 قراءات نقدية

جنائزيات في "نزلاء المنام"

1700  أمان السيدجانب من دراسة مطولة حول المجموعة القصصية "نزلاء المنام"

للأديبة السورية "أمان السيد"


1- ماؤه المقدس: قبل تحليل بعض القصص الجنائزية حيث الموت والقتل واغتصاب الميت! في المجموعة القصصية: نزلاء المنام، لابد من تمهيد جوهري، وإن طال نوعًا ما، بين يدي تلك القصص. وهو ليس استعراضًا ثقافيّا مجردًا من الوظيفة الفنية والنفسية... للنص المنقود.

فبعض الكُتّاب تكثر في أدبهم المشاهد الجنائزية. وقد يكون بعضهم مسكونـًـا بمشاهد الموت أو القتل المختزَن في عقله الباطني منذ الطفولة، أو في أي مرحلة من عمره مما يشكّل لديه هاجسًا جنائزيًا يظهر في الإنتاج الأدبي في مختلف فنونه التعبيرية أو التشكيلية. ولهذه الظاهرة تفسيرات متنوعة.

والإكثار من ذكر مشاهد الدم والقتل في الإنتاج الأدبي والفني يؤدي إلى وظيفة التطهير (الكاثَرسيز) التي تحدث عنها أرسطو في كتابه فن الشعر (وهو يقصد الشعر المسرحي)، إذ تتطهّر نفسية المشاهد من النفور من ارتكاب جريمة شاهدها؛ من خلال إثارة الفن في أعماقه لمشاعر (الخوف والشفقة): الخوف من الوقوع في ما وقع فيه البطل من مأساة، والشفقة على مصيره التراجيدي. كمشاهدة " أوديب" يقتل أباه دون علمه بأنه أبوه. أو زواجه من أمه "جيوكاستا " دون علمه أيضًا بأنها أمه. ثم فقء أدويب عينيه بعد معرفة الحقيقة كلها.

وهكذا يؤدي الفن وظيفة أخلاقية أساسية في الارتقاء بوعي الإنسان وتطهير سلوكه في سعيه نحو الحق والخير والجمال، فيعطيه مناعة من الوقوع في ما شاهده وتفاعل مع خياله ونفسه، وهذا شبيه بالتلقيح الطبي ضد الأمراض المعدية. ونظرية أرسطو من النظريات الكبرى حتى اليوم في النقد وعلم النفس الأدبي.

وربما بعض الكُتاب (يتلذذ ) بارتكاب جرائم في مخيلته الفنية أثناء ممارسة الكتابة، أو أثناء إبداع أي شكل من أشكال الفنون الإبداعية، فتُشكّل لديه الجريمة إرضاء بديلًا لنزعاته النفسية غير السّويّة. وهي نزعات وميول تكون مدفونة في باطن النفس، فيجعل أبطاله يرتكبون الجرائم في عملية التخييل الفني الإبداعي بدلًا عنه؛ فيتحرر هو من هذه الميول أو النزعات. (غوتيه) مثلًا كانت تراوده فكرة الانتحار فجعل (فرتر) بطل رواية (آلام فرتر) ينتحر فتحرر غوتيه من فكرة الانتحار.

وقد يكون المبدع سوِيَّ النفس، نافرًا بطبعه المتأصل فيه من ميول إلى مشاهد القتل وسفك الدم والاغتصاب، فيأتي إبداعه عاكسًا صفاء نفسه التي طهّرها الطبع وتجارب الحياة، محذّرًا، ومُنَفِّرًا من فظائع الجرائم التي يعالجها فنيًّا.

ولا شك في أن أمان السيد من طائفة هؤلاء المبدعين.

في قصة (ماؤه المقدس) تقتحم أمان السيد عالم الأسرار والغموض في النفس البشرية، فنقرأ عن أول(إثمٍ ) أي أول جريمة قتل على الأرض بيد الإنسان، كما في الموروث الديني. ونتعرف على تلك" السّوءَة الأولى التي اعتُقد أنها ستكون الأخيرة التي ستقرع ضمير الأرض" لكنها على ما يبدو لن تكون الأخيرة فالقتل وسفك الدم شريعة البشر منذ وُجدوا.

