 قراءات نقدية

الشعرالعربي في بلاد الاندلس (5)

فالح الحجيةاما الموشح الخمري فلا تختلف مواضيعه عن معانيها في القصيدة الشعرية في الخمر واشهر شعراء الموشحات الخمرية ابن بقي القرطبي الاندلسي فيقول:

أدر لـــنــا أكــــــــواب

ينسى به الوجــــــــد

واستصحب الجلاس

كما اقتضى العهـــــد

دن بالهــــوى شرعاً

ما عشـــت ياصــــاح

ونـــــزّه الســــمـــعـــا

عن منطـــــق اللاحي

والحـــــكم أن يدعى

إليـــك بـــــالــــراح

أنامــــل العــــنـــــاب

ونقلك الــــــــــــورد

حفــا بصــدغي آس

يلويهــــمــا الخـــــــد

اما موشحات وصف الطبيعة الاندلسية الرائعة الخلابة فمن افضلها موشح الوزير الشاعر ابي جعفر احمد بن سعيد وفيها وصف الروض ووصف النهر الذي خلع عليه الوزير الوشاح الألوان البهيجة حين سلّط شمس الأصيل على ماء النهر المفضض وجعل منه سيفاً مصقولاً يضحك من الزهر في الأكمام، ويبكي الغمام، وينطق ورق الحمام، ويصف أيضاً جمال الحور وفتنة الروض فتوحي بالشراب فيمد الشاعر أو الوشاح الأندلسي بالغزل فيقول فيها :

ذهبت شمس الأصيل

فضة النهر

أي نهر كالمدامة

صيّر الظل فدامه

نسجته الريح لامه

وثنت للغصن لامه

فهو كالعضب الصقيل

حف بالشـفـــر

مضحكاً ثغر الكمام

مبكــياً جفن الغمام

منطقاً وِرق الحمام

داعــــياً إلى المدام

فلــــهذا بالـــقـــبــــول

خط كالسطـــر

وعد الحب فـــأخــــلــــف

واشتهى المطل وســــوّف

ورســـــــولي قد تعـــــرّف

منـــــــه بما أدري فحرف

بالله قل يارسولي

لش يغب بــــدري

*

كما ان هناك موشحات ظهرت في المديح والفخر والهجاء والرثاء والتصوف والحكمة وكثير من الاغراض اتجاوز عن ذكرها خشية الاطالة .

فالموشح والزجل قد ظهرا في وقت واحد ونرجح أن لهما أصلاً مشتركاً في البيئة الأندلسية منذ عهودها الاولية فالزَّجل هو الموشَّح المنظوم باللغة العاميَّة والزجل فن من فنون الشعر العربي ظهر في الاندلس فهو وليد البيئة الأندلسية ثم تسرب او خرج إلى البيئات العربية الأخرى وانتشر فيها ويعتبر الشاعر أبو بكر بن قزمان الذي عاش في عصر المرابطين بالأندلس هو أول من أبدع في فن الزجل الا انه لم يكن أول من قال فيه، بل قيلت الأزجال قبله بالأندلس فهناك عدد من شعراء الأندلس من تقدموا أبا بكر ابن قزمان في القول فيه ولكن هؤلاء الشعراء لم يبلغوا ما بلغه ابن قزمان فيه .

فالزجل نشأ أصلا في بيئة أندلسية ثم انطلق منها إلى بيئات عربية أخرى لذا فقيمته الحقيقية تكمن في ما استمده من واقع الحياة الشعبية العامة متمثلا في الجديد من معانيهم وحكمهم وأمثالهم، ومبتكراتهم وتشبيهاتهم وغيرها من أنواع مجاز الكلام وفيما شاع من مألوف ألفاظهم وصيغهم العامية،فهو يمثل تصوير لحياتهم العامة بافراحها واتراحها وبجدّها وهزلها وهمومها وعلى العموم فهو يعد فن من فنون الادب الشعبي .

