 قراءات نقدية

القصة العربية في العصر الإسلامي

معراج احمد الندويالقصة فن من الفنون الجميلة التي احتلت مكانا مرموقا في الأجناس الأدبية، لها تأثير كبير في النفوس، وهي مرآة صادقة تنعكس فيها الأحوال والظروف التي يمر بها المجتمع بكل تفاصيلها ودقائقها. عاشت القصة العربية في كل عصر من العصور وجاءت من حيز الوجود استجابة لرغبة الناس باللغة في إطار هذا اللون الأدبي. ولم يخل أبدا عصر من عصور الأدب العربي من جنس القصة. ففي الأدب الجاهلي قصص كثير يدور على أيام العرب وحروبهم. وفي القرآن الكريم كثير من قصص الأمم الأنبياء والرسل. وفي العصر العباسي ترجم كثير من القصص الشعوب الأجنبية. وفي العصور الوسطى قصص شعبي .ولم تنكب أمة كما نكب العرب في تراثهم الأدبي والعلمي، ولم يسل نهر بحبر الكتب كما سالت أنهارهم. فقد بقي الكثير من نفائس الكتب التي رسمت صورة الحضارة العربية الإسلامية الزاهية.

كان الإسلام أبرز حدث في تاريخ العرب، فقد نقل الإسلام حال الأمة الهامشية المتخلفة إلى حال الأمة الفاعلة في التاريخ البشري من حيث الدين والمعرفة والحضارة والثقافة. ويعتبر العصر الإسلامي عصرالتجميع للقصة العربية. وظل القصص فنا شعبيا محببا، بل أنه تطور بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، وهو ما يدل على تأصه في المجتمع العربي، فالفنون الأدبية تتطور مع تطور المجتمعات سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وفكريا. ولما ظهر الإسلام واتسعت الفتوحات وجال العرب في كل مكان واطلعوا على كثير من أقاصيص الفرس والروم الهنود والمصريين وغيرهم من الأمم القديمة. فمن إثر هذا الاحتكاك اتسع افق خيالهم وتطورت عندهم فن القصة وتوسعوا في ذلك اتساعا كثييرا كما استفاد العرب من العرب القرآن الكيم ووجدوا لونا جديدا من القصة لم يعرفوه قبل. استخدم القرآن الكريم القصة في أسلوب أحسن للتعبير عن كثير المعاني واتخذها وسيلة للبيان ما في الأم الماضية لاستخراج العبرة والعظة. وكان القصص القرأني وهو أحسن القصص حافزا مهما في اقبال الناس على القصة، وكان الناس يتسامرون بقصص الملوك والأبطال وسادات القوم والأيام. ويعود ذلك إلى تأصل عادة السمر في النفوس، فإن الأحاديث الجميلة المفيدة من أبرز صفات المروءة عند العرب.

