 قراءات نقدية

الشبح المباح في رواية: جراح غائرة

مالكة عسالقراءة في منجز روائي للأديب بوشعيب الإدريسي

1ـ مدخل إلى عامل: الرواية رسالة لغوية تحمل عالماً متخيلاً من الحوادث، التي تشكّل مبنى روائياً بشكل واسع على شريطي الزمان والمكان، والتعدد في الشخصيات بما فيها الرئيسية /البطلة، والثانوية كفروع مكملة، والوقائع والأحداث التي تتعاقب أو تتزامن؛ والسارد الذي يحكي لنا بالتفصيل؛ فهي تشتغل كالقصة على الحدث أو الأحداث، وكيفية بنائها داخل تقنيات الأزمنة وأنواع الأمكنة، وتحريك الشخصيات حسب الوقائع.. ومبدعنا دخل غمارها متسلحا بثلاثة أعمدة لا يمكن استثناء أحد منها عن الآخر، أولها الأفكار التي لملمها من الواقع المعيش، وخصّبها في دنّ المخيلة بالإضافات والحذف والتوليد.. ثانيها اللغة التي جمع قاموسها من تجارب متنوعة من محيطه عن طريق الاطلاع والتلاقح، وخزانه المعرفي الموروث عن الأجداد والأسلاف.. ثالثها الحبكة السردية التي مكنت مبدعنا من توظيف هذه العناصر، وتركيبها في بناء سردي /حكائي ... فهذه فالعوامل مجتمعة، كانت حافزا بليغا على الزج بمبدعنا في عالم الرواية ...

2ـ ملخص حول محتوى الرواية

كان لمكتبتي احتضان المنجز الأدبي، حين تسلمته شخصيا من صاحبه بإهداء محترم سرّني، تحت عنوان: (جراح غائرة) من الحجم المتوسط 196 صفحة، مجزأة إلى 43 جزءا، ممكن اعتبارها فصولا، ولو ليست مقيدة بعناوين تثبت ذلك.. تحكي الرواية عن قرية صغيرة تقطنها السيدة عائشة، اختطفت ابنتها زينب من باب المدرسة، وبحثت عنها، ولم تجدها، فاختفت هي الأخرى.. وأصبحت القرية تعيش فوضى باجتياح اختطاف التلاميذ من المدرسة، وهينمة أخطبوط العقارات، وأصحاب المصالح الشخصية وإفراغ الساكنة من بيوتهم، ومزارعهم، واجتياح المباني الإسمنتية؛ فتحولت من قرية جميلة بأغراسها وحقولها إلى قرية ملوثة، تتراكم فيها الأزبال، وتتناسل الأحداث؛ وتتفشى فيها ظواهر مقلقة كالفقر والبؤس والدعارة، والسرقة والقتل، وتطال يد الإفراغ عبد المالك زوج عائشة وأبا زينب هو الآخر.. وتتوالى الاحتجاجات.. أخيرا تعود عائشة فتجد مكان مسكنها خرابا ....

والقرية دون منازع هي رمز وإشارة حقيقية إلى الوطن، وما يجري فيه اليوم من أحداث مؤسفة وقاتلة، تشمئز منها النفوس ...

صدرت الرواية في حلة أنيقة عن مطبعة النورس زرار /الطبعة الأولى، تخلو من أي تقديم، تاركا مبدعنا بوشعيب الإدريسي المجال، ليقدم الإبداع نفسه بنفسه ..

3- العتبات النصية كبوابة لاقتحام المضمومة

أي كتاب يلمسه القارئ، لابد وأن يقلبه بين يديه، قبل بدء قراءته، يتفحصه، ويطلع على عتباته النصية التي تقوده إلى المحتوى، لتساعده على فهم المقروء: كالغلاف، والعنوان، واللوحة، والألوان وما جاور ذلك.. ولقد أسهم الوعي النقدي الجديد في إثارة علاقة العتبات والنصوص المحيطة، أو المجاورة بالموضوع الأساسي، فأضحى مفهوم العتبة، مكونا نصيا جوهريا له خصائصه الشكلية، ووظائفه الدلالية التي تؤهله للانخراط في مساءلة ومحاورة بنيات دالة، لها نفس الدرجة من التعقيد من بنية النص وأفق التوقع... وبدوري قمت كقارئة بنفس الفعل.. أسائل العتبات النصية عنصرا عنصرا بشكل متواضع قبل اقتحامي المحتوى ...

