 قراءات نقدية

من معالم الفن القصصي عند أمان السيد

أمان السيد

بطاقة تعريف

سورية الوطن، مقيمة في أستراليا.

أستاذة لغة عربية، قاصة، وشاعرة، وصحافية.

من نشاطاتها وأعمالها: تدريس اللغة العربية بين سورية، والإمارات، وأستراليا خلال مسيرة حياتها المهنية.

حاصلة على دبلوم في التأهيل التربوي من جامعة دمشق عام 1982، وإجازة في اللغة العربية من جامعة تشرين في اللاذقية عام 1980.

سبق لها أن عملت في إعداد وتقديم برنامج في إذاعة " صوت الوطن العربي الكبير" بعنوان

"من نشاطات القائد"، وبرامج ثقافية أخرى/ في ليبيا بين عامي 1983- 1984.

عضو في اتحاد كتاب وأدباء الإمارات.

تتنوّع كتاباتها بين المقالات، والدراسات الأدبية، والشعر، والقصص القصيرة، وهي تنشر في المجلات، والصحف العربية، والإماراتية، والأسترالية، والمواقع الألكترونية المختلفة، منها: دبي الثقافية، والصّدى، وجريدة الرؤية، والخليج، والاتحاد في دولة الإمارات، والتلغراف، والمستقبل في أستراليا.

في أثناء إقامتها في الإمارات العربية المتحدة خصّص لها عمود في جريدة "الرؤية" في دبي حمل عنوان" نوافذ بحرية”.

لها أكثر من حوار أدبي، ولقاء تلفزيوني، وإذاعي ما بين المجلات العربية، والقنوات الفضائية في الإمارات، وإذاعة مونت كارلو في فرنسا.

شاركت، وتشارك في الملتقيات الثقافية والأدبية ما بين الإمارات وأستراليا.

أول أديبة سورية تقيم أمسية شعرية في أستراليا، وكان مقرّها قاعة بلدية "كانتبيري/ لاكمبا في سيدني عام 2016 وقد حملت الأمسية عنوان" غابات الفرلق" رتلت فيها الأديبة قصائد لوطنها المنكوب، ولمدينتها الساحلية.

فازت بالمركز الأول عن قصتها "عيون تنشد الأمان" كتقدير من مؤسسة "كلمة" في القاهرة، والقصة منشورة ضمن مجموعتها القصصية " ذكورة المنافي”.

كرّمت بدرع تقدري" كأفضل أديبة وقاصة سورية لعام 2010" ضمن مسابقة أقامتها مؤسسة "كلمة" في القاهرة، حملت عنوان "جائزة نجيب محفوظ للقصة القصيرة"، كما ذكر اسم الكاتبة ضمن ديوان خاص يحمل آثار عدد من المبدعين العرب المشاركين.

كرّمت عن " دائرة الثقافة والإعلام" في الشارقة ضمن إصدارات "كتاب الرافد" عن مؤلفها السردي "أبعد من القيامة".

 كرمت عن جريدة "الرؤية" في دبي ضمن حشد كبير عن مقالتها الأولى التي نشرت في الجريدة، والتي حملت عنوان " نمنمات إنسانية..

إصداراتها في السرد:

" قدري أن أولد أنثى" صدر عن في القاهرة/ الناشر شمس للنشر والتوزيع عام 2008

"سيراميك" صدر في القاهرة عن مؤسسة الكلمة عام 2010

"ذكورة المنافي" صدر في سورية/ اللاذقية عن دار الحوار للنشر والتوزيع عام 2011

" أبعد من القيامة" صدر ضمن " كتاب الرافد" عن حكومة الشارقة دائرة الثقافة والإعلام عام 2014

"نزلاء المنام" صدر في طرابلس/ لبنان عن دار جروس برس ناشرون عام 2019

للكاتبة قيد النشر:

عدد من الأعمال الأدبية بين الشعر والنثر.

مقدمة نقدية عامة

إطفاء المصابيح أُولى مراحل النوم المريح. لكن هناك مَن يحبون أن يناموا والمصابيح موقَدة؛ فالظلام حولهم... يضيء!.

إنه يضيء عتمة العيون، والنفوس، فتطمئن القلوب، وتستسلم للنوم العميق!.

هذه حال (أمان السيد) في افتتاح مجموعتها القصصية (نزلاء المنام):

(مَن يطفئ تلك المصابيح؟

من يعبث بالضوء حولي؟

 أوقدوا المصابيح، أريد أن أنام).

افتتاحية تُشكّل ومضة مكثفة فنيًّا ووجدانيًّا، كومضات قصيدة النثر، أو النثيرة. فأمان السيد شاعرة أيضًا.

