 قراءات نقدية

جمالية الصورة النثرية في رواية زنقة بن بركة لمحمود سعيد

بشرى عبد المجيدمقدمة: إذا كان تاريخ البلاغة هو تاريخ بلاغة التصوير الشعري لاحتفائها الكبير بالصورة الشعرية، فإن الصورة النثرية لا تقل أهمية عن ذلك، إذ البحث عن فاعلية الأساليب البلاغية في التشكيلات السردية الجمالية هو إطار نوعي مغاير لما عرف في الكتابة الشعرية. ثم إن الاحتفاء بالصورة النثرية والانطلاق منها في مجال التحليل الروائي، إلى جانب العناية بالسياق ودور الصورة وفاعليتها في تحقيق القصد والغاية يعد حقلاً بكراً في ميدان الدراسات السردية.

موازاة مع هذه الرؤية وهذا التصور تركز دراستنا السردية لرواية ” زنقة بن بركة “(2) للروائي والقاص العراقي محمود سعيد(3)، بهدف الكشف عن تشكيلات الصورة الروائية وفضائها الأسلوبي وما تنطوي عليه من مصادر وموضوعات وأنماط … عبر مجموعة من المحطات منها:

أولا: مظاهر اشتغال الرؤية السردية في رواية زنقة بن بركة

تختلف مظاهر توصيل الرؤية السردية من كاتب آخر، واعتمادا على هذا الاختلاف تسعى الدراسات التحليلية إلى كشف وتبيان الطرائق المعتمدة في ترتيب الحكاية التي في جوهرها هي أحداث واقعية مبطنة بجلباب الخيال وتكمن أدبية ساردها في اختيار الطريقة والأسلوب الذي تقدم به هذه الرواية.

وعليه، فالخطاب السردي لرواية ” زنقة بن بركة ” هو نموذج تتماهى فيه هوية الراوي (الروائي الحقيقي) مع الآخر (الرجل الشرقي)؛ وهذه العلاقة عبارة عن ذات تخيلية ساردة في مواجهة تحول أحيانا الأنا إلى الآخر، وتحول الآخر إلى أنا أخرى. وهو ما قاله الراوي في استهلال الرواية: ” تُحدّد العطلة عندي من خلال حدث يبدو، في الأقل، أكثر أهمية من المعتاد، ولقد نسجت الصّدفة ما جعلني أحسّ أيام ذلك الصيف المتوتر الذي قضيته في المحمدّية ” فضالة ” عام 1965، أنيّ أباشر تجربة العمر المثيرة التي تزوّق أحلام كلّ شاب. “(4)

الأنا في الرواية شخصية الراوي ـ كما أسلفنا ـ وهي شخصية فاعلة، بل إنها الشخصية المحورية التي تجذب نحوها العديد من الشخصيات الأخرى، وهذا التماهي يخلق رؤية جديدة وهي (الرؤية مع) … في رواية “زنقَة بن بركة” أبدع الكاتب في التعبير عن الواقع وتجسيد همومه بعد الارتكاز على صيغ فنية اعادت تشكيله بصور مبنية على التقاطع بين الحلم والحقيقة، على الرغم من أن الرواية تظهر على شكل سرد قصصي واحد لا يتباين فيها الزمن، وكأن أحداثها جرت في زمن واحد ـ زمن قصير ـ فلا نجد تقسيما في الرواية إلى فصول كما جرت في أي رواية أخرى، لكننا نجد ” وقفات هي فرصة لاسترداد الأنفاس إذا جاز الوصف، إذ قصّ الروائي أحداثها قطعة واحدة من ناحية، وانطبق المبنى على المعنى باتساق آخذ مبهر. فلا توجد استطالات سردية، ولا إفاضات وصفية، ولا حشو لغوي زائد، ولا إيغال مفرط في معاينة الحوادث. “(5) غير أنها عبرت عن رؤية متوحدة في مسار تقديم السرد الروائي.

أما شخوص الرواية فتبرز ثلاث شخصيات هي؛ سي الحبيب وسي صابر والرجل الشرقي وامرأة ـ قريبة سي الجزائري واسمها رقية ـ التي برع محمود سعيد في تقنيات رسمها وصف باعتبارها من الشخصيات النامية المشحونة بالعواطف في الرواية. لقد رسم ملامحها الجسمانية والصفات النفسية في مشاهد متقطعة ومتباعدة سياقيا، فيقدم جزء من الملامح ثم يستأنف الوصف بعد صفحات أخرى، حتى غذت لوحة ناطقة متميزة ضمنت لنفسها النجاح في إثارة الدهشة وشد انتباه المتلقي، ” امرأة غارقة في جلاّبة من التركال، قديمة، فضفاضة، مخططة، خمار أخضر صاعد نحو منتصف العينين اللتين لا يمكن تمييز لونهما الأدكن. كانت ترفع رأسها فينزل خمارها متوتراً حادّاً مكوّنا هبوطا اضطراريا بين مرتفعين ينتهيان فوق الجلاّبة بين الثديين” (6)، ثم يستمر في الوصف فيقول: ” كان ذلك أول صوت يصدر منها . نغمة متكاملة، عشرات الآلات الموسيقية المتكاملة في انسجام ترسل النغمات من صدى بعيد…. حتى يسخن الماء وضعت الحقيبة ومرة أخرى بدأت الأنغام تبحر بي في طريق غامض”(7)، ونجد في هذا الوصف المتقطع شحنة التشويق والإثارة للمتلقي. لقد توزع الوصف الجسماني لشخصية “رقية” على ثنائية وصفية تقابلية:

وصف المرأة المنقبة ذات الجلابة اللباس التقليدي المغربي، ومرأة عصرية ترمي الحجاب حين تقابله في شقته، تتصرف بتلقائية وتفضح عواطفها ولا تكبحها، قائلا: ” خانني التعبير؛ ماذا أريد أن أقول؟ ستبدو كل كلمة مثالية لمن يشكّ بخاصة. أنقذتني وضعتْ أصابعها البضّة على شفتي بحركة اعتيادية، كأنها تعرفني منذ آماد طويلة. حركت أماني كثيرة… تمددتْ على سريري كنت متكئا على الشباك وصدرها المتفجر يعلو ويهبط.”(8) .

