكتب فيصل الأول بعد معايشته العراقيين في 1933 في نص مذكراته (--- لا يوجد في العراق شعب له فكر بل توجد تكتلات بشرية خالية من أية فكرة وطنية متشبعين بتقاليد وأباطيل دينية لا تجمع بينهم جامعة سماعون للسوء ميالون للفوضى مستعدون دائماً للأنتفاض على أية حكومة كانت) عبدالرزاق الحسني – تأريخ العراق السياسي ج1ص12 .

أن الهتلية في عنوان الرواية ليس بالضرورة أن تكون من الطبقة الفقيرة المعدمة، بل ممكن أن تكون من الأثرياء والموسرين أو حتى من رجال الدين، وفي القاموس السياسي العراقي المعاصر كان اغلب الرموز السياسية وبطانة دكاكين الأحزاب الرثة من طبقة الهتلية أبتداءاً من العهد الملكي الذي أعتمد بعض من قادته على الشقاة في أيام التقاطعات السياسية، أما العهد الجمهوري حيث ظهر من قادتهم شقاة وبلطجية وقطاع طرق أمثال (ناظم كزار وجباركردي وعلي رضا باوه وعلي كيمياوي وعلي صالح السعدي)، اما العهد الديمقراطي ظهر لنا فيهم بعض من الهتلية واللصوص أبطال روايات هندية وأفلام الأكشن الهوليودية أمثال (أيهم السامرائي وزير الكهرباء الأسبق وحازم الشعلان وزير الدفاع الأسبق وعبدالفلاح السوداني وزير التجارة السابق وووو) .

وأن الذاكرة العراقية تأبى مسح أهزوجة هتلية الشارع العراقي في 1941 (حلو الفرهود كون يصير يومية) هذا الشعار المعيب والمخزي ضد الطائفة اليهودية العراقية في نهب أموالهم وممتلكاتهم وقتل وجرح أكثر من ألفي مواطن يهودي عراقي (عدنان نور الدين / كتاب هتلر في الأبريق)، وتبعهُ فرهود قصور الملوك في 1958 وثم مسلسل فرهدة الأكراد الفيلية في عام 1980 أموالهم وممتلكاتهم على يد هتلية وغوغاء الشارع ، وثم نفيهم خارج وطنهم العراق، وجاء دور عرض الفيلم الهندي الديمقراطي بعد 2003 يكفي أن نقول للأختصار أن البعض من هتلية الحكومة نهبوا مبلغ خرافي يقدر ب800 ملياردولار خلال 14 عام وحولوه إلى خارج الوطن المسكين، علماً أنه أكثر من ميزانية الولايات المتحدة الأمريكية!!

 

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

.......................

*ملاحظة: بعد ورود طلبات عديدة من قرائي وأصدقائي في أعادة نشر المقالة المكتوبة في(24 /أكتوبر/2017) لكوننا نعيش "عهد الحواسم" منذ الأحتلال الأمريكي لحد اليوم

 

847 احمر"أحمرُ على شفاه الصُّدفة" هي المجموعة الشِّعرية الأولى للشاعرة (مسار الياسري) التي أستطاعت أنْ تحتلَّ مكانها وأنْ ترسمَ ملامح صوتها الشِّعري في السَّاحة الشِّعرية العراقيَّة حتى قبل أنْ تصدرَ أيَّة مجموعة شعرية لها ، فكان تألقها الشِّعري وأنا أتابعهُ في أكثرمن محفلٍ شعري أحمرَعلى شفاهِ الديمومة .

وكأيِّ وليدٍ بكرٍ يتعرض للتجريب والاجتهاد بينِ يدي والديهِ حتى يشتدَّ عوده جاءت هذه المجموعة لتكون مساحة رحبة لتجارب الشَّاعرة التي آثرتْ أنْ توثق ما خطهُ يراعُها في مختلف أشكال الكتابة الشِّعرية ، من قصائد العمود (الشَّطرين) والتفعيلة والنَّثر، فجاءت سنابل حقلها منحنية وهي تشير إلى تربة خصبة أنبتتها وأنشأتها النشأة الأولى وقد ألمحت إلى ذلك فيما يشبه الإهداء (إليهما ..عليهما السّلام) في أول بيتين افتتحت بها المجموعة :

(وها هي أمي تشبه الله رحــمة ً

فمن قال أن اللهَ ليس له أهــــلُ

وهذا أبي كالانبيــــــــــــاءِ مقامُهُ

ومن قال أن الله قد ختم الرسلُ!)

 وَمنْ يَطَّلع على هذه المجموعة للوهلة الأولى يجد أن الشَّاعرة سعتْ وبشكلٍ حثيثٍ إلى تحديث لغة العنونة لمنحها طاقات تعبيرية عالية تهيئ القاريء قبل الدِّخول اليها، مدركة أهمية العتبة بوصفها نصاً موازياً للمكوّن اللغوى للنصّ “المتن” بشكل وظيفي يؤثر فى تشكيل بنيتهِ وفى عملية تلقيهِ وتحليله ليشكلا معا بنية تكاملية .

وهكذا جاء عنوان المجموعة مشحوناً بالمعاني التي أرادت شاعرتنا (مسار الياسري) أنْ توصلها بما تثيره من أسئلة ٍلدى المتلقي الذي لاتريد لذهنهِ أنْ ينصرفَ نحو الإثارة الشكلية قدر ما تريده أنْ يتعمق أكثر بالمعنى من خلال الانزياح اللغويّ الجميل الذي اعتمدته في منح “الصُّدفة ” شفاهاً والتي مِنَ الممكن أنْ يكسوها الأحمر ليمنحها حياة ًوحيويةً وإثارة، إذَن هي صُدفة توازي في قيمة المتحقق فيها ما يحدث لنا بتدبيرمسبق بل ويفوقه، فضلاً عن عتبات الإهداء الذي جاء للأصدقاء ولأمها وأبيها وإلى معلمها (علي عبد الحسين الخفاجي).. كاشفة لنا مصادر إلهامها ومرجعياتها الثقافية في الكتابة الشِّعرية .

لقد غلبت على المجموعة قصائد الشَّطرين وهي بذلك تطرح نفسها شاعرة مُجيدة تنساب جملها وقوافيها وإيقاعاتها انسياباً جميلاً عبر بحور الشِّعر العربيّ وأخصُّ منها الكامل، والبسيط، والرَّمل،وقليل منها ماجاء على الوافر .

أنا كالتي في جوفها نــــيرانهُا

وسحـــابةٌ بسمــائها تـتمايـــلُ

من حزنِ أيّامي أصوغُ سعادةً

وعلى المرارةِ والجوى أتحايلُ

تميزت قصائدها بلغة شفافة ، لغة أنثويَّة تنفرُ من المفردات الصلدة والنَّافرة لتنثال منقاة بجميل ذائقتها وتجانس الجرس الموسيقي فيها واستخدام الأساليب البلاغية في اللّغة من استعارة وتشبيه وكناية وطباق لتحقيق التأثير المطلوب في المتلقي وتفعيل جماليات النَّصّ .

ومع إيغالنا أكثر في قصائد المجموعة وتقصي موضوعاتها نجد أنَّ أغلب القصائد كانت تركز على موضوعة الطفولة واستذكار مكان النَّشأة الأولى فمازالت الطفولة والعودة إليها تشكلُ ملاذاً لها وهي تواجه صعوبات الحياة.

(لا تعدّوني  كضحكاتٍ

أضاعتْ شمسها

أو كأرجوحةِ طفلٍ

أُطفِئتْ ظلماً

وغطاها غبارٌ)

وعلى غرار الشُّعراء في العصر الجاهلي تستنطق بحنين جارف دروب الحيّ القديم وما شهدته من ذكرياتِ نبضها الأوَّل فيها، بعد أنْ رجعت إليه أكثر قوة وأكثر وعياً بذاتها .مثلما تتذكر طفولتها على وقع إيقاع الحرب في قصيدتها (طفولة بنصف حلوى) التي ترسم فيها ظلال الحرب ووقعها على غصن طفولتها الطَّريّ وكيف خرجت من بقايا الحرب ” كغصنٍ بين أنقاض الخطايا” ولتقول لنا : إنَّ الحرب خطيئة كبرى بحق الإنسان والطّفولة والبيئة، لكنها تقف بوجه الحروب رافضة لتضيء وتبدد أجنحة الظلام :

(أنتِ الحياةُ برحمِ موتٍ

عابثٍ

لكنَّ طبعَ المــــوتِ

لا يتبــدّلُ

يا أنتِ يا بنت العراقِ

كأنكِ المشكاة

يغزوها الظلامُ

فيخجلُ

لتُطلَّ من فجرِ الشهادةِ

آيـــةٌ

في كل يومٍ في العراقِ تُرتّلُ)

وهي إذ يتوحد عندها الذاتيّ بالموضوعيّ تفتتح القصيدة بالشكوى من الحبّ والحبيب وتبثنا لواعجها حتى نقتنع تماماَ بأنَّها تعيش حالة وجدانية متدفقة بالرؤى والأحلام العاطفية الورديّة وسرعان ما نشهد ونتفاجأ بأنَّ هذا الحبّ بكامل طاقاته وانفعالاته يأخذ مدى أبعد من مداه الذاتي لينصرف إلى بغداد وإلى العراق المُبتلى بسراقهِ الذين أثخنوه قتلاً وغدراً ما يجعلها تقف حائرة بإزاء هذا المشهد المُحبط الذي هو بالنسبة لها مثل غدر الأصحاب ومَنْ نُحبّ بل وأكثر وقعاً وهي بهذه المزاوجة إنما تريد أنْ تؤرشف خيباتها مقرونة بخيبة وطن أنهكته الحروب الطَّائفية والصِّراعات السِّياسية والمفخخات ..فجاءت صرخاتها بوجه هذا السَّيل الجارف من الموت لتعلن رفضها لهذا الألم المقيم في حنايا روحها ونبض ِ قلبها، كيف لا وهي الشَّاعرة المفعمة بالرِّقة وهواجس استشراف الآتي .وليس أدلّ على ماتقدم من هذا التوحد قولها :

“أنا مثل بغداد ابتسَمْتُ برغم ما .. بين الضلوعِ تناسَلَتْ ألـــــــغامُ“.

وعمدت الشَّاعرة في مجموعتها إلى استدعاء رموز البطولة مثل (جيفارا) و(كلكامش) مزاوِجة في ذلك بين رموز عصرنا الحاضر والرّموز الأسطورية لتخلق امتداداً إنسانياً بذلك الاستدعاء .

وتجيد (مسار الياسري) في هذه المجموعة وعبر أشكال كتابتها الشَّعرية المتنوعة من قصائد التفعيلة والنّصوص النَّثرية رسم الصُّور الشِّعرية التي تمنح نصوصها قوة، وتمسك بالمتلقي لتشي له بمهارة الشَّاعرة في الصِّياغة والبناء الصّوري لقصائدها والتي بلغت ذروتها في هذا المقطع من قصيدة (نبية الحناء)

(ومناجلي سارَتْ على

مضضٍ مطأْطأَةَ الرؤوسِ

ورائي)

كما تميلُ الشَّاعرة إلى اعتماد النهايات المفتوحة في نصوصها النَّثرية بشكل خاص تاركة المتلقي يكمل رسم الصّورة التي ستؤول اليها وهي بذلك تفتح المجال للقاريء لأن يشارك في صياغة النَّصّ .

“أحمرٌعلى شفاه الصُّدفة” محاولة أولى لمسار الياسري أتمنى أن تتبعها محاولات أكثر إبداعاً وأنْ تختطَّ لنفسها نهجاً شعريَّا تجد نفسها فيهِ أكثر عبر أشكال الكتابة الشِّعرية يرسم ملامح تجربتها وهويتها الشِّعرية المتوهجة التي تميزها عن الأخريات فلا مجال للتجريب بعد هذه المحاولة وهي بما تمتلك من رهافة حسٍّ عالية وأدوات الكتابة الشِّعرية قادرة على ذلك بكلِّ تأكيد.

تمنياتي لها بالمزيد من التألق والإبداع، ولكم بمتعة اكتشاف مسارات الجمال ومآلاتها في هذه المجموعة البِكر .التي تجعلك تؤمن بما أومضت به مسار الياسري :

(للحبّ سلطةٌ حتى

أنه قد يؤجل القيامة...)

 

د . سعد ياسين يوسف

 

عبد المجيد عامر طميزةإِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا/ آمال عوّاد رضوان

وَعِرَةٌ فُصولُ وَقْتِيَ الأَرْعَنَ

يَمْلؤُها خَواءٌ

يَ تَ سَ ا كَ بُ

يَتعَفَّرُ بِغُموضِ حَوّاء

وفي تَعاريجِ التّيه بِكِ .. أَحْمِلُني ظِلالًا شَارِدَةً

تَتشاسَعُ...

أُطارِدُ مَسافاتِكِ المُتَسافِكَةِ .. في انْعِطافاتِ عَطْفِكِ

وَعَلى إيقاعِ جِهاتِكِ

مُتَماهِيًا بِي .. يُشاكِسُني حَريرُ خَريرِكِ!

*

دُونَكِ.. يُنادِمُني كأْسُ النُّدَمَاء

يَلْهَثُ وَفاءُ المَواعيدِ الجَوْفاء

يَئِنُّ بُسْتانِيَ ظامِئًا

يَعْوي الصّمت في قَفصِ جُوعِهِ

يَتذاءَبُ.. يَتَوَعَّدُ حُملانَ حَكاياكِ

يَ تَ هَـ جَّ ى .. أَنّاتِ آهاتِيَ التّائِهَةِ!

*

كَيفَ أَجْتَرِحُ لَحَظاتِكِ اللاّزوردِيَّةَ

ومَلَكُوتُ صَمْتِكِ يَعْتَلي عَرْشِيَ المُجَنَّح؟!

أَمْضي إِلَيْكِ ضارِعًا

تُرْبِكُني خُطُواتُ خَيالي

أَقْتَفي ظِلالَ الفَرَح إِلَيْكِ

أَتَوَكَّأُ عَلى .. أَنْفاسِ حُروفِيَ العَرْجاء

أَيْنَكِ تُرَمِّمينَ قِبَبَ عَتَماتي؟

أَيْنَكِ تُغَبِّطينَ مُهْرَ حَرْفِيَ المَوْلودَ بِكِ؟

*

مِنْ خَلْفِ حِجابِ السَّمَواتِ

نَجْمِي السَّاهي يَتَلَصَّصُ

يُنَجِّمُ مَناجِمَكِ الجاثِمَةَ بِكُهوفي

يُعَرّي بِزُمُرُّدِ لَحْظِهِ

ياقوتَكِ الجاثِيَ في ثُرَيّا الفُؤادِ

مَن ذا الأَباحَكِ بي؟

يا خَميرَةَ زَمانِيَ الآثِم

تَعْجِنينَ دَقيقَ حاضِري بِماءِ الماضي

تُسَوِّينَ بَشَوْبَكِ صَفائِكِ أَقْراصَ قُرْباني

تُخَمِّرينَ خُبزَ خَيالاتي بِمَتاهاتِ طُهْرِكِ

وَفي خِلوَةِ سُهْدِي .. أَتْلوني قَصائدَ وَداعَةٍ

عَلى عَتَباتِ مَراياكِ!

*

دُورِيُّ أَنا مُثْقَلٌ بِفَضائِكِ!

أَسْرابُ أَنفاسِكِ تُلاغِفُ أَرْياشي

تَغْمِسُ شَمْعَ جَناحَيَّ بضَوْءِ شِعْرِكِ النَّدِيِّ

وتُعَشِّشينَ فِراخَ جَمْرٍ بِفُسَيْفِساءِ أُوَيْقاتي

أَيا ريشَةَ شعريّ الأَخَفَّ مِنْ ريشِ الهَباءِ!

مَا جَدْوايَ مِنْ أَرْياشِ الذّهب

وَحُجُبُ سَديمِكِ بَتَرَتْ مِنْقارِيَ

والقَلبُ كَسيرٌ.. أَسيرُ أَثيرِكِ؟

*

كَيْفَ أُحَلِّقُ بِقَلْبِيَ مَقْصوصَ الجَناحِ

إِلى أَسْدافِ قُدْسِكِ؟

كَيْفَ وَعُيونُ حَرْفِيَ المُقَنَّعِ كَفيفةٌ

تَتَوارى في عَتْمَةِ دُواتِكِ؟

*

أَيا إِلهامِيَ الأَضْيَعَ مِنْ سِراجٍ في شَمْسٍ!

أَقْفاصُ صَدْري مَجْبولَةٌ بِطينِ اليَبابِ

كُلَّما لَمْلَمْتِ أَكْوامَ رَحيلِكِ الكافِرِ

تَرْتَجِفُ عَصافيرُ القَلْبِ

تُوقِدينَ بي جَذْوَةَ اللَّهَبِ

فَاُحْطِبي في حَبْلي وَأَعِينيني

ولاَ تَحْطِبي عَليَّ وتُهْلِكيني

علَّ تَعْويذَتَكِ تَحُلُّ رِبْقَتي

ولا تُسْبِلي غُرَّةَ الفَقْدِ .. عَلى جَبيني!

*

كَمْ هِيَ وارِفَةٌ فُصولُ وقْتِيَ العاري

حِينَما تَفِرُّ الحُدودُ التَتَشابَحُ

وَتَنْسَلِّينَ مِنْ ظِلالِ الظُّلماتِ النَّاعِسَةِ

بُشْرَى مَسَرَّةٍ

حينَما تَتَقافَزُ أَيائِلُ روحِكِ

تَسْرَحُ قُطعانُ آمالي في واحةِ بَوْحِي

لأَتَواثَبَ فوْقَ خَرائِطِ الدّهشة!

*

مَيَّاسةٌ عَرائسُ فَرحِي بِكِ

حينَما غُصونُ حَرْفي .. تَميدُ بِكِ

حِينَما تَتَبَخْتَرُ بِغَنَجِها .. تَتَمَايَلُ بِدَلالِكِ

تَتَوارَفينَ عُرى لِقاءٍ

حِينَما تَلُفِّينَ بِاخْضِرارِ زَفيرِكِ شِغافَ شَهِيقي

تَشْرَئِبُّ أَعْناقُ العِناقِ مُزاحِمَةً

وَ أَ تَ فَ تَّ تُ .. عَلى أَعْتابِ أَنْفاسِكِ

*

أَرْصِفَةُ الصُّبْحِ تَتعَرّى

حِينَما تَخْلِبُها لَذائذُ الأَلَمِ المُؤَجَّلِ

في فِخاخِ الانْتِظار

وحُوريَّةُ الأَمْسِ تَسِحُّ .. مِنْ بَيْنِ أَصابعِ المُوسِيقا

تَتَأبَّطُني مَغْمُورَةً بي

تَطوووفُ.. دااااااائِخَةً

تَحْمِلُ حُلُمي إلى مَعْمورَةِ هَذَياني

هُو الغَدُ يَأْتيني بِكِ .. وَبَعْدَ الغَدِ يَأْتِيني إِلَيْكِ

لِنَتَوَشَّحْ بِفَرْحَةٍ تَهِلُّ ميلادَ أَحِبَّةٍ!

رُحْمَاكِ

هَيِّئيني بِكِ لِقُدْسِ الفَرَحِ

لأَتَقَدَّسَ بِعِطْرِ زُهْدِكِ البَرِّيِّ!

أَدْمَعُ!.. و.. أَدْمَعُ!.. وَ.. أَدْمَعُ!

مَن ذا يَغْتَسِلُ بِدَمْعِ قَناديلِ هَوايَ إِلاَّكِ؟!

مَن ذا يَبْتَلُّ بِوَهْجِ لَيالِيَّ العَذْراءَ كَماكِ؟!

هيَ ذي تَرانيمي.. إِلَيْكِ تَتوبُ غَمامًا

إعْزِفيني بِشارَةَ حُبٍّ / كِرازةَ لِقاءٍ

عَلى قيثارَةِ الفَجْرِ

عَلَّ بَشاشَةَ الغِبْطَةِ .. تُطَوِّبُ مَباسِمَ مَواسِمي!

 

ثانيًا: التّحليل الأدبيّ

العنوان: " إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا": من ديوانها الشّعريّ الثاني "سلامي لك مطرا." وكأنّ الشّاعرةَ تُخاطبُ نَفسَها، أو نفسَها المنصهرةَ في وطنِها، وهي تشعرُ بضَياع الآمالِ، في وقتٍ تكالبَتْ عليهِ المِحنُ وصنوفُ الضّياع، فالغمامُ رمزٌ عن الضّبابيّةِ والغموضِ والحيرةِ والقلقِ والتّيهِ والضّياع،  وفي العنوانِ انزياحٌ تركيبيّ، حيثُ تقدّمتْ شبهُ الجملة "إليك"، وحقُّها التّأخير كلّ  مِن الفعل والفاعل "أتوب" وحقّهُما التّقديم، ويوجدُ في العنوانِ أيضًا انزياحٌ إضافيّ،  فعندما يسمعُ المُتلقّي كلمةَ "أتوب"، يتوقّع أن يليها حال مثل كلمة "مستغفرًا"، لكنّه يُفاجأ ويَسمعُ عبارةَ "غمامًا"، وهذا يُثيرُ في خلدِهِ الدّهشة.

والشّاعرةُ اختارتْ عنوانَ قصيدتِها بدقّةٍ، و"يُعتبرُ العنوانُ في نظريّاتِ النّصِّ الحديثةِ عتبةً قرائيّةً، وعنصرًا مِنَ العناصرِ المُوازيةِ الّتي تُسهمُ في تلقّي النّصوصِ وفهْمِها، وتأويلِها داخل فعلٍ قرائيّ شموليّ بفعلِ العلاقاتِ الكائنةِ والممكنةِ بينَهُما. وهو عندَ جيرار جنيت مجموعةٌ مِن العلاقاتِ اللّسانيّة الّتي يمكنُ أن توضَعَ على رأس النّصّ، لتُحدّدَهُ وتَدلَّ على محتواهُ، لإغراءِ الجمهورِ المقصودِ بقراءتِهِ، ويُحدّدُ العنوانُ هُويّةَ النّصّ ويُشيرُ إلى مَضمونِهِ، كما يُغري القرَّاءَ بالاطّلاع عليه.. على أنّ وظيفةَ التّحديد تَظلُّ هي الأهمُّ مِن غيرِها، فالعنوانُ المثيرُ قد لا يربطُهُ بما يُعنونُ أيّ رابط. كما أنّ العلاقةَ بينَ مادّة العنوانِ وموادّ النّصّ ليست دائمًا مِرْآويّة، بحيثُ يكشفُ ظاهرُ العنوانِ بَواطنَ الكتاب، إذ مِن الممكنِ أن نجدَ عناوينَ فارغةً أو دالّةً على الشّكل، أكثرَ ممّا تدلُّ على المَضمون، لذلك؛ فالعنوانُ باعتبارِهِ اسمًا للكتاب، أهمُّ مُحدِّدٍ ومُميّزٍ له عن هُويّات أخرى، وإن كنّا نجدُ بعضَ العناوينِ مَبنيّةً بطريقةٍ رمزيّة أو مَجازيّة، ممّا يدفعُنا للتّأويل، لإيجادِ ألوان مِن التّطابق أو شِبهِ التّطابقِ بينَ النّصّ وعنوانِهِ، خاصّةً في الكتبِ ذاتِ الطّبيعة النّظريّةِ أو الفكريّة. أمّا عناوينُ الدّواوينِ الشّعريّةِ والرّواياتِ والقصصِ والمَقالاتِ -الحديثة على الخصوص- فهي تقومُ في أغلب الأحيانِ على المُراوغةِ والإيحاء."

ويختصرُ جنيت "أهَمُّ وظائفِ العنوان في: وظيفةِ التّحديدِ والوظيفةِ الوصفيّةِ والوظيفةِ الإيحائيّةِ والوظيفةِ الإثاريّةِ- الإغرائيّة. وكما هو واضحٌ، فهذهِ الوظائفُ تضمّنتْها الاستعمالاتُ الدّلاليّةُ المختلفةُ لكلمةِ العنوان في الثّقافةِ العربيّة".

وفي مَجالِ الحديثِ عن العنوان في اللّغةِ والاصطلاحِ في العربيّة قال بازي "العنوانُ.. إظهارٌ خفيٌّ ورسمٌ للمادّةِ المكتوبة. إنّهُ توسيمٌ وإظهارٌ، فالكتابُ يُخفي مُحتواهُ ولا يُفصحُ عنه، ثمّ يأتي العنوانُ ليُظهرَ أسرارَهُ، ويَكشفَ العناصرَ المُوسّعةَ الخفيّةَ أو الظّاهرةَ بشكلٍ مُختزلٍ ومُوجز".(1)

في المَقطعِ الأوّلِ تقولُ: "وَعِرَةٌ فُصولُ وَقْتِيَ الأَرْعَنَ.. يَمْلؤُها خَواءٌ/ يَ تَ سَ ا كَ بُ/ يَتعَفَّرُ بِغُموضِ حَوّاء/ وفي تَعاريجِ التّيه بِكِ.. أَحْمِلُني ظِلالًا شَارِدَةً/ تَتشاسَعُ/ أُطارِدُ مَسافاتِكِ المُتَسافِكَةِ.. في انْعِطافاتِ عَطْفِكِ/ وَعَلى إيقاعِ جِهاتِكِ/ مُتَماهِيًا بِي.. يُشاكِسُني حَريرُ خَريرِكِ!"

"إِلَيْكِ أَتوبُ غَمامًا": كنايةً عن ضبابيّةِ الوطنِ ومصيرِهِ، ومُراوحتِهِ بينَ التّيه والضّياع وبينَ بصيصِ أمل.

"وَعِرَةٌ فُصولُ وَقْتِيَ الأَرْعَنَ.. يَمْلؤُها خَواءٌ": كنايةً عن روح الشّاعرة وسِني عمرِها الضّائعةِ بضياعِ الوطن، وتُركّزُ الشّاعرةُ على الزّمانِ المُتمثّلِ في الفصولِ والوقتِ، كما أنّها تُركّزُ على المكانِ وهو الرّوحُ والوطن، وتتوالى الانزياحاتُ بمختلفِ صُنوفِها، فقد أَسندتِ الشّاعرةُ وقتَها للفصولِ، والفصولُ وعرةٌ كما الجبالِ، والوقتُ أرعنُ مجنونٌ كجنونِ المجانين. 

هي صورٌ فنّيّة و"الصّورة الشّعريّة كيان فنّيّ نابض بالحياة الإنسانيّة". (2) 

"يَ تَ سَ ا كَ بُ":

وهنا تلجأُ الشّاعرةُ لتقطيع حروفِ الكلمة، لخلقِ نمطٍ إيقاعيّ عذبٍ يَسري في جسدِ النّصّ، وهي تخرجُ عن رتابةِ الشّعرِ العموديّ، فحروفُ الشّاعرةِ مُتقطّعةٌ، كما أنّ الآمالَ في الوطنِ تائهةٌ، وهنا مَكمَنُ مُعطياتِ الحزنِ وانفعالاتِهِ الّتي تتساكبُ كانسكابِ وسقوطِ حبّاتِ المطر، و"أمّا النّسق الموسيقيّ فيُؤكّد القائلون بجوهريّتِهِ: أنّ أهمّيّةَ الحداثةِ الشّعريّةِ تَكمُنُ في خروجِها على نظامِ البيتِ الشّعريّ الكلاسيكيّ القائمِ على تفعيلاتٍ مُحدّدةٍ سلفًا. هذا البيتُ الّذي يُشكّلُ أساسَ القصيدةِ العربيّةِ موسيقيًّا، والّذي يُحيلُ على نمطيّةٍ عَروضيّةٍ، لم تَعُدْ تتلاءمُ والذّوق المعاصر مِن جهة، ولم تعُدْ تتلاءمُ وطبيعة الانفعال الشّعريّ مِن جهةٍ ثانية، بحيث يَصحُّ التّوكيد، بحسب هذا النّسق، أنّ الخروجَ على ذلك النّظام، هو في ذاتِهِ، دخولٌ في الحُرّيّة الّتي تُميّزُ التّجربةَ الشّعريّة، ومِن دونِهِ لن يتمكّنَ الشّاعرُ العربيُّ مِنَ التّعبيرِ عن تجربتِهِ بالشّكلِ الأمثلِ". (3)

"يَتعَفَّرُ بِغُموضِ حَوّاء": كنايةً عن الغموضِ الّذي يلفُّ الوطنَ، ويعصفُ بالمواطنِ في الضّياع والتّيه.

