 قراءات نقدية

اللغة العربية الخامسة: الفصحى الهجينة

محمد تقي جونصدر كتابي (اللغة العربية الخامسة: الفصحى الهجينة) وهذه مقدمته:

ليس مبالغة إذا قلت: نحن اليوم نتكلم (لغة اصطلاح) أو (لغة عُرف) وليس لغة عربية؛ لان الكثير من المفردات والجمل والقواعد والتعابير والأساليب في لغتنا هي ليست عربية، بل (انگليزية)، فضلا عن التركة من الألفاظ التي جاءتنا من احتلال وتأثير لغات الأمم الأخرى منذ هيمنة الفرس عام (132هـ) وبالتتابع حتى العصر الحديث الذي ختمَ بالهيمنة الحاسمة للغة الانگليزية.

 لقد مرت اللغة العربية بمراحل خمس، بدت في كل مرحلة نسخة مختلفة عن الأخرى، ولغتنا الفصحى في العصر الراهن هي النسخة الخامسة.

اللغة العربية الأولى (الفصيحة) وهي التي تكلمها العرب الأقحاح في الجاهلية، وصدر الإسلام، والعصر الأموي. وهذه اللغة لم تدون فضاع أكثرها بعد الإسلام. وسبب عدم تدوينها أن العرب عاشوا حياة بداوة، ولم يمتلكوا تفكيراً حضارياً. ويرى رينهارت دوزي أنها (لم تعش الا نحواً من مائتي سنة بعد الإسلام). وأرى انها لم تعش بعد الإسلام أكثر من مائة سنة. والعرب في هذا كالكرد لم يدونوا لغتهم فضاعت واختلطت أصولها بالفارسية، والكرد مثل العرب بدو (بدو العجم). بينما الفرس لبعد نظرهم في التحضر دوَّنوا لغتهم فلم تضع، وقد نقشوها على جبل (بيستون) في مدينة كرمنشاه.

تميزت العربية الأولى بكثرة ألفاظها وتعابيرها فـ(للإبل ألف اسم، وللأسد خمسمائة، وللكلب سبعون. وإذا اشتهى العربي اللحم يقول: قرمتُ إلى اللحم، وإذا اشتهى اللبن يقول: عمتُ إلى اللبن ولا يقول العكس). وبأنها لفظية بتفرد لا نظير له. ويقصد باللفظية شدة دلالة اللفظة على معناها فلا تنزاح اللفظة إلى معانٍ جديدة أو كثيرة. واقتضت لفظيتها أن تكون لغة بطيئة ومسهبة عند الكلام. وتميزت بخلوها من العجمة في الألفاظ والتعابير والقواعد، وقدرتها على ابتكار ألفاظ ومسميات جديدة، وهو ما جسده الشعراء والخطباء في عصور الفصاحة. وهي لغة صعبة في ألفاظها وقواعدها. ومع صعوبة قواعدها ضعف اطراد القياس فيها. وهذا جعلها لغة لا نظير لها في حب العزلة للحفاظ على نفسها. وكان سبب انهيار هذه اللغة اختلاطها باللغات المجاورة السهلة، وجنوح أهلها إلى التسهيل والتساهل كما سنبين.

اللغة العربية الثانية (المختارة) وهي عربية القرآن. وتعد أول لغة عربية دوّنت، وتدوينها ليس لأسباب لغوية بل دينية لحفظ القرآن واستمرار تداوله. والقرآن لم يستعمل اللغة العربية كلها، بدليل انه استعمل من اسماء الجمل ثلاثة الفاظ فقط والعربية فيها ألف اسم للجمل. وأكثر اشتغال القرآن في اللغة كان في الدين ومتعلقاته. وهذا يعني ان مفردات نواحٍ أخرى قد تركها. كما انه حوَّل ألفاظاً عامة إلى دينية خاصة، كالصوم، كان يعني (الوقوف) (صام الجواد: وقف) والصلاة كانت تعني (الدعاء عموما). وساعدت هذه اللغة على نسيان النصف الآخر من العربية الذي لم تستعمله، فهجره الناس.

وأضافت هذه النسخة إلى العربية الكثير من الألفاظ مثل أيام الأسبوع (سبت، احد..) والتعابير مثل (سقط في يده = ندم). وتدل رواية (مقاتل الطالبيين) على التغييرات الجوهرية بين اللغتين قال: (كان إبراهيم بن عبد الله المحض جالساً ذات يوم فسأل عن رجل من أصحابه، فقال له بعض من حضر: هو عليل الساعة تركته (يريد أن يموت). فضحك القوم منه، فقال إبراهيم: والله لقد ضحكتم منها عربية، قال الله عز وجل: (فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ) يعني يكاد أن ينقض). فالأول وجدها تخالف لغة العرب الأولى، والثاني وجدها لغة قرآنية صحيحة.

