 قراءات نقدية

الأسلوبية السوسيولوجية

جميل حمداويالمقدمة: تعرف الأسلوبية (Stylistique) بأنها دراسة الأسلوب دراسة علمية، في مختلف تمثلاته اللسانية والبنيوية والسيميائية والهيرمونيطيقية [1]. وتعد الأسلوبية أيضا فرعا حديثا من فروع اللسانيات إلى جانب الشعرية، والسيميائيات، والتداوليات. وتهتم بوصف الأسلوب بنية، ودلالة، ومقصدية. ويعني هذا أنها تختلف عن البلاغة الكلاسيكية ذات الطابع المعياري التعليمي، والتي كانت تهتم بالكتابة والخلق والإبداع، وتجويد الأسلوب بيانا ودلالة وسياقا وزخرفة، وتقدم للكاتب الناشئ مجموعة من الوصفات الجاهزة في عملية الكتابة، وتنميق الأسلوب وتجويده بلاغة وفصاحة وتأثيرا. ومن هنا، فإن الأسلوبية هي دراسة الأسلوب في مختلف تجلياته الصوتية، والمقطعية، والدلالية، والتركيبية، والتداولية. وبالتالي، تهتم باستكشاف خصائص الأسلوب الأدبي وغير الأدبي، بجرد مواصفاته المتميزة، وتحديد سماته الفردية، واستخلاص مقوماته الفنية والجمالية، وتبيان آثار ذلك كله في المتلقي أو القارئ ذهنيا ، ووجدانيا، وحركيا. ويعني هذا كله أن الأسلوبية تهتم بالأجناس الأدبية، وصيغ تأليف النصوص، والتركيز على الأساليب اللغوية الخاصة لدى مبدع ما، وتدرس أيضا أنواع الأساليب التي يستثمرها الكاتب.

المطلب الأول: مفهوم الأسلوبية

اشتقت الأسلوبية (Stylistique)، في الثقافة الغربية، من الكلمة اللاتينية (Stilus)، ومن الكلمة الإغريقية (Stylos)، ومن الكلمة الفرنسية أو الإنجليزية (Style). وتعني هذه المشتقات، في دلالاتها الأصلية، أداة الكتابة. وبعد ذلك، استخدمت الكلمة للدلالة على طريقة الكتابة أو فن الكتابة. ويعرف الأسلوب اصطلاحا بأنه" اختيار لغوي من بين بدائل متعددة، إذ إن الاختيار سرعان ما يحمل طابع صاحبه، ويشي بشخصيته، ويشير إلى خواصه"[2]. كما تهتم الأسلوبية باللغة الأدبية، وتعنى بعطائها التعبيري[3].

وعليه، فالأسلوبية هي مقاربة منهجية نظرية وتطبيقية، يمكن تمثلها في الحقل الأدبي والنقدي لمقاربة الظواهر الأسلوبية البارزة التي تميز المبدع، وتفرده عن الكتاب والمبدعين الآخرين.ومن جهة أخرى، تنكب الأسلوبية ، بصفة خاصة، على دراسة الأجناس الأدبية، وسبر أدبية النصوص والخطابات والمؤلفات،  ودراسة الوظيفة الشعرية، والتمييز بين الأساليب حقيقة ومجازا، وتعيينا وتضمينا، برصد الأشكال والبنى الأدبية والسيميائية، واستكشاف بلاغة النص، وتحديد المستويات اللسانية للخطاب من: صوت، ومقطع، وكلمة، ودلالة، وتركيب، وسياق، ومقصدية، وربط ذلك كله بموهبة الفرد المبدع، أو العمل على دراسة الأسلوب في ضوء المعطيات النفسية أو الاجتماعية.

المطلب الثاني: أنوع الأسلوبيات

يمكن الحديث عن مجموعة من الأسلوبيات في الحقل الأدبي والنقدي واللساني ، و يمكن حصرها في ما يلي:

1- Œالأسلوبية المثالية: التي ترى أن الأسلوب نتاج فكر فردي، يعكس شخصية الكاتب أو المؤلف، ويستجلي إرادته ومزاجه وثقافته وعوالمه النفسية والاجتماعية، وهذا يشبه ما قالت به الوضعية العقلية أو المثالية الفلسفية. وقد ظهرت مع فاندت(Wendt)، وهيجو شوشاردت(Hugo Ernst Mario Schuchardt)، وكارل فوسلر(Karl Vossler)، وبنديتو كروتشه(Benedetto Croce)... ؛

2- الأسلوبية التعبيرية: هي التي تهتم بالتعبير عن العواطف والمشاعر والانفعالات ، وقد تبلورت مع شارل بالي(Charles Bally)، وماروزو (Marouzeau)[4] ، وكروسيه (Crosset)...