تقديمها كعنصر مكمل لشخصية البطل في تقابل بين ألأفتها وشغبها وجفاء السياسة وجحوده ” لا يمشي الإنسان برجل واحدة”.

تقديمها كمعادل للحرية فقد كرر أكثر من مرة قوله: “أتمنى أن أمسخ بلبلا لأرافقك إلى الأبد”.

ونجد وحدة المكان على مستوى أحداث الرواية التي تظهر فيها نوعا من العلاقات الداخلية والخارجية التي تقدم ملامح الواقع اليومي بصدق، مليء بالخبرة الإنسانية التي تنعكس على عوالم الشخصيات وعلى أسلوب لغة الكتابة. وصورة المكان في الرواية هو جزء من نمو الأحداث وتطورها، وجزء من البنية النفسية والسلوكية للشخصيات، وجزء من الحبكة الفنية وليس المكان مجرد بقعة جغرافية محايدة أو فضاء سماويا منعزلا عن العناصر الفنية الأخرى في الرواية(9)، وقد توافق البعدان النفسي والدلالي في الرواية إذ مزج الروائي ـ منذ البداية ـ المكان مع الشخوص مزجاً دلالياً نفسياً وفنياً، قائلا: ” في بداية الشارع تبدأ المدينة الحديثة منشقّة عن القصبة القديمة، تزهو بشبابها المتألق يبتسم للمستقبل بعد أن قطعت أواصر سيطرة الفرنسيين …. وإذا كان ما جذبني إلى هذه البقعة هدوؤها وجمالها وتاريخها، فلعلّه كان العامل المشترك الذي جذب الحمام المتجمع قرب لبسور وبابه على شكل زرافات، يتمشى متهاديا، أمينا، منقبا بين ثنايا الطابوق القديم عن حبٍّ ساقط، مرفرفاً بين الحين والآخر فوق بعضه، نازلا بهدوء صاعداً بصخبٍ، يمنح المراقب بين الحين والحين التمتع بلذة من لذائذ الجنس البدائية الدائمة.”(10)

ويصف الروائي ارتباط المكان بـ(سي الحبيب) الذي أجبر على الاقامة في المحمدية ” كان سي الحبيب قد أُجبر على الإقامة في المحمدية إثر الأحداث العاصفة التي طحنت البلد …. أجبر على تحديد الإقامة لكن هل خيّر في المكان؟ لم أسأل عن هذه النقطة فمدن الساحل كلها فائقة الجمال، بيد أنه كان يحب المحمدية ويفضل اسمها القديم ـ فضالة ـ لأنها فعلاً درّة الساحل التي اكتشف قيمتها الحقيقية، قبل أكثر من نصف قرن…”(11) في توصيف المكان يختلط الواقع بالخيال فينشئ علاقات واقعية بمنتهى الخيال السردي، ويلجأ الراوي إلى الشرح والتعليق والتحليل لأن المكان بمثابة المرآة العاكسة للشخصية.

ثانيا: المستوى التركيبي.

مظاهر الاتساق النصي في الرواية:

نحيط في هذا المجال بالعناصر اللغوية لرواية ” زنقة بن بركة” التي تؤكد التماسك بين مكوناتها، وتهتم بالوسائل اللغوية الشكلية التي تصل بين العناصر المكونة لها، وتحقق ترابطا للعناصر السطحية والوصفية، وحتى نتمكن من ذلك نرصد في الرواية الإحالات القبلية والبعدية والضمائر، ونركز على وسائل الربط المتنوعة.

للاتساق النصي أهمية كبيرة فهو يعنى بالعلاقات أو الأدوات الشكلية والدلالية التي تسهم في الربط بين عناصر النص الداخلية، وبين النص والبيئة المحيطة من ناحية أخرى، ومن بين هذه الأدوات المرجعية:

الإحالة بالضمائر:

الإحالة من أكثر الوسائل الاتساقية أهمية في الربط بين أجزاء النص، إذ قلما يجدُ المتلقي نصا خاليا منها، ولا نذهب بعيداً إذا قلنا إن نظرية الاتساق تعتمد بالدرجة الأساس على مفهوم الإحالة ووظيفتها، بوصفها وسيلة لغوية من وسائل تحقيق التسلسل أو التتابع للجمل على المستوى التركيبي لتأكيد الترابط المضموني… ونقف بصورة جلية في الرواية على تحولات الضمائر من متكلم إلى مخاطب إلى غائب تلازمها القرينة التي تساعد على إزالة الابهام منها، وتفسير غموضها من ذلك قوله: ” وهكذا رجعنا إلى البيضاوات في أقل من ربع ساعة، كنَ يجففنَ شعورهنَ بغنج العذراوات اللواتي يشعرنَ باعتزاز لأنهنَ يملكنَ شيئاً يتعلق بمصير الكثير من سكان العالم بشكل ما هتف المراكشيّ، ونحن حول المائدة المدورة : ها نحن ثلاثة وأنتنَ ثلاث، كانت كبراهن التي فتنت البقاليّ لا تتجاوز السابعة عشرة، هيفاء، ملتهبة أضاف البحر إلى شعرها لونا برونزيا خمريا، وكان الماء يقطر على وجهها وبشرتها…”(12) .

نجد في هذا النص حركة للضمائر تبدأ بنون النسوة في ” كن, يجففن, يشعرن” ثم ضمير المتكلمين ” نحن” ثم يعود إلى نون النسوة، يراد من خلال هذه الحركة معان متعددة عميقة، ولا يمكن التجرد من الضمير باسم يعود عليه لأن الصيغة الصرفية هي وسيلة التوليد والارتجال في صياغة العبارة، ثم نقيس المعنى الذي نريد التعبير عنه على المعاني التي تدل عليه الصيغ(13)، ومن هنا ندرك أن وراء احالة الضمائر علاقات بين افكار وانفعالات لا يتحكم فيها الراوي وإنما تتسلط عليه وتفترض، وتولد ولادة طبيعية لا قيصرية، فمن خلال اللغة تظهر جوانب اللاشعور التي تتحكم في المبدع. فالإحالة في قوله:

ـ وهكذا رجعنا إلى البيضاوات في أقل من ربع ساعة .

