 قراءات نقدية

ربيع التنّومة.. سيرة مدينة مُنتفضة وشخصيات مُثقَلة بالعُقَد

عدنان حسين احمدتنفرد رواية "ربيع التنّومة" لقصي الشيخ عسكر بمقاصصة الذهنيتين القامعة والمقموعة في آنٍ واحد، إذ ينهمك المؤلف بتفكيك طرَفَيّ المعادلة من دون التركيز على الضحيّة وإهمال الجلاد. كما تُعدّ هذه الرواية أنموذجًا للأدب "السوداوي" الذي يفحص الشخصية العراقية ويضعها على مِحك الاختبار لدراسة عُقَدها النفسية والاجتماعية والثقافية أو تلك الإشكالات التي تنبثق من التاريخ والجغرافية مثل "عُقدة السندباد" الذي يركب المخاطر والأهوال من دولة تمتلك بالكاد منفذًا بحريًا صغيرًا على الخليج العربي. لا تسلمْ الشخصيات الأخرى من العُقد النفسية وربما يكون عبدالله عبدالرحيم، الموظف في مديرية العدل هو الأنموذج المثالي الحامل لعُقدة النقص، فهو أعرج لكنه تنكّبَ بندقية خالية من الرصاص ونزل بها إلى شوارع "التنّومة" المنتفضة مثل بقية المدن الجنوبية التي ثارت عن بكرة أبيها ولعله أخذ بنصيحة المعلِّم كامل الرامي الذي يقول: "ليس بالضرورة أن يشعر كل ذي عاهة بعقدة، تيمورلنك الأعرج احتلّ العالم، وموشي دايان "دحر" 150 مليون عربي في ستة أيام حسوما" فليس من المستغرب أن يُهزِم عبدالله الأعرج لواءً مدرّعًا بكامله لأنه استعمل كلمات حماسية بسيطة من قبيل "أيها اللواء البطل، لقد انهار الجلاد والثورة تشتعل" ليتوراى الجنود والضباط في لمح البصر.

تنطوي "ربيع التنّومة" الصادرة عن مؤسسة المثقف العربي في سيدْني بالتعاون على سيرة مدينة منتفضة، وسيرة مواطن قرّر أن يناهض حكومة البعث لكنه سقط في فخّ الجلادين وأوشك أن يفقد حياته لولا مصادفة انتقال "أبو درع" إلى سجن الرضوانية، الضابط البدوي الذي يجمع في طوّيته بين ازدواجية العنف والطيبة، وهذه عُقدة أخرى تنضاف إلى العُقد السابقة لشخصيات النص السردي الذي يتناول مرحلة دقيقة وحرجة من تاريخ الشعب العراقي الذي انسحق غير مرة بسبب صراع الأحزاب السياسية على السلطة والثروة.

 تسترجع الرواية القادة العراقيين الذين طالبوا بتبعية الكويت إلى العراق أمثال الملك غازي، والزعيم عبد الكريم قاسم لكن صدام حسين هو الذي ضمّها بساعات معدودة، شبّهها الراوي بملخّصٍ لحرب دامت ثماني سنوات، ووصفها ساخرًا بمُقدمة لكتاب اسمه "تحرير فلسطين"! إنّ ما يهمنا من الأحداث التاريخية في هذه الرواية هو الانتفاضة التي انطللقت شرارتها من "ساحة سعد" بالبصرة في 3 آذار 1991 وامتدت مثل النار في الهشيم إلى 14 محافظة عانت الأمرّين من حُكم الطاغية الذي قمع كل العراقيين الذين وقفوا في الخندق المناوئ له ولحزبه الفاشي الذي تخلّق بأخلاق الجلاد.