"وفي تَعاريجِ التّيه بِكِ.. أَحْمِلُني ظِلالًا شَارِدَةً": تزخرُ كلماتُ النّصِّ بالفقدِ والضّياع والتّيه وغموضِ المستقبل، في نحو: تعاريج، التّيه، شاردة، وفي السّطر السّابق: يتعفّر، غموض.. الخ.

"تَتشاسَعُ": يتكرّرُ صوتُ الصّامت التّاء، والتّكرارُ يولدُ إيقاعًا في النّصّ، كما أنّهُ يُصوّر التّجربة الشّعوريّة الّتي تسيطرُ على الشّاعرة، والصّيغةُ هنا تدلُّ على التّدرّجِ والزّيادةِ في التّيه والضّياع، ويُضفي صوتُ التّاء خصائصَهُ الصّوتيّةَ على النّصّ، فهو مهموسٌ يُلائمُ الإطارَ النّفسيَّ للشّاعرةِ في موضوعِ الوطن، وهو رقيقٌ يُناسبُ رقّةَ أماني الشّاعرةِ وحُلمِها، مُفعمةٌ بكلّ معاني الحبّ والإخلاصِ له، ولعلّ تكرارَ حرفِ التّاء قد أضفى على السّطر جِرسًا موسيقيًّا، وحقّقَ إيقاعًا وتلوينًا صوتيًّا خاصًّا.

ليس هذا فحسب، بل إنّ التّاء الانفجاريّةَ الشّديدةَ تُلائمُ حالةَ الضّياع، فهي تُلائمُ بصوْتِها وتكرارِها الهادر ما يعتور النّفس من معاني الغضب والشّدّة، كما لاءمتْ همساتُ العشق للوطن، وتُضفي جوًّا من الإيقاعاتِ الصّوتيّةِ الملائمةِ للنّفس البشريّةِ الهائجة، وتُناسبُ العنفوانَ والكبرياءَ الّتي تحسّ بها. لهذا؛ فإنّ صوتَ التّاء يُلائمُ معظمَ الموضوعاتِ الشّعريّةِ الّتي تَناوَلَها شعراءُ العربيّة، وتُناسبُ النّفسَ البشريّةَ في هدوئِها وتمرُّدِها.

يقول كولردج: "إنّ مصدرَ الوزنِ في الشّعرِ حالةٌ مِنَ التّوازن، تَنتجُ مِنَ انطلاقِ الانفعالِ وجُهدِ الشّاعرِ جهدًا تلقائيًّا للسّيطرةِ على الانفعال. وهي حالةٌ تُديمُ الصّراعَ الّذي يُولّدُها، وتُحيلُ الوزنَ إلى عاملِ نُموٍّ عضويٍّ يتّحدُ بلغةِ الانفعالِ الطّبيعيّة، وهي لغةُ التّعبيرِ بالصّور"(4). 

"أُطارِدُ مَسافاتِكِ المُتَسافِكَةِ .. في انْعِطافاتِ عَطْفِكِ/ وَعَلى إيقاعِ جِهاتِكِ/ مُتَماهِيًا بِي .. يُشاكِسُني حَريرُ خَريرِكِ!": كنايةً في كلٍّ عن التّيهِ والضّياعِ والألفاظِ دالّة على المعنى في مثل: أطارد، مسافات، متسافكة، انعطافات، جهات، يشاكس، ونلحظُ معانقةَ الزّمانِ للمكانِ في هذه السّطورِ، وتَبرزُ الحركةُ والصّوت وما يعتري النّفس والرّوح من أحاسيسٍ وقلقٍ..، ولقد تكرّرَ صوتُ الكاف في هذه السّطور خمسَ مرّات، وتكرار الحرف "يُحدثُ نغمةً موسيقيّةً لافتةً للنّظر، لكنَّ وقْعَها في النّفس.. وعلى الرّغم من ذلك، فإنّ تكرارَ الصّوتِ يُسهمُ في تهيئةِ السّامع، للدّخولِ في كُنْهِ ولُبِّ الكلمةِ الشّعريّة.

"وتكرارُ صوتُ الكاف في المقطع الشّعريّ- يُحدثُ إيقاعًا نغميًّا ( تناغميًّا)، موقِظًا للدّلالةِ، وباعثًا لحراكِها الجماليّ، بوصْفِهِ مركز ثِقل الصّورِ الشّعريّة، ومحرّك حركتها وجذرها الّذي ترتكز عليه، فالشّاعرةُ إذًا؛ وَجدَتْ في هذا التّكرارِ صورةً من صورِ التّلاحمِ والتّضافرِ الفنّيّ في هذه القصيدة، ليُدلّلَ على إحساسِهِ الغزليّ الشّفيف، وصُورِهِ الرّومانسيّةِ المُتلاحمةِ الّتي تتقطّرُ حساسيّةً ورؤية، وهذا التّكرار-من شأنه- أن يرفعَ وتيرةَ الإيقاع/ والموسيقى الصّوتيّة، إثرَ تتابُعِ التّكرارِ تتابُعًا فنّيًّا موحِيًا؛ وقد عمدَ الشّعراء إلى هذا الأسلوب، ليُمتّنوا أواصرَ القصيدة، وليُحقّقوا تناغُمَها وتَلاحُمَها الفنّيّ. (5)

هذا التّكرارُ مِن أبرزِ مَهامِّهِ ووظائفِهِ الفنّيّةِ أنّه "يُحقّقُ في النّصّ الشّعريِّ الواحدِ دلالاتٍ مُختلفةً، تَتمثّلُ في مَقدرتِهِ على جمْعِ ما تَفرّقَ مِن المَقاطعِ الشّعريّة، انطلاقًا مِنَ المُعطياتِ الصّوتيّةِ الّتي تُكسبُ- بتكرارِها- النّصَّ الشّعريَّ بناءَهُ العامّ. وكذلك، فإنّ تكرارَ المقطعِ يُشكّلُ نقطةَ ارتكازٍ نغَميٍّ يُوقفُ جريانَ الإيقاع، بهدفِ التّركيزِ على نغمةٍ مُعيّنةٍ، مُوظّفةً أساسًا لتأديةِ الدّلالة الّتي تَفرضُها التّجربةُ الشّعريّة، والمُهمّ في هذا التّكرارِ أن يُؤدّي وظيفةً فنّيّةً ما، تنعكسُ على القصيدةِ ودلالاتِها كافّة."(6).

أمّا تكرارُ صوتيّ الرّاء أربع مرّات، والياء صوت المدَ مرّتيْن في كلمتيْ: "حَرير" و "خَريرِكِ"، فلهُ تأثيرٌ في تحويلِ اللّفظِ إلى صورةٍ مرئيّة، ولصوتِ الرّاء تماثلٌ للصّور المرئيّةِ الّتي فيها تأرجُحٌ، فقد استخدَمَتْها الشّاعرةُ هنا، لتُناسبَ الشّعورَ النّفسيَّ للإنسانِ الخائفِ مِنَ التّيهِ والضّياعِ غالبًا، وتنقلَهُ حينًا بشعورٍ بالأمل، وما يجري مِنْ سلبٍ للوطن، فالخوفُ يُصاحبُهُ اضطرابٌ، بل رعشةٌ يمكنُ تَجسيدُها وإظهارُها واضحةً، إذا ما ذهبْنا بخيالِنا إلى تأرجُحِ الجسمِ وعدمِ استقرارِهِ، وهو ما يُوحي بهِ صوتُ الراء هنا، وما فيهِ مِن تفصيلٍ وحركةٍ وتأرجُح.

تقول في المقطع الثاني:

"دُونَكِ.. يُنادِمُني كأْسُ النُّدَمَاء/ يَلْهَثُ وَفاءُ المَواعيدِ الجَوْفاء/ يَئِنُّ بُسْتانِيَ ظامِئًا/ يَعْوي الصّمت في قَفصِ جُوعِهِ/ يَتذاءَبُ.. يَتَوَعَّدُ حُملانَ حَكاياكِ/ يَ تَ هَـ جَّ ى .. أَنّاتِ آهاتِيَ التّائِهَةِ!"

"دُونَكِ.. يُنادِمُني كأْسُ النُّدَمَاء": كنايةً عن السّعادة عدا ما يحصلُ في الوطن، وتتلاعبُ الشّاعرةُ بالألفاظِ كما في كلمتي: "يُنادمُني" و"النّدماء"، لخلقِ إيقاعٍ موسيقيٍّ عن طريقِ تكرارِ بعضِ الأصواتِ، وفي هذا المقطعِ تتكرّرُ أفعالُ المضارعة في نحو: يُنادمُني، يَلهثُ، يئِنُّ، يَعوي، يتذاءبُ، يتوعّدُ، وتكرارُها يُفيدُ الاستمراريّةَ والتّجدّدَ.. استمراريّةَ المأساةِ وتَجدُّدَها في روْعِ الشّاعرة.

"يَلْهَثُ وَفاءُ المَواعيدِ الجَوْفاء":

كنايةً عن مواعيد عرقوب لا تُنفّذ للفلسطينيّين. وفي السّطرِ انزياحاتٌ وصورٌ شعريّة، فللمواعيدِ وفاءٌ، وتَلهثُ كما الإنسانُ المُتعبُ، والمواعيدُ فارغةٌ كما الأوعية.

"يَئِنُّ بُسْتانِيَ ظامِئًا":

وفلسطين لجَمالِها كأنّها بستانٌ، والبستانُ بجَمالِهِ ونضارتِهِ كما الكائنُ الحيّ لهُ أنينٌ مِنَ الوجعِ ممّا يحصلُ، وهو عليلٌ مُتعطِّشٌ بفِعلِ الظُّلم.

"يَعْوي الصّمت في قَفصِ جُوعِهِ/ يَتذاءَبُ.. يَتَوَعَّدُ حُملانَ حَكاياكِ/ يَ تَ هَـ جَّ ى.. أَنّاتِ آهاتِيَ التّائِهَةِ!":

الصّمتُ لا ينطقُ، لكنّهُ لهوْلِ المَصابِ يَعوي ويَصيحُ، وتُصوّرُهُ الشّاعرةُ كالحيوانِ في قفصِ الصّيّادِ يُعاني شدّةَ الجوع، والصّمتُ يَذوبُ قلقًا ويَتوعَّدُ، والحكايا تتوعَّدُ حُملانَ الضّأن، وللخطايا حُملان.. صورٌ شعريّةٌ وانزياحاتٌ جماليّة، والصّمتُ يتهجّى حروفَ المآسي، وآهاتُ الشّاعرةِ تتوهُ في عتمةِ الفقدِ والضّياعِ في مَلهى وطنٍ يضيعُ. وتُدركُ الشّاعرةُ أنّ بناءَ القصيدةِ يحتاجُ إلى وعيٍ جماليٍّ في التّشكيل النّصّيّ، وهذا البناءُ الهندسيُّ يأتي دقيقًا وليس عشوائيًّا، بل يأتي ليكشفَ عن لذّةٍ معرفيّةٍ وجَماليّةٍ في التّشكيل.

"ولمّا كانتِ القصيدةُ بنيةً موسيقيّةً مُتكاملةً، كانَ مِن الطّبيعيّ أن تلتفتَ الشّاعرةُ في تَشكيلِها لهذهِ البنيةِ إلى العناصرِ الّتي تُحقّقُ الانسجامَ بينَ مُفرداتِها، فعمليّةُ التّشكيلِ الّتي تقومُ بها الشّاعرةُ في القصيدةِ عمليّةٌ مُعقّدةٌ غايةَ التعّقيد؛ لأنّها تأخذُ في الاعتبارِ الأوّلِ، أن تكونَ القصيدةُ- مَهما طالت- هي الوحدةُ الفنّيّةُ الّتي تَعملُ في داخلِها أشتاتٌ مِن المفرداتِ والدّقائق"(7).

وتشدو في المقطعِ الثّالث: "كَيفَ أَجْتَرِحُ لَحَظاتِكِ اللاّزوردِيَّةَ/ ومَلَكُوتُ صَمْتِكِ يَعْتَلي عَرْشِيَ المُجَنَّح؟/ أَمْضي إِلَيْكِ ضارِعًا/ تُرْبِكُني خُطُواتُ خَيالي.. أَقْتَفي ظِلالَ الفَرَح إِلَيْكِ/ أَتَوَكَّأُ عَلى.. أَنْفاسِ حُروفِيَ العَرْجاء/ أَيْنَكِ تُرَمِّمينَ قِبَبَ عَتَماتي؟/ أَيْنَكِ تُغَبِّطينَ مُهْرَ حَرْفِيَ المَوْلودَ بِكِ؟"

"كَيفَ أَجْتَرِحُ لَحَظاتِكِ اللاّزوردِيَّةَ": فاللّحظاتُ لها مشاعرُ تُجْترحُ، ولها لونٌ لازورديٌّ جميلٌ كلونِ السّماء الصّافية.

"ومَلَكُوتُ صَمْتِكِ يَعْتَلي عَرْشِيَ المُجَنَّح؟!": وللصّمتِ ملكوتٌ صامتٌ يُعتلى، وللشّاعرةِ عرشٌ مُجنَّح.

"أَمْضي إِلَيْك ضارِعًا": وتتضرَّعُ الشّاعرةُ لخالقِها، بأنْ يُزيلَ عنها لجّةَ الضّياعِ والتّيهِ، وأن يعودَ الوطنُ لسابقِ عهدِهِ وازدهارِهِ وحُرّيّتِه.

"تُرْبِكُني خُطُواتُ خَيالي.. أَقْتَفي ظِلالَ الفَرَح إِلَيْكِ":

والخيالُ يمشي ويَسيرُ ويَخطو، وللفرحِ ظلالٌ كظلالِ الأشجار. والسّطرُ كنايةً عن تَطلُّعِ الشّاعرةِ بالأمل.

"أَتَوَكَّأُ عَلى.. أَنْفاسِ حُروفِيَ العَرْجاء": وقد ذكرتِ الشّاعرةُ الحروفَ وهي الجزءُ، وأرادتْ بهِ الكلامَ وهو الكلّ، مَجاز مرسل علاقته الجزئيّة، وتتوالى الصّورُ الفنّيّة والانزياحات، فللحروفِ أنفاسٌ يُتكأُ عليها كما العكّاز، وللحروفِ أرجلٌ لكنّها عرجاء.

"أَيْنَكِ تُرَمِّمينَ قِبَبَ عَتَماتي؟/ أَيْنَكِ تُغَبِّطينَ مُهْرَ حَرْفِيَ المَوْلودَ بِكِ؟":

وقد أسندتِ الشّاعرةُ كافَ المخاطبةِ لاسم الاستفهام أين، وللعتماتِ قببٌ كما المساجدُ والمَزارات، وكأنّي بالشّاعرة تُخاطبُ نفسَها، أو أنّها تتخيّلُ شخصيّةً أخرى كعادة الشّعراءِ القدامى، تبثُّها وجعَها وأحلامَها وأمانيها، وتتكرّرُ لفظةُ "أينكِ" وكأنّها تريدُ أن تقول: أينَ أنتِ لتُرمّمي ضياعَ فكري، لأسوغَ بأفكاري أشعارًا في بكاءِ الوطن؟

في هذه السّطور خاصّةً والنّصّ عامّةً، نجد أنّ الصّورةَ الفنّيّةَ تبرزُ بقيمتِها الجَماليّةِ وحُسنِ الاختيار، وبلاغةِ المعنى الشّعريّ والتّصويرِ والتّجسيدِ، وهذا يَدلّنا على "أنّ أيّ عدَمِ توازنٍ أو خللٍ بينَ العناصرِ اللّغويّةِ والتّصويريّة والإيقاعيّة، سيُخفّفُ مِن شعريّةِ الخطابِ وتَفرُّدِهِ، إذ إنّ شعريّتَهُ تنبعُ مِن تَعانُقِ التّراكيبِ المميّزةِ معَ العناصرِ الأخرى؛ والمبدعُ الحاذقُ هو الّذي يُسخّرُ إمكانيّاتِ اللّغة ويتلاعبُ بتراكيبِها، ممّا يمنحُ نصَّهُ خصوصيّةً شعريّةً، تجعلُهُ يتميّزُ عن غيرِهِ مِن النّصوص". (8).

في المقطع الرابع:

"مِنْ خَلْفِ حِجابِ السَّمَواتِ/ نَجْمِي السَّاهي يَتَلَصَّصُ.. يُنَجِّمُ مَناجِمَكِ الجاثِمَةَ بِكُهوفي/ يُعَرّي بِزُمُرُّدِ لَحْظِهِ.. ياقوتَكِ الجاثِيَ في ثُرَيّا الفُؤادِ/ مَن ذا الأَباحَكِ بي؟/ يا خَميرَةَ زَمانِيَ الآثِم/ تَعْجِنينَ دَقيقَ حاضِري بِماءِ الماضي/ تُسَوِّينَ بَشَوْبَكِ صَفائِكِ أَقْراصَ قُرْباني/ تُخَمِّرينَ خُبزَ خَيالاتي بِمَتاهاتِ طُهْرِكِ/ وَفي خِلوَةِ سُهْدِي.. أَتْلوني قَصائدَ وَداعَةٍ/ عَلى عَتَباتِ مَراياكِ!"

"مِنْ خَلْفِ حِجابِ السَّمَواتِ/ نَجْمِي السَّاهي يَتَلَصَّصُ.. يُنَجِّمُ مَناجِمَكِ الجاثِمَةَ بِكُهوفي": كنايةً في كلٍّ عن تَرقُّبِ الشّاعرةِ بانزياحِ الغمّةِ والهموم عن الوطن الذّبيح.. وتُتابعُ اللّغةَ الشّعريّةَ المتمثّلةَ بمختلفِ الانزياحاتِ والصّور الفنّيّة، فللسّمواتِ حُجُبٌ، والنّجمُ يَسهو ويَتلصّصُ كما الإنسان، وللشّاعرة كهوفٌ، وتتلاعبُ الشّاعرةُ بتكرارِ الحروفِ في كلمتيْ "يَنْجُم" و"مَناجم" لتوليدِ إيقاعٍ موسيقيّ.

"يُعَرّي بِزُمُرُّدِ لَحْظِهِ.. ياقوتَكِ الجاثِيَ في ثُرَيّا الفُؤادِ":

وفي السّطرين انزياح في التّقديم والتّأخير، فالأصل: "يُعَرّي ياقوتكِ الجاثِيَ في ثُرَيّا الفُؤادِ بِزُمُرُّدِ لَحْظِهِ.. ": فقد قدَّمتِ الشّاعرةُ ما حقّهُ التّأخير، وهو شبه الجملة "بزمرّد لحظه" على "ياقوتُك"، والسّطرُ كنايةً عن بعضِ الأملِ الّذي يَحلمُ بهِ الفلسطيني.

"مَن ذا الأَباحَكِ بي؟/ يا خَميرَةَ زَمانِيَ الآثِم": وتنتقلُ الشّاعرةُ في هذيْنِ السّطريْنِ إلى الأسلوبِ الإنشائيّ، فالاستفهامُ يُفيدُ التّعجّب، وفي السّطرِ الأوّل هنا انزياحٌ بالحذفِ، يُفيدُ إثارةَ المُتلقّي وتوليدَ الدّهشةِ في نفسِه "من ذا الأباحكِ"، والتّقدير "مَن ذا الّذي أباحَكِ"، وللخميرةِ زمانٌ آثِم.

"تَعْجِنينَ دَقيقَ حاضِري بِماءِ الماضي": وفي هذا السّطرِ تتشابكُ الأفعالُ معَ كلّ الأزمنةِ؛ ماضيًا وحاضرًا ومُستقبلًا.

"تُسَوِّينَ بَشَوْبَكِ صَفائِكِ أَقْراصَ قُرْباني/ تُخَمِّرينَ خُبزَ خَيالاتي بِمَتاهاتِ طُهْرِكِ/ وَفي خِلوَةِ سُهْدِي.. أَتْلوني قَصائدَ وَداعَةٍ/ عَلى عَتَباتِ  مَراياكِ!":

فالشّاعرةُ كأنّها تبثّ لوعتَها وضياعَها وتيهَها لصديقةٍ تُخاطبُها، وتَشكوها حالةَ الضّياعِ والتّيهِ والغموضِ الّذي لفَّ أشرعةَ الوطن، كما أنّه يُحيطُ بفؤادِها، فكأنَّ الوطنَ دقيقٌ يُعجَنُ ويُخمَّرُ ويُخبَزُ ويُؤكَلُ فيتبخر.. وفي هذا المقطعِ تَتكرّرُ أفعالُ المضارعة الّتي تفيدُ استمرارَ المأساةِ وتصويرِها، مأساة الشّاعرة والوطن، ومِن الأفعال المضارعة في هذا المقطع: يَتَلَصَّصُ، يُنَجِّمُ، يُعَرّي، تَعْجِنينَ، تُسَوِّينَ، تُخَمِّرينَ، أَتْلوني...

تتابع الشّاعرة شدوها في المقطع الخامس: "دُورِيُّ أَنا مُثْقَلٌ بِفَضائِكِ!/ أَسْرابُ أَنفاسِكِ تُلاغِفُ أَرْياشي/ تَغْمِسُ شَمْعَ جَناحَيَّ بضَوْءِ شِعْرِكِ النَّدِيِّ/ وتُعَشِّشينَ فِراخَ جَمْرٍ بِفُسَيْفِساءِ أُوَيْقاتي/ أَيا ريشَةَ شعريّ الأَخَفَّ مِنْ ريشِ الهَباءِ!/ مَا جَدْوايَ مِنْ أَرْياشِ الذّهب/ وَحُجُبُ سَديمِكِ بَتَرَتْ مِنْقارِيَ/ والقَلبُ كَسيرٌ.. أَسيرُ أَثيرِكِ؟"  

"دُورِيُّ أَنا مُثْقَلٌ بِفَضائِكِ!": كنايةً عن التصاق الشّاعرة بالوطن، كما طائر الدّويري لا يغدرُ مسكنَهُ الّذي ألِفَهُ. وضميرُ الفصلِ "أنا" جاءَ لتأكيدِ المعنى. وفي عبارة "مُثْقَلٌ بِفَضائِكِ! " انزياحٌ إضافيّ.

"أَسْرابُ أَنفاسِكِ تُلاغِفُ أَرْياشي": وفي السّطرِ انزياحاتٌ إضافيّة متعدّدة، فقد أسندتِ الشّاعرةُ اللّغفَ وهي بمعنى اللّعق والتّقبيل للأنفاس، وجعلتِ الرّيشَ يٌقبِّلُ كما المحبوب، وللأنفاسِ أسرابٌ كما للطّيور.

"تَغْمِسُ شَمْعَ جَناحَيَّ بضَوْءِ شِعْرِكِ النَّدِيِّ": صورٌ فنّيّةٌ مُتتابعةٌ، فللجَناحيْن شمعٌ يَغمسُ، وللشّعرِ ضوءٌ مُتوهّجٌ..

"وتُعَشِّشينَ فِراخَ جَمْرٍ بِفُسَيْفِساءِ أُوَيْقاتي": ويتكرّرُ صوتُ الشّين ثلاثَ مرّاتٍ في كلمةِ "وتُعَشِّشينَ"، كما يتكرّرُ صوتُ السّين في كلمة "بِفُسَيْفِساءِ" مرّتيْن، وصوتُ  الصّامت الواو مرّتيْن في كلمتيْ "أوقاتي" و"أُوَيْقاتي"، وصوتُ التّاء يتكرّرُ في السّطر ثلاثَ مرّاتٍ، كلّ ذلك؛ لتوليدِ إيقاعٍ عذبٍ في خلايا النّصّ، إضافةً للصّورِ الشّعريّة؛ فللجمرِ فراخٌ تُعشّعشُ كما الطّيور، وللفسيفساءِ أويقاتٌ وأوقات...

"أَيا ريشَةَ شعري الأَخَفَّ مِنْ ريشِ الهَباءِ!": وتنتقلُ الشّاعرةُ لأسلوبِ الإنشاءِ، والنّداء يُفيدُ التّحبّب، وتتعاقبُ الصّورُ الشّعريّةُ وتتوالى الانزياحاتُ، فللشّعرِ ريشةٌ كما الطائر، وللهباءِ ريش.

"مَا جَدْوايَ مِنْ أَرْياشِ الذّهب": الاستفهام يفيد النّفي، فأرياش الذّهب لا تفيدُ الشّاعرةَ شيئًا في تيهِها وضياعِها، وفي جوّ الغموضِ الّذي يلفُّ مستقبلَ وحاضرَ الوطن.

"وَحُجُبُ سَديمِكِ بَتَرَتْ مِنْقارِيَ": تزخرُ الألفاظُ الّتي استمدّتْها الشّاعرةُ مِن مُعجمٍ يوحي بالضّعف والانكسار في هذا المقطع، في نحو: ريش وأرياش، ومنقار وتعشيش، وفراخ وجناح، وأسراب وبترت، وفي السّطورِ التّالية ألفاظ: أسير وكسير وبترت، وعبارة مقصوص الجناح، وكفيفة وعتمةوغيرها، وكلّها تدلُّ على الضّعف، ضعف الطائر المرهون أمره للصّيّاد، فالطائرُ هنا يرمزُ لوداعةِ وضعف الفلسطينيّ وجَمالِ روحه، وتطلُّعِهِ للحُرّيّة والانعتاق.. والسّطرُ هنا كنايةً عن واقع الفلسطينيّ المُرّ.

"والقَلبُ كَسيرٌ.. أَسيرُ أَثيرِكِ؟":

 كنايةً عن واقعِ الفلسطينيّ المُرّ وضعفِهِ وهَوانِه.

في المقطع السّادس: "كَيْفَ أُحَلِّقُ بِقَلْبِيَ مَقْصوصَ الجَناحِ/ إِلى أَسْدافِ قُدْسِكِ؟/ كَيْفَ وَعُيونُ حَرْفِيَ المُقَنَّعِ كَفيفةٌ/ تَتَوارى في عَتْمَةِ دُواتِكِ؟"

"كَيْفَ أُحَلِّقُ بِقَلْبِيَ مَقْصوصَ الجَناحِ":

تستهلُّ الشّاعرةُ نصَّها بالأسلوبِ الإنشائيّ، والاستفهامُ يفيدُ التّعجّب، فهي تتعجّبُ مِن أن يُحالفَها الأملُ، في ظلِّ واقعٍ كسيفٍ جاءَ لصالحِ المُحتلّ، وعبارةُ "مَقْصوصَ الجَناحِ": كنايةً عن الهوانِ الّذي لحقَ بفلسطين وبقلب الشّاعرة، وما رافقَهُ مِن تيهٍ وضياعٍ وحيرةٍ وقلق.

"إِلى أَسْدافِ قُدْسِكِ؟":

كنايةً عن الظُّلم والظُّلمة اللّذيْن حاقا بمدينة القدس، وعن تَوالي نكباتها وما يُفرَضُ عليها من صفقةِ القرن.