لها مجموعات قصصية عديدة. ويحار القارئ والناقد في الاختيار: فالقارئ الشغفوف بفن القصة سيتمتع باختياراته من قصص المجموعات. والناقد سيتمتع بقراءاته ويُرهَق معًا؛ لأنه ابتُلِيَ بالقراءة النقدية الأكثر متعةً، وبلاءً، وابتلاءً.

والوقوف عند كل قصة من قصص أي مجموعة قصصية بشكل عام، يحتاج إلى وقت ليس بالقصير، وإلى معاناة أطول وأعمق، لاستنباط الدلالات الفكرية والوجدانية والفنية الأسلوبية، وفك شفرة الرموز المبهمة أحيانًا، أو الموحية بأطياف موشورية الأبعاد في بعض النصوص، وهذا يخالف النص المسطَّح الذي يشبه لوح الزجاج مما نراه في كثير من قصص هذا اليوم.

لكل إنتاج شعري أو قصصي، وحتى فني تشكيلي شخصيته المستقلة، وبصمته المتفرّدة، التي تعكس شخصية المبدع، ومواقفه المختلفة من قضايا النفس البشرية، وفلسفة الحياة، والعلاقات الاجتماعية والسياسية إلخ...

ولذلك سأقتصر في إضاءتي النقدية على بعض القصص المختارة من مجموعاتها. فأنا لا أحبذ الاستعراضات الصحفية العابرة في تناولي النقدي، وذلك وفق رؤيتي واجتهادي فقد أصيب، وقد أُخطئ. فإن أصبت في اجتهادي فلي حسنتان، وإن أخطأت فلي حسنة الاجتهاد. وفوق كل ذي علم عليم.

قد تكون القراءة النقدية كتابة ثانية للنص، وقد توافق رأي الكاتب، أو لا توافقه. وكذلك قد توافق أو لا توافق هوى الكثيرين من القراء الجادّين. وهذا دليل خصوبة النص نفسه، وغناه المتنوع الأبعاد، وطبيعة التكوين النفسي والفكري والثفافي للمبدع، أو للقارئ المثقف الذي قد يفوق الاثنين معًا في رؤيته المختلفة، بل المتناقضة أحيانًا. وهذا يصب في صالح النقد، والمبدع، وإنتاجه، والقارئ.

وهنا يحضرني المتنبي و(ابن جني). فقد كانا صديقين شامخين في مجاليهما المختلفين. كان ابن جني يشرح أحيانًا ديوان المتنبي بحضوره، وهي تجربة فريدة في النقد الشعري العالمي. أحيانًا يقف المتنبي عند بعض شروح أبياته بإعجاب، ويقول لابن جني: والله لم يدُرْ هذا في خَلَدي، لكنه حَسَنٌ.

 عند عملية إبداع الكاتب أو الشاعر لنصه فإنه يمارس نقدًا أوّليًّا، لكن قد تغيب عنه رؤى ودلالات كثيرة. ونقد الناقد هو نقد النقد الأوّلي كما ارتآه المبدع ثم اعتمده. لكنْ، ليس أي نص، بل النص العميق الرامز إلى الأغوار والأعماق الباطنية للنفس البشرية. إنه النص الموشوري وليس المُسطَّح كلوح الزجاج كما أشرت سابقًا.

عندما يولد النص من رحم المبدع يصبح ملكًا جماعيًا للقراء والنقاد على اختلاف مذاهبهم ورؤاهم. وعملية النقد ليست مجرد شطحات وهلوسات لا ترتكز على دعائم واضحة من اللغة والتحليل والتركيب والاستنتاج والحكم النقدي المعلّل، وأحيانًا الحكم التأثري؛ فالناقد له أيضًا رؤاه ومواقفه الذاتية والانفعالية أحيانًا، فهو ليس إنسانًا آليًّا، "روبوتًا" ينقد وفق برمجة علمية باردة كما في بعض المدارس البنيوية الشكلانية الصارمة ببياناتها وجداولها الإحصائية، رغم عظمة بعض الدراسات البنيوية ونقادها الأفذاذ.

كان الشعراء الرومانسيون: مثل بيرسي شيلي، وكولريدج... ينفرون من النقد الصارم البارد ويرونه مثل تشريح جثة في المشرحة دون رؤية الأسرار الخفية للجسد المُشرَّح التي ماتت بموت الجسد.

وهل نشرّح جناح الفراشة بحثًاعن أسرار مهرجان اللون والضوء في قوس قزح الجناح دون التمتع بأسرار الهندسة الجمالية فيه؟. العالِم يبحث عن الحقيقة العلمية الباردة في الجناح، وليس الأسرار الجمالية الكامنة فيه.

عملية النقد ترهق الناقد وتُمتّعه معًا، وقد ترهق القارئ الجاد وتمتّعه أيضًا. ولكلٍّ آراؤه ومواقفه.