فنرى القاتل الغرابَ- البشري، وقد راح يواري سوءة أخيه غائبًا عن الوعي الإنساني الذي

" استنهضه فجأة، بعد أن كان فقَده بتقادم الزمان والأحداث"، وبعد أن رأى الغراب- الطائر كأنه رسول إلهي، حفّار قبور، جاء ليعلِّم القاتل الأول كيف يحفر أول قبر ليدفن جثة أول أخ قتيل بيديه.

لكن سوءات الآثام ستتكرر عبر التاريخ البشري. فالغراب، في سرد آخر وفق المحاكم الغابَوية أو حكايات قصص خرافات الطيور التي تُروَى عن عالم الغربان، نراه يصنع من مناقير الأخوة مطرقة لتحطيم الرؤوس الأخرى.ثم تحطم المناقير ما تبقى من رؤوس متبقية بمناقير ذات جشع وسطوة، كالغربان البشرية التي يحطّم بعضها بعضاً منذ القدم، وتتوالد مناقير أخرى" للتنقيب عما سقط من أعشاش فارقها أصحابها ". والعش مهد ولادة جديدة. مهد حياة كانت هنا.

ذلك هو الصراع الأبدي الذي يحاكي قصة الإنسان والطبيعة والكون حوله. وهي فلسفة وجدناها في التراث الأسطوري للشعوب في حضارتها القديمة كالفرعونية والإغريقية والفارسية الزرادشتية...

ففي فلسفة زرادشت يقوم أصل العالم على التضاد بين النور والظلام، بين الخير والشر، وعلى الصراع بين أهرمان إله الخير، وأهورا مزدا، إله الشر. أهورا مزدا، يتصف بالعقل والنور والخير والخلود... وأهرمان هو المُسبِّب للجرائم والخطايا والشرور...

وهذا هو عالم غربان الطيور، وفق أساطير الطير. ومعادله الموضوعي: غربان البشر.

فلقد بدأ تاريخ البشر بالدم، كما في الموروث الديني من خلال صراع الضدين(قابيل وهابيل). فنشأ الطمع والجشع والغرور... وهكذا نجد العالم منذ الخلق الإلهي الأول لخليفة الله في الأرض الذي أراد مضطرًّا أن يعيد النظرفي سوءات إثمه؛ "فدعا إلى اجتماع سريع للملأ حوله، لكنه صُدِم حين وجد القاعة" خالية إلا من سواده". لكنه ليس سواد الغربان، بل سواد شبح الموت، على مستوى الفاجعة الفردية، وسواد الإثم البشري، سواد الدم الأول المسفوح على الأرض.

وعلى المستوى البشري هو سواد مصير الحياة الإنسانية، الذي يوحي، بل ينْبِئ، بأن الدم البشري سيُسفَح إلى الأبد، بيد الإنسان نفسه.

الانتفاخ الذاتي والغرور طبع إنساني ولما شعر الغراب الإنسان أنه "أرضى غروره، نفخ صدره وهو يبارك بمائه المقدس مَن تجمّعوا حوله... أخذ بعدها يرتفع وهو يصفق بجناحين يحملان رطوبة عرقٍ لم يبرد بعد".

الماء المقدس، الرطوبة، العرق: سر الطهارة، والحياة الجديدة المتجددة الخالدة، رغم الموت والخراب والقتل والدم المسفوح...

في الكتاب المقدس، سِفْر التكوين، الإصحاح الأول:

" في البدء خلق الله السموات والأرض، وكانت الأرض خرِبةً وخالية وعلى وجه الغَمْر ظلمة وروح الله يرفّ على وجه الماء..."

وفي الأساطير البابلبة: في البدء كان الأقيانوس".

