 قراءات نقدية

توظيف شذرات من التراث في الشعر المعاصر

"باسم محمد أنموذجًا"

يشكل التراث بعامته ذاكرة الشعوب وبدونه تكون الأمة أشبه بشجرة بلا جذور، نافذة للمعالم التي بها تهتدي في مسارها الحضاري كلما كانت الأمة عريقة كان تراثها المتراكم كبيرًا وعميقًا.ولما كان التراث هو خلاصة وعصارة الأمم فكان بحق مادة وأداة مهمة للأدباء عامة والشعراء خاصة في إبداعاتهم. وتوظيف التراث أصبح ميزة من أهم ميزات الشعر المعاصر  لأنه "يعد بمثابة وعاء كبير يحمل ثقافة لا تعد ولا تحصى عن الشعوب والحضارات إذ يعبر عن حياتها في كافة المجالات ويتطرق إلى الحديث عن واقعها بأحزانه وأفراحه" إن توظيف التراث في شعر أي شاعر يكشف لنا ثقافة الشاعر ووعيه بماضيه بشكل عام وتراثه بشكل خاص. كما إن اكتشاف التراث من قبل المتلقي أيضا بحاجة لدراية ليس بقليل. لنا أن نتوقف عند شعر أحد شعراءنا المعاصر بحثًا عن الكنوز التراثية وهو أحد شعراء تامٓرّا باسم محمد.

يقول الشاعر:

واركض برجلكَ لا تبقى على جهةٍ

وحاول الآن أن تحتاجني ذنبا..

إن الشاعر وهو يكتب ما سبق كان في ذهنه قول سبحانه وتعالى (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) ص٤٢ في الآية يذكر تعالى رسوله أيوب - عليه السلام - وما كان ابتلاه تعالى به، فالشاعر أفاد من الآية القرآنية في شعره لنا أن نعده تراثًا دينيًا على رغم الاختلاف في عد القرآن الكريم تراثًا أم لا حسب الآراء الواردة المختلفة في هذا الصدد نلاحظ مدى وعي الشاعر في صياغته بطريقته الخاصّة. وهذا الاسلوب ملحوظ بشكل كبير عند الشاعر لو تأملنا قصائده.

كثيرون من الشعراء جملوا قصائدهم بالإفادة من القصص القرآنية ومنها قصة النبي يوسف عليه السّلام نتذكر هنا من قصيدة درويش مستندا إلى قصة النبي يوسف عليه السلام:

‏أنا يوسف يا أبي

اخوتي لا يحبونني

لا يريدونني بينهم يا أبي

يعتدون ‏علي ويرمونني بالحصى والكلام

يريدونني ‏أن اموت لكي يمدحوني

وهم أوصدوا باب بيتك دوني

وللشاعر باسم محمد وقفة مع هذه القصة  في قصيدة له باسلوبه الخاصّ:

نَقول: دَمُ الشاةِ أصدَقُ يا إخوتي اللقطاءَ

من الذِئبِ واللحظةِ العاثِرَةْ

إليكُم قَميصي ..

أنا واحدٌ رَغمَ أصفارِهِ الخَشَبيَّةِ أبدو وحيداً

ولي كَثَرةٌ شاغِرَةْ

ففي دَمُ الشاةِ أصدَقُ يا إخوتي تصوير لمشهد الشاة التي تم ذبحها ولطخوا بدمها قميصا وقال هذا دم كذب (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)ۚ يوسف١٨

فالشاعر وجد نفسه أمام حالة مشابهة لما جاء في الآية الكريمة لا نستبعد أنه كان يصور حدث خاص يمثله أو عام ما يتعلق بالواقع.

 

كما أن الشاعر لم يكتف بالافادة من تراث الدين الإسلامي فحسب،  إنما أفاد من الأديان السماوية الأخرى أيضًا،  يقول في قصيدة له مشيرًا للقديسة -إيلاريا-

وتَعرفُني الأرضُ تَعرفُ لوني الوحيدَ

تُعلمُني أنْ أموتَ بلا أيِّ معنى

بلا أيِّ شيءٍ تُعلمُني أنَّ تشرينَ يَبقى…

فَغني قليلاً "إيلاريا إيلاريا"

ليخضرَ وَجهُ البلادِ

وتنمو على شاطئيهِ  العصافيرُ والأسئِلَةْ

إيلاريا هي قديسّة من الديانة المسيحية كانت ترمز للسعادة والمرح والتفاؤل، والشاعر يستدعيها على هيأة أغنية تليق بها علها تكون هذه الأغنية بداية الفرح في بلاده..