الغلاف الذي يحتضن المحتوى

لقد هيمن اللونان الأسود والرمادي على دفتي الغلاف، وعلى الرغم من أن اللون الأسود اليوم لون التبجح والأناقة، وفساتين السهرات الجميلة، والأفراح، فهو لدى البعض لون الحزن والكآبة والبؤس وحلكة الأيام، حين تكفهر ذات المرء، ويشتد الضيق بالنفس، يرى فيه النحس والشؤم، وإلا لما راج لون الغراب ونعيقه لدى البعض، كعلامة دالة على وقوع شيء غير محمود عقباه.. الدفة الأولى من الغلاف تمثل لوحة لطفل حزين فقير، يتربع على أرض عارية بها شقوق ودون فراش، يُكوّم ذاته في وضع يحرك المشاعر ويدمي القلب، يقبع رأسه داخل ذراعيه، حافي القدمين؛ وهو رمز بصيغة شمولية إلى الفقر والبؤس واليتم، وما جانب ذلك.. والأشياء مجتمعةً تعبير صريح عما تعانيه الذات المبدعة من حزن ولبس، وما يعتري النفس من انكسار وشقوق، جراء ما تتأمله وتراه وتعيشه ..

العنوان عتبة دالة على المحتوى

اختار مبدعنا الأديب بوشعيب الإدريسي، (جراح غائرة) عنوانا رئيسيا للمضمومة، صاغه في جملة بسيطة من لفظتين عاديتين متداولتين بشكل مباشر، حتى لا يلتبس الأمر على القارئ، فيستطيع اقتحام المحتوى دون أدنى كلل .. ولو كنت مكانه لاخترت عنوان (الشبح المباح) أو (الشبح المنتظر) بصيغته الرمزية، كما يجري على لسان الكاتب في قلب الرواية؛ لأضع القارئ في ورطة البحث عن عمق الدلالة من منظوره الشخصي فيأتيَ بما لم يخطر على بالي ..

 وميز الكاتب العنوان باللون الأحمر، ليس تعبيرا عن شقائق النعمان حين تزهر وتزدان بها المروج فتنتعش النفس؛ ولا وصفا لسحر الشفق حين تؤول الشمس للأفول، ثم تغْرب، فتترك خلفها أجواء رومانسية تلهم العشاق؛ وإنما تعبير على جرح نازف، ودم راعف دون توقف، إزاء ما يراه في الواقع من أوضاع مقرفة، هزت مبدعنا من الجذور، اقتنصها من خلال تأمله الثاقب لما يجري، وما يأمله من تصحيح ليس بيده آلياته؛ صراع مرير بين حلم جميل يراوده، وواقع عليل، اشتد به السقم ولا إمكانية لتغييره .. رؤية، وحرية اختيار.. وعلى القارئ احترامهما..

 تحت العنوان مباشرة، دُوّن اسم الكاتب بلون فاتح، مما يدل على أن الأمل مازالت فيه الروح، ولم يقتل بعد؛ وسيأتي عليه حين من الدهر، ويحيا، فتنجلي الغمة في النفس، فلابد لليل أن ينجلي **** ولابد للقيد أن ينكسر

(الشاعر التونسي /أبو القاسم الشابي وقصيدة / إرادة الحياة)

أما الدفة الثانية فتوشحت بصورة الكاتب، شردت به موجة التأمل، مسددا نظرته نحو أشياء شدته بقوة إلى درجة نسيان نفسه، وذيلت صورته بمستطيل أبيض ضم نبذة عن الكاتب ...ثم لفظة (رواية)..

4 ـ المحتوى وتعدد مواضيع الرواية

لقد استهل مبدعنا السيد بوشعيب الإدريسي منجزه بإهداء مختصر إلى أخته ربيعة، والإهداء عادة يكون للأعزاء، وهذا يبين بالواضح مدى تعلق أديبنا بأخته حد التوحد / الذوبان.. فالإخوة كل شيء في حياتنا، نتنفس السعادة في سعادتهم، ونحزن لحزنهم، فنودّهم يشاركوننا إبداعاتنا وأحاسيسنا، يواسوننا في اللحظات الحرجة، ويطْمئنون علينا إن غمرتنا السعادة ... وهذا ما ودّه ورغب فيه كاتبنا، فهو يريد مشاركة أخته في هذا المنجز لأمر، لا يعرفه إلا هو...

