مالكة عسالتقديم محترم لعمل أدبي تحت عنوان (تساؤلات) للأديب السعودي حاتم الشهري

توطئة: في داخل كل واحد منا فكرة أصل الوجود، فلا يوجد من لا يستشعر في داخله التساؤل من أين أتى، ومن أوجده وأرسل به إلى هذا الكون، يسع في جوفه العديد من القضايا، ليس بغريب عن مثقف ممتلئ، التوغل بالتأمل العميق في أحشاء الوجود، أن يثير أسئلة أنطولوجية عملاقة حول حياته وعوالمه المتنوعة، وبدء الخلق والنهاية، أسئلة حيرت العلماء والفلاسفة والفقهاء، والمثقفين، على اختلاف مشاربهم الثقافية والعلمية والدينية والفلسفية، قديما وحديثا، فتنوعت لدى البعض، وتضخمت لدى غيرهم، وتفاقمت لدى الآخرين، وستظل وتستمر طالما لم تجد لها أجوبة مقنعة ..وتدور هذه الأسئلة حول نقط معينة مثل :

ــ ما سر هذا الوجود؟ ــ كيف خلقنا؟ ــ وما مصيرنا؟ وكيف حصل التناغم بين الكون واحتياجات الانسان، بتصميم محكم في كل مستويات الوجود، بجماله بالبساطة في التنوع، بالانضباط والمنطقية للكائنات والأشياء؟...، معضلة تخز بإبهامها العقول الراجحة والمتوقدة تولدت عنها عدة تصورات شديدة، لفهم الكون بعوالمه ومتغيراته، تراوحت بين نظرة علمية منطقية مغرقة في ماديتها، وأخرى غيبية ميتافيزيقية ترى أن نشأة الحياة من المسلمات الصرفة التي لا ينبغي الخوض في غمارها، أو مناقشتها، آراء ونظريات وتصورات تضاربت واختلفت، منها ما تؤكد أن ظهور الحياة لم يكن أمراً عشوائياً، بل بتخطيط مسبق، تُحكم انتظامه وتناسقه آليات وقدرة وطاقة لا ندريها ..

ومبدعنا كغيره حين تعذر عليه فهم الوجود بعوالمه البشرية والطبيعية المتغيرة باستمرار، انتابته سلسلة من الأسئلة الأساسية المحيرة بعضها موجه إليه من الواقع المحيط، وأخرى من تلقاء نفسه بعد تفكير عميق للخروج من الدوامة ...وهذا هو سر وضع عنوان (تساؤلات) لأضمومته المباركة ...

ــ الأضمومة

لقد استهلها بصيغة فلسفية، حين تأمل واقعا آيلا نحو الفناء، حيث فقد أديبنا الأعزاء والأحبة من حوله، فأصبح وجوده عبارة عن نقطة ستتلاشى في يوم من الأيام، أو دمية بشرية فارغة لادور لها في هذا الوجود، أو مجرد حطام من البشر، أفقده ذاك الحس المعنوي المؤسس عن الحب والعلاقات الإنسانية الطيبة، فلم تعد لكلمة (أحبك) معنى واردا في ظل الأيام المجحفة هذه، حيث أيادي القدر توجه بوصلتها إلى الكائنات الوجودية، فتغير كل شيء، لذا أديبنا امتطى ركنا قصيا من زاوية هذه الحياة يتأمل ويفسر، علّه يصل إلى الحقيقة ..لحظات عصيبة أمطرته بجملة من الأسئلة المرة حول وجوده والكائنات من حوله، والعلاقات بينها، ومصير هذه الحياة، وهل من حياة أخرى بعد الموت، أسئلة فلسفية جامحة خلخلت كيانه في هذا العالم، إلى درجة الشك في كينونته، الشيء الذي أفقده حسه بنفسه كذات لها حسها و حيزها في الوجود، وهذا السؤال ليس بغريب فقد حيّر ثلة من الفلاسفة قبله ...

بعض من التيمات المطروحة

يتماهى أديبنا حاتم الشهري بين العالمين الفوقي والتحتي، منطلقا من نفسه أولا، مرورا بمحيطه القريب، رافعا عنان فكره بتأن وثبات وعمق إلى الأمداء البعيدة، يستفسر عن ذاته، كنقطة لها كينونتها في متسع هذا الفضاء المطنب، ليدرك بالضبط ما دورها وما علاقتها بما حولها، فيتقاسم نفس النقطة مع المفكر جورج دفورسكي حين يتساءل بنفس الحدة قائلا (ونسأل أنفسنا: لماذا توجد كل هذه الأشياء في الكون، ولماذا تحكمها هذه القوانين الدقيقة بشكل رائع؟ وماذا ينبغي لوجود أي شيء على الإطلاق؟) هكذا هم المفكرون حين يستبصرون الوجود الإنساني في هذا الكون مع انتظام الحياة اليومية، الشيء الذي تعجز عنه الكلمات، يدخلون في حالة عميقة من الوعي الوجودي لإثارة المبدأ الإنساني بالخصوص...وأديبنا تخطى الواقع بنظمه بفوضاه ليحلق على أجنحة فكره الجامح، محللا خاصيتي الحياة والموت بشكل ساخر (لماذا تاء الموت مبسوطة كاليد، وتاء الحياة معلقة كالمشنقة؟ ربما كانت تاء الموت مبسوطة كأنها قبر لأن نهاية الإنسان فيه، وتاء الحياة مدورة كأنها دورة الحياة محكوم عليك فيها أن تسعى وتدور) .. ومن منا من يرعبه الموت رغم أنه حدث يومي يلازمنا في هذا الكون، ومع ذلك تهزنا الربكة ويتزلزل الكيان لمّا يتخطف الموت عزيزا أو صديقا محبوبا من عشيرتنا أو رفقانا، فنُطالَب بالعض على نواجذ الصبر، ودراية النكبة بتلفيقات وهمية لا ندريها صحيحة أو خاطئة، كي نسكتَ الروع الهائم فينا، ونخرج من الأزمة وتستمر الحياة، مادام الموت سرّا مبهما عالقا على مشجب وجودنا، ووجودنا زمن متناه نحو الفناء ..ويقف أديبنا على مرحلة الموت والحياة و المصير بعد الموت، متسائلا عن الحياة الأخرى، (لو كانت هناك حياة أخرى أتمنى أن أكون جذع نخلة أو حائط مبكى، أوكرسي في الصف الأول. أتمنى أكون مسك ختام في حفلة) تساؤل مبني على حرف شرط يفيد التعليق في الماضي والمستقبل، لامتناع الجواب نظرا لامتناع الشرط، مع اختيار العديد من المتمنيات يتحول فيها إلى أشياء هادفة تسدي خدمات نافعة، تترك بصمتها الذهبية في عنق التاريخ، لتبقى خالدة ..ولم يبق قيد التمني، بل تمنى أن يكون له خيار تحويل رفاته كما يشتهي، لينتفع به غيره، (لو كان لك الخيار ماذا ستفعل برفاتك بعد الموت؟ أعتقد سأوصي بوضعي في قنينات فارغة مكتوبٌ ظاهرها غاز سام.) ..

قمة التشرذم والتيه نتجت عن تأملات وأفكار تهاطلت بغزارة على رأس مبدعنا، فالتساؤل المحير لم يبق قيد الحياة في التمعن في عناصرها، بل رحل به بعد الموت، باحثا عن شيء يجعل من رفاته أداة هامة تقدم خدمات جليلة للبشرية، حس إنساني أصيل تفجر عن قاعدة التأمل والتمني والرغبة في تغيير ما هو معتم ودامس إلى غد مشرق بفجره المضيء ..

ثم يطيرمبدعنا يتعقب كما الفلكي الكواكب على مختلف مشاربها، بنظرة فيزيائية صرفة، فيعدد معالمها، وخصائص تكوينها وهذا ـــ (بين قوسين لن يأتي إلا من أديب مطلع على الأجرام السماوية وكواكبها، وتشرب مواد تكوينها)ـــ ليس بنية إبلاغنا معلومة عن الكواكب، ومحاولة تقديم معرفة عنها، وإنما هو نوع من الصراع الأبدي المحتد في نفسية الشاعر، أصبح معه كالطائر الفاقد لوكره، ولا يدري إلى أين المسير، فهو يريد وفي نفس الوقت لا يريد، عالقا بخيط أشياء يريدها ويطمح إليها لتحقيقها، ومتدليا من مشانق أشياء يكرهها ويمقتها ولا يطيقها ؛ وفي غياب الممكن لتحقيق ما يصبو إليه أديبنا، يعيش أزمة نفسية، يفك خيوطها بتساؤلاته الملحة العالقة، ومتمنياته المأمولة، إلى درجة الشك في وجوده، حيث يرى نفسه مجرد سراب عابر، أو جثة هامدة بين الموتى (من قال لك بأني حقيقي ربما أنا كذبة، ربما أكون شبحا، أحتاج لشاهد واحد يخبرني بأني موجود)، وهذا بالكاد يوضح أن مبدعنا في خلوته، يسلط عدسته المجهرية بمفرده على الكون بأسره ليكشف أسراره ويفهم أغواره .

المبدأ الإنساني حافز قوي

هذه التساؤلات الملحة والمتنوعة، لم تأت عبثا، ولا انهالت أقراطا من فراغ تومض في ذهن مبدعنا، وإنما من مبدأ إنساني عظيم نتج عن تجربة الحياة المعيشة بمقتضياتها الإنسانية، والظواهر القاتلة المرة، والبلايا المتفشية بين البشر، أصبح معه الواقع كالغاب الغلبة للأقوى (فمن الأرجح أن لديهم طاغية يسومهم سوء العذاب وهم يعملون على التخلص منه، فالحياة بكرامة مطلب كل الشعوب حتى في الأجرام السماوية.) يصنعون الأسلحة الفاتكة بالإنسان، زارعة روعَ الحروب، وهول القتل في الكون، مما أدى إلى غياب القيم النبيلة كالصبر والحب والإصغاء والصداقة الحقة، والصدق والعلاقات الحميمية بكل أطيافها، والتسامح وحب الآخر، والحوار والرأي المختلف، والتضحية، وتمتين العلاقات الطيبة بين الجميع، والعيش بسلام، وكتم الأسرار ؛وحل محلها سلوكيات ممقوتة كالذبح والغش والمكر والكره والحقد، وتغلِيب المصالح الشخصية بأنانية على المصالح العامة :كسيادة الطمع، والاختلاس، والسرقات وغيرها ...

كما يقف بحذر حول الأفكار التي تتنوع ما بين البالية المتحجرة التي لا تزود الإنسان بإلهام والأفكار اللامعة المتنورة، والتي تنطوي عليها أمهات الكتب، أو قد نستوردها من الواقع بالتجربة المعيشة، فبقراءة الأشياء تنمو المعرفة وتضيف ألوانا جديدة إلى الحياة، مما قد يسكت عواء ربة الإلهام ؛فبالتفكير العلمي نقضي على الجهل، حتى ولو أحيانا لا يحل مشكلة الالتباس الحاصل من الظواهر الطبيعية والإنسانية، وقوانينها التي تديرها وتسيرها ..هي بالكاد دعوة جريئة من أديبنا حاتم الشهري إلى قراءة الأشياء، سواء من خلال التجربة في الواقع، أو في الكتب بالوعي والبصيرة، أي بالتأمل الفاحص، والتفكير الثاقب، والتدقيق في تفاصيل الأشياء، ثم الخروج منها بمغزى هادف، ولو أن التدقيق في المعرفة وتوسيعها في فهم الأشياء ومسبباتها وطرق علاجها، قد يؤدي بالمبدع أحيانا إلى الشؤم والهلاك، خاصة في عدم امتلاك الأدوات، وغياب الطرق والإمكانيات، للتغيير حسب التصور والمراد .

معلومات وعظية للتنوير

لقد توغل مبدعنا في تفاصيل الكون بعوالمه في الحياة وما بعدها، وتمعن ببصيرة متوقدة في كائناته، بمصطلحاتها ومفاهيمها، ليعطي تفسيرات لها من منظوره الشخصي، والتدقيق في تعاريفها لتقديمها أطباقا شهية إلى القراء من أجل الوعي والتنوير، واقفا بإمعان على مصطلح (الحب) هذه الكلمة اللبيبة التي تنقر القلوب في خفاء، موضحا أنه لن يصح من طرف واحد، بل يجب أن يكون الأمر متبادلا، ساعيا إلى تنبيه المرء إلى فرصة الحياة الوحيدة التي لن تكرر، محفزا إياه أن يقضيها سعيدا بعيدا عن التوتر والقلق (الحزن أو الفرح. هي حركة دائمة ودائبة تسير إلى الأمام لا إلى الخلف، باعتبار القلق من منغصات الحياة) التي تغطيها بنظارتين سوداويين قاتلتين لكل حلم ولكل أمل، مصرا على أن يكون الإنسان مختلفا عن غيره بخصال يشتهيها هو لبناء شخصيته لا كما أراده غيره، متطرقا إلى عوالم الكتابة والخيال، ومواضيع الأدب التي يختارها المؤلف بأساليب تشويقية مدهشة، يثري ذلك بحِكَم وعظية خصبة، تدعو إلى جمال الروح، وصفاء الجوهر، وكأنه بذلك يريد من جديد غرس القيم النبيلة في النفوس، كي يحيا المرء في سعادة وراحة البال ..

الخاتمة

من خلال ما ورد تبين لي أن المبدع موسوعة ثقافية طبية علمية اجتماعية فلسفية، فلكية، دينية له باع طويل في تفاصيل الكون، بكل أطيافه الطبيعية والإنسانية /الأرضية والفوقية/ الحياتية وما بعدها ..صاغها بمهماز التساؤل اللانهائي في نصوص مفتوحة، لاهي قصصية ولا شعرية، تعتمد السرد الانسيابي بوضوح، مطَعّمة بحِكَم رشيدة، (حينما أكون بين) يديك (احذرمن (كيدي)؛ لأن كلمة (مدن) قد تنقلب إلى (ندم).. تلاعب لغوي متجدد بكل ثقة في النفس، يستنطق اللغة بغير المعتاد لتنمو وتحيا، وتأتي بما ليس في مخيلة القارئ، من أجل تصحيح وتقويم الخصال السيئة المبنية على أرض هشة، ونشر القيم النبيلة الروحية، التي تخلق السعادة للإنسان، وبث بعض المعلومات الغائبة في خطاب توجيهي بأسلوب بسيط مقنع، له حقه من الصور الشعرية، والنكهة الساخرة التي تشد القارئ من أول خيط

 

بقلم مالكة عسال

.......................

المراجع:

ـــ كيف بدأ الخلق

المدون: د/عمرو شريف | كتب في: 26-01-2014/ موقع وراق

- الفيلسوف العربي / بقلم جورج دفورسكي(مقال من النيت)

ترجمة: فاطمة القريشي و أحمد الجنابي

***

ــ تساؤلات للمؤلف حاتم الشهري

هو حاتم بن علي الشهري/ أديب سعودي

صدر له 7 كتب وهي تباعا كالتالي:

١- تحفة الزمان في مدح سيد ولد عدنان

جمعت فيه قصائد عن مدح النبي.

٢- الدر النفيس في متعة الجليس

جمعت الدرر من خلال جولاتي في بطون الكتب.

٣- حديث الروح

نصوص أدبية نثرية.

٤- ليته يعلم

نصوص أدبية نثرية

٥- أنا وصديقي

مراسلات أدبية بيني وبين الشاعر بدر المطيري

٦- شعثر

جمعت فيه نثري وشعري.

٧- جمع الشتات

كتاب أدبي يجمع اختلاف المباني وائتلاف المعاني.

أكتب منذ قرابة ١-٢- سنة، وأول كتاب صدر لي عام ١-٤-٢-٩- هـ

بكالريوس دراسات إسلامية.

عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية

وترجم لي في معجم أدباء مجلس التعاون الخليجي.

تحت الطبع:

١- أفانين.

٢- ندامى مجموعة قصصية.

٣- سلاسل الذهب نصوص أدبية.

٤- الجمال اليوسفي.

٥- قبضٌ من الريح مقالات

 

 

كاظم نعمة اللاميإنتظارات مرّة للدكتورة عواطف نعيم

(ليس المسرحُ حدثاً عابراً بل هو اسلوب حياة).. اوغيستو بوال، مخرجٌ مسرحيّ برازيلي

القراءة الاولى

تسيد فقرة التأليف مصطلح "التناص" كما هو مثبت في بروكرام العمل (كتابة.. تناص مع "الصوت الإنساني" لجان كوكتو) هذا المصطلح الحديث الذي توقف عند عتباته الكثير من المفكرين والادباء والفلاسفة ولزمن ليس بالقصير .. ففي مقتبل ستينيات القرن الماضي شهد المنبر الادبي اجتهادا كبيرا بين أهل الإبداع في أجناسه الجمالية المختلفة غايته الوقوف على تلّة وصفية واحدة، موحدين رؤاهم باتجاه مصطلح (التناص) واخراجه سالما من الغرق في بحر  الضبابية وعدم الفهم واللبس الذي شاركه فيه مصطلح (السرقة الادبية والفكرية) وإضفاء الشرعية عليه بشروط يمكن لنا استخراجها من أصل التعريفات الواضحة للنقاد والمفكرين للتناص والتي سنأتي على تفصيلاتها في خضم القادم من المقالة.