ويقول في قصيدة أخرى:

فالقناديلُ… يسوعٌ آخرٌ

صُلبتْ فوقَ جدارِ الغرفةِ

وبكتْ ضوءاً نُعاسياً على

جسدِ الليلِ كصمتِ الشُرفةِ

نرى براعة الشاعر في التصوير البياني حيث شبه القناديل المعلقة بالمسيح.

والتأمل في شعر باسم محمد يأخذنا إلى منحى آخر وهو لمس التراث الاسطوري في بعض من قصائده،  يقول في قصيدة:

قلِّ للمناديلِ

لي عينانٍ من حَجَرٍ

ولي فؤادٌ اذا عريتُهُ احتشما

ولي بقايا مواويلٍ وأضرحةٍ تبكي

و كلُّ غريبٍ في فمي التأما

وقلّْ سيكبرُ هذا الصيفُ في لُغتي…!

حتى أحطمَ في أضلاعِهِ صنما

في القصيدة يشير الشاعر إلى الكاهنة الاغريقية -ميدوسا- في قوله لي عينانٍ من حَجَرٍ  وهكذا نلاحظ خزينة الشاعر  ليست خالية من التراث الاسطوري وفي قصيدة أخرى يستضيف عشتار حيث يقول:

وأنتِ هناكَ لا أحدٌ سيكتبُ عن مواجعِنا..

ولا عَشتارُ تفتحُ بابَها للريحِ

لا ظلٌّ ليقرأَ في جبيني الحرَّ

يُفهِمُني بأنِّي بعضُ هذا الليلِ

لي حُزني/ ولي نخلي /ولي وطنٌ

وراءَ الجسرِ يسبحُ في وجوهِ الناسِ يعرفُني,

أصيحُ ستُشرقُ الدنيا

نعمْ سنكونُ عصفورينِ من ضوءٍ

ونبكي فوق عتمتِهِ كطفلينِ بلا سببِ...

أنا لا شيءَ يسمعُني سوى عينيكِ

فاعترفي لهذا الليلِ عن جُرحي

وعن قمرٍ تركناهُ

وراءَ البابِ عن شجرٍ بلا ظلِ

 

عشتار كما لا يخفي على أحد هي آلهة الحب والحرب والجمال والتضحية في الحروب في حضارات بلاد الرافدين الشاعر أغلق باب عشتار المفتوح حتى من الريح وهذا يصور حالته غير المستقرة حالة تمزج بين الحب والحرب والغضب والجمال لذا جاءت عشتار أتخذت لها مكانًا مناسبًا بها.

لا ينتهي طريق باسم محمد المزدحم بتوظيف التراث بإمكانياته الكبيرة. عاد بذاكرته إلى الماضي ليصور الواقع المعاصر ومرارته، فاستدعي شخصية الحلاج ووظف قصة صلبه:

ويمر حلاجٌ على الأبوابِ

يسألُ في دمي هل جفَّ قنديلُ الضلالةِ

سَمروني هذهِ الأخشابُ مثلي

واصلبوني ربما سأعودُ يوماً مثلَ عصفورٍ ضريرٍ

ربما سأكون يوما ما أريد

هنا الهوامش فوق رأسي الدائري فعلموا أصداءكم

هذا التصحرَ واسألوني

عن دمي أو عن صلاتي فالطريقُ إليه واضحةُ الجهات

وعانقوني أنهُ الصحوُ المخبأُ في عيوني

فامطروا ماساً على جسدي النحيلِ

وودعوني لحظة

نامتْ قبائلُ تغلبٍ وغفتْ على صدري قريشٌ

علموا أطفالكم سأعود يوما يا رفاقي بعد أن تلد الحقول ربيعها وتتيه في الصحراء قافلة العبيدِ

وربما سأعود يوما

مثلما عاد القطيع..

