 قراءات نقدية

الكولاج في الخطاب الروائي

جميل حمداوي("شعلة ابن رشد" لأحمد المخلوفي أنموذجا )

مقدمة: يتميز بناء رواية (شعلة ابن رشد) للروائي المغربي أحمد المخلوفي بأنه بناء مهجن ومركب من مجموعة من المقامات والمداخل المتسقة والمنسجمة بواسطة الكولاج (Collage) الذي يعد تقنية فنية وجمالية قائمة على التقطيع والتركيب، أو تقنية تشكيلية تعنى بتجميع العناصر وتركيبها في توليفة إبداعية منظمة ومنسقة ومهجنة.

إذاً، مامفهوم الكولاج؟ وما آلياته؟ وماوظائفه؟ وكيف تم استثماره في الخطاب الروائي العربي؟

المطلب الأول: مفهوم الكولاج

يتحدد الكولاج بكونه مفهوما إجرائيا في حقل التشكيل من جهة، وحقل المسرح من جهة أخرى. ويشتق الكولاج من فعل (Coller) بالفرنسية الذي يعني ألصق. ولقد اشتق مفهوم الكولاج من اللفظ ( collar ) ، والذي اخترعه (Georges Braque )، وبابلو بيكاسو ( Pablo Picasso ) في بداية القرن العشرين للميلاد، عندما أصبح الكولاج جزءا مهما في الفن الحديث.

و من هنا، فالكولاج هو عبارة عن تقنية فنية وجمالية تقوم على توليف العناصر و تركيبها جزئيا أو كليا، سواء أكانت تلك العناصر متنافرة أم منسجمة. ويعني هذا أن الكولاج هو تجميع لأشكال وعناصر وقطع ومواد مختلفة لتكوين عمل فني جديد. إن استخدام هذه التقنية كان له تأثيره الجذري بين أوساط الرسوم الزيتية في القرن العشرين كنوع من الفن التجريدي الجاد. وقد تمت تسميته من قبل الفنانين جورج براك الفرنسي و بابلو بيكاسو الإسباني في بدايات القرن العشرين. ويتضمن عمل الكولاج الفني قصاصات الجرائد، والأشرطة، وأجزاء من الورق الملون المصنوعة يدوياً، ونسبة من الأعمال الفنية الأخرى، والصور الفوتوغرافية وما إلى ذلك؛ حيث يتم تجميع هذه القطع والقصاصات، وتلصق على قطعة من الورق أو القماش.

وقد نشأ الكولاج، أو فن لصق القصاصات، في الصين، عندما اخترع الورق في القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً. ومع ذلك، فإن استخدام الكولاج ظل محدودا حتى القرن العاشر للميلاد، حين بدأ الخطاطون في اليابان باستعمال مجموعة من القصاصات من الورق ليكتبوا على سطحها إنتاجهم من الشعر. وارتبط ميلاد وتطور فن الكولاج الحديث بميلاد موجة جديدة في الفنون أطلق عليها الحداثة.[

أما في أوروبا، فلقد ظهرت تقنية الكولاج في القرون الوسطى خلال القرن الثالث عشر للميلاد، عندما بدأت الكاتدرائية ( Gothic Cathedrals )، باستخدام لوحات تصنع من أوراق الأشجار المذهبة، والأحجار الكريمة ، وبعض المعادن الثمينة في اللوحات الدينية. وفي القرن التاسع عشر للميلاد، استخدمت طرق الكولاج أيضا بين أوساط هواة الأعمال اليدوية في شكل تذكار، مثل: استخدامهم لها في تزيين ألبومات الصور والكتب.

