 قراءات نقدية

تأثير وتأثّر الأدب الروسي في الأدب العربي

عبير خالد يحيىمقدّمة: لا شك أن تحاور الحضارات هو حتمية لا بد من حصولها مهما تباعدت سبل اللقاء، لأن القائم بها هو الإنسان المجبول على حب الاستطلاع والمعرفة، وعلى عفوية التواصل الحضاري حواريًّا مع المشابه والمختلف على حدّ سواء، في محاولة لمعرفة الآخر، ومعرفة الذات من خلاله اعتمادًا على آلية المقارنة التي تتيح تحقيق الهدفين معًا.

نسمح لأنفسنا بمحاولة متواضعة، نكشف فيها عن ملامح هذا التواصل الحواري المعرفي بين الحضارتين العربية والروسية، وتأثير كل منهما في حضارة الآخر من خلال أداة الحوار الأولى وهي اللسان أي اللغة عبر الوسيلتين المنطوقة والمكتوبة، ونركّز أكثر على المكتوبة، ليكون البحث في تأثير الأدب الروسي في الأدب العربي في القرن التاسع عشر والقرن العشرين ومطلع القرن الواحد والعشرين، في البداية نستعرض المؤثرات العربية والإسلامية في الأدب الروسي، كونها تمتد من القرن التاسع الميلادي كما سنبيّن الآن:

مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي[1]:

"روسيا والشرق العربي:

....ثمة مخطوطة يرجع تاريخها إلى بداية القرن الثاني عشر الميلادي (حوالي 1113) وتُعد من أقدم الأدبيات الروسية المكتوبة، وهي" قصة السنوات العابرة"، وفيها نتعرف على قصة الأمير فلاديمير الذي اعتلى الحكم في روسيا عام 980 واعتنق الإسلام ثم ارتد عنه إلى المسيحية، التي صارت فيما بعد ديانة رسمية لروسيا.....

كما شكّل الإسلام وقرآنه ينبوعًا خصبًا للإلهام- كما سيتضح فيما بعد- كان هناك أيضًا نبع الحضارة العربيةتاريخًا وثقافة، وهو النبع الذي استلهم منه الأدب الروسي الكثير من الصور الأدبية والرموز والأساليب . وإذا كان القرن التاسع عشر بالنسبة للأدب الروسي هو ذلك العصر الذي انعكس فيه هذا التأثير بشكل جلي، فإن هذه المرحلة قد سبقتها مرحلة أخرى من التلقي والاستيعاب تبدأ في القرن التاسع الميلادي، وتمتد حتى القرن التاسع عشر وعلى امتداد هذه القرون تمت عملية اكتناز للعناصر العربية (حضارية وإسلامية). وهي العملية التي مهّدت لحدوث أهم حلقة في حلقات التفاعل الحضاري: (التأثير والتأثّر) والتي اتضحت في إنتاج أدباء الحركة الرومانتيكية الروسية: وهي التيار الأدبي الرائد في الأدب الروسي في الثلث الأول من القرن التاسع عشر".

كتب الشاعر الروسي الكبير الكسندر بوشكين: " هناك عاملان كان لهما تأثير حاسم على روح الشعر الأوروبي هما: غزو العرب والحروب الصليبية، فقد أوحى العرب إلى الشعر بالنشوة الروحية ورقّة الحب، والولع بالرائع والبلاغة الفخمة للشرق، وأكسبه الفرسان الشهامة بساطة الروح ومفاهيم البطولة وحرية الشعوب .. هكذا كانت البداية الرقيقة للشعر الرومانتيكي"[2]

ولمسنا إيحاءات عربية إسلامية في إنتاج ميخائيل ليرمونتوف" في قصيدته " الشركسي" (1828) حين ينجد البطل الأمير التركي، ويقسم برسول الله مؤكدًا عزمه على إنقاذ أخيه الذي تراءى له شبحه يطلب المساعدة:

إنني لمستعد للموت!

والآن: أقسم بمحمد

أقسم، أقسم بالعالم كله!..

فقد حلّت الساعة التي لا مفرّ منها[3]

ولا يخفى على أحد هذا التأثير الإسلامي القادم من الشرق في أدب تولستوي الذي تنبع شهرته ليس من كونه فنانًا عظيمًا فحسب، بل وبصفته مفكرًا كبيرًا تناول العديد من القضايا الإنسانية بالعموم والتخصيص.