عيسى المسيح عليه السلام تعمّد بمياه نهر الأردن المقدسة. وهو تقليد معتمَد إلى اليوم، ومن الأسرار الكنسية. والهندوس يتعمّدون في نهر الغانج المقدس. وفي القرآن الكريم: (خُلق الإنسان من ماء دافق..) سورة الطارق: الآية 6

ابن سينا في أرجوزته الطبية يقول:

احفظْ مَنيِّكَ ما استطعتَ فإنه

"ماءُ الحياة" يراق في الأرحام

وكما بدأتُ في مطلع مقالتي فإن أمان السيد تقتحم عالم الأسرار والغموض، مع الألم الذاتي والكوني الكامن في الفكر والنفس والوجدان، عالم يبدو سرياليًّا في الظاهر، لكنه يعكس باطن الأعماق. إنها السريالية المنطقية!!

وهذا يذكّرني بقول غادة السمان في كتابها:  بومة العشق المستحيل:

" أحبك لأنك بسيط ، واضح كالغموض،

ولأنني أجد سرياليتك منطقية"!!!

لاحظوا: الأسرار بسيطة. الغموض واضح. السريالية منطقية!!

قد تكمن الحقيقة في المتناقضات!. أليس الكون كله قائمًا على صراع الأضداد؟

أمّا عن الألم الكامن في ثنايا النص- عبر الكاتبة -  فهو ليس أي ألم، إنه الألم الوجودي المفجِّر للإبداع. ولعله من تجارب الموت التي صدم كاتبتنا في مرحلة أو أكثر من حياتها، حيث وظّفتْ قصة الغراب في السرد الديني، وصراع الغربان في طبائع الطير، وصراع غربان البشر، توظيفًا فنيًا رمزيًا متقنًا منطلقةً من الألم الكبير الذي يفجِّر مكامن الإبداع في النفس التي تعرف كيف ترتقي بفن الألم الفردي إلى فن الألم الجماعي.

وكما قال غارثيا لوركا: (يا له من ألم ألا يكون لك ألم) !. لكنْ ليس أي ألم. وليس أي متألم.

جنائزيات في " نزلاء المنام

(2) الرأس

اشتهت راوية الحدث هنا، من خلال لعبة فيديو شاهدتها، أن تحاكي لعبة قطع رأس. وحانت لحظة "عاطفية" عصفت بها عندما كان رأسه وادعًا في حضنها وقد سلّمها رقبته التي انسابت مثل رقبة غزال على جسدها. رأت أن رأس عاشقها  كان " شهيًا جدًا، ومستسلمًا " لا يدري ما في رأسها من أفكار تغلي فيه. ابتاعت سكينًا حادة الشفرة من سوق الغجر تكفي شطبة سريعة منه لينشطر رأسه بسرعة البرق.. بينما عاشقها يحلم بأنه بعد قليل، كما هجسَتْ " سيخترقني راميًا بكل أشواقه بين أنفاسي ".

انتهى الأمر. وبقي الرأس غارقًا " بتأوهات اللذة التي نبعت من اللذة التي كان يشعر بها، لا من ألم السكين".

وتم دفن الرأس الذي نسّقَتْ له طريقًا جعلتها مائلة بحيث ينساب إلى مرقده الأخير. دفنته  بصمت ودون شهود أو إعلان. مارستْ طقسها الجنائزي وحيدة: " إنه شعور شخصي يخصّني وحدي. فلِمً أشارك به الآخرين فليس الوقت عيد نحر" .

تختم الراوية- القاتلة جنائزيتَها:

" أشعر بالرأس يحدّق بي وهو ينزلق. لم تكن النظرة حقدًا، أو تضرّعًا، أو استكارًا، كان يشكرني لأنني استطعت أن أبتكر له ميتة مترفة لا يحصل عليها مخلوق عادي".

قصة غريبة مثيرة ، مخيفة وغنية الدلالات.

لا بد هنا من وقفة عند النزعة المازوشية masochism(المازوخية، المازوكية) في علم النفس السلوكي التي تُنسَب إلى الروائي النمساوي (ليوبولد فان زاخر مازوخ) مؤلف الرواية الشهيرة: فينوس في الفراء.