كما هو معلوم في بيبلوغرافيا التاريخ المسرحي ومنذ مائة عام أنّ "الصوت الإنساني" هو عمل مسرحي مونودرامي من تأليف الكاتب الفرنسي جان كوكتو مثلته النجمة المسرحية "بيرت بوفي" وهي صديقة حميمة لـ "جان كوكتو" كُتب العمل لها ومن أجلها، مع ملاحظة أنّ "الصوت الإنساني" حظي باهتمام المخرج السينمائي والسيناريست الإيطالي "روبرتو روسليني" حيث حوّله فيلماً، وكذلك المخرج الإسباني بيدرو إلمودوفار الذي استثمره في فيلمه "قانون الرغبة". مما يؤكد عالمية هذا العمل  المسرحي الذي أغرى الكثيرين لإعادة تقديمه واستثماره فنيا فحققوا من خلاله نجاحا متميزا على مدى قرن من الزمان، واليوم أتى الدور العلمي والفني والجمالي على الدكتورة عواطف نعيم لتقيم تناصّا مع هذا النص السمين فكريا والمرادف لجوّانيات النفس الإنسانية والذي سجلت من خلاله تجربة فريدة لخصت لمرحلة مهمة مفصلية من تاريخ العراق نعيش تفاصيلها الآن بريادة اعترف بها الجميع للدكتورة بأنها أول من استلهم مسرحيا التظاهرات المشروعة للمواطن العراقي في مواجهة مميتة مع الفساد والظلم وكبت الحريات.

تجلى التناص هنا بمقاربات سيميائية ذات دلالات اجتماعية معينة مع بعضٍ من خطوطِ (الصوت البشري) الدرامية لا جميعها .. وللامانة لمسنا هذا التناص في خصوصية جزئية غاية في المحدودية أطرتها حقيقة انفراط الأحبة مبعثرين في المنافي .. في الغياب .. في الموت .. في العزلة .. العزلة التي أسست لعزلة أكبر سيدتها المرأة التي أضحت وسط ذلك الإنفراط أنينا يحز رقاب الطمأنينة.. مع تواجد علامة تناصية واضحة الدلالة متعلقة بالهاتف الذي تمثل كخيط نسيج محكم تحاك به الفرضيات الواقعية بأناقة درامية واضحة وله تناصه المثمر في جسد وبنية العرض عموما .. وبالتالي ليس هناك أكثر من هذا التناص ممكن لنا تأشيره في عمل "انتظارات مرّة" أما الحكاية وحركتها التصاعدية، والبوح الظاهر والمخفي المعبر عن واقع مُعاشٍ لا افتراضي، وكذلك اجتهاد الكاتبة في تفكيك الشخصية الواحدة وجعلها ثلاث شخصيات فاعلة، وأيضا مشهد الختام الذي لامس بل استحوذ على أناتنا في التواطئ النفسي مع اللعمل والذي اجاب عن كم التساؤلات الهائلة المستترة في اعماق العرض والتي قام المتلقي بتفكيكها الى عناصرها الاولية كعلامات بسياقات دلالاية تركيبية كشفت المعنى بتشكيل معنى اضافي متوالد نتيجة لاختلاف القراءات التي اكد عليها سوسير، كان كل ذلك وغيره صناعة محلية سيدتها الدكتورة عواطف نعيم.

قد يعتقد البعض أن ذكر جان كوكتو ضمن مفصليات الدعاية للعمل من خلال البروكرام غاية مبطنة اعتملت فكر الدكتورة بأنه أحد الإيجابيات المغرية لمتابعة العرض المسرحي من قبل الجمهور لما لصنيعة جان كوكتو العالمية "الصوت الانساني" من تعالق قوي مع الذاكرة المسرحية وهالة جمالية كبيرة لدى المتلقي تبرر استثمار إسم جان كوكتو من قبل فريق العمل.. لكن هذا السبب قد يجوز على غير عواطف نعيم التي كونت إسما مشعا كالذهب في كل أعمالها السابقة مع ما لها من جمهور كبير تجاوز المحلية. وليس هي من يتعكز على أسماء عالمية بهذه الخصوصية الدعائية لأنها هي بالذات إسم عالمي تسيد الجمال المسرحي منذ ان وطأت قدماها أول خشبة مسرحية إبّان شبابها ولن تحتاج لمثل هذا السلوك .. من لا يعرف الفنانة القديرة عواطف نعيم؟ التي شهدت لها الخشبات وشاشات التلفاز بعلو الكعب فكريا وجماليا ..

لو لم يذكر الصوت الانساني كنص متناص لتبادر الى الذهن أن التناص المقصود في حقيقته هو التناص الواقعي مع الهم العراقي العام.. وقد يكون تناصا مع أعمال أخرى لعواطف نعيم تميزت بسلسلة أوجاع احترفها المواطن العراقي في اجترار  الأنين.. تناص مع تاريخ المسرح العالمي التثويري الذي أخذ على عاتقه تأصيل التغيير في الواقع راديكاليا .. ووفقا لما مر يتجلى التناص الذي قصدته الدكتورة عواطف نعيم كتداخل وتعالق سيميائي لا لفظي مع مقتربات تعنى بجنس الفجيعة التي اجتمع العالم تحت سقفها والتي صنعها الفقد والغياب .. كل ذلك ممكن له ان يفتح لنا أبواب تفسير وتأويل هذا المصطلح (التناص) الذي فتح بدوره الأبواب مشرعة أمام اللسانيين ليغوروا عميقا في طبقاته منذ ولادته في ستينيات القرن الماضي متناولين اشكالياته وما رافقها من رؤى تمثلت احداها بموت المؤلف والغاءه لكنهم في النهاية اتفقوا على مشروعية التناص المتوالد من سيميائيات الملفوظات المحاكة بنيويا ودلاليا، باعتبار ان كل نص هو مخلوق توالدي تفاعلي وتواصلي لم يخلق من عدم.. والفضل في شيوع التناص الحقيقي المشروع يعود لتبادل التجارب الادبية فيما بين الشعوب وبما اصطلح عليه في زمن ما بعد الحداثة بــ "العولمة" والتي تقودنا للمطالعة المكثفة لمنتجات الاخرين وازدحامها في تلافيف الذات الانسانية وذوبان البعض في الكل مما خلق تعالقَ النصوص فيما بينها بتوالد اميبي. وتعضيدا لكلامنا بمشروعية التناص المنافي للسرقة نورد هنا بعض الرؤى والأطاريح لكبار فلاسفة واساطين الأدب.

التناص في رؤية المفكر والناقد الفرنسي "رولان بارت" بمثابة البؤرة التي تستقطب إشعاعات النصوص الأخرى متحدة مع هذه البؤرة لتؤسس النص الجديد "المتناص" ومن ثم يخضعان في الآن نفسه إلى قوانين "التشکل" أو البناء وقوانين "التفكك" أي الإحالة إلى مرجعية ما أو إلى نصوص أخرى.

أما "جوليا كريستيفا" وهي أديبة بلغارية وعالمة لسانيات وهي مؤسِسة جائزة سيمون دي بوفوار  فقد اعتبرت التناص أحد مميزات النص الأساسية التي تحيل على نصوص أخرى سابقة عنها معاصرة لها. واردفت قولها بعدم وجود نص خال من مدخلات نصوص أخري وقالت عن ذلك: إن کل نص هو عبارة عن "لوحة فسيفسائية" من الاقتباسات وکل نص هو تشّرب وتحويل لنصوص أخرى. ومن وجهة نظر "ميخائيل باختين" أن الکاتب يتطور في عالم مليء بکلمات الآخرين فيبحث في خضمها عن طريقة لايلتقي فکرة ما إلا بالکلمات التي تسکنها أصوات أخرى. ويري "فوکو" بأنه لا وجود لتعبير لايفترض تعبيراً آخر ولا وجود لما يتوالد من ذاته.

لنخلص في النهاية ان التناص عملية وراثية للنصوص بمجملها وهو ملتقى نصوص کثيرة بحيث يعتبر قراءة جديدة وهو ما نسميه بالتداخل والتعالق الروحي او التوارد التوأمي السيامي والفاصل بينهما بلا شك هو زمن الكتابة.. وللامانة ووفقا لقناعتي الشخصية لم يكن هناك تناصا بين الصوت الانساني وانتظارات مرة سوى الجو العام المتحدث بلغة الفقد والغياب.

القراءة الثانية

وفقاً لما للمسرح من سلطة روحية وقدرة تأثيرية سحرية هائلة لإنتاج قوى معرفية تعيد الفكر الى جادته ليأخذ مداه في إعادة صياغة الحياة بشكل جديد شهد العرض المسرحي }انتظارات مرّة { تجليات غامرة وعامرة بالجمال والمعرفة والدفع بتأويلات المتلقي باتجاههما فكريا بتبنيات فلسفية راديكالية رائدها البحث عن مظاهر الجور والظلم والفساد والقهر في المجتمع واجتثاثها نهائياً بمعية البحث عن مظاهر الالم والوجع ونكوص الانسان وانحساره كصانع للحياة في نفس المجتمع لاجتثاثها هي الاخرى من اجل مجتمع سليم معافى ،،، كل ذلك كان مصدره : د.عواطف نعيم المعروفة بنزعتها الدرامية الشعبية المنتقاة بواقعية سحرية من خلال رسمها الدقيق لمكونات الشخصية المسرحية التكاملية بمرجعياتها المختلفة الاجتماعي، والثقافي، والسياسي، والتاريخي ودور هذه المكونات في البناء الهرمي لإنضاج الحدث من خلال انفعال وتفاعل الشخصيات الخالقة والمكونة له وهي تبوح مسترسلة بحوارات مونولوجية فردية بصيغة مونودرامية وبدائرة تواصل لفظي تطهيري ضمن تواصل وجودي تحريضي مداره الأنا المستلبة،، هذا في الظاهر المفترض أما في الباطن الحقيقي فهي تجلد بعضها اي الشخصيات وبالتعيين بحواراتها بسياط لفظية تنتج خطوطاً من الإهتمام والإصغاء المشترك فيما بينها، وبتقاطع تشتبك فيه الهواجس في دائرة صراع موحدة، وتنحاز فيه العلامات باتجاه تذكية هذا الصراع المُنْتِج لزمنٍ، ومكانٍ مغايرين، لهما واقعية واضحة بمقتربات لا تغادر الذاكرة الجمعية الشعبية لتكون مُخْرَجات هذا الصراع في ختام العمل عرضٌ للمشكلة بمعية حلها .. لتؤكد الدكتورة عواطف نعيم في نهاية المطاف رغم استقلالية هذيان الشخصيات عما يحيطها بسرد فردي مؤكدة أي د.عواطف نعيم على ذوبان الفرد في الجميع لوجود مشتركات متعددة بين الشخصيات من جانب، وبين كل شخصية وذاتها، وبين الشخصيات عموما والجمهور الذي يجلس متسمرا وهو يتابع حياته مجسدة بالصوت والصورة .. وبشاعرية تنطلق من الهمس المشترك ولا غير الهمس لتحدث وتتفجر علامات ودلالات ابستمولوجية إثر ذلك مجالها ذات المتلقي الذي يكون على عاتقه ترجمة الفعل المسرحي بواقعية هو بطلها بمعنى رمي الكرة في ملعبه وعليه أخذ المبادرة في التغيير  المرجو من المسرح باقتران مع لعبة (400بريد) في الاستلام والتسليم في مسابقات العاب القوى.

دأبت الدكتورة عواطف نعيم منذ ان عرفها الجمهور كأحد الركائز الاساسية في صيرورة المسرح العراقي دأبت على تبنيها بوعي منتشي، ومتحرر للمسرح السياسي باحتجاجية جريئة وشجاعة، تضع من خلاله النقاط فوق الحروف معلنة رفضها الواضح لكل ما يأكل من جرف إنسانية الإنسان وكرامته مع انحياز واضح الى فلسفة مسرح المقهورين وهي تبلور جهدها المسرحي الخلاق كعلامة فارقة منتقلة برشاقة المفكرين، هذا الإنحياز الذي أكدته أعمالها الكبيرة وهي تطرق بشدة على وعي المتلقي الإنسان  (تحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر) هي مراهنة واثقة وليست يائسة من قبل المخرجة على طاقات الإنسان المعرفية ومكنونات روحه المبدعة في القدرة على التغيير الإيجابي والذي من أجله وجد المسرح، مع إدانة واضحة للقوى الظلامية مصدرها قلمها الفذ وقدراتها الإخراجية والتمثيلية في جميع أعمالها من خلال سلسلة الوجع المهيمن على الروح كنتيجة فعلية للحروب المتعاقبة لبلدها العراق وهي تراه متخذاً لوناً خاكياً إشارة الى عسكرة المجتمع التي أكلت من جرف جماله وإبداعه وحياته وحريته. والأجمل من كل ذلك أنّ الدكتورة عواطف نعيم وإنْ أظْهرت شخصياتها وهي تنحني في خطواتها داخل بنية العرض نتيجة ضغط الهَمِّ المتراكم.. وقسوته.. والوجع المستدام.. ونكباته التي أرهقت الشخصيات واقعيا وافتراضيا.. وكذلك وإنْ بدت مفعولاً بها ومغيبة بشكل قسري،، لكنّ الدكتورة جعلت تلك الشخصيات اللاافتراضية تتجلى قافزة كحمم البراكين من رحم السكينة والاستسلام لتكون جبلاً يمازح النجوم متحولةً من مفعول به الى فاعل مؤثر قوي نشيط نتيجة الذي ذكرناه آنفا في مراهنة عواطف نعيم على حقيقة الإنسان التكوينية والكمالية والإرادة التي وهبها الله له في تحويل الخسارات والهزائم الى انتصارات مخلدة وهذا ما هو متحقق في تبني الإتجاه المسرحي السياسي والبريختي بمقتربات فلسفية مسرحية مع مسرح المقهورين لتخلق لنفسها واسمها وتاريخها مسرحاً أوسع فكراً واشمل معنى وأكثر جمعاً لعناصر التأثير وأبلغ قدرة على التغيير بمسمى حداثوي واقعي أسميته (مسرح الضوء) الذي يبدد كل الظلامات بمختلف اتجاهاتها بدءً من أصل الفعل المسرحي الجمالي الطارد للقبح الذي تسيد الكثير من العروض الهامشية للغير وانتهاءً بفكرها الإبداعي المحرض على زحزحة كل ظلامات الواقع المر الذي يعيشه الفرد والجماعة على حد سواء .. وهي في كل ذلك تنحو منحى الإصلاح التدافعي بطريقة تدافع كتل الضوء لطرد الظلامات ، ونزولا عند العقيدة العرفانية (الحسنات يذهبن السيئات) والجيد يطرد الرديء.

القراءة الثالثة

هوية العرض عنوانه والعتبة الاولى في اختزال كل المعاني والدلالات السيميائية الذاهبة باتجاه بلورة الانطباع العام وتمفصله في الذهن الكاشف عن بنية العرض وموضوعه وهذا ما شكله عنوان العرض من توهجات فكرية ساهمت في تهيئة المتلقي للغور اركيولوجيا في بنية العرض الدلالية مولدا معانِ مهمة ساعدته على تقبل ما شاهده بيسر دون لبس او تأويل مضاد.. هناك انتظارات مريرة تشكلت كفأر خرافي يأكل منسآت ارواحنا نتيجة لفصول القهر العديدة التي ألمت بذواتنا حيث كان يتسرب من بين فجوات اسنان هذا الفأر الخرافي ثمة تساؤلاتمن صنع آلامنا: وماذا بعد هذا الانتظار؟ مالذي سيحدث؟ مالذي سيتغير؟ لذا ياتي الجواب من أصل مرارة الانتظار باللاشيء باللاجدوى .. ولشدة هذه المرارة ولانها لم تعد تستساغ مطلقا كان لابد لها من مواجهة بالرفض والقول (لا) لا للانتظار مقعيين في خانة الخوف والوجل ننتظر نهايتنا مستسلمين لقدر يصنعه الاخرون لنا وفينا .. وبمجرد أخذ المبادرة في الرفض ذابت كل الموانع التي كانت تحجرنا في خانة القطيع الراضي بقسمه والمتحول نتيجة لهذا الرفض الى ذات انسانية حقيقية تمج كل هذا الفساد المستشري وكل هذا الجبروت الخانق انها ثورة العنوان المسرحي التي تبنتها توجهات الكاتبة والمخرجة الدكتورة عواطف الفذة نعيم.

القراءة الرابعة

بوهج فلسفي تمردي وتحريضي على تبني الجمال في الطرح المسرحي والثورة الجادة في تأصيل تفاصيل وتقنيات هذا الطرح مع تأكيد قصدي على حقيقة مطلقة مفادها ان المسرح ليس وسيلة للترفيه فحسب بل هو مجالا واسعا للتغيير نحو الافضل والاجمل في كل مرافق الحياة .. ووفقا لما قلنا آنفا أطلّ العرض المسرحي (انتظارات مرّة) علينا محملا بالرصيد المتراكم من التجارب النوعية في المسرح، على مستوى الكلمة، النص، والمعالجة المسرحية، وما تقتضيه خشبة المسرح من متلازمات فكرية ومادية متلاقحة بنيويا متخذة تشكيلة بانورامية تستعرض التجربة العراقية المجترّة لتراكامات الآلام باستثمارها كتوهجات وتوجهات فلسفية برزت كحجرِ زاوية في تمظهرات العرض المسرحي "انتظارات مرّة" مقتضاها : أنه تأتي علينا ساعات خارج أسوار الخوف نُقَشِّرُ فيها صورنا المُقَمَّطَة بقماط سلطوي لا يبدو منه رأسٌ للحقيقة سوى  شيء مبهم، لننفض بقوة غيبية هذه الأقمطة بعيدا ونعلن وبشجاعة عن زئبقية الفرح الذي ما إن تمسكه بقلبك حتى تنبري الحرب منزلقة تتسيد واجهة الحياة بسلسة مواجع بتواطئ مع عقيدة : "أنّ خشبة العرض هي صيرورة وجودنا في الماضي والحاضر والمستقبل" لينفعل هذا الوجود بمراجع : سـوسـيولوجية،، ســياسية،، ايديولوجيـة،، تاريخيــة،، تلتحم مع بعضها لتشكيل التجربة الذاتية للرباعي المتجانس (الكاتب،، المخرج،، الممثل،، الجمهور) ومن علق به ابداعيا من فنيين وغيرهم.. هذا الرباعي الذي عُرِفَ بتجربته الذاتية المرّة في معايشة قسرية الحرب ولبس رداء مأساتها، فهم كانوا حطبها المتوهج وجربوا وتعايشوا مع خساراتها التي أكلت من جرف وجودهم كذوات مثمرة.