وللناس في ما يعشقون مذاهبُ .

(1) التعادلية بين الجمالية الشعرية وجمالية السرد

قضية فنية محيِّرة عند أمان السيد، ولا تعم قصصها كلها، بل ظاهرة جلية في بعضها إن لم نقل في الكثير منها، وهي في رأيي طغيان الشعرية على السرد أو الحدث القصصي. وهذه ظاهرة فنية، بصمة أسلوب، تعبّر عن شخصية الكاتبة الفنية، وليست نقيصة، بأي شكل. فالأسلوب هو الرجل، كما يقول الكاتب الفرنسي جورج لويس لوكلير الشهير بالكونت دو بوفُّون، وهي عبارة شاعت وذاعت في النقد الأدبي، وحمّلها بعضم مدلولات سلبية.

من التعليقات السريعة المطبوعة على صفحة الغلاف الأخير لمجموعة " نزلاء المنام " نقرأ تعليقات فنية هامة لوديع سعادة، والمرحوم الفنان الأديب والشاعر غسان علم الدين، زوج كاتبتنا أمان السيد.

وديع سعادة: " ليست القصة لدى أمان السيد مجرد سرد لحدث. ليست القصة لديها مجرد قصة. إنها قصة ما وراء القصة... وعلى رأسها تاج الشعر".

غسان علم الدين:" الكاتبة لم تكتفِ باللجوء إلى كتابة القصة التي عمادها الخبرية، والسرد، والحدث المفقود، وإن وُجِد...بل اختارت الشعر فضاء ألقت فيه بذورَ مسِّها وحريقها الجواني..أمان السيد شاعرة الكتابة...".

وتوصيف غسان علم الدين لأمان بأنها "شاعرة الكتابة ينقصه توصيف نوع الكتابة هل هي الكتابة القصصية، أم الكتابة الإبداعية مطلقاً ؟ فنزار قباني في مقالاته، وليس في قصائده، شاعر كتابة. وكذلك غادة السمان، وأحلام مستغانمي، وأدونيس،...

لنأخذ مثالًا من (قصة) " محاصر بغابتيك" من مجوعتها القصصية " أبعد من القيامة ".

" غريبان في المنفى. قبالتي جالسٌ تحملق في الفراغ. أحتسي عينيكَ في فنجان قهوتي، وأهدأ. إذ في الفنجان لا تزال رشفة أُسَحِّبكَ معها في أوردتي ".

" موسيقى الجاز تعزف، والمغني يوَقِّع لنا لحننا الشغوف. أكثر الناس تلهفًا إلى الحب أولئك المحاصرون بالحب" . " أتذكَّر مدينة مطلية بالبحر... كم تشبهك تلك المدينة! عيناك غابتان من وحشية بملامح طيف نابع من عمق المستحيل. أجبني.. لو أن عينيك تلاقتا بعينين تتعبدان في صومعتك هل ستسمح للشعر بأن يبوح بالشعر؟ وهل ستغزل ريشتك لونًا عابثًا في زمرد البحور"؟

"عيناك الخريفان اللاهثان في فكرة تداري تمردي. في منفيين بينهما ينبت بيننا أكثر من حاجز، وأكثر من عابر يرشق فضوله ويدندن...من هنا عليها أن تسرح الأغنية."

تعابير جميلة جدًا بمعايير فنية عديدة. وهذه الأسطر تغلب عليها نفحة روحٍ سردية خافتة، تطل علينا من خلال الأفعال المضارعة الحركية المجسِّدة لحدث حاضر يجري. واسم الفاعل: جالس، يحمل الدلالة ذاتها.

من ذلك: جالس تحملق. أتذكَّر. لاتزال. أُسَجِّيك. تعزف. يدندن.

النفحات الشعرية- برأيي- هنا تطغى على السرد. عكس ما يراه وديع سعادة وغسان علم الدين.

لكن، شخصيًّا، لا تُشعرني هذه الكتابة بأنها سرد لحدث. هي نجوى، أو مناجاة وجدانية بليغة، فيها شعرية فنية جميلة التصوير، موحية اللغة بأجواء حميمية ذاتية. أو هي رسالة حب موجهة إلى المحاصَر بغابتيه مثل رسائل العشاق البلغاء.

لنقرأ هذه (القصيدة) للشاعر الفرنسي جاك بريفير بعنوان: وجبة الصباح) حيث تتعادل أو تتوازن الشعرية مع السرد :

" وضع القهوة في الفنجان. وضع الحليب في فنجان القهوة. وضع السكر في القهوة بالحليب. حرّكها بالملعقة الصغيرة. شرب القهوة بالحليب. وضع الفنجان دون أن يكلّمني. أشعل سيجارة. ونفث دوائر من دخانٍ. ألقى الرماد في المنفضة. دون أن يكلّمني، دون أن ينظر إليّ. نهض. وضع قبّعته على رأسه. ارتدى معطف الشتاء لأنّ المطر كان يهطل. وانصرف تحت زخّات المطر دون كلمة. دون أن ينظر إليّ. وأنا وضعتُ رأسي بين يديّ.. وبكيت"ُ.