والمازوشية نزعة نفسية أو مرض نفسي- جنسي يستعذب فيها المازوشي تعذيبَ الآخرين له .

فالبطلة هنا تناجي نفسها بأن عاشقها يحلم بأنه بعد قليل "سيخترقني" راميًا بكل أشواقه بين أنفاسي" . ما دلالة الفعل "سيخترقني" بضمير المتكلم وبهذا الفعل الحاد؟  هل تشير إلى الممارسة الجنسية الغَصْبية؟  أو قد تكون تحت وطأة النزعة المازوشية عندها أيضًا؟ فالمازوشية والسادية في علم النفس تتداخلان ثم تطغى واحدة على أخرى. علمًا بأن السادية نقيض المازوشية. فعندما قطعت الرأس(المستسلم) رأته (غارقًا بتأوهات اللذة) التي كان يشعر بها! إنها لذة المازوشي. عند القاتل والمقتول معًا. هل هي مثل لذة الراقصة اليهودية: سالومي، وهي تقطع رأس يوحنا المعمدان؟.

وقد نجد في تراثنا بعض المازوشيين كعمر بن أبي ربيعة الذي كان يستعذب بل يحرّض الحبيبة على استبدادها وتعذيبها له:

ليت هندًا أنجزتنا ما تعِدْ   وشفتْ أنفسَنا مما تجِدْ

واستبدّتْ  مرةً  واحدةً    إنما العاجز مَن لا يستبدْ

ففي نفسه وَجْدٌ وحزنٌ وهو يعاني منهما ويطلب الشفاء من حبيبة مستبدة ومعذبة له تعذيبًا لذيذًا، ويتهمها بأنها تكون عاجزة ضعيفة إن لم تفعل ذلك.

ونتذكّر ما رواه المؤرخون من استثمار هارون الرشيد للشطر الأخير في مجابهة البرامكة بالنذير القادم إليهم عندما جمع لهم ما فعلوه من فساد واستئثار بالمال والسلطة في عهده ومن وراء ظهره. فلن يكون عاجزًا. واستبد بهم، وكانوا من المقرَّبين إليه منذ الصّبا.

المازوشية في قصتنا هنا واضحة في ثنايا سرد الحدث.  فلم تكن، كما مرّ سابقًا، نظرة الرأس المقطوع حقدًا، أو تضرّعًا أو استنكارًا، بل كان يشكر قاطعته لأن ميتته كانت مبتكرة ومترفة فقد بقي الرأس المقطوع غارقًا بتأوهات (اللذة) التي كان يشعر بها!.

كذلك نلمح النزعة الساديّة (نسبة إلى الماركيز دو ساد )، وهي التلذّذ بتعذيب الساديّ للآخرين، من خلال متعة قطع الرأس حين حانت اللحظة (العاطفية) التي عصفت بها والرأس وادع في حضنها. فالرأس كان(شهيًّا جدًا ) للقطاف!.

وربما نرى في هذا المشهد الجنائزي الأنثى- المرأة وهي تقتل الذكر- الرجل في أعماقها، وكأنها في عيد النحر. كما كان اللاعب بالرأس في لعبة الفيديو يطلق صيحات " الابتهاج " وكأنه في عيد النحر أيضًا. وحدث الذبح أخيرًا.

هل نرى في شخصية قاطعة الرأس " سالومي" أخرى وهي تقطع رأس يوحنا المعمدان؟

رقصت سالومي عارية. فالرقص فرح. ابتهاج. كما فرح وابتهج قاطع الرأس في لعبة الفيديو. وكما عبرت بطلتنا عن أنها كانت في لحظة عاطفية عصفت بها  حين رأت الرأس شهيًّا جدًا

(للنحر، الذبح ) وهو في حضنها.