ارتبط الاهتمام الرئيسي بالشرق عند تولستوي بالأديان، آمن بأصالة الفكر الشرقي الديني الجامع للقيم الأخلاقية، وبدا له الشرق مخرجًا من أزمة الواقع المعاصر له، الأزمة التي لمسها في ابتعاد الناس عن القيم الأخلاقية النابعة من الإيمان بالدين، في معرض بحثه عن الخلاص من فكرة الانتحار التي راودته في عمر الخمسين وهو يبحث عن جواب لسؤال: لماذا أعيش؟ فعكف على دراسة الأديان، واستحوذت معاني القرآن الكريم على اهتمام تولستوي، كما استأثرت أحاديث الرسول بحبّه وعنايته، وكتب عن الإسلام كتيّب بعنوان " أحاديث مأثورة لمحمد" يقع في 33 صفحة مسبوقة بمقدمة تولستوي نفسه، يقول في خطاب له إلى الإمام محمد عبده " " يوجد دين واحد: إيمان صادق، وأعتقد أنني لا أخطئ حين أعتقد أن الدين الذي أعتنقه هو نفسه الذي تعتنقونه". آراءُه الصوفية، واهتمامه بفكرة الحلول[4]: حلول الله في مخلوقاته التي عبّر عنها الحلاج، كتب فيها تولستوي مؤلفه " مملكة الله في داخلنا" الذي توازى فيه وتناص مع فكرة " الحب الإلهي"

أعماله للأطفال تعكس تأثّره الكبير، بل وتطابقه مع حكايات (ألف ليلة وليلة) فيما يخصّ الأفكار الرئيسية والمضامين .

نكتفي بهذا القدر من تأثير الأدب العربي على الأدب الروسي، وننتقل إلى التأثير المتبادل من الطرف المعاكس:

تأثير الأدب الروسي على الأدب العربي:

شهدت الستينات من القرن الماضي حضورًا طاغيًا للأدب الروسي في الأدب العربي، بدأ مع المد السياسي الاشتراكي الذي طال العديد من الدول العربية، وكانت مصر وسوريا والعراق في المقدمة هذه الدول، حيث جاءها هذا المد ساحبًا معه ذراعه الثقافي الذي كان محمّلًا بالأعمال الأدبية لجهابذة الأدب الروسي، مكسيم غوركي وتولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف وغوغول و....، الذين حرثت معاولهم حقول الأدب العربي الواقعي الحديث.

سأتكلّم عن تأثير الأدب الروسي في الأدب السوري تحديدًا، تاركة المجال لغيري لكي يتكلّم عن تجربة هذا التأثير كلّ في بلده.

في سوريا كانت دمشق خشبة مسرح كبيرة، شرهة للنصوص المائزة المضيئة، لذلك وجدت نصوص تشيخوف، وغوغول وغوركي، وغيرهم من عمالقة الأدب الروسي براحًا كبيرًا ومستقرًا طويل الأمد على خشبات المسارح السورية، حتى اعتبرهم البعض عرّابو المسرح السوري، حيث كان معظم رواد تلك المسارح والقائمين عليها والعاملين فيها قد تلقّوا علومهم المسرحية على أياد روسية الأصل، أو أنهم كانوا من خريجي الجامعات السوفييتية.

في السبعينيات من القرن الماضي شهد المسرح السوري تقديم العديد من المسرحيات الروسية، منها مسرحية (المفتش العام) لغوغول، ومسرحية (الدب) لتشيخوف، و(الحضيض) لمكسيم غوركي.

ولم يكن التأثير المسرحي الروسي مقتصرًا على المناهج والتدريس والتمثيل المسرحي فقط، بل حضر المسرح الروسي في أعمال ومشاريع تخرّج طلاب معهد الفنون المسرحية،" ففي العام 1989 على سبيل المثال، تمّ تقديم عرض مستوحى من الأعمال القصصية لتشيخوف بعنوان (شيء من الخوف) وقد أشرف عليها حينها المخرج مانويل جيجي، كما قدّمت دفعة الخريجين في العام 1994 مسرحية تشيخوف المعروفة (النورس)، بإشراف تاتيانا أرخيبتسوفا، وفي العام 1999قدّم الطلاب مشروع تخرج أول عن مجموعة قصص تشيخوف القصيرة، أشرف عليها الروسي فيودور بيسيريفرزيف بعنوان (ألو تشيخوف)"[5].

وفي معرض تساؤلنا عن سبب هذا الحضور الطاغي للنص الروسي على المسرح السوري، سنجد أن هناك تقاطعات بين القضايا التي يطرحها النص الروسي، وقضايا الإنسان السوري، الإنسان البسيط والمنهك الذي يسعى وراء لقمة العيش، هي ذات الصورة التي يقّدمها تشيخوف في معظم أعماله، وهي صورة مختلفة تمامًا عن الإنسان الغربي الذي يُعتبر مرفهًا بشكل عام، مشاكله وقضاياه مختلفة تمامًا.

فعلى سبيل المثال، كتب الأديب وليد إخلاصي مسرحيته (هذا النهر المجنون)، متأثّرًا بمسرحية (بستان الكرز) لتشيخوف، البطلة في المسرحية الأولى سيدة في عقدها السادس، قلّص قانون الإصلاح الزراعي ملكيتها لأرض كانت ورثتها عن أجدادها من أيام السلاطين الأتراك، فنجدها تحارب وتقاوم لاستعادة حقّها في ملكية أرضها كاملة، بينما نجد بطلة تشيخوف" مدام رانيفسكي" تقف مكتوفة اليدين عاجزة عن التغيير، مكتفية بالبكاء.