"كَيْفَ وَعُيونُ حَرْفِيَ المُقَنَّعِ كَفيفةٌ":

والاستفهام يفيد التّعجّب، فالشّاعرة تتعجّبُ مِن وصول الفرح لقلبها؛ فأسبابُ الفرح مَعدومة، وفي السّطر مَجازٌ مُرسل علاقته الجزئيّة، ذكرت الشّاعرة الجزء وهو الحَرف، وأرادتْ به الشّعر والكلام "الكلّ". فللحرفِ عيونٌ ويُقنَّع ويُصيبُه العمى.. صورٌ شعريّة وانزياحاتٌ تُثيرُ خَلَد المُتلقّي.

"تَتَوارى في عَتْمَةِ دُواتِكِ؟": كنايةً عن الظُّلمة والضّياع الّذي يحيط بقلب الشّاعرة.

وتنشد في المقطع السابع:

"أَيا إِلهامِيَ الأَضْيَعَ مِنْ سِراجٍ في شَمْسٍ!/ أَقْفاصُ صَدْري مَجْبولَةٌ بِطينِ اليَبابِ/ كُلَّما لَمْلَمْتِ أَكْوامَ رَحيلِكِ الكافِرِ.. تَرْتَجِفُ عَصافيرُ القَلْبِ/ تُوقِدينَ بي جَذْوَةَ اللَّهَبِ/ فَاُحْطِبي في حَبْلي وَأَعِينيني.. ولاَ تَحْطِبي عَليَّ وتُهْلِكيني/ علَّ تَعْويذَتَكِ تَحُلُّ رِبْقَتي/ ولا تُسْبِلي غُرَّةَ الفَقْدِ.. عَلى جَبيني!"

"أَيا إِلهامِيَ الأَضْيَعَ مِنْ سِراجٍ في شَمْسٍ!": وتستمرّ الشّاعرةُ في توظيفِها للأسلوب الإنشائيّ، والنّداءُ يفيدُ الحزنَ، والسّطر كنايةً عن تمادي التّيهِ والضّياع اللّذيْن يغزوان قلبَ الشّاعرة.

"أَقْفاصُ صَدْري مَجْبولَةٌ بِطينِ اليَبابِ": فلليباب والخراب طينٌ، ولقلب الشّاعرة أقفاصٌ تُجبَلُ بطين الخرابِ والضّياع والفقد والحيرةِ والقلق.

"كُلَّما لَمْلَمْتِ أَكْوامَ رَحيلِكِ الكافِرِ.. تَرْتَجِفُ عَصافيرُ القَلْبِ/ تُوقِدينَ بي جَذْوَةَ اللَّهَبِ/ فَاُحْطِبي في حَبْلي وَأَعِينيني.. ولاَ تَحْطِبي عَليَّ وتُهْلِكيني/ علَّ تَعْويذَتَكِ تَحُلُّ رِبْقَتي/ ولا تُسْبِلي غُرَّةَ الفَقْدِ.. عَلى جَبيني!":

"كلما" ظرف يفيد التّكرار وغالبًا ما يكون جوابها فعل ماض، والسّطر كنايةً عن تمسك الشّاعرة بالوطن، وكنايةً عما تشعر فيه بالغربة والضّياع، وقد اختارت الشّاعرة ألفاظها من معجم يوحي بالضّياع في هذا المقطع: لَمْلَمْتِ، أَكْوامَ، رَحيلِكِ، الكافِرِ، اليباب، تَرْتَجِفُ، تُوقِدينَ، جَذْوَةَ، اللَّهَبِ، فَاُحْطِبي، أَعِينيني، لاَ تَحْطِبي، عَليّ،َ تُهْلِكيني، تعويذة، الفقد..

"تُوقِدينَ بي جَذْوَةَ اللَّهَبِ":

كنايةً عمّا يختلجُ قلبَ الشّاعرةِ مِن حرقةٍ وألَم.

"فَاُحْطِبي في حَبْلي وَأَعِينيني.. ولاَ تَحْطِبي عَليَّ وتُهْلِكيني": كنايةً عن الشّدّةِ والغربةِ والضّياع، وما تشعرُ بهِ الشّاعرةُ في وطنِها، والأمرُ يُفيدُ التّضرّعَ والدّعاء.

"علَّ تَعْويذَتَكِ تَحُلُّ رِبْقَتي": انزياحٌ بالحذف، فأصْلُ "علّ" هو "لعلَّ"، والسّطرُ كنايةً عن تمنّي الشّاعرة أن تتخلّص من حالةِ الضّياع المسيطرةِ على روحِها ووجدانِها.

"ولا تُسْبِلي غُرَّةَ الفَقْدِ.. عَلى جَبيني!": كنايةً عن الرّحمةِ في المصيبةِ الّتي تعصفُ بالشّاعرة، فللفقدِ غرّةٌ كما للإنسان، وقد ذكرت الشّاعرة "غرّة الجبين"، وهي الجزء وأرادتْ بها نفسها، مجاز مرسل علاقته الجزئيّة.

"إنّ البلاغةَ الجديدةَ بلاغةُ "الصّورة الشّعريّة"، تُعَدُّ أوسعَ نطاقًا وأخصبَ مِن مُجرّدِ التّشبيهِ أو الاستعارة، وإن أفادتْ منها"(9)

تستمر الشّاعرة في نصّها في المقطع الثامن: "كَمْ هِيَ وارِفَةٌ فُصولُ وقْتِيَ العاري/ حِينَما تَفِرُّ الحُدودُ التَتَشابَحُ/ وَتَنْسَلِّينَ مِنْ ظِلالِ الظُّلماتِ النَّاعِسَةِ/ بُشْرَى مَسَرَّةٍ/ حينَما تَتَقافَزُ أَيائِلُ روحِكِ/ تَسْرَحُ قُطعانُ آمالي في واحةِ بَوْحِي/ لأَتَواثَبَ فوْقَ خَرائِطِ الدّهشة!"

"كَمْ هِيَ وارِفَةٌ فُصولُ وقْتِيَ العاري/ حِينَما تَفِرُّ الحُدودُ التَتَشابَحُ": و"كم" هنا للتكثير، والسّطران كنايةً عن عبءِ الحالةِ النّفسيّةِ المُتردّيةِ للشّاعرة، بسببِ ما يَمرُّ به الوطنُ مِن مِحَن، وتتزاحمُ  الصّورُ الشّعريّة، فللوقتِ فصولٌ تمتدُّ وتطولُ، وأوقاتُ الشّاعرةِ تتعرّى كما يتعرَّى الإنسان، وهنا انزياحٌ بالحذف في كلمةِ "الْتَتَشَابَحُ"، والتّقدير "الّتي تتشابح"، والحدودُ تفرُّ كما يفرّ الطّريد، وهنا ذكرت الشّاعرة "الحدود" وأرادتْ مَن يعيشُ فيها، مَجاز مرسل علاقته المكانيّة.

"وَتَنْسَلِّينَ مِنْ ظِلالِ الظُّلماتِ النَّاعِسَةِ": وتستمرُّ الشّاعرةُ في بوْحِها لصديقةٍ ترتاحُ لها، قائلة لها بأنّها تنسلّ مِن ظلماتِ المِحنِ والتّيه، والغموض الّذي يُخيِّمُ على الوطن أو روح الشّاعرة، وللظلمات ظلالٌ  كما الأشجار، والظّلالُ يَجتاحُها النّعاسُ كما يجتاحُ البشر.

"بُشْرَى مَسَرَّةٍ/ حينَما تَتَقافَزُ أَيائِلُ روحِكِ": وهنا انزياح بالحذف، المتمثّل في حذف جواب الشّرط، والتّقدير: "بُشْرَى مَسَرَّةٍ"/: "حينَما تَتَقافَزُ أَيائِلُ روحِكِ بُشْرَى مَسَرَّةٍ " فللروح أيائل كما للغابات..

وفي عبارة "أيائل روحي": كنايةً عن جمالِ روحِ الشّاعرة، رغمَ ما يعصفُ بها مِن ضبابيّةٍ ومِن مِحَن.

"تَسْرَحُ قُطعانُ آمالي في واحةِ بَوْحِي/ لأَتَواثَبَ فوْقَ خَرائِطِ الدّهشة!":

كنايةً في كلٍ عن الأملِ الّذي تشعرُ بهِ الشّاعرة أحيانًا، عندما تُحسُّ ببارقِ أملٍ في حدوثِ التّحرُّرِ والانعتاق. وفي السّطريْن تتوالى الانزياحاتُ والصّورُ الفنّيّة: فللأمالِ قطعانٌ كقطيعِ الأغنام تسرحُ وتَمرَحُ، وللشّاعرةِ واحةٌ، والواحةُ تبوحُ وتتكلّمُ كما الإنسان، وللدّهشةِ خرائط. "فالشّعراءُ المميّزونَ هُم الّذين ينسجونَ الصّورَ الجديدةَ مِن  المعاني المُجدَّدة؛ إمَّا بإعادة صياغة التَّراكيب- مَهما كانت درجتُها مِن حيث الاعتياديّة أو الرّداءة- عبر تكوين علاقاتٍ غيرِ مألوفة سلفًا، حيث إنَّ مُهمّةَ الشّاعر أن يُحسنَ صياغتَها، ويُخرجَها في صورةٍ جميلة". (10)

وتستمر الشّاعرة في نصّها في المقطع الثامن: "مَيَّاسةٌ عَرائسُ فَرحِي بِكِ/ حينَما غُصونُ حَرْفي.. تَميدُ بِكِ/ حِينَما تَتَبَخْتَرُ بِغَنَجِها.. تَتَمَايَلُ بِدَلالِكِ/ تَتَوارَفينَ عُرى لِقاءٍ/ حِينَما تَلُفِّينَ بِاخْضِرارِ زَفيرِكِ شِغافَ شَهِيقي/ تَشْرَئِبُّ أَعْناقُ العِناقِ مُزاحِمَةً/ وَ أَ تَ فَ تَّ تُ.. عَلى أَعْتابِ أَنْفاسِكِ".

"مَيَّاسةٌ عَرائسُ فَرحِي بِكِ":

كنايةً عن فرح الشّاعرة بوطنِها حينما تتغنّى به، والصّورُ الشّعريّة تتوالى، فلفرح الشّاعرةِ عرائسُ تميسُ وتتمايلُ طربًا، وفي القصيدة عامّةً وفي هذا المقطع خاصّة، تتعاقبُ الصّورُ الشّعريّة "إنّ الشّعرَ العذبَ الّذي يُشنَّفُ الأسماعَ، ويُسكرُ الألبابَ ويأخذ بمجامع القلوب، هو الشّعر الّذي يَموجُ موجًا بالصّور الشّعريّةِ الحافلةِ الّتي تشكّلُ نواةَ القصيدة، فالشّاعرُ المُتصرّفُ في فنونِ الشّعر، والّذي يتّسمُ شِعرُهُ بدقّةِ المعاني ولطافةِ التّخيّل وملاحةِ الدّيباجة، هو الشّاعر الّذي يدمغ شعرَهُ المهفهفَ في دخائل كلّ نفس، ويُوطّدُ دعائمَ أبياتِهِ المُطهّمةِ العتاق في مَدارجِ كلّ حِسّ، والأشعارُ الّتي تفتقدُ لهذه الصّورِ البديعة، يَتخطّفُها الموتُ ويكتنفُها الظلام، ولا يترنّمُ بها النّاسُ في دروبِ الحياةِ ومُتعرّجاتِها. لأجل ذلك أضحت الصّورةُ الشّعريّة هي جوهرُ الشّعر وأساسُ الحُكم عليه، ولقد اهتمَّ النّقّادُ بجانب التّصويرِ منذ قديم الأزل، وقدّموا جهودَهم في هذا الصّدد، وإن اقتصرتْ جهودُهم على حدودِ الصّور البلاغيّةِ كالتّشبيهِ والمَجاز، ولم تتعدّاها لتشملَ الصّورَ الذّهنيّة والنّفسيّة، والرّمزيّة والبلاغية الّتي تتبلورُ وتتناغمُ في وجدان الشّاعر. ولعلّ الحقيقةَ الّتي يجبُ عليّ بسْطُها هنا، أنّ الصّورَ الّتي يُعدُّها أصحابُ الحسِّ المُرهفِ أغلى مِن أقبيةِ الدّيباج المخوص بالذّهب، ليست قاصرةً على الشّعر، بل نجدُها منثورةً في حوايا النثر، والتفاتات أذهان كُتّابه. (11)

"حينَما غُصونُ حَرْفي .. تَميدُ بِكِ":

وفي السّطر انزياحٌ بالحذف، وهنا يظهرُ حرفُ الشّرط "حينما"، وفِعله "غُصونُ حَرْفي .. تَميدُ بِكِ"، ولجأتْ لحذفِ جواب الشّرط، والتّقديرُ "حينَما غُصونُ حَرْفي .. تَميدُ بِكِ مَيَّاسةٌ عَرائسُ فَرحِي بِكِ".

"حِينَما تَتَبَخْتَرُ بِغَنَجِها.. تَتَمَايَلُ بِدَلالِكِ":

وتتكرّرُ "حينما" وهي اسمُ شرطٍ غير جازم بمعنى عندما، فغصونُ حروفِ الشّاعرة تتبخترُ في مِشيتِها، ولها غنجٌ كما العروس الّتي تتباهى في مِشيتِها ودلالِها. إنّها صورٌ فنّيّة حسّيّةٌ تتوالى..

"تَتَوارَفينَ عُرى لِقاءٍ": كنايةً عن انصهارِ القلمِ في التّعبير، وعن توَحُّدِهِ في الوطن وذوبانِهِ فيه. وفي عبارة "عرى لقاء" انزياحٌ إضافيّ يُولّدُ الإثارةَ في نفسِ المُتلقّي.

"حِينَما تَلُفِّينَ بِاخْضِرارِ زَفيرِكِ شِغافَ شَهِيقي": يتكرّرُ اسمُ الشّرطِ "حينما"، وتتعاقبُ الصّورُ الشّعريّةُ والانزياحاتُ: فللزّفيرِ لونٌ أخضرُ كالعشب، وللشّهيقِ شغافٌ كالقلب.

"تَشْرَئِبُّ أَعْناقُ العِناقِ مُزاحِمَةً": السّطرُ جوابُ الشّرط، وتتلاعبُ الشّاعرةُ في الألفاظِ بين كلمتيْ "أعناق" و"عناق"، لتوْليدِ إيقاعٍ جميلٍ في ثنايا النّصّ، فللعناقِ وللقاءِ أعناقٌ تتطلّعُ كأعناقِ الكائناتِ الحيّةِ وتتزاحمُ.

"وَ أَ تَ فَ تَّ تُ.. عَلى أَعْتابِ أَنْفاسِكِ": كنايةً عن شغفِ الشّاعرةِ بالكتابةِ عن الوطن وتعلّقِها به، واتّحادِ حِبرِها فيه وفي التّعبيرِ عنه. وجاءتِ الحروفُ مُتقطّعةً ليسهلَ تَغنّيها فيه. وتكرارُ حرف التّاء جاء ليفيدَ التّأرجُحَ ولتوليدِ الإيقاعِ في النّصّ.

ويتكرّرُ الفعلُ المضارعُ في هذا المقطع، ليفيدَ الاستمراريّةَ وبثّ الحياةِ في النّفس، وتكرارُ بعضِ الأصواتِ كصوت التّاء جاءَ لتوليدِ إيقاعٍ يسري في ثنايا النّصّ، في نحو: "تَميدُ، تَتَبَخْتَرُ، تَتَمَايَلُ، تَتَوارَفينَ، تَلُفِّينَ، وَ أَ تَ فَ تَّ تُ" و..

"إنّ الاختلافَ في التّعامُلِ معَ الأشياء، في شعر الحداثة، لا يُحيلُ على الاختلافِ في طبيعةِ التّحريضات الجَماليّةِ للأشياء، في الذّاتِ المُبدعةِ فحسب، بل يُحيلُ أيضًا على انتفاءِ النّمطيّةِ الواحدةِ أو المُوحّدةِ في الطّرحِ الفنّيّ. فعلى الرّغم من أنّ للحداثةِ وعيًا جماليًّا مُوحّدًا، إلّا أنّها لا تنطوي على نمطيّةٍ فنّيّةٍ واحدة، وما اشتمالُ الحداثةِ على عدّةِ تيّاراتٍ شعريّةٍ إلّا دليلًا على ذلك. صحيح أنّ هنالك نواظم مشتركة، ولكن هنالك أيضًا فوارقُ ملحوظة بين تلك التّيّارات، ولا شكّ في أنّ كلّ ذلك ينسجم ومفهوم الجمال الّذي يُشترطُ فيه التّميّز والحُرّيّة والحيويّة، بحسب الوعي الحداثيّ". (12)

وتقول في المقطع التاسع: "أَرْصِفَةُ الصُّبْحِ تَتعَرّى/ حِينَما تَخْلِبُها لَذائذُ الأَلَمِ المُؤَجَّلِ.. في فِخاخِ الانْتِظار/ وحُوريَّةُ الأَمْسِ تَسِحُّ.. مِنْ بَيْنِ أَصابعِ المُوسِيقا/ تَتَأبَّطُني مَغْمُورَةً بي.. تَطوووفُ.. دااااااائِخَةً/ تَحْمِلُ حُلُمي إلى مَعْمورَةِ هَذَياني/ هُو الغَدُ يَأْتيني بِكِ.. وَبَعْدَ الغَدِ يَأْتِيني إِلَيْكِ/ لِنَتَوَشَّحْ بِفَرْحَةٍ تَهِلُّ ميلادَ أَحِبَّةٍ!/ رُحْمَاكِ/ هَيِّئيني بِكِ لِقُدْسِ الفَرَحِ/ لأَتَقَدَّسَ بِعِطْرِ زُهْدِكِ البَرِّيِّ!/ أَدْمَعُ! و.. أَدْمَعُ! وَ.. أَدْمَعُ!/ مَن ذا يَغْتَسِلُ بِدَمْعِ قَناديلِ هَوايَ إِلاَّكِ؟!/ مَن ذا يَبْتَلُّ بِوَهْجِ لَيالِيَّ العَذْراءَ كَماكِ؟!/ هيَ ذي تَرانيمي.. إِلَيْكِ تَتوبُ غَمامًا/ إعْزِفيني بِشارَةَ حُبٍّ/ كِرازةَ لِقاءٍ/ عَلى قيثارَةِ الفَجْرِ/ عَلَّ بَشاشَةَ الغِبْطَةِ.. تُطَوِّبُ مَباسِمَ مَواسِمي!" 

وفي هذا المقطع نرى عودةَ القوّةِ والأملِ لروح الشّاعرة، بعدَ أن سيطرَتْ على كيانِها حالةُ الضّياع والتّيه، فتنظرُ الآنَ للوطنِ نظرةً مِلؤُها الأملُ بتغييرِ الحالِ نحوَ الأفضل والأجمل:

"أَرْصِفَةُ الصُّبْحِ تَتعَرّى": وللصُّبحِ أرصفةٌ كما للشّوارع مع إطلالةِ الأمل، والصُّبحُ يرمزُ للأملِ المُشرق. صورٌ شعريّة تتعاقبُ، "إنّ الصّورةَ في الشّعرِ لا تُفرضُ مِن الخارج، وليست زينةً أو حلية خارجيّة في القصيدة، بل جزءٌ مِن التّفكيرِ وطريقةِ التّعبير. ومن هنا، فالاستعارةُ أو التّشبيهُ أو الكنايةً أو غيرها من الوسائلِ البيانيّةِ والبديعيّة، ما هي إلّا طريقة للتّفكيرِ لا مجرّدَ أدواتٍ تزيينيّةٍ مُضافة للقصيدة (13).  

"حِينَما تَخْلِبُها لَذائذُ الأَلَمِ المُؤَجَّلِ.. في فِخاخِ الانْتِظار": في السّطر انزياحٌ بالحذفِ المتمثّل في حذفِ جواب الشّرط، والتّقدير: "حِينَما تَخْلِبُها لَذائذُ الأَلَمِ المُؤَجَّلِ .. في فِخاخِ الانْتِظار، أَرْصِفَةُ الصُّبْحِ تَتعَرّى.

"وحُوريَّةُ الأَمْسِ تَسِحُّ.. مِنْ بَيْنِ أَصابعِ المُوسِيقا":كنايةً عن تحلّي الشّاعرة بالأمل في المستقبل؛ مستقبل الوطن وعودتِهِ ببهائِهِ وحرّيّتِهِ. وللموسيقى أصابعُ كما للشّخص. تصويرٌ وتجسيمٌ وبثُّ الحياة في المعاني.

"تَتَأبَّطُني مَغْمُورَةً بي.. تَطوووفُ.. دااااااائِخَةً": والحورية وهي رمز للجمال تعود لبحر فلسطين بكامل بهائها، تتأبط الشّاعرة وتطوف بها هائمة بالأمل.

"تَحْمِلُ حُلُمي إلى مَعْمورَةِ هَذَياني": كنايةً عن حلم الشّاعرة بالأمل وانتهائها من حقول التّيه والضّياع.

"هُو الغَدُ يَأْتيني بِكِ .. وَبَعْدَ الغَدِ يَأْتِيني إِلَيْكِ/ لِنَتَوَشَّحْ بِفَرْحَةٍ تَهِلُّ ميلادَ أَحِبَّةٍ!/ رُحْمَاكِ/ هَيِّئيني بِكِ لِقُدْسِ الفَرَحِ/ لأَتَقَدَّسَ بِعِطْرِ زُهْدِكِ البَرِّيِّ!": كنايةً في كلٍّ عن حلمِ الشّاعرةِ بغدٍ أفضلَ للوطن.

"هُو الغَدُ يَأْتيني بِكِ": كنايةً عن المستقبل القريب المُشعّ بالأمل.

 "وَبَعْدَ الغَدِ يَأْتِيني إِلَيْكِ": كنايةً عن مستقبل الوطن البعيد، وذكرت الشّاعرة "الغد" مجاز مرسل علاقته الزّمانية، فذكرت الزّمن وأراد النّاس الّذين يعيشون فيه.

"أَدْمَعُ!.. و.. أَدْمَعُ!.. وَ.. أَدْمَعُ!":

كنايةً في كلٍّ عن الدّمعةِ المنسكبةِ مِنَ العينيْن، لتحقيق الأمل المرجوّ في رفعة الوطن ولكثرة الخير ما يستدعي البكاءَ النّاتجَ عن تحقّق الحلم، والتّكرار.. تكرار "أدمع" لتوليد إيقاع عذب في قصيدة النثر، والإيقاع "إنّما "يعني انتظام النّصّ الشّعريّ بجميع أجزائه في سياق كليّ، أو سياقات جزئيّة تلتئم في سياق كليّ جامع، يجعل منها نظامًا محسوسًا أو مدركًا، ظاهرًا أو خفيًّا، يتّصلُ بغيره من بُنى النّصّ الأساسيّة والجزئيّة، ويُعبّر عنها كما يتجلّى فيها. والانتظامُ يعني كلّ علاقات التّكرار، المزاوجة، المفارقة، التّوازي، التّداخل، والتّنسيق، والتّآلف والتّجانس، ممّا يعطي انطباعًا بسيطرة قانون خاصّ على بنية النّصّ العامّة، مُكوّنًا من إحدى تلك العلاقات أو بعضها. وعادة ما يكون عنصر التّكرار فيها هو الأكثر وضوحًا من غيره، خاصّة وأن يتّصل بتجربة الأذن المُدرّبة جيّدًا على التقاطه. وليس يعني أيٌّ من تلك العناصر الإيقاعيّة في تكويناته الجزئيّة الصّغيرة المبعثرة في النّصّ شيئًا ذا بال، إذ هو لم ينتظم في بنية إيقاعيّة أساسيّة وشاملة تجمع من مختلف أطرافه"(14). 

والسّمة الجوهريّة لشعر الحداثة "تكمن، بحسب هذا النّسق، في المستوى الموسيقيّ من النّصّ الشّعريّ. فالتّحديث الموسيقيّ قد أتاح للشّاعرة أن تتخلّص من القيود الّتي تمنعها من التّعبير عن تجربتها الشّعريّة، وعن واقعها المعاصر تعبيرًا حيًّا، ينبض بالحُرّيّة والجمال الفنّيّ"(15).

"مَن ذا يَغْتَسِلُ بِدَمْعِ قَناديلِ هَوايَ إِلاَّكِ؟!": وتعود الشّاعرة في هذا السّطر والّذي يليه، للأسلوب الإنشائيّ والاستفهام بـ "مَن" في كلّ يفيد النّفي"، فلا أحد يفرح لتحقيق الأمل المرجوّ بنصرة الوطن إلّا أهله. فلهوى الشّاعرة قناديل هوى تغسِل ..

"مَن ذا يَبْتَلُّ بِوَهْجِ لَيالِيَّ العَذْراءَ كَماكِ؟!":

كنايةً عن ألّا أحد يتغنَّى بجماليّةِ السّمرِ والسّهر بتلقائيّةٍ، في ليالي فلسطين غير أهل الوطن في فلسطين.

"هيَ ذي تَرانيمي.. إِلَيْكِ تَتوبُ غَمامًا": وآمال الشّاعرة لا تلبث أن تتبدَّد وتعود ضياعًا في زحمة الضّياع.

اِعْزِفيني بِشارَةَ حُبٍّ/ كِرازةَ لِقاءٍ": وهنا تعود الشّاعرة مخاطبة الوطن، والاستفهامُ يفيدُ التّمنّي، فتتمنّى الشّاعرة أن تتغنّى بالوطن وبانعتاقه، فتغيب عن روحها حالة الفقد والتّيه والضّياع.

"عَلى قيثارَةِ الفَجْرِ": الفجرُ رمز للحُرّيّة والأمل.

"عَلَّ بَشاشَةَ الغِبْطَةِ .. تُطَوِّبُ مَباسِمَ مَواسِمي!": وتتمنى الشّاعرة أن تعود البسمة تزين ثغرها، فتعود الحُرّيّة مخيمة عليه وتغيب عنه حالة الفقد والضّياع...وتتوالى الصّور الفنّيّة والانزياحات الّتي تثير خلد المُتلقّي:، فللحبّ بشائر تُعزَف، ولليالي عذريَّة ووهج، وللفجر قيثارة.

 

بقلم الناقد: عبد المجيد اطميزة

 

عدنان حسين احمدمن روايات "القائمة القصيرة" لجائزة "بوكر" العربية

تنتمي رواية "الوصايا" الصادرة عن "الكتب خان" للكاتب المصري عادل عصمت إلى "رواية الأجيال" أو "الرواية النهرية" بتعبير الكاتب والروائي الفرنسي رومان رولان، وثمة أمثلة كثيرة على الرواية النهرية في الأدب العربي مثل ثلاثية نجيب محفوظ، ورباعية شمران الياسري، وخماسية عبد الرحمن منيف. وهذه الرواية هي أشبه بالنهر الكبير الذي تصبُّ فيه فروع وجداول كثيرة تجعله يتدفّق بقوّة من المنبع إلى المصبّ. وعلى الرغم من أنّ "الوصايا" رواية واحدة وليست سلسة من الروايات كما هو الحال في "البحث عن الزمن الضائع" لمارسيل بروست، أو "الكوميديا الإنسانية" لبلزاك، إلاّ أنها رواية أجيال متعددة، وشخصيات وأحداث متنوعة تمتدّ من عشرينات القرن الماضي حتى الوقت الحاضر، ولعل شخصيتي الجد والحفيد تستشرفان المستقبل، وتقدّمان تعريفًا منطقيًا للحياة من خلال بحثهما المتواصل عن الحقيقة أو سعيهما للخلاص عن طريق تحمّل المشقّة، ومحاربة المتع الجسدية الزائلة، والتخلي باعتباره أعظم الفضائل.