لو أنّ احدهم صفعنا بسؤال هو في حقيقته كمزمار الحاوي لإخراج رأس الأفعى من السلّة واستلال ألسنتنا من مخابئها، بالتأكيد سينفجر بركان الحكي من افواه يابسة ستحكي وتحكي وتحكي حتى ينقطع النفس، مع سيل من دموع ساخنة تلسع حرارتها ضمائر الانسانية .. ولكن ما هو  هذا السؤال الذي سيفجر ذوات الحكواتية اصحاب التجربة؟؟؟

- ماذا تعني لكم الحرب؟؟؟

الحرب اسد هصور لاك بين فكيه اعمارنا الغضة.. وقتل احلامنا وهي تتوسل تحقيقها على ارض الواقع بوطن تصنعه ضمائرنا وسواعدنا لا وطن تصنعه (حلاوة النصر) التي شبعنا من أكلها فأمرضتنا وهي تُقَدَّمُ لنا نهاية كل هزيمة مسلفنة بأوهام الإنتصارات حيث لا عبارة تتسرب لوعينا الجمعي سوى (يا محلى النصر بعون الله).

أي نصر هذا الذي يخسر المنتصر فيه كرامته، شخصيته، ثرواته، اعمار ابناءه، أخلاق مجتمعه، مكتسباته التاريخية والحضارية .. الحرب بنت كلب كما قالها صغيرنا وكبيرنا ولم نعرف معنى الانتصار  فيها طيلة حروب القرن العشرين وحتى الان في 2019 إلا في الشعارات والخطابات الحماسية للزعيم الأوحد المؤيد المسدد بالله. لنخرج في نهاية المطاف بحقيقة أحادية متفردة أن النصر في مفهوم الأنظمة الشمولية محصور بدلالة واحدة، وهي بقاء هذا القائد مبتسما بفم اشدق، متسيدا رقابنا حتى قيام الساعة ملوحا بيد كالساطور وهو يحيي ذواتنا المنحنية امام سلطانه أن لم نهتف له بالروح بالدم فالنهاية أثرٌ بعد عين.

هناك اقمطة حاكت عراها حول الانسان ارادت الدكتورة عواطف تعريتها ازاحتها مسرحيا طلبا للحرية من خلال ثلاث قصص لثلاث نساء الخطيبة والزوجة والجدة وهنا نُؤشر انقلاب فكري اخراجي على سمة الشخصية الواحدة في "الصوت الإنساني" حيث جَزأت الشخصية الواحدة في منتج جان كوكتو الى ثلاث شخصيات في منجزها "انتظارات مرة" وهو سلوك اخراجي يشي بعمق الفلسفة المسرحية لضخ الدم المنفعل في شرايين العمل بخلق حبل سري يجمع الوجع المتعدد للنساء الثلاثة هذا اولا ولقتل رتابة الشخصية الواحدة ثانيا ولبث الحياة في الحبكة وهي تدور على الشخصيات الثلاثة مع بعد باتافيزيقي يتمثل بحكاية داخل حكاية وبمسرح داخل مسرح اشارة الى تفاعل الشخصيات الثلاثة بشروط الشكل والهيئة العامة للمسرح كوجود مكتمل من خلال الممثل والجمهور وتحت شعار "احكي واشاهد" باعتبار الانسان كائن ناطق ومستمع ومتفاعل مع محيطه العام.

هؤلاء النسوة اللاتي نقلْن صورة المرأة العراقية التي لا يمكن تمثلها الا وهي بثوب حداد يخفق في المدى .. حيث استطاعت الدكتورة عوطف نعيم ككاتبة ومخرجة للعمل ان تزيح هذه الاقمطة الثقيلة المتمثلة بالخوف وحيرة الإنتظار هاتان الصفتان اللتان لازمتا الشعب المستكين طيلة عقود فارهقت ما به من قوة، حيث سافر بنا العرض عبر الزمن من خلال ثلاثة اجيال او ثلاثة مراحل زمنية رائدها الحروب العوراء .. السفرة الاولى كانت مع فتاة شابة مقبلة على الزواج من خطيبها حسن الذي تكرر اسمه مع المرأتين الأخريين كعلامة ودلالة على وحدة الموضوع في توجهات الحسنيين الثلاثة كرجال جعلهم القدر في موقع المسؤولية للدفاع عن ارض الوطن .. أطلت علينا الخطيبة الشابّة التي ادت دورها شيماء جعفر وهي تتواصل بحديث شيق محاك بيد من حرير عبر الهاتف مع حسن والذي وعدها بمجيئه وعودته من ارض المعركة قريبا لاتمام الزواج لكن الاتصال انقطع عند نقطة درامية متوهجة عدت كحبكة داخلية لمشهد ضمن مجموعة مشاهد وهو مايميز انطلاقات عواطف نعيم المسرحية التي لا تنتهي.. حيث تَعْمَد الى خلق مجموعة حبكات موزعة في بنية النص تبني وتؤسس للحبكة الرئيسية في العمل كل ذلك من اجل الحفاظ على الايقاع بتصاعد لذيذ يغني الحدث ويقوّم الشخصيات ويعطيها الفرصة لفرض وجودها بفاعلية مهيبة مع وخزات تنشيطية للمتلقي للإحاطة بما يجري أمامه.

هذا الانقطاع في الاتصال الهاتفي فتح سجلا كبيرا لمراجعة الخسائر التي تحدثنا عنها والتي هي من ثروات الحرب الطبيعية.. ومما اغنى هذه اللحظة واججها دراميا هو هذا القلق الذي صورته الفنانة شيمياء جعفر بمعية صمتها المتقطع بين حيرة سؤال وحيرة توقع قاتل لجواب يعد كالقاضية لها وهي تستعلم عن حسن ليأتيها الجواب من عامل البدالة بقول فصل ينهي اجترار الاسئلة "اين حسن .. لم انقطع الاتصال .. مالذي جرى لحسن .. لماذا لا يرد على سؤالي .. متى يكون زواجنا .. هل فعلا سيتزوجني حسن" واتى الجواب المنتظر باستشهاد حسن بشظية اخترقت رأسه واستقرت فيه .. لحظات الصمت هذه التي رسمتها عواطف نعيم واتقنت تجسيدها شيماء جعفر اثناء اتصالها الهاتفي وانقطاعه أغنت مفهوم الدراما الذي انتقل ايساغوجيا في هذا العمل في سياقات تركيبية من الدلالة على الحركة فقط إلى الدلالة على الحركة والسكون ومن الدلالة على الكلام والحوار والصوت فقط الى الدلالة على الصمت مع انفعال عكسي بدلالة السكون والصمت على حقيقة مفهوم الدراما.

كان لجواب عامل البدالة باستشهاد حسن بشظية اخترقت رأسه تشكيل حقيقي لشظية اخرى من صنع الجواب او الخبر وهي بطولة معهودة لعامل البدالة في كل اتصالاته ابان الحرب وهو يبعث اخباره المميتة على الدوام ونتيجة لذلك تخترق شظية الخبر رأس الخطيبة ليكون سياميا مع رأس خطيبها .. هذا الرأس الذي رفضت تلك الفتاة ان يحتض داخله غير صورتها وحقيقتها كحبيبة وخطيبة مما ولد لديها خيبة كبيرة وعتب لذيذ لخطيبها حسن....

-  كيف هان عليك ان تشاركني مكاني ومملكتي في رأسك بقطعة حديد ساخنها اسمها شظية ..

اااه كم استفزتني هذه الغيرة الأنيقة التي احكمت عراها في قلب هذه الفتاة وهي تُشكل عليه استقبال رأسه هذه الشظية الغبية التي اتخذت من النعت المؤنث صفة لها وكأنها تقول أي الفتاة

-  انت لي وحدي انا ..من تكون هذه الشظية؟ حتى تفتح لها رأسك لتستقر فيه

وفي رأيي المتواضع ان الدكتورة عواطف كانت ذكية في تناص (الغيرة) لبطلة جان كوكتو مع بطلتها الخطيبة المكلومة في جزئية الشظية.

حسنا فعلت المخرجة باستثمار الوسادات وخاصة مع شيماء جعفر من خلال تعاملها معها بوضعيات مختلفة اغنت الموضوع حيث اعطت فكرة ما بعطش نسوي للحظات حميمية مع الحبيب لحظات سرقتها الحرب وداسها قطار العمر .

كان للهاتف المستخدم في اتصالات شيماء جعفر  وهو من النوع القديم بسماعة وسلك ومزول للارقام وبشكل متعارف معهود دلالات مشرقة بالعزلة والوحدة والجنون تلمسنا نحن المتلقون جانب من هذه العزلة بحق وحقيقة ونحن نمسك هواتفنا الخلوية، كما أعطى دلالة زمنية معينة وان اشتبكت فيها المسميات الزمنية المترادفة مع حروب مختلفة لكنها ومن خلال السياق والنسق الدرامي وطبيعة الحوار وسيميائياته تم تحديد الواقعة حيث كانت في حرب الخليج ذات الثمان سنوات. وما ميز هذه الفتاة هو عشقها للسلام وتأكيدها على تبني الحوار في فض كل ازمة يمر بها الوطن بعد ان انقطع الاتصال بخطيبها مما دعى المخرجة لاستثمار هذا الانقطاع والذهاب باستراحة جميلة بتمرير بعض الانطباعات والرؤى لمجمل الحياة التي نعيشها باشارة من شيماء جعفر لبعض التفجيرات الحاصلة هنا وهناك وتواجد الاختلاف السياسي والاجتماعي والذي كان رأيها فيه بقولها (ليش ما تكعدون وتتفاهمون وتحلون مشاكلكم بهدوء) وهو الامر الذي يحيلنا بتداخل زمني ومكاني تميز به العمل بين الشخصيات في حواراتها وكأنها شخصية واحدة عاشت كل هذه الاحداث المختلفة بنفس واحد لكن باقنعة مختلفة على اعتبار ان الخلافات بين ابناء الوطن الواحد مازلت تدب فيها الحياة ويتوهج لظاها مع كل تغيير سياسي.

بعد ان عجزت شيمياء جعفر عن تكذيب عامل البدالة وخبره بشأن خطيبها حسن وبعد تمام يقينها باستشهاده احتالت على نفسها بكذبة مفضوحة تعتاش على كذبة اخرى تواطئها في الحلم وتختلف عنها في التقنيات من صنع ذاتها المكلومة مفاد هذه الكذبة ان حسن لازال على قيد الحياة وهي اشارة الى رغبة مستدامة عند الجميع بان العراق بخير وسيكون بخير وسيبقى بخير رغم نيران الفجيعة التي أكلت الاخضر واليابس فلجأت الخطيبة الى مواصلة القبض على سماعة الهاتف وهي تنزوي في اقصى عمق المسرح متبنية الانتظار كحل لكل هذا الوجع وهو برأيي فعل اتخذته نتيجة الخوف .. الخوف من سلطة اكبر ربما او الخوف من الاعتراف بانها فقدت خطيبها والذي سيقود الى وصفها بزوجة شهيد هذه الصفة الثمانينية التي لوثت سمعة نساء الشهداء كاجراء نفذته الحرب وسياسة الدولة وهو مازال اجراء حقير يقوض المجتمع ويقتل جدوى الشهادة. هذا الخوف الذي جعلها ان لا تتصارح مع الجمهور وترفض وجعها ومن كان له الدور الاساس في صناعته،، ولقدراتها كأنثى بلا حول ولا قوة،، ونتيجة لتفاهة سنن المجتمع عمدت الى الخنوع في اعماق الذاكرة الانسانية معللة قلبها بالانتظار  .. في هذا السياق الدرامي الذي نطالعه عند عتبة شيماء جعفر يقفز امام رؤانا تساؤل لا يخلو من قصدية تعنى بالجنس البشري.. اين صوت الرجل وما حقيقته على الطرف الاخر؟ اراه مخنوقا يمتهن الغياب ...هل هو حقيقة متشحة بالظلال ام وهمٌ مخادع من صناعة نون النسوة؟ ما مدى ايمان الدكتورة عواطف نعيم باهمية صوت المرأة وهو يعلو خانقا صوت الرجل .. بروز صوت المرأة وغياب صوت الرجل بهذا الشكل يدعونا للاعتقاد بان خير من يتحدث عن الالم هو المرأة وهي خير ممثل للمآسي وتفاصيلها .. لكن غياب صوت الرجل يجعلنا ننتفض بالقول ان الحكاية ربما كانت كذبة اختلقتها المرأة لتقضي على اخر انفاس الزمن والوقت الثقيل الذي تصارعه في وحدتها بابتداع حكايات مزيفة تتلوها على اسماع الجمهور الذي وجدت به خير شريك لمؤامراتها بقتل الوقت وهو يصيخ السمع بانشداد ملحوظ.. ونزولا عند هذا الاشكال اجد ان اكبر الكاذبين هم اصحاب الصوت الواحد الصوت المونودرامي احادي النغمة لذلك تراها أي الخطيبة بعد تعبها وارهاقها تكف عن الكذب بحواراتها الاحادية فتعمد الى الانكفاء على نفسها بنظرات حزينة في اللاشيء لكنها تبقى تتابع بوعي آخر لما يدور حولها داخل اسوار الخشبة متحولة كمشاهدة ومتفرجة على حوار تلفوني آخر لشخصية اخرى وهذا ما درجت عليه الشخصية الثانية التي مثلتها الفنانة سوسن شكري بعد ان تلقت خبر استشهاد زوجها من قبل عامل البدالة ومن خلال الهاتف الذي كان من نفس النوع السابق المرافق لشيماء جعفر باشارة الى تقارب تقني وزمني بينهما بتوقع ان تكون الاولى في حرب الثماني سنوات والثانية اما  في حرب الخليج الثانية ابان الواحد وتسعين او في حرب داعش.. اختلفت الوانُ الهاتِفَيْن وتعدد الألوان في هذه الجزئية اشارة الى تعدد جهات الوجع وتعدد مصادره وتعدد شخصياته وكذلك اشارة صريحة لفسيفساء الوطن من المكونات المختلفة من الشمال الى الجنوب والتي اعتصرها القهر  بتناسخ عجيب لادواته القمعية..

تجاورت حيثيات حياة الخطيبة والزوجة بنفس لغة المأساة لكن بتمايز معين، كانت عواطف نعيم في اشاعة هذا التمايز في جسد العرض ذكية بمراعاة عمر الشخصية ووجودها الاجتماعي من خلال طبيعة الشخصيات وما تناثر عنها من افعال حيث لاحظنا تمايزا بين شيماء جعفر وهي تتحدث مع خطيبها بحركات وافعال فيها بعض النزق الشبابي وبايحاءات جنسية تؤكد عمر الشخصية وعشقها للحياة وبين الشخصية الثانية التي وجدنا فيها اعتدادا ورصانة وقوة مع تأكيد للعمر من خلال اسقاطها عند دخولها الخشبة لاواني الطبخ وهو دليل عظم المأساة التي ارهقتها مع تقدم بالعمر ناسبته كثيرا ممتلكات سوسن شكري العمرية والجسدية والادائية.. ومع هذا الاختلاف في العمر وطبيعة الشخصية وأناتها واختلاف طريقة الاستشهاد لزوجيهما الاول بشظية والاخر نتيجة لتفكيكه قنبلة موقوتة الا انهما اتفقتا على نفس الحل بتواطئ له مبرراته النفسية والوراثية نتيجة للخوف المهيمن على الروح والذي هو الحالة العامة التي كان يعيشها الفرد .. فلم تكذب الشخصية الثانية "سوسن شكري" خبرا فلجأت الى عمق المسرح ممسكة بسماعة الهاتف مواصلة الاتصال بشخص لا وجود له "عامل البدالة" ربما استشهد هو الاخر لذا لن يكون هناك جواب في قابل الايام سوى الووو .. الووو .. الووو .. طوووط .. طوووط .. طوووط.

وهنا احب ان اذكر معرجا على فكر المخرجة الكبير واستثمارها لجغرافية المسرح الذي احتضن العرض رغم محدوديته وعدم وجود الفضاء المناسب له وهي حالة عامة يعاني منها الكثير من مسارحنا كما يعرف الجميع لكن المخرجة قفزت بأريحية فوق هذا الاشكال مستثمرة ذلك الحيز الجغرافي المتواضع بإقعاء الشخصيتين المنتظرتين في عمق المسرح وهي علامة سيميائية بدلالة ثقافية اجتماعية حاذقة بانزواء المجروحين في خانة النسيان وان بدتا ظاهرتين امامنا تحت انوار المسرح.. مع اشراقة يجب ان لا نغفل عنها باتجاه ادانة المجتمع للمجتمع ادانة ذاتية من جنس الفعل هذا المجتمع الذي لم يتحمل مسؤولياته بتخفيف كم الالم الذي نال هذه الشريحة من النساء المثخنات بالفقد مع حقيقة لازمت الشخصيتين مفادها الهروب المستمر بمعية اخر ذكرى لمن فقدوا وهو الهاتف.. الهروب من مجتمع اعلن قسوته مع اول كلمة الله اكبر واول شهيد قاتلَ بالنيابة في حروب لا ناقة لنا فيها ولا جمل وهو القاسم المشترك الاوحد في كل حروبنا والذي اعلن عن نفسه كحقيقة ثابتة .