ولقد ارتبط الكولاج بالفن التشكيلي التجريدي الذي ظهر في بداية القرن العشرين من أجل الانسلاخ على الواقع ، وعدم التقيد بمدأ المحاكاة المباشرة. ومن أهم رواده الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي ( Wassily Kandinsky ) صاحب الاتجاه التجريدي الشاعري، والهولندي بييت موندريان ( Piet Mondrian ) وكازمير ماليفيتش ( Kasimir Malevitch ) صاحبا التجريدية الهندسية. ومن ثم، تتخلى التجريدية عن تصوير العالم الخارجي المرئي، وتعوض ذلك بالرؤى الداخلية الجوانية والتصورات الخيالية الشخصية للمبدع الفنان باعتماد الألوان والخطوط والأشكال، دون أن تكون لها أدنى صلة بالعالم المادي الحسي. وبعد ذلك، تتراكب هذه العناصر في اللوحة التشكيلية ضمن علاقات شكلية قائمة على التآلف أو التنافر من خلال اللعب على قوانين التضاد، والتقابل، والتماثل، والتشتت..

ولقد استعمل الكولاج في المسرح المغربي بشكل لافت للانتباه، كما ببدو ذلك عند محمد مسكين الذي شغل الكولاج باعتباره فضاء دراميا تشكيليا، وقوامه" تكديس مواد طبيعية في العمل المسرحي، ولكنها في الواقع تعني ملء الركح بما هو حي، وما يؤسس الحرارة انطلاقا من مبدأ الانفصال عن ما هو مألوف من الأشكال والألوان، والالتحام بعالم مرئي جديد ينقذ عين المتلقي من هيمنة الأشكال والمظاهر المعتمدة في الثقافة الرسمية.

إن الطريف في هذا التصور للكولاج المسرحي هو أنه يعتبر تمردا ضد المسرح المؤسساتي الموجه وضد التشكيل الأكاديمي المعقلن. كما أنه يعتبر لدى محمد مسكين فرصة لتحقيق الطابع الشمولي الكلي للإبداع المسرحي عن طريق المساهمة الجماعية بما في ذلك الجمهور، كما يعتبر وسيلة لدرء التخصص الذي يؤدي إلى بتر العملية الإبداعية وتجزئتها.

وهذا يعني في الأخير خلق لغة رمزية بمواد بسيطة نقوم بتطويعها وتحويلها إلى موضوع جمالي يعكس أحلامنا وقضايانا (خيوط-أسلاك- زجاج- ورق- حجر- جلد- عظام.. ) ، الشيء الذي يجعل تقنية الكولاج المسرحي توازي ماتسميه سيمياء المسرح بالإشارية الموضحة التي ترمي إلى إعادة تأسيس عنصر مادي."[1]

ويعني هذا أن محمد مسكين قد تعامل مع خشبة المسرح ، باعتبارها فضاء تشكيليا يتقاطع فيه ماهو لغوي وماهو بصري، بل عمد إلى توظيف مجموعة من العناصر السينوغرافية السيميائية ذات الوظائف المتعددة لتشكيل عرضه المسرحي. وفي هذا الصدد، يقول محمد مسكين:" لهذا، فالمسرح النقدي يجب أن يعتمد على الجانب المرئي في خطابه الإبداعي من خلال مخاطبة عين المتلقي عبر أشكال ومواد جديدة (خيوط - أسلاك- زجاج- ورق- حجر- جلد- عظام- قصب.. إلخ)"[2].

وعليه، يذكرنا العمل المسرحي بهذا الشكل بعمل الفنان التشكيلي الذي يضمن لوحاته الزيتية أو المائية مجموعة من العناصر والمواد الطبيعية والاصطناعية الخارجية، فيلصقها بشكل فني وجمالي فوق سطح الخشبة. بيد أن ما يلاحظ على هذه العناصر والملحقات الخارجية في عروض محمد مسكين أنها ذات طبيعة سيميائية وظيفية .أي: إنها علامات ورموز وإشارات دالة[3]. وبالتالي، تحمل هذه العلامات دلالات فطرية وطفولية.ومن ثم، فإن" الكولاج المسرحي - حسب محمد مسكين- لايمتلك قيمة في ذاته، ولكن فيما يحمله من دلالات وما يولد من إحساسات جميلة لدى الناس، إحساسات باللذة والسعادة والجمال والمعنى، تعيدهم إلى الطفولة إلى ماهو بكر ومكبوت فيهم، وإلى تعدد الألوان والأشكال لحد اللامعقول في أسواقنا الشعبية ومداشرنا."[4]