تكتظ الرواية بالأحداث والشخصيات الرئيسة مثل الجد عبد الرحمن سليم، وحفيده الذي لا نعرف اسمه على مدار الرواية لكنّ المدقق في قراءة النص سيكتشف أنّ هذا الحفيد هو ابن عبدالله الذي ارتأى والده الشيخ عبد الرحمن أن يعمل في "الغيط" بعد أن انقطع ولداه صالح ونعيم إلى الدراسة وتحصيل العلم. لم يشأ عادل عصمت أن يخوض في السياسة أو يتورط فيها لأنها تشدّه إلى الواقع كثيرًا وتحرمه من ملَكَة الخيال. وبما أنّ الروائي خرّيج قسم الفلسفة ومُدرك للكثير من معطياتها فقد ارتأى أن يرصّع نصّه السردي بشذرات فلسفية بعضها صعب وعويص من قبيل "نحن مجرّد سديم، يتجمع ثم يتبدّد"، وبعضها الآخر سهل يسير الفهم يرسم صورة منطقية يستوعبها عقل العامة من الناس، يحضّهم على التفكير، ويساهم في إعمال أذهانهم خاصة حين يتحدث عن التاريخ ويصفه بأنه "عبارة عن ناس تُولَد وتنجُب وتتعب ثم تموت".

يحتاج النص السردي الناجح إلى شكل متفرّد يوفر للقرّاء عنصر الإقناع الفني، فالمسافة التي تفصل بين بوح الجد لحفيده وموته هي يوم واحد فقط، ففي يوم الأربعاء المصادف 20 ديسمبر 1978 استدعى الشيخ عبدالرحمن سليم حفيده وأخبره بأنه سوف يموت يوم الجمعة الموافق 22 من الشهر ذاته، وليس أمام الجد سوى يوم واحد يتيح له أن يكشف كل الأسرار التي خبأها عن الجميع على مدى سبعة عقود تقريبًا. وبما أنّ هذه المهمة مستحيلة فقد لجأ الكاتب إلى حيلة فنية تتمثل بنقل خلاصة تجاربه الحياتية الواسعة على شكل وصايا عشر تبدأ بالخلاص في المشقّة، وتنتهي بالتخلّي، وما بينهما هناك وصايا أخرى تتعلّق بالفرح، والحزن، والمحبة، والمُتع العابرة وتحمّل الألم، وما إلى ذلك.

تشكِّل الوصايا العشر الهيكل المعماري للرواية لكنها لا تشترط زمنًا خطيًّا، ولا تفترض أحداثًا تتابعية لأن الكاتب أراد أن يلّم بالكثير من الأحداث التي تأخذ أشكالاً دائرية مثل البذرة التي تموت لتصبح نبتة وغصنًا وورقة وزهرة ثم تتحول إلى ثمرة تحتوي بداخلها على بذرة جديدة، وهي أقرب إلى دورة الإنسان الذي يولد طفلاً، ثم يشبّ، وينجب، قبل أن يهرم ويموت لكنه يستمر من خلال ذرّيته وإنجازاته التي يخلّفها وراءه قبل أن يمضي إلى المجهول.

تعتبر "الوصايا" رواية ريفية بامتياز رغم أن بعض الوقائع تحدث في مدن وبلدات متعددة، وقد ترك هذا التنوع المناطقي أثره على لغة الرواية التي استعانت بالكثير من المفردات الريفية التي وجدت طريقها إلى النص السردي من دون أن تُخلّ باشتراطات اللغة الفصحى.

يمثِّل الشيخ عبدالرحمن سليم وشقيقه نعيم الجيل الأول، وقد تزوج عبد الرحمن من خديجة التي أنجبت له ستة أولاد، مات اثنان منهم وبقي أربعة على قيد الحياة وهم عبدالله وصالح ونعيم وفاطمة. وإلى جانب زوجته كان الشيخ عبدالرحمن يحب السيدة كوثر، زوجة صديقه نور الدين، لكنه لم يقترف إثمًا لأنه أيقن ببصيرته الثاقبة أن المتعة عابرة مهما طال أمدها لكنها ظلت مثل الواحة في حياته العاطفية الجدباء، ولولا وجودها الفيزيقي لارتبكت حياته تمامًا.

يحاول هذا الشيخ أن يُخضع الأسرة برمتها لمشيئته، ويروّضها على قبول أفكاره التي تنتمي لزمان غير زمانهم لكنهم يتمردون عليه، وينفضّون عنه تباعًا. يتزوج عبدالله من صفيّة، ويقترن صالح بفادية، ويرتبط نعيم بسعاد البندريّة التي تنقل بذرة الاحتجاج والتمرّد من المدينة إلى القرية. وبموازاة الأولاد هناك علي سليم، ابن شقيقه نعيم الذي يلعب دورًا مهمًا في تصاعد الأحداث. يتزوج علي سليم في بداية الأربعينيات من نبيّة التي تُرزق بثلاثة أولاد وهم فادية وجمال ويوسف ثم يموت متأثرًا بمرض عضال. لم يلتجئ عادل عصمت إلى المعطيات السياسية وإنما لاذَ بمنظومة العقائد والتصورات الخرافية التي تنتعش في المجتمع المصري، وخاصة في الطبقات الاجتماعية التي لم تنل حظًا وافرًا من التعليم، فقدّم لنا شخصية الأم، السيدة خديجة التي تعتقد بأنّ دارهم مسكونة، وأنها تخوض نزاعًا مع "مِنْ لا اسم لهم" لأنهم يريدون أن يطردونهم من الدار ويقيمون فيها.

ينغمس عبدالله بالعمل في "الغيط" إلى جانب علي سليم، بينما يذهب صالح إلى "الكُتَّاب"، ومنه إلى كليّة علوم الدين، ويتزوج على وفق مشيئة أبيه من فادية علي سليم قبل أن يصبح إمامًا ويُبعث إلى نيجيريا في أول تصدّع تشهده العائلة. أما نعيم فقد أصبح مُعلِّمًا لكنّ الحكومة ساقته للجبهة وأصيب بطلقة في كتفه، ثم تزوّج من سعاد، مدّرسة العلوم التي تسكن في الشقة المجاورة لهم في طنطا والتي تجد صعوبة في الاندماج بحياة القرية.

أما الحفيد أو "الولد الساقط" كما يناديه جده لأنه سقط في امتحانات كلية الزراعة، فسوف يصبح مدرّسًا في مدرسة طنطا الزراعية، ثم يحصل على الدكتوراه في علم أمراض النبات.

تتظلّم نبيّة لأن الشيخ عبدالرحمن أخذ منها الحسابات وأسندها وأسندها إلى ابنه نعيم، وترك لعبدالله تصريف شؤون الأرض، أما هو فقد انصرف للتأمل، والعبادة، وتدبير شؤون الناس الاجتماعية والقانونية.

يموت صالح ويُدفن في القاهرة لكن شقيقته فاطمة تقرر دفن جلبابه في مقبرة العائلة التي مات فيها الجد ثم أعقبته السيدة خديجة. الخطأ الكبير الذي ارتكبه الجد عندما هدّم البيت القديم وبنى إلى جواره منزلاً جديدًا. أما الأرض التي ضاعت في الثلاثينات، فقد أعادها الشيخ عبدالرحمن بعد مشقة متواصلة لكنه قرر توزيعها وهو حي يرزق مؤكدًا وصيته الأخيرة التي تقول بأن "التخلّي هو أعظم الفضائل"، وهكذا فقد تخلّى عن البيت، والأرض الزراعية، والمتع العابرة في الحياة لكنه ظل يقاوم شهواته حتى الرمق الأخير لأنه حين مسك يد كوثر أول مرة، وكاد أن يرتكب المعصية "انطلق صراخ وصفير فأدرك أنها علامة" هزّته من الأعماق فعاد إلى رشده من جديد. توحي هذه الرواية بأن شخصياتها ليست ورقية وإنما هي من لحم ودم، ومشاعر وإحاسيس دفّاقة ويمكن تحويلها إلى مسلسل أو فيلم سينمائي ناجح لأنها تتوفر على الصدق الفني الذي يُعدّ من بين اشتراطات العمل الأدبي الناجح.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

جمعة عبد اللهبرع الكاتب (شوقي كريم حسن) في توظيف التقنيات السردية المتطورة في اساليبها وادواتها، بصياغة ضمن تشكيلات تعبيرية متنوعة، في اسلوبية التداعي الحر في البنية السردية، في طرح افرازات الهموم الداخلية في الكشف الواسع، وتحويلها الى العام الخارجي. في استنطاق المشاعر المكتومة وكشف خزينها المتراكم، المتأثرة من اعماق الواقع والحياة، في تداعيات تسير بخطى متسارعة، نحو الجحيم والمعاناة والعسف الظالم، في القهر الاجتماعي والسياسي، بسوط الارهاب والاضطهاد والبطش الطاغي المتسلط، في نيرانه المشتعلة بالسقم على شريحة الفقراء، والمعدومين والمحرومين من ابسط كفاف العيش، في واقع وقع في براثين الجحيم والموت المجاني، فصارت الحياة عبارة عن توابيت تسير بجحافلها الكثيرة في الظاهر المكشوف نحو المقابر، الصيغة التعبيرية في المتن الروائي، يلعب بدور بارز ومحوري، الضمير المتكلم (أنا) بصيغته المركبة، في تداعيات الكاشف المكنون، بين الراوي والمروي والمروي اليه، او بين السارد والمسرود . في اسلوب لغوي متين ورشيق حتى اقترب من لغة النثر الشعري، ووظف اللغة العامية ومفرداتها الحية والنابضة في الحياة ووجدان الناس، لكي تعطي قوة في التعبير والدلالة. هذه التشكيلات الاسلوبية المبتكرة في المتن الروائي الحديث، بتقنياتها الحديثة المتنوعة، تختلف عن اساليب النص الروائي التقليدي والمألوف الكلاسيكي . وانما الروائي اراد ان يبرز قدراته السردية والاحترافية في فن الرواية، لذلك اختيار اسلوب متجدد من الابتكار في الطرح النص الروائي ، في التلاعب بالاساليب التعبيرية، بذائقة التجديد والابتكار، لذلك اشار اليها بأنها (ليست رواية) وانما اسلوب متطور في التقنيات السردية في الابداع في الرواية المتجددة والحديثة، لذلك اختار اسلوب تناول مجموعة من النصوص من الرؤى والرؤيا، من خزين المعاناة والقهرالاجتماعي والسياسي لشرائح الفقراء، عبر الازمنة السوداء المتعاقبة القديمة والحديثة . في هذا المخزون من المعايشة الحياتية الفعلية بالصميم، والتي اكتوى بحمم نيرانها المتفجرة والمتشظية، لذلك جاءت بهذا التوسع من التناول والطرح، وسلط الضوء على الازمات التي تأخذ بخناق الفقراء في حياتهم اليومية . في محركات الظلم والمعاناة والعسف، كأن ماكنة الحياة ماهي إلا لزهق الارواح البريئة، سواء في آلية الخراب أوالموت أوالحروب، او بالاحرى هي محنة، للناس المحرومين والمعدومين والمسحوقين، ان يختاروا بحرية الاختيار، بين موت وموت، أو بين جحيم وجحيم، او بين حرب وحرب . وفي كل الاحول هي عبارة عن نزف دماء جارية ، هذه الحالات الجافة بخشونتها الوحشية التي يعاني منها الفقراء والطبقات المسحوقة، وهم يصارعون بأسنانهم من اجل البقاء على كفاف العيش باحلامهم الفقيرة (الفقراء احلامهم فقيرة مثلهم... وحدائق الفقراء لا تثمر غير الفقر نفسه)ص152 . هذا الجحيم الحياتي، الذي تحمل ثقله الثقيل والمرهق، الطبقة الفقيرة والكادحة بعرق جبينها وكدحها الشاق . لكن حياتها اصبحت رخيصة، بنزيف دمائها تجري بشكل لا يتوقف . نتيجة عنجهية وغطرسة القوى المتسلطة والغاشمة التي فرضت نفسها بالقوة على الواقع، مما اصبح الرهان على استنزاف حياة الفقراء، عملية رخيصة، بهدف تحقيق احلام مريضة، من المجانين ألذين من اعتلوا حصان السلطة، من السابقين والحاليين، كأنهم يتعاملون مع مع الفقراء والكادحين . كأنهم نفايات تستحق الطمر والحرق، او هم بضاعة رخيصة صالحة فقط، للموت والحرب . لاشك أن الروائي وظف سيرته الحياتية وتجربة معيشته ببراعة متناهية، ليتسلق على البنية السردية . وخاصة أنه ابن الفقر والفقراء، في مدينة الفقراء الكادحة (مدينة الثورة) التي عانت شظف العيش والحرمان والاهمال عبر مراحل الظالمة، عانت العسف والظلم والارهاب والبطش والتنكيل والاستلاب، في العهود الجائرة والطاغية قديماً وحديثاً . سواء في زمن الامبراطور الطاغية . او في زمن كهنة المعابد الحاليين، ويبقى ولم يتغير مراحل البؤس الحياتي الجاف بالقحط الصحراوي . لذلك جاءت اساليب المتن السردي، بحالات انفجارية من الداخل الذات، الى الخارج العام، في تنوع اساليب التفجير التعبيري البليغ والعميق في دلالته . من الحوارات الداخلية (منولوج) الى الحوار الخارجي . الى توظيف الاسترجاع الزمني (فلاش باك) . الى الارهاصات السايكولوجية النفسية المتشظية في انفجارات تداعياتها، في القهر الضاغط والمضغوط بالاحباط . الى رصد حالات القهر بأشكاله المتنوعة من العذاب . اي ان النتاج الابداعي، هو حصيلة هذا الرصد والتشخيص بجوانب متعددة، وأخذ شكل ملحمة، معاناة الفقر والفقراء . واقع ليس هو إلا ماكنة طحن للفقراء سحقاً . واذا كان الروائي (محمد شكري) ابدع في تقديم رواية ملحمة الفقر والفقراء، في رواية (الخبز الحافي) من خلال معايشته ومحنته الذاتية وهو يحتضن فقر العيش والمعايشة، في اشد حالات القهر والحرمان والجوع، من المهانة والاستلاب والانسلاخ، ان يتحول الفقر الى جحيم حياتي للناس البسطاء، فأن الروائي (شوقي كريم حسن) يقدم في ابداع روائي، ملحمة الحزن العراقي، ملحمة جحيم الحياة للفقر والفقراء، الذين يجدون كل ابواب الحياة مقفلة بالاقفال الفولاذية، سوى باب مفتوح الى الحرب والموت والخراب، سوى باب يفضي الى المقابر . يقدم ازمة العذاب العراقي . ابطالها المسعورين بالوحشية والتوحش، هم (الهتلية) وهم موجودون في كل زمان ومكان، لا ينتمون الى طبقة وشريحة معينة ومحددة، فأنهم موجودين في كل الطبقات والشرائح الاجتماعية . وفي كل ميادين الحياة من الاعلى الى الاسفل . فمفردة (الهتلية) يقابلها مفردة (السرسرية / فئة سافلة ومنحطة بكل شيء) . يعني نجد (سرسرية) في الاخلاق والضمير . (سرسرية) في السلوك والتصرف.. (سرسرية) في امتهان الارهاب والبطش والتعذيب . (سرسرية) في القمع في الارهاب الاجتماعي والسياسي . (سرسرية) في الدين . (سرسرية) في التمسك بصولجان السلطة والنفوذ، حتى على الخراب وجريان انهار من الدماء . (سرسرية) في اشعال الحروب المجنونة والعبثية . (سرسرية) في المتاجرة بعهر النفاق والكذب والخديعة . (سرسرية) في استخدام كواتم الصوت والقتل والاغتيال والاختطاف . (سرسرية) في السحت الحرام واللصوصية.... الخ . يعني هذه الذئاب الادمية، تجعل الحياة بين موت محقق ومؤجل، بين جحيم وجحيم . بين دم ودم، وتكون اعمار البشر عبارة عن ضياع (حاصرت وجودنا وتحولت الى رقيب يحدق بخطواتنا ويعد انفاسنا، ادمنت الدم حتى باتت لا تعرف الوانها . . الجدران مصائب اعمارنا الضائعة بين موت مؤجل وانتظار محسوب الانفاس / تبتهج حين تلامس خشونتها يافطات النعي) ص22 . من اجل ترويض الناس بالخنوع والمذلة المهانة . ان يكون الانسان مسلوب الارادة والفعل، مشلول وكسيح، في حزمة من المحرمات والمحظورات بالجنون العبثي . محروم من السؤال والتساؤل حتى لو همساً، او يبدي شبهة بسيطة من الامتعاض والتذمر والاسى، من جحافل التوابيت . عن جحافل الموت الذي يغزو الحياة بكثافة . ان يتجرع خبز الاحباط والانكسار والانهزام . وهو قانع بالقدر الوحشي المسلط عليه، وليس له اختيار اخر . وما عليه سوى تلبية طلباتهم ورغباتهم، وغير مسموح له بالكلام، سوى ان يردد كالببغاء، نعم ونعم ونعم . هذه اختياراته المفروضة علية، وعليه ان يقبلها برضى وتقديس وقبول خاشع (تصور انك تعيش بين خيارات لا دخل لك فيها.... خيارات غريبة عنك وعن أرادتك.... هم من اختار كل شيء.. وعليك ان تقبل وترضى وتقدس.. أن تعتبر اختياراتهم قانونا لا يحق لك الاعتراض عليه، أو حتى محاولة تصحيح بعض من الاخطاء.. لا أحتمال للخطأ.. القبول هو الحل الوحيد لنجاح مسعاك في استمرار الحياة واستمرارك معاً.. !!) ص134 . هذا الرصد والكشف بالحبكة السردية التي ترجمت حقيقة الواقع الفعلي ومجرياته، في الحياة ادمنت على الدم والموت والجنون . في واحلام القوى الطاغية المتسلطة على رقاب الناس . قوى غاشمة ثنائية تتبادل الادوار والتداول على السلطة والنفوذ . واحد يحل مكان الاخر، او احدهم يكمل مسيرة الاخر، لا فرق بين الماضي واليوم، طالما هم نفس العقلية ونفس الاحلام المريضة، ونفس عبادة الصولجان والنفوذ والمال، وحالة القمع والارهاب والبطش يعمل اعلى قوته ضد الناس الابرياء، لم تتغير الحال اطلاقاً، سواء في عهد الامبراطور السابق، أو كهنة المعابد الجدد، سوى الاول بالزي الزيتوني، وثاني في جبة ابليس واللحى الشيطان . والحياة مستمرة بالحداد والسواد، والموت والتوابيت . نفس شريعة وطقوسها في التطبيق، في الطاعة والتقديس والتمجيد، لذا فليس غريباً في سريالية الواقع المجنون، ان يكون الكلب ألهاً يرسم الحياة للاخرين، يمنح الحياة والموت . وليس غريباً حثالات ومجرمي وهتلية (السرسرية) الامس، ان يصبحوا اليوم، كهنة المعابد، فهم رب الارباب، والرب الاعلى . نفس الكوابيس تزكم الواقع في رعبها . واذا كان الامبراطور المقبور، يتعكز على امجاد التاريخ زيفاً وخداعاً، في انهاض الامة لتكون وقوداً لحروبه المجنونة، بحجة الدفاع عن امجاد تراث التاريخ العظيم، والارث التاريخي العظيم الذي نحمله من الاجداد بحاجة الى سفك انهار من الدماء، للحفاظ على هذه البدعة المزيفة، التي صار يعلكها ويعزفها ليل نهار، واصبحت سوطاً مخيفاً ومرعباً، يتلاعب على نفاق التاريخ (- دعنا نتبول على فساد هذا التاريخ ؟

 - امجنون انت... اصمت !!

- ما معنى هذه الترهات التي لا تدل على شيء غير الاكاذيب !!

- انت تحطم تاريخ انسانيتنا.. اسكت !!

- لا فائدة ترجى من سكوت واحد لا تهمه هذه النفايات مثلي.. ارغب ان ابول على كل عروش الملوك وتواريخهم الزنخة.. فساد ذكوري يعلن استبداده بين فخذي امرأة تخاف الابتسام... ما الذي اعطانا هذا الذي نجبر على تعلمه غير حكايات جوف.. وبكاء مر على اطلال تفاخر عمد بدم الفقراء وآهات المساكين !!) ص105 . هكذا كان صهيل الامبراطور المجنون، يدق طبول الحرب والموت، بأنه يجد رؤساً جاهزة للحصاد آنَ قطفها ، يرى ارواحاً جاهزة للقطاف لكي تزهق . وبهذه الوحشية الدموية، كان الناس يتشبثون برب السماء من خلال كهنة المعابد بالانهزام، لانقاذهم من هذا الجحيم، لان اصبحت الحياة جحيم للحروب (لكن الحروب جعلتنا ندمن الانهزام نلوذ بأذيال الكهنة الذين يولولون ليل نهار من اجل اكاذيب اغلقت امام حبورنا ابواب استجابات السماء، لا يمكن لواحد مثلي ان يؤمن برب لا يستقم عن اغاثة أمرأة لوعتها عطور الفجيعة، تجلسني / عند عرش قلقها) ص170 . ويحمل الراية السوداء كهنة المعابد، ناموس الموت نفسه لكن تغير ثوبه الخارجي، في بدعة الكفروالالحاد وعدم الخشية من سلطة رب الارباب، من اولاد الزنى الذين لا يخافون الله، فعاقبتهم نار وبراكين حارقة بأسم الرب الاعلى . لان هؤلاء اولاد الزواني يدنسون الدين بالنجاسة، ويتعاملون بالمنكر ولا يخافون عاقبة الله، ولا يطيعون اولياءه الصالحون على الارض، انها نغمة ارهاب وبطش جديد بأسم الرب وشريعة الدين (- اولاد الزواني... لا تعرفون سوى التعامل بالمنكر.... لا تخافون الله أبداً . . !!

- أبن القحبة.. لا تعرف الله!!

- أتدري مالذي يمكن أن نفعله الآن.. قلت لا تتحرك وألا ارسلك الى جهنم بطرد بريدي عاجل . .

- اتركه لا فائدة منه... كلب لا يستحق حتى رصاصة رحمه.. هؤلاء اكثر نجاسة من كلاب الارض.. دعوه يفكر بلحظته الآتية.. لتعذبه تلك اللحظة قبل ان نوصله الى الخاتمة !!) ص 189 .

هكذا تساوت الكلاب المسعورة القديمة والجديدة .

(حرام أن اجد نفسي محاطاً بكلاب تنتظر تحولي الى فطيسة نتنة !!

- لا فائدة أينما تولوا فثمة وجه كاهن يطالك بالموت !!) ص209 .

(لان ثمة كهنة عبروا خطوط مسراتهم باتجاه ما كان حصص الالهة /

(ايها الرب.... هل ابصرت قبراً يمشي..

(ايها الرب هل رأيت جدرانا تنزف صراخاً واحتجاجاً

(أيها الرب نحتاج الى امواج مستحيلة من الاجابات التي يتوجب ان تغسل اعمارنا... أم تراك اعلنت استسلامك لهبل الكهنة وكراهيتهم ؟ /

(ايها الرب.. كيف يمكن اننسى ما حدث؟) ص231 .

ولكن يجب ان لا يغيب عن بال كهنة المعابد، بأن حبل المشنقة ألتف حول عنق الامبراطور . والحليم تكفيه الاشارة .

 

- رواية : هتلية

- الملف : شوقي كريم حسن

- الطبعة الاولى : عام 2018

- عدد الصفحات : 290 صفحة

- التصميم والاخراج الفني : أحمد عبدالحسن

 

 جمعة عبدالله

 

 

أسس الشجن وجوده الفعلي في نسج اشعار الديوان، إذ حقق الجزء الأكبر في صياغته، سواء من ناحية العنونة أو من ناحية النسيج الشعري.

هذا الشجن نابع من تجربة معاشة لذاته، وهو الذي أسس وجوده الطوعي، والأجباري على ذات الشاعر.

والديوان لم يستدع الشخصيات التاريجية ويمجدها، بل ذهب ليتمرد على الواقع بماضيه وحاضره المعاش، ومستقبله المجهول؛ كوننا نعيش في سلسلة معتمة تعيش في تاريخ داخل تاريخها، الذي لايرث غير الشجن.

إذ استطاع الشاعر عن طريق الربط بين المشهد المعاش بماضيه وحاضره، أن يقدم لنا رفضه العلني لشجن ذاته من فقدانه لأخوته، وماعاشته والدته من حزن على اولادها، وعند التمعن في النصوص الشعرية نجد سخطاً كبيراً، والنصوص بذلك شكلت حبكة شعرية ناطقة لذات الشاعر اولاً، وذات الآخر ثانياً، وهي صورة ناطقة لمثقف يبغي إيصال شعره بالتصريح العلني، كما يريد هو، لا كما يريد الآخر .

قسمت اشعار الديوان إلى نقد للماضي وجملة الضغط السياسي المعاش أنذاك، وإلى الحاضر المطابق لصورة الماضي بأختلاف المسميات فقط، وإلى التوجه إلى الذات العليا ومناجاتها تارةً، والخروج عليها تارةً ثانية، ويفتقر إلى الجانب الدرامي والتغزل، حتى وأن ورد فهو قليل لايشكل ظاهرة، ويقترن دائماً بالوجع من الماضي وشجنه  المعاش في داخل ذات متعبة مما ألت إليه من فراق لأعزاء القلب، وحرمان الأم من فلذاتها، ثم ينتقل الحرمان إلى حرمان جماعي للشاعر.

يقول:

يا الله

القتلة يركضون خلفي

وأنا وحدي في الغرفة

يستعين الشاعر هنا بالمناجاة بالخالق للوصول إلى اقناع الذات المضطربة، وذلك قصد التأثير بالقارىء، والتي عن طريقها يخلق جواً من التشكيل باستعمال تراكيب متوالية ومتصلة ومنسوجة بعضها ببعض حتى يفصل في شرح فكرته ومناجاته، وكذلك استعمل الشاعر الفعل المضارع ( يركضون) بصيغة الجمع، وهذا مايؤكد اهتمامه بعنصر الحدث، والزمن، والحركة  (وأنا وحدي في الغرفة).

وفي نص اخر يقول:

يارب

ماذا لو خلقت لكل منا نسخة إضافية

نسخة تذهب إلى الحرب

ونسخة تعود من السوق بكيس من الخبز والفاكهة

هكذا نحبك كثيراً

هكذا لاتصاب الأمهات بالسكري

:أنه يوم الجمعة يا أمي

ماذا نفعل في المدرسة؟

: انظر.. لقد وصلوا

سأضعك في طابور الرجال يا صغيري

فالنص الشعري  قد استمد مضمونه من مخيلة الشاعر التي تحيل إلى الماضي البعيد، فاستثمار المناجاة بالخالق بـ (يارب)، يفضي إلى الذات الموجوعة التي لجأت إلى المناجاة مباشرةً من دون أية مقدمات.

ولا شك أن الشاعر قد عمد إلى هذه المناجاة، ليعرض جملة من الاسئلة التي تفتقر إلى أية اجابة (ماذا لو خلقت لكل منا نسخة إضافية)؛ ولأن (الأستنساخ) قرن بالعصر الحديث لذا نجده يعمد إلى تكرارها، وكأنه يرغب تطبيقها في الوقت الحاضر، وهو نوع من انواع الحوار الواعي، الذي يقصد عن طريقه مخاطبة الخالق ومحاججته، وايجاد حل بسيط بالأدوات الحديثة والمعاصرة وهي(الأستنساخ)، وقرن الأجابة بـ (نسخة تذهب إلى الحرب، ونسخة تعود من السوق بكيس من الخبز والفاكهة) بدلالة الفعل المضارع(تذهب ) وهي استمرارية المشهد المعاش بالماضي والحاضر، ولكنها تذهب من دون عودة إلا من أذنت له الحياة بحياة ثانية، وهي رمز من رموز الشجن، واخرى (تعود) وهي صورة طبيعية ؛ لأن واقع يومي معاش، وهي صورة أخف حدة من صورة الحرب ذات المصير المجهول، وهنا بنى مترادفات بين (تذهب/ تعود) .