هذه قصيدة شعر، لكن فيها التصوير السردي الحركي المجسَّد المتلاحق بما يجعلها تتعادل أو تتوازن تناظريًا بين الشعرية والسرد. بين جمالية السرد وجمالية الشعر. بل أرى أن السردية عند جاك بريفير غلبت الشعرية،

(والكاتب شاعر). وهذا عكس ما رأيناه عند أمان السيد حيث غلبت الشعريةُ السردَ (والكاتبة قاصّة) .

وأكرِّر: هذه ليست نقيصة ، بل ظاهرة فنية موضوعية استنتاجية، هي بصمة سرية للكاتبة. ولا توجد أصابع بلا بصمات.

(2) التعادلية بين الجمالية الشعرية وجمالية السرد

فن الشعر، فن النثر الشعري أو الشاعري، وفن الشعر النثري، قصيدة النثر، النثيرة... تسميات بينهاعلاقات فنية سرية ذات أطياف متموجة ومتدرجة. فالموسيقا الشعرية طيفٌ متناهي الألوان. والشعر قوس قزح في موسيقاه، أو تناغماته الإيقاعية.

في الشعر الموروث تكون الموسيقا ميزانًـا خليليـًا فراهيديًّا صارمًا على أوزان بحور الشعر الستة عشر، كما حصرها القدماء، والتي يسميها نزار قباني الأقفاص الستة عشر..

وقد تكون ميزانًا تفعيليًّا يستند إلى وحدة التفعيلة المتنوعة العدد والقوافي، كما في ما يسمونه شعر التفعيلة والذي عهدناه عند شعراء حركة الشعر الحديث: السياب، نازك الملائكة، صلاح عبد الصبور...

وقد تكون إيقاعـًا وتناغمًا(هارمونيًّا) مجردًا من أي وزن خاص صارم، أو تفعيلي حر. فالشعر مجرد نثر فني فيه إيقاع موسيقي يشعُّ في النص من سرّ اللغة الشعرية، أو الشاعرة بأنغامها، وتناغم حروفها، ومن دهشة الخيال أو التخييل، أو الصورة الفنية المبدعة، ومن الأفكار، ونبضات الوجدان، وومضات المعاني، ومن الخيال والتخييل، أو الأخيلة الإيحائية غير المألوفة والمثيرة للحاسة الجمالية ضمن تفاعلات كيميائة النص المتكاملة العناصر.

  هذا ما نجده عند شعراء الحداثة، وما بعد الحداثة، كما عند أدونيس وأنسي الحاج، ومنذر مصري، وآخرين...

رغم أنني، من خلال ممارساتي الشعرية وعشقي لكل تشكيلات الشعر الموسيقية بما في ذلك النثيرة، أميل إلى آراء، وممارسات شعرية، لنقاد وشعراء عالميين أفذاذ مثل كولردِج، وإليوت، وهما من أنصار موسيقا الشعر وأوزانه مع تعليل فني ونفسي ومعنوي من حيث العلاقة ما بين الموسيقا الشعرية والمعنى، والموسيقا الشعرية والحالة النفسية...

فالشاعر والناقد الإنجليزي كولردج يرى الوزن في الشعر توازناً بين الشعور واللاشعور، وبين العاطفة والعقل. وقد درس طبيعة الوزن الشعري المضطرب عند شخصيات شكسبير المسرحية المصابة بالجنون فوجد ترابطاً بين الوزن الشعري وهذيان الشخصية. فكولردج ربط بين الوزن والإيقاع والتعبيرعن المعنى. كذلك ربطهما بالخيال، فالإحساس بالمتعة الموسيقية هبة من الخيال. وربط بين الوزن واللغة. وشبّه الوزن بالخميرة التي لا فائدة منها بمفردها، فهي تكتسب أهميتها من مزجها بغيرها من العناصر الشعرية.

يقول إليوت: " موسيقا الشعر ليست منفصلة عن المعنى وإلا وجدنا شعرًا له جمال موسيقي دون أن يعني شيئًا. وبين معنى الشعر وموسيقاه ارتباط حيوي يضيع تماماً عند ترجمة الشعر إلى كلمات منثورة . فالمعنى في الشعر يتطلب موسيقا الشعر، وفي الترجمة يفقد الموسيقا والمعنى الكامل " .

طبعًا المعنى العام يبقى في الترجمة، ولا يفقد النص المترجَم المعنى الكامل، لكنك تشعر أنك أمام منظر جميل لقمر شعري مضيء، ولست أمام بدر شاعري يشعّ بالضياء. ولكُلٍّ جمالُه.