Ž3- الأسلوبيــة اللسانيــة: يعد فرديناند دوسوسير (Ferdinand de Saussure )المؤسس الحقيقي للأسلوبية اللسانية، كما يتجلى ذلك واضحا في كتابه( محاضرات في اللسانيات العامة)[5]؛ حيث بلور مجموعة من المستويات اللسانية التي لها علاقة بالأسلوب، كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي. وقد تبنى دوسوسير دراسة اللغة بدل الكلام؛ لأن الكلام فعل حر فردي منعزل، من الصعب دراسته وتجريده وتصنيفه. على عكس اللغة، فهي ظاهرة اجتماعية وثقافية تتسم بالثبات، ويمكن رصدها بشكل لائق صوتيا، وصرفيا، ودلاليا، وتركيبيا.

علاوة على ذلك، فلقد ناقش دو سوسير قضية الدال والمدلول في علاقتهما بالمرجع، وقد دافع أيضا عن دراسة اللغة سانكرونيا بدلا من دراستها دياكرونيا وتاريخيا . وقد اهتم أيضا بالعلاقات الاستبدالية والتركيبية في دراسة اللغة، وميز بين الأسلوب التقريري الحرفي والأسلوب المجازي الموحي. ومن ثم، فلقد أصبحت الأسلوبية جزءا أو شعبة من شعب اللسانيات العامة؛ لأنها تستعين باللسانيات، وتستعير منها مفاهيمها التطبيقية، وتقتبس منها تصوراتها النظرية...

ويعني هذا كله أن الأسلوبية الغربية بصفة عامة، والأسلوبية الفرنسية  بصفة خاصة، قد استفادت كثيرا من آراء فرديناند دوسوسير. وفي هذا السياق نفسه، يمكن استحضار رولان بارت الذي تحدث بدوره عن مجموعة من المفاهيم اللسانية التي أصبحت مقولات أسلوبية، كالدال والمدلول، واللغة والكلام، والتقرير والإيحاء، والتركيب والاختيار... في كتابه القيم: ( عناصر السيميولوجيا)[6]...؛

4- الأسلوبيـــة الجديـــدة: يعد ليوسبيتزر (Leo Spitzer) من رواد الأسلوبية المعاصرة[7]، فلقد اهتم في البداية بربط النص في مختلف تجلياته الأسلوبية بنفسية المبدع أو الكاتب، متشبثا بمقولة بوفون مرة أخرى:" الأسلوب هو الكاتب نفسه".إلا أن ليو سبيتزر كان يعنى برؤية الكاتب إلى العالم أكثر من اهتمامه بتفاصيل سيرته الذاتية، واستقصاء جزئيات حياته الفردية والبيوغرافية.

وفي المرحلة الثانية، تخلى ليو سبيتزر عن فكرة الكاتب الخارجي الذي يحيل عليه النص أسلوبيا، ليهتم بالإجراءات الأسلوبية، ويعنى بأنظمتها البنيوية الحاضرة في النص. وقد تحدث ليو سبيتزر عن الأثر الأسلوبي الذي يعد عنده مفهوما اصطلاحيا واسعا، ويشمل الفكر والعاطفة معا. وما يميز الأثر الأسلوبي عنده هو تأثيره في القارئ أو المتلقي من خلال فرادة الأسلوب أو انزياحه، أو غموضه وإبهامه، أو عدم استساغته ضمن سياق إبداعي ما، أو  بروزه بشدة.

وما يميز سبيتزر أيضا أنه قد اهتم بدراسة المؤلفات في ضوء أسلوبية معاصرة، ولم يهتم باللغة في عموميتها.  وقد ركز كذلك على  خصوصية اللغة، وفرادة الأسلوب، وتميزه الخاص... ومن ثم، فشخصية الكاتب هي التي تضفي على العمل الأدبي اتساقه وانسجامه. كما أن خصوصية الأثر تتجلى في الانزياح عن المعيار أو المألوف.

