 قراءات نقدية

قراءة في رواية "أوراق خريفية" للكاتب محمد البيتاوي

صدرت الرواية عن دار الفاروق، سنة (٢٠١٨)، لكاتب معروف في نابلس، وبوسع الدارس أن يستقبل النص الروائي من زوايا عدة وأبعاد متعددة ؛ من مثل عتبة النص، والبناء اللغوي، وتحليل عناصر النص الروائي ... غير أني ارتأيت أن أداخل في المحاور الآتية:

١- سرد (وجهة النظر):

 من المعلوم أن الروايات الكلاسيكية قد سيطر عليها السرد من فوق، وتمتع السارد بصفة (كلي المعرفة)، ويمكن تصنيف الرواية أوراق خريفية ضمن سلسلة الواقعية، وهو ما يستدعي من ناحية معينة سرد وجهات النظر" وتنتج وضعيات وجهة النظر عن اختيار وعي إحدى الشخصيات لتكون مصدرا لرؤية العالم السردي، وبحسب تقنية وجهة النظر يتموضع الروائي بشكل ما في وعي إحدى الشخصيات ؛ليكشف لنا الواقع الذي لا ينظر إليه حينئذ نظرة موحدة" وتعتمد وجهة النظر على ذوات الروائي والراوي والمروي عليه والقارىء، وهنا تموضع الروائي في وعي الساردة ؛لتقديم آراء متباينة تصل حد التناقض في بعض الأحايين، والمتلقي يلمس تعددا واضحا في طرح زوايا تبئيرية للسرد سواء فيما يتعلق بوجهة نظر الساردة حول المرأة ووجهة نظر الصديق الأديب في الانتخابات والتنظيمات، والحملات الأمنية،

حتى إنه يدخل عميقا في عقلية بعض التنظيمات السياسية ورؤيتها للواقع والتغيير؛مامنح النص بعدا تجريديا وحياديا وهو ما مكن القارىء من المشاركة الفعلية في تحليل الحدث الروائي.

٢- التحليل السياسي والاجتماعي للواقع:

 يطرح الدارسون سؤالا اشتباكيا يقول:هل تعد الكتابة الوجه الآخر والبديل (أو هكذا يفترض) للواقع المعيش بما يطرحه النص على لسان شخوصه من نقدات وتحولات وتغيرات ؟ بطبيعة الحال فإن النص يمثل وجهات نظر متنوعة ومتعددة حول عديد القضايا المطروحة في السرد، وهنا تبرز قيمة النص "وخصوصية الموضوع ؛ الفاعل والقيمة الضرورية للعمل السردي ." وبنية التحليل قائمة على تجربة واقعية تابعتها شخصيات النص في كل مفاصل الأحداث .وبوسع القارىء التدليل على صحة هذا التوجه قدرة الصديق الأديب على التنبؤ بفوز إطار سياسي ما في الانتخابات البلدية، وفشل آخر مستندا إلى تحليله القائم على الملاحظة والمشاهدة، وفي ضوء ما تقدم يستطيع المستقبل أن يقول :إن البيتاوي كاتب اجتماعي بامتياز بما حفل نصه من موضوعات وأحداث سياسية واجتماعية وفق المنطلقات الفكرية للروائي نفسه، وبأسلوب واقعي، ولغة متناولة، والمتابع لتسلسل الأحداث يجد أنها تتمازج وتتفاعل في ذاتها وشخوصها المستلة من الواقع بكل تناقضاته .

٣- البعد المعرفي للنص والخلفية الثقافية:

 وهذا جلي بما تطرحه الرواية من بعد تاريخي، وأيديولوجي، وديني،

 غير أن السردية في بعض الأحايين لم تسائل النص الغائب الا على شكل تعليقات نهائية، من مثل قول النص:"على سيرة الجنس الآخر، هل قرات كتاب سيمون دو بفوار " الجنس الآخر".؟

وفي معرض تعليق الساردة على قول الصديق عن مدى رضاها عن ذاتها يرد عليها :" أرجوك خذي كلماتي دائما كاملة لا مجزأة ...فانت لست من القوم الذين يقولون" لا تقربوا الصلاة" وينسون تكملة الآية الكريمة" وانتم سكارى".وينظر الصفحة (٧٣) حين يستدعي شخصية خالد بن الوليد إذ لم يعدّ شهيدا رغم جهاده الطويل، كما يحدث في فوضى (المصطلح) عندنا، وكذلك شخصيتي الفاروق وعمرو بن العاص.

