 قراءات نقدية

ملامح السرد لجوجول.. قراءة فى قصة "المعطف"

سحر النحاسقصة المعطف

إنها قصـــة حزينة للغاية.. و"أكاكي كاكيفيتش" بطل القصـة موجــود بيننا،هو كل ذي حـلم بســيط تغتاله الأيام .

نيكولاي جوجول:

نيكولاي جوجول: من مؤسسي المدرسة الواقعية في الادب الروسي حتى أن بعض الادباء سموه بأبو النثر الروسي الواقعي. من خلال قصته "المعطف" التي تدور احداثها حول موظف فقير يسخر الجميع منه فمن أجل شراء معطف جديد بعد أن اصبح الأول معطفا مهترئا ممزقا لا يستطيع امساك رقعة، يحاول تقليص مصاريفه اليومية كالامتناع عن شرب الشاي بالمساء وتصرفاته السابقة كالمشي ببطأ لكي لا يبلى حذاءه بسرعة.. ثم يكمل الكاتب قصته بسرقة المعطف والمواقف التي تواجهه لوضع شكاية لينتهي به الامر ميتا بالحمى

استعمل الكاتب تعابير دقيقة وتفصيلية واوصافا اعطت للقصة جمالية رغم البداية المملة

وصف الوجوه والحجرات والشوارع صور أدق التفاصيل بوجه الخياط جلسته حجرته حتى علبة السعوط برسوماتها وصورة الجينرال الذى غطتى وجه بورقة لاصق اشار لشكل قدمه الكبير واظافره السميكة كسلحفاه الدخان المتصاعد من حجرة المطبخ اثناء طهى زوجته للسمك حتى انه لا يستبين الصراصر الموجودة بالحجرة

استعان بالتوصيف الدقيق لشخصية البطل المهزوزة يقول:"كان يستخدم حروف الجر والظروف والادوات التى لا معنى لها على الاطلاق، كان لاينهى الجملة هذا فى الواقع...وينسى ويظن انه قال كل شىء" أتاح للقارىء المشاركة الوجدانية والعقلية للغوص فى عالم البطل ومعايشة واقعة المرير كشخص مهمش لا طموح ولا احتياج انسانى كرجل لانثى لا امل فى مستقبل وسعادته فقط فى نسخ الاوراق بمتعة وهى حالة غير سوية أو طبيعية للانسان العادى

 الحبكة قوية نوعا ما وهى مزيج ما بين السرد الواقعى ثم تحول الى الاسطورى او الفنتازى بعد موت البطل الذى عاش ضعيفا مستسلما حتى سرق حلمه بسرقة معطفة الجديد الذى مثل له هدف سعى لتحقيقة لاول مره فى حياته وبعد ان عنفه المسئول المهم وفشله فى تحقيق العدالة او حتى اظهار التعاطف معه فكانت ثورته وانتقامه فى موته وكأن شبحه الذى افزع المدينة كلها واعاد المسئول الكبير الى صوابه هو البطل الوهمى الذى نراه فى الافلام الخيالية كسوبر مان الذى ينتزع الحقوق من الظالمين ويحقق العدالة

معطف أكاكي كان لعنة على سارقه وشبحه انتقم له، حتى لم يعد أحد يجرؤ أن ينتزع المعاطف من على الأكتاف في هذه المدينة

وأكثر ما علق في ذهني من القصة ذلك التحول الذي طرأ على أكاكاي منذ بدأت فكرة المعطف الجديد تلوح في ذهنه كأمر واقع بدأ بالتحقق ... مالذي حصل له؟ تلك البهجة والصلابة، حتى بعد أن ارتدى المعطف في أول يوم عاد إلى منزله مرحا ولم ينسخ شيئا كعادته ... كأن روحا أخرى سكنت جسده أو بالأحرى انبعثت من أعماقه من جديد بعد أن دفنتها الطبقية والتهميش واحتقار أكاكي نفسه لها نتيجة ما تعرض له طوال حياته من سخرية واستهزاء وكأن المعطف جاء ليؤنس وحدته ويحاوره كزوجة رضيت به واستحسنت وجوده كانسان وليؤكد له بأنه مازال إنسانا من حقه وفي استطاعته أن يحلم بالأفضل وكأن انغماسه المهووس في النسخ (ولا شيء سواه) كانت وسيلته للهروب من مواجهة نفسه قبل الآخرين بالصورة المغلوطة المشوهة عن ذاته تلك التي انطلقت من جديد ما ان لاحت لها بوادر الأمل وأن هناك ما يمكن فعله في هذه الحياة اكثر من مجرد الرضى باقل الموجود والممنوح 