5 - الأسلوبيــة البنيويـــة: ظهرت الأسلوبية البنيوية في سنوات الستين من القرن العشرين  مع أعمال كل من: رومان جاكبسون (R.Jakobson)، وتودوروف (Todorov)، وكلود بريمون (Bremond)، ورولان بارت (Barthes)، وجيرار جنيت(Genette)، وجماعة مو(Groupe Mu)، وجون كوهن (J.Kohen)، وجوليا كريستيفا (Kristeva)، وكريماص (Greimas)، وجوزيف كورتيس (J.Courtèse)، وميشيل ريفاتير (M.Rifaterre) الذي كتب مجموعة من المقالات النقدية والأدبية. وقد توجت هذه الأبحاث كلها بكتاب في السبعينيات من القرن نفسه بعنوان: (أبحاث حول الأسلوبية البنيوية)[8]. ومن ثم، فلقد اهتم ريفاتير بلسانية الأسلوب ، وتفكيك الشفرة التواصلية في إطار علاقة المرسل بالمرسل إليه. وبالتالي، فلقد ركز على آثار الأسلوب في علاقتها بالمتلقي ذهنيا ووجدانيا. كما ربط الأسلوبية باستكشاف التعارضات الضدية، وتبيان الاختلافات البنيوية التي يتكئ عليها أسلوب النص.علاوة على هذا، فلقد اهتم بالانزياح في تعارضه مع القاعدة والمعيار، واعتنى أيضا بدراسة الكلمات في تموقعها السياقي. بمعنى أنه كان يدرس الأساليب بنيويا وسياقيا.وبعد ذلك، انتقل ميشيل ريفاتير إلى سيميوطيقا الشعر وإنتاج النص[9]، مركزا بشكل خاص على القارئ النموذجي في استكشاف الواقعة الأسلوبية فهما، وتفسيرا، وتأويلا.

6- الأسلوبيـــة الإحصائيـــة: يعد بيير غيرو (Pierre Guiraud) من رواد الأسلوبية الإحصائية[10]. دون أن ننسى شارل مولر(Ch.Muller) في كتابه: (المعجمية الإحصائية: مبادئ ومناهج)[11]. وقد اهتم بيير غيرو خصوصا باللغة المعجمية[12] ، موظفا المقاربة الإحصائية في استكشافها.أي: لقد ساهم غيرو في تأسيس موضوعاتية إحصائية، برصد بنيات المعجم الأسلوبي لدى مجموعة من المبدعين، مثل: فاليري، وأبولينير، وكورناي...، وتتبع المعجم إحصائيا في المؤلفات الأدبية، باستقراء الحقلين: الدلالي و المعجمي. ومن ثم، فلقد اهتم بالكلمات- الموضوعات (التيمات) التي تميز كاتبا أو مبدعا ما، مستثمرا آليات الإحصاء، كالتكرار، والتردد، والتواتر، والضبط، والعزل، والجرد، والتصنيف...أي: كان يهتم بكل ما يتعلق بأسلوبية المؤلف، ويشكل هويته، ويبين فرادته، ويؤكد تميزه الإبداعي[13].

وعلى العموم، فلقد انصب بيير غيرو على دراسة المعجم في المؤلفات الأدبية المتميزة بتوظيف الإحصاء، واستلهام المقاربة التاريخية التطورية للكلمات (ETHMOLOGIE).ويتضح ذلك جليا في كتابه: (اللسانيات الإحصائية: المناهج والمشاكل)، وفي كتابه الآخر: (البنيات الاشتقاقية للمعجم الفرنسي)[14] الذي يتتبع فيه الباحث تاريخ الكلمات الفرنسية.

7- الأسلوبية السيميوطيقية: ظهرت السيميوطيقا الأسلوبية (Sémiostylistique) في 1990م مع جورج مولينيي (Georges Molinié) الذي اشتهر بمجموعة من الدراسات الأسلوبية تعريفا وتقعيدا وتطبيقا، من بينها: الأسلوبية[15]، ومعجم الأسلوبية[16]، والسيميوطيقا الأسلوبية[17]، ومقاربات التقبل[18]، والهرمسية المحرفة، أو نحو هرمينوطيقا مادية[19].

وقد أدمج جورج مولينيي الأسلوبية ضمن السيميوطيقا العامة للثقافة المعاصرة. وتعني الأسلوبية عنده تمثلا ثقافيا لأنظمة القيم الجمالية والأنتروبولوجية.