وأحيانا يسائل للتاريخ ؛ يحاكم، ينفي او يثبت، وينتقد " إهمالنا لتاريخنا " على عكس اليهود تماما ص٧٤. ظهر ذلك في مقارنته بين كتاب التاريخ العرب واليهود. وفي موضع آخر

تربط الساردة بين حالتها الشبقية والتخديرية مع الصديق دون أن يقتلها وبين إحدى بطلات آ رنست همنغواي التي قالت لثائرها "كم اتمنى أن أموت الآن ..فإن الموت في هذه اللحظة سيكون لذيذا جدا" ص ٩٦. (الاستزادة ينظر الصفحات ١٦٨، ١٦٩).

4- تداولية وسيميائية الأمثال الشعبية:

 وهو ماشكل ظاهرة يمكن تتبعها في كل مفاصل النص السردي، حينما تشتبك مع البعد الشعبي في النص السردي لنكن حذرين ومتسمين بالدقة ؛إذ لا يجوز دراسة الكائن اللغوي الشعبي الا تداوليا وسيميائيا ؛ فإذا كانت السيميائية التي تعنى بالعلامة اللغوية ودلالتها فإن التداولية تدرس اللغة في حياة مستعمليها، وثمة ثلاث خطوات لتحقيق ذلك ١- قراءة تلفظية لنص المثل ٢- قراءة المعنى الحقيقي ٣- قراءة المعنى الثاني التداولي وحيثيات توظيفه في السياق السردي:

ولنضرب لذلك مثلا، حيث ورد المثل الآتي في النص :"قالوا لفرعون مين فرعنك؟قال ما لقيت حدا يردني" . يحيل المثل لشخصية فرعون الطاغية المتجبر واستعباده للشعب، لكن ما علاقة فرعون بالرواية واحداثها؟ جاء المثل بمثابة استعارة تمثيلية لظاهرة المسلحين الذين يفعلون ما يحلو لهم دون أن يحرك الناس اي ردود أفعال تجاههم، كما في حادثة سيارة أحد المسلحين (٧٠) فجاء المثل ليسقط حالة فرعون كحالة مغروسة في الوجدان الثقافي العربي على حالة الفوضى...

ومثل ذلك يقال في بقية الأمثال " حارة كل من ايدو إلو ": ص٧٢)" و" بطيخ يكسر بعضه":٧٣) ومن مثل التعليق على نجاح الحملة الامنية "والمية سوف تكذب الغطاس":ص:٨٢.

ويمكن مراجعة المثل الشعبي ص:٩٣.

5- الهامش والمركز في النص:

 يتمثل المركز في (الله بوصفه سلطة عليا قاهرة أولا، وقد ظهر ذلك في ثنائية القدر والنصيب، والرجل ذو السلطة الذكورية ثانيا، المدير مثلا) وكذلك الحاكم بوصفه ممثلا عن اللوغوس الأعلى وظل الإله الحملة الأمنية، و رجل الشرطة ورئيس التنظيم، والعصابات المسلحةو الاتاوات نماذج مطروحة) ولكن السؤال هل حطمت الرواية ذلك المركز وكسرته وأحالته إلى الهامش الذي يتمثل ب (العقل، المرأة، والعبيد المواطنون) ففي

(ص ٢٤٨) في معرض حديث السارد ة عن جلطة الأب وإصابة الأخ " ما بتلبسني الآن ليس حزنا وانما هو لون من ألوان القهر التعسفي القدري الذي لايستطيع أحد معه شيئا وأي سؤال يطرح أو عبارة تقال لن تخلو من لون من ألوان الكفر والجحود، أعلم أنه لا اعتراض على أحكام الله؛ لأنه وهبنا عقلا يمكن أن يرشدنا إلى طريق الحق والصواب "

6- الموقف النقدي:

من البديهي أن الواقعية التسجيلية لا تطرح اي انتقادات واقتراحات للواقع عبر تجربة الكتابة .في حين أن الواقعية الاشتراكية تصف الواقع، وتتبنى رؤيا خاصة لما يجب أن يكون أو كيف يمكن أن يكون عبر ثنائية (الوعي القائم والوعي الممكن) وهو ما يظهر بوضوح في النص على لسان الصديق الأديب، وتطول المداخلة إذا أردنا أن ننمثل لذلك فقد لا تخلو صفحة من موقف نقدي فيما يتعلق بالموقف من الحب، والمرأة والأمن، والمناهج الدراسية، والإعلام، والحياة الاجتماعية والسياسية. فهو لا يسجل الحدث ويهرب إلى الحدث الآخر، بل يتوقف مليا ولا يغادره حتى يسجل موقفا منه، حتى في الأمور الصغيرة، وهو في معرض تبنيه لموقف ما نراه يفسح المجال لآراء أخرى معارضة أو موافقة ومعيارا ذلك الحوار والقناعة .