تميزت اللغة العربية الثانية بـ(الفصاحة) فلم تشبها العجمة. و(العمق) أو إضافة المعنوية. وابتكرت (المصطلح) كالجهاد والزكاة والخمس والإيمان والأوثان ففتحت الباب إلى عصر العلوم كما نجد ذلك في العلوم التي ظهرت في العصر العباسي بوضعها المصطلحات الخاصة بكل علم. و(الانتقاء) فإنها أخذت من لغة العرب الأولى أفضل وأيسر الألفاظ والتعابير فكان من معجزات القرآن ان يفهمه الناس في الأزمان كلها حتى زماننا الفاقد لغته. واستعملت (أساليب تعبير جديدة) مثل: الخيال والمجاز كقوله تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)، والتعبير الصوتي مثل (الحاقة) فاستعمال حروف شديدة معا وهو الهمزة والحاء والقاف أعطى تعبيرا موحياً عن هول القيامة لا تعطيه مفردة (القيامة) أو (يوم الحساب).  وذلك ان كلام الله لعظمته لا تقدر لغة الإنسان حمله واستيعابه، فضاقت به جدران اللغة العربية ولم تستوعبه فلجأ إلى ابتكار هذه الأساليب لإيصاله إلى البشر. وهذه الأساليب أضيفت إلى طاقة العربية وإمكاناتها، فكان تأثير هذه النسخة من العربية مستمرا في نسخ العربية إلى يومنا هذا. 

 اللغة العربية الثالثة (المولَّدة) وهي التي صنعها العباسيون بتأثير العجم وادخلوا اليها (المعرّب والدخيل والمترجم) فاختلطت بالعجمة وانتهت فصاحتها الخالصة. وصارت شأن اللغات غير العربية تهتم بـ(جمال اللفظ وعمق المعنى ورشاقة التعبير) أي تجعل الاهتمام بالمعنى اكثر من اللفظ وتقدم الجمال على الفصاحة. وهذه هي (البلاغة) التي روجوا لها، فما هي الا القالب الأعجمي الذي ادخلوا لغة العرب فيه فضاقت حتى تقبلته متراجعة باطراد. فأصبحت (العربية البليغة) أو (لغة البلاغة)  اذ البلاغة (سرعة الوصول والانتهاء في التعبير) أو (إجاعة اللفظ وإشباع المعنى). ولخصت صحيفة بشر بن المعتمر البلاغة بـ(أن يكون لفظك رشيقاً عَذْباً، وفخَماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً، وقريباً معروفاً) وهذا يعني ترك هذه اللغة الكثير من الألفاظ العربية الفصيحة، والاشتغال على المعنى. فأضافت خصيصة لغوية أعجمية تناقض الطبيعة اللفظية للغة العربية. وانتقل ذلك إلى الشعر فظهر مصطلح (اللفظ والمعنى) وأكثر الشعر العباسي شعر معنى.

ويذكر القاضي الجرجاني ذلك في قوله (اختار الناسُ من الكلام ألينَه وأسهَله، وعمَدوا الى كل شيء ذي أسماء كثيرة اختاروا أحسنَها سمعاً، وألطفها من القلب موقِعاً؛ والى ما للعرب فيه لغاتٌ فاقتصروا على أسلسها وأشرفها؛ كما رأيتهم يختصرون ألفاظ الطويل؛ فإنهم وجدوا للعرب فيه نحواً من ستين لفظة؛ أكثرها بشِع شنع؛ كالعشنّط والعنَطْنَط والعشنّق، والجسْرَب والشّوْقَب والسّلْهب والشّوْذب، والطّاط والطّوط، والقاق والقوق، فنبذوا جميع ذلك وتركوه، واكتَفوا بالطويل لخفّته على اللّسان، وقلة نبُوّ السمع عنه). وقد سمي كثير من هذا الفصيح (غريباً) وهذا يعني انه صار غريباً على حياة أهل هذا العصر. وهذا الغريب عرف في بداية العصر؛ فان بشار بن برد وهو مخضرم عصري الأمويين والعباسيين  ذكر المصطلح.

ولما كان هذا العصر ولاسيما قرونه الأولى عصر نشاط، وللحاجة الماسة، فقد أضيفت ألفاظ إلى العربية هي:

1-  المولد وهو (كلام أحدثوه ليس من أصل لغتهم، وقد استخرجوه من ألفاظ عربية بالاشتقاق والتغيير الصوتي والدلالي مثل (البداية بدل البداءة) (برهن بدل أبره) (تبغدد لمن سكن بغداد) (النحرير ضد البليد) (القفد ضرب الرقبة باليد).

