 قراءات نقدية

التكثيف الدلالي في شعر عبد الجواد الخنيفي

1260 عبد الجواد الخنيفيقراءة في ديوانه الجديد: "أبتسم للغابة"

أصدر الشاعر عبد الجواد الخنيفي ديوانه الموسوم بـ: "أبتسم للغابة عن منشورات أدباء الشمال عن مطبعة الخليج العربي بتطوان.

هي التجربة الثالثة للشاعر الخنيفي، بعد الخيط الأخير عام 2007 وزهرة الغريب سنة 2014. وهو كاتب وباحث وإعلامي من مواليد شفشاون، عضو اتحاد كتاب المغرب.

يقع الديوان أبتسم للغابة في مئة وتسعة صفحة من الحجم المتوسط، وقسم إلى ثلاث فصول تحمل عنوانا مختلفا:

- الفصل الأول:أقف هنا وأحلم ويحتوي على إحدى عشرة قصيدة.

- الفصل الثاني: ضوء خفيف ويشمل إحدى عشرة قصيدة بدروه.

- الفصل الثالث: مايليق بالصمت ويضمن بين ثناياه خمسة عشرة قصيدة.

- الفصل الرابع: أوتار يحتوي على خمسة عشرة قصيدة.

ويحتوي الديوان ثلاثة وأربعون قصيدة.

سأحاول قراءة الديوان قراءة دلالية إشارية تنهل من سيميائية تقلب الأشياء عن حقائقها وتعيدها إلى أشياء أخرى، وذلك لتوظيف القرائن التي جاءت في متن الديوان.

الفصل الأول: أقف هنا وأحلم ويحتوي على إحدى عشرة قصيدة.

من شرفة قطار الكلمة البهية يبتسم الشاعر إلى غابته الساحرة وهو يسافر بأجنحة الخيال وينصرف بالمتخيل نحو عالمه العجائبي. يركب السحاب ويخطو ببطء لينهمر بمطر لغته الخاصة به. يقرع طبول القصيدة والروي بجهات أربع شاعرية. يسابق فراشة تطير وتشتعل بحب ويأس وتترك نهاره الشاعري مفتوحا على كل طرق التأويلات. يفتح نافذة القصيدة ليطل على شعر بورخيس مسافرا على صهوة حصان يوقظ كلام الحديقة ويحاكي ظل المقاطع الشاعرية. يعبر كياسمين يرسم على شفتي نهر شعري وشاعري.بعذوبة يرسم للحالمين تاج حب مشرق بثغر إبتسامة نهار راكض نحو الحياة التي تخذلنا بمكائد العيش. ببستان مفعم بالكلم البهيج يشحذ شاعرنا ماء عشب من موانيء غريبة وينصت.

فمن يصدق الشاعر في هواجس يومه ولا في براعة يده وهو يقبض سحابة مهاجرة. ولا حيث يعبر غجر دروب وردة على أنغام موسيقى بعيدة. من يصدق يدا تنام في مكان آخر وتسأل بإلحاح. من يصدقها لو مات تراب بنهر صديق ونامت شمس في معطف هذه اليد الساحرة.

يشعل الديوان فراغا يطل على شاعره خفية من مكان ما، يملك قلبا مسجى بحناء براري قبائل. وهو يطل على شريان يترقب قبل دعس غنجه.

يزركش عبد الجواد رثاؤه للراحل عبد الحميد يدر رمز جمعية المعتمد بن عباد بشفشاون الذي اغتصبه الموت بشكل غير معلن. رثى الشاعر هذا الرحيل الصادم، وبقي في يده غيمة برائحة نهر. صاحب رحل كهواء محبين.حتى أن الحزن أصاب كل المدينة. عبد الحميد ذو أخلاق عالية يفتح أبوابه للجميع. لكن أحبائه سقطوا سهوا بعد رحيله. وهم يأسفون على ضحكته الفسيحة التي تتبع حلما ما بقي من الحقيقة. فرحيل هذا الصديق العزيز جعل كل الأقلام تجف بعد موت الأمل بموته. فشكرا لعبد الحميد لأنك هنا.

الفصل الثاني: ضوء خفيف ويشمل إحدى عشرة قصيدة بدروه.

 

يغرز الشاعر مخالب شعره ويصفع نجمات الليل داخل دولاب القلب. يعشق متاهته فلكل شاعر متاهة وإلا أصيبت القصيدة بعقم ما. يرسم بوجوه الحروف ضحكة للنجوم وللبحر ويتحدى أسوار الصمت.