7- التجربة الإبداعية وسيكولوجية الكتابة وطقوس السرد ومعايشة الواقع

 بل والاحساس به ألما وطموحا ولذة وإخفاقا وغواية ...نرى ذلك في كل حوارات الساردة مع الصديق الأديب ومع الصديق الشاعر أيضا؛ ففي (ص ١١) تقول الساردة " لقد أقنعت نفسي في حينه أنه من الأفضل لي ككاتبةأن لا أكون مقيدة باتجاه محدد حتى أستطيع أن ألمّ بكل الخيوط، كي أتمكن من طرح أفكاري دون قيود" وكذلك

(ص٦٧) يقول الصديق الكاتب:"الكاتب الموهوب لديه قدرة على التقاط الأمور الصغيرة التي تبدو تافهة في أعين الآخرين ولكنها في الواقع هي المحرك الرئيس للاحداث" وتتضح سايكولو حية الكتابة في (ص١١٩):" قال لي ذات يوم : إن الكتابة دون تجربة لا تؤدي إلى نتائج سليمة، وانما تسلمنا إلى محاولات تخيلية فجة".

8- ثقافة الجسد كموتيف ذكوري وثقافي وعرفاني وفلسفي وطبي:

بالإضافة إلى نسقيه الرمزية والجمالي ولعل التركيز في الرواية كان على تمظهرات الجسد وعلاقته بالإيمان يقول النص:"كثيرون لا يتعاملون مع المرآة الا كجسد، لا قيمة للعواطف والمشاعر الإنسانية عندهم "ص٣٤.وباعتقادي أن النص لم يتقدم نحو ثقافة الجسد نحو العرفانية الصوفية، أو تحولاته الحداثية، اللهم في قصة السكرتيرة التي تمكنت من الإيقاع بالمدير من خلال العبث بالجسد، في حين فشلت غادة بذلك.

9- الحُبكة الروائية:

الحبكة الشدّ، وتحبكت الفتاة بنطاقها :شدته في وسطها، الاحتباك شدّ الإزار وإحكامه.(ابن منظور : مادة حبك) .ويعرف اي. ام. فورستر الحبكة : سلسلة متصلة من الأحداث ترتبط مع بعضها ارتباط السبب بالنتيجة لتصل في النهاية إلى حل مرضي للشخصية" ومن الدارسين من يوازي بين الحبكة والشخصية فالشخصية هي الحبكة والحبكة هي الشخصية، (إف سكوت) ويرى ابراهيم خليل أن للحبكة ثلاثة عناصر الصراع والعقيدة والحل (النقد الأدبي الحديث) .

ويرى القباني أنه "كلما توافرت أنواع الصراع الثلاثة" المادي" و" الأخلاقي"و" الظروف المعاكسة" كان حظها من النجاح اكبر"ص٤٣.(القباني: ٤٣)

وإذا تلقينا هذه المفاهيم بالقبول، أقول هذا الشرط ؛ لأن رواية ما بعد الحداثة لا تركن للحبكة بل لتداعي الأحداث وتجريب أشكال حداثية - نجد الصراع مشتبكا بين شخصيات النص غادة وشوقي من جهة، وغادة وأمها، وغادة ومديرها، والصديق الأديب مع شوقي، والاب والابن ...واذا ما استثنينا صراع الحدث الرئيس بين شوقي وغادة وما ترتب عليه من إفرازات نفسية واجتماعية وظروف معاكسة، فإن الصراعات الأخرى تبدو سطحية من حيث معالجتها، أما عن تشابك الأحداث السياسية فقد ظهر من خلال متابعة الحملة الامنية والانتخابات البلدية، ص١٠٩. وقد يرقى الصراع حتى يتحول إلى صراع بين قوتين متضادتين أوفكرتين متعارضتين كما هو موضح بين فكرة الإلزام والالتزام١٢٨، فكرة الحرية بين الشرق والغرب ص١٦٨.، وفكرة القوة مقابل القوة ص٧٠، فكرة التعصب بين اليهودية والتكفيريين، ص ١٧٢- ١٧٤.

غير ان بؤرة الصراع تتأزم في دواخل الساردة حينما تواجه ظروفا معاكسة تماما سواء في تجربة الحب الفاشلة مع شوقي، او حدوث بُعد اختياري مع الصديق الاديب.

ولا يكاد القارىء يتعثر بلحظة التأزم للحدث الذي يفضي إلى حل.

وتبقى الرواية مرشحة لمداولات أخرى.

 

د. خليل القطناني

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4887 المصادف: 2020-01-22 01:39:35