 قراءات نقدية

الرؤية المجازية وعلاقتها بالبيان والبرهان والعرفان

جميل حمداويالمقدمة: من المعروف أن المجاز هو مفهوم بلاغي شائك.وغالبا، ما يرتبط بمفهوم الصورة البيانية القائمة على المماثلة والمشابهة. ويتقابل المجاز معرفيا ومفاهيميا مع  الحقيقة.وبالتالي، فهو يحيل على التجاوز، والخرق، والتصرف، والتوسع، والانزياح، والخروج عن الواقع المألوف و دائرة المواضعة العرفية. بمعنى أن المجاز هو الغرابة الإبداعية، وانتهاك الأصل الحقيقي، بتخطي الواقع نحو اللاواقع. ومن ثم، يتأسس المجاز على الاندهاش، والتعجب، والحيرة، والتمرد عما هو واقعي ومعياري ومألوف في عالمي المنطق والقوانين، بالانزياح عنهما، بالانسياق وراء العوالم التخييلية الممكنة.ومن هنا، يلتقي المجاز مع التخييل الشاعري بتكسير القواعد والأنماط المعودة.

إذاً، كيف كان تصور البيانيين والبرهانيين والعرفانيين لثنائية الحقيقة والمجاز  في الثقافة العربية الإسلامية؟ وما مستندهم المرجعي والفكري والإبستمولوجي في ذلك؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في المطالب التالية:

المطلب الأول: المجاز البياني

يقصد بالفكر البياني ذلك المنتج الديني والأدبي والبلاغي والفقهي والأصولي والكلامي الذي أنتجه العلماء المسلمون إبان العصر الوسيط (العصر العباسي). ويعني هذا أن العلماء الذين كانوا يرتبطون بهذه المنتجات كانوا يفكرون تفكيرا بيانيا، بالتركيز على اللغة بمختلف سياقاتها التداولية، والتأرجح معرفيا بين دلالاتها الظاهرة والمجازية. بمعنى أن هؤلاء كانوا يفسرون النصوص والظواهر الدينية والأدبية والبلاغية والدينية والكلامية تفسيرا بيانيا يرتبط بثنائية اللفظ والمعنى.

وهكذا، فلقد تأسس علم أصول الفقه، مثلا، في الثقافة العربية الإسلامية، على دراسة الدلالات اللغوية في ضوء رؤية بيانية محضة. ويعني هذا أنه من الصعب العثور على كتاب أصولي لا يتناول الدلالات اللغوية؛ لأن الاستنباط والاجتهاد مرتبطان بالنص الشرعي من جهة، وبلغة الخطاب الشرعي من جهة ثانية. ويعني هذا أن الدلالات اللغوية الأصولية ذات طبيعة لغوية ومنطقية وسيميائية على حد سواء، مادامت تدرس علاقة الدال بالمدلول، والمطابقة بين الدلالة والاستدلال، أو بين طرائق دلالة اللفظ على المعاني، وطرائق تصرف العقل فيها[1]. وفي هذا الصدد، يقول محمد عابد الجابري:" إذا تصفحنا أي كتاب من الكتب المؤلفة في أصول الفقه، قديمة كانت أو حديثة، فإننا سنجد" أبواب الخطاب" أو "المبادئ اللغوية" حسب تعبير القدماء أو" القواعد اللغوية" حسب تعبير بعض المعاصرين، تشغل عادة ما لايقل عن ثلث حجم الكتاب.وهذا شيء يجد تبريره في تصورهم لموضوع عملهم ذاته. ذلك لأنه إذا كان علم أصول الفقه يدرس، أساسا، " وجوه دلالة الأدلة على الأحكام الشرعية"- والأدلة هنا هي أساسا النصوص: القرآن والسنة- فإن الشاغل الأول والرئيسي لأصحاب هذا العلم سيكون، بالضرورة، هو ضبط العلاقة بين اللفظ والمعنى في الخطاب الذي يتعاملون معه: الخطاب الشرعي.وبما أن هذا الخطاب قد ورد بلسان عربي فإن عملية " الضبط" تلك ستمتد بالضرورة إلى هذا اللسان ككل."[2]

ويعني هذا أن هم الأصولي هو التسلح باللغة العربية، والتمكن من أساليب العرب من أجل فهم النصوص الشرعية، وبناء علم أصول الفقه إن نظرية، وإن تطبيقا.