ـ كن يجففنَ شعورهنَ .

ـ بغنج العذراوات اللواتي يشعرنَ باعتزاز.

ـ لأنهنَ يملكنَ شيئا يتعلق به مصير.

أحدثت الاتساق في هذا المقطع بفعل الضمير المستتر” هن ” والضمير الظاهر “ن” ؛ أي أن الضمير العائد جاء مخفيا حينا وملفوظا مطابقا حينا آخر، فلا يمكن معرفة شعور الراوي بجمال الفتيات دون الرجوع إلى السطر الأول من المقطع، وبالتحديد كلمة ” البيضاوات ” كما لا يفهم العنصر الإحالي ” النون ” في ” كن، يجففن، شعورهن، يشعرن، لأنهن، يملكن” إلا بالعودة إلى عبارة ” رجعنا إلى البيضاوات ” . فنجد تنامي في وصف البيضاوات من خلال إضافة عناصر دلالية جديدة صنعها الراوي؛ ويستمر بوصف محاسن النساء متنقلا بينهن، فيصف احداهن فتنت رفيقا معه.

ـ كانت كبراهن التي فتنت البقاليّ.

ـ لا تتجاوز السابعة عشرة.

ـ هيفاء سمراء.

ـ ملتهبة اضاف البحر إلى سحرها لوناً برونزياً خمرياً.

ـ وكان الماء يقطر على وجهها وبشرتها.

في الرواية نجد تكرار ضمير المتكلم وهو ما يسميه البنائيون ” الرؤية مع” Vision avec” ”، وهي رؤية تسمح للراوي بأن يشغل حيزا في مجرى الأحداث، أي أنه واحد من شخوص الرواية كما تسمح له أيضا بأن يعرف عن الشخصيات ما تعرفه هي أيضا عن نفسها، ومعنى هذا أن هناك حقيقة ثابتة عن سلوك وهوية الاشخاص تنتقل بينهم هم أنفسهم(14) . البطل في الرواية ” سي الشرقي” هو نفسه الراوي ـ كما ذكرنا ـ يتحدث عن نفسه ويعرف به، قائلا:” ماذا كنت ُأطلب أكثر من هذا؟ أيحكم الغريب بأكثر من أن يجد جميع ما يحتاجه على بعد لا يتجاوز عشر خطوات من البار إلى الجزّار؟ أحسستُ بعد خمس وعشرين سنة من الحرمان والاضطهاد والقسوة والصراع السياسي والسجن والفصل والعطالة أني سقطتُ في جنة يحسدني آدم عليها.”(15). الراوي يعرّف بنفسه ويتجاوز أزمة غربته في اختياره الواضح للمكان الذي سيستقر فيه، فضلا عن ذلك نجده يصف الشخصيات الأخرى ويعددها ويرسم ملامح بعضها، قائلا:” في صباح ذي شمس دافئة أواخر نيسان، أشّرَ لي سي ابراهيم فعبرت الشارع تلقفني سي الوكيل، كلفني ممتناً بإيصال طابع نادر إلى سي صابر، وبادرني سي ابراهيم وهو يرفع صندوق شليك بيده، مزهواً: أتزرعونه في بلدكم؟

ـ لا ..

لم أرَ غير سي صابر كان يتناول ملفّاً إلى يسار الباب، فيحجب ما وراءه.

ـ هتفت: جئتك بفطور

ـ ضحك: كم شربت البارحة؟

وضعت العلبة الصغيرة على المنضدة فوق الأوراق، كان رأس الشليكة الأحمر فوق تكوينها البرتقالي يرسل لألاءه المثير: تفضل يا سي:

ـ أعرفك سي الحبيب فوجئت به يجلس إلى يساره بهدوء، وينظر إليّ بتمعن، صافحته، نهض قليلا، وانحنى.”(16).

ثم يذهب أكثر من ذلك في تفصيل سلوكيات الشخصية ورسم ملامحها بصورة دقيقة، كما عمل مع شخصية ” سي الحبيب” إذ أخذ وصف هذه الشخصية وتصنيفها حيزا كبيرا، نجد سلطة الراوي في الوصف كبيرة ونراه يصور عالما متكاملا وشخصيات يتوافق سلوكها مع صفاتها الذاتية، نذكر من ذلك قوله:” ابتعدتُ إلى الشباك، لم أكن في حالة نفسية تسمح لي بمجاراة الحوار الذي بدأ شائكا ومتقطعا مليئا بالرموز. كنت أعرف وجهة نظر سي الحبيب بشكل مفصل وآراء الناس أيضا.”(17). الضمير الظاهر في ” ابتعدت” والمستتر في” أعرف” فيهما تلازم طبيعي تشي بحالة الاتساق، فكلاهما يتحدث عن حالة الراوي وانكسار نفسيته، وهي حالة تفاعل مع هاجس الألم والحزن الذي يطارد “سي الحبيب”، فالضمير في الفعل الناقص “كنت” وهو اسمها، والضمير المقدر في ” أكن” كلاهما يتحدث عن هذا التفاعل الذي أقحم الراوي نفسه فيه بوصفه شريكا في حوار وليس طرفا فيه…

إن قصدية الراوي تطلب مظاهر التعلق الشكلي للوقائع اللغوية على سطح الخطاب الروائي، وربطها بواقعه الاجتماعي ومتغيراته وتقلباته، لذا نلحظ أن الراوي أفاد من اسهامات لغة الحكي وما تقدمه له من مرونة في حشد الضمائر ومرجعياتها، ثم تداعي أفكاره والهواجس التي تراوده جعلته ينوع في الضمائر ولا ينفك من اتساقها النصي. فضلا عن ذلك تنوعت الضمائر في رواية “زنقة بن بركة” وتباينت مكانتها تبعا لتنوع الشخصيات ودرجات تقربه منها، كما أن عودة ضمير المتكلم في الخطاب السردي ارتبط بعواطف الروائي نحو قضيته وتصوراته تجاه واقعه وقناعاته بقضيته… وحين استعمل الإحالة بضمير المتكلم ربط النص بشخصه وقرب الشخصيات الأخرى نحوه، فلم يجعل من خطاب الرواية مجرد محاكاة جافة، بل صنع فضاء نفسياً ومقاما أسلوبيا خاصا يقتضه الخطاب السردي في الرواية.

