 قراءات نقدية

جدلية الحب والخلود في مجموعة: يوسف لا يعرف الحب

رحيم زاير الغانمتُعدُ الرواية القصيرة، رواية جريئة لاعتمادها على تقنيات سردية محددة من شأنها جذب المتلقي إلى متنها الحكائي، وتتحقق نجاعة العمل الأدبي في ضوء إستراتيجية سردية خاصة بهذا النوع الأدبي، وهذا بالضبط ما لمسناه في رواية ( يوسف لا يعرف الحب) للروائي واثق الجلبي، الذي قدم لنا متنا حكائيا راعى فيه استحضار إستراتجية غير تقليدية، يمكننا تلخيصها باستئثار الراوي العليم للسرد بشكل عام تقريبا، حتى أنه استأثر في روي المنلوج العائد إلى بطلي الرواية ، (يوسف وسماء)، أو الشخصيات الأخرى، في تقويض بيِّن، مما سرع  بدوره في وتيرة الحدث وتناميه تناميا متصاعدا، وهذا ما هيأ إلى غياب تام للفلاش باك/ الاسترجاع، الذي ألقى بضلاله على الحوار فانحسر هو الآخر.

قد يرى البعض استئثار الراوي العليم بالسرد، من أساليب الروي التي عفا عنها الزمن، باعتبار ان الرواية الحديثة تعتمد توزيع الأدوار من اجل الخلاص من دكتاتورية الراوي العليم، كونه ضمير ووجدان المؤلف، إلا ان في الرواية القصيرة قد تستدعي هكذا تقنيات سردية، خصوصا إذا ما لمسنا تسرب الأسلوب الشعري المتعالي والخطاب الهادئ للمتن الحكائي، اللذان أضافا مسحة جمالية للنص المسرود، في نأيٍ عن الملل والحشو والترهل الذي نشهده في العديد من النتاجات الأدبية في مجال السرد،  تحديدا الروايات الطويلة التي استدعت عزوف القراء.

في رواية (يوسف لا يعرف الحب)، ذات، (75 صفحة)، تظهر شخصيتين رئيسيتين هما شخصية (يوسف وسماء)، مع ظهور شخصية ( أميرة/ أخت سماء) وشخصيتا، (رامي و سعد) صديقا يوسف، في الثلث الأخير من الرواية، لكنهن شخصيات  هامشية، ليس لها تأثير في مجمل الأحداث.

اعتمدت الرواية على حدث رئيسي، ممثلا بقصة حب بين شابين، (يوسف وسماء) دامت لخمس سنوات ملؤها الرومانسية والوصال الشفيف، علاقة شبه مثالية، لكنها ترتطم بالواقع الاجتماعي، وما يثار من أسئلة حول نهاية العلاقة، بلسان (أميرة)، كون (يوسف) لم يتقدم بخطوة واحدة للجم ألسنة الآخرين للاقتران ب(سماء)، معتبرا من جري العمر حتى، علما أن (سماء) تكبر يوسف بالعمر، وقد بان الشيب عليها، يوسف الفتى الذي أنهى دراسته حديثا، ألتحق لتأدية الخدمة الإلزامية بعدها تقف الظروف حائلا بينهما كعدم توفر العمل لكساد البلد بشكل عام، صحا (يوسف) على حب (سماء) والشعر والرسم، المغلف بالبطالة، التي استشرت في العقد التسعيني إبان الحصار الاقتصادي، لتحيل الظروف القاسية وقتها الحب إلى أزمة وعنت دامت لسنتين مضافة للسنوات الخمسة العذبة، تنتهي بالفراق،  وهذا ما صرحت به (سماء)، (يوسف لقد تعبت صدقني. سالت دموع سماء على خديها لكن يوسف لم يستطع تقديم منديلا واحدا)ص40، وفي هذا المشهد إيذان لنهاية قصة حب دامت سبعة أعوام، وبفقدها قد، (مرت عليه الأيام كأسنان الليث على جسد غزال لم يبلغ الحلم...)41، وقد أظهر يوسف خنوعه للظروف بتبرير غير مقنع، كونه من نوع العشاق الذين يطلبون الخلود للحب، وهو بالضبط ما يقع فيه الرجل الرومانسي، هروبا من واقع أليم حيث الفقر والفاقة التي لا تؤهله لتوفير بيت للسكن ملائم أو إمكانية إنجاب الأطفال وتوفير العيش الكريم لهم، كما توفر لصديقه (رامي) آنف الذكر، وهذا كله يمكننا عده في خانة القص العادي، وهو محور حكائي أول يمكننا التنبؤ به حتى في ظل قساوة العقد التسعيني، والذي يعد منطلقا للمحور الثاني في الرواية لما يثيره، (يوسف) من تساؤلات عن الوجود والإنسان والحياة بطرح جدلية الحب والخلود لتأخذ آفاقا أبعد، في استحضار الصورة النهائية لكل هذا الفعل الجمالي، ان الحب الذي ينتج خلودا، لا يجده في الزواج، إذ عد الجنس، قتلا له، (قرر يوسف أن ينهي لعبة الجسد ليبقى حبه خالداً) ص55، هل أن الجنس/ الزواج،  بعد قصة حب ناجحة لا خلود فيه، أم أن اليأس والفقر والفاقة صورتا الحقيقة معكوسة، وقد نجد عند غيره موقفا مخالفاً عن الجنس/ الزواج عند المتصوفة مثلا، وهذا ما تحقق لابن عربي عندما تزوج بمريم بنت محمد الباجية، (أتاح له الزواج خوض تجارب نادرة امتزجت فيها النشوة بالانجذاب الصوفي، ليتكشف له الحب الصادق الذي تصحبه رغبة ملحة، يعد سبيلا إلى تحقيق التكامل الإنساني والانسجام الكوني...)ص100 من كتاب (الفناء في الإنسان): هالة العوري، إذا الجنس بعد الزواج، يأخذ أبعادا أسمى تصل إلى الانسجام الكوني، التي يمكننا معادلتها في ضوء موقف يوسف من خلود الحب بإضفاء العذرية عليه، فما الأجدى مواصلة الحب والعيش بكنف حبيبة أم التشرذم والضياع وهذا ما أقر به الراوي العليم معبرا عن خلجات (يوسف) البطل، ( ربما كذبه الخلود وخدعته الأحلام فكان قميصه عرضة للتآكل؟! ربما أحب سماع الأصوات المسكوبة على خنصره ببهاء الخيبات المتلاحقة؟! ) ص74.