ومن بين حوادث الثأر والتصفيات الجسدية الكثيرة ركزّ الراوي على مسؤول الفرقة الحزبية راجي المزروع الذي لم يتوارَ مثل بقية البعثيين وإنما ظلّ في داره وكأنه يتحدى الجميع رغم انهيار المؤسسات الأمنية والعسكرية فتعرّض للقتل حتى أنّ جسده أصبح منخلاً لكنهم لم يأخذوا العائلة بجريرته فتركوها تلوذ عند الأخيار. لابد من التوقف عند عنف الشخضية العراقية وقسوتها، فبعد أن أصبح المزروع جثة هامدة تغرق في بِركة من الدماء بدأ أحد المنتفضين يدعك وجهه بحذائه، وآخرون يبصقون عليه، وثالث موتور، فقدَ خمسة من ذويه بتُهم متعددة يرقص على صدره، ويزعق متشفيًا من دون وعي: "أديروا وجوهكم فلن أجد مرحاضًا أبول فيه غير هذا". ومع أنّ المجتمع العراقي يقرّ بأنّ "إكرام الميت دفنه" إلاّ أنّ المنتفضين بالغوا في الإساءة إلى الميت الأمر الذي يُذكِّرنا بالمصائر المُفجعة للعائلة المالكة وما عانوه من قتل وسحل وتشويه امتدّ بعد بضع سنوات ليطال الزعيم نفسه ومئات اليساريين الذين عمّدوا بدمائهم تراب الوطن. غير أن الراوي يدين هذا التصرّف الوحشي الفظ حين يقول: "أشحتُ بوجهي عن المشهد، وآمنتُ حقًا بأنّ صفحة معتمة لطفولتنا تنتهي وفق تلك الطريقة البشعة من العنف".

يتسع الفضاء السردي شيئًا فشيئًا، وتتعدد الشخصيات رغم أن الأحداث تتمحور حول عبد الله "الأعرج"، الشخصية الرئيسة التي تحضر بقوة منذ مستهل الرواية حتى نهايتها، فنتعرف على أبيه عبدالرحيم الذي مات في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وعلى أمه جميلة التي لا تتذكّر شيئًا سوى ابنها أحمد الذي ذهب في بعثة دراسية إلى ألمانيا قبل الحرب ولم يعد، وسوف تموت بعد أن تعرّض مُلحق المستشفى إلى ضربة جوية. وهناك شقيقتاه الكبرى والصغرى وصهره. ولو خرجنا من نطاق الأسرة ستُدهمنا شخصية المعلّم كامل الرامي الذي يرى الحياة من زاويته الخاصة التي لا تتناغم مع رؤية الآخرين وتصوراتهم. فبينما كانت الناس تنهب في دوائر الدولة ومؤسساتها كان هو يفتش عن كتاب مهم أو وثيقة سريّة. لم تتضح نتائج الانتفاضة ففي يومها الثاني غطّت صور المعمّمين العراقيين والأجانب حيطان المدينة، وبعد مقتل المزروع وضابط الأمن التكريتي، وقصف جسر التنّومة بدأت ملامح القصة الغامضة تتضح بعد أن تصافح الجنرالات في "خيمة صفوان" بينما كان المنتفضون يعتقدون أن الأميركان "سيلتقطون صدام مثلما تلتقط البوم جرذًا من ذيله". لكن العكس هو الذي حدث تمامًا، فقد عاد البعثيون بشراسة أكبر، وعادت صور صدام إلى الجدران الأمر الذي دفع عبدالله وصهره لأن يُلقيا البنادق في بالوعة المرحاض. لقد اندحرت الانتفاضة، وبدأت المجازر من جديد. لم يهرب عبدالله وعائلته إلى إيران مثلما فعل بعض العوائل فقد آثر البقاء، وأصبح ضحية لرجال الفرقة الحزبية، والعناصر الأمنية التي تفتش في ضمائر المنتفضين وعقولهم.