تتابع الأفعال

تتبع حركة الأفعال في الرواية أسلوب عمد إليه المؤلف من أجل بناء تراكيب تساعد على توظيف الصورة الحسية والتجريدية، من ذلك : ” وفي الفترة التي قضيتها أغطّ في نوم عميق، كانت هناك أصداء أصوات انثوية رقيقة، لمسات، محاولات جادة لا يقاضي . افتح عيني على أثرها فتلتصق بجفوني صورة امرأة حبيبة، هائلة الجمال، مجللة بالأزرق، تغوص معي في أحلام عريضة، اتبع خيالها فوق الغيوم ألمس يدها الخارجية من شباك طائرة، أشد على أصابعها خوف السقوط لكنها تسحب يدها وهي تضحك فتملأ الدنيا سعادة، أسقط فأراها تحتي تسقط وموسيقى ثرة تنبعث من ضحكاتها”(18) .

تتراسل الأفعال في هذا النص بشكل واضح، مترابطة الواحد يتلو الآخر، مقسمة من حيث اسنادها للفاعل إلى ثلاث مجموعات تمثل المجموعة الأولى سرداً ذاتياً، سرداً يمثل الروائي المشارك، والعليم، والمتمركز في وعي البطل يحتفي بمرونة التنقل في زمن واحد، واختراق وعي القارئ؛ وهي:

ـ قضيتها

ـ أغط في النوم

ـ افتح عيني

ـ أتبع خيالها أفعال مسندة إلى المتكلم (الراوي)

ـ ألمس يدها

ـ أشد على أصابعها

ـ أسقط

ـ فأراها

ويتشكل أيضا في النص صوتان هما : صوت الحبيبة، وصوت صورة الحبيبة.

ـ تسحب يدها

ـ تضحك

ـ تملأ الدنيا سعادة الحبيبة

ـ تسقط

ـ تلتصق بجفوني

صورة المرأة

ـ تغوص معي

هذه الملازمة النحوية من حيث إسناد الأفعال مرة إلى ضمير المتكلم الغائب ومرة أخرى إلى ضمير المخاطبة الغائبة، يحاكي مضموناً أنثوياً، ويحاوره بوعي وإدراك وإحساس. عمد إليه الراوي وخلق منه توازنا بين الجمل؛ إذ يتعالق حدوث الفعل بشكل منتظم ومترابط من دون أن يستعمل أدوات العطف، فتبدو الجمل متساوية من حيث الصياغة والجرس الموسيقي الداخلي، يغيب فيها كلها الفاعل باستثناء جملة ” تلتصق بجفوني صورة امرأة”.

شكلت الأفعال على امتداد الرواية هاجس السعي عند الروائي في اختيار الفكرة وتقديمها، وتحقيق أمنيات شخوص الرواية إذ لكل شخصية أمنية تحاول تحقيقها، أو استردادها … وتبدو أغلب أفعال الرواية متراسلة مترابطة لتحقيق منظومة لغوية خاصة، تحفظ لروائي العراقي سعيد محمود سلطته الأسلوبية، وتترك هذه الأفعال للقارئ ردود فعل تفتح الاشتهاء نحو المتعة والمفاجأة.

ج- الاستدراك

كان الراوي يدرك شغف المتلقي بكلّ ما يناقض الكلام أو يخالفه، وفضوله في معرفة الغموض وما يتطلب من الاستدراك في الكلام، لذا أكثر من الروابط التي تنظم العلاقات الكلامية المستدرك عليها، ومنها:” لكن، بينما، بالرغم، مع أن، مع ذلك، حتى …” من أمثلة الاستدراك في الرواية قوله:” أضافت كل الرجال يحبونني، يخضعون لي، لكني لم أجد الحب العظيم الذي يجعلني أجثو على ركبتي في سبيل إبقائه والاحتفاظ به، وها قد وجدته في شخص سي الحبيب.

ـ لكنه لم يحبك

ـ ربما، لكنه إذا أحب فسيحب بكل ما يملك …”(19).

يحاول الروائي في هذا النص استمالة الحبيبة وهي تصف له حياتها وحب الرجال لها، استعمل الروائي الرابط الاستدراكي ” لكني” لتفسير مشاعرها، ثم يستدرك مرة أخرى بالرابط نفسه منعرجا بالخطاب الروائي لبناء الحدث له، ومحاولة إقناع الحبيبة بترك فكرة حبها لسي الحبيب، تستدرك مرة أخرى وتحاول إقناع ذاتها والبقاء عل حب ” سي الحبيب ” فالاستدراك هنا ربط بين رغبتين متقابلتين، جعل من القارئ منتظراً لمعرفة رغبة المرأة في البقاء على حب ” سي الحبيب ” أم عدمه.

وفي موقف آخر، يقول: ” الماضي موجود في الجرائد نعلم به أكثر من الغرباء، تكلم عن الحاضر لسعتني كلمة الغرباء لكنها لم تجرحني، لو سمعت هذا الرد الجاف من أي شخص لانزعجت، لكن أسلوبها، صوتها، سحرها، جعلني أعجب من نفسي، من تجاهل الإساءة.”(20)

على الرغم من انزعاج السارد من طريقة طرح السؤال من قبل السائلة نلحظ أن الاستدراك يبنى هنا على دلالة الحدث الزمنية فالحدث جزء من مبنى فعل، والزمن صيغة دلالتها وقوع الفعل، والاستدراك ربط بين الدلالتين وفق توافق البنى الحدثية الزمنية مع الشروع والاستمرار في السرد الآني.