ثم يباشر كاتبنا حلقات الرواية على التو، دون أي تقديم من ناقد، أو من قِبَله شخصيا، ليعيش فصولها الضاربة في العمق الإنساني :(اختطاف زينب)، كعمود فقري رئيسي، يعلق على أغصانه أحداثا كبرى مكثفة ومتنوعة، كالهجرة والتلوث وإفراغ الساكنة من بيوتهم، والقتل والاغتصاب والسرقة والفساد بكل أنواعه، وتواثب الكاريانات، وغيرها من الأحداث المتزامنة والمتعاقبة التي سنقف على بعضها لاحقا، ما أتاح لي تلقيبه ب(مؤلف المبادئ والمواقف الإنسانية.)..

5- المبدع بوشعيب الإدريسي مؤلف المبادئ والمواقف الإنسانية

يلتقط مبدعنا السيد بوشعيب الإدريسي بعينه المجهرية مشاهد مقرفة للواقع المرير، الذي طرزته صفائح بشرية تعيش عيشة الحيوانات، وينقل إلينا بأدق التفاصيل، ما يعيشه الإنسان من فقر وغبن، بل حتى في طرق التحدث والتواصل في ما بينهم، حيث برِع في تصوير واقع الطبقات المهمشة المخزي بمهارة، وبأدق التفاصيل، واقع انتشرت فيه كل أنواع الإجرام بدرجات متفاوتة، وعمّ فيه الفساد بكل أشكاله، متوغلا في جيوب المجتمع، ملامسا حالة الفقر والقهر والتعاسة والتهميش، التي تعيش عليها شريحة من الطبقات المعوزة، يتلمظون من البؤس، ويتجرعون مرارة سوء الحال، والمسؤولون يغطون في نوم التغاضي، وعدم الاكتراث (إرهاصات عيش الفاقة ؟ إرهاصات عيش التعاسة والفقر؟ التفقير ؟ التهميش الممنهج ؟؟) ص 24، فكاتبنا يعي ما يقول، ويعرف أن هذه الظواهر لها مسبباتها وخلفياتها، فالأوضاع المزرية نتاج سياسة فاشلة، وخطط مدروسة وفق منهاج من أجل تكريس الفقر، وإبقاء الحال عما هو عليه، وعدم الاهتمام بمناطق المغرب غير النافع، لأن إصلاح الوضع، معناه إفساح المجال للجماهير، للطموح والتطلعات، وفرض مشاركتهم في القرار وإبداء الرأي، وهذا يقلق المهيمنين على السلطة وأعوانها ومشاركيها، مخافة كشف عورا تهم، وسياستهم المصلحية... ومن ضمن المعضلات الإنسانية المعقدة:

 ـ ظاهرة إفراغ الساكنة وتشريد هم

وضع كاتبنا إصبعه بدقة على مهازل الواقع المتعددة، وحيثياته المقرفة المتناسلة، ليحلق بنا حول أبشع ظاهرة مدمرة /ظاهرة الإفراغ، وإخلاء الساكنة من بيوتهم وحقولهم، لتحويلها إلى مشاريع كبرى؛ وهذا بالكاد يدل على هيمنة ذات اليد على البسطاء، وتشريدهم بتجريدهم من ممتلكاتهم بأبسط الأثمنة، وتحويلها إلى سيول مدرة للدخل، ليفضح سلوكا مبنيا على هدف مصلحي، لا يؤدي إلا إلى إفقار الفقير، وإغناء الغني ..

(تراهم علموا الناس

وعلاش أخويا

وراهم بغاوا يسكنوهم في الكريان الجديد) ص:39

ومن الإفراغ والتهجير، ينتقل بنا الكاتب إلى بعض الطبقات، التي ساد بينها العنف والاعتداء، والسطو والسرقة بالسيوف، فساد الهلع، وانتشر الخوف..

(تتناسل الاعتداءات وتتكاثر الجرائم بظهور السكاكين والسيوف، وتعنيف النساء والفتيات، والاعتداء عليهن) ص:41

لقد أصبح كالطائر الحر، يطوف بالحواشي الإنسانية، ليسجل قائمة من الخروقات، والأوضاع المأساوية التي يعاني منها الإنسان، ومن بين الظواهر التي تدمي القلب، والتي أهملها المسؤولون،التغطية الصحية لكبار السن..