وهكذا، نصل إلى أن محمد مسكين، في بنائه التنظيري، قد اهتم كثيرا بالأحداث والشخصيات واللغة والحوار والتراث والتواصل بين الممثل والجمهور أكثر من اهتمامه بالمكان والفضاء. ولكن ثمة إشارات فضائية تفهم من سياقات كتابته النظرية التأسيسية. وعلى الرغم من ذلك، يدعو محمد مسكين إلى فضاء جدلي بريشتي؛ فضاء اللحظة والمعايشة الواقعية، بالدعوة إلى استخدام سينوغرافيا الكولاج، أو ما يسمى بالفضاء التشكيلي السيميائي. ويعني هذا أن محمد مسكين يتمثل السينوغرافيا الوظيفية أو المتعددة الوظائف؛ حيث يصبح الديكور أو المكان أو السينوغرافيا المسرحية علامة سيميائية متعددة الأبعاد والدلالات والمرجعيات حسب المقام، والسياق، ومقتضى الحال .

المطلب الثاني: آليات الكولاج

يتحقق الكولاج، في رواية (شعلة ابن رشد)، بمجموعة من التقنيات والآليات المنهجية واللغوية واللسانية:

Œ الكولاج بواسطة المقامات الصوفية والعرفانية: مقام الدخول، ومقام الجوى والقدرة والتحدي، ومقام النجدة وتعرية الرهان، و في مقامات الحضرة والتشكيل، ومقام الأسئلة الحارقة، ومقام الخروج..

 الكولاج بالدخول والخروج: (مقام الدخول ومقام الخروج).

Ž الكولاج بالتقطيع أوالتركيب: ويسمى أيضا بالديكوباج (Découpage) والمونتاج (Montage). ويعني هذا أن أحمد المخلوفي، كعادته، يقطع روايته إلى مجموعة من المشاهد والمناظر واللوحات والمقاطع والحلقات المتشذرة، ثم يركبها ويجمعها في نسيج سردي واحد متسق ومنسجم دلاليا وعضويا، ويخيطها بطرائق فنية وجمالية متنوعة.

الكولاج باللوحات والمشاهد المرتبطة بكل شخصية على حدة ( بوح ابن رشد، وخلوة مع ابن ميمون، وحفريات رشدي الجابر، وفي رفقة ابن عربي رأيت.. ).

الكولاج بالميتاسرد أو الميتاقص (Métarécit): ويقصد به ذلك الخطاب المتعالي الذي يصف العملية الإبداعية نظرية ونقدا، ويهتم برصد عوالم الكتابة الحقيقية والافتراضية والتخييلية، واستعراض طرائق الكتابة، وتشكيل عوالم متخيل السرد، والتأشير على صعوبات الحرفة السردية، ورصد انشغالات المؤلفين السراد، وتبيان هواجسهم الشعورية واللاشعورية، ولاسيما المتعلقة بالأدب وماهيته ووظيفته، واستعراض المشاكل التي يواجهها المبدعون وكتاب السرديات بشكل عام.

ويحقق الخطاب الميتاسردي وظيفة ميتالغوية، أو وظيفة وصفية (Fonction métalangage)، تهدف إلى شرح الإبداع مظهرا ونشأة وتكونا، وتفسير آلياته وتقنياته الفنية والجمالية قبل الإبداع، وأثنائه، وبعد الانتهاء منه. ويذكرنا هذا الخطاب بالميتامسرح، وخطاب السينما داخل السينما، والسيرك داخل السيرك، كما يحيلنا هذا المفهوم على الروائية، أو ما يسمى كذلك بالرومانيسك (Romanesque).