المطلب الثالث: نحو أسلوبية سوسيولوجية

ترتبط الأسلوبية السسويولوجية بالمنظر الروسي ميخائيل باختين(M.Bakhtine). وهي لاتكتفي بالخطاب اللغوي الداخلي فحسب، بل تربطه بالخارج المجتمعي.ويعني هذا أن الأسلوبية السوسيولوجية تدرس الأسلوب من الداخل أولا، ثم تحاول ثانيا أن تدمجه في البنى المجتمعية، بتبيان موقف الكاتب من العالم، وإبراز السياق الاجتماعي الذي أفرز هذا النوع من الأسلوب، والإشارة إلى ما يحمله ذلك الأسلوب من دلالات ومقاصد اجتماعية مباشرة وغير مباشرة. وفي هذا، يقول باختين:" هذا التفرد يتطلب أسلوبية ملائمة، لايمكن أن تكون إلا أسلوبية سوسيولوجية.فالحوار الداخلي الاجتماعي للخطاب الروائي يستدعي الكشف عن سياقه الاجتماعي الملموس الذي يعدل مجموع بنيته الأسلوبية وشكله ومحتواه، فضلا عن أنه لايعدله من الخارج وإنما من الداخل. ذلك أن الحوار الاجتماعي يرن داخل الخطاب نفسه، وداخل كل عناصره،  سواء تلك التي تخص المحتوى أو تخص الشكل."[20]

ويعد ميخائيل باختين من المؤسسين الرواد للأسلوبية السوسيولوجية، مادام يدرس الأسلوب الروائي في ضوء البنية المجتمعية ، أو يدرسها وفق اللسانيات الخارجية ذات البعد المرجعي . لذا، فقد خصها بمجموعة من الدراسات الأدبية والنقدية، ومن أهم ما وصل إلينا من ذلك( شعرية دويستفسكي) [21]، وكتاب(إستيتيقا الرواية ونظريتها)[22]، و( الماركسية وفلسفة اللغة)[23].

بيد أن ثمة دراسات أخرى أشارت إلى هذه الأسلوبية السوسيولوجية بشكل من الأشكال. ومن بين هذه الدراسات ما كتبه تشيتشرين في دراسته المطولة بعنوان:( الأفكار والأسلوب، دراسة في الفن الروائي ولغته)[24]، وف. ف. فينوغرادوف في كتابه( حول لغة الأدب الفن) الصادر في مسوكو سنة 1959م[25]، ول.جروسمان في كتابه( طريق دويستفسكي)[26]، وأوتو كاوس في كتابه( دويستفسكي ومصيره)[27]، وف.كوماروفيتش في كتابه( رواية دويستفسكي (المراهق) بوصفها وحدة فنية)[28]، وب.م.إنجلجاردت في كتابه( رواية دويستفسكي الإيديولوجية)[29]، وف.لوناجارسكي في مقاله( حول تعددية الأصوات عند دويستفسكي)[30]، وف. كيربوتين في (ف.م.دوستويفسكي)[31] ، وب.ف.شكلوفسكي في كتابه( مع وضد.ملاحظات حول دويستفسكي.)[32]، وب.أوسبنسكي في كتابه(شعرية التأليف)؛ حيث يقول عن البوليفونية الإيديولوجية:" عندما نتحدث عن المنظور الإيديولوجي لانعني منظور الكاتب بصفة عامة منفصلا عن عمله، ولكن نعني المنظور الذي يتبناه في صياغة عمل محدد، وبالإضافة إلى هذه الحقيقة، يجب أن نذكر أن الكاتب قد يختار الحديث بصوت مخالف لصوته، وقد يغير منظوره- في عمل واحد- أكثر من مرة، وقد يقـيم (بتشديد الياء) من خلال أكثر من منظور."[33]

ومن أهم الدراسات الغربية الحديثة حول الأسلوبية السوسيولوجية عند باختين ما كتبه تزتيفان تودوروف (T.Todorov) بعنوان(ميخائيل باختين والمبدأ الحواري)[34]، وماكتبته أيضا جوليا كريستيفا من دراسات تشير فيها إلى التناص الحواري، كما في كتابها (السيميوطيقا)[35]...