2- المعرّب وهو (الفاظ أعجمية نقلت إلى العربية بتصرف في القياس مثل (جوسق من كوشك) (جوالق من كواله) (الديباج من الدبْج) (الذماء: من دَمار) (رَوسم من رَوْشَم) (زرجون من زرَّكُون) (ساذَج من ساذه) (طازج من تازه)  (العسكر من لشكر) (استاذ من اوسته) (مهندس من مهندز).

3- الدخيل وهو (ما نقل الى العربية بلفظه ومعناه دون تصرف) مثل (دارصين) (يانسون) (جوري) (ابريسم) (نرجس) (ياسمين) (سفرجل) (كعك) (دفتر).

4- المترجم وهو ما نقله المتكلمون والفلاسفة والمترجمون من الأمم الأخرى مثل (العَرَض والجوهر) (أيْس وليس)، (البُطلان والتّلاشي) (الكون والفساد) (الهذيّة والهُوِيّة) وترجموا (الجمهورية) لأفلاطون إلى (المدينة الفاضلة)  وأشباه ذلك. وذكر الجاحظ جهد المتكلمين بقوله (هم تَخَيَّروا تلك الألفاظَ لتلك المعاني، وهم اشتقُّوا لها مِن كلام العرب تلكَ الأسماءَ، وهم اصطلحوا على تسميةِ ما لم يكن له في لغة العرب اسمٌ، فصاروا في ذلك سلفاً لكلّ خلف، وقُدوةً لكلّ تابع).

 وتعد هذه السمة الأبرز في هذه اللغة. وقد كثرت المفردات غير العربية في الأصل وزاحمت العربية وازدحمت، فلم يفرق الجواليقي في كتابه (المعرّب من الكلام الأعجمي) بين العربي وغير العربي كثيرا، وكذلك أصحاب المعجمات. وشكل المولد قاموسا وضع إلى جنب القاموس العربي، وقد عدّ من الفصيح أو أقل بدرجة.

 وفي هذا العصر دوّنت اللغة العربية لأول مرة بقصدية ومنهجية، عن طريق المعجمات اللغوية ابتداء من (كتاب العين) للخليل بن أحمد الفراهيدي. وشمل الجمع اللغة العربية الثالثة العباسية، وما أسعفت به الذاكرة من العربية الفصحى (ومن العجب أن الملتزمين بنقاء اللغة وصفائها غالباً ما يفسرون في معاجمهم الألفاظ الفصحى بألفاظ مولدة). وعلى الرغم من الجهود المخلصة من علماء عرب وعجم في توسيع اللغة وزيادة روافدها وإيراداتها الذاتية لاستيعاب الحضارة إلا أنها لم تزد على شحيح من الارتجال والاشتقاق والنحت حفاظا على الفصحى، مما أوقعها في الاقتراض الذي مثل بداية الانحراف والهجنة.

وكانت مشاركة المترجمين الأسوأ إذ تخلوا عن فخامة الألفاظ والتعابير إلى المرونة والبساطة وترويج الخاطئ والمنحرف، مما جعلها بمرور الوقت تتخلى عن (الفصاحة). (ذلك أن العملي لا يستجيب للنظري دائماً) كما يقول دوزي، فوضع لفظ عربي إزاء لفظ أجنبي لتحقيق معنى جديد لا يكون دقيقاً، بل يكون في كثير من الأحيان عرفا لغويا أكثر منه حقيقة لغوية، وقد ارجع الجاحظ السبب الى (عدم إتقان هؤلاء المترجمين العربية، وان العلوم التي نقلوها أكبر حتى من طاقة علماء اللغة فكيف بمترجمين). وبرأيي لا يرجع العجز عن الابتكار إلى أصل اللغة العربية. وفرضاً، لو أن العرب الأوائل الأقحاح استمروا إلى زمن العباسيين لابتكروا مسميات فصيحة للأسماء الحضارية أفضل من غيرهم. ولكن حتماً هم أيضاً سيقفون حائرين أمام مسميات بعيدة عن واقعهم، فالحياة تغيرت، وكان على العرب سباق الشعوب لتطوير حياتهم ليصبح تطوير لغتهم ممكناً.