ومن جهة أخرى، فلقد أعطى الأصوليون أهمية كبرى للحقيقة والمجاز في كتبهم الأصولية من أجل استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية؛ لأن الأحكام الشرعية والفقهية قد تستنبط من سياقاتها الحقيقية، أو من سياقاتها المجازية.وبهذا، تكون ثنائية الحقيقي والمجازي قد تحكمت في مختلف مواضيع أصول الفقه إلى يومنا هذا.لذا، فلقد أدرج علماء الأصول مبحث المجاز والحقيقة ضمن ما يسمى بباب الدلالات. وفي هذا الصدد، يقول أبو الحسن البصري في مستهل كتابه:" أعلم أنه لما كانت أصول الفقه هي طرق الفقه وكيفية الاستدلال بها وما يتبع كيفية الاستدلال بها، وكان الأمر والنهي والعموم من طرق الفقه، وكان الفصل بين الحقيقة والمجاز تفتقر إليه معرفتنا بأن الأمر والنهي والعموم ما الذي يفيد على الحقيقة وعلى المجاز، وجب تقديم أقسام الكلام وذكر الحقيقة منه والمجاز وأحكامهما وما يفصل به بينهما على الأوامر والنواهي ليصح أن نتكلم في أن الأمر إذا استعمل في الوجوب كان حقيقة. ثم الحروف، لأنه قد يجري ذكر بعضها في أبواب الأمر فلذلك قدمت عليها. ثم نقدم الأوامر والنواهي على باقي الخطاب، لأنه ينبغي أن يعرف فائدة الخطاب في نفسه. ثم نتكلم في شمول تلك الفائدة وخصوصها وفي إجمالها وتفصيلها. ونقدم الأمر على النهي لتقديم الإثبات على النفي، ثم نقدم الخصوص والعموم على المجمل والمبين، لأن الكلام في الظاهر أولى بالتقديم من الخفي. ثم نقدم المجمل والمبين على الأفعال، لأنهما من قبيل الخطاب، ولأن المجمل كالعموم في أنه يدل على ضرب من الإجمال، فجعل معه. وتقدم الأفعال على الناسخ والمنسوخ، لأن النسخ يدخل الأفعال ويقع بها كما يدخل الخطاب. ونقدم النسخ على الإجماع، لأن النسخ يدخل في خطاب الله سبحانه وخطاب رسوله صلى الله عليه دون الإجماع. ونقدم الأفعال على الإجماع، لأنها متقدمة على النسخ، والنسخ متقدم على الإجماع، ولأن الأفعال كالأقوال في أنها صادرة عن النبي صلى الله عليه و سلم. وإنما قدمنا جملة أبواب الخطاب على الإجماع، لأن الخطاب طريقنا إلى صحته، ولأن تقديم كلام الله سبحانه وكلام نبيه أولى. ثم نقدم الإجماع على الأخبار، لأن الأخبار منها آحاد ومنها تواتر. أما الآحاد فالإجماع أحد ما يعلم به وجوب قبولها، وهي أيضا أمارات، فجاورنا بينها وبين القياس. وأما المتواتر فإنها وإن كانت طريقا إلى معرفة الإجماع، فانه يجب تأخيرها عنه كما أخرناها عن الخطاب لما وجب أن نعرف الأدلة. ثم نتكلم في طريق ثبوتها، وإنما أخرنا القياس عن الإجماع، لأن الإجماع طريق إلى صحة القياس...ثم يأتي بعد ذلك الكلام في الحظر والإباحة ثم أخيرا الكلام في المفتي والمستفتي والإصابة في الاجتهاد، وبذلك تختم أبواب أصول الفقه عادة.[3]"

يتبين لنا أن أبا الحسن البصري قد اهتم كثيرا بالدلالات اللغوية التي تسعف الفقيه والأصولي في استنباط الأحكام الشرعية، بالتركيز على الحقيقة والمجاز؛ لأن كثيرا من الأحكام الشرعية والفقهية تنبني على ثنائية الحقيقة والمجاز، ولاسيما في باب الأمر والنهي.

ومن هنا، يتضح لنا أن علم أصول الفقه قد اعتمد على مستند لغوي وبياني محض، مادام هذا العلم يركز كثيرا على الدلالات اللغوية، كما يبدو ذلك جليا في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، ولسان العرب. كما يبحث الحقيقي والمجازي عن مختلف العلاقات الموجودة بين الدال والمدلول، أو بين اللفظ والمعنى من أجل استثماره في بناء الخطاب الشرعي الأصولي. وبهذا، يكون المنهج الأصولي بياني بشكل خاص، مادام يستثمر الدلالات اللغوية في بناء الحكم الشرعي والتكليفي.

ويعني هذا أن المجاز والحقيقة لهما مصدر إبستمولوجي بياني ولغوي في ثقافة العصر الوسيط، وقد تمثله رجال الفقه وأصوله، ورجال الأدب ونقده، وعلماء اللغة والنحو، وعلماء الكلام من معتزلة، وأشاعرة، وماتريدية.أي: يُحلل المجاز البلاغي في ارتباط بالحقيقة المنسوبة إلى الواقع من منظور بياني لغوي محض، فيراعى في ذلك وضع اللفظ في لسان العرب، أو البحث في توافقه مع عادة الأعرابي في تلفظه وتواصله.ومن هنا، تستند ثنائية الحقيقة والمجاز إلى ثنائية اللفظ والمعنى من جهة، وإلى ثنائية الأصل والفرع من جهة أخرى.بمعنى أن الحقيقة أصل، والمجاز فرع، والعلاقة بينهما علاقة استبدال، ومشابهة، ومماثلة، ومقارنة، وتأويل. وبالتالي، يخضع إشكال الحقيقة والمجاز لثنائية اللفظ والمعنى من جهة، وثنائية الأصل والفرع من جهة أخرى. وفي هذا، يقول الجابري:" إذا نظرنا إلى البحث الأصولي من الزاوية الإبستمولوجية المحض، وفي ضوء هذا الوصف الذي قدمناه لبنية علم الأصول، أمكن القول بدون تردد، إنه، أساسا، بحث في الدلالة، دلالة النص ودلالة معقول النص.أما البحث في دلالة النص، فقوامه عملية استقراء واسعة لأنواع العلاقات التي تقوم بين اللفظ والمعنى في الخطاب البياني قصد ضبطها وصياغتها في قواعد.وأما البحث في دلالة معقول النص أو معنى الخطاب، حسب تعبير بعض الأصوليين، فيدور حول محور رئيسي واحد هو القياس.والقياس الفقهي هو تمديد حكم الأصل (ما ورد فيه نص) إلى الفرع (ما لم يرد فيه نص) باعتماد معقول ذلك النص نوعا من الاعتماد.وإذاً، فهناك مستويان متمايزان، ولكن متكاملان، في البحث الأصولي: المستوى الذي محوره اللفظ/ المعنى في علاقتهما الثنائية كزوج، والمستوى الذي محوره الأصل/ الفرع والذي يحتل فيه الزوج اللفظ/ المعنى موقع الأصل."[4]

إذاً، يقاس المجاز على الحقيقة، كما يقاس المعنى على اللفظ، ويقاس المقيس على المقيس عليه، أو يُحمل الفرع على الأصل لوجود علة مشتركة.أي: يتحول الأصل إلى الفرع لوجود مشابهة ما، كأن يتحول الحقيقي إلى المجازي، فقد كانت الزكاة في الجاهلية تعني الزيادة والنمو.ومن بعد ذلك، أخذت معنى مجازيا في الإسلام بأنها قدر مادي معلوم يُدفع كل حول، إذا وصل ذلك القدر النصاب الشرعي.