الانتقالة الكبيرة للحدث والمفارقة الدرامية للعرض بشكل عام والثيمة العالية القيمة التي طفت على السطح كإعلن وجود هي لحظة دخول شخصية الجدة التي جسدتها الفنانة الكبيرة سمر محمد والتي رتبت اوراق العرض المبعثرة حينما تلقت خبر وفاة حفيدها وابن بنتها التي ماتت بين يديها لحظة ولادة طفلها الذي كبر واصبح بعمر السابعة عشر حيث أُبلغت باستشهاده في ساحة التحرير مطالبا بالحرية ونبذ الفساد والظلم .. وهنا لابد لنا من الاشارة الى زمن الكتابة للشخصية الثالثة الذي واطأ زمن السرد والذي بدوره واطأ زمن العرض وهذا دليل على تلاحم المسرح مع قضايا الجمهور واستجابته لهول الأنين الشعبي برفض الظلم والفساد وتجسيد هذا الانين مسرحيا مع ملاحظة دقيقة يجب الالتفات اليها وهي تحمل على اجنحتها فكر الدكتورة المتقد حينما جزأت الشخصية الواحدة وجعلتها ثلاث شخصيات راعت في ظهورهم انسياب الزمن "العمر" بخط قطري متخذا شكلا بيانيا بمعادلة رياضية (الفرق بين مربعين) عندما جعلت الاولى خطيبة جندي تطورت بعدها لتصبح زوجة ضابط ثم تطورت عند الذروة لتصبح جدة ثائر مما يدل على ذكاء الدكتورة الدرامي الذي يرمم الشخصية بإقناع مميز.

الملفت للنظر بتميز الشخصية الثالثة عن الشخصيتين الاوليتين يتجلى بسياقات عدة توزعت ما بين الفكري والواقعي والنفسي عكست اختلاف التوجهات العامة لعراقي الامس عن عراقي اليوم وعكست طبيعة الولاءات الذاتية للرجل وسبب استشهاده فيما مضى عن سبب استشهاده في الزمن الراهن كما عكست عن طبيعة نون النسوة وتوجهاتها الوطنية واختلافها عمن سبقها. هذه الاختلافات بين الماضي والحاضر استقيناها من التالي من المفارقات وكأن العرض وضع امامنا كما تفعل المجلات بصفحتها الترفيهية لاكتشاف الفوارق بين صورتين معروضتين للجمهور تحت عنوان جد الفروقات السبعة بين الصورتين.

تواجدُ الهاتف النقال بيد الجدة عكس الهاتف القديم بيد الخطيبة والزوجة كعلامة زمنية تقنية وضعتنا في الزمن المناسب المحصور بالعشر سنين الاخيرة والذي سيتحدد بالزمن الحالي المعاش من خلال استشهاد الشاب في التظاهرات في ساحة التحرير  مع بروز علامة مهمة مكثفة المعنى مجالها أن خطيب الاولى وزوج الثانية كانا يقاتلان دفاعا بالنيابة عن مسميات مختلفة بلا وعي بلا رغبة تم جرهما لحماقات لا ناقة لهما فيها ولا جمل ، كان الموت لديهم قسري مجبرين عليه مع رغبة مؤكدة بان يكونوا في استشهادهم اخر القتلى عكس الحفيد الذي انتفض من اجل المطالبة بحقوقه المسلوبة واحلامه المنهوبة وحرياته المذبوحة على محراب الديمقراطية المزيفة مع رغبة حقيقية لاسترجاع حقوق الجندي والضابط اللذان سبقاه في الموت المجاني ، فكان موته رغبة حتمية بنيل الاستشهاد طالبا اياه يريد به وان علا تل الجماجم ان تحقن دماء من يأتي بعده.. وان تُحفظ كرامة جدته بعيش كريم وان ينتهي مسلسل الموت لكنه استشهد برصاصة قناص بإشارة ذكية ومهمة لخسة القتلة مع توثيق لحقيقة استشهاد اغلب الشباب في ساحة التحرير بهذه الطريقة الجبانة.. والامر الاخر والمهم وهو الذي نصب نفسه كخيمة حافظة لجماليات العرض مع تمتعه بالإحاطة بهدف وغاية العرض عموما.. تمثل هذا الأمر بخروج الجدة عن المألوف وتحررها من الخوف والانتظار اللامجدي وادانتها للاستسلام المذل الذي لازم الخطيبة والزوجة فيما مضى مستقية موقفها من طبيعة استشهاد حفيدها الذي ناقض استشهاد من سبقه لذلك اعلنت ولائها للوطن بكلمتها المدوية " جايه.. بعد ما انتظر.. جايه لساحة التحرير"هذه الكلمة التي استحوذت على مناهج الثورات العالمية بأسرها مع استحواذها آذان وظمائر النسوة المقعيات في عمق المسرح مما فجر فيهن الفعل الثوري الذي كان يؤكد عليه بريخت بتعبيره "الشرارة الاولى" مما دفعهن للخروج وبنفس الطريقة وبنفس العبارة الدرامية الثورية الخالدة والتي عجز الكثير من المقعيين عن قولها "جايه.. بعد ما انتظر.. جايه لساحة التحرير" .. انتقلت الشرارة من الجدة الى الزوجة الى الخطيبة بتتابع عكسي لظهورهن الاول مع تحفيز الاجيال الماضية بأثر رجعي وبالتالي انتقال تلك الشرارة الى القاعة والى الجمهور الذي اندفع متفاعلا وهو يعلن اعجابه بالعرض الذي ارخ لحقبة مهمة من تاريخ العراق الحديث والذي زج بنا روحا وجسدا في خضم ساحة التحرير  حاملين اعلامنا مترنمين بهتاف "سلمية .. سلمية .. نريد وطن.. نريد وطن" .

القراءة الخامسة

حسنا فعلت المخرجة باختياراتها التمثيلية حينما اشركت الفنانة الكبيرة "الجوكر"  سمر محمد سر نجاح ايما عمل تشارك به لانها اضافة حقيقية كحضور مثمر له ثقله الواضح دراميا لما تمتلكه من ادوات تمثيلة مميزة تشي بالحميمية مع المشاهد الذي يأنس بصوتها ذي النكهة المحببة المختمر في الذاكرة كعلامة ابداعية ارخت لنجاح العديد من منجزات الفن العراقي.. وكذلك كان لتقاطيع وجهها الحادة قدرة لخلق كاريزما امرأة قوية تحملت كل جنون الحياة وبوؤسها حيث طابق واقع دورها تلك الكاريزما المتحولة مع كل دور تتقمصه.. اما الفنان القديرة "سوسن شكري" ذات التاريخ المتوهج ابداعيا لم تقل قدرة وفاعلية على انضاج العمل بدور مهم يسجل لها فيه كعلامة وايقونة جمالية رغم كم الحزن الذي علا تقاطيعها وهي تطل علينا باتصالها الهاتفي مع زوجها .. وايضا هنا حسنا فعلت المخرجة بإسنادها هذا الدور المهم للفنانة سوسن شكري لما له من سيميائيات رومانسية هادئة وواضحة ولما له اي الدور من مساحة كبيرة في التشكل وصناعة المعنى لدى المتلقي من خلال اداء كبير متجدد فاجئني وفاجأ الجمهور رغم تقدم العمر والذي استطاعت فيه سوسن شكري ان تنافس وبقوة الممثلتين الاخريين من اخذها على عاتقها مسؤولية اعادة المتفرج لسني وجعه الاول من خلال تشكيلاتها الحركية التي نقرت على صندوق الذاكرة الجمعية ومنها غنائها الاغنية المحفورة في ذاكرتنا الحربية "واحنا مشينا للحرب" مع مسيرها العسكري الذي اوقعنا في حيرة كبيرة دعانا لدعك عيوننا للتأكد من ان الذي امامنا الممثلة سوسن شكري ام جندي عراقي متدرب عسكريا بشكل محترف وعلى يد امهر العرفاء .. اما الممثلة الثالثة الشابة شيماء جعفر والتي اعدها بحق مفاجأة العرض وسر نجاحه لما ابلته من بلاء حسن تمثل في بثها العديد من العلامات وهي تنزاح بدلالات ثقافية واجتماعية حاضرة في خبايا فعلنا الخيالي والمؤولة لدينا بمعاني شاهقة اججت فينا الرغبة بمشاركتها فعلها الجمالي على نفس الخشبة وهي تتحدث وتتحرك بانفعال مع السينوغرافيا بمختلف عناصرها برشاقة الطيور فعشقنا كل ما لامسته يداها من الهاتف الى الوسادة الى الضوء المتساقط فوق عينيها لتحثنا جماليات فعلها اللغوي والجسدي والنفسي الى تبنيات واقعية عند مثابات الحدث وهو يتمحور بين الشخصية وفضاء المسرح كالوجود الاخر الغير مرئي لخطيبها او الوجود الاخر لعامل البدالة حيث دفعت بنا لاحداث لغط في صالة المتفرجين كردود افعال على ما قدمته من اداء يستحق التصفيق لسنين حتى تأتي عواطفا اخرى لتصنع مجدا اسمه شيمياء جعفر. حقيقة واقعة لا غبار ولا لبس فيها ان الميزانسين الضابط لعناصر العرض بمختلف اشكالها ومهمامها اتى نتيجة حتمية للرسم الدقيق للمخرجة لما هو متوفر لديها من عناصر مسرحية بنسبة معينة وبنسبة مهمة لما عكسه ابداع الممثلات وهن يتنقلن بإداء انفجاري وانفعالي مكتنز مشفر  وبرشاقة واضحة دليل لياقة بدنية لها قولها الفصل في نجاح اكثر الاعمال المسرحية فضلا عن اللياقة اللفظية الانتقالية بين حدث واخر..وتعضيدا لما قلنا نورد خطاب ستانسلافسكي  (ينطلق خط الميزانسين من تحت قدمي الممثل) كتشكيل حركي متعارف على اعتبار انه أي الممثل مجمع الرؤى والافكار للمؤلف والمخرج وهو سيد العرض وصيرورته الحركية هي ما نعنيه بالتنظيم المعماري للمشهد او الميزانسين ونضيف نحن (ينطلق خط الميزانسين من تحت قدمي الممثل أي نعم ومن بين شفتيه ايضا ومن خلل احساسه نزولا عند كون الممثل كائنا فاعلا ومتفاعلا مع المحيط وهو المسؤول الاول والاخير عن خلق العلاقة التنظيمية بين عناصر العرض المسرحي ونخلص للقول ان الميزانسين حقيقة الممثل اولا واخيرا.

القراءة السادسة

بالتعريج على سينوغرافيا العرض لابد ان نشير الى حقيقة مهمة لازمت الادوات المسرحية للمخرجة بؤرتها حقيقة أخرى تشكلت اوتوماتيكيا بعرفانية الحلاجين بعبارة "اسقاط الاضافات من الكمال" فكان كل شيء على المسرح باطنا وظاهرا يتصف بالاناقة انطلاقا من الديكور الشحيح الذي لازمه الكمال بعراقية صادقة عكست البيئة المناسبة للحدث كما كانت المخرجة حاذقة في توظيف الاليات الدرامية الحديثة في تضمين رسائلها المشفرة كنوع الهاتف في التسلسل الزمني مثلا مع لُمعات نفسية ارتكزت في البساط الشعبي والوسائد الملغزة بإيجاء رمزي لطلب الراحة بعد زمن ارهق الارواح قبل الاجساد .. مرورا بالأزياء العادية الجميلة المسترسلة ببساطة ممتعة بتناسب واضح مع طبيعة وعمر الشخصية .. فضلا عن الموسيقى التي استوحيت بقصدية إغراقية من الموروث الشعبي العراقي الذي عَلَتْ فيه نغمات الوجع وهو فعل جمالي ودرامي درجت عليه المخرجة عواطف نعيم في جميع اعمالها لما له من تاثير فلسفي واضح في بلورة الحدث مع مزاج ذاتي انيق تميزت به روحها العراقية الاصيلة في التبنيات المحلية للموروثات الغنائية. اما الاضاءة التي كانت متوهجة يكاد ان يكون بدرجة فيضية مع كثافة لونية في اغلب اوقات العرض والتي دفعت بنا سيميائيا نحو اليقين بوضوح توجهات العرض بلا مواربة في اعلان الرفض التام لكل سلبيات هذا الوطن والرغبة الكبرى في جعله وطنا امنا يحتضن الجميع لا وطنا لفئة على حساب فئة اخرى.. كل ذلك باضطراد رياضي فيزيائي نفسي ايحائي بين كتلتين تمثلت الاولى في كمية الضوء والثانية الوضوح في الرؤيا والتوجهات نحو الهدف والغاية في اعلان الرفض لكل سلبيات الوطن المستحدثة.

 

الكاتب: كاظم اللامي.

 

عدنان حسين احمدتُعدّ رواية "أم البلابل" لعمّار تاسائي الأحوازي الصادرة عن دار E-Kutub Ltd في لندن نصًا مكانيًا بامتياز ولعله يذهب أبعد من ذلك حينما يُصبح بعض الأمكنة شخصية من شخصيات النص الروائي مثل قرية "أم البلابل" أو مدينتي الأحواز وعبادان اللتين تدور فيهما معظم الوقائع والأحداث. ولو تجاوزنا مكانية النص السردي لوجدنا أن بنيته المعمارية تقوم على السيرة الذاتية المزدوجة لجاسم وأبيه الحاج محمد اللذين يصعب الفصل بينهما لأنهما شخصيتان فاعلتان ومتواشجتان منذ مُستهل النص حتى جملته الختامية. وأكثر من ذلك فإن الثيمة الروائية تتشظّى لتناقش موضوعات كثيرة من بينها الحياة المدينية، والدراسة، والحُب، والزواج، وخيانة الوطن، والفروقات الطبقية، وعودة الوعي المُستلَب، والتشبّث بالأرض، والتمسّك بمنظومة القيم الأخلاقية التي تربّى عليها المواطن العربي الأحوازي.

يُركِّز عمّار الأحوازي على شخصية جاسم بطريقة أوتوبيوغرافية مُتتبعًا إيّاه منذ طفولته حتى زواجه وهروبه من ملاحقة السافاك. وحسنًا فعل الأحوازي حينما ترك جاسم يروي سيرته الذاتية بضمير المتكلم من دون أن يتدخّل الراوي العليم وكأنّ وعي هذا الصبي الصغير بدأ يتفتح من تلقاء نفسه على الرغم من محاولات الأب الذي يريد أن يُحرمه من الدراسة على اعتبار أنّ "هذه الأرض هي أفضل مدرسة، وهذا الحقل هو أفضل مُدرِّس"، ويمنعهُ من التفكير في الذهاب إلى المدينة خشية أن تتبدل طباعه القروية الأصيلة.