ـ الجانب الصحي والتغطية الصحية لكبار السن

هم الذين وصلوا مرحلة الشيخوخة، فوجدوا أنفسهم في سحيق الضياع، اللهم المعاش البسيط للبعض، الذي لا يسد رمق الحاجيات الضرورية.. (قانعة بقدرها في المكان والزمان الموحش، لا تفكر في كبر سنها، ولا شيخوخة زوجها، أو الأمراض المحدقة بهما والتغطية الصحية، أو معاش بسيط في خريف العمر)ص:51...

ويسافر إلى أبعد من ذلك، ليسلط الضوء على الأحداث المباغتة، كالإغماء أو بعض الوعكات المفاجئة، في الطرقات أو الشوارع، فلا تتدخل العمليات السريعة للإسعاف أو الإنقاذ، مما يزهق الأرواح، ويعجل بالموت..

(فظلت غارقة في سبات حتى الصباح، لا طوارئ ولا إسعافات ولا دواء)ص:82..

وهكذا يفضح كاتبنا الحالة الاجتماعية، ويدين بشدة أسلوب الإهمال الذي يطال الشرائح المهمشة من المجتمع، ليشاركه القراء، فيتخذوا المبادرة لعلاج هذه المشاكل، ووضع حلول بديلة، خاصة لبعض الحالات المستعصية التي تستفحل في الخفاء..

- المسكوت عنه واللا مفكر فيه

فالتقاليد، والموروثات الثقافية طبعت الأخلاق بطابع الحشمة والخجل، ترى في التعبير عن الحقيقة بصراحة طامة كبرى، وجرما لا يغتفر، فأصبحت بعض الخروقات والانزلاقات تُمارسُ تحت الطاولات، ولا يمكن التطرق إليها حتى صارت لها خانة (لمسكوت عنه، أو ألا مفكر فيه)، الشيء الذي أشرع للمذنب الشرفات لتكرار شُنُعِه ببساطة، وللضحية تجرع سمّ كلومها بقلب جريح، ونفس مهزوزة /مضغوطة (وكم من ذكريات أليمة لأحداث مريرة، دامية ومرعبة توارت في النسيان، وطواها الماضي، بعد اعتبارها تابوهات مخيفة) ص:31

وهذا نتاج أمرين اثنين:

أ - أولهما الخوف من المجتمع من فضيحة ستظل تطارد الضحية طيلة العمر..

ب -ثانيهما تناسل واستفحال مثل هذه الظاهرة، طالما ليس هناك رادع قانوني يكبحها، أو صيغة مجتمعية تضع لها حلولا ناجعة لعلاجها .. وكاتبنا يتساءل بحدة ما الذي وراء هذه الجرائم المرعبة، هل هو منهج سياسي؟ أم هو تخطيط اقتصادي؟ أم هي أخطاء اجتماعية، والمقصود من هذه العبارات، أن هذه الظواهر لا تنشأ من ينابيع الأرض دون مسببات، أو تهطل من السماء دون دواع، وإنما نتاج عوامل اقتصادية، دافعها الفقر والحاجة، وأخرى سياسية، بعدم وضع تخطيط ناجح له هدفه الاستراتيجي للتوعية السياسية، وغيرها اجتماعية في غياب التربية والندوات التوعوية، والتواصل الاجتماعي بين الأقطاب المثقفة والمسؤولة والمربية وشرائح المجتمع،لإنشاء جيل واع صالح، له القدرة على بناء نفسه وبناء المجتمع..

ــ المرأة ترتع تحت ظلال التخلف

كما اقتحم كاتبنا بوشعيب الإدريسي بوابة الطبقات البئيسة، بوصف أوضاعها المزرية بأدق الأجزاء، طارقا باب كل شريحة بدقة، فكان للمرأة أيضا حظ وفير في احتلال حيز مهم من مشاعره، التي تسَوّق لحمها وعرضها من أجل لقمة عيش، واضعا إصبعه بإحكام على شبكات الدعارة والاتجار بالبشر، خاصة الفتيات اللواتي هن في عمر الزهور، حتى أصبح البعض منهن يغادرن القرية إلى المدن ليشتغلن خادمات في البيوت، فهو على الأقل أرحم من تزويجهن صغيرات، الشيء الذي يبث الذعر في النفوس..