إذاُ، يستند الحقيقي والمجازي إلى ثنائيتين بنيويتين هما: ثنائية اللفظ والمعنى المتعلقة بالدلالات اللغوية التي تساعد الأصولي على استنباط الأحكام الشرعية، وثنائية الأصل والفرع التي تحيلنا على القياس من جهة، والاجتهاد من جهة ثانية. وبما أن عمل الأصولي لغوي محض، مادام يعنى بدراسة الدلالات اللغوية للوصول إلى الأحكام الشرعية، فعمله، إذاً، بياني بامتياز. ويخالف هذا ما يقوم به الفلاسفة الذين يعنون بالبرهان والاستدلال المنطقي في بناء المعرفة الميتافيزيقية .في حين، يعتمد أصحاب الولاية والتصوف على القلب والعرفان الوجداني واللدني.

ولقد كان تناول الأصوليين للدلالات اللغوية والبلاغية (الحقيقة والمجاز) من منطلق لغوي بياني محض، سواء أكان ذلك من الناحية النظرية أم من الناحية التطبيقية. وغالبا، ما كان يقترن انشغال البيانيين بالحقيقة والمجاز بمناقشة قضية الأسماء الشرعية وفق سياقها الحرفي والإيحائي. وفي هذا الصدد، يقول الجابري:" فإن النقاش حولها يرجع في أصله إلى تمييز المعتزلة والخوارج وبعض الفقهاء بين ثلاثة أصناف من الأسماء: الأسماء اللغوية التي تدل على ما وضعت له أول مرة كرجل وحجر إلخ، أو على ما خصصت له بالعرف والاستعمال مثل الدابة التي تدل في أصل الوضع اللغوي على كل ما يدب على الأرض، ثم خصصها العرف والاستعمال على ذوات الأربع.والأسماء الدينية أي التي تحمل معنى دينيا كلفظ الإيمان، ولفظ الكفر، ولفظ الفسق، إلخ...والأسماء الشرعية كالصلاة التي تدل لغة على الدعاء وشرعا على جملة الأفعال والأقوال المعلومة. ويبدو أن الذي أثار المشكل أول مرة هو القاضي الباقلاني أحد أقطاب الأشاعرة.لقد اعترض على القول بأن الشارع نقل الأسماء الشرعية هذه من معناها الذي تواضعت العرب عليه، وهو المعنى اللغوي إلى معنى آخر شرعي، محتجا بأن هذه الأسماء وردت في القرآن، والقرآن نزل بلغة العرب كما نص على ذلك هو نفسه، وبالتالي فلا بد أن تكون معاني هذه الأسماء الشرعية مما كان يعرفه العرب من لغتهم وإلا لم تكن عربية. والشارع لم ينقل هذه الأسماء من معنى إلى معنى آخر، بل أبقاها على معناها اللغوي الأول، ثم شرط أمورا أخرى تنضم إلى ذلك المعنى، وبه أصبحت شرعية .فالصلاة لغة : الدعاء، وفي الشرع دعاء اشترط الشارع فيه الركوع والسجود وقراءة الفاتحة إلخ...هذا ويبدو أن المسألة في أصلها مسألة كلامية ، أعني تنتمي إلى علم الكلام. فالمعتزلة الذين يقولون بالتأويل. أي: بضرورة نقل المعنى اللغوي في الآيات المتشابهات التي تفيد التجسيم إلى معناها اللغوي إلى معنى شرعي خاص.أما الأشاعرة الذين يعارضون التأويل كما يمارسه المعتزلة، فقد كان عليهم أن يفسدوا حجة خصومهم تلك، وقد تولى الباقلاني ذلك كما رأينا."[5]

ولقد نوقشت ثنائية الحقيقة والمجاز، في الفقه وعلم الكلام، مناقشة بيانية، بالتأرجح بين الدلالة الوضعية الحقيقية الأصلية والدلالة المجازية الفرعية، على أساس أن الحقيقة الوضعية هي الأصل والدلالة المجازية هي الفرع أو العكس صحيح أيضا؟ ومن هنا، وقع الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين : هل المعول في هذا على الحقيقة أم على المجاز؟ وفي هذا، يقول عابد الجابري:" اللفظ باعتبار المعنى الذي استعمل فيه ضمن سياق معين صنفان: حقيقة ومجاز.فاللفظ يكون على الحقيقة إذا دل على المعنى المتعارف عليه بالاصطلاح اللغوي، ويكون على المجاز إذا كانت هناك قرينة تجعله يدل على معنى آخر غير معناه المتعارف عليه بالاصطلاح اللغوي.ولكل أقسام وأحكام.فالحنفية مثلا يرون أن المجاز طريق من طرق أداء المعنى مثله مثل الحقيقة.أما الشافعية، فيرون أن اللفظ لايكون مجازا إلا إذا تعذر حمله على الحقيقة، وبالتالي فدلالته دلالة " ضرورة"، فلا يكون له عموم وإنما يتناول به أقل ما يصح من الكلام...

واختلفوا كذلك في استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي في إطلاق واحد.فلفظ" اللمس" في قوله تعالى:﴿ أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (النساء43) يفيد اللمس باليد (الحقيقة) كما يفيد الوطء (المجاز).قال الشافعية إنه لامانع من إرادة المعنيين معا، وقال الحنفية إن المراد هو المعنى المجازي وحده مستدلين على ذلك، من الناحية اللغوية، بكون التعبير عن اللمس جاء على صيغة المفاعلة (الملامسة)، وهي صيغة ترجع المعنى المجازي ( لامس المرأة) على المعنى الحقيقي (لمس جسم المرأة)."[6]

إذاً، ترتبط ثنائية الحقيقة والمجاز بثنائية اللفظ والمعنى. بمعنى أن هناك لفظا حقيقيا ولفظا مجازيا.وهناك أيضا معنى حقيقي ومعنى مجازي.وبالتالي، فلقد كان المنطلق البياني من اللفظ إلى المعنى، ومن الحقيقة إلى المجاز، ومن الأصل إلى الفرع.ولم يكن إشكال اللفظ والمعنى خاصا بعلم اللغة والنحو والفقه وأصول الفقه فحسب، بل تعدى ذلك إلى الأدب، والبلاغة، وعلم الكلام.