وقد نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم على هيئة سور وأجزاء من سورتحمل تعاليم الإسلام. وهذه التعاليم تتكرر مرات عديدة في القرآن كله وهي مدعومة بقصص حضارات قديمة ووقائع بائدة أبطالها أولئك الذين ابتعدوا عن عبادة الله الواحد الأحد. وهذه القصص العديدة والمختلفة والتي تمثل قصصاً قصيرة مكتملة العناصر موجودة قبل الإسلام في كتب سماوية سابقة مثل التوراة والإنجيل. ففي القرآن قصص آدم وحواء، وقصة الطوفان، وقصة يوسف وإخوته، وقصة مولد عيسى، وقصة موسى وفرعون مصر تمثل كلها وحدات كاملة داخل البناء أو الإطار الأكبر وهو القرآن الكريم.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم أول من سلك نهج القرآن الكريم، وترسم خطاه في توظيف القصة من أجل نشر الوعي وتعميق مبادئ الإسلام في النفوس حيث نجد أن الرسول صلى الله عليه يتخذ من القصة أسلوبا مهما من أساليب الدعوة، يحملها قيم الإسلام معانيه، ويرى عليها الصحابة ويوجههم من خلالها إلى فهم هذا الدين عقيدة في الفكر وطريقة في السلوك وواقع الحياة. إن القصص الإسلامي بدأ في زمن النبوة، إلا أن وظيفة القصص تطورت في عصر الخلفاء الراشدين أيان الفتوح لما للقص من أثر تحريضي وتربوي وديني يتمثل في تشجيع المقاتلين. فقد كان القصاص يثيرون فيهم الحماسة الدينية كالشعراء في الأيام الجاهلية. وإن أول من قاص رسمي في الإسلام كان تميم الداري في عهد عمر بن الخطاب، وكان يقص في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم. وهكذا غدا القص عملا رسميا يعهد به إلى حال رسميين يعطون عليه أجرا، وكان بعض القضاة يعينون قصاصا أيضا مثل سليمان بن عتر التجيبي اليمني الذي كان أول من قص في مصر في سنة 38 من الهجرة. وكان قد جمع له القضاة إلى القصص ثم عزل عن القضاة وأفرد بالقصص. وكان الخلفاء الراشدون حريصين على الاهتمام بالقصص. فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أذن لقاص لأن يقص على الناس في المسجد الحرام كما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ افرد ابن عباس يوما من أيام الأسبوع للقصص، واستمرت هذه القصص الوعظية في العصر الأموي والعباسي.

و كثر القصاص في أيام الفتنة وفي إبان  معركة صفين التي طال أمدها بين علي بن طالب رضي الله عنه ومعاوية بن سفيان رضي الله عنه، وهنا بدأ القصص يخرج عن غاياته الدينية إلى الوظيفية السياسية، ولعل معاوية من أهم بالقص وأدرك أهميته وأثره السياسي، فعين من يقص على الناس مرتين في اليوم، مرة بعد صلاة الفجر، ومرة بعد صلاة المغرب،هذا يعني أن القصص في زمن معاوية، أصبح له شأن لم يكن له من قبل، ولعل معاوية وطد الشكل الأول لفن القصة باقتران القص بالشعر.  إن أول من قص من الصحابة الأسود بن سريع، وأول من قص من التابعين بمكة عبيد عمير الليثي، وكان للخوارج قصاص كثيرون أشهرهم صالح بن مسرح، وكان يخلط مواعظه وقصصه بالدعوة إلى الجهاد.

إن القصص في الإسلام بدأ دينيا مستمدا من القرآن الكريم ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته المباركة لأهداف دينية دعوية خالصة. ثم خرج إلى أغراض سياسية لإي في أيام الفتنة، ثم تطور في زمن معاوية إلى قصص تاريخي أسطوري، يتناول أخبار الأمم السالفة لاعتبار بتجاربها في الحكم والسياسة، إضافة إلى ما استمر من أشكال قصصية قديمة، وما استجد في حياة المسلمين من أحداث شؤون.

تمثل القصة العربية لونا من ألوان النثر الفني الممتع الجميل الذي جاء معبرا عن فكرته في ألفاظ سهلة ميسرة وأنه لوجد بعد الإسلام، وجاء متحررا من منهج النثر الجاهلي الذي كان يخضع لسيطرة الكهان بما كان عليه من غموض وإبهام، ثم أنه تقدم هطوة أوسع من حيث أهميتها الفنية حين جاءت في لون قصصي حافل بالعناصر القصصية العامة لهذا الفن، يمثل فترة زمانية متقدمة جدا مما يدل على أصلة العنصر القصصي في الأدب العربي. ينقسم القصص الإسلامي إلى ثلاثة أقسام:

1- القصص الديني: لا غرو أن يكون القصص الديني أهم أنواع القصص في العصر الإسلامي، وكان هذا العصر عصر الصراع بين الكفر والإيمان داخليا وخارجيا. ثم إن الصراعات السياسية التي عصفت بدولة الإسلام من حروب الردة إلى حرب الجمل إلى حرب صفين إلى حروب الأمويين مع معاريضهم من خوارج وشيعة وزبيريين. كانت ترتدي ثوبا دينيا، ولو كانت تختلف أسبابها وأهدافها. ولا نبالغ إذا قلنا إن القرآن الكريم كان المصدر الأكبر لفن القصصي العربي وكان المحرض الأهم على باقي عبوم الحضارة العربية الإسلامية.