(تزايد عدد الوسيطات في الدعارة من حين لآخر : نسوة يرغمن الفتيات اللائي ينتمين لعائلات فقيرة، اليتيمات فيتم استدراجهن إلى شبكات الدعارة للتجار في البشر) ص:107

متطرقا إلى أوضاع النساء اللواتي يبعن رضاعهن، أو يرمينهم في المزابل، أو يجهضن خشية الفضيحة والعار .. ولم يبق يراع مبدعنا قيد الظواهر الأخلاقية المتفسخة، بل غرز أنيابه في أوضاع الإنسان المهمش، وتقصى أشكال العوز والهجرة، والتسول والفقر، وحتى عدم صحة الإنجاب .. ومَن منا لا يردد أن هذه السياسة تساهم في إفقار الفقير وإغناء الغني؟ ومَن منا لا يعدد صنابير الثروات الطبيعية ويتساءل في أي مغارة تغور ؟؟ فالحقيقة وعى بها الكل، وباتت ثابتة من الرضيع إلى الشيخ.. تعرية فاضحة لعالم المرأة الحقير في القرية، الذي هو نتاج الإقصاء والتهميش وعدم التوعية، وكاتبنا صادق في ما شخصه وعرضه، فالمرأة القروية إلى حد كتابة هذه السطور، مازالت تعيش الأسوأ وبدون كرامة، محرومة من كافة الحقوق الإنسانية، بل يصل الحد ببعض العقول بمساواتها بالأتان، خلقتها الطبيعة للاشتغال، وليس للفكر، والتعلم وتطوير الذات، تصنيف ذكوري غير طبيعي، لم تشرعه النصوص الدينية، ولا القوانين الوضعية، ولا النظريات الفلسفية، والغريب في الأمر أن بعض وسائل الإعلام لا تنبش في مثل هذه الظواهر لتعريتها وفضحها..

ــ وسائل الإعلام والفراغ الثقافي

حفر كاتبنا بمهمازه في الحقول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وغرز أنفه في كل شبر منها، ورصد أحداثها المزرية، وأوضاعها الموبوءة، لكن لم يفته الجانب الثقافي، خاصة وسائل الإعلام بكل أنواعها المرئية والمسموعة، التي أُفرِغت من محتواها، فأصبحت مدعاة لوصلات الإشهار، والمسلسلات والأفلام التافهة، التي تشحن الأذهان، بما يلهيها، لصرف النظر والتفكير عن الحقيقة، وتحريفها عن الرؤيا النقدية للواقع من منظور العقل والمنطق..

(في الجرائد ديالنا ماكاين غير الجنس وكور وعطي لعور) ص:92

وفعلا، هذا هو الملاحظ اليوم، حيث أصبحنا نرى بوصلة الإعلام بطريقة أو بأخرى، وَجّهت سفنها نحو ما يلهي الشعب، فسادت الأفكار الخرافية، التي تبلد العقول كالتكهن والسحر والعرافات، وانحراف الدين عن مجراه بالغلو، وإدخال عليه أشياء بريء منها، مما جعل الأمة تتخلف وتنحو إلى التردي، بينها وبين مواكبة الركب الحضاري ألف حجاب، بعدما كانت قيدوم الحضارات..

ــ رسالة نبيلة إلى القراء

مما سبق يبدو أن المنجز الروائي الذي بين أيدينا، لم يتفضل به كاتبنا لينال به حيزا في رف المكتبة المغربية، أو لإثارة المعضلات المجتمعية وانتهى، وإنما لتمرير رسالة توعوية إلى المسؤولين والآباء والأولياء وكافة المجتمع المدني، وإلى المؤسسات السياسية، ووسائل الإعلام، وحتى السلطات من أجل الحيطة والحذر، ومن وجهة أخرى لإدانة التسيب وانعدام المسؤولية، الشيء الذي تسبب في تفشي هذه الظواهر بحدة، مما زرع الرعب والخوف وعدم الأمان لدى عامة المواطنين، كأنه بذلك يدعو إلى فرض القانون، واتخاذ تدابير رادعة، تحُدّ من مثل هذه الظواهر بنهج إصلاحي بناء، ووضع برامج تحقق تنمية فعالة للمجتمع والوطن ..

6ـ الجانب الفني الذي ميّز الرواية (الأفكار/ الحبكة / اللغة)

فمن جملة العناصر التي ميزت الرواية (جراح غائرة) عن غيرها :

ـ الأفكار التي لملمها مبدعنا من قاموسه المعرفي واطلاعه على التجارب، وموروثه الثقافي، وتأمله العميق في البعد الإنساني، بعدما اختمرت وترابطت في ما بينها واكتملت ونضجت، طرحها بطريقة تحليلية /منطقية، من أجل حل المعضلات الإنسانية، حتى يعيش الإنسان حياة أفضل، واستقرارا نفسيّا أكبر..