ومن هنا، فلقد تعامل علماء الكلام، من معتزلة، وأشاعرة، وماتريدية، مع ثنائية الحقيقة والمجاز عندما تعاملوا مع ثنائية المحكم والمتشابه في إطار تأويل بياني ولغوي محض.وفي هذا، يقول الجابري:" التأويل في الفكر العربي الإسلامي يخص الخطاب القرآني أساسا. وإذا كان علماء أصول الفقه قد اهتموا أكثر من غيرهم بوضع قوانين لتفسير هذا الخطاب، فإن علماء الكلام قد اهتموا إلى جانب ذلك بوضع حدود لـ" التأويل"، وذلك بربطه بوجوه البيان أي بأنواع العلاقة التي تقوم بين اللفظ والمعنى في الأساليب العربية. وعلى الرغم  من الاختلاف بين المعتزلة وأهل السنة، من أشاعرة وغيرهم، حول التأويل ومدى اعتماد العقل فيه، فإنهم كانوا جميعا يتقيدون بالحدود التي تسمح بها وجوه البيان في التأويل ولا يتعدونها، مما جعل تأويلهم يبقى دائما تأويلا بيانيا يقف في الطرف المقابل لنوع آخر من التأويل يخترق حدود البيان العربي ليحول النص القرآني إلى جملة رموز وإشارات يضمنها أفكارا ونظريات تجد مصدرها في الفلسفات الدينية القديمة والهرمسية منها بصفة خاصة.إنه التأويل العرفاني الذي مارسه الشيعة والمتصوفة ومختلف التيارات الباطنية في الإسلام."[7]

ويعني هذا أن التأويل عند علماء الكلام قد ارتبط ارتباطا وثيقا بثنائية الحقيقة والمجاز، ولكنه تأويل بياني لغوي محض، لم يخرج عن قيود اللفظ والمعنى.

ومن ناحية أخرى، فلقد تأسس الفقه أيضا على ثنائية الحقيقة والمجاز من جهة، وثنائية اللفظ والمعنى من جهة أخرى. وفي هذا، يقول الجابري:" أما في مجال الفقه، فلقد كان من نتائج إعطاء الأولوية للفظ على المعنى أن أخذ الفقهاء يشرعون للفرد والمجتمع انطلاقا من تعقب طرق دلالة الألفاظ على المعاني، أي من المواضعة اللغوية على مستوى الحقيقة والمجاز معا فأهملوا ، أو على الأقل همشوا إلى درجة كبيرة، مقاصد الشريعة كما لاحظ ذلك الشاطبي، فأصبحت مقاصد اللغة - إذا جاز التعبير- هي المتحكمة. وهكذا فعوضا عن بناء التشريع على قواعد كلية تستخلص من الأحكام الشرعية الجزئية وتعتمد توخي المصلحة العامة، التي تتطور بتطور العصور، كما نادى الشاطبي بذلك ، بدلا من سلوك هذا المسلك العقلي رهن الفقهاء التشريع بقيود العلاقة بين اللفظ والمعنى، وهي علاقة محدودة مهما يكن من اتساع لسان العرب، فكان لابد أن يتقوقع التشريع ضمن حدود معينة لايتعداها، مما جعل من اللفظ وطرق دلالته على المعنى- الطرق المحدودة المحصورة بالمواضعة التي أقرت في فترة معينة- كان لابد أن ينتهي إلى استنفاذ جميع الإمكانيات التي تتيحها اللغة، وهي إمكانيات محدودة، خصوصا واللغة المعتمدة هنا لغة محدودة، لغة العرب قبل وقوع الاختلاط.هذا في حين أنه لو أسس التشريع أصلا على مقاصد للشريعة، وهي مقاصد تؤسسها المصلحة العامة والمثل العليا، وليس المواضعة اللغوية، لما انغلق باب الاجتهاد سيصبح معناه حينئذ تحجيم مقاصد الشريعة وتجميدها، وبالتالي تركها والخروج عنها ، وهذا ما حصل بالفعل لأنه لم يكن من الممكن تجميد تطور الحياة ضمن قوالب اللغة، لأنه لم يكن في وسع دلالة الألفاظ على المعنى تغطية جميع ما يستجد من تطورات عبر العصور والأجيال، فكانت النتيجة اللجوء إلى اتخاذ الفروع أصولا والقياس عليها والسقوط بالتالي في إشكالية لاحل لها، إشكالية التعليل في الفكر البياني."[8]

ويعني هذا أن أصول الفقه لم يجدد، بشكل كبير، مواضيعه النظرية والتطبيقية، مادام يستند إلى مباحث اللغة من جهة، ويعتمد كليا على العقل البياني من جهة أخرى.وبالتالي، لم يؤسس العلماء أصول الفقه على مقاصد الشريعة الإسلامية التي تتجدد بتجدد العصور والأمكنة والأجيال، كما يتبين ذلك بشكل جلي عند أبي إسحق الشاطبي في كتابه (الموافقات في أصول الشريعة)[9].

ويرى الجابري أن بناء أصول الفقه على البيان اللغوي خطأ منهجي وإبستمولوجي جسيم.وفي هذا الإطار، يقول الباحث:" والخطأ الذي وقع فيه البيانيون، فيما نعتقد، هو أنهم جعلوا من وسائل التنبيه التي يستعملها القرآن قواعد للاستدلال ومنطقا للفكر، ولكن لا باتخاذ النص القرآني سلطة مرجعية وحيدة بل بقراءته بواسطة سلطة مرجعية أخرى هي عالم الأعرابي عالمه الطبيعي والفكري الذي تحمله معها اللغة العربية التي جعلوا منها مرجعية حكما، بدعوى أنها اللغة التي نزل بها القرآن.[10]"

وهكذا، نجد علماءنا القدامى قد درسوا ثنائية الحقيقة والمجاز وفق المنظور البياني الذي يرتبط بمبحث الدلالات اللغوية ، بتمثل لغة العرب من جهة، والاقتداء بأساليب العرب في كلامهم وتواصلهم من جهة أخرى.