وديك الجن الحمصي ، بحسب الروايات التاريخية الأدبية، ذبح معشوقته الجارية " ورْد " وغنّى شعرًا على جثتها، مبتهجًا، حين شرب رمادها خمرًا. قد تكون قصة ديك الجن ملفّقة، وقد تكون حدثتْ. وحتى لو كانت مجرد قصة أدبية فلها أيضًا دلالاتها العميقة النفسية والسلوكية... مثل أي قصة فنية كقصة الرأس هنا.

لكن القاتلة قاطعة الرأس هنا امرأة. وديك الجن القاتل رجل. وأرى أن العنصر الذي يجمع بين القصتين والشخصيتين ليس جنس المجرم، بل هو العشق المرضي المنتقم القاتل. إنه العشق المهووس أو الانتقام المهووس مع ألم اللذة، ولذة الألم.

ربما أكون في تحليلي وتفسيري قد شططْت بعيدًا، وكنت مثل مَن يصطاد عصفورًا بصاروخ ؟.

النص الغني المكثَّف يوحي بوفرة التأويل، الذي قد يتنافى أو يتناقض أو يتعارض مع رؤية الكاتب نفسه، أو مع القارئ الجاد المثقف. وهذا هو النص الغني بوفرة التأويل.

جنائزيات في "نزلاء المنام"

(3) الجثة

الجنائزية الثالثة في مجموعة " نزلاء المنام " مقززة، مقرفة، وحشية، بقدر ما هي مرعبة وإرهابية.

خلاصتها أن هناك جثثًا عديدة، من مخلَّفات زمن الحرب، يؤْتى بها من المعتقلات وتُرمى في حُفَرلا تُردَم عادةً. الذباب يتكاثر في المكان. يتقدّم أحد المسؤولين (وكان معه آخرون) وينكش جثة بعصا رفيعة تعبيرًا عن القرف.

اهتمامه مُنصبّ على جثة أمامه مطموسة الملامح يصعب تحديد انتمائها الجنسي أو العمري. فقأ التعذيب عينيها. وشوِّه أطرافها. جلدها منكمش وجاف.

ولقد سُرَّ هذا المسؤول القادم لأن البطن لم يكن مثقوبًا، أي الأحشاء كاملة. فقد كان همُّه استئصال قلب الجثة. وستُفرَّغ أحشاء الجثث المطروحة على ألواح خشبية ليحملها سماسرة الحرب إلى تجار يعرفونهم جيدًا.

شرّح الجثة واقتلع القلب الذي أوصَوه بأن يكون طريًّا بُعَيد مقتل صاحبها مباشرة.

فجأة، بين مُصدِّق أو متوهِّم خّيِّل إليه أنه سمع أنين الجثة أمامه! بصق على وجه الجثة متحدّيًّا: لنرَ أيها المجرم هل ستخمد صوتك أم لا؟.

انتزع حنجرة الجثة، مصدر الصوت ورماها باستخفاف في طشت جانبه. لكن الحنجرة تصاعد صوتها. جُن جنونه، لكنه أقنع نفسه بأن هذا مجرد أوهام وتخيلات. ثم عبّر عن فرحه بانتزاع القلب من الجثه التي تحوّلت إلى طبل مجوَّف الأحشاء. ولكنْ بقي الخفق والأنين في القلب.

قَلَبَ الجثةَ على بطنها، لعل الصوت يختفي. نسي هاجس الصوت لما رأى ثقبًا أسفل الجثة فشعر بالسرور. نظَّف الثقب بالنصل وكشط ما تراكم حوله من أوساخ.

قهقه وهو يغرس عضوه الذكري في الثقب المتَّسع. صمت الصوت هنيهةً ثم عاد. لكن الإغراءغطّى على هاجس الصوت! كانت المتعة لا تقَدَّر بثمن حين تثبّت من جنس المقتول الذي يُغْتصَب، بعد أن كان يصعب تحديد انتمائها الجنسي أو العمري.

فراح يهلل للحرية! ...

لخّصتُ جوهر القصة ليتابع القارئ التحليل والنقد، ولإبراز شناعتها وغرائبيتها وتوحًّش أحداثها وأصحابها ومغزاها وشخصياتها في زمن مثيري الحروب المجنونة المتاجرين حتى بالجثث، فهي غنيمة حرب تُباع أعضاؤها للسماسرة الأوغاد لأغراض شتَى.