وبموزاة ذلك، نجد اختلافًا جوهريًّا في تعاطي المخرجين السوريين أنفسهم مع النصوص المسرحية الروسية، فبينما يقدّم المخرج جواد الأسدي مسرحيته(تقاسيم على العنبر)، والنص الأصلي هو (العنبر رقم 6) لتشيخوف، وقد قدّمها الأسدي بأبعاد أكثر سوداوية من أبعاد تشيخوف، نجد أيضًا الكاتب الكبير سعد الله ونوس يقدّم قصة غوغول (مذكرات مجنون) بنصّ مسرحي، ويقدّمه كمسرحية أمام الجمهور العربي.

يشير الدكتور عجاج سليم، المخرج والأستاذ في المعهد العالي للفنون المسرحية إلى أن دخول الأدب الروسي العالمي في المسرح السوري العتيق جاء على مرحلتين أيضًا، المرحلة الأولى للمسرح السوري بدأت مع أساتذة كبار أمثال فواز الساجر، وليد قوتلي، ونائلة الأطرش، وغيرهم ممن سافروا إلى عدد من الدول الأوروبية، وبرغم ذلك فقد نقلوا جميعًا المنهج الروسي الشهير على طريقة ستانيسلافسكي أو تلامذته وزملائه، سواء في بلغاريا أو بولونيا وغيرهما من دول المنظومة الاشتراكية السابقة.

المرحلة الثانية، وهي مستمرة إلى اليوم، تمثّلت في وجود مجموعة من خريجي قسم التمثيل في دمشق، الذين درسوا على يد الأساتذة السابقين، وذهاب جزء منهم إلى روسيا لإكمال دراستهم العليا.

الملاحظ أن هذا التأثّربقي محصورًا في نطاق الأدباء الروس القدماء المشهورين، ولم يمتد إلى الأدباء المعاصرين، حيث نلحظ انقطاعًا مشهودًا مع المسرح الروسي المعاصر، وذلك مردّه إلى تقهقر حركة الترجمة والافتقار إلى نصوص الأدباء المسرحيين الروس المحدثين، علاوة على أن الحركة المسرحية الروسية الحالية تقوم على تجارب لكتّاب ومخرجين مسرحيين يكتبون لخشبة التمثيل فقط، ولا يطبعون نصوصهم المسرحية في كتب.

 

بقلم د. عبير خالد يحيي

........................

المصادر والمراجع

- مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي – تأليف د. مكارم الغمري – عالم المعرفة - سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت يناير 1978- صفحة 25-26

- أ.، براجينسكس " ملاحظات حول التركيبة الغربية الشرقية في الشعر الغنائي عند بوشكين مجلة " شعوب آسيا وأفريقيا" موسكو، 1965 عدد 4، صفحة 124

- [1] م .، ليرمونتوف، المؤلفات الكاملة،ج2، موسكو 1976، ص 113

- د. توفيق الطويل،" في تراثنا العربي الإسلامي " سلسلة عالم المعرفة الكويت . مارس 1985 - ص 186-187

- المسكوبية – - www.moscobia.com كيف منح الأدباء الروس قبلة الحياة للمسرح السوري- مودة بحاح 17 يوليو 2018

هوامش

[1] مؤثرات عربية وإسلامية في الأدب الروسي – تأليف د. مكارم الغمري – عالم المعرفة - سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – الكويت يناير 1978- صفحة 25-26

[2] أ.، براجينسكس " ملاحظات حول التركيبة الغربية الشرقية في الشعر الغنائي عند بوشكين مجلة " شعوب آسيا وأفريقيا" موسكو، 1965 عدد 4، صفحة 124

[3] م .، ليرمونتوف، المؤلفات الكاملة،ج2، موسكو 1976، ص 113

[4] " الحلول صورة من صور الاتحاد، وإن كان الاتحاد يعني اندماج الطبيعة الإنسانية في الطبيعة الإلهية حتى تصير حقيقة واحدة، وإذا كانت الذات الإنسانية هي التي تصعد إلى الذات الإلهية وتندمج فيها، ففي حال الحلول يحدث العكس، تنزل الذات الإلهية لتحل ّ في المخلوق، ويصبحا حقيقة واحدة"

د. توفيق الطويل،" في تراثنا العربي الإسلامي " سلسلة عالم المعرفة الكويت . مارس 1985 - ص 186-187

[5] المسكوبية – - www.moscobia.com كيف منح الأدباء الروس قبلة الحياة للمسرح السوري- مودة بحاج 17 يوليو 2018

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5163 المصادف: 2020-10-24 02:13:46