وهناك ظاهرة نفسية فنية تدل على أن الشعر أحيانًا هو الذي يكتب الشاعر في خلسة منه ويفرض عليه بحره أو إيقاعه الموسيقي الخاص وتشكيلاته القزحية الألوان. وكم من (نثيرة) فاقت في روعتها (قصيدة) خليلية أو تفعيلية. وكم من (قصيدة) موزونة على نغمات(السُّلم الموسيقي) بصرامة، وُلدت ميتة الروح!

  والشعرية أو الشاعرية، من بصمات فن القصة بأشكالها المتعددة: رواية. قصة قصيرة. أقصوصة.. وهذا غير القصة القصيدة، أو القصيدة القصة، بمعنى آخر ما نسميه: الشعر القصصي.

عند أمان السيد نجد في سردها القصصي، في كثير من السرديات، نفحات الروح الشعرية أو الشاعرية، وهي لا تنوي أصلاً كتابة الشعر خلال سرد الحدث(علمًا بأنها شاعرة أيضًا). لكنها تخضع بعفوية لروحه. فالشعر يكتبها رغمًا عنها. كما ففي افتتاحية مجموعتها القصصية نزلاء المنام(ذكرناها سابقًا) نقرأ:

" مَن يطفئ تلك المصابيح؟

من يعبث بالضوء حولي؟.

أوقِدوا المصابيح

أريد أن أنام ".

افتتاحية تُشكّل ومضة مكثفة فنيًا ووجدانيًا من ومضات قصيدة النثر، أو النثيرة . فهنا نجد موسيقا المعنى واللغة ، وإيقاع الصورة، وتناغم الوجدان والمشاعر مع الخيال أو التخييل...

 وفي مجموعتها: قدري أن أولد أنثى، وهي تسرد حدثًا قصصيـًّـا ولا تكتب شعرًا، نقرأ التالي في قصة : المطر وأشياء أخرى، بعد أن نسّقْتُ سردها النثري القصصي على نمط قصيدة النثر أو النثيرة :

" استنزفْني أيها المطر.

ألهِبْني غيوماً.

 بدِّدْني سكائبَ.

 اغمرني عشقًا وموجًا وصخرًا ورملًا.

إنه بقربي، لا شيء يفصلنا..."

 هذا المقطع يشكّل نبضة وجدانية غير سردية. فهو ينتمي إلى قصيدة النثر أو النثيرة بعناصر فنية متكاملة: من موسيقا المعنى، واللغة الشعرية - الشاعرية، بحروف همسها وجَهْرها وتكرار إيقاع فعل الأمر المنبث في الذات، وكذلك الصورة التخييلية، والمشاعر الدافئة...

لكنْ ما المفقود في هذه السردية (القصصية) الجميلة لتصبح شعرًا؟ إنه (الموسيقا الشعرية المعيارية) وفْق إيقاع خاص كما في الشعر الحر، بتنوع عدد التفعيلة، وهي الوحدة الموسيقية الشعرية المتنوعة النغمات كالسلم الموسيقي.

 في قصة " ذكورة المنافي" ، في المجموعة القصصية التي تحمل العنوان ذاته، نقرأ جملاً شاعرية اقتطفتُها من (السرد القصصي):

" توّهَني منفاك

في سكون الظلمة

راحت عيناك خفافيش تتناسل

في انطفاءات عينيك

لمحت أوطاناً تُذبج بمقاصل.

جلّادوها تجارُ ليلٍ

وفأس، وشعارات، ومزايدات

هناك التقينا. "

الروح الشعرية- الشاعرية الموحية بفنيتها الشفافة (هنا) تطغى على السرد القصصي وتيار الحدث، فتبدو كأنها شاعرة تكتب قصيدة نثر جميلة، لا قصة. ونذكِر بأن أمان السيد شاعرة متميزة.

وقد قمتُ بتجربة تطبيقية شعرية موسيقية معيارية، على نص قصصي بإنقاص (طفيف جدًا) لكلمة أو حرف أو زيادتهما لنحصل على مقطع من قصيدة تفعيلة كاملة.

أقتبس هنا حرفيًا من (قصة) عنوانها(رصاص أقلام)، وليس (أقلام رصاص)، عن الفنان محمد حسن:

 " يرسم بسلاسله سجنًا لا يترك مكانًا لنافذة تُنفِذ بعضَ الضوء الصالح لاستمرار الحياة. ينحت في جدران السجن الرطبة جسدًا تتدلى أطرافه، كلعبة ابتدعها مخرج. بقلم رصاص يرسم مشنقة يتدلى منها لسان. يعلمون أن تحت المشنقة امتدت ألسنة واجتمع بشر يتكاثرون في كل حدب وصوب".