 اللغة العربية الرابعة (المختلطة بالعامية) وهي لغة القرون الوسطى إلى أعتاب العصر الحديث. فبتتابع المحتلين ولاسيما بعد مرحلة المغول ومن جاء بعدهم من أمم محتلة أعجمية ألحقت تكملات غريبة للمعجمات العربية (الفصيحة والبليغة)، أدخلت العرب في مرحلة فقدان هويتهم اللغوية تدريجياً حتى صاروا عرباً يتكلمون لغة عربية غير محضة، أو بنسبة أعجمية صارت تتزايد مع الاحتلالات الأجنبية وتفشي لغاتها، فضلا عن إهمال أبنائها لها، حتى وصلت إلى أعتاب حالة يرثى لها من التناقص والانحراف. ومراجعة (تكملة المعاجم العربية) لـ(دوزي) تظهر أن اللغة العربية في القرون الوسطى انحرفت بشكل مريع ممكن الاطمئنان لتسميتها (اللغة العربية غير الفصيحة).

 وأهم سماتها: سيادة العامي وفقدانها الجمالية وقد انعكس ذلك في شعر هذه العصور فكان شاحبا من الجمال تغلب عليه النثرية. وكان الأندلس المنطقة الأضعف عربياً فعبر منها اللحن والعامية، فضلا عن ولادة الشعر الشعبي أول مرة بالموشح والزجل. ويكفي النظر في فهرس الكتب التي اعتمدها (دوزي) في معجمه للغة العربية غير الفصحى للتأكد من أن الأندلسيين روجوا العامية ورسخوها. وقد كان (بعض مشهوري النحاة في الأندلس يعلّمون اللغة الفصحى بعامية البلد). وذكر الجرجاني في اقتباسه السابق ان الناس (تجاوزوا الحدّ في طلب التسهيل حتى تسمّحوا ببعض اللّحن، وحتى خالطتهم الركاكة والعُجْمة) وهذا الأمر ازداد كثيرا بعد زمن القاضي الجرجاني.

  ويورد عباس العزاوي في كتابه (تاريخ الأدب العربي في العراق) زخات الألفاظ والتعابير الدخيلة من الترك والمغول والتركمان والفرس وغيرهم. فقد روّج الترك ابتداء من هيمنتهم زمن السلاجقة ألفاظا وتعابير كثيرة منها على سبيل المثال من الألقاب (إخشيد، شحنة، أتابك) ومن الأسماء (أتسز= بلا اسم) (أرسلان = أسد) (خاقان = سلطان) (الله ويردي = عطاء الله) (بوري = ذئب) (قرا = أسود).

 وروج المغول والتركمان ألفاظهم مثل (باش = رأس، رئيس) وفي مصر يقولون للآن (باش كاتب = رئيس كتاب). (باشا = الأخ الأكبر، الأكبر) (أغاتي = سيدي) (پايزه = وسام) (تمغة، طمغة = ضريبة) (طواشي = خادم خصي) (خواجه = صاحب، مالك) (دايه = مرضعة، مربية) (دستور = طلب الإذن) (سنجق = لواء) (فرمان = أمر سامٍ) (قان، خان = الملك الأعظم) (چرخچية =  حراس الحدود) (كليچة: من الحلويات) (كلبچة = قيد) (ياسه = قانون).

 ومن الألفاظ الفارسية التي راجت (نياز = نذر) (آبدس = وضوء) (بند: مادة، قيد) (پول = فلوس) (پير = عجوز) (پشتكو = خلف الجبل) (پيشكو = أمام الجبل) (درويش = متصوف فقير) (زركش = مذهَّب) (دشت = صحراء) (دهليز = مجاز) (شاه = سلطان) (شاهزاده = ابن السلطان) (كلاو = غطاء رأس) (سرخيل = قائد).

وقد هجرت العربية في هذه الحقبة وصار العرب يتحذلقون بالكلام باللغات الأجنبية كالفارسية والتركية، ولم تعد العربية ذات اهتمام، والفصحى ذات وجود. كتب ابن منظور (ت 711هـ) يذكر حال اللغة العربية عند تدوينه معجمه لسان العرب (وصنعته كما صنع نوح الفلك وقومه منه يسخرون).

 اللغة العربية الخامسة (الهجينة) وهي العربية المعاصرة صنعة ونتاج حركة إحياء التراث وبعث اللغة في مطلع العصر الحديث، والاحتلالات الغربية الحديثة التي نقلت حضارة الغرب. وسميتها مهجَّنة لأنها استنسخت الانگليزية في محاولتها لوضع مفردة أمام كل لفظ ومعنى غربي. ولعل العولمة اللغوية او المنظومة اللغوية العالمية دفعت إلى ذلك أيضاً لايجاد ترجمة موحدة لالفاظ كل لغة. وقد غرقت العربية فعلا في بحر الانگليزية الطامي.