المطلب الثاني: المجاز البرهاني

يرتبط الخطاب البرهاني بالفلاسفة المسلمين الذين وظفوا القياس العقلاني الذي ينطلق من المقدمات اليقينية، ويصل إلى النتائج اليقينية، كما يبدو في كتابات كل من الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد.بمعنى أن البرهانيين منطقيون وعقلانيون على حد سواء. ويرون أن العقل هو السبيل الوحيد من أجل الوصول إلى الحقيقة الربانية ، وقد تأثروا في ذلك بالفلسفة الأرسطية بشكل خاص.ومن ثم، يرتكز البرهان كثيرا على علم المنطق باعتباره معيارا للفلسفة من جهة، وأداة لاكتشاف الحقيقة من جهة أخرى.لذا، يعتمد البرهان على الاستقراء، والاستدلال، والاستنباط، والقياس المنطقي.

وعليه، فلقد تعامل الفلاسفة مع ثنائية الحقيقة والمجاز تعاملا فلسفيا برهانيا وعقلانيا ومنطقيا، ولم يتعاملوا معها تعاملا بيانيا أو عرفانيا. وقد أعطى الفلاسفة الأسبقية والأولوية للمعنى على اللفظ، كما يبدو ذلك واضحا عند الفارابي الذي كان يحتكم إلى الواقع، وليس إلى النصوص والافتراضات.في حين، أعطى البيانيون الأولوية للفظ على المعنى. ويعني هذا أن الفلاسفة يعطون الأولوية للحقيقة على المجاز، أو للمعطى الحسي على الصورة الذهنية والمجازية. وفي هذا الصدد، يقول الفارابي:" فإذا استقرت الألفاظ على المعاني التي جعلت علامات لها...صار الناس بعد ذلك إلى النسخ والتجوز في العبارة بالألفاظ، فعبر عن المعنى بغير اسمه الذي جعل له أولا، وجعل الاسم الذي كان لمعنى ما راتبا له دالا على ذاته، عبارة عن شيء آخر متى كان له به تعلق ولو كان يسيرا إما لشبه بعيد وإما لغير ذلك...فتحدث حينئذ...والتوسع الاستعارات والمجازات في العبارة بتكثير الألفاظ، وتبديل بعضها ببعض وترتيبها وتحسينها، فيبتدئ حينذاك في أن تحدث الصناعة الخطبية أولا ثم الشعرية قليلا قليلا.[11]"

ويعني هذا أن اللغة قد انتقلت من الحقيقة إلى المجاز، وقد ساهم المجاز في إغناء اللغة وإثرائها بالتجوز، والتصرف، والنسخ، والتوسيع، والتكثير، والتبديل...وأكثر من هذا، فلقد ربطوا المجاز بالوظائف المنطقية والفلسفية والعقلية والبرهانية أكثر من الاهتمام بالوظائف البيانية والعرفانية والنحوية والبلاغية.لذا، يقترن المجازي والحقيقي بالقياس الذي يجري على مستوى المعاني، وليس على مستوى الألفاظ.وبذلك، تترسخ المعاني في الذهن والعقل.ومن هنا، يتحول المجاز إلى عملية استدلالية وحجة برهانية.وبالتالي، يحيلنا الحقيقي والمجازي على المادة والصورة، فتربط الصورة المجازية بالعقل، وليس بالخيال والبيان والوجدان، فتتقابل الألفاظ مع المعقولات.ثم، يخضع هذا كله لتأويل عقلاني وبرهاني.

وينبني المجاز على التأويل عند ابن رشد من خلال تحويل الظاهر إلى الباطن المجازي وفق مبدأ التجوز،" ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازة- من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عدت في تعريف أصناف الكلام المجازي.[12]"

ويعني هذا أن التأويل عند ابن رشد هو تأويل فلسفي برهاني يقوم به الفلاسفة، بالانتقال من الظاهر إلى الباطن، والانتقال من الحقيقة إلى المجاز.أي: وجود تقابل بين الحقيقة والمجاز، فالحقيقة أصل، والمجاز فرع.ومن هنا، تتحول الحقيقة إلى مجاز عن طريق التأويل والتجوز. وينبني التجوز المجازي على المشابهة، أو السببية، أو المقارنة. وهنا، يتحدث ابن رشد عن المجاز الاستعاري والمجاز المرسل.ويدل هذا كله على أن المجاز متعدد الدلالات على عكس المعنى الحقيقي الذي يحمل دلالة واحدة.أي: هناك المعنى الواحد والمعنى المتعدد الذي يمكن فهمه بالتأويل

ويقول ابن رشد في كتابه (الضروري في أصول الفقه)، وهذا الكتاب هو مختصر كتاب (المستصفى) للإمام أبي حامد الغزالي:" والألفاظ، سواء كانت أسماء أو حروفا أو أفعالا أو مفردة أو مركبة، منها ما يفهم عنها بصيغها في كل موضع معنى واحدا أبدا، وهذه بعض ما يعنون بالنص في هذه الصناعة، ولنسمه نحن النص من جهة الصيغ.ومنها ألفاظ يمكن أن يفهم عنها أكثر من معنى واحد، وهذه إذا كانت دلالتها على جميع المعاني بالسواء، حتى لايفهم أحدها إلا بدليل أو قرينة فهو أيضا بعض ما يعنون بالمجمل في هذه الصناعة، ولنسمه نحن مجملا من جهة الصيغ. ومن هذه الألفاظ ما يقال من أول الأمر على شيء آخر لشبهه بالمعنى الأول، أو يبدل بعضها مكان بعض اتكالا في ذلك على قرينة تفهم المعنى المستعار أو المبدل. وهذه إذا وردت خلوا من القرائن حملت على وضعها الأول، وهي بعض ما يعنون في هذه الصناعة بالظاهر، ولنسمه نحن على عادتنا الظاهر من جهة الصيغ.وإذا دلت القرائن على استعارتها أو تبديلها، فهو بعض ما يسمى في هذه الصناعة مؤولا، ولنسمه المؤول من جهة الصيغ.وفي هذا الصنف تدخل الأسماء العرفية، وهي أسماء استعملت في الوضع على أشياء ثم نقلت في الشرع إلى أشياء أخرى لشبهها بالمعاني الأول أو لتعلقها بها بوجه من أوجه التعلق، وهذه إذا وردت في الشرع كانت ظاهرة في المعاني الشرعية، ولم تحمل على المعاني اللغوية إلا بتأويل."[13]

يشير ابن رشد إلى أن المجاز قوامه الاستعارة، والاستبدال، والتجوز، والخضوع لعملية التأويل العقلاني والبرهاني.

