 قراءات نقدية

مَسُ من يباب.. نصوص سردية للقاص مهدي علي زبين

عقيل هاشممرايا الذات، نصوص من شعرية اللاشكل

"تشاكل"

(تمنيت ان اجعل من عينيك سكني: لكني اكتشفت أن -الحواسم -سبقوني)

عتبة تاويلية:

أخذت الكتابة تنهج نهجاً مغايرا في الآونة الاخيرة، وباتت ظاهرة تداخل الاجناس والتكثيف الدلالي والاختزال اللفظي سمة أسلوبية بارزة، مما نتج عنها ظهور العديد من الأجناس الأدبية الجديدة والمتداخلة ، نصوص أدبية متشابكة من الناحية الشكلية والمضمونية وأيضاً المقصدية؛ فهذه النصوص تعتمد على فهم المتلقي، وتفاعله، ومدى إدراكه للنصوص الجمالية ،تلك حساسية جديدة، تنفلت من قواعد المحظور، وتبوح بدوافعها دون حاجز أو قيد ، أسئلة تعبر عن مدى الدهشة والرفض والاستهزاء،وهذا الجنس هو شكل من أشكال الكتابة والتعبير لإثبات الذات عابرة للتقاليد الفنية للكتابة و خلق حالة من الدهشةِ والغرابةِ لدى القارئ الَّذي يطمئنُّ إلى أنَّ الأحداثَ تسيرُ وفق مسارٍ معين..

أقول (النص السردى) هو نص متمرد شكليا مهمته سبر أرض المدونة السردية لسارد مغاير يسرد نصوصه وكشف تحولاتها وتضاريسها وشفراتها النصية بإصغاء متعاطف وبوصفها ظاهرة إبداعية لا تقل تعقيدا عن عصرها، وتنفتح برحابة على الفنون الأخرى، فتسقط الحدود بين الحقيقى والمُتوهم، وتغرم بالتمرد .إذن هذاالخرق الفني هو تجريب احتجاجي يجنح إلى البذاءة والقبح تعبيرا عن الرفض والاستنكار.

اقتباس:

انسداح":"

(احرن به جواد الوقت عند بوابة كبيرة .اخبره الحرس:ان القائد يحلحل الواقع المتشابكة ،بمشاركة كبار الرتيب.ينشتل على لوح الانتظار .يلتمس ابتسامة الامل المحبوسة خلف الابواب .سيعرض ظلامته .ويضع بوصلة حياته على بساط المسؤولين.تتناوس الدقائق في مناخ سياسي خانق وطقس مستعر.لتنسدل على الساعات ..عيناه ملتصقتان على ساج الباب.فجاة .تزكم انفه رائحة طعام شهي يخطف باتجاه الباب فتنزاح ضلفة منه .ينكشف المشهد عن ضابط كبير ينحني على طاولة البليارد يحرك بيده عصا اللعب .تحيطه ثلة من الرتب ,خلفهم لوحة مبهرة .باح جزء منها (وقل اعملوا فسيرى الله...)

عتبة سردية:

"مَسُ من يباب "نصوص سردية ميتاواقعية قراءة في صراع الذات/الموضوع ونقدها ،كشف من ظواهر بنى سايكولوجية وأسئلتِها المعلَّقة على احتمالات مفتوحة بإجابات نجدها منثورة على لسان كاتبها لضحايا لم يكونوا طرفا فيها ، لذلك جاءت عتبة العنوان (مس من يباب) انزياحا للوجه الرمادي لنص شعري (ارض اليباب) هذه المدونة الرمادية هي كشف كوني وهمّا جمعيا متناقضا في ذاته وتوجهاته تحت سلطة الاستبداد،في الخلاصة نصوص اختصرت صورة الحياة اليوم بهذه الماساة .

اقتباس:

"مس من يباب"

(تطرح الموظفة السجل المعبا بعبق الماضي .تتشرح اوراقه الناطقة بلون الموت .يشهق صفارها بوجه الضوء .وتنطق تراسيم حروف واشارات مكبلة بالذكريات .تقاطع السطور السود تعبير حمر بداخلها الاخضر .تشغل الاستدراكات تعابير حمر... ص53)

هذه النصوص في مجملها قد اهتمت بالمضمون الفني لتكشف بصراحة الدلالات والإيحاءات الخفية التي تضمنتها النصوص هي محاولة لتسليط الضوء وفتح باب التأويل في عتمة اللغة بتعدد القراءات والدلالات ،والتي وظف الكاتب رموزها بعناية فائقة في خدمة قضية الوعي واللاوعي ودورها في بناء واكتمال الصورة الفنية التي تخطت تقاليد السرد الفني ببنيتها الإبداعية . هي محاولة جادة في البحث عن عمل إبداعي يستوعب متطلبات الواقع بتناقضاته وانكساراته وهي أيضا محاولة لتفكيك عميق للوعي واللاوعي الجمعي بعدد مستوياته وتعدد شخصياته الهلامية لتسليط الضوء على الأزمة المصيرية التي يواجهها الانسان امام مايجري من تراكمات فوضوية بتراكماتها وانعكاساتها السلبية.

اقتتباس:

"انفلات"

(الديك مات .تبرق عينا البنت .تترقرق ماقيها.يتهستر الانفعال يلحق بصراخ .يخرج نصالا حادة من الضحك :الحمدلله ...ينفتح غشاء جفنه ببطء .ثم ينسدل منطفئا.ليترك عينه نصف مغمضه...ص66)

هذه النصوص المثقلة باليأس والأحزان والخيبات يسيطر عليه اللاوعي واللاشعور إلى حدود الهذيان والجنون في محاولة الوصول إلى تحقيق نزعاته ورغباته المكبوتة ، اذن هي جريئة ومستفزة وشكل من أشكال الرفض ضد سلطة العنف والتعسف ، وترسم خريطة الوعي الممكن لتحقيق كل ما هو جديد ومختلف بحسب القناعات الفكرية والثقافية لساردها.

هذه الفوضى وما ينتج عنها من الشعور بالقلق والتوتر والحزن والنظر إلى البعيد عبر مراجعة الذات والاستفادة من التجارب، رغباتها تتجاوز الحوار الصامت والأنماط الجاهزة إلى الحوار بصوت عال ومباشرة..

وأخيرا ..أقول إن النصوص السردية في (مسُ من يباب ) كتبت باسلوب شعرية اللاشكل مثلما نقلها لنا كاتبها (مهدي عي زبين) إمعانا في توظيف هذه الجنس المتداخل وانعكاس مترجم لمدى السخرية من مرايا الذات، ومرارة التهكم من واقع اجتماعي متداعي، ومن خلال سرده هذا استطاع أن يشقّ لها مسارا مبطّنا بخصوصية التلاعب اللغوي هي نصوص اقول.تاويل هذا الهامشي كمعادل موضوعي للدمار وانحراف السياسة والدين..

اذن هي نصوص سردية فوضوية لاتظهر الا في زمن الفوضى وما ينتج عنها من الشعور بالقلق والتوتر والحزن ، ساردها تجاوز الحوار الصامت والأنماط الجاهزة إلى الحوار بصوت عال ومباشرة.

 

قراءة عقيل هاشم الزبيدي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4518 المصادف: 2019-01-18 01:32:55