وكان الفرق الحضاري، وحيوية اللغة الانگليزية حاسماً في صناعة هذه النسخة الاستسلامية للغة العربية. وما عانته اللغة العربية يشبه النواحي الأخرى كالسياسة والاقتصاد والفكر والأدب، فكلها صارت نسخاً مكررة من النسخ الانگليزية الأصلية. ولابد من الاعتراف بأن (العربية الخامسة) وهي في تراجعها غير قادرة على مجاراة اللغة الانگليزية وهي في عز قوتها وتطورها.

 ولم تكن هذه العربية أفضل من سلفها العباسية في قلة الابتكار والاستيراد، ولكن زادت عليها انها لم تقف عند حدود استيراد الألفاظ، بل  تعدتها  إلى المعاني والأساليب والقواعد، فهو اختراق وقلب للغة وتأسيس للغة أخرى لا ترى بعين الاستعمال المجردة. ولم تكن هذه العربية بعدما فقدت ألفاظها الفصيحة الهائلة واقتصرت على ما تبقى من فصيح ومعرّب ودخيل، وما ورثته من قواعد لا تزال صعبة قادرة على استيعاب مفردات الحضارة الحديثة، فضلا عن تخلف العرب واقعاً عن اللحاق بركب التطور العالمي, وانما اللغة نتاج الواقع الفعلي.

 بينما الانگليزية سهلة جداً في قواعدها فكثير من الأسماء هي نفسها أفعال مثل (Name = اسم) و(Name = يسمّي)، وسريعة التشكل مثل (Writing = كتابة) (Re- writing = إعادة الكتابة)، والقدرة المذهلة على الابتكار والخلق بحيث استطاعت مواكبة التكنولوجية والتطور الجنوني. يذكر محمد زيد مبرمج لغويات حاسوبية (كل عام تدخل كلمات جديدة للغة الانجليزية تقدر بنحو 25 ألف كلمة. هي كلمات مستحدثة نتيجة التطور العلمي المتجدد كل يوم). أي انها لغة عصرية مواكبة للتقدم العلمي. وهي مرنة على الاختصار الذي هو احد روافدها للاستيلاد والخلق. فالسلام (Hello) يختصر إلى (Hi). و(Brother = أخ) إلى (Bro) والجمل مثل (Test of English as a foreign Language) إلى (TOFEL = التوفل)، مما جعلها سريعة بإفراط لا تلحق العربية بها.

وتمثل (المعنوية = الاشتغال على المعنى) أكبر سماتها، والفرق الحاسم بينها وبين العربية، فالعربية لفظية لا تتزحزح اللفظة عن معناها كثيرا، بينما اللفظة الانگليزية تتسع إلى معان كثيرة ومختلفة.

فمثلا (Set) إذا جاءت اسما تعطي معاني: (مجموعة، طقم، جهاز تلفزيون، ملائم، موقف، موقع تصوير، شتلة صغيرة، أداة، فئة).

واذا جاءت فعلا تعطي معاني: (يغرب، يتجمد، يتصلب، يضع، يثبت، يلائم، يناسب، يعقد، يعين شيئاً لشخص، يكتب، يطبع، يلحّن، يضبط، يجبر، يرسم، يرتب، ينصّب، يصفف، يحدد، يركب، يعطي، يحدد، يرفع).

فهي قادرة على توليد الأفكار والمعاني من اللفظ الواحد بشكل لا يصل اليه الترادف العربي لاشتغالها على المعنى اشتغالا مذهلاً. ووجدنا العربية بلفظيتها الثقيلة تقف حائرة عن ايجاد لفظ مقابل لفظ انگليزي، مما جعل المترجمين يضعون الفاظا غير دقيقة أو خاطئة فأثقلوا كاهل العربية بالأخطاء.

فمثلا (Feel). ترجموه إلى (شعور) و(مشاعر) و(إحساس) وكلها خاطئة في العربية. فالـ(شعور) تعني (جمع شَعَر)، والـ(المشاعر) تعني (الشعائر)، والـ(إحساس) متعلق بـ(الحواس الخمس). وقولهم (أشعر) بمعنى (أعلم) وقالوا (ليت شعري = ليت علمي). وسمي قائل الشعر شاعراً لأنه (عالم). فلو قال قائل (هما يتادلان الشعور) فالمعنى العربي هو (يتادلان شعر الرأس!!!!).