وإذا انتقلنا إلى  الدراسات العربية في مجال الأسلوبية السوسيولوجية، فنستدعي- في هذا الصدد- دراسة حميد لحمداني المعنونة (أسلوبية الرواية)[36]، ودراسة سيزا قاسم (بناء الرواية)[37]، ودراسة محمد برادة (أسئلة الرواية وأسئلة النقد)[38]، ودراسة عبد الحميد عقار (الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب)[39]، ودراسة عبد الله حامدي (الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة)[40]، ودراسة الحبيب الدائم ربي (الكتابة والتناص في الرواية العربية)[41]، ودراسة إدريس قصوري (أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ)[42]، ودراسة جميل حمداوي (أسلوبية الرواية، من أجل مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي)[43]...

وعليه، فلقد ظهرت الأسلوبية السوسيولوجية في بداية القرن العشرين بديلا للأسلوبية الشعرية التي لم تكن تهتم بالرواية بشكل جدي.وفي هذا، يقول باختين:" قبل القرن العشرين، لم يكن هناك تناول دقيق لمشكلات أسلوبية الرواية، قائم على الأصالة الأسلوبية للخطاب داخل النثر الأدبي.

لقد كانت الرواية، أمدا طويلا، موضوعا لتحليلات إيديولوجية بطريقة تجريدية، ومجالا لأحكام يصدرها الإعلاميون. كان هناك إهمال تام للمشكلات الملموسة، أو أنها كانت تدرس بسرعة وسطحية بدون الاعتماد على أي مبدأ.وكان خطاب النثر الأدبي معتبرا وكأنه خطاب شعري بالمعنى الضيق، فكان يطلق عليه، بدون أي حس نقدي، مقولات الأسلوبية التقليدية (المرتكزة على دراسة الوجوه البلاغية)، أو أنه كان يقع الاكتفاء بمصطلحات جوفاء لتوصيف الخصائص المميزة للغة: كانوا يتحدثون عن تعبيريتها وعن صرامتها وعن سلاستها، بدون أن يعطى لهذه المفاهيم أي معنى أسلوبي محدد.

وخلال نهاية القرن الماضي، وفي مقابل التحليل الإيديولوجي التجريدي، تزايد الاهتمام بالمشكلات الملموسة للنثر داخل العمل الأدبي، وبالمشكلات التقنية للرواية والقصة. ومع ذلك لاشيء تغير فيما يخص مشكلات الأسلوبية: إذ يكاد يقتصر التركيز على مشكلات التأليف (بالمعنى الواسع) لكن دائما بدون معالجة جذرية وملموسة للخصوصيات الأسلوبية في خطاب الرواية والقصة. إنها ماتزال أحكام قيمة، وملاحظات آنية صادرة عن ذهن تقليدي، لاتلامس حتى الجوهر الحقيقي للنثر الأدبي."[44]

ويعني هذا أن مشاكل الرواية كانت تدرس وفق الأسلوبية الشعرية التي كانت تلامس قضايا الرواية والقصة وفق الصور البلاغية، ووفق مواصفات الأسلوب بالمفهوم التقليدي، ولم تكن تدرس القضايا الاسلوبية وفق بناها الداخلية من جهة، وفي ارتباطها بالبنى السوسيولوجية من جهة أخرى.

ومع القرن العشرين، تشكلت أسلوبية سوسيولوجية جديدة تعنى بالرواية البوليفونية[45] ، أو الرواية المتعددة الأصوات واللغات والأساليب.وفي هذا، يقول باختين:" حوالي العشرينيات، تبدل الوضع، وأخذ خطاب الرواية النثري يكتسب مكانة داخل الأسلوبية.فمن جهة، ظهرت مجموعة تحليلات أسلوبية ملموسة لنثر الرواية، ومن جهة أخرى، بدأنا نشهد محاولات جذرية لفهم وتحديد التفرد الأسلوبي للنثر الأدبي انطلاقا مما يميزه عن الشعر.

إلا أن تلك التحليلات والمحاولات أظهرت بوضوح أن جميع مقولات الأسلوبية التقليدية، بل ومفهوم الخطاب الشعري الذي تعتمد عليه، غير قابلة للتطبيق على الخطاب الروائي.ذلك أن هذا الأخير قد أبان عن أنه الحجر الأساس في كل تفكير حول الأسلوبية، لأنه أظهر ضيق الأسلوبية وعدم ملاءمتها لكل مجالات اللفظ الأدبي الحي.

إن جميع محاولات التحليل الأسلوبي الملموس للنثر الروائي إما أنها تاهت وسط الأوصاف اللسانية للغة الروائي، وإما أنها اكتفت بإبراز عناصر أسلوبية معزولة قادرة على الاندراج (أو فقط تظهر مندرجة) ضمن المقولات التقليدية للأسلوبية. وفي كلتا الحالتين، تند الوحدة الأسلوبية للرواية وخطابها عن الباحثين.