وفي هذا النص الخيالي الذي يحاول فيه الراوي ملأ الفراغ العاطفي في حياته، فيتصور عشقه لمرأة حبيبة هائلة الجمال مجللة بالأزرق ـ كما يصفها ـ تغوص معه في الأحلام يتبدى الاستدراك بصورة جمالية أكثر تماسكا، وذلك حين يقول :” أغط في نوم عميق… اتبع خيالها فوق الغيوم، ألمس يدها الخارجية من شباك الطائرة أشدّ على أصابعها خوف السقوط، لكنها تسحب يدها وهي تضحك فتملأ الدنيا سعادة، اسقط فأراها تحتي تسقط وموسيقى ثرة تنبعث من ضحكاتها فتذيبني ثم تستقر على الأرض نقطة سماوية بعيدة، فيزول هلعي، لكني ابقى معلقاً بين الأرض والسماء، وهي تتمرغ في العشب تحتي.”(21)

ثالثا: المستوى الدلالي

التشبيه

تنوعت مصادر الصورة التشبيهية لتعدد الأصوات وتفاعل المعمار الفني للعناصر الروائية، إذ أن لغة الرواية لغة تلقائية تولد في لحظات الابداع التي ترتبط بالسياق النفسي للكاتب. أسهب الروائي في وصف المكان وأضفى له مشاهد شخصية وجدانية ففي هذا المشهد السردي يتعانق المكان مع الزمان في قوله:” كان يقول إنه يحسّ أن المدينة كلها منزله ـ فضالة ـ فالخضرة الدائمة في هذه البقعة الصغيرة تنعش القلب، ترسم بيد رشيقة فنانة أرصفة حالمة تزغرد، ذات أنفاس مبهورة، وممرات إسفلتية دقيقة صارخة، وبين فسحة وأخرى يندلع شلال ورود قرمزية وبنفسجية وصفراء محاطة بأخرى في ألوان شتى، تاركة المدينة رقعة شطرنج تُبدي حدائق غير مسيّجة، غابات صغيرة تحتضن الطرق في كلّ منحى وممر. وفي الفجر تغرق المدينة في ضباب هلامي هائل، لا يلبث أن يتفتّت مرغوبا أمام أشعة الشمس التي تحيله إلى قطرات ساحرة تبلل كل شيء، لكنها تترك على أوراق الشجر دموعا كالدرر اللامع يتوهج تحت الأشعة الحنون.”(22) نجد صورة المدينة ” فضالة” في عين أحد ابطال الرواية “سي الحبيب” يرويها لنا الروائي، صورة تتماهى مع نسيجه النفسي، وتمتد لتتماهى مع الشخصية في آن واحد، وهذا التمازج الوجداني قدمه الروائي بلغة شعرية تمازج فيها ايقاع الصورة وأطيافها الوجدانية؛ وبالعودة للنص لتحديد الصور التشبيهية نجد منه محذوف الأداة، كقوله:

تاركة المدينة رقعة شطرنج، الأداة محذوفة والتقدير” كرقعة شطرنج“.

غابات صغيرة تحتضن الطرق، الأداة محذوفة، التقدير” كغابات صغيرة تحتضن الطرق”.

دموعاً كالدرر اللامع يتوهج، الأداة مذكورة ” تشبيه مفصل مجمل “.

الروائي يمتلك حساسية إزاء سحر المكان لذلك جسده وفق منظوره الانطباعي المتوافق مع بطل الرواية، فنجد صورة الزمن تمتزج وجدانيا مع حالة المكان، ففي الفجر تغرق المدينة بضباب هلامي هائل، وتأتي أشعة الشمس لتفتت الضباب فتحيله إلى قطرات تترك على أوراق الشجر دموعا كالدرر اللامع المتوهج … فالفجر والضباب وأشعة الشمس عناصر فنية تتداخل مع المكان، تشكل المكونات النفسية للشخصية، وهي حاجة نفسية أكثر من وصف تقني فني جسده الروائي بلغة ليست دخيلة بل لغة إحساس شعري.

تبرز في الرواية تقنية أنسنة وصف الأشياء مستعيناً بالتشبيه، ينتقل معها المتلقي من فضاء سرد الأحداث إلى تأملات شاعرية، كقوله: ” وكأن الصوت يجمع بنغماته خيوطاً تلتفُّ على مقاومة أي رجلٍ فتسحبه نحو تلك الطاقة المندلعة من العينين المحرقتين ليذوب في نارها لم اضبط نفسي وقفت, حدّقت فيها, وجه يحوي من الحلاوة ما يكفي نصف فتيات العالم.”(23) وكقوله:” ابتسمت: قبلتني في جبهتي قبلة خاطفة: أتكفي هذه؟ مرّة اخرى, على الرغم من أني كان يتنازعني شعور ثائر لمعاملتي كطفل مدلل.”(24)

لقد كانت صور التشبيه مستمدة من واقع بيئي، تثير بالموازاة وصفا خياليا لما تحمله من إشارات صريحة تشي بتماثل فني بين المشبه والمشبه به، وتبقى أداة التشبيه عاملا فعالا في المقارنة بين طرفي التشبيه.

