 قراءات نقدية

مظاهر التشيؤ في رواية عذراء سنجار

تأخذ الكثير من المصطلحات نصيبها من التَّطور تزامناً مع الحداثة التي من المفترض أنَّها تنير عتمة واقعنا وتبدِّل أَحوالنا الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، إلا أنَّها في أحايين كثيرة تزيد هذا العالم عتمة ووحشة؛ نتيجة الانتكاسات الفكرية والحضارية التي تعصف بالشعوب من وقت لآخر، ومن أبرز تلك المصطلحات التشيؤ الذي أخذ صدىً كبيراً في الدراسات الاجتماعية والأدبية؛ بوصفه إفرازاً طبقياً حداثوياً، لكنه في الحقيقة ما هو إلا انعكاس للعبودية واستغلال الذَّات البشرية التي لازالت متمسِّكة بجذورها في مواكبة العصور البيروقراطية في كل زمان ومكان، فبعدما تشعبت الأَخيرة في مفاصل العصور القديمة وما آلت إليه من دحض وتسقيط للقيمة الإنسانية للفرد عادت مستفحلة من جديد في عصرنا الحديث بمضامينها المختلفة وأساليبها المتغايرة من مجتمع لآخر ومن بيئة لأخرى بثيمة جديدة والمسماة بـ(التشيؤ) الذي يرى الإنسان عبارة عن شيء متصنِّم وسلعة قابلة للبيع والشراء، فأصبحت العلاقات البشرية قائمة على تجارة المنفعة واستهلاك القيم.

يرى لوكاش أنَّ مشكلة التشيؤ وصنمية السِّلعة هي مشكلة نوعية لعصرنا، وإنَّ التعامل التجاري والصلات المطابقة له وجدت في مراحل بدائية من تطور المجتمعات، فقضية امتداد التعامل التجاري كصيغة سائدة للمبادلات في مجتمع ما لاتدع نفسها تعالج في اتباع عادات الفكر المعاصر المشيأة بتأثير الصيغة التجارية   السائدة فيه، وإن تعميم هذه الصيغة يسبب تجريداً للعمل الإنساني (1)،

كما يُجمل المنظِّرون مسببات التشيؤ بعدة اتجاهات وما يهمنا هنا السبب الأوسع انتشاراً وهو الترشيد والمراد به: ترشيد القيمة الإنسانية للفرد وعلى ضوءها يتم إخراج الإنسان من عالمه الإنساني وزجَّه في عالم الأَشياء، فيصبح هو والأشياء في منزلة واحدة يتحرك داخل قوقعة تسودها النُّظم البيروقراطية وليس الشخصية، فهو بمثابة اقتحام للذات الإنسانية وسرقة مضامينها الجوهرية ومعانيها الأَصيلة وإيداع محلها سلوكيات عقيمة لا تمكِّن الإنسان من جعله إنسانياً حقيقياً. ويُعد هذا المصطلح الأَكثر شيوعاً في كتابات (ماركس فيبر) الذي درس المجتمعات الحديثة، إذ يراه عملية فرض وتنميط للنماذج البيروقراطية على الواقع الإنساني تزداد تضخماً إلى أن تصل إلى القمة الإمبريالية، فتتم السيطرة على كل جوانب الحياة، ويتحكَّم الإنسان في الواقع إلى أن يتحول المجتمع إلى آلة بشرية ضخمة تُجبر الأَفراد على أن يؤدوا أدواراً محددة ويشغلوا أماكن محددة لهم مسبقاً، فيؤدي ذلك لانعدام الحرية الفردية وتحوّل المجتمع إلى قفص حديدي(2).

ويرى أعضاء (مدرسة فرانكفورت) أنَّ تحجيم الفرد وانحسار القيم الروحية والثقافية يعود إلى انتشار ظاهرة الترشيد مما جعل الإنسان كائناً متشيئاً ذا بعد واحد يرتبط وجوده بالاستهلاك والتسليع، أما (هوركايمر وأدورنو) فقد ذهبا إلى أنَّ ترشيد العلاقات الاجتماعية في عصرنا الحديث أدَّى إلى أمرين متناقضين: الأول هو انعتاق الإنسان من أسر الضرورة المادية، والثاني هو تسلعه وتشيئه وبهذا يكون فاقد للحرية والعدالة والسعادة (3).

إنَّ رواية (عذراء سنجار) للكاتب العراقي (وارد بدر السالم) من الروايات الوثائقية التي رصدت تاريخ متأزم لحقبة مظلمة عاشها المجتمع العراقي في العصر الحديث، تلاحق الهرطقات العقائدية وأزمة الإنسانية وبشاعة الممارسات التي قامت بها المجموعات المتطرفة تحت مسمى تنظيم الدولة الإسلامية تجاه الطائفة الأَيزيدية المغلوبة على أمرها أثناء احتلال سنجار الدَّامي، وما صاحبه من جرائم إبادة جماعية كان النصيب الأكبر فيها للرجال، وتعذيب الأَطفال والاستحواذ على النساء؛ لتحقيق أَغراضهم الشاذة وتحويل المرأة الأيزيدية إلى جسد استهلاكي يُباع ويُشترى بسهولة، ويتم الاستحواذ عليه بطرق حيوانية وهمجية تحت مسمى الدين ومتطلبات الجهاد.