إن الرواية ككل، ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت، ويعثر المحلل فيها على بعض الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة التي توجد، أحيانا، على مستويات لسانية مختلفة وخاضعة لقواعد لسانية متعددة...هذه الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة تتمازج، عند دخولها إلى الرواية لتكون نسقا أدبيا منسجما، ولتخضع لوحدة أسلوبية عليا تتحكم في الكل، ولا نستطيع أن نطابق بينها وبين أية وحدة من الوحدات التابعة لها."[46]

بمعنى، أن الأسلوبية السوسيولوجية هي التي تدرس الأساليب واللغات المشخصة في الرواية وفق سياقها السوسيولوجي والإيديولوجي والمجتمعي والمرجعي. وتعنى أيضا باستجلاء حوارية اللغة وبوليفونيتها وديالوجيتها داخل نسق تعددي كلي يتجاوز  اللسانيات الداخلية إلى اللسانيات الخارجية.

ومن هنا، لاتعرف الأسلوبية التقليدية " مطلقا هذا النوع من التجميع للغات والأساليب التي تكون وحدة عليا.إنها لاتعرف كيف تتناول الحوار الاجتماعي النوعي للغات الرواية، كما أن تحليلها الأسلوبي لايتجه نحو مجموع الرواية، وإنما يقتصر على هذه الوحدة التابعة أو تلك. فالباحث، من هذا الاتجاه، لايلمس الخصوصية الأولية للجنس الروائي، ويستبدل موضوع بحثه بالوقوف عند الجزئيات، وبالإجمال، فإنه يحلل شيئا مختلفا جدا عن الأسلوب الروائي ! إنه يكتب للبيانو تيمة سيمفونية (تقودها الأوركسترا).

ويمكن لذلك الاستبدال أن يتم بطريقتين: في حالة أولى، بدلا من تحليل أسلوب الرواية، يقدم لنا وصف للغة الروائي( وفي أحسن الحالات، لغات الرواية) وفي حالة ثانية، يبرز أحد الأساليب التابعة التي يقع تحليلها كأنها أسلوب مجموع الرواية."[47]

ومن هنا، تنصب الأسلوبية السوسيولوجية على دراسة الرواية المهجنة من جهة، ودراسة الرواية المتعددة اللغات والأساليب والأصوات ذات البعد الحواري والبوليفوني.

وعلى العموم، يتبين لنا ، مما سبق ذكره، بأن الأسلوبية قد ظهرت في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر ، قبل ظهور اللسانيات بمختلف مدارسها وفروعها، والهدف من ذلك هو وصف الخصائص الأسلوبية داخل الأثر الأدبي أو النص الإبداعي، باستكشاف مميزاته الفنية والجمالية ، وتبيان أثر ذلك في المتلقي ذهنيا ووجدانيا. ومن ثم، فلقد خرجت الأسلوبية من معطف البلاغة المعيارية لتتشابك - منهجيا- مع اللسانيات، والشعرية، والتداوليات، والسيميائيات...

ومن ثم، فلقد مرت الأسلوبية الغربية عبر مراحل أربع: مرحلة الكاتب، و مرحلة النص، ومرحلة القارئ، ومرحلة السياق. في حين، مرت الأسلوبية العربية بمجموعة من المراحل المتداخلة والمتشابكة، يمكن تحديدها في مرحلة البيان، ومرحلة المعاني، ومرحلة البديع، ومرحلة النظم، ومرحلة المحاكاة والتخييل...ومن هنا، فالأسلوبية لا تقتصر على الشكل فقط، بل تتعداه إلى الفهم والتفسير الهيرمونيطيقي.أي: تجمع بين الشكل والمعنى.

وتتفرع الأسلوبية إلى مجموعة من الاتجاهات والمدارس، كالأسلوبية المثالية، والأسلوبية التعبيرية، والأسلوبية المعاصرة، والأسلوبية الإحصائية، والأسلوبية اللسانية، والأسلوبية البنيوية، والأسلوبية السوسيولوجية...