وتمتلك الانگليزية دقة دلالة اللفظ على معناه لا نجده في العربية احيانا. فلفظة (Home) تختلف عن (house) بأنها أكثر من (مكان تسكن فيه)، فهو يضيف عمقا باطنيا هو (الانتماء إليه) فترك (house) لا يسبب ألماً بينما ترك (Home) يسبب مرض (Homesick). كما أنهم يقولون (I bought a house = اشتريتُ منزلاً) ولا يقولون هنا (Home)؛ لان الانتماء لم يتحقق بعد. ولا نجد ذلك في العربية؛ لافتقارها إلى (عمق المعنى) في التعبير. ومن دقة الانگليزية التي لا تصلها العربية مثلا الظروف أدناه تضع الانگليزية لها نسبا مئوية دقيقة لا تمتلكها العربية:

100 %Always

90 % Usually

80 % Normally

70 % Often

50 % Sometimes

30 % Occasionally

10 % Seldom

5 %   Rarely

0 %   Never

وهذا يجعل مجاراة العربية للانگليزية غير ممكن غالبا.

 ويعود تشكل هذا اللغة (العربية الخامسة) إلى نهايات القرن الثامن عشر، وبلغت ذروتها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى بدايات القرن العشرين، وصارت تتكامل صعودا إلى يومنا. وكان ميدانها مصر ثم بقية الأقطار العربية، عن طريق الترجمة والتشجيع عليها. فقد أسس محمد علي عام 1868 (مدرسة الألسن) للترجمة إلى العربية. وكان الطلاب يمرنون على الترجمة من اللغات الأوربية إلى العربية بالاستعانة بقواميس عربية وغربية. ودرّس في الابتدائية اللغة الفرنسية. وكانت الانكليزية ترافق الفرنسية في اختصاصات تعليمية كثيرة. وقاد الخديوي اسماعيل حركة الترجمة وبجهوده (ازدهرت الترجمة في العشرين سنة الاخيرة من القرن التاسع عشر ازدهارا لم يكن له مثيل في العصور السابقة، وتناولت جميع نواحي الحياة العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية). وفي عام 1898 أصبحت الانگليزية اللغة الرسمية الوحيدة بعد العربية في مصر.

 وقال جرجي زيدان (كان التعليم في المدارس باللغة العربية قبل احتلال الانكليز مصر سنة 1882، ثم أخذت الحكومة بعد الاحتلال تنظم المدارس على نسق جديد بجعل قاعدة التعليم بالانكليزية والفرنسية وقلّت العناية باللغة العربية وصارت ساعات تعليم العربية اقل من ساعات تعليم اللغتين الأجنبيتين فضعف شان اللغة العربية). وجاء في تقرير (ان العربية المستخدمة في الدواوين سقيمة واهنة ركيكة لا تمت إلى العربية بنسب الا في الفاظها وصور حروفها اما الاسلوب ودلالة التراكيب فلا صلة له بالعربية).

 وهذا هيأ جيلا قوي الثقافة بالانگليزية ضعيف الثقافة بالعربية، وهؤلاء قادوا وشاركوا في حركة الترجمة. ووصف جرجي زيدان  حال المترجمين بقوله (وظاهر ان هؤلاء التراجمة كان بعضهم من غير أبناء هذه اللغة، فإذا ترجموا عبارة صاغوها في قالب أعجمي، وما لم يجدوا له لفظا عربيا تركوه على لفظه الإفرنجي أو وضعوا له لفظا عاميا). وقد تشكلت وروجت لغة الترجمة لتكون لغة هذا العصر، وبها صدرت الصحف الكبيرة كالمقتطف والأهرام وغيرها. وقد (تأثرت هذه اللغة الجديدة بالاصطلاحات الإفرنجية حتى نسي الكتاب أن في لغتهم اصطلاحات فنية كثيرة وردت في مؤلفاتهم القديمة مثل (علم المعاش) فقد نقل المترجمون اصطلاح (علم الاقتصاد السياسي) وتركوا التسمية العربية مع أنها اقرب إلى الحقيقة).

 وهذا دعا المحافظين إلى إنشاء مجمعات لغوية لمراجعة الترجمات. يقول مصطفى محمود ( إنَّ فكرة إنشاء مجمع لغوي كانت في كل العصور تابعة للترجمة وما يصادفه المترجمون من عقبات في التوفيق بين العربية وغيرها من اللغات التي ينقل عنها؛ لان المترجم حين يعرض له مصطلح من المصطلحات لا يستطيع الاستقلال باختيار اللفظ العربي له، لعدم توفيقه إلى ذلك غالبا، ولان ذلك يحتاج إلى مواصفة وهي لا تكون الا من جمع أهل اللغة يوثق برأيهم حتى يكون وضعهم مأمون الدخل فيقبل عليه الناس مطمئنين. بدت هذه الفكرة عندما اشتدت حركة الترجمة أيام المأمون فانه جعل يوما في الأسبوع يلتقي فيه علماء اللغة بالمترجمين فيعرض هؤلاء على أولئك عملهم، وتجري المناقشة فيه، ثم يقرّ الرأي العام على ما يقتنع به المجمع. فعمل المأمون لا يحتمل الشك في انه اول من فكر فيما نسميه الآن مجمعا لغويا).