تحولت المرأة الأَيزيدية من كائن بشري يتمتع بكل المقومات الإنسانية إلى كائن صنمي متشيء وسلعة تُعرض للتثمين في سوق النخاسة؛ لتلبية أغراض المغتصبين للأَرض والعرض، لا تملك حق تقرير مصيرها أو التعبير عن رأيها أو تغيير واقعها وتعيش تحت إمرة مالكها الذي سيبيعها إلى الآخرين بعد الإنتهاء من غايته، فعانت انتهاكاً جسدياً ونفسيا؛ً نتيجة الممارسات اللاسوية والأحكام الرجعية التي طبقت عليها بعد أن رفضت التخلي عن دينها (بالنظر لامتناع الكافرات المدرجة أسماؤهن في أدناه بالدخول إلى الدين الإسلامي الحنيف، ونظراً لصغر أعمارهن وبعضهن غير بالغات، فقد حكمنا شرعا بحقهن الحكم التالي: أولاً: حلق رؤوسهن في مكان عام ويشهد على ذلك العامة. ثانياً: جلدهن ثلاثين جلدة في مكان عام ويشهد على ذلك العامة. ثالثاً تُعد هذه العقوبة أولية وتأديبية وتودع الكافرات في سجن الولاية بعد الجلد لحين توبتهن)(4)، فعانت المرأة الأيزيدية المتشيأة محنة طويلة دامت عدة شهور دون أن تُسمع استغاثتها أو الهرع لإنقاذها من قبضة المجاهدين الذين يُنزلون على جسدها السياط في حال الرفض أو المقاومة (كان وقع السياط لاسعاً أثار الصراخ والعويل للصبايا اللواتي كنّ صامتات حتى قبل لحظة. ومع أول سوط للمجدور انفتحت الأجساد عن صراخ مكبوت وتوسلات طفولية غير مفهومة)(5)، فتحولت إلى سلعة يتم بيعها أو استبدالها تبعاً لرغبة مالكها الذي يجبرها على التجول معه فقد يشتريها من مدينة ويبيعها بمدينة أخرى (كل الأيزيديات سبايا يا عم. أغلبهن باعوهن بالموصل والرقة وحلب والفلوجة... كل داعشي له حصة من السبايا الأيزيديات وهو حر أن يبقيهن معه أو يبيعهن لمن يشاء ليزيد من رصيده المالي)(6).

رواية (عذراء سنجار) مُثقلة بالهموم الكثيرة والانتهاكات الإجرامية التي وقعت على الأَيزيديين، إلا أنَّ قضية المرأة كانت الأَكثر بشاعة وإهانة للإنسان والإنسانية جمعاء، فتشيؤها كان امتداداً للعبودية التي عانى الإنسان منها قديماً ومن أَساليبها المقيتة المتمثلة بامتلاك المصير ونفي الحرية والعدالة وإهانة القيم الإنسانية وتفريغ الذَّات من جوهرها الأَصيل، وتحويل العلاقات بين العبد والمالك لعلاقة تسليع وتسقيط للصلات المشتركة، وعلاقة تتضمن عقود شرائية من أجل المنفعة والاستغلال.

 

دعـاء عـادل آل عزوز

..................

الهوامش

(1) ينظر: التاريخ والوعي الطبقي، جورج لوكاش، تر. د. حنا الشاعر، دار الأندلس، بيروت، ط2، 1982: 82.

(2) ينظر: الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، عبد الوهاب المسيري، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط1، 2002: 148.

(3) ينظر: المصدر نفسه: 49.

(4) عذراء سنجار، وارد بدر السالم، دار الجواهري، بغداد، ط2، 2016: 52.

(5) المصدر نفسه: 57.

(6) المصدر نفسه: 75.

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقال رائع يوضح انتكاسات الحروب وما يؤول اليه الوضع في البلاد ، رغم اني لم اقرأ هذه الرواية بعد الا ان ما تم نقله عبر الاخبار تقشعر له الابدان من فظاظته . انه لشيء مقرف ما تتعرض له الشعوب نتيجة سياسات رعناء تتحكم بمصائرها .
تحياتي

آلاء محمود
This comment was minimized by the moderator on the site

هذه الرواية جسدت الكثير من ممارسات داعش الاًرهابي.. شكراً لكِ

دعاء عادل
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4768 المصادف: 2019-09-25 04:08:54