تبدأ الانعطافة الأولى في هذه الرواية حينما تتقدّم الدولة لشراء أراضي قرية "أم البلابل" بعد أن اكتشفت شركات التنقيب وجود النفط في المناطق المجاورة لها. وعلى الرغم من موافقة غالبية الفلاحين على بيع أراضيهم والانتقال إلى المدن إلاّ أن الحاج محمد يرفض أن يبيع أرضه مهما كلّفه الثمن. وحينما سمع مهندس المشروع إيزدي يصف العرب بالجبناء هاجمه ليلاً وأوسعهُ ضربًا لكنه سيدفع الثمن غاليًا إذ حُكم عليه بالسجن لمدة خمس سنوات يقضيها بسجن في الأحواز، وهي ذات المدينة التي ستنتقل إليها عائلته الكبيرة بعد أن تضطر لبيع الأرض وتسكن في حيّ العامري الذي شعر فيه بالغربة اللغوية، والتناشز الاجتماعي شكلاً ومضمونًا. ورغم تقوقعه في الأيام الأولى بهذه المدينة الكبيرة إلاّ أنّ خاله سرعان ما يجد له عملاً في مقهى في السوق الكبير وسيدفع له الأسطى عبدالرزاق 1000 ريال أسبوعيًا تُعينه على تحمّل أعباء الأسرة الكبيرة التي بات مسؤولاً عنها بعد حبس الوالد. يتشكّل وعي جاسم رويدًا رويدًا في المدينة ويكتشف الفروقات الكبيرة بينها وبين القرية وعلى الرغم من تحذيرات الأسطى عبدالرزاق ونصائحه المتواصلة لجاسم إلاّ أنّ هذا الأخير سيتمرد عليه ويلتقي بأصدقاء السوء ارميّض، ابن الغجرية، واللص حبش اللذين يُعيّرانه بأصله القروي وعدم قدرته على الاندماج بالمجتمع الفارسي والذوبان فيه. ومنْ يقرأ هذه الرواية سيجد أنّ فصولها التي جاوزت الأربعين فصلاً تكتظ بهذه المحاولات المستميتة للاندماج بفضاء المدينة حيث يصرّ على تعلّم اللغة الفارسية واتقان نطقها الصحيح، كما يغيّر مظهره الخارجي بعد اشتراكه في عملية سرقة أحد المنازل حيث يتخلى عن الدشداشة، ويرتدي بدلة سوداء، ويقص شعره قَصّة حديثة، ولا يجد حرجًا في التدخين، وشرب الجِعة التي كان يراها حرامًا إلى وقت قريب، بل أنه بدأ يتجاوب مع الفتيات الفارسيات اللواتي يصادفهن في المراقص الليلية ليكتشف أنّ الحياة الحقيقية الممتعة مقتصرة على الفرس من دون بقية القوميات الأخرى، ولكي يتردد على هذه الأماكن الراقية بشكل مستمر اقتنع بضرورة تغيير اسمه فأصبح شهرام علواني خصوصًا بعد أن نجح في امتحان الصف السادس وسوف يتعيّن لاحقًا بمساعدة الأستاذ الكعبي في شركة النفط بعبادان. أما الأب السجين فقد أُفرج عنه بقرار عفو أصدره الشاه لمناسبة عيد نوروز لكنه خرج هزيلاً وكئيبًا ومدمنًا على المخدرات ومع ذلك فقد ظلّ متشبثًا بزيّهِ العربي، وقيمه التي تربّى عليها. وعلى الرغم من حصوله على عمل كحارس ليلي في أحد الكراجات إلاّ أنه بقي عالة على أسرته التي تزوِّده بالنقود التي تلبّي رغباته الجديدة. أما الانعطافة الثانية في حياة شهرام فتتمثل بانتقاله إلى عبادان وحصوله على الوظيفة في شركة النفط التي نقلت حياته كليًا إلى عالم آخر، فقد منحتهُ الشركة بيتًا صغيرًا، وكان يتقاضى راتبًا قدره أربعة أضعاف الراتب الذي كان يتقاضاه في المقهى، كما تعرّف على عدد من الأصدقاء من بينهم شهين التي سيقع في حبها ويتعلّق بها كثيرًا، وخالد الكعبي مسؤول الشؤون الإدارية الذي اعترض على جاسم لأنه غيّر اسمه إلى شهرام مُعاتبًا إياه:"اسمك هُويتك وثقافتك وتاريخك، كان من الواجب أن تحافظ عليه". سبق أن أشرنا سلفًا أن هذه الرواية مكانية تجعل القارئ يتعلق بالأمكنة التي تعيش فيها الشخصيات فمثلما نتذكر تفاصيل "أم البلابل" نسترجع انهماك جاسم في المقهى واستماعه لحكايات القصخون، وصداقاته التي أخذت تتوسع رغم تحذيرات الأسطى الذي بدأ يخشى عليه من الانحراف بعد أن بدأ يُدخن، ويحلق شاربه، ويرتدي البنطال. كما نتذكر لياليه الملاح في منازل الغجر أو فنادق الدرجة الأولى التي يراقص فيها الفتيات الفارسيات ويغازلهن من دون خوف أو حرج. وسوف تتكرر هذه اللقاءات الحميمة مع صديقته شهين التي يصطحبها إلى صالة سينما تاج ويطبع على شفتيها قُبلة حارة يؤكد فيها صدق مشاعره العاطفية التي تنتهي بالزواج منها رغم أنّ والده كان يتمنى عليه أن يتزوج ابنه من إحدى بنات عشيرته. كان شهرام منهمكًا بتوسيع علاقاته الاجتماعية فهو يحلم بالثروة والجاه ويعتقد أن هذه الزيجة على الرغم من قيودها وكلفتها المادية العالية ستنقله إلى العالم المخملي الذي تعرّف عليه في أثناء حضوره لحفل زفاف شقيقة شهين الذي حضره الأهل والأقارب والأصدقاء ومن بينهم ساسان، ابن خالتها الذي سبق أن رآه في مرقص فندق بارس الشهير في عبادان. ربما تكون الانعطافة الثالثة هي تجنيد شهرام من قِبل السافاك لمعرفة تحركات صديقه خالد الكعبي، الشيوعي الذي يدعو لتشكيل دولة عربية في "خوزستان". وفي إحدى زياراته يتعرّف على مجموعة الكعبي التي تتألف من أربعة أشخاص ثوريين ويركِّز على الموضوعات التي ناقشوها مثل سياسة الشاه والعرب، واتفاقية 1975، وتوزيع الثروة بطريقة عادلة وحينما يعود إلى بيته يجد فيه ساسان وهو يتحدث إلى شهين ويشتم والده الحاج محمد فتثور ثائرته ويدفع الباب بقوة ويضربه على رأسه بقضيب معدني غير مرة ويرديه قتيلاً في الحال متصورًا أن زوجته قد خانته مع قريبها ساسان. لم يجد جاسم بُدًا من الاعتراف لصديقه خالد الكعبي بأنه كان يتعاون مع السافاك، ويتجسس عليه لكنه لحسن الحظ لم يزوّدهم بأي تقرير حتى الآن الأمر الذي يدفع خالد إلى الصفح عنه شرط أن يدافع عن قضية شعبه الأحوازي المحتل فينصحه بالهرب إلى العراق لكنه يقرر شراء أرض زراعية محاذية لنهر الكارون وبعيدة عن الأنظار يعيد فيها تشيّيد "أم البلابل" من جديد بمساعدة أبيه وبمعونة الحاج صبر الذي كان يزوّده بالمؤونة والأخبار طوال مدة اختبائه وحينما يتأخر "صبر" ذات مرة لمدة شهرين نفهم أن سبب تأخره يعود إلى الثورة التي أطاحت بالشاه وجاءت بالخميني إلى سُدة الحكم.

تكشف القراءة النقدية لهذه الرواية بأن شخصيتي الأب وابنه أوتوبيوغرافيتان متوازيتان، تتصادمان وتفترقان كثيرًا في إشارة واضحة إلى صراع الأجيال والأفكار والقناعات، لكنهما تلتقيان في خاتمة المطاف على حُب الأرض، والتشبث بها حتى النفس الأخير، ولعل هذا الهاجس الوطني هو الذي يدفع عمّار الأحوازي لكتابة رواية واقعية يتسيّد فيها المكان كشخصية رئيسة من شخصيات النص السردي من دون أن يعوّم الزمان أو يتناسى أهميته التي تشير، في الأعم الأغلب، الى حقبة الاحتلال الفارسي للأحواز منذ عام 1925 وحتى الوقت الحاضر. أصدر عمّار رواية "كوت عبدالله" وهو منهمك حاليًا بكتابة روايته الثالثة التي تتمحور حول الشيخ خزعل الكعبي أمير عربستان الخامس الذي خطفته القوات الإيرانية عام 1925 وفارق الحياة في مقر إقامته الجبرية عام 1937.

 - سنة الإصدار: 2017

- عدد الصفحات: 244

 

عدنان حسين أحمد

 

صلاح الدين اشرقي.. حميد لحمداني أنموذجا

مقدمة: يعد المنهج الاجتماعي من أهم المناهج النقدية الأدبية الغربية الحديثة، ويرتكز هذا المنهج على فكرة محورية مؤداها أن العلاقة بين الأدب والواقع هي علاقة آلية ميكانيكية  فالأدب ـ من منظور المنهج الاجتماعي ـ هو تعبير مباشر عن القضايا الاجتماعية، فهو لا يؤمن بالكيفية التي يعالج بها الأدب الواقع وإنما ما يهمه فعلا المعطيات السوسيولوجية التي يعكسها الأديب، فهو منهج كمي مضموني، وعليه فإنه يقصي أهم خاصية تميز الأدب وهي عالمه الفني التخييلي أي إنه يلغي الجانب الكيفي، فهو يبعد مختلف المقاييس الجمالية من ميدان أبحاثه، وبالمقابل يدعو إلى التركيز على الفعل الاجتماعي لأنه هو الأصل في المنهج الاجتماعي. أما الأدب فوظيفته ثانوية تتمثل في اجترار وتكرار الأحداث الاجتماعية، وعليه فإن الأدب، مع المنهج الاجتماعي، يتجرد من خاصيته الجمالية ليصبح ظاهرة اجتماعية صرفة؛ لأن المنهج الاجتماعي التقليدي يرفض تدخل الذات في وصف وتحليل الظواهر الاجتماعية، لذا فإن هذا الرفض يؤدي إلى انتفاء التجديد وغياب الإبداع، غير أن هذا المنهج العام تفرعت عنه مجموعة من التيارات والاتجاهات التي تختلف في نظرتها إلى الطريقة التي بها يعالج الأدب الواقع، ومن بين هذه الاتجاهات نجد الاتجاه البنيوي التكويني، والذي يرجع إليه الفضل في ابتكار هذا الاتجاه، هو" لوسيان غولدمان " الذي انطلق من بعض أفكار لوكاتش إلا أنه أقام عليها تعديلات كثيرة كما أنه ابتكر تصورات ومفاهيم جديدة أدت إلى تشكيل ما يسمى "بالبنيوية التكوينية"، وقد جاءت أطروحات غولدمان في أعمال متفرقة من أبرزها كتاب من أجل سوسيولوجية الرواية سنة 1964م، وكتاب الإله الخفي سنة 1976م والأساس الذي يقوم عليه عمل لوسيان غولدمان هو دحض نظرية الانعكاس، وقد جاء غولدمان ببديل لهذه النظرية ويتجلى في فكرة مركزية مفادها أن العلاقة بين الأدب والواقع ليست علاقة مباشرة وإنما تمر عبر البنى الذهنية، غير أن الجديد الذي جاء به غولدمان هو مفهوما الفهم والتفسير، فانطلاقا من هذين المفهومين يتأسس مشروع لوسيان غولدمان، وبهذه الأفكار الجديدة ظهر المنهج البنيوي التكويني ليعبر عن مستوى متقدم بالنسبة للاتجاهات الاجتماعية السابقة.

ـ مفاهيم البنيوية التكوينية

ـ مفهوم البنية الدالة

يعتبر مفهوم البنية الدينامية الدالة من أهم المفاهيم التي تشكل الأساس النظري لأطروحات لوسيان غولدمان في البنيوية التكوينية، ويتأسس هذا المفهوم على فكرة محورية مفادها أن الأعمال الأدبية تحتوي على أبنية دلالية كلية، إذ نجد دائما في أي عمل أدبي فكرة عامة تتواتر باستمرار كلما انتقلنا من فقرة إلى أخرى، وهذه البنية تختلف من عمل إلى آخر، وتعتبر الكلية من الخصائص المميزة لأبنية الأعمال الأدبية، لذا فإن الظاهرة الأدبية ـ من منظور البنيوية التكوينية ـ يجب أن تُدرس في شموليتها، إذ لكل عنصر في بنية النص الأدبي وظيفته المنوطة به، لذا فإن إهمال أي عنصر من هذه العناصر يؤدي إلى كسر وحدة النص الأدبي، وهذا يوحي لنا ـ ضمنيا ـ أن مفهوم البنية الدالة كما نظر إليه غولدمان يسعى إلى خلق وحدة داخلية بين مكونات النص، وعليه فإننا لسنا بإزاء بنية شكلية اعتباطية، بل نحن أمام بنية تحمل دلالة معينة، وذلك ـ وبحسب تعبير لوسيان غولدمان ـ "أي سلوك بشري هو محاولة لإعطاء إجابة دالة لوضعية معطاة"، "غير أن هذا المفهوم يفسح المجال لبعض الأسئلة التي لا تحمل صفة تقنية خالصة، مثل: ما هو بالتحديد مفهوم البنية الدالة؟ هل هناك نظرية للدلالة (...) تسمح بتعريف هذه البنية الدالة في نص أدبي أو فلسفي "، وقد حاول غولدمان الإجابة عن هذا التساؤل من خلال كتاباته الأولى، إذ سعى إلى إنشاء تصور شامل حول النُّظم والأنساق الداخلية للأعمال الأدبية إلا أن هذه المحاولة لم تنجح بشكل دقيق، وذلك لأن الاقتراحات التي قدمها لم تقتصر على الجانب الأدبي فقط، بل استهدفت جميع أنواع النتاج الثقافي (الأدبي والفلسفي)، وقد كان غولدمان واعيا بهذه الفجوة التي من شأنها أن تُقلل من نظريته وتفسح المجال أمام الانتقادات، وهذا ما جعله يتقدم خطوة إلى الأمام من أجل تجاوز هذا النقص من خلال ما أسماه بـ "البنيات الصغرى" في كتابه " البُنى الذهنية والإبداع الثقافي "، فقد حاول تتبع البنيات الدقيقة في كل جملة لإبراز إشاراتها ودلالاتها الصغرى بالتفتيش في نسقها البنيوي، وقد كان لهذا البحث نتائج مهمة من الناحية المنهجية خاصة في تحليل غولدمان لمقاطع من مسرحية "الزُّنوج" لـ "جون جنيه" .

على الرغم من أن البنية الدالة تخلق وحدة بين العناصر الداخلية للنص الأدبي، إلا أنها تختلف بشكل واضح عن مفهوم البنية في البنيوية اللغوية أو الشكلية، ويتجلى هذا الاختلاف أساسا في إقصاء البنيوية اللغوية للذات في إحداث التناسق الباطني للنص الأدبي وفي إعطاء هذا النص دلالة، مما يؤدي إلى إلغاء التاريخ وإقصاء الوظيفة، فتصبح البنية اعتباطية لا تحمل أي معنًى، أما غولدمان فقد ربط البنية بالذات الفاعلة، مما أدى إلى الانتقال من شكلية البنيوية إلى توليدية البنية، فقد استطاع لوسيان غولدمان أن يُقلص من الطابع التجريدي للبنية كما كانت عليه في البنيوية، إذ تميزت بالانغلاق على النص، لكن في البنيوية التكوينية تحولت إلى بنية دينامية ومرنة، فهي ناتجة عن السلوك البشري الذي يحمل موقف معين يحاول الدفاع عنه، وعليه فإن البنية تابعة لموقف الذات (الأديب) فإذا استقر هذا الموقف استقرت معه البنية، وكلما تغير فإن البنية تتحول وتتغير، وربط غولدمان البنية بالذات يقتضي ـ ضمنيا ـ انفتاح بنية النص الأدبي على بنية أعم وأشمل وهي البنية الاجتماعية، لأن الذات الفاعلة هي جزء من المجتمع، وعليه فإن البنية الأدبية ـ مع لوسيان غولدمان ـ أضحى لها وظيفتين: الأولى مرتبطة بالنص الأدبي وتتمثل في الانسجام الذي تحدثه بين مكونات النص، والثانية لها علاقة بما هو خارج عن النص، أي بالبنية الاجتماعية، فقد نظَر غولدمان إلى البنية من زاوية مزاوجتها للوحدة والتنوع في آنٍ، والبنية الدالة تشرح لنا مفهوم البنيوية التكوينية، إذ من جهة تؤدي دورا بنيويا يتجلى في وحدة عناصر النص، ومن جهة ثانية فهي تُمثل الجانب التكويني من خلال انفتاحها على البنية الاجتماعية.

  ـ مفهوم الرؤية إلى العالم

يعتبر هذا المفهوم جوهر نظرية لوسيان غولدمان، ومن خلاله تم تجاوز العلاقة المباشرة الآلية بين الأدب والواقع، وأُنتجت رؤية جديدة حول طبيعة هذه العلاقة، تتجلى أساسا في عقد تماثل بين البُنى الأدبية والبُنى الاجتماعية، والرؤية إلى العالم هي ذلك التصور الذهني الذي يصور به المبدع إبداعه، فهي تسبق عملية تحقق الإبداع، وهي كذلك الفلسفة والطريقة التي يحس ويرى بها الأديب إلى القضايا المحيطة به، ومن أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في هذه الرؤية الانسجام والتناغم مع رؤى وتطلعات الجماعات الاجتماعية، إذ يجب على المبدع ـ في تأمله للواقع الاجتماعي ـ أن لا ينطلق من ذاته فقط، بل عليه أن يحاول إقحام قدرا مهما من أفكار وآمال مختلف أفراد المجتمع، وذلك باعتبار الأديب لسان ناطق باسم الجماعة وبكل ما يحيط بهذه الجماعة من مشاكل وآمال أيضا، إلا أن هذا الانسجام الذي يفرضه مفهوم الرؤية إلى العالم على علاقة الفرد بالجماعة ليس انسجاما أو تلاحما ميتافيزيقيا مجردا، وإنما هو عبارة عن نسق فكري وذهني يحاول أن يعالج بعض القضايا الموجودة في الواقع، وبما أن هذا التصور يرتبط بالجانب الاجتماعي، فإن درجة التجريد فيه تتقلص، فلو كانت هذه الرؤية مستقلة عن الواقع ومرتبطة بالتصورات الذهنية فقط لقلنا عنها بأنها تصور مجرد ومعقول، لكن ما دام أنها حريصة الارتباط بالعوامل الاجتماعية والتاريخية فإنها تتطرق أيضا إلى الأحداث الملموسة المادية، لذلك يمكن القول بأن هذا التناسق الذي يقترحه غولدمان هو تناسق مجرد وملموس في آن، مجرد بالنظر إلى الرؤية الذهنية التي ينظر بها الفرد إلى الجماعة، وملموس بربط نظرة الفرد بالجماعات الاجتماعية تجريبيا، أي عمليا وواقعيا، والهدف من هذا الربط تحقيق التوازن بين البنية الذهنية للمبدع والبنيات الذهنية للجماعات الاجتماعية، ويظهر هذا في قول غولدمان: " كل توازن بين البنيات الذهنية للفاعل من جهة والعالم من جهة أخرى، يوصل إلى وضعية يمكن فيها للسلوك البشري أن يغير العالم، فيجعل هذا التوازن القديم ناقصا، ويدفع بالتالي إلى إيجاد توازن جديد "، ويتضح من خلال هذا القول أن " تغيير العالم " يستدعي التوافق بين قضايا الأديب وبين قضايا مختلِف فئات المجتمع، نظرا لانتماء الأديب إلى نفس المجتمع، وعليه فإن مبدع الرؤية إلى العالم يتخذ طابعا جماعيا، ويقول غولدمان في هذا الصدد ـ متحدثا عن الفكر ـ بأنه: " ليس سوى مظهر جزئي من واقع أقل تجريدا : هو الإنسان بكليته، وهذا الإنسان ليس سوى عنصر جزئي من مجموعة هي الطائفة الاجتماعية، وكل فكرة وكل أثر لا يكتسب دلالته الحقيقية إلا عند دمجه في مجموع حياة معينة ومجموع تصرف معين " ، لكن على الرغم من ذلك فإن دور الأديب مهم في خلق هذا التصور (الرؤية إلى العالم)، ويتمثل في الصياغة الفنية للأعمال الأدبية التي تنقل الرؤية من مستواها التجريدي إلى مجالها الملموس المادي، بمعنى أن تلك الخصائص الفنية التي يوظفها المبدع في عمله الأدبي، هي التي تعبر عن أقصى ما تطمح إليه الجماعة، وذلك بواسطة الكتابة، أي أنها تنقل  التصورات الذهنية من التفكير إلى التعبير، فكلما كانت هذه الوسائل الجمالية منسجمة كلما أدى ذلك إلى اكتمال شكل رؤية العالم، وكلما أدى أيضا إلى التعبير عن آمال ومطالب الجماعات الاجتماعية.