والاصل في الزجل انه درجة معينة من درجات شدة الصوت وهي الدرجة الجهرية ذات الجلبة والاصداء مثل صوت الرعد في السحاب او صوت الاحجار والحديد وكل جماد ذي صوت ثم تغيرت فاصبحت تعني اللعب والجلبة والصياح ثم توسع ليشمل اصوات المغنين والمطربين .ومعنى الصوت العالي المُنَغَّم وكلمة زجَّالة ما زالت تُطلق في كثير من المناطق العربية على جماعة الشباب الذين يجتمعون في مكان بعيد ليؤدُّوا الرقص والغناء الصاخب بمصاحبة آلاتهم الموسيقية . واصبحت كلمة زجل في الدوائر الأدبية والغنائية مُصطلحًا يدل على شكل من أشكال النظم العربي .

وينقسم الزجل الى قسمين الاول زجل العامة وهم عامة الناس ويمثل الاغنية الشعبية المحلية وتنبع تلقائيا لديهم من وحدة حدث معـين او حالة يتغنى بها المرء وفتشيع ويرددها الاخرون افرادا او جماعات او قد تحدث خلال تجرية شخصية او من خلال حدث عام فهو بمثابة الاغنية الشعبية الرائعة والاكثر شيوعا وغنائية .

اما الزجل الاخر فهو زجل الشعراء المعربين فيبدو أنه جاء بعد نشأة زجل العامة، ولعل الشعراء الذين حاولوا اداء هذا النوع من الزجل قبل عصر ابن قزمان كانوا مدفوعين إليه بالرغبة في أن تنتشر أزجالهم المصطنعة بين الطبقات المثقفة كنوع من الطرافة أو بالرغبة في أن يعرف لدى العامة معرفتهم لدى الخاصة، وذلك بوضع أزجال لهم يتغنون بها ولكن هؤلاء الشعراء المعربين ممن اصطنعوا الزجل اصطناعا لم يستطيعوا في مراحله الأولى أن يتخلصوا فيه من الإعراب، وهذا ما عابه عليهم ابن قزمان حين قال، أنهم يأتون بالإعراب، وهو أقبح ما يكون في الزجل وقد شهد ابن قزمان للشيخ اخطل بن نماره واعتبره شيخ الزجالين بسبب سهولة زجله وسلاسة طبعه وإشراق معانيه، وومقدرته على التصرف بأقسام الزجل وقوافيه افضل من غيره .

والزجل في تطوره يمثل الأغنية الشعبية التي تأثرت إلى حدّ ما ببعض أشكال الموشحات وقد شهد الزجل في القرن السادس أي نهاية المرابطين في الأندلس طفرة نوعية وانتشارا واسعا حيث كان بعض ملوك المرابطين لا يتقنون اللغة العربية وانعكست هذه الحالة على شعراء القصائد والموشحات حيث لم يلقوا تشجيعا من هؤلاء الملوك والامراء فاشتهر الزجل في هذا القرن الا انه لايغيب عن بالنا ان الضعف والوهن اخذ ينخر في هذا المجتمع العربي وبدات تتساقط مدن الاندلس بعد هذا القرن بيد الاسبان واحدة بعد اخرى .

اما موضوات الزجل فهي نفسها اغراض اوفنون الموشحات الاندلسية مثل الغزل والمدح والخمرة ووصف الطبيعة، والمجون والتصوف وغير ذلك من فنون الشعر التقليدية المعروفة

وبنية الزجل ياتي بأربعة مصاريع، يلتزم الرَّابع منها رويًّا واحدًا في القصيدة، وأمَّا الثَّلاثة فتكون على قافية واحدة،

وتسمَّى (القراديات) ومن الزجل هذه المقطوعة :

فلا بثقهم ينسد ولا نهرهم يجري

خلـــو ا منا زلهم وساروا مع الفجر

يتبـــــــــع

 

امير البيــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى بلـــــد ر وز

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4963 المصادف: 2020-04-07 01:53:41