 وكان أول مجمع لغوي بمصر هو الذي اجتمع سنة 1897 وكان مقره آل البكري، وتولى رياسته السيد محمد توفيق البكري، وأسندت وكالته إلى الشيخ محمد عبده، وكان عمل هذا المجمع وضع ألفاظ لمخترعات حديثة. ثم فتر العمل في هذا المجمع وانتهى إلى السكوت والموت. فأنشأ الملك فؤاد الأول (المجمع الملكي). ونشأت بعدها المجمعات اللغوية في القاهرة وسوريا والأردن وبغداد وغيرها.

 وجهود هذه المجمعات، والمعجمات التي صدرت عنها أو الحديثة التي صدرت من دوائر ولغويين لم تستطع توجيه اللغة أو النسخة الخامسة الحديثة للغة العربية، بعدما راجت وصارت لغة للعلم والثقافة والأدب والفن. بل نجد هذه المجمعات والمعجمات تقرّ وتشرعن مفردات وتعابير واصطلاحات وقواعد هذه اللغة الناشئة الهجينة فكان عملها سلبيا. والغريب ان كتب تصحيح اللغة وقفت عند حدود سوء استعمال الألفاظ العربية الصحيحة مثل (البؤساء والبائسون) وتركت والمعاني الغربية التي جلب لها المترجمون ألفاظ ترجمة خاطئة، ولا وقفت عند القواعد الغربية التي صار تبنى بها الجمل. بل حتى الالفاظ صحح الجانب الهين فيها وروج الخاطئ المنكر، مثل (تأسست المدرسة) قال مصطفى جواد (لا تقل تأسست المدرسة وقل أُسست لان المدرسة لا تتأسس وحدها). وقال العدناني يجوز (تأسست المدرسة لانها مطاوع أسس المدرسة). وأصل (تأسست) خاطئ لانها ترجمة لـ(Established)  والصحيح في العربية (بنيت وشيّدت) فلفظة (أسس/ تأسس) لا تعطي معنى (بنى/ وشيّد) لانها تعني (الأساس فقط) وليس اكتمال البناء.

 وممكن وصف (اللغة العربية الخامسة) بأنها لغة تحافظ على قواعد اللغة العربية، وتقل مفرداتها العربية كثيراً عن عصور الفصاحة والبلاغة، وألفاظها سهلة يفهمها الجميع حتى العامي ولكنها ترتفع عن اللهجات العامية. والسمة الأبرز فيها غير المنتبه عليها قبل بحثي هذا هو أن جانبها الأكبر بني على الترجمة من الانگليزية لاستيعاب الحضارة المعاصرة. وهذه الترجمة لم تكن موفقة بسبب فقر اللغة العربية لألفاظ تغطي جوانب هذه الحضارة، ولأن المترجمين لم يحافظوا على حدود الأصالة اللغوية العربية فتجاوزوها جهلا أو تساهلا. كما انهم توسعوا فنقلوا المعاني والقواعد الانگليزية فاخترقت العربية اختراقا لا مثيل له من قبل، وقد حافظت قبل على قواعدها بصرامة سابقا.