يلبس معاطف الأصدقاء ليكتشف طريقا تخفي أسراره.يتشبت بصدفة ما ليسال الرمل عن منفى محتمل له. يبحث الشاعر في كل كلمة، كل قصيدة وكل ديوان عن وردته الغريبة بين معاطف الأصدقاء.

بالمقهى يسرق الندى مكيدة وصباحا يترصد يوما يهتف مع صباحه.فلا بأس من مقهى لحصد قليل من أمل وقليل من ألم.

يتغزل الخنيفي بمتعة كشاعر جاهلي يستقبل سهام الحب الفاتك. فلا شيء يقوله للعشاق الذين يحملون النهر وينتصرون لليل. الشاعر عاشق على رأسه غيمة تدفأ. فمن يقوى على النظر بعين واحدة.فالعشاق أطفال يلاحقون الضوء.ويتغزل مرة أخرى بأيدي الفاتنة التي تستطيع فعل معجزات كثيرة.

في الأخير يكتب- يلتقط قصيدة-صورة بعين الفنان الشفشاوني في مجال التصوير الضوئي أحمد بالأمين العلمي الذي نعيش معه تفاصيل خروج صورته المميزة بمختبر القصيدة على أفق وردة وعزف قلب فرح لرؤية الجمال في صوره البانورامية الشهيرة والتي فاز بها بجوائز عدة.

الفصل الثالث: مايليق بالصمت ويضمن بين ثناياه خمسة عشرة قصيدة.

ما بين حقيقة وحلم الكتابة الشعرية يتلصص الشاعر على الحياة ويغوص بزرع الغيمة وشهوة الصباح. فظفائر الشجرة ضاعت، وسط غابات تصفر بظل وحيد وجائع.يليق بالصمت إذن ليل مدجج بالقبل يرثي ويصاحب الفراشات التائهة باليوم.يمر وجه الشاعر بزحام الحياة ويغوي الحروف على عشب الساحة. يرتل لنا وصية الجدة التي أسلمت يدها للسماء.

الفصل الرابع: أوتار يحتوي على خمسة عشرة قصيدة.

برقص الشعراء بحثا على الآخر بقلب أوتار عزف منفرد تعكس صورتها المرايا التي ثرثر وهي تمتد في الأعالينحو البحر.للأم أغنية أمل تروي صداقة بالحياة، تهرب من الظل القميء للبشاعة في دفتر القلب. يقلب الشعراء باصرار بأوراق الفصول لتذكر ما والميل والاقتراب أكثر نحو أعمدة السماء التي تعزف تقاسيم طويلة تفتح الحياة وتخيط الكلام ونراقب سقوط الخريف الذي يعلمنا السقوط بدون أجنحة.

اعتمد شاعرنا على تلمس الإيقاع بنوعيه داخل متون القصيد بمولوده الجديد، حيث تظهر معالم الإيقاع الداخلي في اعتماده على القافية في بعض الأحيان كما في هذا المقطع حيث حرف الميم يمس نفس السامع:

فما كنا المطر

تحت الغيم النائم

وما كنا الوقت

الذي تناثر في الخرائط والأرحام

وتفعيلة يعتمدها الشعر الحداثي المعاصر التي تنوء ببساطة للوصول إلى قلب المستمع. كما أن الحروف والكلمات التي استقاها تتوزع بين الحروف اللينة والحروف الصوتية التي تجلجل في الأذن(حرف الحاء، وحرف الراء مثلا) وكلمات تتكر ر بعينها (المطر، قوس قزح، الظل، غروب، صمت، نهار، ليل...)

واتكأ على الإيقاع الخارجي فانتهج أسلوب التكرار الصوتي كما في قصيدة: هواء الغجر

لا تصدقوا يدي

حين تلمس سحابة

حيث تكرر المقطع الذي استهل به القصيدة:

لا تصدقوا يدي

بطريقة أنبأت عن إشكالية الصدق والكذب التي تم تطبيقها على عضو هام بالإنسان وهو اليد. فلا تصدقوا يدي المكررة كثيرا في استهلال كل مقطع حققت موسيقى ناعمة كأنها سؤال استنكاري عميق.لقد تحقق التجانس بين الألفاظ عبر خيوط الديوان التي ناسبت أبعاد كل قصيدة على حدة.