من أهم مكونات الرؤية إلى العالم هما "الوعي الكائن" و"الوعي الممكن"، فما يجمع بين الطبقات الاجتماعية هو إحساسهم بالظرفية الاجتماعية المزرية التي يمرون بها في الحاضر وسعيهم إلى إيجاد حلول لهذه المشاكل في المستقبل ، ويمكن القول بأن الوعي الكائن هو وعي تجريبي وواقعي يهتم بما هو ملموس ومادي، وهو ليس وعي ثابت وإنما متحرك ودينامي يتولد عنه وعي ممكن، وهو وعي ذهني افتراضي لأنه مرتبط بزمن لم يصل بعد وهو المستقبل؛ وعليه فإن هذا الوعي يبقى مجرد أمل قد يتحقق وقد لا يتحقق، إلا أن حضوره في الرؤية للعالم يعتبر أمر ضروري فهو جوهر هذه الرؤية، وهو الذي يبرز الغاية منها وهو تجاوز التوازن القديم وإيجاد توازن جديد.

ـ مفهوما الفهم والتفسير

إن مفهوما الفهم والتفسير يعتبران من أهم الخطوات المنهجية التي حددها لوسيان غولدمان في بنيويته التكوينية؛ ذلك لأنهما يقومان بدور كبير في دراسة العمل الأدبي في جانبيه الجمالي الشكلي (الفهم) والاجتماعي المضموني (التفسير).

ـ أولا: مفهوم الفهم

يرتبط هذا المفهوم أساسا بدراسة العمل الأدبي في ذاته ووصف عناصره وبنياته وكذا العلاقات الأساسية التي تتشكل البنية من صيرورتها، فلوسيان غولدمان ينص في مرحلة الفهم على فصل العمل الأدبي عن علة الوجود أي عن المعطيات الاجتماعية والتاريخية والسياسية والإيديولوجية، لكن هذا الفصل متعلق بمرحلة الفهم فقط، وعليه فإن الناقد في هذه المرحلة موجه نحو الاهتمام بالنص ولا شيء سواه والبحث عن كل ما يساعد في إنتاج المعنى العام لهذا النص، وهذا لا يتحقق إلا باستخلاص بنيته وذلك من خلال تتبع كل جزء من أجزاء البنية ثم دراسة العلاقات التي تربط بين الجزء والكل وهذا لا يتم إلا بمقاربة داخلية ومحايثة للنص أي من خلال التفتيش في نسقه البنيوي، وبهذه الخطوات يتمكن الناقد من استنباط المعنى العام للنص ومعرفة مدى التحام أجزاء النص بعضها ببعض وإدراك دور هذا الالتحام في تشكيل البنية الدالة للعمل الأدبي، فتحليل أي عمل أدبي يجب أن يتجه في المقام الأول إلى بنية العمل الداخلية وفهمها، لأن الغاية من مرحلة الفهم ـ حسب غولدمان ـ هي إبراز البنية الدالة للعمل الأدبي، وعليه فإن أهم مبدأ يقوم عليه مفهوم الفهم هو مبدأ "المحايثة"، فمن خلال هذا المبدأ استطاع لوسيان غولدمان أن يتجاوز "السوسيولوجيا المبتذلة" كما يسميها والتي تعتمد في دراستها للأعمال الأدبية على المعطيات الخارجية التي أدت إلى إنتاج هذه الأعمال دون الالتفات إلى خصوصيتها باعتبارها قائمة أساسا على تشابك وترابط وانسجام مجموعة من الأجزاء والعناصر بعضها ببعض وهذا ما يمنحها قيمة فنية وخصوصية ذاتية.

إن الدراسة الداخلية أو المحايثة تختلف بين "المنهج البنيوي اللغوي" وبين "البنيوية التكوينية"، فالمنهج البنيوي التكويني يكتفي بالإشارة إلى ضرورة الاهتمام بالنسق الكلي للنص دون أن يمتلك وسائل إجرائية لدراسة هذا النسق، ولوسيان غولدمان نفسه في دراسته لبعض النماذج الروائية "لأندريه مالرو" في كتابه " من أجل سوسيولوجية الرواية " وظف في مرحلة الفهم المبادئ المنطقية العامة للتفكير، مثل: (المقارنة، الانسجام، التناقض.....) وعليه فإن الناقد البنيوي التكويني في فهمه للنص الأدبي يلجأ كثيرا إلى ذوقه وحدسه بخلاف ما نجد في البنيوية اللغوية إذ إن النقاد الذين ينتمون إلى هذا المنهج يوظفون قواعد محددة في دراستهم لبنية النص الأدبي، لذلك فإن الدراسة التي يدعو إليها غولدمان في مرحلة الفهم هي دراسة " حدسية " وليست دراسة "علمية " مثلما نجد في البنيوية اللغوية، ومهمة الناقد في مرحلة الفهم هو البحث عن الطرائق والسبل التي توصله إلى استخراج بنية النص وذلك من خلال تتبع كل عنصر من عناصر النص ومحاولة جمع أكبر قدر من المقولات المتواترة في النص من أجل الوصول إلى البنية العامة، وبما أن الهدف من مرحلة الفهم هو إبراز البنية الدالة فإن الناقد لا يجب أن يعطي أهمية خاصة للنوايا الشعورية للمؤلف، بمعنى أنه لا ينبغي أن يهتم بالعوامل الخارجة عن النص بل يجب عليه أن يدرس البنيات الداخلية للنص وأن يتحرى درجة الانسجام والتوافق أو الوحدة النوعية فيها، أي إعطاء الأولوية في مرحلة الفهم للعناصر التي تميز الفعل الأدبي كالخصائص التعبيرية واللغة وكذا الأسلوب البنائي وكل ما له علاقة بالبناء الداخلي للنص الذي أُهمل من قِبل السوسيولوجيا التقليدية، لذا يمكن القول بأن الفهم درس أدبي؛ لأنه ملازم للعمل الأدبي ومتعلق به ولأن وظيفته الكشف عن مميزات النص الداخلية التي تجعله مستقل بشكل نسبي عن العالم الخارجي، فالدراسة البنيوية التكوينية لا تقف عند مرحلة الفهم فقط بل إن هذه العملية تعد خطوة أولى لمرحلة لاحقة وهي مرحلة التفسير، بمعنى أن الفهم ليس إجراء مستقل بذاته وإنما هو منفتح بطريقة جدلية على خطوة ثانية يحتاج إليها الفهم وهو التفسير، فتلك المقولات المتكررة في النص التي تستخلص من مرحلة الفهم ناتجة عن البنيات الذهنية التي تشكل في نظر غولدمان ظواهر اجتماعية وليست ظواهر فردية، لذلك فإن فهم هذه المقولات لا يكتمل بالدراسة المحايثة للنص فقط بل يجب ربط هذه المقولات المتلاحمة بالعوامل الخارجة عن النص التي أدت إلى إنتاجها، وهذا لا يتحقق إلا بواسطة بحث على غرار البحث البنيوي التكويني، وقد استطاعت البنيوية التكوينية من خلال مفهوم الفهم أن تعيد الاعتبار للأعمال الأدبية حيث نظرت إلى بنيات هذه الأعمال من زاوية جمالية وفنية أي أنها دخلت إلى أعماق هذه الأعمال ولم تكتف بالجانب السطحي فقط كما فعلت من قبل النظريات السوسيولوجية التقليدية، مثل نظرية "الانعكاس".

 ـ ثانيا: مفهوم التفسير

إن الهدف الأساسي من هذا المفهوم هو إبراز ما للمجتمع من دور في صياغة المجال الأدبي أي أن دوره متعلق بالعوامل الخارجية التي أدت إلى إنتاج العمل الأدبي، وتعتبر هذه العوامل في نظر لوسيان غولدمان " البنى الشاملة التي تحلل صيرورة البنى الجزئية "  والناقد في مرحلة التفسير وبعد أن استخلص البنية الدالة للنص من خلال مرحلة الفهم يجب عليه أن يُدرج هذه البنية ضمن بنيات أوسع وأشمل تتضمن البنية الأدبية وهي البنى الاجتماعية بمعنى يجب أن ينظر إلى البنية الأدبية باعتبارها وظيفة لبنية اجتماعية أوسع منها، والتفسير يُمكن الناقد البنيوي التكويني من الوصول إلى الدلالة الموضوعية للبنية الأدبية من خلال ربطها بالعوامل الخارجية التي أنتجتها، لكن هذا لا يعني السقوط في الانعكاس الآلي، كما هو الشأن في المنهج الاجتماعي في شكله الماركسي، لأن العلاقة بين البنية الأدبية والبنية الاجتماعية ـ بحسب غولدمان ـ ليست مادية ملموسة بل " تمر عبر البنيات الذهنية " وهذا هو جوهر الاختلاف بين البنيوية التكوينية والاتجاهات الاجتماعية السابقة، وبما أن لوسيان غولدمان تجاوز هذه الاتجاهات فإن نظرته إلى تفسير النصوص الأدبية تختلف، فنظرية الانعكاس كانت ترى أن البنى الاجتماعية هي التي تحدد ماهية البنى الأدبية لكن دون أن تكون هناك دراسة داخلية لبنيات النصوص الأدبية وذلك لأن هذه النصوص هي مجرد استنساخ وانعكاس آلي للمجتمع، في حين أن غولدمان يدرس أولا البنى الأدبية ثم بعد ذلك يمر إلى مرحلة التفسير من أجل الإجابة عن سؤال ما هي الأسباب التي أنتجت البنى الأدبية؟

إن التفسير هو محاولة لإلقاء الضوء على البنية الأدبية من خلال مقارنتها مع إحدى بنيات رؤى العالم الموجودة لدى الطبقات القائمة في المجتمع وذلك بهدف إثبات مظاهر التماثل والانسجام بين البنيتين الأدبية والاجتماعية، وما ينتج عن هذه المقارنة بين البنيتين أن الصلة بين الإبداع والمجتمع ليست مباشرة ولكنها تمر عبر البنى الذهنية، ومن خلال مرحلة التفسير تكتمل معالم الدراسة البنيوية التكوينية؛ لأنه يُمَكِّن الناقد من إدراك التناظر والتماثل بين البنية الأدبية والبنية الاجتماعية وكذلك معرفة كيف يتم توليد البنية الأدبية عن طريق البنية الأعم وهي البنية الاجتماعية، وبما أن غولدمان يرى بأن التفسير مرتبط بما هو خارج عن النص، فإن وظيفته الأساسية هو البحث عن الفاعل فردا كان أو جماعة وهو في الإنتاجات الثقافية ـ حسب غولدمان ـ يكون دائما جماعي، وهذا يحيلنا على أن الناقد لا يجب أن ينطلق في تفسيره للنصوص الأدبية من نوايا الفرد بل يجب أن يأخذ بنظر الاعتبار الجماعات الاجتماعية باعتبارها هي المبدع الحقيقي للنص، وعليه فإن تفسير البنية الدالة لا يكون إلا اجتماعيا في نظر لوسيان غولدمان ؛ لأن العمل الأدبي هو أولا وقبل كل شيء نوع من الإشباع الفكري والفني لتطلعات الطبقات الاجتماعية لذلك فإن الناقد في شرحه للعمل الأدبي يجب أن يلجأ إلى هذه الجماعات، وعليه فإن التفسير ـ بوصفه خطوة أساسية في تحليل النص من الخارج ـ هو الذي يؤكد انتماء منهج لوسيان غولدمان إلى سوسيولوجيا الأدب، لكن يجب التنبيه إلى شيء مهم هنا وهو أن التفسير لا يستنفد النتاج؛ لأن العمل الأدبي في نظر البنيوية التكوينية لا يُستنفد بالتفسير أو بالفهم وإنما يكتمل بهما معا، ومن هنا يتبين مدى ارتباط مفهوم الفهم بمفهوم التفسير إذ لا يمكن الفصل بينهما؛ لأن " التعريف بالموضوع المراد تفسيره يتعلق بالفهم كعمل أولي، ومن جهة أخرى يصبح الفهم شبه مستحيل دون وجود عدد معين من المعطيات السوسيولوجية "، وقد عبر لوسيان غولدمان عن وحدة المفهومين والعلاقة التكاملية التي تربطهما حين قال: " إن التفسير والفهم ليسا عمليتين ثقافيتين مختلفتين بل عملية واحدة ترد إلى إطارين مرجعيين "، غير أن ما يجب الإشارة إليه هنا أن كيفية توظيفهما في دراسة العمل الأدبي تختلف، فالفهم هو دائما محايث للنص يتعلق بدراسة البنى الداخلية للعمل الأدبي، في حين أن التفسير يهتم بدراسة العوامل الخارجية التي أنتجت النص أي أنه دائما خارج عن العمل الأدبي.

ـ البنيوية التكوينية في النقد الروائي بالمغرب

ـ حميد لحمداني: (الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي)

من أهم التجارب النقدية المغربية التي تَمثلت البنيوية التكوينية، كتاب حميد لحمداني "الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي"، وقد سوَّغ لحمداني اختياره للبنيوية التكوينية منهجا لدراسة الرواية المغربية، في قوله بأن: " المنهج البنيوي التكويني يعبر عن مستوى متقدم بالنسبة للمناهج السابقة في فهم يقترب من الروح العلمية لطبيعة العلاقة الموجودة بين الإبداع والواقع الاجتماعي والإنساني، وأنه يستوعب جل جهود أنماط النقد الأدبي المعاصر بما فيها الاتجاه البنيوي الحديث، ويترك نفسه مفتوحا على إمكانية الاستفادة من الدراسات الجمالية التي تهتم بالبنى الداخلية للأعمال الأدبية "، ومن خلال هذا النص يتضح لنا أن للحمداني تصور خاص للبنيوية التكوينية، حيث يعتقد أنها قابلة للانفتاح على مناهج ونظريات أخرى وخاصة النظرية البنيوية.

يتضح تمثل حميد لحمداني للبنيوية التكوينية من خلال أربع نقاط أساسية حددها لوسيان غولدمان في كتابه " من أجل سوسيولوجية الرواية "، غير أن هذه المرتكزات وإن كانت تحيل بشكل ضمني إلى منهجية غولدمان إلا أنها في الواقع لا تشكل سوى عنصر جزئي من الخلفيات والمبادئ العامة التي ترتكز عليها البنيوية التكوينية كما حددها لوسيان غولدمان، وهذه المرتكزات هي كالآتي:

ـ أولا: أن الأدب يمثل وعيا جماعيا، أي أنه يضم مجموعة من الطبقات الاجتماعية التي تتطلع إلى تحقيق التوازن في وعيها الكائن، وهذا يستدعي القول بأن الأدب هو تعبير عن درجة عالية من الانسجام بين طموحات الفئات الاجتماعية التي منها يصوغ المبدع رؤيته إلى العالم.

ـ ثانيا: أن الصلة بين الإبداع والواقع ليست مباشرة وإنما تمر عبر البنى الذهنية، وهذا يتطلب أن تكون البنيات الأدبية الدالة مناظرة للبنيات الذهنية الجماعية، ومن هنا تتجلى أهمية مفهوم التناظر أو التماثل في الحد من السيطرة المطلقة للمجتمع على الأدب.

ـ ثالثا: أن الرؤية إلى العالم ليست من ابتكار الفرد وإنما من إبداع الجماعة وذلك نظرا لما تتطلبه هذه الرؤية من مجهودات ذهنية كبيرة، ولهذا السبب يشترط أن يكون هناك انسجام بين المبدع والجماعة التي تنبثق منها هذه الرؤية.

ـ رابعا: أن الإنتاج الأدبي يحتوي على وعي جماعي وهذا الوعي يتم إعداده ضمن السلوك الشامل للأفراد المشاركين في الحياة الاجتماعية والاقتصادية....، بمعنى أن هذا الوعي ناتج عن تشابك وترابط مجموعة من الأوعية الفردية التي تنتج لنا وعيا جماعيا.

إن الطريقة التي نقل بها لحمداني هذه المرتكزات هي طريقة تقوم على أساس النقل الحرفي، كما أن الصياغة اللغوية لهذه الأفكار أفقدتها الكثير من المعاني التي قصدها لوسيان غولدمان، فصحيح أن لحمداني بهذه الطريقة حاول أن يتصرف في النص الأصلي وفقا لفهمه الخاص إلا أن هذا التصرف لا يجب أن يكون تعسفا على النص الأصلي.