لقد هلَّل القاتل للحرية!! أية حرية هذه؟ هل هي حريّة المنتصر على مجرد جثة كانت معادية لطغيانه؟. أوهي حرية الاغتصاب المهووس؟ أو حرية الممارسة الجنسية الشاذة، مهما كانت، وكيفما كانت. ومع من كانت، حتى لو كانت جثة رجل!

حريته في الواقع حرية ذاتية مجنونة ومزيفة. فالجثة– الموت، سياسيًّا، هي الحُرّة؛ فنبض الحياة كان يخفق فيها. نبض الحياة لا يموت بموت الجثة!. يظل صوت الموتى الضحايا لعنةً، وبوقًا مدوِّيًّا في أسماع القتلة المستبدين.

والجثة، أخلاقيَّا، وهي جثة رجل، تعبير عن الانحطاط السلوكي، والتدهور الأخلاقي الذي كان من أسباب انحطاط الحضارات كما تحدث كثير من المؤرخين العرب والعالميين، مثل أبي حيان التوحيدي في كتابه الرائع: الإمتاع والمؤانسة، وهو على غرار ألف ليلة وليلة، وبالذات في الليلة السادسة. حين ربط بين القيم الإنسانية والطفولة الحضارية للشعوب، تلك الطفولة التي يسميها "مبدأ السعادة" حين تكون الشعوب في مرحلة الفطرة البدائية السليمة، بعيدة عن فساد المدنية كما في عصرنا في كثير من دول عالمنا اليوم: الحر، المتقدِّم.!

والتوحيدي يرى أن انحلال الحضارات إنما يتم حين تنحل أخلاق الشعوب وتضطرب قيمها.

وتحدث التوحيدي عن (أصل كبير) كما سمّاه وهو أن " كل أمة لها زمان على ضدها " فكل أمة في مبدأ سعادتها أفضل وأنجد وأمجد " ويطبق هذا " الأصل الكبير" على جميع الأمم حتى ينتهي إلى الإنسان الفرد، وفلسفته في مفهوم الحرية، كما (هلّل للحرية) ممارس الوحشية الجنسية الشاذة في قصة الجثة.

ويلتقي أبو حيان مع فلاسفة الحضارة الحديثين في هذا المجال أمثال جانباتيستافيكو صاحب نظرية الدورات التاريخية. ومع أوزوالد اشبتنغلر في: تدهور الحضارة الغربية. واشبتغلر مؤسس ما يسمى (مورفولوجيا الحضارة ) أي علم حياة الحضارة، وموتها حيث أكّد كثيرًا دور الانحلال الخلقي في السقوط .

وأخيراً  إدوارد جيبون الذي أبرز دور انهيار الحضارت في انهيار القيم الأخلاقية، في كتابه : سقوط وانحلال الإمبراطورية الرومانية. وأمان السيد تضع هنا يدها على فلسفة حضارية دقيقة في تصوير الانهيار الأخلاقي في عالمنا المعاصر، وكأنها تنفخ في صوْر النذير.

الجثة بأنينها، والحنجرة المقتلّعة من رقبتها بصوتها المتنامي، هما بطلتان أساسيتان في هذه القصة الجنائزية المتوحشة، الأليمة، المقززة...

أمواج الصوت، حتى علميًّا، ثبت أنها لا تفنى فهي تنداح بتموجاتها في الفضاء اللامتناهي. وقيل إن العلماء يجرون منذ مدة طويلة تجارب على استرجاع التموجات الصوتية وسماعها من جديد. وفي هذا خيال علمي تجريبي مذهل يفتح آفاقًــا لا محدودة من التخيُّل على مستويات عدة.

فعلى مستوى التحليل السياسي لقصتنا وفق عذا المعطى العلمي، لا يستطيع الطغاة إخماد صوت الحرية. فحنجرة الضحية الحرة يبقى صداها يتعاظم مدوِّيًا ولو اقتلعوها من رقبة جسدها. كما بقي القلب يخفق وينبض بالحياة بعد استئصاله من الجثة.