إذاً، يقوم المجاز على الاستعارة من جهة، والاستبدال من جهة أخرى.  وفي هذا، يقول ابن رشد: " وأما القسم الثاني من أقسام الألفاظ الظاهرة فهي المبدلة، ونعني هنا بالمبدلة إبدال الكلي مكان الجزئي، والجزئي مكان الكلي.وعلى التحقيق فالتبديل يلحق جميع الألفاظ المستعارة، ثم تنقسم هذه الأقسام التي أحصيناها، لكن رأينا أن نخص هذا الصنف باسم التبديل، أعني الكي والجزئي، وإن كان في الحقيقة كل مبدل مستعار وكل مستعار مبدل.[14]"

وعليه، نلاحظ أن مبحث الحقيقة والمجاز قد بني عند الفلاسفة على أساس عقلاني برهاني بامتياز.

المطلب الثالث: المجاز العرفاني

يرتبط العرفان بالمتصوفة الذين يدركون الحقيقة الربانية بالحدس، والذوق، والكشف، والقلب.بمعنى أن المتصوفة يرفضون الأخذ بالنص الظاهر والبرهان العقلاني من أجل الوصول إلى الذات الربانية؛ لأن ماهو روحاني لايمكن إدراكه بالنص والعقل معا، بل لابد من استخدام آليتي الكشف والإلهام. ومن هنا، فأهل التصوف هم أهل عرفان، ووجدان، ووصال. وقد اعتمد المتصوفة على المنهج الهرمسي الذي اختلط بالتشيع، والفكر الباطني، والتصورات الغنوصية.بمعنى أن الفكر الصوفي عبارة عن خليط من المؤثرات الداخلية والخارجية؛ حيث تتقاطع فيه مجموعة من العقائد كالمسيحية، والبوذية، واليهودية، والشيعية، والباطنية.ومن الصعب الحديث عن توجه أو منزع صوفي نقي من المؤثرات الخارجية. ومن هنا،" فالعرفان هو في جانب منه موقف من العالم، موقف نفسي وفكري ووجودي، لا بل موقف عام من العالم يشمل الحياة والسلوك والمصير: والطابع العام الذي يسم هذا الموقف هو الانزواء والهروب من العالم والتشكي من وضعية الإنسان فيه وبالتالي الجنوح إلى تضخيم الفردية والذاتية، تضخيم " العارف" لـ" أنا" ـه.

ينطلق هذا الموقف، أول ما ينطلق، من القلق والشعور والخيبة إزاء الواقع الذي يجد العارف نفسه ملقى فيه: الواقع الذي يعيش فيه كنفس مقيدة في بدن، وكفردية مؤطرة في مجتمع حيث لايلقى إلا ما ينغص ويكدر، إلا ما يجعله يشعر بأنه محاصر ومستعبد، فيبدو العالم له شرا كله، وتصبح مشكلته الأساسية بل الوحيدة هي مشكلة الشر في العالم: لما كان العالم يحتوي على الشر؟ لماذا يطغى فيه الشر؟ وما مصدره؟[15]"

وما يهمنا في هذا المجال هو الحقيقي والمجازي في الخطاب الصوفي، ويتجلى ذلك جليا في المصطلح الصوفي الذي يتخذ وجهين: وجها ظاهريا سطحيا، يدركه عامة الناس عن طريق النص أو النظر العقلي، ووجها باطنيا لايدركه سوى الخاصة من علماء الباطن والسلوك الذوقي اعتمادا على العرفان، والقلب، والحدس. وينتج عن هذا أن للمصطلح الصوفي دلالتين: دلالة حرفية حقيقية لغوية ظاهرية، ودلالة مجازية إيحائية رمزية قائمة على الانزياح والخرق، وتستوجب هذه الدلالة الرمزية المجازية استخدام التأويل لشرح المعاني وتفكيكها. علاوة على ذلك يستخدم الصوفي، في بوحه، وكشفه، وتجلياته، وشطحاته، وكراماته، وكتاباته الوجدانية ، مجموعة من الخطابات التعبيرية منها: الكتابة الشعرية ، و الكتابة النثرية ، والكتابة المقطعية الشذرية ، والكتابة  السردية المناقبية، والكتابة الفلسفية ، وقد يختار كذلك ضمن وسائل الكتابة إما الكتابة الدينية، وإما الكتابة الجدلية. كما ينوع المتصوف أساليبه في التعبير والتصريح والكشف. وغالبا، ما يختار أسلوب المجاز، والتلميح، والإضمار، والإبهام، والإغراب، والغموض، والإيجاز، والإشارات، بدل توظيف أسلوب الوضوح، والبيان، والإظهار. لذلك، يجد الصوفي صعوبة كبيرة في  إيصال الرسالة إلى المتلقي البسيط ، ويفشل في عملية التبليغ وتوصيل التجربة العرفانية الذوقية إلى عموم الناس؛ بسبب عجز اللغة التواصلية التي تمتاز بالمفارقة التعبيرية الناتجة عن قلة الألفاظ، وكثرة المعاني. لذلك، يلتجئ المتصوف، في كتابته التعبيرية، إلى المجاز الموحي، والانزياح اللغوي، والخرق الشاعري، واستخدام اللغة الرمزية المجردة، والإكثار من الاشتقاق اللغوي، وتوظيف طاقة التوليد، والاستعانة بتقنية التوسع والتجوز والتصرف.