التوازن الصوتي الذي حققه: أبتسم للغابة يركن إلى لعبة الإصطياد الموسيقي للكثير من أسلحة الشاعر التي يغذى بها عبر معيشه ويومه. فالشعر تركيبة تمزج العديد من العناصر بشكل متفاعل أهمها:

- اللفظة: التي تم اختيارها بشكل واعي وذات جرس وتوحي بالكثير.

وجهان يحرثان الكأس

على الكونتوار.

فالكأس التي (تحرث) كأنها أرض خصبة تظهر العناية التي يبديها شاعرنا للفظة وسياقها.

- التركيب اللغوي: والمعتمد على الطلاوة الرواء، وكذا السلاسة في التعبير، والوصول إلى(الحكبة الشعرية) التي تتسلح بسلامة نحوية وصرفية. كما أن شاعرنا يقوم بتكثيف دلالي ليحصر طاقة الشعري ويرمي النثري جانبا.

عينها سهم يفتك بدمي،

وومض أصوات

تصادق خطى النهار،

فانهض قليلا

وأوقظ بلادا لا تنام

أوقظ فراشة بيضاء

هو إذن مقطع غزلي يعتمد على تركيبات لغوية مختلفة، وتميز واضح بسلاسة وسهولة تصل إلى قلب القارئ.

- التعبير المجازي: الذي ابتعد عن المجانية والابتذال، ولم يسقط في المباشرة والخطابية، وكانت المعاني الإضافية كظلال تؤطر المعنى الأساس. فلا بأس من أن نتشارك في استكشاف الفحوى الخلفي للنص الذي يحتوي على قدر من الرموزالمستشفة من خلال التأمل.

فعين القلب أنقى

وعين الروح أبقى،

وكلاهما بحر يضيق

وموج غريق

فالموج هنا غرق داخل بحر ضيق كأنها علاقة حب أو تماس دلالي معبرة بين الطبيعة في تجلياتها الكبرى.

فكثيرا ما تقتادنا رائحة المجاز إلى مكمن ذي طبيعة لغوية خاصة، حيث يتربص الشعر، وتتناسل وسائله، وتزداد الفتنة الشاعرة اتقادا. هكذا كان الجاز ويكون صنو الشعر وقرينه، إنه بداية النار أو شرارتها الأولى حيث تندلع نحيلة متناثرة بين حجرين، ومن جهة أخرى، قد نرى نصوصا كثيرة لا يشكل المجاز عصبها الأساس، ومع ذلك فإن لها قدرة هائلة على التأثير، أي تجسيد موضوعها، أو الإفصاح عن رؤيها الخاصة، بطريقة استثنائية إلى حد كبير.

- الصورة الشعرية: تتفر فيها الحركة، وذلك بتحول الفعل اللغوي والمعنى الذهني التجريدي إلى صورة حية، شاخصة ومرئية أو مسموعة أو محسوسة.مع مراعاة التشبيه بالكناية والإستعارة والتورية والتشبيه التثيلي الذي يجشم المشهد الحسي والشعوري، دون الإكثار من التشبيه الإعتيادي المعروف.

تمشي وحيدا إليها

وتمشي إليك ثلاثا:

يدها على خدك

والثانية على فمك

والثالثة ضلت طريقها

إلى خصر الجسر

لتلاحق مرايا الغدير.

- الخيال: فعبد الجواد قادر على ربط المتشابهات بين الطرفين أو أكثر من الظواهر الإنسانية والطبيعية. ويملك خيالا مجنحا، يبعدنا عن الواقعية التي يتطلبها الموقف الملتزم. فالخيال يهب الأفكار عمقا، وجمالا ويوسع مساحات المعاني وأحجامها، وتعدد أوجهها. وبذلك يخدم اللفظة، والتركيبوالصورة بدينامكية وحيوية متناميتين. فلتوقد الذكاء ولدقة الملاحظة أهميتهما في الإلتفات إلى ما هو غير مألوف، ومن هنا يتأتى الإبداع الذي يبعث في نفوس المتلقي الإعجاب والنشوة الشعرية.

أفكر بالنهر

حينما يعزف بقلبه المفتوح

على رايات الأمكنة

ويعلق على قبعات العشب

اقواس قزح

وأقواس فرح.

- العاطفة: وهي مجمل مشاعر وأحاسيس ناجمة عن موقف إنساني، وهي رد فعل لداخل الشاعر نحو (الخارج) والأنا الشاعرة نحو (النحن) أو الذات إزاء كل موضوع على حدة. فالشعر مفعم بغنيائيته ووجدانيته ومفعم بعنصر العاطفة كمقوم أساس.