ـ الحبكة السردية في قالب مسرحي درامي

لقد تميزت الرواية بصياغة فنية توالت فيها الأحداث وتعاقبت في مشاهد درامية، طبعتها حلقات من الخوف الهستيري، والهلع، والصياح الجنوني، يوضح ذلك صياح أم زينب كالمجنونة في المدرسة، وما انتابتها من أوهام وهي تبحث عن ابنتها، وكوابيس الرعب التي تهيمن على السكان، أثناء الشطط الذي لحق بهم وهم يتجردون من ممتلكاتهم، والفوضى التي عمت المدرسة أثناء اختطاف بعض التلاميذ، والصراخ المتصاعد للمتعلمين والطاقم التربوي بالمؤسسة (فنزلت إلى الساحة وهي في حالة هستيرية خرجت المديرة والمعلمون والمعلمات .....) ص:48

لقد نهج مبدعنا أسلوبا دراميا في بناء روايته لتمثل الواقع، وتشخيص الإنسان في صراعه الداخلي والخارجي، صراع نجَمَ عن شمولية الرؤيا، وعميق التأمل، وأفكار المبدع المتعلقة برغبته في التغيير، ليعيش الإنسان غدا نقيا.. والخط الدرامي كما لاحظتُ، سار في الرواية متصاعداً من بدايتها حتى النهاية، أذكاه الحوار بين الشخصيات والحساسية المفرطة، والخوف والتوتر ..

ــ (مالكي ؟ أش جاري ؟ غير الخلعة قاتلاكم)

ــ (ودخلي لدارك، را الوقت خيب) ص:99

والحبكة السردية لا تشفي نهم القارئ بمفردها، إن لم تحكمْها لغة ترفل في المتن والتنوع..

***ــ اللغة ترفل في عدة لبوس

لقد ساعدت على المتن السردي لغة أديبنا، التي لم تستقرّ على وتيرة واحدة، كشأن أغلب الروائيين، بل شاء أن ينمقها بالعامية المغربية، كأقرب لسان إلى المجتمع العادي البسيط، ليس لأن الكاتب يصعب عليه توظيف اللغة العربية، أو يجد صعوبة في اختيار ألفاظها، أو سبكها؛ فهي مطواعة حد الانزلاق بين الأصابع، يقول لها كوني فتكون؛ وإنما هي صياغة فنية، تداول فيها مؤلفنا زرع خصلات بالدارجة المغربية في حقل اللغة العربية، لأمرين هامين حسب اعتقادي :

أ ـ أولهما تبسيط الموضوع بشكل فني، حتى يكون في متناول الجميع..

ب ــ ثانيهما تلوين وتنويع النسق السردي، من أجل المتعة والاستمتاع، وهذا التنوع أثرى اللغة، ومكّنها من التكامل لتحقق للكاتب المراد..

(أنا هنا، أنا هنا قادرا باش نلقاك اليوم ولا غدا)ص:،66 والدارجة تسري في الرواية من مبدئها لمتمّها سريان الدم في الشرايين، ولم تصب الخط السردي بالتلف، أو الهدف الروائي بالضياع، ولا خلقت تشويشا على القارئ، بل بالعكس كانت مكملة للغة العربية، ما استعصى توضيحه في الأولَى، يبدو جليا في الثانية، والعكس صحيح ..

أ ــ اللغة والترميز

حين طفح الكأس بكاتبنا، وبلغ سيله الزبى، بسبب تراكم الأحداث المأساوية القاتلة، التي خلفت في نفسيته أزمة جعلته يعيش في أكمة من الصراع، أخذ يعبّر عن المفسدين والمهيمنين بالخفافيش والجرذان، التي تتساقط تباعا في الأزقة والشوارع، (حتى الخفافيش والبوم جاءت لتموت مع الجرذان فوق إسفلت الأزقة) ص:132 ..

وهذه أمنية مَن بلغ منهم النصلُ العظمَ، وأملنا جميعا أن يسقط أعداء الوطن والخائنون تباعا، ونتفرج على جثثهم وهي تتحلل ..