وقرن حب الخالق بتحقيق هذه المطاليب ؛ بغية تجنب اصابة الأم الموجوعة  بداء السكري، والتي كانت ترغب ارسال اولادها  للمدرسة حتى في يوم الجمعة ؛ لأنها تخاف من وجودهم في البيت، والذي يقودهم إلى وراء السواتر (أنه يوم الجمعة ياامي

ماذا نفعل في المدرسة؟

: انظر.. لقد وصلوا

سأضعك في طابور الرجال يا صغيري) كلها دلالات تحيلنا إلى الضياع والشجن، ولعل هذا ما يترك القصيدة مفتوحة وعاجزة عن وجود حل للطفل الصغير، مما دفع الأم لتضعه في (طابور الرجال).

انظروا إليها جيداً

إنها سعيدة في موتها

أي حمل ثقيل هذا ياالله

أن نعطي الحليب

ولانأخذ سوى الشهداء

في هذا النص ثمة عملاً احتجاجياً، إذ استطاع الشاعر عن طريق هذا الربط بين (الأم، والخالق)، إن يقدم لنا رفضه العلني والمباشر للحرب وأفعالها المشينة، إذ يبدو للقارىء للوهلة الأولى أن الشاعر لا يطمح إلى هذا الكم الهائل من السخط على الحرب، لكن عند التمعن في النص نجد هناك سخطاً كبيراً، والنص بهذا شكل حبكة سياسية لمثقف يبغي إيصال شعره الناقد والرافض إلى ما آل اليه الشباب من مصائب الحرب، وماآلت اليه الأمهات التي تربي إبنائها لمستقبل معتم، يكون الموت مصيرهم  (نعطي الحليب/ لا نأخذ سوى الشهداء).

وفي نص اخر يقول:

احتفظ بصورة لكِ في قميصي العسكري

عندما أغسله

أخفي صورتكِ في الخوذة

فتتحول الخوذة إلى طفل يصرخ بابا

اركض إلى القميص

يعود الصغير إلى الصورة

وأنت إلى منزلك

فجأة يصرخ احدهم

أين عربة الأسمنت أيها الأحمق

فالقصيدة كأنها لغة حوارية تلوج في ذات  الشاعر المضطربة، وكأنها أقرب إلى لغة التواصل مع القارىء؛ كون الألفاظ بسيطة ومألوفة، تبتعد عن جفاء العربية وبلاغتها (صورة، قميصي العسكري، أغسله، أخفي، طفل، خوذة، بابا، اركض، منزلك، عربة، الأسمنت)، فهذه الألفاظ البسيطة شكلت آلية في يد الشاعر، وأنتجت نصاً شعرياً، فـ (أحتفظ، أخفي، أركض) دلالة على المفرد (أنا) وهو نفسه (الأحمق)، وهو رمز يؤشر فضاعة الحرب أمام جماليات الحياة، وحاول الشاعرأن يخرج من هذا الوضع المعتم والملبد بالشجن إلى (فجأة يصرخ أحدهم) للإشارة إلى سلبية الموقف.

أضيف، أن الشاعر أسس جملة كبيرة من الأشعار التي اشارت بصورة معلنة وواضحة إلى عتمته الداخلية، واضطراباته الذاتية المعاشة جراء شجن داخلي خاص بذاته اولاً، وبذات الأخر المجتمع ككل، وقد أقرن عنوان الديوان بمقطع شعري داخلي، بالقول:

مثل قارب خشبي مقلوب في الصحراء

ينقذه المطر

فيمضي

دون أن يكترث لأحد

وهي صورة لمستقبل يوجب علينا رسم صورة التفاؤل له ؛ لأن قارب الشاعر أن له الأنتقال من الصحراء، ويمضي (دون أن يكترث لأحد).

 

د. وسن مرشد

 

828 ثائرهذا العنوان الغريب هو لواحد من أهم الكتب التي درست المتوالية القصصية، صدر عام ١٩٩٩ للناقد السويدي (رولف لندن) أستاذ الأدب الأمريكي في جامعة (أبسالا) السويدية، الذي كرس معظم جهده لدراسة هذا الجنس الأدبي وما يجاوره، ويعمل الآن في بحث يقارب بين المتوالية القصصية والروايات والأفلام المتسلسلة.

يشير العنوان بصيغته هذه إلى قضيتين؛ أولاهما الترابط بين القصص التي تؤلف المتوالية القصصية الذي عبر عنه بكلمة united، وثانيهما هي أن هذا الجنس السردي يعد ظاهرة قارة في الأدب الأمريكي أكثر من غيره.

يرى (لندن) أننا إذا تخيلنا خطا يربط بين الرواية والقصة القصيرة فإن المتوالية القصصية تقع على هذا الخط بينهما ولكنها ليست ثابتة على نقطة محددة منه، بل تتحرك لتقترب من المجموعة القصصية تارة ومن الرواية أخرى. ولذلك اختار تسميتها (مُركّب القصة القصيرة Short story composite) بدلا من (المتوالية القصصية، حلقة القصة القصيرة، الرواية المركبة)، لكنه يرى أن الأسماء الأخرى صالحة لبعض أشكال المتوالية القصصي.

يبدأ (رولف لندن) كتابه بفصل تأسيسي عنونه (التعريف وحدود الجنس)، وفي التعريف يتبنى تعريف (فورست إنجرام) الذي رأى أن المتوالية القصصية هي كتاب يتضمن مجموعة قصص قصيرة، كل منها يمكن أن تقرأ منفردة، لكنها ترتبط ببعضها بحيث تؤدي إلى تعديل تجربة القارئ كلما قرأ قصة أخرى منها.

لكن المهم في الكتاب كما نرى هو بحثه في حدود هذا الجنس الأدبي الملتبس، فقد ناقش أهم الدراسات السابقة التي عدت المتوالية القصصية جنسا أدبيا لكنها اختلفت في تسميتها بما فيها دراسات (إنجرام) و(لوشر) و(كندي)، وقرر أن سبب الاختلاف في التسمية يعود إلى الاختلاف في التعريف، ويحاول حل الخلاف بوضع فهم جامع لحدود الجنس الأدبي.

إن كل الأسماء المقترحة قبل كتابه هذا صحيحة كما يرى (لندن) لكنها أسماء لأجناس فرعية (sub genres) يحتويها الجنس الرئيس (مُركّب القصة القصيرة)، فكلما تحرك هذا الجنس الأدبي على الخط الواصل بين القصة والرواية تحول إلى جنس فرعي آخر، ويحدد تلك الأجناس الفرعية بأربعة،  على أنه يشدد على أن هذا ليس تحديدا صارما، فالطبيعي عدم وجود فصل حاد بين الأجناس الأدبية ويضرب مثلا لذلك بعض النصوص التي يصعب تجنيسها فتتأرجح بين قصيدة النثر والقصة القصيرة.

أما الأجناس الفرعية الأربعة للمتوالية القصصية فهي:

أولا/ حلقة القصة القصيرة short story cycle: وهي مجموعة قصصية مترابطة بشكل دائري، فالقصة الأخيرة تنطوي على قرار نهائي، وعودة إلى البداية. ويضرب مثلا لهذا النوع المتوالية القصصية (التفاحات الذهبية) للقاصة (يودورا ويلتي)، فالراوي في كل القصص شخصية تدعى (كاتيا ريني)، عدا القصة الأخيرة التي تصور جنازة السيدة التي كانت راويا في القصص السابقة.

ثانيا/ المتوالية القصصية short story sequence : وهي القصص المرتبةعلى وفق تسلسل زمني على أن لا يتحول إلى حبكة. فقد يكون موضوع القصص مثلا مواقف لشخص أو جيل تحصل في فترات زمنية متعاقبة.  ومثاله هنا متوالية فوكنر (الصامد The unvanquished) التي تروي في سلسلة من سبع القصص تحولت عائلة (بايارد ساتوريز) وعبدهم (لوش)، مع فاصل زمني بين قصة وأخرى يتراوحبين سنة واحدة وثمان سنين.

ثالثا/ المتوالية العنقودية Cluster : وتتألف من مجموعة قصص تفتقر للتراتب الزمني مع وجود روابط أخرى تقابلها فجوات زمنية وسردية كبيرة بين القصص، ويضرب مثلا لهذا الجنس الفرعي متوالية (همنجوي) التي عنوانها (في عصرنا)،  حيث تصور كل قصة من الخمس عشرة قصة موقفا قصصيا من حياة بطلها (نيك آدمز).

رابعا/ النوفيلا Novella: وهي أقرب الأجناس الفرعية إلى الرواية حيث تتألف من حكاية إطارية تتضمن مجموعة من المقاطع القصصية، ومثالها القديم (الديكاميرون لبوكاشيو) ويرى أن مثالها الأوضح هو (وايزنبرغ، أوهايو) للقاص الأمريكي (شيروود أندرسون)التي تتألف من من اثنتين وعشرين قصة قصيرة تعمل أولاها بداية للحكاية الإطارية فتعرف بالشخصية الرئيسة (الكاتب جورج ويلارد)، ثم تتوالى القصص لترسم بمجموعها صورة للحياة في مدينة (وايزنبرغ) الافتراضية.

 يمثل هذا التصنيف أهم ما جاء في هذا الكتاب أما ما تبقى منه فهو بحث تفصيلي في خصائص كل من الأجناس الفرعية الأربعة.

 

د. ثائر العذاري

 

محمد فاتييمثل فيلم roma  للمكسيكي ألفونص كوران عملا سينمائيا راقيا، حاول من خلاله المخرج الوقوف على أهم الذكريات التي صاحبت طفولته في أحد ضواحي مدينة مكسيكو (حي روما) في فترة السبعينيات (1971) من القرن العشرين. وقد اعتمد في تشخيصه هذا على لمسة إبداعية سحرية، اختفى فيها كوران من أحداث الفيلم (بالرغم من أنه يحكي عن حياة أسرته) واختار طريقة التقنع المحايد، كونه لم يشر إلى نفسه ولم يكرس دورا خاصا به في حياة الأسرة المجسدة، وعوض ذلك أعطى دور البطولة للخادمة كليوالمساهمة بالحيز الكبير في استقرار الأسرة ووصول كوران لتبوء الشهرة والنجاح.

وقد اختار كوران أن يشخص هذه الأحداث عن طريق الاسترجاع الإبداعي لحياة الأمس في قالب فني قائم على استغوار لحظات الماضي والتعمق في الذاكرة والخيال والأحاسيس، لكن بأسلوب سينمائي يستوحي التقنيات التقليدية أحيانا (التصوير بالأبيض والأسود) ويتفنن في تجريب الأساليب الحديثة ومزجها بأحاسيس الذات والذاكرة أحيانا أخرى (طريقة التصوير السحرية في الفيلم).

و جاء عنوان الفيلم (roma) تأسيسا لرغبة صاحب الفيلم في الرصد التأريخي لأحداث حميمية وعاطفية عاشها رفقة أسرته بضاحية كولونيا روما، وهذا الرصد السينمائي صيغ بأساليب فنية تعتمد الواقعية السحرية في سرد الأحداث وتتبع التفاصيل واقتناص الجزئيات والثانويات من حياة أسرة تنتمي إلى طبقة ميسورة لكنها تعرف الاختلال والتوثر وتوالي الانكسارات، وهذا ما جعل المخرج يتوسل بالخادمة كليو كعنصر مساعد لعب الدور الرئيس في الحفاظ على توازن الأسرة وحماية أواصرها من التهديم والتحطم.

أما بالنسبة لمضمون الفيلم فهو يدور حول قضيتين اجتماعيتين أساسيتين، سعى كوران بكل احترافية إلى تتبع مظاهرهما والكشف عن أثرهما في المجتمع، من خلال أسلوب يمزج بين الذاتي والموضوعي ويكشف النقاب عن قضايا اجتماعية ـ جماعية عن طريق تركيز الأضواء على حالة ذاتية عاشها الشاعر رفقة أسرته:

ـ القضية الأولى وهي قضية التمييز الطبقي والعنصري الذي ساد المجتمع المكسيكي إبان تلك الفترة، والتي جعلت مخرج الفيلم يعطي دور البطولة لخادمة أسرته "كليو"  كتلميح صريح للرفض القاطع لمظاهر التمييز الذي تلقاه هذه الفئة. فكليو هي الشخصية المحورية في الفيلم التي تسعى إلى الحفاظ على مظاهر التماسك والترابط والسعادة في الأسرة، متحدية بذلك كل العقبات التي واجهتها، ومتجلدة في كل المصائب والصدمات التي أعاقت طريقها، مؤمنة بدورها وقيمتها وكرامتها وكينونة وجودها، وسط مجتمع يسعى إلى ترسيم خطوط طبقية تمييزية بين أفراده. بل الأدهى من ذلك هي من يملك اليد السحرية في الحفاظ على استقرار العائلة من كل الاختلالات والأزمات التي هددت مصير أفرادها.

طريق كليو إذا مليء بالصدمات والمصائب والفشل وسوء الحظ، بدءا بأصلها الهندي (السكان الهنود الأصليون) والذي جعلها عرضة للحقد والعنصرية والتمييز والسخرية من شكلها وهيئتها. مرورا بفشلها الاجتماعي والمادي كونها تشتغل كخادمة محتقرة في البيوت، لا تحظى بمقام اجتماعي محترم، ولا يقدر أحدا مجهوداتها وعملها. ثم انتقالا إلى فشلها العاطفي في مجتمع يحتقر الخادمات، (خاصة ذوي الأصول الهندية)، وهذا ما جعلها مطية للاستغلال الجنسي والعاطفي من طرف حبيبها فيرمين الذي خلق في نفسها أمل الزواج وحلم تكوين أسرة، لكن الوقائع كشفت أن العلاقة ما هي إلا تمثيلية استغلال وخداع باسم الحب. وذهاب المعشوقين الدائم لقاعة السينما هو رمز فني بليغ وظفه المخرج للتلميح إلى أن علاقة الحب هاته ما هي إلا تمثيل بدون نهاية على شاكلة الفيلم الذي غادره فيرمين قبل نهاية أحداثه، ليترك الخادمة مورطة في مسار العلاقة المتشابك والمتوثر، والذي رمز له المخرج بلحظات الحرب وذوي الانفجارات في فيلم القاعة.

وتنتهي السلسلة المتأزمة لبطلة الفيلم بالحادث المأساوي الذي ستتعرض له أثناء عملية إنجاب طفلتها (التي كانت ثمرة العلاقة الفاشلة بينها وبين فيرمين)، فمخاض الولادة كان عسيرا وشاقا، ألم بها في مكان وزمان غير مناسبين، حينما اختارت أن تشتري سريرا لطفلتها المستقبلية في محل تجاري قريب من مكان التظاهرات الطلابية حيث الصراع بين الطلبة ورجال القمع، وهنا نلمح أيضا حيلة فنية مميزة اختارها المخرج، تربط بين التوثر الذاتي الذي تعيشه الخادمة (حالة المخاض وألم الولادة) وبين التوثر الجماعي والاجتماعي الذي يعيشه المجتمع (حالة التظاهر والاحتجاجات بين القمع والطلبة)، وهذا ما سيخلف فوضى عامة وإطلاقا للنار في شتى الأماكن المحيطة بالمحل، ليمتد أثره إلى المبنى حيث الخادمة التي ستفزع رهبة وخوفا من ذوي الرصاص القاتل للمتظاهرين، وإذ بهول الصدمة يظهر على ملامح البطلة بعدما رأت حبيبها السابق (عاشق الفنون القتالية) يصوب النار في اتجاه المتظاهرين ليقتلهم، ويقتل حياة طفلته التي كانت تصارع مخاض الحياة. نعم سيقتل طفلته وهي في أحشاء أمه بسبب الهلع والخوف الذي ولده في نفسية الأم، فكان إنجابها إنجابا فاشلا خلف طفلة ميتة قتلت بيد القمع والعنصرية والاحتقار الذي يعرفه المجتمع. ليتمنع القدر من جديد أمام الخادمة المحطمة، وهذه المرة ستفتقد أروع النعم : نعمة الولادة والأمومة، وكأن الطفلة الوليدة هي الأخرى ترفض الانتماء لدم الخادمة المحتقر، وقد لخص المخرج هذا الحدث ببراعة في الجملة الحوارية التي تلفظت بها البطلة بعد موت طفلتها : " لم تردني أن ألدها".

واجهت الخادمة إذا الأزمات والانكسارات في كل مراحل الفيلم : الأصل والهوية ـ القيمة الاجتماعية ـ الحب والزواج ـ الولادة والأمومة... لكنها لم تستسلم، لم تنهزم، لم ترضى بواقعها المتحطم، بل واجهته بإصرار وقوة وتحد وصبر ومكابدة، بل الأكثر من ذلك كانت هي العامل الأساسي في استقرار العائلة والحفاظ على ثباتها وقوامها المتين، حيث كانت تخلق جو البهجة والفرحة والنشاط في المنزل، فكانت بذلك مصدر عشق وانجذاب من طرف الأطفال، ومصدر حب وتقدير من طرف الأم والجدة كذلك (حيث قاما بمساعدتها ومرافقتها في الكثير من محنها)، بل مصدر ارتباط وحنان وعطف غريزي حتى من الحيوان (الكلب حارس المنزل).

فالأسرة كانت تعيش تهديدا واضحا بالتفكك والاضطراب والخراب، نظرا للخلافات الزوجية المتوالية والتي نتج عنها هجرة الزوج لزوجته ورحيله عن بيته، ضف إلى ذلك قاعدة العائلة الكبيرة المتكونة من أم وأب وجدة وأطفال وخادمتين، وهذا ما زاد من تأجيج لهيب الخلافات والصراعات: بين الأطفال والأباء أحيانا، وبين الأباء والخادمتين أحيانا أخرى، وبين الأطفال بعضهم مع بعض....وقد كثف المخرج هذا التوثر العائلي في لقطة مميزة حينما رصد بكاميرته المحاولات المتكررة للأب والأم لإدخال السيارة إلى المرأب الضيق الموجود في مدخل البيت، لكن محاولتهما دائما ما كانت تنتهي بتكسير مرايا وجوانب السيارة التي تتعرض للتخريب باستمرار، وكأنه (المخرج) يريد أن يقول لنا بأن علاقة الأب والأم  والعائلة مهددة بالتخريب والتحطيم هي الأخرى ـ في أي لحظة ـ على شاكلة السيارة.

في الاتجاه الآخر تلعب الخادمة دور المعين والمساعد على تجاوز هذه الأزمات، كونها توحد بين الأطفال وأمهم، وتسعى إلى خلق السرور والنشاط على ثناياهم (مرافقتها لهم في رحلاتهم وأنشطتهم)، ثم تنقذهم من أزماتهم ومصائبهم وصدماتهم (لم شمل الأم مع أطفالها بعد هجرة الزوج ـ إنقاذها لحياة الطفلين في حادث الغرق بشاطىء أحد المنتزهات الصيفية). وألفونص كوران يلمح لنا لهذا الدور الفعال الذي تلعبه الخادمة في الحفاظ على لحمة العائلة بلقطتين فنيتين بارعتين:  أولهما افتتح بها أحداث فيلمه، لكنها جاءت متقطعة ومبهمة : تنظيف الخادمة مدخل البيت بالماء والصابون، ليتضح ملمحها بعد منتصف الفيلم حينما سيتبين بأن الخادمة تنظف البيت من فضلات الكلب (حارس المنزل)، وهنا إشارة فنية مميزة توحي وتدل بأن الخادمة لا يقتصر دورها على تنظيف المنزل، بل هي المنظفة الناجعة لكل آثام وأخطاء وزلات قاطنيه. أما اللقطة الثانية فتظهر في المشهد الختامي للفيلم، حينما تصعد الخادمة إلى أعلى سطح المنزل، إيحاء بدورها القيادي والجوهري في خلق الاستقرار والتماسك على بنيان العائلة.

ـ القضية الثانية: تمثلت في الحضور الأنثوي البارز في أحداث الفيلم، فالمرأة هي بطلة الفيلم بامتياز، هي الخادمة وهي السيدة، هي الأم وهي الجدة وهي الطفلة، هي الضحية وهي سبيل التضحية، هي منبع الآلام والأحزان وهي القوة والتحدي والمواجهة، هي العاطفة والغريزة والزلات وهي الثبات والتدبر والعقل الحكيم...

لقد تخلى كل  الرجال عن الأنثى في أحلك لحظاتها وفضلوا الانسحاب بحثا عن اللذة والأحلام، وهروبا من المسؤولية والالتزام الأسري : الجدة التي تعيش وحيدة في المنزل، الزوج الذي هجر زوجته وأبناءه بحثا عن عشيقة جديدة، فيرمين الذي ترك محبوبته حاملا وتخلى عنها،  الطفلة التي كانت قريبة من الخروج لأرض الوجود، فماتت من جراء نكران الأب ورفضه لوجودها... لتبقى الأنثى وحيدة في الساحة تواجه مكالب الدهر، ومصائب العصر، وصدمات الواقع: الخادمة كليو تضحي في سبيل استقرار الأسرة والعائلة، والأم تتحدى العراقيل لحماية عرين أسرتها والحفاظ على تماسك وانسجام أبنائها، بينما تلعب الجدة دور المساند والمحفز والمشارك والمتضامن في كل لحظات التأزم و الانفراج، لتكون بذلك المرأة هي جوهر الاتزان وأصل الثبات الذي يقوم كل خلل تتعرض له العائلة. وقد رمز المخرج لهذا الدور الأساسي بمشهد مميز ساق فيه الأم وهي تشتري سيارة صغيرة جديدة، وتتمكن من إدخالها بنجاح إلى مدخل المنزل، بعدما كانت تفشل في السابق مع السيارة الكبيرة (هي وزوجها) وتخرب جنباتها، وكأن المخرج يريد أن يقول لنا بأن الزوجة وهي بمفردها (السيارة الصغيرة السليمة) استطاعت أن تحافظ على تماسك أسرتها، وتقوم بنيان عائلتها، وتصحح أخطاء وانكسارات الماضي الذي شاركته مع زوجها (السيارة الكبيرة المحطمة).

فنيا يظهر أن الفيلم غابت عليه الحركية والإثارة التي تميزان الأفلام المكسيكية، وغلبت عليه الرتابة الإيقاعية والتفصيل في سرد ووصف الوقائع، بالإضافة إلى إعطاء المساحة الوافرة للحوار من أجل تشخيص الأعماق والبوح بالأحاسيس، خاصة لدى الخادمة التي ركز المخرج على جملها الحوارية المليئة بالإيحاءات والدلالات الصادرة من قلب المعاناة والبؤس والمآسي المتوالية، وقد رافق ذلك غياب تام لعنصر الموسيقى التصويرية التي تخلى عنها ألفونص تماشيا مع البعد الاجتماعي لفيلمه، وانسجاما مع طبيعة اللحظة العاطفية والتي تفرض الكشف والبروز من خلال الحوار والكلام والتدقيق في التعبير والوصف. بطبيعة الحال ألفونص اختار هذه الخصائص الشاعرية في قصة فيلمه قصد كشف وإظهار القضية أمام المتلقي، ولو في إطار ذاتي استذكاري تختلط فيه أحاسيس وذكريات المخرج مع طبيعة الوضع الاجتماعي في بلده.

كما ركز المخرج على الرصد الدقيق والوصف التفصيلي لجزئيات الأحداث من خلال الوقوف على وقائع بسيطة وأحداث ثانوية وتشخيصها بدقة وتركيز. ونرى ذلك في لحظة الولادة بالنسبة للخادمة، حيث يتبع المخرج اللحظة خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة، من المخاض إلى الألم إلى المستشفى إلى تشخيص الأطباء الدقيق والمتتابع إلى عملية الولادة إلى وفاة الوليدة...كما نلحظ ذلك في الوصف الشاعري لعنصر المكان من خلال الإحاطة الشاملة والوافية لعدسة الكاميرا بكل تفاصيل وأجزاء المكان من بنايات مدينة مكسيكو إلى أحيائها ودروبها وشوارعها ومحلاتها التجارية وأماكنها الترفيهية (السينما) وأناسها ومرافقها، بل حتى هوامشها ومنازلها القصديرية حيث ينبع الحلم والفرح والنشاط، وذلك لأن المخرج يرسم بآلة تصويره مخيلة المكان النفسي الذي عاشه وتذكره وتعايش مع لحظاته الحميمية والعاطفية في ضاحية كولونيا روما.

وفيما يخص الجوانب التقنية اختار المخرج أن يقدم فيلمه باللونين الأبيض والأسود، ترسيخا للذكرى، واحتفاء باللحظة التاريخية، وتجسيدا للفترة الزمنية في مرحلة طفولته. واحتفاءه الحميمي هذا أراده أن يواكب الفترة واللحظة بنفس لوحاتها وديكوراتها وعدسات تصويرها، ولهذا اختار اللونين الأبيض والأسود باعتبارهما من خصوصيات المرحلة التاريخية سينمائيا.

وقد اعتمد المخرج على اللقطات المتوسطة كثيرا في فيلمه، لأنها أطرت تفاعلات الأسرة وتحركات أفرادها في فضاءهم الصغير (المنزل)، كما ألمحت إلى دور الخادمة في إصلاح حال هذه الأسرة التي عانت من تهديدات متعددة، ولهذا اضطر كوران أحيانا إلى استعمال اللقطات المكبرة قصد التركيز على مركزية كليو في الأحداث، باعتبارها البؤرة التي تنبع منها المآسي والأحزان، وفي نفس الوقت الجوهر الذي يصدر الحلول ويخلق البهجة والنشاط على كافة أفراد العائلة.

أما التصوير فقد جاء حركيا تتنقل فيه الكاميرا من مكان إلى مكان تماشيا مع تحركات الممثلين وترصدا لأفعالهم وملامحهم وهيئاتهم، وقد استند المخرج في ذلك على حركة الترافلينغ بأنواعها المتعددة، سواء الأمامية التي تهتم بالإحاطة الشاملة للموضوع المصور، وذلك بمتابعته ومصاحبته عن طريق اقتراب العدسة منه ولفت الانتباه لدوره وقيمته (تركيز الكاميرا على هيئة وملامح وأفعال الخادمة تارة وتصرفات أفراد الأسرة تارة أخرى). أو ترافلينغ المرافقة الذي يوظفه المخرج بغرض تتبع مشهد ما ومسايرة أحداثه المتحركة خطوة خطوة، حيث تكون حركة الكاميرا متوازية ومتوازنة مع إيقاع الموضوع المصور، ونلحظ هذا النوع عند الخادمة التي خصص لها ألفونص كوران كاميرا خاصة تتبع خطواتها لحظة بلحظة وقدم بقدم، أثناء تجولها ومشيها في شوارع الضاحية. كما نجد حضورا في بعض الأحيان للحركات البانورامية الدائرية، حينما تتحرك الكاميرا على محورها الأفقي بشكل دائري وتحيط بكافة جوانب ومرافق وغرف المنزل، وفي هذه الإحاطة إشارة صريحة من المخرج إلى علاقته الحميمية بالمكان (بيته القديم) وبأسرته التي تترابط أواصرها بترابط وتماسك وتسلسل كافة مرافق المنزل.

وبالنسبة للإنارة فقد جاءت مزدوجة متنوعة بين الإنارة الخافثة التي تبرز مظاهر البؤس والحزن والمعاناة والدنو الطبقي خاصة في غرفة الخادمتين التي اختار المخرج أن يملأ إطارها بالظلمة والسواد كدلالة رمزية على الوضع الهامشي ـ الإقصائي الذي تعيشه هذه الفئات اجتماعيا. وبين الإنارة القوية الساطعة التي كشفت لحظات الأمل والحلم والرغبة والبهجة في حياة الخادمة والأسرة من جهة، وأظهرت المستوى المعيشي الميسور الذي تعيشه العائلة من خلال التركيز على كل جنبات المنزل الواسع والفخم من جهة أخرى. كما استعان المخرج بديكور وملابس مستوحاة من طبيعة الفترة الزمنية (سبعينات القرن العشرين) والتي جاءت متناسقة ومتوافقة مع الخصوصيات التاريخية والاجتماعية والسياسية والثقافية لمكسيكو سيتي إبان السبعينيات.