ويعني هذا كله أن الخطاب الميتاسردي كتابة نرجسية بامتياز،تقوم على التمركز الذاتي، وسبر أغوار الكتابة الذاتية، والتشديد على الوظيفة الميتالغوية بمفهوم رومان جاكبسون (Roman Jakobson).

علاوة على ذلك، يسائل الخطاب الميتاسردي طرائق تكون الإبداع ونشأته، ووصف عملية الكتابة وخطواتها، ورصد التناص، والمناص، والنص الموازي، وتبيان أنواع التداخل بين النص الإبداعي والنص الميتاسردي، هل هو قائم على التأطير التعاقبي أو التناوبي أوالمتوازي أو المتقاطع؟! فضلا عن تبيان عمليات الانتقال من النص السردي إلى النص الميتاسردي، والعكس صحيح أيضا.

واليوم، لم يعد الخطاب الميتاسردي، أو الميتاقص، مجرد تضمين أو تداخل النصوص السردية فحسب، بل يتخذ عدة أشكال تتعلق بالتناص، والنص الموازي، والعتبات، والبناء السردي، والخطاب النقدي، والخطاب التنظيري، ومتخيل القراءة، وتعدد السراد والرواة، وميتاسرد الشخصية، وتكسير الإيهام السردي، ورصد عوالم الكتابة، وشرح تكون السرود انبناء وتشكيلا وتركيبا، وتبلورها فنيا وجماليا ودلاليا ورؤيويا. ومن ثم، يرتكز الخطاب الميتاسردي على تصوير عالم الكتابة السردية، وتجسيد قلق الكتابة، وتبيان كيفية تفكير القصة أو الرواية أو الحكاية في نفسها أو ذاتها بطريقة نرجسية أو مرآوية ذاتية. وإذا كان السرد - من جهة- يشخص الذات والواقع، فإنه- من جهة أخرى- يشخص أيضا ذاته، ويرصد عملية الكتابة نفسها، ويبرز مراحل تكونها وتطورها إلى أن يستوي النص السردي عملا إبداعيا، ويستقبله القارئ الضمني أو المفترض استهلاكا، وتقبلا ، وقراءة،وتوصيفا، ونقدا.

ومن أمثلة الميتاسرد ما يلي:

"انتفض وجداني على وقع كلماته، فانسابت ينابيع الماضي كجدول رقراق ملأ بفيضه جوانب روحي الظمآى.. تحرك خيالي تجاه توأم روحي، وعدت أطوي صفحات اللحظة القاتمة من عصري، بحثا عن صفحات الحب والثورة.. غصت في التيه اللذيذ وفي مراتع الخصب.. وعصف بي الحنين لذاك التصابي المجدول بتوق العشق الذي كان يربطني بها..

حين عدت أدراجي مكرها ثملا على وقع نحنحته، داريت تلهفي المستعاد، وقلت بصوت مبحوح لايزال مضطربا بأمواج عشق خضت اضطراب لذتها بعشق قلب صوفي: لكأن ما أعانيه من ثقل المشاهد المؤلمة لراهن عصري؛ من إرهاب أعمى، ومن تراجع مخيف للقيم العقلانية والإنسانية، وهيمنة الفكر الظلامي، وسيادة مدن الغلبة والتحكم، هو وراء هذا الحنين، وهذا التصاب إلى ماض جميل كنا فيه أعزة لا أذلة.. ماض ببهاء ذلك الكون الذي كان ولم يعد بعد.. فاغفر لي يارشدي فورة مراهقتي المتأخرة وعودتها لمن كانت هيامي قبل اغتصابها وترحيلي من جنتها.. لذا حين ذكرتني أثرت مواجع الحنين إليها فسافرت بخيالي نحو أطلالها..