ب ـ القصص الشعبية وحكايات الجدات

ومن الدارجة إلى الترميز، فالحكايات الشعبية، فكاتبنا ممتلئ حتى النخاع بثقافة الأسلاف، من قصص وحكايات وأساطير، ومتشبع بثقافة الحاضر، ومما هو اجتماعي وسياسي وفلسفي، أضف إلى ما اكتسبه من تجارب متعددة وعميقة؛ عناصر متناقضة وأخرى متكاملة، خلقت منه مبدعا كرّس نفسه للجوانب الاجتماعية/ الإنسانية، راقصا على الوتر الحضاري المدهش، وأخرى يغرف من معين سحيق يبعث على الدهشة ..

 وهاينة

أش عشاك الليلة

عشايا فتات

وركادي بين البنات

الليلة

ص:114

ومَن منا لا يعرف قصة (هاينة) خطيبة ابن عمها، التي خطفها الغول، والتي سيسترجعها خطيبها بشكْل بطولي، ومَن منا لم يستمتع بمثيلاتها من قصص وحكايات جداتنا القديمة، التي تميس بين الخرافي الساحر، وبين تمرير قيم من النبل والإنسانية والمتعة والجمال ...

ج ـ اللغة والاستطراد والاسترسال

وكلما غاص مبدعنا في لجة الواقع المعتوه، واصطادت عينه تراكما من الظواهر والقضايا، يصبح لسانه رشاشا، تنطلق منه قذائف من الكلمات بشكل مطرد دون توقف، حتى يفرغ جعبته، وكأنه بذلك يحرق المستنقعات التي تتناسل منها المشاكل، فيتنفس الصعداء، ثم يتابع تأمله لتضاريس الواقع الإنساني الجريح ليرفع الغطاء عن جروحه وكلومه ..

(مجنون، معتوه، جبان، ضعيف، منحرف، نذل،)ص:30

(تقيهم من شر الفقر والعوز والتسول والهجرة)ص:39

(مواجهة التحديات: البؤس الحرمان المعاناة الاجتماعية والمآسي الأخلاقية)ص:42

(البؤس الحرمان البطالة الهدر المدرسي المعاناة الاجتماعية والمآسي الأخلاقية والتهريب) ص:92

كلمات تتلاحق إما بفضل الاشتقاق اللغوي، أو خريطة الكلمة، أو الترادف، والمراد من ذلك توسيع المعنى، وتوكيد الدلالة وتعميقها، كي تصل المعلومة إلى القراء، واضحة ليس عليها غبار حتى يفهموها ويستوعبوها .. أسلوب الاستطراد والاسترسال يغطي معظم الرواية...

د ــ اللغة تكتنز ويثريها التنوع

ليس من السهل على الأديب، أن يُلبس لغته التنوع،إلا إذا كان له قاموس لغوي فريد ومتنوع، وحتى إن حاول على فراغ، فقد يختل توازنها، وتبدو أضعف مما كان يتصور، وكاتبنا نظرا لما يتوفر عليه من قاموس لغوي متين، وما يملكه من حذلقة وبراعة في التلاعب باللغة واستنطاقها وتطويعها، فقد زينها ونمقها ليس بالمحسنات البديعية، وإنما بأشكال فريدة من البساطة، تحبب للقارئ المتابعة من أول قراءة، وتساهم في طرد الملل، والانكباب على الرواية حتى نهايتها، دون أدنى كلل يذكر؛ فقد حرص على انتقاء ألفاظها بعناية، وتطريزها في صياغة عالية مدهشة، وتزويقها بشذرات من الزجل المغربي ..

الميمة

ها الشتا سحات

ها النار طفات

ها البقرة ولدات

وها المرا توضات وصلات

ص:84

كما لايني يوشحها بأناشيد من وحي اختراع وتأليف الأطفال،

En avant

En avant

واش عندكم شي بنات أولا

En avant  

les partis

عندنا ميات وحدة

En avant

En avant

ص: 55

التي، يقترحونها أثناء لعبهم ومرحهم، فاللغة تتبرعم وتزهر، حين تكتمل بما هو متداول لدى العموم، ولدى الكبار والصغار، بكلام مألوف بالعامية له متعته ولذته لدى البعض، فالكاتب لا يضع قرّاءه في كفة واحدة، فهو ينوع أطباقه ويقول لهم انهلوا أنى شئتم ومن حيث تريدون ..