 فلنضع هذا السرد القصصي في قالب من شعر التفعيلة على بحر المُحْدَث (أو الخَبَب) باعتماد تفعيلة (فاعلن) مع الجوازات المعروفة وبخاصة: فاْعِلُ/0 // ، بحذف النون، وفَعِلُنْ / / / 0

وفَعْلُن / 0 / 0 ، وفَعِلاْنْ/ / / 0 نْ مع التقاء الساكنين كما هو جائز في نهاية البيت أو الجملة الشعرية.

أولًا أصوغ هذه السردية - القصصية شعرًا وفق معيار شعر التفعيلة مع تعديل أو نحت لغوي طفيف، حتى نرى طغيان الشعرية على لغة السرد. وكما قلت سابقًا فإن هذه الظاهرة ليست سائدة كليًّا، بل غالبة، وليست نقيصة، بل سمة فنية لها جمالها:

" يرسمُ،

بسلاسله سجنًا

لا يترك نافذةً

 تُنفذُ بعضَ الضوءِ،

اَلصالح لاستمرار حيـاْةْ .

ينحت في جدران السجن الرطبةِ،

برصاص قلمْ

أو قلم رصاْصْ

جسدًا تتدلّى أطرافُهْ

لعبةّ مُخرِجْ

هي مشنقةٌ

يتدلّى منها طولُ لساْنْ

تحت المشنقة امتدّتْ ألسنةٌ

واجتمع أُناسٌ قد وفَدوا

من كلّ مكاْنْ ".

والآن نضع الوحدات الموسيقية بعد النحت اللغوي الطفيف جدًا لحرف أو كلمة:

" يرسمُ،

/0 / /

بسلاسله سجنًا

/ / / 0 ، / / / 0 ، / 0 / 0

لا يترك نافذةً ،

/ 0 / 0 ، / / / 0 ، / / / 0 ،

تنفذُ بعضَ الضوءِ،

 / 0 / / ، / 0 / 0 ، /0 / 0

ألصالح لاستمرار حيـاْةْ

/ 0 / 0 ، / / / 0 ، / 0 / 0 ، / / / 0 نْ

ينحت في جدران السجن الرطبةِ،

/ 0 / / ، / 0 / 0 ، / 0 / 0 ، / 0 / 0 ، / 0 / /

برصاص قلمْ

/ / / 0 ، / / / 0

أو قلم رصاْصْ

/ 0 / / ، / / / 0 نْ

جسدًا تتدلّى أطرافُهْ

/ / / 0 ، / / / 0 ، / 0 / 0 ، / 0 / 0

لعبةَ مُخرِجْ.

/ 0 / / ، / 0 / 0

هي مشنقةٌ

/ / / 0 ، / / / 0

يتدلّى منها طولُ لساْنْ

/ / / 0 ، / 0 / 0 ، / 0 / 0 ، / / /0 نْ

تحت المشنقة امتدّتْ ألسنةٌ

/ 0 / 0 ، / 0 / / ، / 0 / 0 ، / 0 / 0 ، / / / 0

واجتمع أُناسٌ قد وفَدوا

/ 0 / / ، / / / 0 ، / 0 / 0 ، / / / 0

من كلّ مكاْنْ.

/ 0 / 0 ، / / / 0 نْ

 قمنا ببعض النحت اللغوي، كما أسلفت، بإنقاص طفيف لكلمة أو حرف أو زيادتهما، لنحصل على (شعرية قصصية)، للتدليل على أن أسلوب السرد عند أمان السيد(دون تعميم) يتماهى مع الشعرية المنبثة في حنايا السرد. وأكرر أن هذه الظاهرة ليست نقيصة بل تمنح النص جمالية الشعرية وجمالية السرد معًا.

 صحيح أن لغة الفن القصصي: أقصوصة، قصة قصيرة، رواية تتماهى في كثير من المواقف السردية مع لغة الشعر وموسيقاه بأشكال مختلفة دون أن تكون بالضرورة منتمية إلى عالم التفعيلات أو الوحدات الموسيقية وفق معيار معين بل هي روح التوقيع أو الإيقاع اللغوي الموسيقي والحساسية الفنية الجمالية عند المبدع.

لكن، وفق رأيي وذوقي، وللناقد ذوقه المعلَّل لا بد من تعادلية خفيَّة، وتوازن مدروس بعناية، بين جمالية الشعرية، وجمالية الحدث السردي أو السرد الحدثي، حتى لا يكون الحدث مفقودًا أو مخبوءًا خلف غلالة شفّافة من الجمالية الشعرية، فتطغى بذلك الشعرية على السردية، في حضور السرد. والجماليتان مطلوبتان فنيًّا وجماليًّا.