ــ لابأس صديقي.. فما الرواية إن لم يكن الحب مغموسا بها نديا بعطرها، عروسا في محفل مدارها.. والآن أرغب صديقي في أن توجز لي مجمل القضايا التي ستكون محور روايتك.. أوجز لي فقط، وإن كنت على دراية أن الكتابة الروائية بحق، لابد لها أن تكسر الثوابت، ولا تسترفد منها إلاما يلائم عالمها الخاص..

قلت هي قضايا ثلاث، لكنها تظل مرنة في انفتاحها على قضايا أخرى قابلة للدمج والتطور.. أما كيفية تناولها؛ فهو أمر معقد قد لا يدركه غير المتمرسين الحقيقيين في عالم الرواية..

فالأولى تتعلق بإمكانية استعادة روح ابن رشد من أجل الفهم والتحليل والنقد والترشيد والتخفيف من حدة ما يسمى اليوم بالإسلام السياسي والتطرف الديني.. ثم التمييز العنصري. هذه الروح، لا تزال تمثل، في تقديري، النموذج الأرقى للمثقف العربي المطلوب اليوم وغدا؛ سواء في طرح مسائل الشريعة والعقيدة والعلم والفلسفة والسياسة طرحا يتمثل التراث والفكر المعاصر، أوفي التشبع بالروح النقدية وبالفضيلة العلمية والخلقية.. أو في طرح قضايا فلسفية وإنسانية أخرى من شأنها أن توحد البشرية جمعاء..

أما الثانية فهي ذات صلة بالآخر؛ ذلك الغرب الذي انتزع منا ابن رشد نحو ضفته الأخرى.. فأضاء بشعلته تاريخه المظلم، وبنى بها حضارة فكر وعلم لم يحلم بها. فنحن حين ملنا به خارج التاريخ، هم أدخلوه في عمقه.. هذا الآخر صديقي، هو هاجسي في الكتابة. لقد بت أراه الآن بوجهين: .. وجها للعقل والجد والابتكار والعلم والديمقراطية.. ووجها قبيحا يتمثل في تمركزه وانغلاقه وعدوانيته ومؤامراته.. وأخيرا عنصريته المتخفية بقفاز وردي يخفي تحته كيدا وشرا مستطيرا.. هذا الآخر، مرة أخرى، يشغلني.. يثير اهتمامي.. لقد أخذ منا عقلانية ابن رشد ثم تنكر لنا.. أخذ منا جيلنا الأول والثاني فبنى بهما مدنه وقراه ثم تنكر لهما الآن.. كما أخذ منا الأوطان كلها يوما.. وحين غادرها أبقى على من يستنزف خيراتها حتى الآن.. ولعلك سيدي تعلم ما عاناه كذلك إبني صابر وغيره من عنصرية مقيتة وهو مجرد طالب علم في دياره.. لذا لن أسكت عن تشخيص ما عانه في عملي؛ وحتى إن قصرت الحديث عنه أو عن بعض أصدقائه، فإن مدار الحديث في مجمله يحوم حول مهاجرى ديار الغرب كافة: من طلبة وعمال.. وحتى بعض الكوادر العلمية منها..

أما الموضوعة الثالثة، فتتعلق بلهفتي المتزايدة في البحث عن العلاقة بين العقل والقلب، أو إن شئنا القول، بالبحث عن المصالحة بين البرهان والعرفان.. ففي اعتقادي أن أزمة العقل مرتبطة بأزمة القلب. فالإنسان الغربي، فقد جانب الروح، لما بالغ في تقديس دور العقل على حسابه.. والقيم الخيرة، في أصل وجودها، مرتبطة بوجودهما معا، كارتباط البرودة بالحرارة.. أو كالارتباط السوي بين الروح والعقل في الإنسان.. ونحن نكاد أن نفقد جانب الروح فينا، حتى ولولم نتوفق حتى الآن، في إرساء دعائم العقل والعقلانية في تفكيرنا وسلوكنا وتدبير شؤون أمورنا في الحياة المدنية والسياسية والاقتصادية وهلم جرا.. لذا، فلتسمح لي صديقي أن أغامر بقلمي في ثبج العرفان وشواطئه . وأن لا ألزم نفسي كما ألزمت نفسك لما نعته وصفته بلحظة الوعي الزائف، أو بالمعرفة التي تأسست بواسطة جهاز ميتافيزيقي فيضي.. وأن هذه القوى المعانقة له حين تتجه به نحو الحاضر أو المستقبل، فإنها تعيش فقط في حلم ما أخفقت في تحقيقه على أرض الواقع.. قلت: إنك صوت ابن رشد في موقفه من العرفان .. [5]"