 فمثلا لفظة (Microbe = ميكروب) لم يجد المترجمون في العربية لفظة تقابلها، لان العرب لم يكونوا من التطور ليعرفوا هذه الدقائق، فلجؤوا إلى كلمة منسية هي (الجراثيم) فترجموا الميكروب بها. ولفظة الجراثيم في العربية تعني (الاصول، والارتفاع، وقبائل العرب) واطمأنوا أنهم يحسنون صنعا عندما حولوا الاصول وقبائل العرب إلى ميكروبات. ونجد المعجم الوسيط يقر ذلك فيذكر معناها العربي ثم المعنى الهجين. ووقفوا عند لفظة (Sterilization) فلم يجدوا لها لفظا عربيا قريبا أو بعيدا، فابتدعوا لفظة (التعقيم) وهي غير موجودة في العربية البتة. أو كانوا يعمدون إلى اسم لا يدل على المعنى بدقة فيستعملونه؛ مثلا في علم النبات (Spore) تعني (خلية تكاثر تنمو لتكوين نباتات جديدة) فوضع المترجمون إزاءها لفظ (البوغ) والبوغ في العربية (شيء يكون في جوف الكمأة). وكثير من المعاني التي لا عهد للعربية بها نقلت ووضع لها الفاظ عربية مثل (الشخصية، دفاعا عن النفس، التوازن النفسي، المعنويات، أصحاب السوابق). كما نجد هذه اللغة تستعير حتى القواعد الانگليزية مثل النفي بـ(اللا) (اللاعودة، اللاعنف) والنسبة إلى المصدر وليس إلى الاسم مثل (تدريسي، قيادي). ومثل ذلك يجعل هذه العربية في اغلب الأحيان بعيدة عن العربية حقيقة، وأقرب إلى ان تكون لغة عرفية اصطلاحية منها إلى لغة عربية. وهذا يجعلني أقول باطمئنان (إننا نتكلم ونكتب لغة انكليزية بألفاظ عربية أو نظنها عربية). وهذه العربية بألفاظها المنقولة ومعانيها المترجمة وقواعدها الدخيلة أصبحت سليقة لا يمكن الفكاك منها. ولم اهتم في كتابة هذا المؤلف بالخروج عنها، وسيجد القارئ أني قد أكتب الجملة التي ذكرت انها خاطئة، فاصلاح المنطق يحتاج إلى جهود جماعية ووقت طويل.

 لم أحصِ الألفاظ والمعاني والقواعد الانگليزية في هذه النسخة من اللغة العربية، فهذا أمر فوق الممكن، وانما ذكرت الاكثر والاهم وما حسبته يكفي لإيصال الفكرة والتسليم بحقيقة ان لغتنا العربية المعاصرة او الخامسة هي مهجنة بالانكليزية. وقد بذلت جهدا ضخما كان الهدف الأول من ورائه الدعوة إلى إحياء العربية الأصيلة وإعادتها إلى الوجود لأنها لغة أمة العرب والقرآن الكريم. ولا يمكن أن يفهم القرآن كما ينبغي ما لم ترجع العربية التي كتب بها.

 لقد هداني إلى فكرة الكتاب تدبري للقرآن الكريم وتفرّغي لخدمة اللغة العربية. فكانت اذا مرت جملة غير عربية على سمعي أدرك فورا انها ليست عربية. ومع الوقت ترسخت فكرة الكتاب، وصارت بالعمل تتوضح شيئا فشيئا حتى وصلت إلى نهايتها البديعة.

يقع كتابي في (260) صفحة. اعتمدت في دراستي عشرة معجمات هي (أساس البلاغة، الصحاح، العين، تهذيب اللغة، العباب الزاخر، المحكم والمحيط الأعظم، المحيط في اللغة، جمهرة اللغة، لسان العرب، تاج العروس). زمناً كان آخر المعجمات الموثوق بمادتها العربية هو (لسان العرب) لابن منظور (ت 711هـ). وراجعت أحياناً (تاج العروس) مع ان الزَّبيدي عاش في نهاية القرن الثامن عشر، اذ كانت اليمن بعيدة عن تأثير الانكليزية. وراجعت (265) كتاباً ودواوين (2300) شاعر وعشر معجمات قديمة ضمتها (الموسوعة الشعرية – الإصدار الثالث) فضلا عن البحث في مجمعات غير الموسوعة مثل (موسوعة أهل البيت) التي ضمَّت (4709) كتاباً وهذه الكتب متنوعة بين: معجمات، وكتب أدب، ولغة، ودين، وتاريخ، وفلسفة وغيرها. واستعملت ثقافتي العريضة في هذا المجال والمكتبات والورقية. كما اعتمدت الانترنت، وكتباً انگليزية، واستشرت مختصين باللغة الانگليزية.

 وأقول في ختام هذه المقدمة: إنَّ إحياء لغة العرب واجب ديني أكثر من أي شيء آخر. وما من لغة في العالم استبيحت كما استبيحت اللغة العربية، ولا أهل لغة كالعرب لم يأبهوا لحال لغتهم. وأنا أدعو اللغويين والمثقفين والأكاديميين والمختصين فضلا عن الحكومات العربية إلى المشاركة في إعادة العربية الفصحى إلى الحياة ، وإعادة النظر في لغتنا المعاصرة (الخامسة) والتخلص من الدخيل بما يعيد الوجه المشرق للغة العربية ويثبت اقتدارها على مواكبة العصر فضلا عن تفوقها وأخذها الصدارة بين اللغات، ولتكون الهوية الحقيقية للعرب كحال الشعوب كلها في حفاظها على لغاتها.

واللهَ أسأل التوفيق

 

الأستاذ الدكتور محمد تقي جون

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5133 المصادف: 2020-09-24 04:08:48