ويلاحظ على السيميوطيقا الأسلوبية أنها مقاربة  مركبة وانتقائية وتوفيقية، تجمع بين مجموعة من التصورات النظرية السيميائية والشعرية والجمالية والأسلوبية التي قد تتناقض مع بعضها البعض في بعض الأحيان. فالسيمويطقا السردية عند كريماص لاتعتد بماهو أسلوبي؛ إذ تعتبره من مكونات البنية الظاهرية على مستوى السطح. في حين، تهتم بماهو سردي سطحا وعمقا.  وهذا ما يجعل مقاربة جان مولينيي مقاربة نصية مركبة وانتقائية وتجميعية، تفتقر إلى تصوراتها العلمية والمنهجية الخاصة بها. بمعنى أن هذه المقاربة عالة على باقي المقاربات الأخرى، كاللسانيات، والبلاغة، والسيميوطيقا، وجمالية التقبل. وهذا ما يجعل النقاد يتشككون في علميتها وموضوعيتها وخصوصيتها واستقلاليتها،  مادامت لم تبين موضوعها بدقة كباقي المقاربات النقدية الأخرى. علاوة على ذلك، فإنها لم تحدد منهجها النقدي الخاص بها تنظيرا وتطبيقا. وبالتالي، لا تمتلك مصطلحاتها الإجرائية المتعلقة بها[48].

ومن جهة أخرى، تستند الأسلوبية - منهجيا- إلى ثلاث خطوات أساسية هي: البنية، والدلالة، والوظيفة. كما تستند إلى مجموعة من المستويات الرئيسة، مثل: المستوى اللساني، والمستوى الشعري، والمستوى التداولي، والمستوى البلاغي، والمستوى المناصي، والمستوى التلفظي.

وإذا كانت للأسلوبية مزايا عديدة تنظيرا وتطبيقا، فإنها ماتزال عالة على المناهج النقدية الأدبية الأخرى، تستعير منها مفاهيمها، وتقتبس منها مصطلحاتها الإجرائية، إلى أن اختلطت هذه الأسلوبية بمجموعة من التخصصات العلمية المعروفة،  كاللسانيات، والسيميائيات، والشعرية، والتداوليات، والبلاغة، والنقد الأدبي...، فانصهرت فيها منهجا، وموضوعا، ومفهوما، وأداة.

وتبقى الأسلوبية السوسيولوجية، في معتقدي، أفضل هذه الأسلوبيات كلها، مادامت تجمع بين الداخل والخارج، وتؤالف بين بنية الخطاب وبنية المرجع، وتدرس اللغات والأساليب واللهجات والخطابات والأجناس والأنواع والحواريات المهجنة وفق بناها المرجعية، والتداولية، والسياقية، والمجتمعية.

وعليه، فلقد آثرنا ، في كتابنا النقدي والتوصيفي هذا، تطبيق الأسلوبية السوسيولوجية في مقاربة مفهوم التهجين،  بالجمع بين توصيف الأسلوب لسانيا وتلفظيا على المستوى الداخلي، واستكشاف أبعاده المرجعية والمجتمعية والإيديولوجية على المستوى الخارجي.

ولايمكن دراسة مفهوم التهجين الروائي (Hybridisation) باعتباره مفهوما نقديا إجرائيا إلا بالتوقف عند أربع خطوات منهجية هي: البنية، والدلالة، والوظيفة، والقراءة السياقية. ويعني هذا كله أن التهجين يستلزم منا أن نقاربه وفق الأسلوبية السوسيولوجية بدراسة بنيته الشكلية والتركيبية واللغوية والفنية والجمالية، و تبيان مختلف دلالاته ومضامينه داخل النص الروائي في كليته النسقية والعضوية والموضوعية، ثم استكشاف مختلف وظائفه ومقاصده ورسائله المباشرة وغير المباشرة، ضمن سياقه النصي التداولي، والمرجعي، والاجتماعي، والإيديولوجي.

 

جميل حمداوي

.........................

[1] - تعني الهيرمونيطيقا الشرح، والتفسير، والتأويل.

[2] - صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م، ص:89.

[3] - بيير غيرو: الأسلوبية، ترجمة:منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري،حلب، سورية، ص:17.

[4] - Jules Marouzeau : Précis de stylistique française. Paris1965.

[5] -Ferdinand de Saussure : Cours de linguistique générale, Payot, Paris, France1967.

[6] -Roland Barthes : Eléments de sémiologie, Edition de Seuil, Paris,1964.

[7] -Léo Spitzer : Etudes de style. Paris1970.