يقوم الميتاسرد على تركيب النص الخيالي والنص الإبداعي من البداية حتى النهاية في صيرورة مهجنة ؛ حيث يلخص مضمون النص ويوسعه عبر مدارج الرواية وتشعباتها.

‘ الكولاج باستعمال الأوراق: وتتمثل في أوراق صابر: الورقة الأولى، والورقة الثانية، والورقة الثالثة، والورقة الرابعة، والورقة الخامسة، والورقة السادسة، والورقة السابعة، والورقة الثامنة، والورقة التاسعة، والورقة العاشرة، والورقة الأخيرة..

’ الكولاج باستعمال الفصول: فصل من محاكمة لم تنته حتى الآن.

“ الكولاج بالتزمين: عود على بدء نكساتي، وفي الصباح رحلت، ويوم رحيل ابن رشد، ولم حين أمسكت الشعلة رحلت يارشدي.. ؟

” الكولاج البصري أو الفضائي أو السيميائي: ويقصد به مجمل العلامات البصرية كالفواصل وعلامات الترقيم والنجيمات والفراغ والامتلاء؛ حيث تقوم بلاغة البياض والسواد بدور مهم في توزيع الأدوار والملفوظات السردية، وتشذير اللوحات والمشاهد بشكل منظم ومهجن.

إذاً، يرتبط المعيار البصري بالجهاز الكتابي والطباعي الذي يظهر فوق الصفحة [6]. ويقترن أيضا بكل العلامات الطيبوغرافية التي يتضمنها النص أو الخطاب، كتقسيم المعطى المعروض إلى جمل مفصولة بعلامات الترقيم، وتقطيعه إلى فقرات ومقاطع وفصول ومشاهد ومناظر ولوحات وأبواب وعناوين أساسية وفرعية وداخلية ومقطعية، وتشغيل حروف رقيقة أو مشبعة بالسواد، وتنويع خطوط الكتابة التي قد تكون فوق الصفحة أفقية أو عمودية أو مائلة أو منحرفة. كما يحيل هذا المعيار على ثنائية البياض والسواد ، ولاسيما في النصوص الشعرية والسردية. ويحيل كذلك على عالم الأيقونات والمخططات والمؤشرات البصرية التي يزخر بها النص، و يمكن أن تصبح ، بشكل من الأشكال، من معايير التقطيع، والتدليل، والتسوير، والتحديد، والتسييج الموضوعاتي. ويعني هذا أن وجود فراغ بصري ما، أو وجود بياض بجوار السواد، أو ووجود نجمات أو نقط أو دوائر ، أو أشكال أيقونية فاصلة بين النصوص الصغرى أو الكبرى، يمكن اعتمادها لتقطيع المتن إلى مقاطع نصية دالة ومعبرة.

بيد أن المعيار البصري الذي يعد معيارا طبيعيا ومؤشرا ابتدائيا أوليا في عملية التقطيع، يبقى، في بعض الأحيان، غير كاف وغير ضروري لتحديد مقاطع النص أو الخطاب [7]. لذا، يلتجئ الدارس أو محلل النص أو الخطاب إلى معايير أخرى قد تكون فضائية أو صرفية أو نحوية أو تركيبية أو تداولية.. بغية مواجهة النص، وإخضاعه، من ثم، لمنطق التشريح والتركيب.