الخوف من الألم (ألم البرد) هو ما دفع اكاكي لاحتمال سياسة التقشف تلك لتأمين ثمن المعطف بعد أن تيقن من استحالة ترميم القديم.. ولكن لماذا لم تكن سخرية زملائه من معطفه كافية لتدفعه إلى ذلك؟ أليست الإهانة مؤلمة؟ هي كذلك بالتأكيد، ولكنها من النوع الذي يمكن أن نغالط أنفسنا لنحتمله ولنتعايش معه أو بالأصح نرضخ له ونستمر في ذلك حتى يداهمنا ألم أكبر لا نقدر عليه فإما ان نغلبه او يقضي علينا تماما وهنا تستيقظ فينا غريزة البقاء (او التفوق) وترغمنا على الدخول في عراك مع هذا الالم ليدفع بنا الى الحدود .. حدود قدراتنا وارادتنا فترتفع اسقف احلامنا ونكتشف في انفسنا اناسا آخرين لم نعرفهم لاننا لطالما اطبقنا عليهم تلك الاسقف.. والسؤال لماذا نصر دائما على فعل ذلك؟

في النهاية يستميت ويموت اكاكاي في سبيل استعادة إنسانيته المسلوبة (معطفه) ويقرر شبحه ان ينتقم من كل من لا يزال يحتفظ بها إما لان احدا لا يجرؤ على سلبه اياها او لانه هو لا يجرؤ على تعريضها لأدنى خطر فيحتفظ بها بالية مرقعة مفرغة من اي معنى حقيقي لها تماما كمعطف اكاكاي القديم.

والمعطف هنا له أكثر من مدلول مادى فهو يمثل الامان والدفء ليس فقط من البرد ولكن كحماية من السخرية والمهانة من كل المحيطين به واحساس بانسانيته وبان من حقه ان يرتدى ملبسا جيدا وان ينال نظرات الاستحسان من النساء وان يستمتع بحياته يضحك ويسامر الناس

لم يكن معطف أكاكي أكاكيفيتش، معطفًا للبرد، بقدر ما كان رمزًا للكرامة الإنسانية التي يجب أن تحمي الفقراء كما تحمي غيرهم. كان لهذه القصة تأثير هائل لأن جوجول أحسن عرض رثاءه للموظف المغمور الذي وقع فريسة الظلم الاجتماعى والضياع وسط البيروقراطية

ويختتم جوجول القصة بنهايتين

أولها:عندما مات بالحمى بعد خروجة من مكتب المسئول الكبير الذى عنفه وامات روحه وانسانيته قبل ان يلفظ انفاسة يقول

"واختفي كأنما لم يكن موجودا فيها ابدا , اختفي وغاب ذلك المخلوق الذي لم يكن له من يحميه , والذي لم يكن عزيزا علي احد , ولا شيقا بالنسبة لاحد

والذي لم يجذب اليه انتباه حتي عالم الطبيعة الذي لا يدع ذبابة عادية دون أن يغرس فيها دبوساً ويفحصها تحت المجهر ذلك المخلوق الذي تحمل بإذعان سخريات الكتّاب الموظفين، والذي واراه التراب دون أي علم من أي أحد، ولكنه مع ذلك قد زاره ضيفًا جميلًا قبيل نهاية حياته في صورة معطف بعث الحيوية ولو للحظة في تلك الحياة البائسة"

والثانية: عند انبعاث روحه كشبح للانتقام ممن سلبوا حقه فى حلمه البسيط وعجز عن حمايته أو استرداده فى حياته المهمشة.

ان قصة المعطف تعد من أروع ما كُتب كنموذج للواقعية للقصة القصيرة للادب الروسى فى وقت كانت الرمزية والاسقاط والسرد الحكائى الطويل هى سمه من سمات ذلك العصر الذى اتسم بالبيروقراطية الشديدة والغوص داخل نفس الانسان، وطرح الأسئلة الوجودية والروحية الكبرى بكل عمق وصراحة ودراما، وتوضيح التوتر الكبير بين موجة التغريب التي اجتاحت روسيا وبين الهوية الوطنية للبلد، بالإضافة للقدرة الأخاذة على النزول والارتفاع الى مختلف فئات المجتمع.

 

بقلم: سحر النحاس

كاتبة من مصر

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

مراجعة رائعة لقصة تعتبر من روائع الادب القصصي الروسي والتي اسست للمدرسة الواقعية في الكتابة ونسج على منوالها العديد من الروائيين الروس العظماء مثل دوستويفسكي الذي يقول عن هذه القصة .. "كلنا خرجنا من معطف غوغول"
كل الود والتقدير ...
فراس زوين ... العراق

فراس زوين
This comment was minimized by the moderator on the site

اشكرك اخى الفاضل فراس زوين على قراءتك المستنيرة الواعية ..خالص تحياتى للمرور العطر

سحر النحاس
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5079 المصادف: 2020-08-01 01:13:57