وفي الختام يمكن اعتبار فيلم roma  من أبرز المعالم السينمائية العالمية لسنة 2018، سواء فيما يخص مضمونه الاجتماعي الراقي، أو فيما يخص أسلوبه وتركيبته الفنية الراقية، ولا غرابة أن يفوز الفيلم بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية السينمائي، ويترشح للقائمة القصيرة لجوائز الأوسكار في فئة أفضل فيلم أجنبي، لأنه نتاج عمل مثمر قام به المبدع ألفونص كوران لتجسيد سيرة طفولته بطريقة فنية فريدة من نوعها، ساهمت في رفع أسهم هذا الفيلم في مختلف المناسبات السينمائية العالمية.

 

محمد فاتي : أستاذ باحث في مجال الصورة

 

صفاء الصالحيعلى غرار الروايات مابعد الحداثية وبتقنية الميتا فكشن قدم الروائي العراقي تحسين كرمياني منجزه الإبداعي الحادي والعشرين، والتاسع في حقل الرواية بعنوان " ليلة سقوط جلولاء "، الصادرة عن دار سطور للنشر والتوزيع عام2019، اربعة أعوام (دسمبر 2014- اكتوبر2018) أستهلكت من وقت الأديب ومجهوده ليحكم نسجها في الصياغة والإحكام، وإخراجها بهذا الشكل الحداثوي، وقبل التنقيب عن الثيمات المطمورة التي دفنها الكاتب لنبحث عنها، واقتحام اغوار النص وفتح مغاليقه لابد من التحليل السيميائي للعتاب الاولى (الغلاف، والعنوان، والإهداء)، كيمياء الصورة لغلاف الكتاب : لوحة تشكيلية لباب ذا صبغة تاريخية، موصد متين رغم خشبه المتهري دلالة على شموخ وعراقة السجل التاريخي للوطن المفقود . أما العنوان " ليلة سقوط جلولاء " فيه إشارات لافتة تلقي بظلال سلطتها على المتلقي وتثير العديد من علامات الأستفهام في ذهنه وتدفعه الى الدخول في عالم النص بحثاً عن إجابات لأسئلته، كما يفصح عما في النص ويدل على محتواه العام، ويحيل القارئ الى الفضاء الجغرافي للرواية مدينة جلولاء بيئة الكاتب وواقعه المعاش التي يعتبرها المصدر الرئيسي في إستلهام افكاره الحكائية قبل ان يدخلها معمل الخيال. وفي الإهداء (الى جلولاء .. كولالة .. قرغان ..أرضاً أناساً بلا إستثناء .. قديماً، حاضراً، مستقبلاً سواءً بسواء .ص5)، فيه محاولة من الرواي أحياء قيم الأنتماء والولاء لمدينة جلولاء في نفوس من توطن فيها الأجيال من عرب وأكراد وتركمان، ومحاولة منه في معالجة أزمات متفاقمة حلت بها . وقبل بلوغ نوافذ الولوج الى غرفة الحكاية يستهل الكاتب روايته بمقولات متنوعة لمشاهير عالميين فيها من الإشارات لمضامين الرواية .الثيمة المحورية للرواية التشبث بالوطن واحياء روح الانتماء اليه وتجلى ذلك بعد إعلان السارد الأول بطل الرواية "زوراب الأحدي" (لذا سأعلن ولائي ومن غير تردد أو تأجيل، لما سيقره عقلي، ويجب أن أطيع، سأسكن المسحيل.. سابقى عاشقاص وعشيقا للمكان ص30) . وتدور أحداث الرواية حول شخصية زوراب الأحدي من مواليد يوم الأحد والمتزوج يوم الأحد، وفي يوم الأحد فقد زوجته وابنتاه، وبذات اليوم استشهد . وزوراب الشخصية الأصيلة التي المتجذرة التي عاشت في المدينة، ورفضت مغادرتها حتى بعد إستيلاء المسلحين عليها، بعد ما فقد بسبب الحرب عائلته المتكونة من زوجته (كولالة) التي دفنها في مقبرة المدينة ومعها أبنتاه الوحيدتان (نداء، ورواء)، وفي محاولة منه الانعتاق من أغلال الواقع القهري لجا الى جزء من شهوة الحياة عنده "الكتابة"، وقرر تدوين ما يعيشه ووأن يكتب ما حدث، وما سيحدث وقبل أن تنهي حياته بالمصير التراجيدي المفجع حينما وضعت رصاصة صديقة حداً لحياته، وثمة شخصية ثانية رئيسية تأتي بالمرتبة الثانية بعد شخصية زوراب الاحدي هي شخصية السارد الثاني ويبرز دوره بعد ما تلاسنت الألسن عن تخلف زوراب الأحدي عن قوافل الخارجيم من المدينة، وعثوره مع جثة زوراب على كشكول مفكك الأوراق قد أكلت بقع الدم الكثير من أوراقه، فيلملم الأوراق ويقرر أن يخوض أنقاذ حكايته، فيعيد السارد الثاني أنتاج نصوص السارد الأول بطريقة فلاش باك يعود فيه بالمتلقي الى ماضي السارد الاول البطل الرئيسي للرواية ويشكل مستوى سردي جديد عجائبي غرائبي لاسيما في في حكاية كابوس النهر (وقبل بيان الخيط أول الفجر، تدافعت الجموع البشرية، وربما رأيت كما رأيت كم نَفَر كان يرفع سكيناً، أو هراوة أو منجلاً، أكتاف تضرب اكتاف والغبار بدأ يلف البلدة، تناهقت الحمير، وتنابحت الكلاب، وتصريحات الديكة، قيامة غير مسبوقة، كأنها أعلنت بيعتها، أو نفخت اْبواق النفير لإدامة زخم الغيرة في الأبدان العاطلة من الخطوط الخلفية، ص١٧٥)، بتقنية "الميتافكشن" وما وراء القص، ومن غير أن يتخلى عن العالم الواقعي مقابل المتع النرجسية للخيال، وهو ينتقل من خلال فعل الذاكرة وبناء المشاهد الحية بين ازمنة متعددة وأمكنة واقعية مختلفة، ويوهم القارئ بأنه يقرأ احداث حقيقية واناس واقعيين حينما يشير الى فعل الكتابة والى حياة الكاتب مما يترك أنطباعات لدى القارئ بان الحياة االواقعية قد أنزلقت الى عالم الرواية لاسيما بإدخاله ضمن بنية المتخيل السردي شخصيات واقعية حية معروفة على الساحة الادبية أمثال الشاعر والمترجم جلال زنكابادي (حزمة نور سحبتني وأوقفتني أمام نافذة متهالكة، ألقيت نظرة، وجدت كاتب البلدة وباحثها، ذلك الكاتب العجيب، جلال زنكابادي منكباً على طاولته ..ص167)، وكذلك يمارس السارد الثاني النقد داخل النص السردي تنظيراً ونقداً، والحديث عن الكتاب وهمومها وتحدياتها داخل فضاء الرواية ص9، ويمرر من خلال لعبته السردية خطابات متعددة تحمل في طياتها نقداً للواقع السايسي والأجتماعي الذي اغرق الوطن في عرض الفوضى . وبالإضافة الى الشخصيتين الرئيسيتين هناك شخصيات ثانوية تعطي القصة بعدها الحكائي وتعتبر أداة ووسيلة الكاتب للتعبير عن رؤيته، مثل شخصية (عباس، وابو حازم) التي تقع ضمن شخصيات ثانوية فاعلة إستذكارية يكمن دورها في ربط اجزاء العمل السردي، وأداة من تنشيط ذاكرة القارئ، وأيقونات جيل الطيبين المعروف بالطيبة والغيرة وحب الخير وحب الوطن، وشخصية الاخرس الشاب الموهوب من أهل البلدة الذي عشق القرآءة والماركسية، فعقر لسانه في سراديب الأمن، لكن ظل قلماً ناطقاً، وكان نافذة الكاتب في اقحام وتدوين تغريداته في السوشيال ميديا الة عالم الرواية، وكذلك شخصية الاستاذ هاني مدرس التاريخ الذي اقحم في الرواية ليكون نافذة الكاتب التي أشر فيها الى العلاقة بين التاريخ والمكان، وبالإضافة الى ما ذكر من شخصيات هناك شخصيات غير مؤنسنة في الرواية مثل شخصية " خمبابا " وهي محكاة لشخصية خمبابا في ملحمة كلكامش (الكائن الاسطوري الذي كان يحمي غابات الأرز)، ويبرز في الرواية كناية عن الرأسمالية المتعددة الجنسيات " أمريكا " صاحبة النزوات العدوانية التدميرية الساعية الى السيطرة على الكون والتلاعب بالسلوك الانساني، وبالإضافة الى خمبابا كائن خيالي آخر غريب يسكن داخل بطل الرواية ويظهر على شكل أمرأة عمد الكاتب إدخالها كصوت أنثوي في لتحقيق التوازن في نوع الجنس في الرواية وكان موفقاً في تحقيق الموازنة المطلوبة في الرواية . وأما البناء الجمالي للنص أستند في تشكيل معماره العديد من التقانات السردية، والوصفية ووالحوارية، وبلغة يسيرة لا تحتاج الى تأمل عميق في محاولة فك رموزها .

أن رواية "ليلة سقوط جلولاء" رواية تروبيكالية بتجسيد جمالي وفني على مستوى اللغة والتعبير تنوعت فيه الأساليب السردية، وبإستكهان لايخيب ستحقق الرواية نجاحاً على صعيد المبيعات والترجمة، كما ستحقق هذه الرواية حضورها على المستويين الأكاديمي والنقدي ووآمل أن تقدم الى جائزة لتنافس وتفوز .

 

صفاء الصالحي

...........................

الهوامش

١- التروبيكالية: مفردة عجائبية توارد في الادب الامريكي اللاتيني وكان يتغنى بها الكاتب الكولمبي غابريل غارتيا ماركيز عندما يريد ان يعبر عن حالة مثالية تعجز الكلمات التعبير عنها، وقد أشار اليها الكاتب في هوامش الرواية .

‏‫

 

عبد الله الفيفييحتجُّ منكرو المجاز اللغوي ببعض الحُجج الطريفة، منها قولهم: إن المجاز كَذِب، والكَذِب لا يجوز. وهذا يذكِّرنا بمن حرَّم فنَّ التمثيل في العصر الحديث؛ لأن التمثيل كَذِب، والكَذِب حرام! وهؤلاء لا يفرقون بين الكَذِب الأخلاقي والتعبير الفنِّي القائم على التخييل.  ومَن بلغ به المقام إلى هذا الدرك، فلا سبيل إلى إفهامه أو جداله. وكيف، وقد نفى البلاغة واللغة، يبقى إلى حواره من سبيل؟! ولا غرو، فهؤلاء لو استطاعوا لنفوا الحضارة البشريَّة برُمَّتها، والطبيعة المحيطة بكاملها، وسُنن الله في خلقه جميعًا؛ لأن لديهم دون كلِّ أمرٍ شُبهةً تجعله منكَرًا، وحَرَجًا يبتدعونه يجعله حرامًا، حتى ما أبقوا لنا من حلالٍ ولا جائزٍ ولا مجاز، سِوَى الموت وارتقاب يوم الحساب!

ومن طرفاتهم كذلك احتجاجهم بأن المجاز لم يقل به (الخليل بن أحمد الفراهيدي) وغيره من الرعيل الأول.  وهؤلاء المبتدعة من أبناء قرون الانحطاط اللغوي والبلاغي والثقافي والفكري، الذين يحتجُّون بالخليل وأوائل اللغويين، هم في غفلةٍ أو تغافل عن أمور:

أوَّلها، أن هذه القضيَّة البدهيَّة لم تكن لتُثارَ لدَى هؤلاء المؤسِّسين لعلوم العربيَّة، كما أُثيرت في عصور الفراغ، والجدل السفسطائي، والمكابرات الجدليَّة المتورِّمة بها أنوف التاريخ الإسلامي في العصور المتأخرة.

وثانيها، أن الاحتجاج بالسَّلَف لنفي الخَلَف، ليس فيه من جديد؛ فهو ترديدٌ ببغائيٌّ لحُجَّة أزليَّة قال بها العجزة المنقطعين من عُبَّاد السَّلَف، في كلِّ زمانٍ ومكان، منذ قوم (نوح)، الذين قالوا: ﴿ما سَمِعْنَا بِهَـذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِين﴾. موقنين أنهم بهذا قد أدلوا بحُجَّة بالغة لا تُرَدُّ، فكفَى بالآباءُ حُجَّة، وبالسَّماع عنهم مستنَدًا، لا قِبَل لأحدٍ بدحضه!

وثالثها، أن أصحاب مذهب السَّلَفيِّين هؤلاء- الذين لا يفكرون بأدمغتهم التي في رؤوسهم بل بأدمغة آبائهم الثقافيِّين- يعتقدون أن السَّلَف ما ترك للخَلَف من شيء. وتلك عقيدةٌ جاهليَّةٌ توارثوها ثمَّ أَسْلَمُوها. فما لم يجدوا آباءهم عليه من مِلَّةٍ فليس من الحقيقة في شيء، ولا حتى من المجاز.  وما أكثر الأشياء التي لم يَقُل بها الأوائل، أو لم تصلنا عنهم. وإلى تهافت الاستدلال بمثل هذا، فإن فيه اختلالًا ذِهنيًّا في تصوُّر المعارف والعلوم، نشأةً وارتقاءً. لكن كيف يُستغرَب مثل هذا الاختلال الذِّهني ممَّن تجدهم يجادلونك أحيانًا بمقولاتٍ تزعم أن العربيَّة كانت لغةَ آدم، فضلًا عن كونها لغةَ الأُمم البائدة، ولغةَ الجِنِّ والملائكة أيضًا؟ وهؤلاء، لا ريب، يعيشون في كوكبٍ آخر، لا علاقة له بكوكب الأرض، ولا بالمعارف التي نشأت عليه، ولا بالتجربة البشريَّة جملة وتفصيلًا. ومَن يتصوَّر مثل هذا لا يقال عنه: إنه لا يعلم، بل الأصح أن يقال: إنه لا يعقل. ومع ذلك فهو واثقٌ بما يقول ثقةً عمياء، لم يدَّعِها قبله من نبيٍّ ولا رسولٍ ولا جاء بها كتاب.

ورابعها، أن النفي الانتقائي، زعمًا: أن القدماء لم يقولوا بالمجاز، محض مغالطة. فإنْ صحَّ أنهم لم يقولوا به، فهم لم يقولوا بنفيه. ولو كان أمره لديهم من الخطورة العقديَّة بمكان، لاقتضى ذلك تنبيه الأُمَّة إلى نُكرانه من أوَّل يوم، وكفَى الله المؤمنين المجاز! 

وخامسها، أن ما زعموه من أن القدماء لم يقولوا بالمجاز هو في النهاية محض افتراء، ألجأهم إليه المِراء. فلقد أشار الأوائل إلى المجاز، وإنْ بمصطلحاتهم العتيقة، كتعبيرهم عنه بـ«الاتساع في الكلام» أو «الاختصار فيه»(11). وبذا رأوا رأيهم في فهم بعض آيات القرآن، منذ القرن الأول والثاني الهجريَّين. أمَّا الجهل بضرورات التطوُّر الاصطلاحي، فرديف الجهل بتطوُّر العلوم والآداب والمعارف في الأُمم. 

والحقُّ- بعد أنفلونزا المجاز، التي وَبَأَت الثقافةَ العربيَّةَ لقرون، وترسَّخت إبَّان عصور الانحطاط اللغوي والأدبي والحضاري- أن اللغة ليس معظمها قائمًا على المجاز فقط، كما كان (ابن جني) يقول، بل اللغة كلُّها مجازٌ في مجاز. حتى ما نظنُّه اليوم حقيقة، كان مجازًا في تاريخ اللغة الماضي، إلى أنْ ترسَّخ وأصبح حقيقةً في تصوُّرنا بعدئذ. إن اللغة مجازٌ متناسل. والإنسان ضحيَّة لغته. ولولا ذلك، ما نشأت جدليَّة المعطِّلة والمشبِّهة نفسها، ولا القول بإنكار المجاز أصلًا. هذا ما يقوله نفاةُ الحقيقة عن اللغة.  وقولهم- وإنْ يبدو متطرِّفًا في الاتجاه النقيض لمذهب نُفاة المجاز- له وجاهته، بالنظر إلى طبيعة اللغة ووظيفتها وتطوُّرها. لا بمعنى أنني إذا قلت «شمس» في الوقت الراهن لا أعني ذلك النجم المشتعل المعروف؛ لكن بمعنى أن أوَّل مَن سمَّى ذلك النجم المشتعل المعروف «ش م س» إنما كانت ترتسم في ذهنه لوحةٌ تعبيريَّةٌ نقلها من خلال هذه الأصوات اللغويَّة، ثمَّ من خلال هذه الصيغة الصرفيَّة. واختلاف أبناء اللغات في زوايا النظر والتعبير لا يُسقِط هذه الفرضيَّة. 

إن اللغة كلَّها، إذن، محض تصويرٍ صوتيٍّ مجازيٍّ عن المعاني الذهنيَّة. يشهد بذلك ما يُعرَف بمحاكاة أصوات الطبيعة (الأُنوماتوبيا ONOMATOPOEIA). وتلك هي الفكرة التي كان ينطلق منها علماء اللغة، من عربٍ وغير عرب، وهو ما لا شأن لمنكري المجاز به، ولكنه مصداق ما قيل قديمًا: مَن دخل في غير فنِّه جاء بالعجائب! «تلك هي الفكرة التي كان ينطلق منها علماء اللغة، (ابن جِنِّي)، و(ابن دريد)، و(ابن فارس)، و(هامبلت)، و(جسبرسن) وغيرهم. وهم- وإنْ بالغ بعضهم أحيانًا في التماس العلاقات بين دوالِّ اللغة ومدلولاتها- لم يعْدوا الحقَّ في هذه الفكرة، مع ما أُثير عليهم من النكير حولها، وما واجهها به (فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure) من الرفض؛ إذ يرى اعتباطية اللغة وأنها لا تخضع لمنطق أو نظام مطَّرد، وأن المؤشرات على المناسبة بين الدالِّ ومدلوله، كأصداء الطبيعة، هي من القِلَّة والاختلاف بين اللُّغات بحيث لا يَصِحُّ اتخاذها أساسًا لظاهرة لغويَّة مطَّردة أو شبيهة بالمطَّردة، فليست أكثر من أصوات قليلة تصادَف أنْ أشبهت أصواتها دلالاتها. لكن قلتها النسبيَّة تلك في اللغات غير الفطريَّة، وكذلك اختلافها بين الشعوب، ليس بحُجَّة لإسقاطها، فضلًا عن أن المناسبة الصوتيَّة بين أصوات اللغات والطبيعة ليست حصرًا في ظاهرة أصداء الطبيعة اللغويَّة، بل هي تدخل كثيرًا- عند التأمُّل- في المناسبة بين ألفاظ اللغة وما تُعبِّر عنه من دلالات غير صوتيَّة. ولا يبدو مقنعًا الزعم بأن هذا الإحساس بالمناسبة بين دوالِّ اللغة ومدلولاتها ليس سِوَى وَهْم يتولَّد عن مكتسبات المرء اللغويَّة وما ينشأ عن ذاك من ربطٍ بين بعض الأصوات ودلالتها، وأن كلَّ لفظٍ يصلح أن يُتَّخَذ للتعبير عن أيِّ معنى من المعاني عند التواضع عليه، وأن لفظ «الشجرة»، مثلًا، لا يحمل ما يوحي بفروعها وجذورها وأوراقها وخضرتها؛ لأن هذا الربط يُدرَك بين أصوات اللغة ومدلولاتها وإنْ لم يسبق للإنسان اكتسابها، وكأنما في الذهن الإنساني مَلَكَة فطريَّة أوَّليَّة كليَّة، تُشبِه مَلَكَة الإحساس بالتعبير الموسيقيِّ وتذوقه، قادرةٌ على إدراك الصُّوَر الصوتيَّة للأشياء وتكوينها. وأيًّا ما يكن الأمر، فيما إذا كانت تلك مَلَكَة فطريَّة أو مكتسبة في الربط الموسيقيِّ التعبيريِّ بين الصوت والدلالة، فمؤدَّى ذلك واحدٌ في النهاية، وهو أن هناك رابطةً تعبيريَّةً بين أصوات اللغة وموضوعاتها.» (22) 

وعليه فاللغة كلُّها قائمة على التصوير الفنِّي، الذي لُبُّ أدواته المجاز الأَوَّلي، بمعنى الرمز التعبيري عن الأشياء. إن العلاقة بين الأشياء والكلمات مجازيَّة ابتداءً. لا نقول اعتباطيَّة كما زعم (دي سوسير)- وكأنه لا يتحدث عن اللغة البَشريَّة، بل عن لغات الطير والنحل؛ إذ نظر إلى اللغة بوصفها مجرَّد إشارات تُدرس سِيْمَوِيًّا- بل نقول إن العلاقة بين الأشياء والكلمات في اللغة البشريَّة مجازيَّة تعبيريَّة، أصلًا وفصلًا. أمَّا العلاقة بين الكلمات والمعاني في تاريخ التطوُّر اللغوي، فشيوع المجاز فيها أمرٌ بَدَهي، مَن نفاه فقد نَفَى اللغة والتطوُّر اللغويَّ في آن؛ من حيث أزهق روح اللغة. وتلك الروح هي ما اصطُلِح عليه: بالمجاز. لولا المكابرة المُؤدلجة- التي أعيت من يداويها- ما خطر في ذهنٍ غير هذا. 

وإذا كان هذا هو الشأن في اللغة بعامَّة، فكيف باللغة الأدبيَّة بخاصَّة؟! إن اللغة الأدبيَّة لا قيام لها إلَّا بانحرافها عن اللغة التواصليَّة. وإنَّما المجاز مظهرٌ واحدٌ من مظاهر الانحرافات اللغويَّة والأسلوبيَّة التي تمنح النصَّ الأدبيَّ هويَّته. فإنْ هي أُنكِرت، فقد أُنكِرت أدبيَّة الأدب. وإذا أُنكِرت أدبيَّة الأدب، فقل على بلاغيَّته السلام!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي

.........................

(1) انظر مثلًا: سيبويه، (1988)، الكتاب، تحقيق: عبد السلام محمَّد هارون (القاهرة: مكتبة الخانجي)، 1: 212. 

(2) انظر كتابي: (1996)، الصُّورة البَصَريَّة في شِعر العُميان: دراسة نقديَّـة في الخيال والإبداع، (الرِّياض: النادي الأدبي)، 301- 302.   

 

جمعة عبد اللهللشاعر جواد كاظم غلوم

الكاتب والشاعر القدير، له باع طويل وتجربة وخبرة عميقة، في ابداعه النثري والشعري، ويطرحه في مميزات النبرة الصافية والصوت الواضح، الذي يستند من صلابة المواقف الرصينة والرشيدة، التي تتجلى برؤيتها بالوعي الناضج من خبرته الطويلة في ممارسة الكتابة، التي عفرتها تراب المعايشة والمعاناة الحقيقية عبر ازمنتها المتعاقبة، التي اكتوى بنار حممها الحارقة وبالقهر الاجتماعي والسياسي، لهذا ينطلق بقوة الصدق في المشاعر والاحاسيس، التي تغلي وتفور في الضلوع . من معاناة الغربة والاغتراب سواء، في داخل الوطن، او في خارج الوطن . ومن الواقع المزري الذي وصل الى وتيرة التفاقم لتصل الى المحنة الجماعية، في القهر والعسف الحياتي، في ازمنتها السوداء التي مرت على العراق، وانغمر في لوعتها الموجعة، بأطنان من الاحزان والاضطهاد والانتهاك والاستلاب، ومن هذا المنطلق الواقعي ينطلق في مواقفه الصريحة والجريئة، يكشفها بكل شجاعة، ويكشف العيوب والعورات، ويكسر قلم المهادنة والمساومة، ويقف بشموخ ضد الاقلام الفاسدة التي لوثتها لعنة الدولار . ويشدد هجومه الضاري على الذين دفعوا العراق، ان يغور في اعماق الادغال الوحشية في دروبها المظلمة . يشدد هجومه على الذين سرقوا الحلم العراقي، بعد اسقاط الحقبة الدكتاتورية . ان يسرقوا العراق بكامله وبما امتلك من الخيرات والاموال الوفيرة، في تحقيق احلامهم المريضة بكنز الدولار الاسود،، ان ينشفوا بالفرهدة والنهب مغارة (علي بابا) وعلى حطام وجماجم الناس الابرياء التي تتساقط كل يوم . لكي تتحول الحياة الى معاناة جحيمية حقيقية، من هؤلاء الاوغاد البرابرة الجدد. فقد جعلوا الاحزان والانين والصراخ يتعلى من الاطفال واليتامى والارامل، وان يطحن المواطن البسيط في مطحنة المعاناة المريرة في لقمة العيش . انه زمن العهر بهؤلاء الحثالات العفنة، الذين يبيعون بضاعتهم الخسيسة في سوق النخاسين . بعدما جلبهم غربان الاحتلال، جمعهم من كل نفايات وقمامة المعمورة، وسلمهم صولجان السلطة والنفوذ والمال . جاءوا على شقاء الوطن وتحطيمه وتمزيقه، بذلك تحطمت حياة الناس الى الاسوأ من الماضي، في عهدهم البغيض والجاثم . هكذا غرد وصدح في مجموعته الشعرية، في استخدام وتوظيف كل الاساليب والاشكال التعابير، من اجل ان تحدث الصدى القوي والرنان . لكي تبرز الاثار المؤثر والمشحونة والمتحفزة لدى القراء، منها منصات تناص التراث والتاريخ، والى المناجاة الام السومرية . انه يعمق ويفجر الفعل المضاد في قصائده الشعرية . التي سلطت الضوء على هموم واحزان الناس، في معاناة حقيقية مدمرة بالخراب والفوضى العارمة، التي تخنق الحياة واسلوب المعيشة البسيطة . أن القصائد الشعرية تدلف الى الاعماق في محنة الوطن . وكما يعرج الى محنته الوجدانية الذاتية، برحيل رفيقة عمره وحياته، قرينة روحه، برحيلها الابدي، وفقدان عنصر حياتي هام وبارز في مسيرة حياته الطويلة، التي شق طريقها سوية بالحب والوفاء والانسجام . ان بغيابها الابدي، طعنة في اعماق روحه، يتجرع كأس العلقم كل يوم، تركته وحيداً يصارع الامواج العاتية في قسوتها وشقائها المدمر. لهذا الاسباب المتراكمة (من معاناة الوطن وفراق الحبيبة) يطلق عنان قريحة الشعر في قصائد المجموعة، ويرصد الاتجاه المدمر والعاصف في الحياة العامة . ويصب جام غضبه الساطع على البرابرة الجدد . انه يعطي اهمية بارزة للفعل المقاوم، بعدم الخنوع والاستسلام الذليل للاوغاد والطغاة الجدد، ان يوجه سهامه النارية على الثعالب والذئاب الادمية . ان يكشف احلامهم المريضة، بأنهم عبدة الدولار الاسود، الذين اغرقوا الحياة بالحزن والمعاناة، وأطفأوا كل انوار الحياة . ليكون شاهداً حياً على الخراب العراقي، الذي لم يتوقف، بل يستمر في وتيرة متصاعدة من خراب والحطام .