الاستعارة

في رواية “زنقة بن بركة” أخذت الاستعارة التشخيصية مساحة واسعة و لاسيما في وصف المرأة ونخص بالذكر قريبة الجزائري، إذ وصف مفاتن جسمها بأوصاف عدة غلبت على صورة الوصف الطابع الاستعاري التشخيصي، الأكثر عمقا في الوصف إذ يضفي المبدع فيه الصفات الانسانية على الأشياء الجامدة، فتبدو أشياء متحركة، تعمل، وتتأمل، وتمارس شغبها، وتواصل فعل الإبداع… فاسمعه يقول:” أهدابها الطوال ترسم على بياض خديها أشعة شمس سوداء متناسقة.”(25) الاستعارة في تشخيص الأهداب وهي ترسم أشعة الشمس على بياض خديها، والرسم صفة وعمل الانسان وليس أي إنسان بل إنسان فنان متمرس يتقن رسم الوجوه وتفاصيلها وتقاسيمها، ويقارب بين الألوان لأن أشعة الشمس ذهبية وليس سوداء كما ذكر المبدع، فعلى الفنان أن يتقن الابداع التشكيلي ووضع مقاربة وصفية تخيلية لتلك اللوحة وكل هذا نجده في أهداب المرأة الموصوفة.

تشكل الاستعارة التشخيصية لغة شعرية تجسد المعنى وتقارب في جعل الشيء الجامد شيئا متحركا متفاعلا ومتماهيا مع الحدث السردي، من ذلك قوله: ” قالت العبارة الأخيرة بشكل مشفق، وكانت موجات صوتها المعذّب رحلة ممتعة فوق النجوم في ارتفاع وانخفاض يهيمان بي وأنا أحلّ ألغاز الحروف البشرية.(26) وقوله: ” كانت ترتدي ثوبا أبيض يتموج برشاقة حركاتها الرّاقصة، ويشتد التصاقا عند الكشح الرّقيق لكنه كان يندلع عند الصدر وينتهي عند الكتفين ليخرج زندين بضّين كادا لرقتها يسيلان.” (27) وأيضا: ” كان هذا الثوب الثالث الذي يتحدث بصراحة واضحة عن جمال ثدين عامرين بالفتنة والجمال خلال اليوم.” (28)

إن هذا الاشتغال على الاستعارة التشخيصية يعكس لنا الغنى الرائع الذي تتميز به صور المبدع في الرواية، ولا يمكن في هذا المقام إعطاء معطيات عددية لهذه الصور وإن كانت تفيدنا في تقديم فكرة أولية عن تواتر وتوزيع عنصر الاستعارة التشخيصية، وتحديد عددها عن غيرها، لكن اكتفينا بهذا الكم من الصور الاستعارية التي تعطي انطباعاً كافياً عن المجال الحقيقي للصورة الاستعارية في رواية ” زنقة بن بركة”، والتي لا تخرج عن الطابع العام لجنس الرواية، كفن تشخيصي بامتياز. يهدف إلى تقديم أشخاص وأحداث مقنعة للمتلقي بواقعيتها في تفاعلها مع عنصري الزمان والمكان.

ج- التضاد

لا ينهض هذا المتغير الأسلوبي على تبيان قدرة المبدع في الاتيان بالمتضادات لإثارة الدهشة والتأمل، بل التلذذ باكتشاف المتلقي لموهبة المبدع في ايجاد العلاقات بين الألفاظ المتضادة أو المتباينة فضلا عن الجرس الموسيقي لاسيما إذا اقترب المتضادان أو المختلفان في البنية الإيقاعية والصرفية.

إن رواية ” زنقة بن بركة ” دخلت مخاض التضاد، من خلال مجموعة من العناصر منها:

السرد الذاتي للراوي والسيرة الغيرية.

ما عرضه الراوي في إشكالية تعدد المواجهة بين شخصية ” سي الشرقي” وشخصية المرأة ونقصد “رقية قريبة الجزائري”، التي كان مبهورا بجمالها، دقيقا في وصف مفاتنها وكل حركاتها.

ولا يخفى أن الرواية ـ عموما ـ أكثر الانواع الأدبية قابلية لامتصاص الفنون البلاغية بسبب مساحة الحرية المتوافرة في تقنية السرد، وتفاعل عناصر البناء الفني للرواية مع الخصائص الفنية للأنواع الأدبية الأخرى، والتضاد من هذه الفنون التي تتجلى من خلاله صور السرد وفاعلية الشخصيات وتفاعلها.

وبتصفحنا لصور التضاد في الرواية نقف على قوله:” كان سي الحبيب قد أُجبر على الإقامة في ” المحمدية” إثر الأحداث العاصفة التي طحنت البلد أوائل الستينات، وكان هارباً في طريقه إلى الشرق حينما أُلقي القبض عليه، ولم ينقذه من حبل المشنقة سوى الجلطة القلبية الشديدة التي طرحته وقتا طويلا معلّقا بين الحياة والموت في سجن المستشفى، في عناية الأطباء وممرضين يخفون تعاطفهم بقناع متجهّم من تأدية الواجب، وحين انتهت الأزمة بسلام بإهمال المسؤولين البالغ… “(29)

الراوي لم يتكلف المجيء بالتضاد صنعة وإنما السياق السردي فرض هذه المتغيرة بأشكال عدة، لتكوّن الصورة الواقعية المؤثرة؛ نجد الطباق في (الحياة / الموت) كلمتان متضادتان في المعنى في دائرة المفارقة السردية، إذ لولا مرضه وإصابته بالجلطة القلبية الشديدة التي طرحته وقتا طويلا في الفراش لكان ميتاً. ثم نعثر في النص ذاته على مقابلة سياقية، وفي هذه المقابلة يُنظر فيها إلى موضع البنية وعلاقتها بالبنى التي تجمعها علاقة البدلية، أو ما يسمى بالمقابلة المعجمية … هذا النوع من المقابلة لا يعتمد على المرجعية اللغوية للألفاظ وإنما على موقعه السياقي الدلالي، نلمس المقابلة في موضعين في هذا النص:

” عناية الاطباء وممرضين يخفون تعاطفهم بقناع متجهّم من تأدية الواجب” أي هناك تعاطف وحب إلى هذا المناضل لكن خوفهم من بطش السلطة، وقوانين تأدية الواجب يخفون حبهم له.