• الكولاج بالتبئير والتنويع: يهتم هذا الكولاج بتبئير الشخصيات والأحداث والأمكنة والأزمنة، وتنويعها ضمن نسق موحد موضوعيا وعضويا، وضمن بناء مهجن متسق ومنسجم.

11- الكولاج التركيبي: يستند المعيار التركيبي، في تقطيع النصوص والخطابات، إلى مجموعة من الروابط النحوية التي تسهم في تحقيق اتساق النص وانسجامه. ومن بين هذه الروابط: لكن ، على الرغم من، هذا وإن، وعلى العموم، بيد أن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى،ويعني هذا، أي ، والمقصود بهذا، غير أن، وهكذا..

إذاً، تسهم هذه الروابط التركيبية في تبيان المقاطع النصية والخطابية، وتحديدها بشكل جلي وواضح، وتمييزها عن بعضها البعض، وهي تحقق بذلك ما يسمى بالاتصال الانفصالي (Conjonction disjonctive) ؛ حيث " تستعمل على المستوى التركيبي لإبراز علاقة الاتصال بين مقطعين يوجد بينهما تعالق، لكن كل مقطع يتميز من الآخر، ويتحقق ذلك حين ابتداء المقطع اللاحق عن السابق برابط من هذه الروابط.".[8]

ويعني هذا أن هناك مجموعة من المؤشرات والروابط والمحددات النحوية والتركيبية التي تفصل بين المقاطع اتصالا وانفصالا. وقد تكون هذه المقاطع التركيبية مقاطع إثبات، أو مقاطع تضاد ، أو مقاطع تعارض، أومقاطع تناقض ، أو مقاطع تضمن ، أو مقاطع استدلال وبرهنة وحجاج وإقناع ، أو مقاطع شرح وتفسير وتعليل، أو مقاطع إضافة وزيادة، أو مقاطع استنتاج، أو مقاطع شرط وافتراض، أو مقاطع مقارنة وموازنة، أو مقاطع تقويم وحكم، أو مقاطع تأكيد وتقرير، أو مقاطع استشهاد وتمثيل واستنساخ واقتباس وتضمين.. وتضفي الروابط التركيبية المقطعية على النص والخطاب اتساقا وانسجاما ولحمة بنيوية تسمى بالوحدة العضوية والموضوعية.

12- الكولاج بالاتساق والانسجام: يتحقق الكولاج عن طريق مجموعة من الوسائل اللغوية الظاهرة التي تسهم في ترابط النص وتماسكه.ويعني هذا أن اتساق النص يتحدد ابتداء من الجملة الثانية إلى آخر جملة في النص، بالتوقف عند الروابط اللغوية، والتركيبية، والمعجمية، والدلالية، والوظيفية، كأن نحدد روابط الإحالة، وروابط الحذف، وروابط الاستبدال، وروابط السببية، وروابط الوصل، وروابط الاستنتاج، وروابط التعارض.. ويسمى هذا بروابط الاتساق والالتحام التي تتمثل في الضمائر المتصلة والمنفصلة، وأسماء الإشارة، وحروف العطف، والأسماء الموصولة، والتكرار، وأسماء الشرط..

كما يتحقق الكولاج بالانسجام الذي يعني مختلف العمليات الذهنية التي يستعملها المتلقي لإعادة بناء النص وتركيبه من جديد. بمعنى أن المتلقي يستخدم مجموعة من العمليات والإستراتيجيات المنهجية لفهم النص وتفسيره وتأويله، أو تفكيكه وتركيبه. ومن بين هذه العمليات: المشابهة ، والمماثلة، والتأويل، والعنونة، والتغريض، والبنية الدلالية، والمدونات، والمخططات، والسيناريوهات، والأطر، والاستدلال، وغيرها من المفاهيم الضمنية التي تسهم في بناء النص وخلق انسجامه الدلالي والوظيفي.