- في مناجاة المحنة بغداد وهي محنة العراق ككل . ان يشكو في معاناته الى (أبن زريق البغدادي) وهي صورة من الاستلهام والتناص . بأنه لم يجد في بغداد، التي جائها جائعاً وعارياً، يهزه نزيف الشوق والحنين، لم يجد سوى ليل مظلم مخيم على بغداد . سوى نزيف الدماء تنزف على ضفتي دجلة (الرصافة والكرخ) . لم يجد إلا وجوه العدى والردى، بالوجوه مخيفة ومرعبة، وهو يتجول بين الضفتين . لم يجد (المها)، وانما وجد عيونها مفزوعة من الرعب والاغتصاب والانتهاك . فلم يجد يا صاحب المقام الرفيع (أبن زريق البغدادي)، (المها) . فأين انت لتذود عن شرف وعرض (المها) من عفونة الاوغاد البرابرة الجدد . ولاسيف عنده يشهره في وجه الطغاة الجدد ليحمي شرف (المها) من عار الدنس . من البغاة الجدد . لم يعد له القدرة الدافع عن كرامتها المنهوكة والمغتصبة، ليعود خائباً يلوك الاسى، مضغة في فمه .

سيدي، ذا المقام الرفيع المنيف

جئت من سدفة الظلام المخيف

جائعاً، عارياً، دافقاً بالنزيف

أرى نسلي الزغب تشقى

ولا سيف لي .. لأشهره في وجوه البغاة

في وجوه العدى والردى

حين يحمي الوطيس

ألوك الاسى مضغة في فمي

أرحت ركابي بأرض الزلازل

لا زاد عندي سوى كسرة من رغيف

بللتها العفونة واخضر طحلبها في خراجي

أتيتك حزناً طويل الحبال

ثقيلاً، ثقيلاً بحجم الجبال / من قصيدة (القصيدة الثانية لابن زريق البغدادي)

- الحلم الوردي بعد سقوط الحقبة البعثية، انهار وتفتت وتمزق واختفى، واصبح حلماً اسوداً يورق ويرهق الناس . فقد سقط الامل بلا عودة . وخاب ظن الوطن للطيور المهاجرة، التي اعناها السفر وارهقتها الغربة والاغتراب، لتعود الى احضان الوطن، لتعود لتجدد احلامها القديمة في بارقة الامل . لكنها تفاجئ بالصدمة الهائلة بعودتها الى أرض الوطن . لم تجد بغيتها، ولم تجد العراق، وتجد بغداد تغفو غارقة في الحلم والكابوس . بغداد في وجهها المرعوب المغلف بالخوف والقلق في حياتها الجديدة . فقد لبست الزي العسكري، واطلق العناق لشبح الاحزان . بغداد اسيرة ومخطوفة بين الوجوه المرعبة التي تفاجئك، بجدران الكونكريت ونقاط التفتيش . يرعب صوت صفارت الانذار تنذر لموت جديد قادم . يرعبها نعيق وعواء الثعالب وذيولهم، بغداد تحولت الى سوق النخاسين بالعهر السياسي .

وأصوب وجهي نحو بغداد

أقف على شاطئ دجلة

ماذا عن العسكر والجدران الكونكريتية ؟

ونقاط التفتيش والوجوه المرعبة التي تفاجئك

وصفارات الانذار و ....... و ..........

أوه، سأتجاهل كل هذه المظاهر

واطوي هذه النشازات

وافتح افقاً احمر

واتأمل دجلة واغفو في حضنها قليلاً

أتلمس رملها الرطب البارد

أضع شيئا منه على خدي كالحناء  / من قصيدة (حمامتي والطيور السود)

- في العهد الجديد برزت معالم المدينة الفاسدة (الديستوبية) شاخصة في معالمها في كل ميادين الحياة، في النهب والفرهدة والسحت الحرام، على صراخ وعويل الفقراء والجياع والاطفال واليتامى . فقد اصابت العراق اللعنة من السماء والارض، حين اعتلوا العرش وصولجان السلطة والنفوذ . كل النفايات التي تجمعت وتهالكت عليه من قمامة وازبال المعمورة . التي باعت البشر بالدولار اسود، وحطمت كل شيء بالتدمير والخراب والفوضى الشاملة، بكل خساسة ودناءة حقيرة، كأن التاريخ يعيد نفسه من جديد في فصوله المأساوية . كما حدث لمدينة (بومبي) المدينة الرومانية، التي دمرت بالكامل، العمران والناس وكل معالم الحياة تحولت الى خرائب،على أثر انفجارات بركان (فيزوف) في العصر الروماني، او مثل حرائق روما التي حولتها الى حرائق .

أرضي أضحت خربة تساقط سورها الشاهق

كل يرمي نفاياته ودرنه في أديمها الطاهر

حدود بلادي قربوها، لوثوا طهرها

زاحفين كالجراد النهم

لعقوا بألسنتهم نقاء عذوبتي

لهاتهم أصابني بالقيء

توسلت بسرب النوارس

أنْ : خذوني معكم طائراً شريداً، جريحاً

لم ألق آذناً صاغية

سألم متاعي واعبر مدن الخطايا

أعفر وجهي برمادها

أتسكع في (بومبي) الغارقة بالاثم

لا أحد يشاطرني في خطواتي

سوى الكلاب الضالة . / من قصيدة (إطلالة على مدن الرماد) .

- نزيف جرح الحزن المؤلم الذي شطر قلبه الى نصفين، نصف رحل في رحلته الابدية، بقراق وفقدان رفيقة العمر والحياة والحب . رحلت الى رحمة الله الواسعة، وتركت الشطر النصف الاخر من القلب، يعاني من نزيف الحزن والهموم والشجون بوحشته ووحدته . برحيلنها أطفأت انوار حياته، تقطر بجراحها النازفة . لقد تركته وحيداً سوى من آثارها الباقية في كل زاوية من البيت، يوسي بها روحه المعذبة، تطارحه السقام، في الصحوة والمنام . فقد كانت غانيته الساحرة والطاهرة الجليلة، تملئ عبق حياته في مرها وحلوها . فقد كانت خيمته الحياتية .

أسدل ستائري في الليل

فإذا جدائل شعركِ تلاعب أناملي

أسقي ورود حديقتي

فتأخذني ساقيتي الى عذوبتكِ

أتجرد من ملابسي

فإذا جلدكِ يلتف بي متلبساً

سيديتي الغائبة تطاردني

تطارحني السقام

تلامسني الذهول

في صحوتي، في منامي

في شرودي، في يقظتي

في حلي وترحالي

في جلجلتي هدأتي

ما أنت ايتها الغانية الساحرة !! / من قصيدة (سيدتي الغائبة)

- الوضع الجديد المصاب بالفوضى العارمة، بغياب الرؤية البصيرية المسؤولة في حرصها وواجبها الاخلاقي والديني . فوقعت هذه الحثالات صريعة بريق هوس جنون الدولار الاسود . وراحت تعزف في بهجهة الفرهدة والنهب بالنشوة والانتصار . فأصبح العراق عبارة عن سرك تهريجي، تتقمص فيه كل الادوار الثعلبية والشيطانية، بالتهريج الغث بالهذيان والغثيان . في تجنيد النفوس الضعيفة والذميمة، التي تبيع شرفها وشرف القلم، بحفنة من الدولار، لتكمل صورة التهريج المنافق . في مهرجانات (على حس الطبل خفاً يا رجلية) . فأصبحت حياة المواطن تلاحقه كواتم الصوت في اي مكان كان، على شقاء وسياط الواقع الدامية والنازفة . فتبدلت الاحلام الى كوابيس، وتبدل كل شيء الى حطام اسود . حين هبت جحافل البرابرة الجدد احفاد المغول، لتحطيم الحياة في معاولهم على صياحات التكبير والتسجيد للاصنام الجدد المنافقة . وماهي إلا عبارة عن جرذان عفنة وكريهة . فقد اصبحت بضاعتها الرابحة، الدعارة العهر السياسي، بأحقر اشكاله الخسيسة والدنيئة . ليكنزوا الذهب والدولار على حطام الوطن . روضت الناس ان تدس رؤوسها في التراب .

قبرتم صغارنا وأداً

سخمتم سماءنا الزرقاء

أقحلتم فيافينا الخضراء

شحنتم أهالينا عداوة وبغضاً

طلقتم حليلاتنا الممتلئات عفة

نحرتم حمائمنا أمام مرآنا

وكواتمكم تطاردنا أينما حللنا

أبواقكم تصم آذاننا

أفواهكم تنفث كذباً

عيونكم تحدق بنا شزراً

سياطكم تلسعنا وجعاً

أخذتم بخناقنا

رفستم أحلامنا الوردية

كنستموها نفاياتٍ لمواخير اليأس

ابدلتم ملامحنا سحالي مخيفة

مصصتم جاشنا

صيرتمونا نعاماً تدس رؤوسها في التراب

ايتها البرابرة الشرسون . / من قصيدة (تعالوا أيها البرابرة أنتم وريحكم الصرصر)

- المجموعة الشعرية : كلما أفسدوا قلماً، طويت ورقتي .

- الشاعر : جواد كاظم غلوم

- طباعة : أمل الجديدة

- الطبعة الاولى : عام 2018

- مصمم الغلاف : الفنان مصدق الحبيب

- عدد الصفحات : 138صفحة

 

جمعة عبدالله

 

مادونا عسكرقراءة في نصّ للشّاعر والنّاقد  السّوريّ كريم عبيد

لي في هشاشتي وطنٌ ..

وعلى هامش روحي

نزفُ قصيدة ..

ورائحة لغةٍ عابرة..

أصابعي منفى ..!!

فكيف أردُّ الرّيح

عن عتبات قلبي ..؟

يا الّتي تنهض السّماءُ من أوراقها ..

كفرصةٍ أخيرةٍ في الضّوء ..

أنا رصيفُ أنثى الغيب

الطّالعة من حنايا جوعي ..

أتعثّر بأوراق ظلٍّ

يخلع نعليه .. ويمضي ..!!

القراءة:

حين يصوغ الشّاعر قصيدته يحيا حالة من الازدواجية تترجم انفصاله عن الواقع والتصاقه به في آن. وفي انفصاله عن الواقع حالة تنشد جماليّة الشّعر من ناحية انبعاثه من الأعماق. وفي التصاقه بالواقع تجتمع عناصر اللّغة لتبيّن الألم المتجذّر في قلب الشّاعر. الألم الّذي يصنع القصيدة، أو الألم الّذي يخطّها فيُخرج الشّاعر من دائرة الواقع إلى دائرة الوعي الشّعريّ؛ لكي يتمكّن من معاينة ذاته الإنسانيّة وذاته الشّعريّة. كما هي الحال في قصيدة الشّاعر كريم عبيد، حيث تجتمع الدّلالات اللّفظية والرّموز لتشكّل فضاء القصيدة الّتي يتوق إليها الشّاعر. ولئن تحدّث عن (نزف قصيدة)، فكّأنّي به يعبّر عن نزف داخليّ أنهك قواه بل عن استسلام ورؤية تشاؤميّة دلّت عليها عبارات مرهقة في القسم الأوّل من القصيدة (هشاشتي/ هامش روحي/ نزف قصيدة/ لغة عابرة) الشّاعر  المنهك  مستسلم لقوى خارجة عنه، يتطلّع إلى الواقع بضعف من لا يقوى إلّا على التّرقّب، من جهة (كيف أردّ الرّيح عن عتبات قلبي؟)، ومن جهة أخرى، يلتمس بخجل خلاصّاً يأتي من الغيب (يا الّتي تنهض السّماءُ من أوراقها../ كفرصةٍ أخيرةٍ في الضّوء..)

تظهر في القسم الأوّل من القصيدة روح الانهزام، وفقد عناصر المقاومة للواقع، ونوع من الغربة والتّيه عن الانتماء (لي في هشاشتي وطن). الشّاعر متقوقع داخل هشاشته متّخذاً إيّاها وطناً، ما يدلّ على انغماسه في الضّعف والتئامه بالوجع النّازف. أشارت إليه السّطور الّتي خلت من أيّ فعل إلّا واحد (أردّ)، ذهب بالشّاعر إلى أقصى الاستسلام (أصابعي منفى..!!/ فكيف أردُّ الرّيح/ عن عتبات قلبي ..؟) كما أنّ القسم الأوّل بدا كسماء ملبّدة، نقلت إلى القارئ ثقل المشهد وقتامته. ولعلّ هذا المشهد يشكّل حاجزاً بين الشّاعر والقارئ فتتسرّب إلى الأعماق نفحات الحزن. وبدل أن يسبر القارئ أغوار الجمال، يدخل مع الشّاعر دائرة الحزن والأسى ويتعاطف معه دون أن يرتقي إلى عوالم الشّعر. والتّعاطف مع حزن الشّاعر لا يدلّ بالضّرورة على جماليّات القصيدة. وإنّما التّعاطف  لحظة يستيقظ فيها الحزن الكامن في قلب القارئ. وما يلبث أن يتلاشى كرائحة اللّغة العابرة في القصيدة النّازفة:

وعلى هامش روحي

نزفُ قصيدة ..

ورائحة لغةٍ عابرة..

لقد استخدم الشّاعر صيغة النّكرة في الحديث عن (نزف قصيدة) (ورائحة لغة عابرة) ما دلّ على إمعانه في الضّعف الدّاخليّ دون أيّة مقاومة أو محاولة لتحدّي الواقع. وسيكشف لنا القسم الثّاني من القصيدة هيكليّة الوهن الّذي يعيشه الشّاعر، وهو يترقّب دون أيّ فعل شيئاً من الخلاص:

 يا الّتي تنهض السّماءُ من أوراقها ..

كفرصةٍ أخيرةٍ في الضّوء ..

أنا رصيفُ أنثى الغيب

الطّالعة من حنايا جوعي ..

(أنا رصيف) انتظار مستمرّ لخلاص غامض أو بعيد أو مستحيل (أنثى الغيب). ولئن استخدم الشّاعر لفظ (الأنثى) ابتعد بعض الشّيء عن معنى الخلاص الحقيقيّ، لأنّه تحدّد بالأنثى لا بالمرأة، وبالغيب أي المجهول. لذلك يسقط من القصيدة معنى الخلاص والنّجاة من التّقوقع الدّاخليّ، فالشّاعر ملتصق بواقعه أكثر من انفصاله عنه. فلو أنّه انفصل عنه لتبيّن في القصيدة خروج عن المألوف أو ارتقاء نحو الحزن المدهش، الّذي يمنح القارئ جمالاً شعريّاً خاصّاً يؤسّس لزرع القصيدة في النّفس. لكنّ الشّاعر أنهكه الحزن وأضعفه فتعثّر دون الانفتاح على الأنوار الشّعريّة، فهزمته قصيدته.

أتعثّر بأوراق ظلٍّ

يخلع نعليه.. ويمضي..!!

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

للقاص أنمار رحمة الله

تعمل النصوص السردية الجادة على احتواء القيم السائدة ومعالجة السلوكيات الاجتماعية المتشظية، واستدراك أنماط السلطة المتجهة بالمجتمع نحو ناصية الضياع والتلاشي عن طريق التهميش والإقصاء في سبيل بناء هرم التسيُّد والتسَّلط، وقصة حارس المكتبة للقاص أنمار رحمة الله من مجموعته القصصية (واسألهم عن القرية) بما تحمله من رسائل مشفرة ماهي إلا نموذج عميق بل وعميق جداً لشوائب الديكتاتورية وأسلوب القمع الذي تمارسه السلطة في الواقع المعاش والحاضر المتعسِّر.

يسرد الراوي العليم حياة البطل (مسعود) حارس المكتبة في القرية بمعالمها البسيطة والنمطية ذات السكون الفكري والانعزال المفرط، فعلى الرغم من تواجده في المكتبة بشكل يومي إلا أنَّه لم يتجاوب مع الكتب ولم ينشأ فيه ذلك الشغف الذي كان يحتوي والده صاحب المكتبة الكبيرة والعامرة بالكتب والمخطوطات والدراسات، فيبدأ (مسعود) يومه بالتوجه نحو المكتبة عند الصباح ولا يعود إلى المنزل إلى عند حلول المساء منهكاً ومتعباً يتذمَّر على أولئك الذين يتأخرون في المكتبة غارقين في بحر العلم والمعرفة بينما هو ينتظر مغادرتهم بازدراء وانزعاج شديد، وفي أحد الليالي وقبل أن يخلد للنوم طرق الخوف قلبه عندما سمع أصواتاً تتسرَّب من غرفة والده المتوفي منذ سنين عدة، فيُصعق وهو يراقب الباب الذي فُتح لوحده وعندها تحدث المفاجئة برؤية شبح والده المرعب، إذ يبدأ الشبح بمعاتبته على هجران مكتبة والده واكتفاءه بالتفاخر بها بين الناس فقط لا غير من دون أن يقرأ أو يطَّلع على التراث الذي تركه له والده والاستزادة منه، ومما يزيد من حدة المشهد استغرابه من أمر الشبح الحازم له  للمضي في البحث عن كُتيّب قديم المدفون في المكتبة ووضعه تحت رأسه؛ كي يحلم هذه الليلة مع إنذاره بحلول اللعنة في حال عدم استكماله للحلم، فاستخرج (مسعود) الكُتيب المطلوب ووضعه تحت رأسه مُعلناً الانطلاق إلى فضاء الفانتازيا والقرية العجائبية، إذ يجد نفسه تائهاً في غابة ذات معالم طوبوغرافية مثيرة للدهشة والاستغراب المسماة بـ(قرية المكتبة) بأشجارها وحيواناتها ذات الهيأة المخالفة للقوانين الطبيعية بعدما بانت له مكونات الغابة على شكل كتب لكل منها صنفه الخاص، وعلى الرغم مما دار بينه وبين أحد الكتب مستفهماً عن هذا المكان الغريب وعن هذه المخلوقات إلا أنَّه لم يجد إجابة مقنعة لأسئلته الكثيرة عن المكان وسكَّانه.

غاص (مسعود) في جو القرية الغرائبي وهو يستطلع ويكتشف معالم المكان الذي وجد نفسه فيه بفعل الحلم الذي رسمه له شبح أبيه، فبانت مخلوقات القرية كأنها مخلوقات حقيقة تمشي وتتكلم وترقص وتأكل وتتفاعل بالشكل الذي يثير دهشته ويدفعه للمراقبة والاستطلاع، وهو يلاحظ الممارسات المألوفة لديه لكن هذه المرة تقوم بها مخلوقات على هيئة كتب، فيجد في طريقه راعي على شكل كتاب يرعى مجموعة من الكتب التي تأكل الأعشاب، وكتب أخرى ترقص وتلهو وأخرى تصفق وتشجع، وتبيَّن أنها مجموعة من الكتب المهجَّرة من قرية الكتب بفعل شيخ القرية الديكتاتوري الذي يتطاول على كلِّ كتاب يخالفه ويرفض السياسة والنظام المُتبع ويثور على سوء الخدمات والمعاملة السيئة والتحقير والإهانة والاضطهاد، فيتفاعل مع هذه الكتب الثائرة وعندها بدأ باستيعاب ما يحصل آخذاً بعين الاعتبار مدى خطورة الوضع وامكانية حدوث الكثير من المفاجأة التي ستحملها اللحظات القادمة.

بدأت معالم القرية تتكشَّف لـ(مسعود) الذي أخذ برصد أحداثها العجائبية وما يعتريها من ممارسات وسلوكيات أثارت حفيظته واستغرابه عندما لاحظ انتشار العصابات المتطرفة التي تعبث بقرية المكتبة وتهمِّش سكانها من الكتب وتتعامل بالأسلحة لترهيبهم وإخافتهم، إذ يقف أمام مشهد محاصرة أحدى ميليشيات الكتب بما تسمى بـــ(شقاوة القرية) وهي تحاصر كتاباً بسيطاً من فئة الفقراء تُنزل عليه صواعق التهديد والوعيد على مرأى ومسمع من الكتب الأخرى التي لم تتحرك ولم تبادر لحل المشكلة؛ خوفاً من العواقب التي من المؤكد ستؤدي بها إلى التهلكة، فكان استغرابه وتعجبه ورفضه لهذا الموقف القاسي سبباً في انتباه (الشقاوات) له خاصة وإن شكله غريباً بالنسبة لهم، فلم يكن كتاباً مثلهم بل مخلوقاً دخيلاً على القرية مما دفع بهم للقبض عليه بتهمة التجسس والعمالة أو لربما بدواعي الخوف على مكانة حاكم القرية؛ كون (مسعود) منافساً له في إدارة شؤون الكتب، فتم إيقافه في سجن القرية للنظر في قضيته ومحاكمته مع مجموعة من الكتب المسجونة بتهم مختلفة والتي ينتظر كلّ منها التحاكم على تهمتها بعد خضوعه  للتعذيب، وكان (مسعود) السجين الوحيد المختلف في الزنزانة، يصارع الوحدة والغربة بعد عدم تمكن الكتب من التعرُّف عليه؛ لأن (المكتبة النظيفة) المسؤولة عن إصدار الأحكام محت كل شيء يتعلق بالإنسان والإنسانية، كما شرعت في قتل بعض الكتب وتشريد البعض الآخر، وانتهاك الملكية الخاصة لما تبقَّى منها بدوافع الانتهازية والسيطرة، فباتت القرية تخلو بشكل كبير من الكتب ذات الفكر الرفيع والانتاج القيِّم، حتى تتمكن من بسط النفوذ والسيطرة على  الفكر المحدود والبسيط في ظل غياب الوعي المتقدم بما يخدم مصلحة السُّلطة في التأكد من استحالة ولادة نشاطات تتبنى ممارسات التَّمرد والثورة على الواقع السَّحيق.

كانت رحلة (مسعود) في السجن محطة الكشف الجوهري عن إشكاليات التعامل بين البنى التحتية والفوقية أي بين المركز والهامش، شاهداً على مكامن الضعف والقوة التي تنمو وتتلاشى في آن واحد في سرادق التعذيب، غريباً يشكو التيه لولا ملازمة كتاب واحد له المسمى بــــ(كيف تصبح إنساناً)، فهو آخر ما تبقى في المكتبة من معالم الإنسانية ينتظر قدوم دوره للإعدام يروي لـــ(مسعود) أحداث القرية الظالم حكَّامها وما حصل له ولرفاقه الذين سبقوه إلى الموت، فتركت لحظة موته أثراً عميقاً ورفضاً متمرداً لديه صارخاً وهو يشاهد لحظة الإعدام متعجباً لقوة الكتاب وتماسكه وهو يواجه مصيره المأساوي، وبهذا المشهد يستيقظ (مسعود) فزعاً تاركاً وراءه الحلم الذي أرهقه متجهاً صوب مكتبة أبيه ليجدها على حالها منذ سنين لا أثر للشبح ولا لأبيه وعندها أيقن أنها أضغاث أحلام عصفت بمخيلته.

يشغل الثَّالوث السياسي (السلطة، التسلط، الديكتاتورية) مساحة واسعة في العصر الحديث بما حفظه التاريخ من ممارسات وأساليب أضرَّت بمصالح الوجود البشري عن طريق إلغاء الحقوق الشرعية والترهيب والإقصاء والتهميش ومنع المواطنين من حرية التعبير وفسح المجال أمامهم لاتخاذ القرارات ومشاركة الحاكم في تسيير شؤون البلاد بعيداً عن القسر والإكراه الذي يستند بشكل أو بآخر على الإفراط في ممارسة السلطة، والتي بدورها تقوم على الاعتراف المتبادل بين طرفين تخضع فيها إرادتهم لتحقيق مصلحة مشتركة، فبدأ مفهومها يتشوه بتأثير ظاهرتي التسلط والديكتاتورية في ظل غياب العلاقات الودية واستحالة الحوار وموت الثقة وتفحُّل العبثية وانتحال الحق والمصداقية لدى الحاكم المتسلط، مما أدى إلى سلب المعنى الحقيقي للسلطة التي باتت تُلغي أحلام المواطنين ورغبتهم بالعيش في مستوى أفقي حر ينادي بالديمقراطية، ويقصي العبودية ويسعى لغلق المجال اللامتناهي للأنا لدى الساسة وسعيهم لبناء نظام سياسي عمودي يُجبر الأدنى على مسايرة الأعلى وطاعته في شتى الظروف.

تُعدُّ قصة (حارس المكتبة) من أدق النماذج التعبيرية التي تمت صياغتها على مستوى عالٍ من النضوج والجِّدة، ذلك أنها تروي المشكلات المستديمة بين الحاكم والمحكوم وما يعيشه الإنسان في الوضع الراهن من صراعات أدَّت إلى غياب الغرائز الفطرية من أمثال الإنسانية والرحمة، والخوض في ممارسة الجرائم وأساليب القمع تجاه المواطن البريء، فكان (حاكم القرية) صورة دقيقة للحاكم المتسلط والديكتاتوري الذي يسعى لإشاعة الخوف والترهيب بين أبناء شعبه؛ خدمةً لتحقيق النفوذ وإرضاء الأنا المريضة، إذ يفرض عليهم كل ما يراه مناسباً دون النظر فيما إذا كانت هذه الممارسات تخدم الصالح العام وتُرضي توجهات الشعب وطموحه، فمن أبشع ممارساته إننا نراه في حال الرفض والوقوف بوجهه يلجأ لأسلوب القتل والتصفية والتعذيب والتخلص من أي شخص يراه مصدر تهديد له بتهمة واحدة أصبحت في الإطار العام أيقونة الخلاص لدى الجبابرة وهي تهمة التجسس والعمالة وتهديد أمن الوطن، فبات المجتمع يعيش حالة التشظي والانحسار والفشل في كافة النواحي، وبات المواطن يعيش الخنوع والتراجع يخشى الدفاع عن نفسه أو المطالبة بحقوقه المستلبة أو التعبير عن رأيه في ظل غياب الديمقراطية وتشعّب أيديولوجيا الترهيب وأسلوب تكميم الأفواه والانصياع الجبري لرؤيا السلطة التي أصبحت إراقة الدماء عندها من الطقوس المعتادة والطبيعية للحفاظ على هيبة الحكم.

 

دعاء عادل آل عزوز

 

احمد الشيخاوي"الجسد

هو ما يبقى

من كُلّ ما يؤسّسه الشعراء

من كلام " (1).

يمثّل الجسد، بمفهوم ميتا/ لغوي، الخيط الناظم للعبة الكلامية، في منجز الشاعرة المغربية نادية القاسمي، يُضاعف من رمزيته، كون استحضاره يتمّ على نحو فلسفي،تحاول باعتماده،الذات الشاعرة، ترجمة النبض المجتمعي، إزاء ظاهرة فجائعية، ما تنفكّ ترخي بكامل ثقلها، على الثقافة الحياتية المتوارثة بتعاقب الأجيال.

تلكم ظاهرة " الهجرة السرية" وغير القانونية، أو ما يعرف في  القاموس المغربي الدّارج بمفردة " لحريك"، وكيف أنها، أي هذه المعضلة، استحوذت بالتمام،على العقول والقلوب وأضحت هاجسا ثقيلا، منذ فجر الاستقلال ولحدّ الآن، تلك المرحلة التي عُرفت بما يمكن تسميته عهد التصالح وبسط صفحات بيضاء للتعاون وتبادل المصالح،بين دول أوروبا ومستعمراتها المغاربية والإفريقية " المستقلّة "، بشكل خاص.

ولو أن حاجة القارة العجوز، وافتقارها لليد العاملة والأدمغة العربية، فرض أسلوبا انتقائيا مدروسا آنذاك، وتطبّع بجوانب البراءة وإنصاف المهاجرين ماديا ومعنويا، تبعا لسياسة استقطاب ممنهجة ومقصودة ومرتّبة جدا، خلافا للحاصل فيما بعد، وقد أخذت معه الظاهرة توجّها جحيميا وإجراميا ملأ المنافي الطوعية انتهازية وعنصرية واضطهادا، ,وإن بسبل خارج دوائر القانون، وغاية في السرية المتعارف عليها،وغطّى بلاد المهجر بجثث الغرقى ومشاكل الناجين.

