 قراءات نقدية

الجمال الفني في القصة النبوية

معراج احمد الندويالقصة هي فراسة الحياة الاجتماعية بكل أبعادها، فهي ليست حكاية للأحداث وسردا للوقائع فحسب، وإنما هي فقه حياة الناس وما يحيط بها من ظروف وزمان يتتابع فيها أحداث. وللقصة تأثير بالغ في نفوس الناس حيث تريهم ما يغفلون عنه أو تقص عليهم خبر قوم ما أو شخص ما فيأخذون العبرة منها بدون نصائح مباشرة حيث ينفر الناس غالباً من النصح المباشر،تمثل لأن القصة تمثل خبرات وتجارب ومشاعر وأحداث الإنسان التي مرّ بها في حياته سواء الواقعية منها أو تلك التي من إبداع التخيل الانساني. وللقصة دور في بناء الثقة وخلق الاتباع.

إن للقصة أثرا قويا في النفوس الإنسانية، فهي وسيلة من الوسائل المثيرة للفكر الإنساني، والمربية للنفس البشرية. ولما كان للقصة هذا التأثير الكبير في إثارة الفكر وتهذيب النفس اتخذها القرآن الكريم وسيلة من وسائل الدعوة والتذكير والتوجيه إلى عبادة الله عز وجل. فجاء القرآن الكريم بأحسن القصص. تتضمن القصة القرآنية من الأمثلة والحكمة والمواعظ والمواويل، ولها أنواع كثيرة حسب الموضوع أو الغاية كالدينية والخوارق والإنتقاد الاجتماعي وقصص الحيوانات ستبقى القصة القرآنية إذن الشعلة التي تضيء لهذا الانسان لتصل حاضره بماضيه، وستبقى النفحة الربانية التي تشرق بها النفس وتعمر القلب، وستبقى الوثيقة الوحيدة الصادقة الخالدة التي يطمئن الانسان لمصداقيتها.

تمثل القصة القرآنية ربع القرآن الكريم. والقصة لها تأثير فعال. لأنها تستوي أذهان الناس وتفضل سماعهم وتترك أثرا واضحا في نفوسهم. فقد استخدم القرآن الكيم القصة كوسيلة لغرس قيمه وافكاره واتجاهاته.في القرآن الكريم ثروة ضخمة من القصص والحكايات.

إن القصة الأدبية فتقوم على الخيال السابح والتوهم والتخيل في حين أن القصة النبوية مصدررها الوحي، فهي نسيجة من الصدق الخالص وعصارة من الحقيقة الصافية التي لا تشوبها شائبة، فلا تزيف ولا تخيل ولا تحريف فيها. إن المقصود الذي جاءت به القصة النبوية هو تحقيق أغراض دينية كإثبات الوحي والرسالة والبعث وتعميق العقيدة في النفوس وتبصيير العقول.

تعتبر القصة النبوية أسلوبا تربويا ينهض على التحسين والإثارة والتشويق، ثم من النفس البشرية. والقصة النبوية امتداد وبيان للقصص القرآني لأن كلاهما يؤدي الغرض نفسه وهو الغرض الديني التربوي، وعلى هذا جاء القصص النبوي كلون من البيان وأسلوب من أساليب الأداء، فمقاصده هي التي تستوعب الأسلوب والطريقة وهي التي من أجلها يسلسل القرآن الكريم الأحداث ويربط بينها برباط العاطفة والوجدان، لقد حذت القصة النبوية حذو القرآن الكريم، وهي القصة تقوم على سلامة فطرة القاص وتكفى كل الكفاية في تقرير العرض الأدبي والعاطفي والفني وتروع كل الروعة في تسلسل الأحداث والباقة الحوار وتصوير الأشخاص وتتبع فكرتها من أجناس النفوس الكائنة الحية، فلا تعالج أنماطا منها في عالم المجهول.

اتخذت القصة النبوية أيضا وسيلة من وسائل الدعوة كالقصة القرآنية  وتهدف إلى إقامة صرح الإيمان، وقد خضعت القصة النبوية في موضوعاتها وطريققة عرضها وإدارة حوادثها لمقتضى الأغراض والأهداف الدينية، وهذا الخضوع للغرض الديني لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها، فكانت في ذلك متتبعة لمنهج القصة القرآنية ولنسق البيان القرآني.

 إن مفهوم القصة النبوية لا يخرج عن مفهوم القصة كما عرفها العرب، بل هي تتبع الأحداث الماضية وتقوم بابراز جانب صغيرة فيها، تتناول القصة النبوية أخبار الماضيين وأحداث الأولين سواء كانوا من الأنبياء والرسل أو من أقوامهم مع التحديد الزماني والمكاني.