ومن المشاكل التي يثيرها المصطلح الصوفي هو تعدد المعاني الصوفية؛ بسبب تعدد التجارب الذوقية الفردية والجماعية، واختلاف المصطلح الصوفي على المستوى الدلالي من متصوف إلى آخر تبعا لاختلاف الممارسة ومدارج المجاهدة المقامية والحالية. ولاينتج هذا التعدد في المعنى إلا عن طريق اللفظ المشترك، واستخدام المجاز، والتضاد، والترادف. ويعني هذا أن هناك توسعا دلاليا بدلا من التخصيص والتضييق الدلالي.أي: يغلب الانزياح المجازي كثيرا على المصطلح الصوفي؛ مما يجعل المعجم الصوفي يعاني من التسيب والمرونة الموسعة في الاصطلاح والتأويل. كما يعود هذا المشكل إلى اللغة الإنسانية في تعبيرها عما هو وجداني وحدسي وفني، فتجدها قاصرة وعاجزة عن التبليغ والتعبير وتحقيق الوظيفة التواصلية. لذا، يعمد المتصوف إلى استخدام لغة الرموز والإشارات والعلامات. وهذا ما يجعل الخطاب الصوفي خطابا غير منجز وغير كامل بسبب الإضمار، والحذف، والإيجاز، والتكثيف الدلالي. ويستوجب هذا كله أن يتسلح الباحث الدارس أو المتلقي الواعي بتقنية التأويل والتفكيك السيميائي، واللجوء إلى القراءة الهرمونيطيقية من أجل التفاعل مع النص العرفاني.

ومن المشاكل التي تترتب كذلك عن توسيع نطاق المصطلح الصوفي خاصية التجريد ، واختلاف المصطلح من حقل إلى آخر، وتطوره عبر مساره التاريخي الذي ۥيحمله من حين لآخر دلالات جديدة؛ بسبب احتكاكه بالمؤثرات الداخلية أو الخارجية، كما هو حال الصلاة، والزكاة، و القلب، والحس، والنفس، والعقل، والروح...

وعلى أي حال، نجمل مشاكل المصطلح الصوفي في تعدد المعاني، وهيمنة المجازي على اللفظ الصوفي، واستعمال اللفظ المشترك، واختلاف التجارب الصوفية العامة والخاصة، واختلاف المفهوم من صوفي إلى آخر. ويعني هذا حسب الأستاذ محمد المصطفى عزام أن" المصطلح قد عرف التعدد والاختلاف أيضا في صور محدودة من حيث صيغه اللفظية، ولكن في معان غير محدودة بسبب تنوع التجارب الروحية وتفاوتها، وهذا التفاوت وذاك التنوع هما اللذان يتحكمان في مضامين المعجم الصوفي، بحيث إنهما ينشئان علائق خاصة بين الدوال ومدلولاتها من جهة، وبينها وبين مصطلحات أخرى في المنظومة الاصطلاحية للسلوك الصوفي، وتلك العلائق تختلف أحيانا كثيرة عن علائق نفس الألفاظ في المعجم اللغوي أو في الحقول الدلالية لتلك الألفاظ...أما اختلاف التعاريف للمصطلح الواحد، فهو بحسب الذوق (أو المشرب أو المقام أو الوقت) عند كل صوفي،هذا الذوق الذي يحكم عليه عادة من وجهة النظر العامة بأنه ذاتي(غير موضوعي)، ولكنه عند الصوفية عين"الموضوعية الروحية" التي يعتبرونها أوسع من كل موضوعية وضعية، ذلك أن كل صوفي يسلم للآخر فهمه أو ذوقه باعتبار مقامه أو وقته(حاله)،وفي ذات الوقت فإن الصوفية أكثر من غيرهم إدراكا للطبيعة المجازية والتحكمية(الاعتباطية) للغة، ذلك أن انفصال تجربتهم الروحية عن العرف العام يجعلهم يحبون انفصالا حقيقيا بين مدلول اللفظ بحسب العرف العام، ومدلوله بحسب العرف الخاص الذي يشعر به الصوفي ولايدرك منه غيره إلا المعنى العرفي العام، ومن ثم فإنهم اعتبروا اصطلاحاتهم وتعاريفها مجرد إشارات إلى معان هم أدرى بحقيقتها، وهذه الحقيقة ليست هي المصطلح المشير إليها، كما أن اللفظ اللغوي ليس هو ما يدل عليه".[16]

وإذا كان الفلاسفة يستخدمون العقل النظري في اكتشاف الحقيقة، فإن الصوفية يستعملون العرفان الوجداني واللدني في ذلك، ويعني هذا أن المصطلح الصوفي ينقسم إلى ظاهر له دلالة سطحية حرفية، وباطن يتسم بلغة مجازية انزياحية رمزية مجردة.

وإذا كان إشكال الحقيقي والمجازي يرتبط عند البيانيين باللفظ والمعنى، فإن هذا الإشكال يرتبط عند المتصوفة بالظاهر والباطن. ومن هنا، كان التأويل إستراتيجية مهمة في قراءة النصوص العرفانية وتفسيرها.ويعني هذا أن المتصوفة كانوا يؤولون الآيات القرآنية المجازية وفق رؤيتهم العرفانية، بالانتقال من الباطن المجازي إلى الظاهر الحقيقي.في حين، كان علماء اللغة والفقه يؤولون هذه الآيات وفق رؤية بيانية ولغوية محضة، منتقلين من اللفظ إلى المعنى، ومن الحقيقة على المجاز. وفي هذا، يقول أبو نصر السراج الطوسي:" إن العلم ظاهر وباطن.وهو علم الشريعة الذي يدل ويدعو إلى الأعمال الظاهرة والباطنة.والأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح وهي العبادات والأحكام...وأما الأعمال الباطنة، فكأعمال القلوب وهي المقامات والأحوال...ولكل  عمل من هذه الأعمال الظاهرة والباطنة علم وفقه وبيان وفهم وحقيقة ووجد...فإذا قلنا: علم الباطن أردنا بذلك علم أعمال الباطن التي هي الجارحة الباطنة وهي القلب، وأما إذا  قلنا: علم الظاهر أشرنا إلى علم الأعمال الظاهرة التي هو الجوارح الظاهرة وهي الأعضاء، وقد قال تعالى:﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (لقمان 20).فالنعمة الظاهرة ما أنعم الله تعالى بها على الجوارح الظاهرة من فعل الطاعات، والنعمة الباطنة ما أنعم الله تعالى بها على القلب من هذه الحالات. ولا يستغني الظاهر عن الباطن ولا الباطن عن الظاهر، وقد قال الله عز وجل﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعمله الذين يستنبطونه منهم﴾ ( النساء83) ، فالعلم المستنبط هو العلم الباطن، وهو علم أهل التصوف لأن لهم مستنبطات من القرآن والحديث وغير ذلك...فالعلم ظاهر وباطن والقرآن ظاهر وباطن، وحديث رسول الله (صلعم) ظاهر وباطن، والإسلام ظاهر وباطن.[17]"