إن هذا الجسد المقدّس، إبداعيا، ههنا، المؤطر برؤى موسوعية لشاعرة آثرت الانتماء لنصوص الهجرة المحرّمة، بكامل سلبياتها وحالاتها المرضية، بما يُجبر الكائن المغاربي، على عقّ المنبت وعصيان التراب، جراء جملة من الضغوطات النفسية والاقتصادية وغيرها من الخلفيات الوجودية القاهرة، المتسببة بخفوت الحس الهوياتي إجمالا.

هذه المغادرة التي تُمليها، في الغالب،ذاكرة الجلْد، تتقنّع باللاشرعية، ضدّ واقع الانكسار والقمع والحرمان، مزيّنة مقامرة ركوب البحر،تأمما لضفّة الوهم، ولأجل حياة الرغد والفضيلة والكرامة والعدالة والحريات.

وهي مناقب تغلّفها أمنيات كاذبة مؤجلة، بالطبع، ليس تعشّش في سوى المخيلات القاصرة والسّقيمة، من لدن جيل أعمته فوبيا البحث عن بديل، جيل قلق متخبّط في أسئلته، يتلاعب به ضياعه، وشتى ما يغذي فلسفة الغروب في لا شعوره،كضرب من هلامية تسكنه، بشأن ما يتطلع إليه هناك،ما وراء قوارب الموت، ويغزوه من انطباعات عن الفردوس الموعود.

" سألتقط كلّ العظام

التي سبرها غور سباحة،

تلاعب

بأحلام الماء

أيها الفرح

تلبّس بي" (2).

جيل جان مجني عليه في آن، مصيره أن يتعثّر بأبجديات ووصايا فلسفة الغروب،التي تغويه وتضلّله ولا تدع له خيارا أو إرادة، بحيث تجرّده من حسّ الانتماء،لتحقنه بمركبات نقص يحرّضه على الجنون كل هذا الجنون والانتحار بهذه الشاكلة.

هذا النعت،على حدّ تعبير شاعرتنا، فلسفة الغروب في عمق صلتها بمفهوم الخيانات المائية، وهي ترفع الجسد فوق الروح، وتقلب المعادلة جملة وتفصيلا.

" ما الفائدة

من كومة الرّماد المعلّقة

بتابوت أمير أسطوري

إذا كنّا سنقيس العناقيد اليافعة

ببقايا الرّماد؟ " (3).

إن خطاب مكر الماء، والذي طغى على نظير هذه المناولة،تأسيسا على سياق قِناعي، ينأى عن المبالغة والمباشرة، ليغرق المتلقّي بدوال الاستعارة القادرة على نسج المرثاة في أقصى مستويات استنزاف المتن الجوهري،من حيث درجه في حيز تاريخي معيّن، يتوسّل المراوحة في العبور النرجسي المخملي الخاطف، ما بين الخاص والعام، نزوعا صوب ما هو إنساني انتهاء.

"بين أصابعي

الأخطاء تعلن تمرّدها،

كقائمة طرائد

من وجهة برية

تنتهي

عند قنّاصي الأرواح" (4).

باعتبار الخسائر البشرية واحدة ضمنيا،وإن تعدّت الأسباب و الألسن والعقائد والجغرافيات، سواء عند العرب أو غيرهم من العجم، ومهما تنوّعت أدوات الفتك بأيادي القناصة وتباينت أهدافهم.

فضحايا التطرف والإرهاب، لا يختلفون كثيرا عن قرابين آفة الهجرة السرية فيما تحصده من أرواح يوميا.

" أغامر في الورد

ليورق بين يديك

وأتهشّم في مزهريته" (5).

هو في الحقيقة سأم وضجر قصيدة، أيضا، من هول المعضلة، تنسج ملامحه ذات مثقلة بهواجس جيل، باتت تستعبده الخيانات المائية.

قصيدة تترع من كل ملمح ومعنى يغري بتقديس الحياة، قسطا يُدغدغ بالوهم الأذهان،   ويؤكد الهيمنة على جيل بأكمله، يدفعه إلى أفق فرص النجاة ويعزز لديه ثقافة الانتصار على الموت، ويتيح له بديل تلمظ معسول الولادة الثانية، على حساب فناء وتبدد القصيدة وتحولها إلى رماد.

يفسّر هذا المعنى، حجم الهدية التي تخصّ بها الذات المبدعة، مخاطبها، كجيل اغتال أحلامه خيار الهجرة بوصفه إذعانا لمادية العالم المتحضّر أيضا ،كما عارا تتلطّخ له إنسانية المغاربي بدرجة أولى، قبيل إسدال الستار عن آخر فصول المرثاة.

" لك من الضوء

ما يستحقّ الحياة " (6).

من هنا نستشفّ قيمة المنجز الشعري لدى هذه الشاعرة، نظرا لتركيبيته وتفشّيه باتجاه العام و مشاتل التلبّس بمفردات الهوية الإنسانية، من خلال ديوان " رياح بليلة" طبعة 2015،عن دار التوحيدي، الرباط، ثمّ مجموعة " متلبّسة بالتراب" الصادرة حديثا عن بيت الشعر في المغرب.

ختاما، نلفي الشعرية في هذا المشروع المنذور لقضية الهجرة،كاستثناء زاده نكهة هذا الانثيال بصوت الأنثوي، ودبّجه بتصوير فنّي جريء ومباغت،أقرب إلى الوشايات الأنيقة والربط الميتافيزيقي،ما بين الذاكرة وواقع الانكسار،على درجة عالية من الاحتماء بمعاني الحياة وألوان المنظومة القيمية، برغم  تفشّي تيمات هذه الشعرية في بعدي الجلْد الجسدي والاغتراب الروحي، ذلك أنها كتابة واعية، استطاعت أن تبق على الأمل في جيل متّهم، متروك لمراياه الكاذبة، بدل الأخذ بيده والاستثمار فيه استثمارا صحيحا، يتحقق معه خلاص الكائن والحياة.

كتابة تصون الرّهان على جيل منهزم مهووس ب"نعيم" الضفّة الأخرى.

 

احمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

........................

هامش:

* أنظر مجموعة " رياح بليلة" طبعة 2015، منشورات دار التوحيدي، الرباط.

* أنظر مجموعة " متلبّسة بالتراب" طبعة2018، بيت الشعر في المغرب.

 

عبد الجبار نوريسيمياء العنوان يبدو غرائيبيا وملفتا للنظر يحمل دلالات هامة ملتهبة (بنفثات) محرقة للشاعرالذي يفتح لنا أبواب جهنم في شعريته الغريبة والغير مسبوقة بالمرّة حين يقتحم الممنوع الممنوع ليقدم للمتلقي موضوعا الجدال فيه لم ينتهي بعد تأريخياً من حيث موقع المجنون من الأعراب في عصر العولمة، وحسب رؤيتي لهذه المجموعة الشعرية للشاعر الملهم والرائع حميد أنّها ملحمة شعرية في التناص والأسلوب والقصد يأسر المتلقي للوصول إلى السطر الأخير في المجموعة عندها يدرك  القاريء أن الشاعر يساري الهوى شعارهُ التغيير والحل الثوري الجذري . 

يتكون النص من ثلاثة عشر مشهدا تراجيديا بنكهة الهزيمة والقهر والأحباط، رقّمها جميعا عدا المشهد الأخير رقم 13 أسماهُ " الرقم المنحوس " فعلا أنهُ مشؤوم أجتماعياً، بيد أن بطل الرواية المجنون يدعي هو العاقل هنا في فهم هذا الرقم وغيره هم المجانين، لآن التشاؤم هو قمة الوعي بالواقع وأقصى درجات الرفض لأبجديات مستلباته القبيحة والمذلة، فقد ضاع العرب بين الرأس والذيل بعد غياب باقي أعضاء الجسم، ويشير في قصيدته هذه بمقارنة ذليلة بين الحصان العربي الأصيل وبين الطائرة المبتكرة (البوينغ) فهنا الشاعر (يدين) عنصر الزمن لصالح حضارته، ضياعها عند العرب في الفخر بما عمل الأجداد والأنساب بينما أستغل الغرب عامل الزمن ووظّفهُ لصالح حضارته بأكتشافات علمية، يقول فيها:

*العالم مشغولٌ بسرِعولمتنا

تمثلنا (الدي) فهي الرأس

إلى (مقراطية) ذيل

يجرح عزتنا لا كل العالم نقبلهُ

نحن علمنا الناس سرّ الحرفْ

وسر النهب وسر (الكرف)

فليتوجه كل العالم صوب قبلتنا

فالعالم مشغوفٌ بسر عولمتنا

*حمارٌ يمتطي حصاناً عربياً

يعلقُ شجرة نسبهِ

قلادة فوق مؤخرتهِ و---

يجرُ خلفهُ طائرة (البوينغ)

عند تفحصي لنصوص المجموعة الشعرية وجدتُ أن حميد يحافظ ويؤكد على (مورفولوجية) الأشياء في الشكل والمضمون حيث يبرز التشاؤم والسوداوية القهرية لمعطيات عناصر شعره بحيث يقلب المفاهيم الواقعية لكي يجعل المشهد حزينا ومؤلما يستعمل  (الأستعارة) كما جاء في تعبيرهِ للقصب بالأصفر الذي هو رمز الموت والفناء، فيجعل الضفدعة ضحية الأفعى بفحيحها نذير الموت، بدّل صوتها الطبيعي  (النقيق) بصوت الأفعى (الفحيح) وهنا يقصد الشاعرفي لعبة قلب الصورة الطبيعية للحياة أن يدخل تشويشا متعمدا في ذهن المتلقي ليستجيب لنداء (التغيير)، وكذا في لوحة الراعي والخراف، فقطيع الخراف دائما منقادة ولكن في صناعة الشاعرحميد العبقرية جعلها هي الدرع الحصين للراعي، فالرمز هنا وكأنه يخاطب الشعوب العربية: بأستكانتكم كالخراف العمياء وتصفيقكم للقائد الرمز ومسختم أنفسكم وعاظا للسلاطين ودروعا بشرية لحماية المنصور بالله والمستعين بالله وقائد الضرورة، وهو رمز للغي والقصور لفهم الواقع الأجتماعي للشعوب المقهورة، ولتلك الصورة السوداوية المستلبة يتعمد الشاعر "الهجوم الوحشي على الواقغ" وأعتقد جازماً أنها (رسالة مفتوحة) للحكام نصها الأيحائي: صراع بين الجلاد والضحية، بين الناهب والمنهوب، بين المتخم والجائع، بين الرابح والمنحوس، وبين المتغطرس والذليل، وهي من بركات الديمقراطية العرجاء الكسيحة التي حولتنا إلى السريالية المجنونة .

يطرح آراءهُ الفكرية بأقتحامية لا يهاب مطبات الرأي المعاكس وأبجديات أغتيال الكلمة الحرّة سواء كان من قمة السلطة أو من دولة الحمير، يبدو لي أنهُ ضحية مركبات هموم عصرهِ بزمكنة غير محدودة ربما يعني جغرافية العرب وتأريخهم، لا يهاب المحذور والخطوط الحمر التي وضعتْ من قبل المنصور بالله والمعتز بالله وعبدالله بن زياد وصدام حسين، ومن المصنفين (اللوكية) أو بتعبير ديمقراطي شفاف (وعاظ السلاطين) أو الرجال المزيفون، وجُلّ طروحاته الأستفزاوية حسب رأي الشخصي: مفاهيم يسارية وأنهُ (تحريض) ثوري ينحو للتغيير الجذري على الأقل للأجيال المستقبلية، أنه شاعر بقمة الصمود والتحدي ولا يهاب العواقب حتى لو ذكرته بجميع ضحايا أصحاب الكلمة الحرة، الحلاج والحسين أو علاء مجذوب وفيها يقول:

أنا شاهد عليها

تحت ظلال الرماح القصب الصفراء

ضفادع لها (فحيح) تزدرد الأفاعي

أنا شاهد عليها

خراف عمياء تحرس الراعي

وطرح الشاعر حميد من خلال مجموعته الشعرية نفثاته الوجدانية صاباً جام غضبهِ على أصحاب القرار السياسي معتمدا القسوة في تشخيص أمراض وعلل وفقاعات تستحوذ على الطبقة الحاكمة وشخصهم سايكولوجيا وجميعهم بدون أستثناء ومنذ قرن من الزمن الموجع بمرض (السايكوبولتك) السيطرة والأستعباد وكم الأفواه ووأد الكلمة الحرة ووصل العقل السياسي مبرمجا على الكراهية والشك المرضي (البارانويا) وهو يقول:

أنا صوت (القواد)وربان

المقود

أنا السيد الأعلى

أنا الأله الأعمى

أنا راعي القطيع الأسمى

أنا الأول، أنا الآخر

أنا الوحيد الأوحد

أنا المعبود وأنا العابد

وفي لوحاتٍ شعرية لاحقة أخرى يعري الحكام وينزع منهم ورقة التوت ويستهجن أساليبهم في فن الأحتيال والضحك على الذقون بأطلاق فتاوى الظلالة لفرض الشرعنة الغيبية على عبثه المجتمعي وهو يقول:

ممنوع

أحتضان

المطرقة للمنجل

محظور

وضع الخيار في الأعلى

(الطماطة) في الأسفل

ممارسة الموت

في الشارع مقبول

أما الفرح

محظور حتى

خلف الباب المقفل

أياك

أن تبتل ريقك

ب(المنكر)

وفي مجموعته الشعرية يكشف هويتهُ الذاتية بأنهُ ضد (بعض) أوجه العولمة وأمراض العولمة في مهرجانات الخرافة والشعوذة بغياب العقل ودولتها المباركة التي لخصها بالطاعة العمياء للأمير للسلطان للوالي وهو يقول: أسجد للمعتصم والمنصور والمؤيد بالله فهو الأول والأخير ويقصد العكس لا تستكين لاتستسلم أحرق الراية البيضاء فتش عن التغيير:

عاش الأمير ------- كلنا حمير

يبرركراهيته لعصر العولمة للناحية (الأجتماعية) يقرُّ بصخب الحياة اليومية وأنتشار الأنتاج الرقمي الأفتراضي والتي أدت إلى العزلة عن الواقع الأجتماعي الحقيقي والتي آلت تداعياتها إلى تفكك الأواصر الأسرية، وتكليس الذات البشرية والوجدانية والعاطفية فأتجه الفرد إلى طلب الراحة وربما دفعتهُ إلى ممارسة بعض المسكنات او المخدرات والمشروبات الروحية الكحولية ليكن ما يكن حتى الأدمان طالما يحصل على ساعة من العزلة والطمأنينة النفسية وقد يتجه إلى الغيبيات ويقع كفريسة في خضم عنكبوتيات الدين في طرد الجن من رأسه:

في قاعات الدرس

تعلمنا فن الخطابة أخرس

ومتسوّلْ أعمى

يعلمنا في أدخار الفلس

وشيخ الحي

يعلمنا فنون المنكر والرجس

كأننا أمام عولمة الجنون

يتجه بمجموعته الشعرية نحو أمراض العولمة من الناحية (السياسية) عندما يتحوّل الأميرمتجلبباً بعباءة الدين في (طاعة ولي الأمر واجب عين) فتكون صلاحياته المباركة في الجلد والرجم وقطع الرقاب وأمتلاك أعراض العباد فكل شيءٍ ملكهُ، وهي أحدى المشاهدات للمجنون(الحكم – البصير) في عصر العولمة في دولة الحمير، تكون الضحية الحارس الأمين للجلاد السفاح القاتل المقدس، ويكون ذليلا تحت (نعل) ناهب رغيفه وهاتك عرضه وماسخ شرفه، وكذا حج وعمرة الحكام العرب لواشنطن وتقبيل نعال الرئيس الأمريكي المبتز لثرواتها النفطية يسميها الشاعر بمطر الدولارات، يقول:

من بركاتنا

جعلناكم خصياناً

لا تحزن

نساؤكم سيطؤها سيدنا

مطر الدولارات

لا يعرف لونا

ولا يعرف عنوانا

صرنا

أرقاماً

ما عدنا نتعارف

بالأسماء

لا معنى للغيث

صار

مطرنا أسود

والرعد

نار رصاص عواء

وقد جعل المجنون شاهد تأريخ عصره وأباح لهُ في خطابهِ أستعمال ألفاظاً قبيحة ومستهجنة تتماشى مع درجة جنونهِ من ناحية ومع ما يليق بأصحاب القرار السياسي:

تتزيّن ٍصدورهن

بقلائد مرصعة بكرات

من براز السلطان

نساء

لا تنجب ألا بأمرٍ من (قضيب) الوالي

ومن نفثاته المحرقة  اللاحقة الأخرى أستعمل ببراعة أنيقة وشفافة بترصيع الصور الشعرية في مجموعته الشعرية " مشاهدات مجنون في عصر العولمة أسلوب (التورية) يفرض على المتلقي أكتشاف البعيد والمخفي، فالمقصود بأدوات النصب هو النصب والأحتيال، وأدوات الجر يقصد بها جر الشعوب كقطعان الماشية لقبول الأستعباد والذل، أما الأملاء يعني فرض الأرادات على الناس كالفيتو في العهد الأمريكي كسر الأرادات الحرة:

قطعان مدينتنا

تعاف البرسيم

وتلتهم أوراق ورد الجوري

حمير مدينتنا

تدرس ساستنا علم المنطق

وأدوات النصب والجر

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

 

الوارث الحسنالأفكار والتصورات منطلقات الكتابة عن الذات، رواية (أخاديد الأسوار) أنموذجا

سنتناول في هذه الورقة المتواضعة بالدرس والتحليل، موضوعا له ما يبرره من خلال مقاربة القيمة السردية والروائية لدى الكاتبة زهرة رميج، من حيث ما تنقله من أفكار وما تطرحه من تصورات ذاتية في بعض كتاباتها الروائية .

إن الكاتبة زهرة رميج في روايتها أخاديد الأسوار، تطرح الكثير من الأسئلة، تحاول أن تجيب عنها في نفس الآن بطريقة سردية متينة تعكس عمق المعاناة والصراع حول الأفكار واختلاف الرأي التي في مجملها سياسية، إبان فترة سياسية عصيبة عرفت في التاريخ الحديث بالحرب الباردة القائمة بين قطبي العالم آنذاك، المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي.

تلك الفترة كان العالم منقسما إلى إثنين، فريق مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الغربيين، وآخر مع الاتحاد السوفياتي وحلفائها اليساريين والاشتراكيين، وبناء على هذا الانقسام السياسي والانتماء والميولات الإيديولوجية ترسم كل دولة سياستها وثقافتها وتجاربها الفكرية مع فريق ثالث سمي بدول عدم الانحياز.

أخاديد الأسوار، تلك الرواية التي اشتغلت على التداعيات التي تعكس كتابة اليوميات والخواطر الشعرية المسرودة . ففي الرواية شخصية واحدة محورية هي شخصية الزوج السجين ثم الميت فيما بعد، متأثرا بالآلام والأحزان التي خلفتها له الحياة . والزوج المناضل هو صاحب المشكلة ومشاعر الكاتبة هي تداعيات لمشكل السجن والموت.

إن الكاتبة تحكي قصتها مع هذا الرجل وأحيانا تسلم له خيط السرد ليتقمص دور الحكي، الرواية تتضمن في عمقها السردي حوارا ديموقراطيا إذا صح التعبير، مفقودا في الحياة بين الكاتبة وزوجها . فيه جلب لذكريات جميلة عاشاها معا، في كل سطر تبدأ الكاتبة سردها فتحكي عن نفسها برهة، ثم يدخل هذا الزوج ليحكي معها ويحاورها، يتفقان حينا ويختلفان أحيانا قليلة، وينتقلان في الآن نفسه، بين فضاءات وأمكنة مختلفة، ثم تحكي في مواضع أخرى وبلغة شعرية روائية بديعة ومتميزة، عن أحوالها وأحوال الحب بعد وقبل الفراق عند الاعتقال والسجن . هذه الأحوال تتصارع داخل عدة أحداث مفعمة بمشاعر عاطفية جياشة، تبث روح الانفعال لدى القارئ بنكهة التلقي، وقد استطاعت من خلالها أن تنتقل وبانفعال من حالة سردية إلى أخرى ومن مكان إلى آخر في عالم الواقع والمتخيل.

إن الرواية ولاشك، مكتوبة بطريقة حوارية وسردية من الممكن جدا، وبسهولة أن تتحول إلى مسرحية درامية ممتعة، ففيها كثير من الحزن وكثير من الفرح، وكل كلمة وعبارة وحدث تتشابك  فيما بينها وتعطي للقارئ، خاصية وانطباعا يشعر به كل من خاض مثل هذه التجربة المريرة في حياته، تجربة السجن وقهره وظلمته وآثاره في صفوف ذويه. فهناك تعذيب وهناك معاناة ودماء وشراء ذمم وغيرها.

إن رواية أخاديد الأسوار، بمجهودها الفني والإبداعي وخلفياتها الفكرية، تطرح قضية مهمة جدا، وهي قضية تعويض السجناء السياسيين والذين تمت تصفيتهم جسديا لسبب أو لآخر، وذلك ينطبق ليس على المغرب وحده وإنما في كل دول العالم، لهذا فالمشكلة التي تطرحها الرواية موجودة في كل دول العالم وقارؤها يشعر أن أحداثها تنطبق ليس على المغرب فحسب وإنما في بلده هو أيضا .

و نستطيع القول، إن هذه الرواية الإبداعية خير تعويض لهذا السجين، الذي ضحى بآلامه على الرغم من حاجته الشديدة للمال وحبه للحياة والتمتع بها .

ثم يتواصل الحوار والسرد في تناغم شديد لتفكك لنا الكاتبة قضية الألم إلى محاور صغيرة وجزئيات دقيقة تعيشها الذاكرة الحية، فسجن زوجها هو سجن لها هي الأخرى وموته فيما بعد هو موت لها أيضا، وعلى الرغم من وجودها الخيالي على الورق إلا أن وجودها في الواقع أعنف وأكثر ألما. فالحياة بالنسبة إليها، بعد غياب شريك الحياة، تبدو صعبة للغاية، وحينها ينتفض قلمها في مشاهد شعرية جميلة، تصور كيف أنها لم ترغب في تنظيف وسادة هذا الحبيب والزوج المفقود كي تظل رائحة عرقه تفوح من قطنها، وتلك وبحق قمة الاعتزاز والوفاء وعمق الأثر والحرقة على مصابها في فقده .

و بين هذه الأحداث وتلك العواطف، وهذا الفراق المؤلم، يرتسم غضب شديد وشوق أبدي تمردت به الكاتبة حزنا على غياب حبيبها وموته بأن أعادت إلى الحياة  رسم  حياته السابقة بعد أن مزجتها بكائنها حينا وبخيالها الأنثوي حينا آخر  ولم تعرضها بوجهة نظر أحادية لكن سمحت بأفق رؤيا للجميع لينسج على منوالها أفكاره وآرءه . فالظلم والقهر إسفنجة تمتص دموع الجميع، فالجميع رأى عبر الرواية الألم الذي دسته لنا أثناء القراءة كيف تنزهت معه في الغابة ودخلت معه السينما وشاهدت معه الفيلم وتناقشت معه في مضمونه حيث رأت معها ومع كل العالم أمريكا على حقيقتها وبمشاهد من أهلها .

في الرواية أيضا كثير من المشاهد البديعة، ذات دلالات عميقة تحكي في واحدة منها عن السجون والمقابر وعن السلاطين الذين يبنون السجون وبمحاذاته المقبرة، والمزارع كرمز مكشوف للنهاية، بل إن جثث السجناء أحيانا تتحول إلى سماد بشري مفيد جدا للزراعة فينتج ثمارا طازجة لا يعلم مذاقها على رأي الكاتبة إلا السجناء .

كما تتناول الرواية أيضا، وبطريقة سردية ناقدة، المشهد الحزبي في المغرب تبدأ بالانخراط في الحزب وتنتهي  بالانسحاب منه، وتحكي عن البرلمانيين والمتاجرة في ذمم المصوتين، وتحكي عن الهموم التي يعاني منها المواطن العربي البسيط  . ومن خلال ذلك تصور حالة الصدمة من هذا المشد السياسي البئيس عندما تكشف أن الفكرة شيء وتطبيقها شيء آخر، وأنه ليس هناك تصور وأفكار تطبق بصورة صحيحة في المجتمع، فدائما هناك ظروف أخرى وممانعة تجهز على الأفكار وتحطم الأحلام، وتعطي لذلك أسبابا تلخصها في الأنانية والذاتية النازحة دائما نحو الخيانة وحب التملك.  تقول الكاتبة ولسان حالها يردد : إن كل شيء مزيف في الحياة وحبها  لهذا الرجل ليس كذلك ... الذي عندما  عرفته اضطرتهم الظروف أن يعيشا في بيت واحد بل في غرفة واحدة ولم يكن الجنس هو الهاجس ... بل كان الوطن هو الهاجس، فقلبا معا مقولة : ما اجتمع رجل وامرأة إلا والشيطان ثالثها بمقولة ما اجتمع رجل وامرأة إلا والوطن ثالثهما ... وانخراطهما في رؤية سياسية واحدة .

إن كل من يقرأ الرواية سيعتبرها عبارة عن يوميات تكتبها الكاتبة عن حياة سابقة عاشتها ومازالت تلازمها إلى الآن وكذلك من الممكن جدا أن نعتبر هذه الرواية من أدب السجون، فالرواية صورت نفس السجين، صورت الإنسان السجين وأبرزت ألمه ومعاناته من السجن، وربطت هذا الألم بشريكته خارج السجن، حيث أن السجن جعلها أيضا سجينة الحب، فالحب لا يسجن لوحده أبدا ولا يوجد حب فردي أبدا .

و رواية زهرة رميج : أخاديد الأسوار، تصور لنا أحلام جيل بكامله، جيل السبعينات، الذي تغذى بالأديولوجيات السالفة الذكر، ففي كل سطر تقريبا تجد رؤية سياسية أو هدفا فكريا، نضجت على العديد من المآسي التي عاشها العالم العربي بعد النكسة والنكبة، فكل مرتكزاته مستمدة من الحراك السياسي والاقتصادي الذي جاء بعدهما، حيث تجد الماركسية والوجودية والقومية والإخوانية الإسلامية والثورات وحرب الأفكار بينها، حيث كان لليسار نصيب الأسد منها .

إلى ذلك فقد نجحت الكاتبة زهرة رميج في الخروج من هذا المأزق السياسي المتصارع عبر كتابة روايتها هذه بطريقة وسطية وبسيطة بها روح الإبداع والأحاسيس الإنسانية أكثر مما بها من إيديولوجية تريد الانقضاض على الإنسانية، فقد عرضت مرادها دون متاجرة أو انحياز حكت ذكرياتها واستعرضت على الورق قيمة الحياة والحب والحرمان والآلام كما عاشتها في الواقع، لقد عرضت في روايتها الحياة وهمشت السياسة التي زجت بأحلامها في السجن ثم خلفت لها المآسي .

و في الأخير يصح التعبير أن نقول : إن الرواية عرضت تداعيات السجون بطريقة ذكية وبسيطة ومؤلمة في نفس الوقت، تجعل الأخاديد تتسع والأسوار تتعالى، وتحول هذه الأخاديد والأسوار من أخاديد طينية وحجرية إلى أخاديد وأسوار من الدم والموت والأحزان الخالدة، والرواية في عمقها  الأدبي والفني جرح وألم وحرب على الفساد والظلم والقهر، والروايات  التي تحيد عن الجروح ولا تحارب الظلم لا تؤتي أكلها ولا تؤدي دورها في الحياة، وحسبنا أن رواية أخاديد الأسوار لم تحد عن هذا وذاك فكانت بحق مشعلا روائيا أضاء طريق الكتابة الروائية بشكل عام والتجربة النسائية بشكل خاص.

 

بقلم: د. الحسن الوارث

أستاذ باحث في الدراسات الأدبية والتربوية