” وحين انتهت الأزمة بسلام، أحيط بإهمال المسؤولين البالغ”، يفترض أن يكرّم ويأخذ حقه مقابل ما قدمه من تضحيات وبطولات نضالية أوصلته إلى حبل المشنقة. يفترض أن يكرّم حاله حال المجاهدين الكبار الذين جاهدوا الاستعمار الفرنسي، لكن وقوف بعض الانتهازيين ضده حال دون ذلك…

يجد المبدع في المقابلة السياقية مرونة في التعبير، فهي تفصح عن قدرته على التصرف غير المقيد بالتقابل اللغوي الحرفي للألفاظ، مما يمنحه طاقة دلالية جديدة ويسبغ على المقابلة عمقا أو يجعلها أكثر قدرة على رسم صورة أو تصوير حركة، ومثل هذا وجدناه كثيرا في رواية زنقة بن بركة، من ذلك قوله:” ضحكت بغنج، حدّقت بي : ألم تتعجل؟ كل هذه المدة تقضيها معي ولا تعرف اسمي! ابتسمت: أنت قريبة الجزائري فقط: وقفتْ ذاهلة، زوت ما بين عينيها، عادت جلست على السرير: يا للمسكين! استمرت تضحك، أضافت من دون أن تسمح لي بالكلام، وقد أدركت أنها هي المقصودة في أحلامي : ضحية جديدة. أخذت أضحك أنا أيضا كنت مثارا ولا أعرف كيف أسيطر على تلك الإثارة، تجهم وجهها قليلا لكنه لم يفقد فتنته: لا أستطيع أن أحبك، فاقطع الخط .”(30)

تظهر في هذا النص ثلاث مقابلات سياقية ساعدت اثنتان منها على تطور الحدث في المقابلة الثالثة، وهي تعد ذروة النص فنجد في الأولى مدة معرفته بها، وهي مدة تعد طويلة ثم عدم معرفة اسمها مع طول مدة معرفته بها، والثانية ” تجهم وجهها قليلا ولكن لم يفقد فتنته”، والثالثة وهي ذروة الصراع العاطفي إذ “سي الشرقيّ” كانت أحلامه وردية اتجاه قريبة الجزائري، وكان يأمل أن يقطف أزهار حبها ويرتشف من عبيرها، لكن ظنه ذهب بعيدا، فهي تحب ذلك المناضل والبطل الأسطوري ” سي الحبيب ” بالرغم من انشغاله بحياة أخرى، وأشياء بعيدة كل البعد عن العواطف وحب النساء، نؤكد ذلك بقوله:” سألته: ما رأيك يا سي الحبيب؟… نعم يا سي الحبيب: ما رأيك في الحب؟

ـ ابتسم: لا أفهم قصدكِ

ـ ألا تعرف معنى الحب؟

ـ بلى، أنا أحب الناس .

ـ بدأ الحب يتكسّر بين شفتيها: وأنا من هؤلاء الناس؟

هزّ سي الحبيب رأسه: نعم.

فهي لا توافق أن تكون من ضمن الجميع، تريده حبا خالصا لها لوحدها، لكن سي الحبيب لم يتغير بالرغم ما شاهده من مفاتن امرأة جميلة جدا عرضت عليه حبا، فكان ينظر إلى الأمر كمتفرج ليس أكثر.

في هذه الرواية تظهر لنا المقابلة السياقية بشكل واسع لاسيما في رسم صورة المحب وسلوكياته، وحين يسند صورة التعب ومعاناة والهموم إليه وصورة تقابلية أخرى هي صورة طرف آخر لا يظهر له الوجد، وقلبه الذي برح به الوجد والسقم، وصورة تقابلية أخرى هي صورة المحبوب تخلو من حبه له. وبهذا تعكس المقابلة السياقية في الرواية صورة ثلاث شخصيات: الراوي نفسه ورقية وسي الحبيب. تعكس حالة الانفصال والانفصام بين هذه الشخصيات.

خاتمة

في نهاية هذه القراءة الاستقرائية الأسلوبية لرواية ” زنقة بن بركة ” أسجل مجموعة من النتائج التي توصلت إليها:

الخطاب السردي في رواية “زنقة بن بركة” يعرف نوعا من التماهي بين شخصية المبدع وشخصية ” سي الشرقي” أحد أبطال الرواية، وتدخل في أحداث الرواية وتتعالق مع الشخصيات الأخر كذلك، مما يسمح بملامسة حلول ذات المبدع في الآخر، لتبقى الذات هي الشخصية المحورية فتخلق رؤية جديدة هي ” الرؤية مع “.

الرواية تظهر على شكل سرد قصصي واحد لا يتباين فيها الزمن، وكأن أحداثها جرت في زمن واحد، زمن قصير فهي تفتقر إلى تقسيم يراعي تسلسل الفصول فصول كما جرت العادة في جنس الرواية، لكننا نجد وقفات هي فرصة لاسترداد الأنفاس إن جاز الوصف، إذ قص الروائي أحداثها قطعة واحدة من ناحية، وانطبق المبنى على المعنى باتساق آخذ مبهر دون استطالات سردية، أو إفاضات وصفية، وفي بعد عن أي حشو لغوي زائد أو إيغال مفرط في معاينة الحوادث.

وراء إحالة الضمير علاقات بين أفكار المبدع وبين انفعالاته، لا يستطيع التحكم بل تفرض عليه نفسها، فتنوع الضمائر وتنوع خصوصياتها ناجم عن تنوع عواطف الراوي.

عمد المؤلف إلى ترتيب حركة الأفعال من حيث هي حركة الفاعل، من أجل بناء تراكيب تساعد على توظيف الصورة الحسية والتجريدية، وشكلت هذه الأفعال هاجس السعي عند الراوي في اختيار الفكرة وتقديمها، ثم تحقيق أمنيات شخوص الرواية على امتداد أحداثها.

عمد المبدع إلى استخدام أدوات الاستدراك خاصة ” لكن ” مع اسنادها إلى الضمير، وغايته ربط دلالات الأحداث وفق البنى الكلامية، وشرح وتوضيح الغموض الذي يقف أمامه المتلقي بشغف كي يفهمه.