يتعرّض عبدالله "الأعرج" في القسم الثاني من الرواية إلى الاعتقال بعد أن دهمه عناصر الأمن واقتادوه إلى السجن. وفي التحقيق يُتهم بأنه مسؤول عن إذاعة شط العرب، وأنّ اعترافه بهذه التُهمة يعني الإعدام، وتأكيد جريمة صهره، ومعلّمه كامل الرامي، فلم يكن أمامه إلاّ الإنكار رغم بنيته الواهنة، وقدمِه العرجاء المتنمِّلة. يمرّ عبدالله بثلاثة سجون تتشابه في قسوتها وهي سجن "شط العرب" وسجن "البصرة المركزي" وسجن "الرضوانية" في بغداد وثمة سجن فرعي في مستشفى تابع للرضوانية يُديره نائب ضابط أكثر وحشية من السجون الثلاثة التي حُشِر بها وذاق مرارتها، فهذا الجلاد يُوسع ضحاياه ضربًا حتى يسقط لاهثًا على الكرسيّ من الإعياء. لم يتركوا نوعًا من التعذيب إلاّ ومارسوه مع عبدالله الأعرج إلى أن يظهر "أبو درع"، وكيل المسؤول الأمني في السجن فيدقق ملفه من جديد ويخلي سبيله لأنه وجد صفحته بيضاء ناصعة رغم التُهم الموجهة إليه فيستعيد عبدالله حريته ويدرك بأنه أمضى أقسى ثلاثة شهور في حياته.

قبل أن نختم المقال لابدّ من الإشارة إلى ملحوظتين أساسيتين، الأولى تتعلق بتجريد العراق من الإطلالة البحرية مع أنّ القاصي والداني يعرف جيدًا أن مدينة الفاو مطلّة على رأس الخليج العربي وأنّ خورعبدالله هو المنفذ الوحيد على البحر، فليس من المعقول القفز على هذه الحقيقة التاريخية والجغرافية بالقول إنّ العراق لا ساحل له منذ زمن هارون الرشيد حتى الوقت الحاضر. أما الملحوظة الثانية فتتعلّق بأبي درع الذي يجمع بين الطيبة والعنف في سجن الرضوانية الذي كان يضم المناوئين لحكومة البعث فأقول لك بثقة شبة تامة بأنّ النظام السابق لا يسمح بوجود جلادين يمكن أن يتعاطفوا مع الضحايا مهما كانت درجة براءتهم وأن وجود هذا الشخص يُربك مصداقية العمل الروائي.

 

عدنان حسين أحمد

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الناقد عدنان حسين
تحيتي وتقديري
شكرًا لاهتمامك بالرواية لقد سعدت بذلك كثيرا
فيما يخص العراق والخليج هذا هو راي كامل الرامي وهو شخصية عبثية كان ذَا انتماء قومي ناصري وهو معلم ثم سلك مذهب العبث وادمن السكر وكان يرى ان الخليج يكاد يكون مغلقا وللعراق اقصر ساحل على الخليج فلديه عقدة النقص هذه منذ القدم وحضرتك تعرف ان شخصيات الرواية يحملون افكارا مختلفة وقد تكون متناقضة وقد ايدت تلك الشكوك محاولة العراق تأجير جزيرة بوبيان من الكويت خلال فترة ما
اما مايخص مسؤول السجن الجديد فاني خلال زيارتي الاولى للعراق جمعت معلومات عنه من اكثر من سجين سابق كان في السجن وأكدوا لي انه متسامح وعنيف وربما خلق هذا الانطباع عنه في تصور السجناء انه كان اذا لم يعترف سجين ولم يكن عليه شهود فانه يطلق سراح ذلك السجين وانت تعرف ان الناس وخاصة السجناء ادا جاء سيّء مكان الأسوأ فنهم يرسمون حوله هالة من الانبهار والمسؤول الجديد كان سيءا ولم يكن الأسوأ
اكرر شكري لاهتمامك بالرواية ودمت ايها النبيل
قُصي عسكر

قُصي عسكر
This comment was minimized by the moderator on the site

توفرت لي فرصة الاطلاع على الرواية لأنها مطبوعة في دمشق. و هي بعكس غيرها من الاعمال السياسية. مقسومة لقسمين.. بطل جماعي في حالة ثورة. و بطل فردي محروم من البطولة. و ميزتها انها من بين ادب السجون ترسم صورة حركية للعنف الذي يرتكبه النظام و لا تكتفي بوتيرة واحدة من الكآبة و التباكي.
و الحقيقة المقالة كانت واضحة و مقنعة.

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4731 المصادف: 2019-08-19 14:18:37