[8] - Michael Rifaterre : Essais de stylistique structurale. Flammarion, 1971.

[9] -Maurice Delacroix et Fernand Hallyn et autres :Méthode du Texte,Duculot,Paris,1987,p :90-91.

[10] - Pierre Guiraud : La stylistique, P.U.F.1972.

[11]- Charles  MULLER : Principes et méthodes de statistique lexicale. Champion.1992

[12] - Pierre Guiraud : Les Caractères statistiques du vocabulaire. P.U.F.1954

[13] -Pierre Guiraud : Essais de stylistique : Problèmes et méthodes.1960.

[14]-Pierre Guiraud : Les Structures étymologiques du lexique français 1967.

[15] - Molinié.G : La stylistique, Paris, PUF, 2004.

[16] - Molinié.G. Et Mazalyrat.J. : Vocabulaire de la stylistique, Paris, PUF, 1989.

[17] -Molinié George :Sémiostylistique ,l’effet de l’art, Paris,PUF.1998.

[18]- Molinié.G. Et Viala. A : Approches de la réception, Paris, PUF, 1993.

[19] - Molinié George :Hermès mutilé, vers une herméneutique matérielle, Paris, France Honoré Champion,2005.

[20] - ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ترجمة: محمد برادة، دار الأمان، الرباط، المغرب، الطبعة الثانية سنة 1987م،ص:60.

[21] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[22] - M.Bakhtine:Esthétique et théorie du roman, Gallimard, Paris, ED.1978.

[23] - ميخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[24] -  أ.ف.تشيتشرين: الأفكار والأسلوب  دراسة في الفن الروائي ولغته، ترجمة: حياة شرارة، منشورات وزارة الثقافة والفنون، العراق، طبعة 1978م.

[25] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:396.

[26] - ميخائيل باختين: نفسه،ص:24.

[27] - ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:27.

[28] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:30.

[29] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:32.

[30] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:47.

[31] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:54.

[32] - ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:56.

[33] -B.Uspenski: Poetics of composition, traduction.CL.Kahn, Poétique9, 1972, P.11.

[34] - Tzvetan Todorov : Mikhaïl Bakhtine : Le Principe dialogique. Seuil.1981.

[35] - Julia kristeva: Séméiotiké, pour une sémanalyse, Seuil, Paris, 1969.

[36] - حميد لحمداني: أسلوبية الرواية، منشورات دراسات سال، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1989م.

[37] - سيزا قاسم: بناء الرواية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1985م، صص:177-194.

[38] - محمد برادة: أسئلة الرواية وأسئلة النقد، شركة الرابطة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[39] - عبد الحميد عقار: الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب، شركة النشر والتوزيع،المدارس،  الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000م.

[40] - عبد الله حامدي: الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2003م.

[41] - الحبيب الدائم ربي: الكتابة والتناص في الرواية العربية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى 2004م.

[42]-إدريس قصوري: أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، أربد، الأردن، الطبعة الأولى 2008م.

[43] - جميل حمداوي: أسلوبية الرواية، من أجل مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي، مكتبة المثقف، موقع المثقف الإلكتروني، مؤسسة المثقف العربي، سيدني، أستراليا.

http://almothaqaf.com/library/67.pdf

[44] - ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص:31.

[45] - إذا كانت الرواية المنولوجية ذات صوت إيديولوجي واحد، تعتمد على السارد المطلق العارف بكل شيء، وتستند إلى سارد واحد، ورؤية سردية واحدة، ولغة واحدة، وأسلوب واحد، وإيديولوجية واحدة، فإن الرواية البوليفونية رواية متعددة الأصوات على مستوى اللغات والأساليب والمنظور السردي والإيديولوجي. وكذلك، من حيث الشخصيات، وتطرح أفكارا متناقضة ومختلفة جدليا، وتعطي المتلقي هامشا من الحرية والاستقلالية لكي يختار الموقف المناسب الذي يتلاءم مع اقتناعاته وثقافته ومعتقده. وغالبا، ما تتحدد بوليفونية الرواية بوجود تنوع في المنظور الإيدولوجي.

[46] - ميخائيل باختين: نفسه، ص:32.

[47] - ميخائيل باختين: نفسه، ص:33.

[48] - René Pommier : .Nouvelle stylistique ou nouvelle imposture, http://rene.pommier.free.fr/Stylistique.htm#_ftn1

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4837 المصادف: 2019-12-03 01:31:14