وعلى المستوى الأخلاقي ستدفع الأمم التي تبيح الحرية الانفلاتية ثمن إباحيتها،  بتقنين شذوذ أفرادها تحت شعار ضيق للحرية، كتقنين اللواط والسحاق في الكثير من المجتمعات الغربية، ومحاولات بعض هؤلاء التشريع القانوني لشذوذهم، كما علت أصواتهم ومسيراتهم العلنية في لبنان مثلًا.

أما اغتصاب الجثة فهو يعكس في علم النفس السلوكي مرضًا نفسيًّا جنسيًّا. وهو هنا يعكس انتقامًا سياسيَّا استبداديًّا  توحُّشيًّا....

اغتصاب الموتى، نساءً أو رجالًا، قضية مثيرة حدثت في كثير من المجتمعات الغربية، وغيرها، وعُرِضت في كثير من أفلام الرعب المستندة إلى وقائع من الحياة وغرائبية البشر. ويحدث هذا الاغتصاب، أو الشذوذ لواطًا كان أو سحاقًا، مع أحياء أو أموات، وغيره من الفظائع، حيثما وُجِد الإنسان. فالإنسان مفرد بصيغة الجمع؟.

وسوف أستطرد هنا تاريخيًا، ليس خروجًا عن الموضوع بل لرفده بدليل يؤكد غرائبية الإنسان في اغتصاب الجثة عبر التاريخ.

فعندما زار المؤرخ اليوناني هيرودوت مصر، تحدث عن كثير من قضايا الفراعنة من علوم وعادات وتقاليد وأساطير... وكان من أوائل من شرح بالتفصيل عملية تحنيط الموتى. فذكر أن للتحنيط حوانيت خاصة بالطبقات الاجتماعية العليا ولها مواد وطرق ومدة خاصة بجثث نبلاء القوم نساء ورجالًا. وللملوك محنطون خاصون. أما موتى الطبقات الوسطى والشعبية فلهم عكس ما سبق.

يقول هيرودوت: " أما زوجات مشاهير الرجال، والنساء الفائقات الجمال، البعيدات الصيت، فلا يُسلَّمن مباشرة ليُحَنّطن إلا بعد انقضاء ثلاثة أيام أو أربعة على موتهنّ، ليمنعوا المحنِّطين من التمثيل بالجثث؛ لأنهم قبضوا على محنِّط متلبّسًا بمواقعة جثة امرأة حديثة الموت من طبقة النبلاء. وقد أبلغ عنه زميله في العمل".

فالمحنّط الفرعوني هنا ينتقم طبقيًّا من نساء نبيلات لا يحلم بمس أيديهن وهن أحياء. تمامًا كما حدث مع مغتصب الجثة في قصتنا: "...الحرية سوّغتْ له أن يطلق ما كان ليجرؤ على إطلاقه أمام الملأ في ظروف أخرى..." إنها حريته الخاصة، في ظروف خاصة، وهو اغتصاب جبان، سرّي، رمزي، مهووس.. على المستويات كافةً.

هذا النوع من القصص الجنائزية عند أمان السيد يثير كثيرًا من القضايا الحساسة والخطيرة والمذهلة من حيث الغرائبية والتقاط مدهش ومثير لحوادث سرية، واقعية من حياتنا الاجتماعية والسياسية والإنسانية العامة. قد يبدو المشهد هنا سرياليًّا. وهو بالفعل كذلك.

والأدب هو الواقع من خلال رؤية فنية موحية للمبدع.

القصة هنا سردية خبرية بامتياز. وفيها صنعة حبكٍ فنّيٍّ قصصي موحٍ ومتقَن وممتع، وحققت الإثارة والدهشة والمفاجأة والغرائبية.

 

بقلم الشاعر والناقد أ. مصطفى سليمان

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5090 المصادف: 2020-08-12 12:37:19