كانت لغة الرواية لغة تلقائية ولدت لحظة الابداع لذلك نجد تنوعا في الصور، لاسيما الصور التي تقوم على التشبيه، والتي ترتبط بالسياق النفسي الابداعي. وكانت صوره مستمدة من واقع بيئي وتثير بموازاة ذلك وصفا خياليا، وهي إشارة واضحة إلى تماثل فني بين طرفي التشبيه الرئيسين .

أخذت الاستعارة التشخيصية ” الاستعارة المكنية ” حيزا مهما في الرواية، لما لها من حيوية كبيرة تمتح مصادر مشعة تحيل على جمالية النص وطرائق اتصاله بالمتلقي، وتشخص الجماد وتجسده بهيئة كائن حي وسبيلها في ذلك الانزياح باللغة الاعتيادية إلى غير المألوف والمعتاد.

التضاد في ” زنقة بن بركة ” مفعم بدلالات نهضت بها السياقات، وكان قد خرج من مستواه المعروف إلى مستوى أسلوبي أكده طبيعة الخطاب السردي في الرواية، فالمقابلة السياقية التي تعتمد على المرجعية اللغوية أخذت حيزا كبيرا، لأن المبدع يجد فيها مرونة في التعبير غير مقيد بالتقابل اللغوي الحرفي للألفاظ.

 

أ.د. بشرى عبد المجيد تاكفراست

جامعة القاضي عياض / كلية اللغة العربية

......................

الهوامش

جاءت هذه الدراسة رغبة منا في إطلاع المتلقي العربي على هذا النوع من المنجزات الكتابية التي تؤرخ وتصف الواقع المغربي وأحداثه وشخصياته في فترة الستينات من القرن الماضي بعيون مشرقية، بالإضافة إلى أن رواية ” زنقة بن بركة فقدت في السوق بعد طبعتها الخامسة.

رواية “زنقة بن بركة” كتبت سنة 1970 .فازت بجائزة أفضل رواية عراقية سنة 1994 استعار محمود سعيد أجواءها من مدينة المحمدية، وهي مدينة ساحلية صغيرة مغربية، وبالضبط في شارع الزهور الذي يفصل المدينة،. بطلها سي الشرقي/ الراوي. عربيّ جاء إلى المغرب للعمل كمدرّس، هاربا من الاضطهاد الذي عاشه في بلده العراق، و” سي الحبيب” المحكوم بالإقامة الجبرية في هذه المدينة، إثر الأحداث العاصفة التي عرفها المغرب في منتصف الستينات القرن الماضي. تبدأ الرواية في عطلة الصيف… تقدم لنا الرواية رصدا شرقياً لزقاق ابن بركة بمدينة فضالة / المحمدية، ونظرا محتشدا بشخصيات لم تستطع الأقنعة المحلية أن تخفي قسماتها الحادة، وكانت عين الشرقي حادة وهي تزيح النقاب عن الوجوه المغربية وتخترق الأجساد والعقول المعذبة بقضايا مجتمع لم يتخلص بعد من سلطة الفقر والجوع والجنس …

محمود سعيد روائي عراقي من مواليد مدينة الموصل سنة 1935. أكمل دراسته واشتغل معلما، كانت توجهاته يسارية تقدمية، لذلك اصطدم بالسلطة واستمر ذلك حتى غادر العراق مضطرا… كتب مئات المقالات في الصحف والمجلات. كما أن له أكثر من عشرين رواية ومجموعات قصصية، ويحتفظ بمسودتي كتابين في التاريخ وقواعد اللغة العربية ينتظران النشر… من مجموعاته القصصية: “نهاية النهار” نشرت في القاهرة 1996، و”طيور الحب والحرب” ونشرت في القاهرة 1997، و”المنسدح” وهي مجموعة قصصية نشرت سنة 2005، و”الجندي والخنزير” ونشرتها دار فضاءات في عمان، و”مساء باريس” ونشرتها الدار ذاتها سنة 2009…. ومن رواياته: “هل انتهت الحرب” ونشرت في دار الحياة ببيروت و” الموت الجميل” والتي نشرتها دار المدى بدمشق 1998 و” قبل الحب – بعد الحب” ونشرتها دار المدى بدمشق 1999 و”الضالان” ونشرت في بيروت 2003 و”الدنيا في أعين الملائكة” ونشرتها دار ميريت 2006 و”بنات يعقوب” ونشرتها دار فضاءات في عمان بالأردن 2008 و”الطعنة” ونشرتها دار فضاءات في عمان 2010 و”الشاحنة” ونشرتها دار شمس في القاهرة 2010 و”نطة الضفدع” التي نشرتها دار الغاوون في بيروت 2011 و” وادي الغزلان” ونشرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت 2011… كما كتب مجموعة من قصص الأطفال بعنوان: “شجاعة امرأة” ونشرت سنة 1999.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، دار ضفاف للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد / العراق، ط5، 2013، ص7.

تحليل رواية زنقة بن بركة، حسين سرمك حسن، مؤسسة النور الثقافية، W.W.W alnoor.se/artiele.asp?id=90436

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص16.

نفسه، ص21 ـ 23 .

نفسه، ص25.

قضايا نقدية معاصرة في الرواية والقصة القصيرة، عمر عتيق، دار دجلة، عمان / الاردن، ط1، 2016، ص 12 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص8 .

نفسه، ص 10ـ 11.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص33 .

اللغة العربية معناها ومبناها، تمام حسان، عالم الكتب للنشر والتوزيع والطباعة، القاهرة، ط5، 2006م، ص 82 .

أسلوبية الرواية، مدخل نظري، حميد لحمداني، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1989، ص 48 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص8.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص9ـ10.

نفسه، ص42.

نفسه، ص52 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص 125.

نفسه،ص27 .

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص52.

نفسه، ص11.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص23.

نفسه، ص55.

نفسه، ص25.

نفسه، ص155.

نفسه، ص157.

نفسه، ص167.

محمود سعيد، زنقة بن بركة، ص10.

نفسه، ص55.

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5125 المصادف: 2020-09-16 10:52:42