2- القصص التاريخي الأسطوري: كان هذا القصص يتناول تاريخ الملوك، ولا سيما ملوك اليمن والحيرة وتدمر والغساسنة، وهو امتداد طبيعي للقصص الجاهلي في هذاالمجال ولذلك لم يتغير شكلا ومضمونا، إلا ما أضيف إليه من مؤثرات إسلامية. كأن يجعل البطل يرهص لمجئ الإسلام والبعثة النبوية، كما نجد في قصة سيف بن ذي يزن، ونبوءة شق، وسطيح أو في قصة أبهة الحبشي و غيرها.

3- القصص الواقعي: هو القصص حفلت به كتب التاريخ والأدب. إنه من الأخبار والنوادر والطرائف عن حياة العرب بمختلف فئاتهم وطبقاتهم، وقد ظل القصص شفويا فترة أطول من سواه لأنه قصص دنيوي وصور من صور الحياة المتجددة، وأول من دون منه هو قصص الحب العذري وقصة ليلى ومجنون، وأن مجنون شخص لا وجود له أو شخص تاريخي ولكن أضيف إليه كا ما يعبر عن حال المحب المأسوي العذري.

إن القرآن قد اهتم بالقصة إلى حد أنه أورد سورة كاملة باسم القصص. ولم تكن القصص في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في زمن الخلفاء الراشدين وإنما احدثت القصص في زمن معاوية حين كانت الفتنة ترفع رأسها بين الصحابة وإنها كانت مقصورة على الموعظة الحسنة.  عندما أنزل القرآن، فقد أثر بالإيجاب في فن القص العربي من خلال تقديم نماذج متعددة غاية في الروعة. كانت أقاصيصه. ففي بداية ظهور الإسلام، كان النضر بن الحارث بن كلدة من أشد المعادين للرسول صلى الله عليه وسلم. وكان يجلس إلى الناس حيث يصلي الرسول بالمسلمين يقص عليهم أخبار الفرس، وقصص رستم واسفنديار، ليصرفهم عن الدين الجديد، ما يؤكد ولوع العرب بفن القص. ومن الصحابة، كان هناك نعيم بن أوس الداري من أشهر القصاصين. وفي العصر الأموي، كان معاوية يتخذ عُبيداً بن شرية الجرهمي محدثاً وقاصّا يحيي به لياليه في سماع القصص، وكان يأمر بتدوين ما يسمعه في كتب. وكانت قصص عبيد ترتبط بالبيئة العربية وبأخلاق العرب وعاداتهم.

نشأت القصة العربية وتطورت تحت ظروف وعوامل مشابهة حسب المعتقدات والأساطير. والأدب العربي القديم بما فيه تراث قصصي عظيم من القصص القرآنية، وقصص الأنبياء والرسل والمقامات والرحلات والقصص الخيالية والتراجم الذاتية، وعندما ظهر الإسلام جاءهم بأحسن القصص وبعد هذا العصر ظهرت قصص العشاق وقصص الأبطال والفرسان. بدأ الفن القصصي في الأدب العربي منذ العصر الجاهلي وظهر بوادر هذا الفن لا ينبغي وجوده من قبل ذلك، ولكنه وجد أرضا خصبة فيه مما أدى لطرح ثمار جديدة في العصور التي تلته، منها العصر الإسلامي الذي ارتبط بنزول القرآن الكريم واعتبرت القصة فيه وسيلة لترسيخ الدين الجديد في العالم كله.

 

ا. د. م معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4707 المصادف: 2019-07-26 04:13:45