أمينة المجنونة في “نزلاء المنام”

الرمز في الأدب فن تعبيري وظيفي، وليس هلوسات غامضة قصدًا، بهدف تعالي الكاتب على القارئ وإيهامه بأنه أمام نص عميق الدلالة يتحداه. والرمز قد يكون خدعة فنية أو حيلة من الكاتب للهروب من الرقابة الفكرية التي غالبًا ما تكون أقل مستوى من المبدع في فهم مراميه البعيدة. وهذا ما جعل نجيب محفوظ يهجر الكتابة الصحفية ويلجأ إلى الفن القصصي مسوّغًا هذا بأن فن القصة فن (مراوغ) يستعصي أحيانًا على الرقيب الفكري ومقصه الذي يقص الورق واللسان والرقاب.

في قصة (ماؤه المقدس) مثلًا، كما سنناقشها لاحقًا، سنجد أمان السيد تعتمد الرمز المتحدي للإدراك السريع بدلالات غامضة متروكة لخيال القارئ. وهو في غالبه رمز تجريدي موحٍ بالعناصر الفنية المعروفة للقصة.

في قصة (أمينة المجنونة) يتداخل الرمز مع مكان الحدث القصصي، أو البيئة الجغرافية، والاجتماعية والسياسية...

فأما من جهة بيئة الحدث فنحن نعرفها واقعيًّا(منطقة الحفة) باللاذقية التي تنتمي الكاتبة وأمينة إليها. والشخصيات واقعية: الكاتبة- الراوية وهي طفلة، وأترابها، والجدة، وسكان الحفة

" العامّة المشدوهة " .

ومن جهة أخرى هناك رموز أو كنايات وإشارات بلاغية واضحة التسمية لكنها توحي بمدلولات أخرى مثل:

رجل ضخم أسمر وسيم الملامح. فراعين السلطة. الزعيم. نعيق العريس: جمال عبد الناصر زمن الوحدة مع سورية وقد زار منطقة الحفة وخطاباته الجماهيرية التي تشبه النعيق!.،

ومثل: العامّة المشدوهة: الغوغائيون أو الجماهير الغائبة عن الوعي. الترانزِستور والمذياع. بوق أمينة المعقوف: وسائل الإعلام الرسمية التي كانت تلهب حماس الجماهير، وانشداهها الأزلي برموز السلطة وفراعينها. وأخيراً السد.

كانت الكاتبة الطفلة، في سرد خاطف من سيرة ذاتية، تعابث أمينة مع أترابها بمطاردتها في الحارة هاتفين باسمها. وتنفرد الكاتبة الراوية، وهي طفلة، بإطلاق اسم المجنونة على أمينة. وتحدث المطاردة إلى بيت الجدة، ويعلو صراخ أمينة الهائجة...

نصف الصفحة الأولى من القصة تقريباً تغطي هذا الحدث.

ثم تبدأ مرحلة أخرى من مراحل السرد القصصي بمستوى أعمق فتحكي الكاتبة عن سر تسمية أمينة بالمجنونة:

" احتاروا في تفسير إصابة أمينة بالجنون، فمن النسوة من تغامزن بحكاية طريفة أنها فقدت عقلها في ليلة دخلتها حين خلع العريس ثيابه فنفر منه ما أفزعها، وأصيبت من ساعتها باللوثة".

ونجد تفسيرًا آخر يحتج به الناس على جنونها وهو لباسها الغريب، وفستانها المزركش وقد دلّت منه حمّالات صدر عديدة حصلت عليها من نسوة البيوت بعد انتزاعها منهن انتزاعًا. مع صورة غمرت من أمينة مغظم ثوبها لتبتلع من حذائها طويل الساقين المعقود على رجليها بشرائط متصالبة، وكانت الصورة لرجل ضخم أسمر وسيم الملامح(تقصد صورة جمال عبد الناصر).

تبدو أمينة بهذا الثوب مثل شخصية الدرويش في قصص نجيب محفوظ مثلًا بالعصا والمبخرة والثياب المرقعة... لكن درويش نجيب- وغيره من الدراويش- ينطق بأسرار الكاتب، إذ يُنطِقه بما يوحي بالجنون، لكنه جنون العاقل العارف بالخفايا. وهذه الشخصية مثل الجوقة في المسرح الإغريقي أو الكلاسيكي وبعض المسرح الحديث، وهو الكورس الذي يعلِّق على الأحداث ويكشف بعض الخفايا للجمهور. لكن شخصية أمينة شخصية صامتة تنطق بثيابها المزركشة، مثل ثياب الدرواويش وصورة زعيمها العريس.

وهكذا كان تفسير جنون أمينة: تفسيراً جنسياً ، وآخر سياسياً قومياً.