13- الكولاج الشخوصي والعاملي: يعد المعيار العاملي (المرسل- المرسل إليه- الذات- الموضوع- المساعد- المعاكس)، أو المعيار الشخوصي (الشخصيات الرئيسة أو الثانوية) ، أو المعيار الفاعلي (الفاعل التيماتيكي أو المعجمي أو الكلامي) من أهم المعايير التي يعتمد عليها في الكولاج؛ لأن ظهور فاعل أو عامل أو شخصية في ساحة الأحداث، أو غيابها ليحضر عامل أو فاعل آخر، يسهم - بلا شك- في تحديد المقاطع النصية بشكل مضبوط ودقيق. كما أن الصراع بين العوامل لتحصيل الموضوع المرغوب فيه. بالإضافة إلى ربطها بالبرامج السردية تحفيزا، وتأهيلا ، وإنجازا، وتقويما، يمكن أن يشكل ذلك محددات أساسية في عملية تقطيع النصوص والخطابات. كما أن ربط الشخصيات والفواعل بالأغراض الدلالية والأدوار المعجمية قد يساعد المحلل السيميائي على ضبط عملية التقطيع والتقسيم. ويعني هذا أن هيمنة الشخصية داخل متوالية نصية أو خطابية يجعل من تلك المتوالية وحدة سردية مستقلة بنفسها، يمكن أن تتحول إلى مقطع نصي أو خطابي.

ومن هنا، ترتبط مجموعة من مقاطع الرواية ولوحاتها المتعددة والمهجنة بمجموعة من الشخصيات الفاعلة والعاملة والنامية كشخصية ابن رشد، وشخصية مانويلا، وشخصية السارد الأكبر، وشخصية السي الخلفي، وشخصية رشدي الجابر، وشخصية صابر، وشخصية ابن عربي، وشخصية خديجة أعراب، وشخصية روز، وشخصية حي بن يقظان، إلخ..

خاتمة:

وخلاصة القول، يسهم الكولاج في اتساق النص الروائي وانسجامه، وفي تحقيق الوحدة الموضوعية والعضوية. كما يقوم الكولاج بدور مهم في تركيب النص بنيويا وعضويا، وخلق لحمته الداخلية، وبناء نسيجه النصي الخارجي، باستثمار تقنيتي التقطيع والتركيب من جهة، وربط البداية بالنهاية من جهة أخرى، وتحويل النص إلى بناء متسق ومنسجم ، أو تفكيكه إلى لوحات ومشاهد ومتواليات سردية مشذرة ومقطعة لها جمالياتها الإبداعية الخاصة بها.

 

جميل حمداوي

.............................

[1] - د.حسن المنيعي: المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة،منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ ظهر المهراز، فاس، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص:69.

[2] - محمد مسكين: (المسرح النقدي بين الديكور والكولاج المسرحي)، جريدة أنوال الثقافي، المغرب،بتاريخ 9مايو 1987م، ص:3؛

[3] - دمحمد جلال أعراب: خطاب التأسيس في مسرح النقد والشهادة، مطبعة تريفة، بركان،المغرب، الطبعة الأولى ، سنة 2009م، ص:27-28؛

[4] - محمد مسكين: (المسرح النقدي بين الديكور والكولاج المسرحي)، جريدة أنوال الثقافي، المغرب،بتاريخ 9مايو 1987م، ص:3؛

[5] - أحمد المخلوفي: شعلة ابن رشد، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م، صص:16-18.

[6] - Greimas, A.J : Maupassant, la sémiotique du texte, Seuil, Paris, 1976, p : 19.

[7] - Greimas, A.J Op.Cit, p: 19.

[8] - عبد المجيد نوسي: التحليل السيميائي للخطاب الروائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م ، ص:15.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4838 المصادف: 2019-12-04 01:03:14