القصة النبوية هي مجموعة أحداث مرتبة ترتيبا سببيا، تدور حول مواضيع إنسانية شتى، وتقوم بتحليل الأحاسيس والمشاعر والمعرفة النفسية. لقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم من القصص وسيلة للبلوغ الغرض الديني. فهي اقناع العقل وامتاع العاطفة بأسلوب حكيم وهادف. والقصة النبوية بعيدة كل البعد عن القصة الأدبية الفنية التي وضع لها الأدباء عشرات القوعد الفنية في البنناء، وبهذا ينبغي أن يكون النظر إلى القصة النبوية مختلفا عن النظر إلى القصة الأدبية، فالقصة النبوية ليست للمتعة ولا للتذوق الأدبي المجرد، ولا غرابة في ذلك ، فهي ذات مصدر خاص وهدف خاص مغاير للمصادر التي تقوم عليها القصص الأدبية الفنية.

تحتوي القصة النبوية الكثير من تاريخ الرسل مع أقوامهم والشعوب وحكامهم، تضرب لسيرهم النمثل من المواضيع التي يقف الفرد على نتائج واقعية من هذا الماضي، فيقيس عليه حاضره ويعد مستقبله. كان الرسول صى الله عليه وسلم يقص على أصحابه قصصا تعددت أنواعها وموضوعاتها تشمل جميع العناصر القصيية والفنية والتقنيات السردية من حدث وحوار وشخصيات وزمان ومكان وما إلى ذلك.

إن لكل قصة غايتها المستمدة من الرسالة التي تقوم على سلامة فطرة القاص، ومن أجل ذلك كانت القصة النبوية أسلوبا ناجحا في الدعوة إلى الدين، وهي تحكي الواقع بكل صراحة ووضوح كما جاء في القرآن الكريم. في القصة النبوية الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني وتخاطب خاصة الوجدان الدينية بلغة الجمال الفنية.

لا تجري القصة النبوية في أسلوب واحد ولا تحدد نمطا واحدا من الأداء ولكنها تختلف حسب ما يميل مقام الفكرة، فطورا قصيرة وطورا آخر طويلة، تتفاعل وتتحرك لتولد العبر والعظات مما يثير نفس الملتقي ويشوقها بما تتتخلله من مفاجأت تذكي الشوق إلى متابعة القصة.

 تنقسم القصة النبوية إلى ثلاثة أنواع:

 1- القصة الواقعية: القصة الواقعية هي حكاية واقع تاريخي مضى وانقضى، وإما حكاية واقع سيكون في المستقبل. وهذا النوع من القصص. فهي أحداث وتجارب ذاتية وقعت في الرسول صلى الله عليه وسلم من حياته وفي ظروف مختلفة، وهذا القصص أشبه ما تكون المذكرات التي يسجلها الإنسان عن ما بعض ما يمر به في حياته، ومن أبرز هذه القصص التي تعالج مرحلة من مراحل حياة الرسول صلى الله عليه وسلم هي قصة "الإسراء والمعراج" التي قص فيها الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلة في حياته. وهي قصة واقعية حكاها النبي صلى الله عليه وسلم وساقها بأحداثها شخصياتها، لا لمجرد التسجيل التاريخي، ولكن للعظة والعبرة والتوجيه.

2- القصة التمثيلية: هذا النوع من القصة اتخذه الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم مثالا للفكر المطروحة أو القضية المقررة سواء وقع هذا المثال على أرض الواقع أو لم يقع، فالقصة التمثيلية تصور الأحداث والوقائع مثل القصة التي رواها النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهمواعلى سفينة فأصاب بعضهم أعلاها ويعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على فوقهم، فقالوا، لو أن احرقنا خرقا من نصيبنا ولم نودئ من فوقنا، فإن يتركواهم وما أرادوا هلوكا جميعا، وإن أخذا عل أيديهم نجدو نجو جميعا.

3- القصة الغيبية: النوع الثالث من أنواع القصص النبوي هي القصة الغيبية. تتناول هذه القصة الأحداث والوقائع من مستمدة من مشاهدة الآخرة، وهي غيب سواء وقعت في الماضي أو سوف تقع في المستقبل، وهي بالنسبة للإنسان غيبا مجهولا، لا تقع تحت حواس البشر.

إن هذه الأنواع الثلاثة للقصة النبوية سيقت بأساليب متنوعة، فهي من ناحية طريقة العرض وأسلوب الأداء تتجلى إما في شكل خبر قصير، ولا يتجاوز في شكل مشهد قصصي، وإنما تظهر في قصة مكتملة البناء والعناصر الفنية. ومن القصص التي تعرض بهذا الأسلوب قصص السيرة الذاتية للرسول صلى الله عليه وسلم والقصص التاريخية. فربما تطول الأحداث وتتنوع ويحتدم الصراع وتنمو الشخصيات والتعدد ويمتد زمان الأحداث.

تنبع القصة النبوية من الواقع التاريخي وتمثل الصراع الفكري بين قوى الخير والشر في النفوس وهي هادفة لأهمية الكبرى في حياة البشر، فكل يجد من هذا القصص النبوي يعد من أنجح الطرق التي اتبعها الحديث النبوي في تأديب النفوس. وهكذا نجد أن القصة النبوية ترسم خطاها في اتخاذ القصة وسيلة من الوسائل التربية والتوجيه وتصوير المبادئ في حية مشرقة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي - الهند

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4760 المصادف: 2019-09-17 01:51:50