والمقصود بالظاهر والباطن هو الحقيقي والمجازي، فالظاهر هو الحقيقة، والباطن هو المجاز، ويتحقق ذلك عبر التأويل الذي يقوم بعملية استبدال دلالة المجاز (الباطن) بدلالة الحقيقة (الظاهر).

وعليه، إذا كان البيانيون ينتقلون من الحقيقة إلى المجاز، أو من اللفظ إلى المعنى، فإن العرفانيين ينتقلون من المجاز إلى الحقيقة، أو من الباطن إلى الظاهر.أي: يترجمون تجاربهم العرفانية والذوقية المجازية بلغة الظاهر والحقيقة والواقع  الحسي.

الخاتمة:

وخلاصة القول، لقد ناقش البيانيون والبرهانيون والعرفانيون إشكال الحقيقة والمجاز وفق منظورات مختلفة. ومن هنا، فلقد درس اللغويون والفقهاء والمتكلمون والبلاغيون والأدباء والنقاد وعلماء أصول الفقه ثنائية الحقيقة والمجاز ضمن تصور بياني ولغوي محض؛ حيث ربطوها بمبحث اللفظ والمعنى من جهة، ومبحث الأصل والفرع من جهة أخرى.

أما المتصوفة العرفانيون، فقد درسوا الحقيقة والمجاز وفق ما يسمى بثنائية الظاهر والباطن، في شكل مصطلحات ومفاهيم تتجاوز الدلالات السطحية الظاهرة إلى دلالات مجازية موحية ورمزية وإشارية تفهم ضمن السياق الصوفي.

 أما الفلاسفة، فقد ربطوا ثنائية الحقيقي والمجازي بالبرهان العقلاني من جهة، والمنطق المادي والحسي من جهة أخرى. ويعني هذا أن مبحث الحقيقة والمجازي يؤدي، في الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، في العصر الوسيط، وظائف العقلانية، والمنطقية، والفلسفية، والبرهانية.

وعليه، يعبر الحقيقي والمجازي على الصراع الحاد بين مختلف الطوائف التي كانت تعيش إبان العصر الوسيط، فقد كان الفقهاء يكتفون بالظاهر النصي خوفا من اندلاع الفتن والإحن والقلاقل، وكانوا يحاربون المعارضين الآخرين بسلاح النص والظاهر، فيرفضون تأويل المجاز، ثم يكتفون بسلطة النص الظاهرة.

في حين، كان المتصوفة يختفون وراء أسوار الباطن من أجل التعبير عن آرائهم بكل حرية وصدق إن ولاء، وإن براء؛ وكان المتصوفة الشيعة يتخذون التقية سلاحا لصد مختلف الضربات والطعنات الموجعة التي كانت توجهها سلطة الظاهر إلى من يعارض منظومتها السياسية والفكرية. ومن هنا، فلقد كان الباطن هو الملجأ الآمن من أجل النجاة والخلاص والتحرر من قيود الظاهر وسلطته الطاغية.

أما الفلاسفة، فقد كانوا يتأرجحون بين الظاهر والباطن، ويدافعون عن العقل البرهاني وفق التأويل المجازي؛ لأن الحقيقة عندهم ليست هي حقيقة الظاهر التي يدافع عنها الفقهاء السنيون، بل هي حقيقة المجاز والباطن معا، ولكن بالمفهوم البرهاني والعقلاني والمادي الحسي.

 

د. جميل حمداوي

...........................

الهوامش:

[1] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م، ص:48.

[1] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، ص:48-49.

[1] - أبو الحسن البصري:المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: محمد حميد الله، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، سورية، طبعة 1984م، صص:13-14.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:51.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:52-53.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:54.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:60.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:103.

[1] - أبو إسحق الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2004م.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:252.

[1] - الفارابي: كتاب الحروف، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، لبنان، طبعة 1970م، ص:141.

[1] - ابن رشد: كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية،د.ت، ص:35.

[1] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى، تقديم وتحقيق جمال الدين العلوي ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص: 101-102.

[1] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر ، ص: 107.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:260.

[1] - محمد المصطفى عزام: المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل،مطبعة نداكوم، الطبعة1، 1999م، ص:140-141.

[1] -أبو نصر السراج الطوسي: اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد القادر، مطبعة المثنى ببغداد، ودار الكتب الحديثة بالقاهرة، طبعة 1960م، ص:43.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م، ص:48.

[2] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، ص:48-49.

[3] - أبو الحسن البصري:المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: محمد حميد الله، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، سورية، طبعة 1984م، صص:13-14.

[4] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:51.

[5] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:52-53.

[6] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:54.

[7] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:60.

[8] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:103.

[9] - أبو إسحق الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2004م.

[10] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:252.

[11] - الفارابي: كتاب الحروف، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، لبنان، طبعة 1970م، ص:141.

[12] - ابن رشد: كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية،د.ت، ص:35.

[13] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى، تقديم وتحقيق جمال الدين العلوي ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص: 101-102.

[14] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر ، ص: 107.

[15] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:260.

[16] - محمد المصطفى عزام: المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل،مطبعة نداكوم، الطبعة1، 1999م، ص:140-141.

[17] -أبو نصر السراج الطوسي: اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد القادر، مطبعة المثنى ببغداد، ودار الكتب الحديثة بالقاهرة، طبعة 1960م، ص:43.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4839 المصادف: 2019-12-05 00:51:08