قالت جدتي

حان وقت الذهاب

وأسلمت يدها للسماء

راية طاهرة.

- الموسيقى: لاعب الخنيفي حاجز الموسيقى بين ماهو شعري ونثري، واعتمد موسيقى خارجية نجمت عن المتحرك والساكن، وعن تركيبة التفعيلة، وعن الأزمان الصوتية الناجمة عن تنويعات شعرية مختلفة.وموسيقى داخلية ناجمة عن تآلف المفردات وتصادي حروفها، وانسراب التراكيب على اللسان من مقطع إلى نهايته.

- وضرورة الموسيقى في الشعر كموسيقى تصويرية يتشربها التوزيع السمفوني بشكل خاص، تصدر عن تنظيم انفعالي داخلي، وبالتالي حمل هذا الانفعال إلى قرائح الآخرين وقلوبهم، ليحدث فيها نفس الهزة الأصل عن طريق التوصيل إلى المتلقي.. بذلك(أي بالإيقاع والموسيقى) تجتاز الأفكار مشبعة بالعواطف المؤثرة الحواجز الزمانكانية، فتكسب الفكرة صفة الإنتشار. وهي صيرورة متجددة في نسقها الجمالي تنبش في الكلمة الشاعرة الجميلة.

عبد الحميد

كنت تفتح بابا ولا تغلقه..

كنت تسأل أثرا على الجدار

هو ما تبقى من ليل يخيط الليل..

وعن بلاد استوطنها لاعبو الحبال والأغاني

ونحن نسقط سهوا

من عقارب الساعة.

كانت في جيبك ضحكة فسيحة

تتبع الحلم لتصدق ماتبقى من الحقيقة!

في هذه المقاطع نجد الشاعر يبث فيها مايعانيه في نفسه، من حرقة رحيل أحد أبناء المدينة وعضو جمعية المعتمد بن عباد الأستاذ عبد الحميد يدر الذي غدرته سهام المنية ذات فجيعة. كأن الشعر ملجأ الأحزان عند عبد الجواد، يشكوه مصابه.

 إن عملية التوصيل الشعري أشبه بعملية البث اللاسلكي، حيث يقف الشاعر في مقابل أجهزة البث، ويتحول الصوت والصورة من كيان مسموع ومرئي إلى طاقة كهرومغناطيسية، وتتحول الفكرة إلى كلمة، ويتحول الإحساس إلى نغم ايقاعي(وزن)، وكذا يمكن اختزان الصوت في أجهزة التسجيل، والاحتفاظ بالصورة في أجهزة، كذلك يمكن الاحتفاظ بالفكرة-الكلمة والإحساس-الوزن عبر الدواوين.

الجمالية: إن الجمال من الموضوعات التي تطرقت لها الفلسفة بحثا وشرحا وتأملا. إذا كانت الفلسفة تناولت الجمال من حيث التنظير والتجذير كغاية مستهدفة وكموضوع، فإن الشعر بالخصوص اعتبر الجمال وسيلة مساعدة على إحداث المتعة وانبعاث الفرح والإعجاب. وكل هذا لأجل خدمة الفكرة والشعور، فالجمال في الشعر له صفة المعايشة. وضرورة الجمال الشعري فلاستقطاب ولاحتواء وللخزن. فكما أن الزهرة تمغنط الفراشة بألوانها وتجذبها بعطرها، فكذلك ينجدب الذوق الإنساني الرفيع إلى الشعر.

أبتسم للغابة، يضخ بمعالم إستيتيكية عبر صفحاته، وهو ينبش هنا وهناك، ليصل إلى صور بيانية وحياتية مفعمة بنض الحياة وتحارب القبح.

ختاما، نضيف قولنا إلى قول رولان بارث الذي أشار إلى أن الكتابة تحيل إلى الوظيفة الإجتماعية، فهي اللغة الأدبية التي تم تحويلها من قبل مصيرها الإجتماعي أما الكلام فيمثل سلوك الفرد، بتوهجه الجسدي والنفسي والصوتي، وكأن الشاعر عبد الجواد يضع ديوانه أو قصيدته في تماس عميق بين الكلام والكتابة، وهو تماس يجسد، بمعنى من المعاني، تماسا بين الفردي والإجتماعي، وبين الشفاهي والمكتوب.

 

عزيز ريان

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4845 المصادف: 2019-12-11 01:58:35