هـ ـ اللغة بين الجد والهزل والجانب الخرافي

لم تكتس اللغة طابع الدارجة وأناشيد الأطفال المستوحاة من ألعابهم فقط، بل أحيانا تميس بين الجد والهزل، لتخلق فرجة ممتعة لدى القارئ في ظل التسلسل الدرامي، لتتحلى بالروعة والجمال..

(هيا حنا غادين نوليو ممثلين، في مسلسل الاختطاف الأبيض، هكاوا هاكليه)

ص:69/70

ويقتفي أديبنا أثر الواقع بكل حيثياته الموجعة، ونكباته المتسلطة، يستعرضها بنفس متأزمة، بكل ما يستدعيه الأسلوب المنطقي الواقعي، الكاشف عما يجري في الواقع وفضحه، حافرا بمهمازه في صلب الخرافي المتحجر في الأذهان، الذي مازالت بعض العقول تؤمن بغيبياته، وكأنه بذلك يريد أن يرى الحقيقة في الخرافة، والعكس فيترفع عن المادي الملموس إلى عالم الخرافة...

يقول (يحكى أن هذه الطيور تخطف الأطفال الرضع، وتترصد لأخطاء أمهاتهم، في المكان والزمان،) ص:26

وهذا بالكاد ينم عن مهارة الكاتب وقدرته على امتصاص الواقع، في قالب فني من وحي التأمل والخيال، لإثراء اللغة، ووضع لمسة من الجمال على بناء السرد..

و- الفلاش باك /الذاكرة لا تقتلها الصدمة

لقد كانت اللغة مطواعة بين يدي كاتبنا،استطاع التلاعب بها كيف شاء، فخلق منها مشاهد ساحرة، أنطقها بالمحلوم به وبالمأمول، ولم يكتف، بل تابع الإبحار بخياله السحري، لنسج صور في شريط سينمائي بكل عناصره، باستعادة ذكريات الأم وهي تحاور ابنتها المخطوفة..

(يالله باركا عليك من اللعب ...)

(خليني نلعب شوية عافاك) ص:54/55

وقد تكرر هذا المشهد في أغلب فصول الرواية، ليس من باب الحشو والإطناب، للمزيد من الصفحات، بغرض النفخ في حجم الرواية، وتفخيمها، وإنما هو جانب فني، الهدف منه تكسير للسرد المسترسل رتابته، وجعل فجوات دخيلة، تدب منها الحيوية في النص بخلق مشاهد وصفية، تدحرج على امتداد السرد لقطات من الذكرى، تخلخل نمط الحكي، لبعث الحركة في الرواية؛ كوقفات استراحة للقارئ، ليجدد نشاط القراءة، فيتابع ويستمتع ...

7- الخاتمة

صيغت الرواية بحبكة فنية عالية، حيث السارد العالم بكل شيء، رغم أنه ليس شخصية من شخوصها، يقتفي أثر الأحداث، ويسردها فاصلا بينها بوصلات حوارية، داخلية، أو علنية،أو باستعادة الذكريات ...والحمد لله خرجت بكامل قواي العقلية من عوالم الظواهر الإنسانية المزرية، التي كانت دوامتها تتقاذف بي، مشَكّلة من اختطاف التلاميذ من المدرسة، والسرقة والاغتصاب والقتل، وإهمال الصحة والتعليم، كرافعتين أساسيتين للتنمية البشرية والوطنية.. ساقني إليها فضولي عبر قنطرة (جراح غائرة) بحنكة ومراس صاحبها في حبكته السردية الفريدة، وتنوعه اللغوي المبهر، وأسلوبه الشيق في تركيب الأحداث وتصفيفها ..أتمنى من القراء أن يطلعوا عليها ...

 

مالكة عسال

...........................

المراجع

 - البناء الدرامي في رواية فضاء واسع كالحلم / د. سمر الديوب/صحيفة المثقف

- طبيعة الفكرة، وأنواع الأفكار/ الموقع الرسمي للدكتور عبد الله بن سالم باهمّم

- عتبات النص مقاربة نظرية/عبد المجيد علوي إسماعيلي /مجلة (دادس أنفو) الإلكترونية

- السرد الروائي ومكوناته وعناصره وخصائصه / مبحث لمالكة عسال

- إرادة الحياة /الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي

- جراح غائرة المبدع بوشعيب الإدريسي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4825 المصادف: 2019-11-21 01:18:52