 

فالشاعر التقط حدث تاریخي وشخصیة تراثیة تاريخية في القصيدة السابقة وتوظيف شخصيات تراثية سواء تاريخية أو أدبية أو اسطورية وغيرها " يلجأ إليها الشاعر لأنها تحمل بعدٍ من أبعاد تجربة الشاعر المعاصر، أي أنها تصبح وسيلة تعبيرٍ وإيحاء في يد الشاعر يعبر من خلالها، أو(يعبر بها) عن رؤياه المعاصرة فضلاً عن أن استدعاء الشاعر المعاصر للشخصيات التراثية المحملة ببعديها: التاريخي والفكري يهدف إلى أن يؤدي دوراً محدداً في إنتاج الشاعرية، سواء أكانت الشخصية تتشابه في موقفها مع الموقف الحاضر، أم كانت بينهما علاقة ندية. فمن علاقات التشابه بين الشخصية التراثية وشخصيات هذا العصر، تتضح الصورة المراد رسمها.

وفي قصيدة للشاعر نجد أنفسنا أمام شٓخصيّة أدبيّة وهي شخصية الشاعر  الكبير معروف الرصافي:

صلّوا سكارى

وما مِنْ آيةٍ نزلتْ.. فكيفَ تنزلُ فينا آيةُ النسخِ ؟

 

فاترُكْ صلاتَكَ

قُربَ البابِ أضرحةً يا حزنَ يوسفَ

واقرأ صورةَ الشيخِ

 

مازالَ فيكَ رصافيٌّ يعذِّبهُ..

ما قالَهُ عن دمٍ معروفُكَ الكَرخي*

 

وظف شخصية أدبية كما هو واضح ولما كان من الطبيعي أن يعد الموروث الأدبي من أكثر المصادر التراثية التصاقاً بنفوس الشعراء وعواطفهم، فإن من الطبيعي كذلك أن تعد شخصيات الشعراء من أكثر المصادر التي امتاح منها الشعراء شخصياتهم التراثية؛ " لأنها هي التي عانت التجربة الشعرية، ومارست التعبير عنها، وكانت هي ضمير عصرها وصوته، الأمر الذي أكسبها قدرة خاصة على التعبير عن تجربة الشاعر في كل عصر. وفي القصيدة السابقة غير توظيف شخصية أدبية نراه صور شخصية يوسف ويعقوب عليهما السلام كما يقول حزن يوسف وصورة يعقوب الشيخ.

ومن يقرأ شعر باسم محمد من المستحيل ألا يتفاعل مع توظيفه للتراث الشعبي بأنواعه المتعددة والتراث الشعبي يشمل العادات والتقاليد والأمثال والأغاني الشعبية السائدة التي تحمل في طياتها دلالات مقصودة غالبًا.

يقول الشاعر:

سكتَ الغرابُ

فأطفأت مدنُ الرذيلةِ شعرَها بالمُعدمين...

الغراب كما هو معلوم في الثقافة العربية بشكل عام طائر شؤوم يعد رمزًا للنهايات كالفراق والموت والشعراء وظفوه في شعرهم كما قال قديمًا عنترة:

فـيـهـا اثـنـتـان و أربـعـيـن حـلـوبـة

سـودا كـخـافـيـة الـغـراب الأسـحـم

وجاء توظيف الغراب في قصيدة باسم محمد بما يتناسب مع قصيدته وقصديته.

ومن التراث الشعبي المعروف عند الجميع سندباد هذه الشخصية التراثية كثير الحضور في شعرنا المعاصر ونستطيع نلحظ هذا الحضور عند السٓيّاب في أكثر من قصيدة له وفي هذا الصدد  يقول الشاعر باسم محمد:

وعَلَّمُوا فمَها نهراً…

فأدمنها  شيخُ النواعيرِ وارتدُّوا الى الكَرخِ

 

يا شهقةَ الحَجرِ الصوفيِّ يا قمراً

هذي خطاياكَ قبلَ التيهِ والمسخِ

 

قاومْ سمارَكَ

فالآتونَ من حَجرٍ

وأنتَ وحدَكَ تروي قصَّةَ السَلخِ

 

ولم تَزلْ ..