أما عن التفسير الجنسي فيثير قضية اجتماعية انتقادية لتقاليد بالية إذ تدخل العذراء على عريسها أو يدخل عليها، وهي جاهلة بعالم الجنس قبل الزواج ، أقصد لا تمهيدَ علميًا جنسيًا للبنت قبل الدخول بها، وهذا عند العامّة، من باب العيب والعار وتفتيح وعي البنات على عالم سري يجب ألا يعرفنه إلا ليلة الدخلة. من هنا كان جنون أمينة ضحية الجهل والعيب والخجل والحرام...

وهنا أُحيل القارئ إلى روايتَيْ خضراء كالمستنقعات، وخضراء كالحقول، للدكتور هاني الراهب في معالجته الصريحة جداً لهذه القضية، مع عمق نفسي وفلسفي وفكري وجنسي واجتماعي وأخلاقي... لم أجد له نظيرًا، في حدود اطلاعي، إلا عند رائعة الطيب صالح في روايته العجيبة: موسم الهجرة إلى الشمال. فقد تبدو معالجة الروائيين لمشكلة الجنس إباحية، من نوع الأدب المكشوف لمن لا يدرك مرامي الكاتبَين.

أما عن التفسير السياسي القومي لجنون أمينة فمسألة فيها نظر! بل وجهات نظر متنوعة ومتناقضة بتنوع وتناقض المواقف العربية، أفرادًا وشعوبًا وزعامات، من فكرة الوحدة والقومية الشوفينية! والزعامة الاستبدادية، وانشداه العامة برموز السلطة وفراعينها...

هل يا ترى ترمز أمينة إلى فكرة العروبة أو القومية العربية؟ وإلى الجماهير الغوغائية الغائبة أو المغيَّبة عن الوعي؟

وهل " السد " رمز آخر للحاجز الذي وقف مانعًا في وجه الترويج لنجاح الفكرة القومية، وتوحيد أمتنا كتلةً واحدة قوية في عالم التكتلات الكبرى، حيث لا وجود للكيانات الشظايا الصغرى المفككة المتناحرة في عالمنا المعاصر؟.

فأمينة وُجدت جثةً هامدة قرب" السد" معانقة صورة الزعيم الأسمر. وأمينة، رمز الفكر السياسي القومي الغوغائي، ماتت. و" السد" وقف حائلاً دون انتصار هذه الفكرة. وماتت الزعامة المستبدة، وانشداه العامة الأزلي برموز السلطة وفراعينها.

هنا أتذكر خليل مطران في قصيدته عن نيرون، وهو رمز لكل الطغاة عبر التاريخ إذ ينتقد الشعب الذي يؤلِّه الطغاة:

ذلك الشعبُ الذي أوْلاهُ نصرا

هو بالسُّبّة من نيرونَ أحرى

" عندما عثروا بها ميتة قرب السد... كانوا يرددون: إنها مجنونة، والمجانين أحرار في أن يصلوا بمشاعرهم إلى من يحبون ويهوون مهما علت بهم المناصب والكراسي".

رحمك الله يا أمينة المجنونة – العاقلة . ننتظر قيامتك، لكنْ من دون رموز السلطة وجنرالاتها وفراعينها وطغيانهم، ودون لوثة الغوغاء!

ليت أمتنا، مثل أمينة، تصبح " مجنونة حرة " في جنونها وتحلم بتحطيم " السد " بل السدود كافة، وتحقق كيانها القوي تحت أي شعار، أوتسميات للكيانات المتكاملة القوية: فِدرالية, كونفدرالية، وحتى لو تحت زعامة الشيطان!

وأختم نقدي بمداخلة خارج النص ومن وحيه:

الجامعة العربية مُفَرِّقة لا (جامعة)! ومجالسها المتنوعة متاحف شمع: من مجلس الدفاع العربي المشترك، إلى التعليم والثقافة، والتربية، والزراعة... لم ينجح من مجالسها سوى مجلس وزراء الداخلية!!

لا ريب في أن الوحدة مع مصر كان لها سلبيات كبرى وانتكاسات وثغرات على مستويات متعددة. نعم كانت دولة الوحدة مريضة. والمريض نعالجه ليشفى...لا نقتله !

اليوم سورية صارت شظايا مع التوابع. اليمن فُتات مع اللواحق. وكذلك ليبيا. العراق . السودان. والبقية تأتي...

غاريبالدي ، بسمارك، ماو تسي تونغ، إبراهام لينكولن... وحّدوا بلادهم كتلة واحدة، قوةً عظمى في عالم لايرحم الضعفاء المشتتين. لكن هذا حرام، بل مُحرَّم علينا

 

بقلم الشاعر والناقد السوري

 أ. مصطفى سليمان

...........................

* جزء من دراسة نقدية مطولة

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5062 المصادف: 2020-07-15 04:09:45