تتجه البوصلة القرائية إلى المحور الثالث الذي لا يقل شأنا عن سابقيهِ، رمزيتي (يوسف) و(زئبقية القميص) في المتن الحكائي من ناحية تحولات المعنى،  بحسب الحال أو الظرف الذي يمر به البطل (يوسف) وبحسب الأجواء النفسية أو الانتقال من مكان إلى آخر، وهنا يذهب بنا القول إلى ما تطرحه الرواية من تناص مع قصة يوسف النبي (ع)، فالقميص الذي تسوقه الرواية، (القميص العاري، القميص البلوري، قميص ذاته، القميص السارد،  القميص الكاتب القميص الرابت، قميص واحد، أقاصي القميص، القميص الأبيض...... الخ)

إذن يجب التنبه ان التناص لم يأخذ أبعاد المضمون، بل اكتفى باللفظ/ الشكل، يعني لم يقدم يوسف الذي أُسقط بالبئر، بل الذي أسقط نفسه بعد اليأس، (يوسف لا يحب الحزن ولهذا سقط في بئره بصورة غير واقعية) ص51، وهو خلاف قصة يوسف (ع) لقوله تعالى، (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجبت....) آية10سورة يوسف، إذن في الأول اختيار للمصير وفي الثاني إجبار،  هذه من مفارقات السرد التي تحسب للرواية، وكذلك رمزية القميص التي يتغير معناها بحسب مقتضى الحال، فهو حين يسرد لنا عن أيام العسكرية يضيف لفظة المُذنب، (القميص المُذنب)، وكما نعرف في لفظة المذنب إشارة لرصاصة التنوير، ليعرف المتلقي أنه على الساتر في فترة تطوعه للجيش، وهي أول ردة فعل بعد فراقه ل(سماء)، ، أو (لحد القميص الغارق بتوافه الأزرار وألوانها) ص52، وفي هذا ترميز عالٍ، أن خلفَ الأزرارِ مباهج تافهة وصفها باللحد، وهنا يجد تحقق الموت في الأشياء المادية، على العكس من الأشياء غير المحسوسة تنعم بالخلود والسمو الدائم، وهذا ما يتوافق مع المتصوفة، وهو بالضد من القميص الذي بعثه نبي الله يوسف (ع) بعدما ابيضت عينا أبيه، نبي الله يعقوب (ع) بعدما تلقيه خبر سرقة ولده صواع الملك وتم حبسه، لقوله تعالى، (اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيراً....)آية 93 سورة يوسف، فهو يحمل  ريح يوسف (ع).

وبهذا نؤشر إلى مغايرة أخرى واستقلالية للمعنى عن المعنى الذي ذهبت إليه الآية القرآنية في سورة يوسف، وإنتاج معانٍ عدة، إذ إننا في كل مقطع من مقاطع الرواية (الخمسة عشرة) نجد الرواية تطرح معنى يتحلى بالجدة والمغايرة عن ذات قميص يوسف بطل الرواية حتى أنه يذهب به إلى كونه سكنا، وهنا يتشظى المعنى من السكن الروحي/ الحب، إلى السكن المادي/ البيت، وما رمزية الأزرار السبع بمدة علاقة الحب التي ربطت، (يوسف وسماء) إلا دعوة لاقتفاء المعنى المتجدد بالرواية.

لا يمكننا بعد ما تقدم إغفال استئثار آخر مُثِلَ في شخصية الرجل الشرقي الذي بيده مقاليد كل شيء حتى الحب والغرام، هو من يقرر إعلان الحب وهو من يحدد نوع الحب، عذري أم حسي، من النوع الفاني أم الخالد، فان توافق مع ظروفه أراده حسيا، وان لم يأتِ بحسبها انصرف إلى العذري، معللا الخلود سبيلا له، أو الفناء نهاية له، بل أن ذاكرة المحبوبة حتى في ليلة زواجها من شخص آخر تشتره وتستحضر ذكراه، لينهي عنت بكارتها المتضخم بأناته الغائبة الحاضرة.

 

رحيم زاير الغانم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4569 المصادف: 2019-03-10 01:24:23