إن سوء التصرف الصادر عن لحمداني ناتج عن أخطاء في الترجمة وهذا راجع أيضا إلى سببين وهما الحذف والتحريف، فبالنسبة للحذف فكثيرا ما لجأ الناقد إلى حذف بعض الكلمات التي تحمل دلالة خاصة في نص غولدمان، ومن مظاهر الحذف التي مارسها في كتابه مثلا أن لوسيان غولدمان يتحدث في نقطه الأربعة التي وظفها لحمداني عن وعي جمعي واقعي ومعطى، في حين أن الناقد لحمداني حذف كلمة معطى، كما أن غولدمان يصف لنا هذا الوعي باعتباره حقيقة دينامية، بمعنى أن هذا الوعي ليس ثابتا وإنما متحرك ومتحول، بخلاف ما قام به لحمداني حيث حذف هذه الصفة رغم ما تحمله من دلالة بالغة الأهمية في سياق كلام غولدمان، أما في ما يتعلق بالتحريف فيتمثل أساسا في ترجمة لحمداني بعض المصطلحات الرئيسية في البنيوية التكوينية، مثل ترجمة مصطلح              structure mental إلى بنية فكرية، وفي الأصل يُترجم إلى بنية ذهنية .

لقد حاول حميد لحمداني من خلال كتابه أن يوظف البنيوية التكوينية من أجل دراسة الأعمال الروائية المغربية انطلاقا من أهم مفهوم عند لوسيان غولدمان وهو مفهوم  "الوعي"  الذي يعد النقطة المركزية التي تتأسس على إثرها البنيوية التكوينية، فقد تحدث عنه غولدمان في مجموعة من أعماله وخاصة في كتابيه: " الإبداع الثقافي في المجتمع المعاصر " و "العلوم الإنسانية والفلسفة "، لذلك فإن عملية تطبيق هذا المفهوم يجب أن تكون دقيقة، ولحمداني في كتابه لم يُوفق كثيرا في تمثل هذا المفهوم فقد وظف مفهوم الوعي توظيفا عاما وكأن هذا الوعي نوع واحد فقط، في حين أن غولدمان في حديثه عن الوعي يميز بين أنماط من الأوعية، مثل: (الوعي الكائن، الوعي الممكن، الوعي الضمني، الوعي الجمعي....)، وكل وعي من هذه الأوعية له دوره الخاص المنوط به داخل منظومة البنيوية التكوينية، وعليه فإن إقصاء لحمداني لهذا التنوع في الأوعية سيُفرز صعوبة في عملية التمييز بين نوعية الفئات الاجتماعية التي تعد أنواعا مختلفة من الأوعية والتي لها الدور الأساسي في تشكيل الأوعية الجماعية الموجودة في المجتمع المغربي .

لقد أوضح لحمداني في مقدمة كتابه أن تحليله للرواية المغربية كان تحليلا بنيويا تكوينيا ويعود إلى إطار بعدين أساسيين:

ـ أولهما: يدرس النص ولا شيء سواه؛ حيث يهدف إلى استخلاص البنى الداخلية للأعمال الروائية والبحث عن الوسائل الفنية المميزة للنصوص الروائية التي حللها الناقد.

ـ ثانيهما: يرتبط بما هو خارج عن النص؛ إذ يهدف إلى وضع البنيات الأدبية المستخلصة سلفا ضمن بنيات أوسع وأشمل وهي البنيات الاجتماعية.

إن الدراسة التي نص عليها لحمداني تعتمد على عمليتي: الفهم والتفسير، أي تعتمد على أهم الأصول المنهجية التي حددها لوسيان غولدمان في بنيويته التكوينية، غير أن ما قام به لحمداني في مرحلة الفهم يحتاج إلى إعادة نظر، حيث لجأ إلى  "تطعيم" المنهج البنيوي التكويني ببعض التقنيات والوسائل التي توظفها البنيوية الشكلية في دراستها لبنيات الأعمال الأدبية، ويظهر هذا في قوله: " إن ما نجده من ملامح التحليل البنيوي في هذه الدراسة إنما هو استلهام لبعض المفاهيم الأساسية الأولى التي يعتمد عليها البنيويون، وهي مفاهيم متصلة بالحقائق التي ظهرت في مجال إدراك طبيعة التعبير اللغوي بشكل عام "  إن السؤال الجوهري الذي نطرحه هنا هو هل يجوز ما قام به لحمداني من تطعيم البنيوية التكوينية بوسائل وآليات البنيوية اللغوية من أجل دراسة العمق الداخلي للنصوص الروائية مع العلم أن هناك اختلافا جذريا في مفهوم البنيوية بين المنهجين، فالدراسة الداخلية في البنيوية التكوينية هي دراسة حدسية تعتمد على آليات ذهنية، مثل: (التركيب، التفكيك، التأويل، الانسجام، التناقض....)، بينما الدراسة البنيوية في البنيوية الشكلية تخضع لقوانين علمية مستمدة من القواعد التي وضعها دوسوسور في كتابه "دروس في اللسانيات العامة"، كما أن مفهوم البنية أيضا يختلف، فالبنية في المنهج البنيوي منغلقة على نفسها وثابتة غير متحركة، في حين أن البنية في المنهج البنيوي التكويني تتميز بالدينامية فهي مرنة، فكيف يزعم لحمداني بأنه يتمثل المنهج البنيوي التكويني الجدلي وهو يدرس البنيات الداخلية للأعمال الروائية المغربية من منظور ثابت وسكوني مغلق، هذا بالإضافة إلى أن الرواية التي اتخذها لحمداني موضوعا لدراسته تعبر عن فئات متعددة من المجتمع، أي أن بنياتها تتميز بالحركية والتنوع، وعلى هذا الأساس فإن بنية الرواية لا يمكن دراستها إلا من منظور بنيوي تكويني، وليس من خلال رؤية سكونية ثابتة مثلما يدرس المنهج البنيوي اللغوي العمق الداخلي للأعمال الروائية.

وقد أرجع لحمداني استلهامه العام للتحليل البنيوي إلى كثرة الروايات التي درسها في كتابه، كما قال مدافعا عن اختياره المنهج البنيوي في دراسة البنى الداخلية للنصوص الروائية المغربية  " ومع ذلك فإن الدراسة الداخلية التي قمنا بها للأعمال الروائية حاولت أن تتقصى قدر الإمكان وفي حدود ما تسمح به طبيعة البحث، أهم العناصر التي يمكن أن تشكل نسقا داخليا يسمح بفهم رؤى المبدعين وتصوراتهم للواقع الاجتماعي الذي يعيشون فيه "، كما اعتمد حميد لحمداني ـ حسب قوله ـ طريقة مميزة في دراسته البنيات الداخلية للأعمال الروائية، إذ تعامل مع كل رواية باعتبارها وحدة فنية قائمة بذاتها .

على الرغم من بعض الهفوات التي وقع فيها حميد لحمداني إلا أن دراسته تعتبر من أهم التجارب النقدية العربية والمغربية خاصة التي حاولت أن تتمثل المنهج البنيوي التكويني تمثلا واضحا، وذلك على اعتبار أن التجارب السابقة كانت تبدو غامضة المعالم، في حين أن لحمداني صرح في مقدمة كتابه على أنه سيبني دراسته للرواية المغربية على أعمدة المنهج البنيوي التكويني.

خاتمة

لقد استطاع غولدمان من خلال بنيويته التكوينية أن يُخلص الأدب من سيطرت العوامل الخارجية عليه، إذ بعد ما كانت دراسة الأدب ـ في المنهج الاجتماعي التقليدي ـ مقتصرة على تحديد مسببات الإبداع وخاصة الاجتماعية، مثل: (العوامل السياسية والتاريخية...)، حيث كان يُنظر إلى الأدب من منظور كمِّي، انتقل الوضع مع لوسيان غولدمان الذي ابتكر تصورات جديدة متطورة تجاوز من خلالها النظرة الآلية للأدب، فقد اعتبر أن العلاقة بين الأدب والواقع ليست علاقة واضحة وسهلة، بل إنها تمر عبر عمليات ذهنية معقدة تتمثل في مفهوما البنية الدالة والرؤية إلى العالم، وعليه فقد تم إعادة الجانب الكيفي في دراسة الأدب مما مكّن من خلق توازن بين الظاهرة الاجتماعية من جهة، وبين الأعمال الأدبية من جهة ثانية، وما يُؤكد هذا التوازن مفهوما الفهم والتفسير، فالأول إجراء نصِّي يهتم بتحليل بنيات النص الداخلية فهو يستهدف دراسة جماليات النص الأدبي، أما الثاني فهو إجراء خارج نصِّي، إذ يركز على البحث في العوامل الخارجية للنص، وخاصة العوامل الاجتماعية.

لقد شكلت أطروحات لوسيان غولدمان هاجسا لدى النقاد العرب عامة، والمغاربة خاصة، فقد وظفها مجموعة من النقاد المغاربة على أجناس أدبية مختلفة، وبالخصوص الجنس الروائي، مثلما نجد في تجربة حميد لحمداني التي نحن بصدد تقديمها، وما يمكن القول عن تَمثل لحمداني للبنيوية التكوينية أنه لجأ إلى " المنهج التكاملي "، حيث حدد منذ البداية اختياره للبنيوية التكوينية كأساس معرفي ومنهجي لتحليل الرواية، غير أن المنهج البنيوي التكويني في دراسة لحمداني هذه يُشَكل الإطار العام، لكنه لا يفرض وجوده لوحده فحسب، بل هو قابل للتكيف والانفتاح على مناهج أخرى.

 

الاسم والنسب: صلاح الدين أشرقي

طالب باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول بالمغرب

...........................................

الهامش

 

1)ـ مناهج النقد المعاصر، صلاح فضل، ميريت للطباعة والنشر ـ القاهرة، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 58

 2)Lucien Goldman – introduction aux premiers écrits de Lukacs -in- ¨Théorie du roman¨ -Ed- Gonthier – Paris 

 p: 156 -157      

 نقلا من: في نقد المناهج المعاصرة : البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة ـالرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص:19

 3)P.Zima , manuel de sociocritique ; picard ; paris ; 1985 ;p :93

 نقلا من:  مدارات القراءة : تفسير القراءة من مداخل العلوم الإنسانية، محمد مريني؛ دار كنوز المعرفة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 2015م / 1436مـ، ص:  15

4)Lucien Goldman ,Microـ structures dans les vingt ـcinq premières répliques des Negres de jean ـgenet,in structures mentales et création culturelle  p : 341

نقلا من: المرجع السابق، مدارات القراءة، ص: 160

5)ـ نظريات معاصرة، جابر عصفور؛ دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1998م، ص: 14

6)ـ في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة ـ الرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص : 19

7)ـ نفسه، ص : 20

8)ـ البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، لوسيان غولدمان وآخرون، ترجمة جماعية، مراجعة الترجمة، محمد سبيلا؛ مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1986م، ص: 48

9)Pour une sociologie du roman , Ed ـGallimard ـparis 1964 p : 338

نقلا من : المرجع السابق، في نقد المناهج المعاصرة، ص:20

10) L . Goldman , le dieu cache ـtel Gallimard ـparis 1976 p :16

نقلا من: المرجع السابق، في نقد المناهج العاصرة، ص: 20

11)ـ الفكر النقدي الأدبي المعاصر : مناهج ونظريات ومواقف، حميد لحمداني، الطبعة الثانية، 2012م، ص : 71

12)ـ إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق، محمد خرماش؛ مطبعة آنفو ـ فاس، الطبعة الأولى، 2002م، ص: 39

13) L.Goldman ـ introduction aux  premiers  écrits de Lukacs p : 158

نقلا من: في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص:21

14)ـ النقد الروائي والإديولوجيا، حميد لحمداني؛ المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1990م، ص: 68

15)ـ الفكر النقدي الأدبي المعاصر: مناهج ونظريات ومواقف، حميد لحمداني، الطبعة الثانية، 2012م، ص: 73

16)ـ نفسه، ص: 73

17)ـ البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، لوسيان غولدمان وآخرون، ترجمة جماعية، مراجعة الترجمة، محمد سبيلا؛ مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، الطبعة الثانية، 1986م، ص: 53

18)ـ إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق، محمد خرماش؛ مطبعة آنفو، فاس، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 28

19)ـ المرجع السابق، البنيوية التكوينية والنقد الأدبي، ص: 45

20) L. Goldmanـ  introduction aux premiers écrits de Lukacs, p : 158

نقلا من: في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص: 22

21)ـ نظريات معاصرة، جابر عصفور؛ دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 1998م، ص: 129

22)ـ الفكر النقدي الأدبي المعاصر: مناهج ونظريات ومواقف، حميد لحمداني، الطبعة الثانية، 2012م، ص: 73

23)ـ النقد الروائي والإديولوجيا، حميد لحمداني؛ المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1990م، ص: 67

24)ـ إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق، محمد خرماش؛ مطبعة آنفو، فاس، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 26

25)ـ نفسه، ص: 29

26)ـ جاك لينهارد، قراءة سياسية لرواية الغيرة، ص: 21

27)ـ لوسيان غولدمان، من أجل سوسيولوجية الرواية، ص: 232

28)ـ الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي: دراسة بنيوية تكوينية، حميد لحمداني؛ دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1985م، ص: 14

29)ـ في نقد المناهج المعاصرة: البنيوية التكوينية، عبد الرحمن بوعلي؛ مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، الطبعة الأولى، 1994م، ص: 35

30)ـ نفسه، ص: 35

31)ـ نفسه، ص: 36

32)ـ نفسه، ص: 36

33)ـ نفسه، ص: 37

34)ـ نفسه، ص: 37

35)ـ إشكالية المناهج في النقد الأدبي المغربي المعاصر: البنيوية التكوينية بين النظرية والتطبيق، محمد خرماش؛ مطبعة آنفو، فاس، الطبعة الأولى، 2001م، ص: 85

36)ـ الرواية المغربية ورؤية الواقع الاجتماعي: دراسة بنيوية تكوينية، حميد لحمداني؛ دار الثقافة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 1985م، ص:14

37)ـ نفسه، ص: 15

38)ـ نفسه، ص: 15

 

 

 

1260 عبد الجواد الخنيفيقراءة في ديوانه الجديد: "أبتسم للغابة"

أصدر الشاعر عبد الجواد الخنيفي ديوانه الموسوم بـ: "أبتسم للغابة عن منشورات أدباء الشمال عن مطبعة الخليج العربي بتطوان.

هي التجربة الثالثة للشاعر الخنيفي، بعد الخيط الأخير عام 2007 وزهرة الغريب سنة 2014. وهو كاتب وباحث وإعلامي من مواليد شفشاون، عضو اتحاد كتاب المغرب.

يقع الديوان أبتسم للغابة في مئة وتسعة صفحة من الحجم المتوسط، وقسم إلى ثلاث فصول تحمل عنوانا مختلفا:

- الفصل الأول:أقف هنا وأحلم ويحتوي على إحدى عشرة قصيدة.

- الفصل الثاني: ضوء خفيف ويشمل إحدى عشرة قصيدة بدروه.

- الفصل الثالث: مايليق بالصمت ويضمن بين ثناياه خمسة عشرة قصيدة.

- الفصل الرابع: أوتار يحتوي على خمسة عشرة قصيدة.

ويحتوي الديوان ثلاثة وأربعون قصيدة.

سأحاول قراءة الديوان قراءة دلالية إشارية تنهل من سيميائية تقلب الأشياء عن حقائقها وتعيدها إلى أشياء أخرى، وذلك لتوظيف القرائن التي جاءت في متن الديوان.

الفصل الأول: أقف هنا وأحلم ويحتوي على إحدى عشرة قصيدة.

من شرفة قطار الكلمة البهية يبتسم الشاعر إلى غابته الساحرة وهو يسافر بأجنحة الخيال وينصرف بالمتخيل نحو عالمه العجائبي. يركب السحاب ويخطو ببطء لينهمر بمطر لغته الخاصة به. يقرع طبول القصيدة والروي بجهات أربع شاعرية. يسابق فراشة تطير وتشتعل بحب ويأس وتترك نهاره الشاعري مفتوحا على كل طرق التأويلات. يفتح نافذة القصيدة ليطل على شعر بورخيس مسافرا على صهوة حصان يوقظ كلام الحديقة ويحاكي ظل المقاطع الشاعرية. يعبر كياسمين يرسم على شفتي نهر شعري وشاعري.بعذوبة يرسم للحالمين تاج حب مشرق بثغر إبتسامة نهار راكض نحو الحياة التي تخذلنا بمكائد العيش. ببستان مفعم بالكلم البهيج يشحذ شاعرنا ماء عشب من موانيء غريبة وينصت.

فمن يصدق الشاعر في هواجس يومه ولا في براعة يده وهو يقبض سحابة مهاجرة. ولا حيث يعبر غجر دروب وردة على أنغام موسيقى بعيدة. من يصدق يدا تنام في مكان آخر وتسأل بإلحاح. من يصدقها لو مات تراب بنهر صديق ونامت شمس في معطف هذه اليد الساحرة.

يشعل الديوان فراغا يطل على شاعره خفية من مكان ما، يملك قلبا مسجى بحناء براري قبائل. وهو يطل على شريان يترقب قبل دعس غنجه.

