 قراءات نقدية

زيد الشهيد ما بين فوبيا الاكتشاف والتجاوز

رغم ان القصة القصيرة لا تتحمل الا العنوان الرئيس بسبب عدم الابتعاد عن التكثيف والتركيز، اللذين هما من شروط تقنية القصة القصيرة، لكن زيد الشهيد قام باختراق هذه القاعدة عندما وضع ثلاثة عناوين فرعية في الداخل مع العنوان الرئيس: بين فكوك الحذر – المهارة على ايقاع التأني – الهديرُ بعينٍ ثانية "، وبدلاً من ان تتشظى القصة وتضيع الفكرة، منحها ذلك التحاماً عميقاً في رسم جمالية تشكيل النصْ، وتدفقاً في انسيابية السرد، وهذا جعل المتلقي باستطاعته ان يقوم بقراءة القصة من حيث العناوين الفرعية كلا على حدى دون ان تختل الفكرة، لان كل عنوان يمثل القصة الرئيسة ويمثل قراءة مضافة للنصْ برؤية منبثقة من النص الكلي المتوزع على ثلاث قراءات متداخلة ومستقلة في ذات اللحظة،مما اعطى السرد جمالية ثقافية في تشكيل الصور السردية، وهذا ما انسحب على العنوان الرئيس " الجسرة الخشبي.. شيفرةُ الَتجاوز " ايضاً، من حيث التفاعل في التداخل والاستقلال مع العنوان الرئيس:

الحذر = الاكتشاف

التأني = التجربة

الهدير = المواجهة .

وبهذا، جعل زيد الشهيد مضمون القصة ينبثق من العناوين جميعها، متحدة: الاكتشاف في مواجهة التجربة .

وهذا السرد استخدم هنا، لكي يجعل المعنى يتيه عن المتلقي، ولا يستطيع الامساك به، الا من خلال قراءة ذكية دقيقة متعمقة للنص، رغم مخاتلة المعنى وراء ابواب مواربة، ولكن من خلال الجمل المبثوثة في السرد، تمكنا من استخراج ذلك:

ففي " بين فكوك الحذر "، نقرأ " كلما طالع المياه تندفعُ دفَاقةَ ومٌسرعة من تحت الجسر تراجع مصعوقاً، ومَكبوحاً من مفردة: إيَاك ..إيَاك ! تسكبُها الأمُ الهلعة من جموحِه بينما يطالع الضفة البعيدة ناظراً لها عالماً غير مُكتشفٍ " .

اما في " المهارة على ايقاع التأني "، فنقرأ " لا .. لا تخلع ملابسك وتنزل الى الماء .. لا بدَ أنْ تتعلَم، لا اكتساب مهارةٍ دون تَعلَمٍ، ولا يتحقق التحدي إنْ لم تكتمل أدواتُ الاستعداد " .

وفي " الهدير بعين ثانية " نقرأ " إنَه الآن رجلُ يقطعُ دونَ خشيةٍ دربَ الجِسرِ مرات ومرات، ويعبرُ النَهرَ غير آبهٍ لسرعة مائه ولا للهدير الذي كان يبصره مهولاً .. ينظرُ الى النهر بلا خوف لأنَه بلغَ من العمر ما يمكنه من مواجهة المواقف وايجاد القرارات الحاسمة ".

وبهذا يتحقق المعنى الكلي للنصْ، الذي هو: الاكتشاف في مواجهة التجربة لكي نتجاوزها .

وتمتلك سردية نصْ " الجِسرُ الخَشَبي .. شيفرةُ التَجاوز " لغة جمالية شعرية، معجونة بـ تاريخ سيرة طفولة، على شكل شهادة / ذكرى للشخصية الرئيسة والوحيدة في عملية السرد، التي تأخذه " خُطاه مَسحوراً " لعبور الجسر الخشبي، ولكنه " ينكفىء مُتخاذلاً "، خائفاً، لان " كلما ضاقت العبارة اتسعت الرؤية "، الرؤية لما بعد الجسر، رؤية الضفة الاخرى، معناه أن عبور الجسر يصبح حجاب يمنع الرؤية، ولكن عند العبور يهتك الحجاب، وتتحقق الرؤية للضفة الاخرى غير المكتشفة، لأن الرؤية لا تخبر، بل تشهد .  " ثم اخيراً وضع القدمُ على بلاطة مدخل الجسر من الجانب الثاني "، لتتلاشى رهبة الخوف التي كانت في دواخله من: الجسر الخشبي ودعائمه الخشبية، ومياه النهر .

هنا يكون من حق المتلقي ان يتسأل: لماذا هذا الاصرار على عبور الجسر الخشبي ؟ وما الذي يرمز له ؟ ورغم ان الرمز متعدد الاشكال: مجازية، بلاغية، ايحائية، كلها تعمل على تعميق المعنى، ولقد وظف رمز الجسر بجمالية منسجمة مع شخصية الطفل في ترقبه وتطلعاته وفضوله ومن ثم خوفه المكسور لاحقا، هذا كله اصبح مصدر تأثير وادهاش للمتلقي .

 

أسامة غانم

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

مقالة منسجمة جدا مع موضوعها فهي تكتب بأسلوب قريب من النص الأصلي.
عموما التفكيك و التأويل هما من ابرز سمات ما بعد الحداثة. و لغة دريدا تكاد تكون اعادة كتابة للنص الأصلي. كما فعل في دراسته عن فرويد و قبلها عن روسو.
و كما كانت تقول اول معلمة انكليزية تلقيت على يديها اصول الكتابة: هذه اللغة مزهرة flowerish language.
نحن نقول عنها لغة مجاز و بديع و بيان. و هو اسلوب قريب من الوجدانيات و الشؤون العاطفية. بمعنى انه اقرب للكلام عن الذكريات.
شكرا للناقد و الكاتب..

صالح الرزوق
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4950 المصادف: 2020-03-25 04:05:41