تلعنُ التاريخَ أشرعةٌ

يا سندباداً بكى في حَضرةِ الرَّخِّ

لم يكتف بسندباد فحسب بل حضر  إلى جانبه طائر الرخ الأسطوري هائل الحجم الذي ورد ذكره في رحلات سندباد.

 

كما أن الشاعر اختار أيلول أكثر الشهورتضمينًا في التراث الشعبي  ليجعل له حيزًا في عدد من قصائده كما يقول في أحدها:

وأيلولُ يَعرفُ كيفَ التقينا

صغاراً الى أنْ بكى جَدولُ

فغابتْ عصافيرُهُ في الصباحِ الأخيرِ

وغادرَنا بُلبلُ..

سيأتي الشتاءُ فلا تُنكريهِ

إذا مرَّ يوماً فتىً مُهمَلُ

ليسألَ عن زهرةٍ في الأعالي

أيرحلُ شاعرُها المُقبلُ ؟

أَيـْلُول  ارتبط بالتراث والحكايا الشعبية والأمثال في المشرق العربي عمومًا .

وأنموذج آخر نصغ فيه ونحس بأغنية تراثية حينما يقول الشاعر:

فضُّمي جرحَنا الكونيَ

ضُمِّيني على مرأىً من الأشجارِ

قولي للرعاةِ سمعتُ العاشقَ المقتولَ

يهذي عبرَ هذا الليلْ…

(تعاليلي العمر خلصان

مري بواهس اغنيه

الكمر ذبلان فوك شفافي والنجمات

دمعه بعين فصليه

يا شباج يفتح زيجة تالي الليل

وانه انسان كل احلامه ورديه..)

وفي قصيدة أخرى وظف لنا أجواء العيد بمفهومه التراثي يقول:

سَتغرقُ بالأحَمرِ العَرباتُ

و تلتحفُ الأسودَ العنبيَّ مروجٌ

على قارعاتِ البلادِ

ليشربَنا العشبُ قالتْ كَبُرنا

بلا أنْ نقولَ سنرجعُ يوماً

بِلا أنْ تقولوا…

لنا أن نقول أخيرًا إن  الجذور التراثية  تتغلغل في شعر باسم محمد كما أنها ساهمت بإضافة جمالية وإبداعية بأشكاله المختلفة فالشاعر أعاد نتاج التراث بغلاف هندسي وباسلوب حدثاوي مناسب وروح العصر في بناء شعره لأسباب كان التراث في شعره نافذة للاطلاع على الماضي ومن جهة أخرى نقطة انطلاق إلى الحاضر والمستقبل أو لأسباب تتعلق بنفسية الشاعر والسبب الأكيد هو اعتزاز الشاعر بتراثه وماضيه لذا وظف صور قرآنية وشخصيات تاريخية وأدبية إضافة لتوظيف للحكايات الشعبية والأساطير. نستطيع أن نقول وفق باسم محمد في تجربته والتراث في شعره وإن دل على شيء فهو مدى تعمقه بالماضي بشكل عام والتراث بشكل خاص. نرى من اللائق أن ننهي ما تطرقنا إليه بقصيدة أخرى للشاعر يشير فيها إلى حضارة تامٓرّا لتكون مسك الختام  يقول فيها:

فلتشربِ الطرقاتُ لونيَّ مثلما شرِبت خطايَ الخوفَ

قُولي للبنفسجِ سوفَ تحترقَ البيوتُ

ولن نظلَّ على الضفافِ سنختفي

وكأرنبينِ سنحتفي بالعشبِ واللّقيا

فهل سيقولُ(تامرا)*

هنا ولِدَ الربيعُ على يديها حينَ مات..

 

آشتي كمال

..............................

التراث والتجديد حسن حنفي

أثر التراث العربي القديم في شعر العربي المعاصر  محمد علي عبد الخالق ربيعي.

استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر علي عشري زايد

الشعر العربي المعاصر، عز الدين إسماعيل ،

مدخل لدراسة الشعر العربي الحديث  إبراهيم خليل.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

يستحق باسمنا أن يكون انموذجا لهذه الدراسة

أحمد محمد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4968 المصادف: 2020-04-12 03:46:20