يزركش عبد الجواد رثاؤه للراحل عبد الحميد يدر رمز جمعية المعتمد بن عباد بشفشاون الذي اغتصبه الموت بشكل غير معلن. رثى الشاعر هذا الرحيل الصادم، وبقي في يده غيمة برائحة نهر. صاحب رحل كهواء محبين.حتى أن الحزن أصاب كل المدينة. عبد الحميد ذو أخلاق عالية يفتح أبوابه للجميع. لكن أحبائه سقطوا سهوا بعد رحيله. وهم يأسفون على ضحكته الفسيحة التي تتبع حلما ما بقي من الحقيقة. فرحيل هذا الصديق العزيز جعل كل الأقلام تجف بعد موت الأمل بموته. فشكرا لعبد الحميد لأنك هنا.

الفصل الثاني: ضوء خفيف ويشمل إحدى عشرة قصيدة بدروه.

 

يغرز الشاعر مخالب شعره ويصفع نجمات الليل داخل دولاب القلب. يعشق متاهته فلكل شاعر متاهة وإلا أصيبت القصيدة بعقم ما. يرسم بوجوه الحروف ضحكة للنجوم وللبحر ويتحدى أسوار الصمت.

يلبس معاطف الأصدقاء ليكتشف طريقا تخفي أسراره.يتشبت بصدفة ما ليسال الرمل عن منفى محتمل له. يبحث الشاعر في كل كلمة، كل قصيدة وكل ديوان عن وردته الغريبة بين معاطف الأصدقاء.

بالمقهى يسرق الندى مكيدة وصباحا يترصد يوما يهتف مع صباحه.فلا بأس من مقهى لحصد قليل من أمل وقليل من ألم.

يتغزل الخنيفي بمتعة كشاعر جاهلي يستقبل سهام الحب الفاتك. فلا شيء يقوله للعشاق الذين يحملون النهر وينتصرون لليل. الشاعر عاشق على رأسه غيمة تدفأ. فمن يقوى على النظر بعين واحدة.فالعشاق أطفال يلاحقون الضوء.ويتغزل مرة أخرى بأيدي الفاتنة التي تستطيع فعل معجزات كثيرة.

في الأخير يكتب- يلتقط قصيدة-صورة بعين الفنان الشفشاوني في مجال التصوير الضوئي أحمد بالأمين العلمي الذي نعيش معه تفاصيل خروج صورته المميزة بمختبر القصيدة على أفق وردة وعزف قلب فرح لرؤية الجمال في صوره البانورامية الشهيرة والتي فاز بها بجوائز عدة.

الفصل الثالث: مايليق بالصمت ويضمن بين ثناياه خمسة عشرة قصيدة.

ما بين حقيقة وحلم الكتابة الشعرية يتلصص الشاعر على الحياة ويغوص بزرع الغيمة وشهوة الصباح. فظفائر الشجرة ضاعت، وسط غابات تصفر بظل وحيد وجائع.يليق بالصمت إذن ليل مدجج بالقبل يرثي ويصاحب الفراشات التائهة باليوم.يمر وجه الشاعر بزحام الحياة ويغوي الحروف على عشب الساحة. يرتل لنا وصية الجدة التي أسلمت يدها للسماء.

الفصل الرابع: أوتار يحتوي على خمسة عشرة قصيدة.

برقص الشعراء بحثا على الآخر بقلب أوتار عزف منفرد تعكس صورتها المرايا التي ثرثر وهي تمتد في الأعالينحو البحر.للأم أغنية أمل تروي صداقة بالحياة، تهرب من الظل القميء للبشاعة في دفتر القلب. يقلب الشعراء باصرار بأوراق الفصول لتذكر ما والميل والاقتراب أكثر نحو أعمدة السماء التي تعزف تقاسيم طويلة تفتح الحياة وتخيط الكلام ونراقب سقوط الخريف الذي يعلمنا السقوط بدون أجنحة.

اعتمد شاعرنا على تلمس الإيقاع بنوعيه داخل متون القصيد بمولوده الجديد، حيث تظهر معالم الإيقاع الداخلي في اعتماده على القافية في بعض الأحيان كما في هذا المقطع حيث حرف الميم يمس نفس السامع:

فما كنا المطر

تحت الغيم النائم

وما كنا الوقت

الذي تناثر في الخرائط والأرحام

وتفعيلة يعتمدها الشعر الحداثي المعاصر التي تنوء ببساطة للوصول إلى قلب المستمع. كما أن الحروف والكلمات التي استقاها تتوزع بين الحروف اللينة والحروف الصوتية التي تجلجل في الأذن(حرف الحاء، وحرف الراء مثلا) وكلمات تتكر ر بعينها (المطر، قوس قزح، الظل، غروب، صمت، نهار، ليل...)

واتكأ على الإيقاع الخارجي فانتهج أسلوب التكرار الصوتي كما في قصيدة: هواء الغجر

لا تصدقوا يدي

حين تلمس سحابة

حيث تكرر المقطع الذي استهل به القصيدة:

لا تصدقوا يدي

بطريقة أنبأت عن إشكالية الصدق والكذب التي تم تطبيقها على عضو هام بالإنسان وهو اليد. فلا تصدقوا يدي المكررة كثيرا في استهلال كل مقطع حققت موسيقى ناعمة كأنها سؤال استنكاري عميق.لقد تحقق التجانس بين الألفاظ عبر خيوط الديوان التي ناسبت أبعاد كل قصيدة على حدة.

التوازن الصوتي الذي حققه: أبتسم للغابة يركن إلى لعبة الإصطياد الموسيقي للكثير من أسلحة الشاعر التي يغذى بها عبر معيشه ويومه. فالشعر تركيبة تمزج العديد من العناصر بشكل متفاعل أهمها:

- اللفظة: التي تم اختيارها بشكل واعي وذات جرس وتوحي بالكثير.

وجهان يحرثان الكأس

على الكونتوار.

فالكأس التي (تحرث) كأنها أرض خصبة تظهر العناية التي يبديها شاعرنا للفظة وسياقها.

- التركيب اللغوي: والمعتمد على الطلاوة الرواء، وكذا السلاسة في التعبير، والوصول إلى(الحكبة الشعرية) التي تتسلح بسلامة نحوية وصرفية. كما أن شاعرنا يقوم بتكثيف دلالي ليحصر طاقة الشعري ويرمي النثري جانبا.

عينها سهم يفتك بدمي،

وومض أصوات

تصادق خطى النهار،

فانهض قليلا

وأوقظ بلادا لا تنام

أوقظ فراشة بيضاء

هو إذن مقطع غزلي يعتمد على تركيبات لغوية مختلفة، وتميز واضح بسلاسة وسهولة تصل إلى قلب القارئ.

- التعبير المجازي: الذي ابتعد عن المجانية والابتذال، ولم يسقط في المباشرة والخطابية، وكانت المعاني الإضافية كظلال تؤطر المعنى الأساس. فلا بأس من أن نتشارك في استكشاف الفحوى الخلفي للنص الذي يحتوي على قدر من الرموزالمستشفة من خلال التأمل.

فعين القلب أنقى

وعين الروح أبقى،

وكلاهما بحر يضيق

وموج غريق

فالموج هنا غرق داخل بحر ضيق كأنها علاقة حب أو تماس دلالي معبرة بين الطبيعة في تجلياتها الكبرى.

فكثيرا ما تقتادنا رائحة المجاز إلى مكمن ذي طبيعة لغوية خاصة، حيث يتربص الشعر، وتتناسل وسائله، وتزداد الفتنة الشاعرة اتقادا. هكذا كان الجاز ويكون صنو الشعر وقرينه، إنه بداية النار أو شرارتها الأولى حيث تندلع نحيلة متناثرة بين حجرين، ومن جهة أخرى، قد نرى نصوصا كثيرة لا يشكل المجاز عصبها الأساس، ومع ذلك فإن لها قدرة هائلة على التأثير، أي تجسيد موضوعها، أو الإفصاح عن رؤيها الخاصة، بطريقة استثنائية إلى حد كبير.

- الصورة الشعرية: تتفر فيها الحركة، وذلك بتحول الفعل اللغوي والمعنى الذهني التجريدي إلى صورة حية، شاخصة ومرئية أو مسموعة أو محسوسة.مع مراعاة التشبيه بالكناية والإستعارة والتورية والتشبيه التثيلي الذي يجشم المشهد الحسي والشعوري، دون الإكثار من التشبيه الإعتيادي المعروف.

تمشي وحيدا إليها

وتمشي إليك ثلاثا:

يدها على خدك

والثانية على فمك

والثالثة ضلت طريقها

إلى خصر الجسر

لتلاحق مرايا الغدير.

- الخيال: فعبد الجواد قادر على ربط المتشابهات بين الطرفين أو أكثر من الظواهر الإنسانية والطبيعية. ويملك خيالا مجنحا، يبعدنا عن الواقعية التي يتطلبها الموقف الملتزم. فالخيال يهب الأفكار عمقا، وجمالا ويوسع مساحات المعاني وأحجامها، وتعدد أوجهها. وبذلك يخدم اللفظة، والتركيبوالصورة بدينامكية وحيوية متناميتين. فلتوقد الذكاء ولدقة الملاحظة أهميتهما في الإلتفات إلى ما هو غير مألوف، ومن هنا يتأتى الإبداع الذي يبعث في نفوس المتلقي الإعجاب والنشوة الشعرية.

أفكر بالنهر

حينما يعزف بقلبه المفتوح

على رايات الأمكنة

ويعلق على قبعات العشب

اقواس قزح

وأقواس فرح.

- العاطفة: وهي مجمل مشاعر وأحاسيس ناجمة عن موقف إنساني، وهي رد فعل لداخل الشاعر نحو (الخارج) والأنا الشاعرة نحو (النحن) أو الذات إزاء كل موضوع على حدة. فالشعر مفعم بغنيائيته ووجدانيته ومفعم بعنصر العاطفة كمقوم أساس.

قالت جدتي

حان وقت الذهاب

وأسلمت يدها للسماء

راية طاهرة.

- الموسيقى: لاعب الخنيفي حاجز الموسيقى بين ماهو شعري ونثري، واعتمد موسيقى خارجية نجمت عن المتحرك والساكن، وعن تركيبة التفعيلة، وعن الأزمان الصوتية الناجمة عن تنويعات شعرية مختلفة.وموسيقى داخلية ناجمة عن تآلف المفردات وتصادي حروفها، وانسراب التراكيب على اللسان من مقطع إلى نهايته.

- وضرورة الموسيقى في الشعر كموسيقى تصويرية يتشربها التوزيع السمفوني بشكل خاص، تصدر عن تنظيم انفعالي داخلي، وبالتالي حمل هذا الانفعال إلى قرائح الآخرين وقلوبهم، ليحدث فيها نفس الهزة الأصل عن طريق التوصيل إلى المتلقي.. بذلك(أي بالإيقاع والموسيقى) تجتاز الأفكار مشبعة بالعواطف المؤثرة الحواجز الزمانكانية، فتكسب الفكرة صفة الإنتشار. وهي صيرورة متجددة في نسقها الجمالي تنبش في الكلمة الشاعرة الجميلة.

عبد الحميد

كنت تفتح بابا ولا تغلقه..

كنت تسأل أثرا على الجدار

هو ما تبقى من ليل يخيط الليل..

وعن بلاد استوطنها لاعبو الحبال والأغاني

ونحن نسقط سهوا

من عقارب الساعة.

كانت في جيبك ضحكة فسيحة

تتبع الحلم لتصدق ماتبقى من الحقيقة!

في هذه المقاطع نجد الشاعر يبث فيها مايعانيه في نفسه، من حرقة رحيل أحد أبناء المدينة وعضو جمعية المعتمد بن عباد الأستاذ عبد الحميد يدر الذي غدرته سهام المنية ذات فجيعة. كأن الشعر ملجأ الأحزان عند عبد الجواد، يشكوه مصابه.

 إن عملية التوصيل الشعري أشبه بعملية البث اللاسلكي، حيث يقف الشاعر في مقابل أجهزة البث، ويتحول الصوت والصورة من كيان مسموع ومرئي إلى طاقة كهرومغناطيسية، وتتحول الفكرة إلى كلمة، ويتحول الإحساس إلى نغم ايقاعي(وزن)، وكذا يمكن اختزان الصوت في أجهزة التسجيل، والاحتفاظ بالصورة في أجهزة، كذلك يمكن الاحتفاظ بالفكرة-الكلمة والإحساس-الوزن عبر الدواوين.

الجمالية: إن الجمال من الموضوعات التي تطرقت لها الفلسفة بحثا وشرحا وتأملا. إذا كانت الفلسفة تناولت الجمال من حيث التنظير والتجذير كغاية مستهدفة وكموضوع، فإن الشعر بالخصوص اعتبر الجمال وسيلة مساعدة على إحداث المتعة وانبعاث الفرح والإعجاب. وكل هذا لأجل خدمة الفكرة والشعور، فالجمال في الشعر له صفة المعايشة. وضرورة الجمال الشعري فلاستقطاب ولاحتواء وللخزن. فكما أن الزهرة تمغنط الفراشة بألوانها وتجذبها بعطرها، فكذلك ينجدب الذوق الإنساني الرفيع إلى الشعر.

أبتسم للغابة، يضخ بمعالم إستيتيكية عبر صفحاته، وهو ينبش هنا وهناك، ليصل إلى صور بيانية وحياتية مفعمة بنض الحياة وتحارب القبح.

ختاما، نضيف قولنا إلى قول رولان بارث الذي أشار إلى أن الكتابة تحيل إلى الوظيفة الإجتماعية، فهي اللغة الأدبية التي تم تحويلها من قبل مصيرها الإجتماعي أما الكلام فيمثل سلوك الفرد، بتوهجه الجسدي والنفسي والصوتي، وكأن الشاعر عبد الجواد يضع ديوانه أو قصيدته في تماس عميق بين الكلام والكتابة، وهو تماس يجسد، بمعنى من المعاني، تماسا بين الفردي والإجتماعي، وبين الشفاهي والمكتوب.

 

عزيز ريان

 

محمود سعيدمسرحية صغيرة الحجم، كبيرة المعاني، واقعية العرض والتصوير، ذات دلالات مباشرة، تتسلل إلى قلب القارئ بهدوء وسلاسة، فلا يُحس بتطفلها، ويتفهمها حالاً، ويُخيّل إليه لبساطتها وسهولة مراميها كأنه يعرفها، قد اطلع عليها من قبل، لكنها لا تركن إلى ذلك، بل تستفزه بقوّة، كأنها مرآة ينظر فيها إلى صورته، فيصرخ حالاً ومن دون تفكير، أو إعداد لكلماته: «آه أهكذا نحن قبيحون؟ أهكذا نحن مرضى؟ أإلى هذا الحد نخرنا الجذام والأوبئة؟ أهكذا مسخنا؟

إنها صرخة الحقيقة التي تستفزك فتجعلك تفكر، ثم تفكر فلا تجد نفسك إلّا مع المحتجين الشباب، المنتفضين في ساحة التحرير العراقية، وفي المبنى المتروك المطعم التركي، أو في شارع الحمرا في بيروت. إن اعترفنا أو تمادينا في جهلنا، واستغفال ذكائنا، فذلك لا يغير شيئاً من حقيقة أننا متخلفون، تافهون، مازلنا غارقين في الفساد، ومازلنا نزحف في أعقاب أمم كنا نصبو لتجاوزها، لكنها ظلت أبداً أمامنا.

مدرسة ابتدائية للمعوقين، معظم الأطفال مصابون بالمنغوليا والتوحّد، وهذان المرضان لا شفاء منهما، لكن تأثيرهما يخفّ بالتعليم، والتوجيه، والرعاية منذ الصغر، ويمكن أن يعيش المريض بأحدهما حياة عادية إن توافر التعليم الدؤوب والعناية الفائقة والحنان.

المدرسة في مدينة مجهولة في المغرب العربي، لكن المعلم غير مجهول في وسطه، ومدينته، بل حتى في قطره وخارجه، فهو فنان مشهور تعرض لوحاته في أهم معارض المدينة، وفي بعض الدول الأوروبية أيضاً، إذ يزوره وكلاء تسويق اللوحات الفنية من أوروبا.

الفنان فقير لأنه لا يعرف فنون تسويق لوحاته ونفسه، وهذه ليست مشكلة عويصة، فهو يستطيع العيش سعيداً مع مورد قليل، لكن المشكلة تتعقد إن عرفنا أنه محاصر من جميع الجهات. صاحب الشقة التي يسكن فيها ضيق عليه العيش والحياة، منعه أولاً من استقبال أي أنثى، بغض النظر عن التي تقصده، مادام اسمها غير مذكور بعقد التأجير فسواء أكانت أم، أخت، قريبة، بعيدة، لها علاقة بفنه، ترتبط بعلاقة في عمله، فهي امرأة وهو رجل فاللقاء حرام وممنوع. الموسيقى والغناء ممنوعان ممارسة وسماعاً، فلو نسي الفنان لحظة ما، ورفع صوت الراديو، أو التلفزيون على الموسيقى، فسيتزلزل المكان على صاحبه، ربما تتداعى الأركان، ينهار السقف، تهدم الشقة، وبدلاً من محاسبة المهندس وصاحب المبنى وتوجيه اللوم لهما وتأنيبهما لبنائهما الشقق بعيب فاضح، أي بحيطان رقيقة تسرّب الأصوات، ولا تمنع سماعها في الطرف الثاني، لذلك ينصب اللوم والتأنيب والتهديد بالترحيل على الزبون الساكن المسكين، عليه أن يخضع قابلاً بالشقة وعيوبها، وألا يرفع صوت الموسيقى، لأنها تحرف صاحب الشقة المجاور عن ذكر الله، وتصيب زوجته بتغيرات وتوترات وخيالات يبعد انتباهها عن التركيز في صلاتها. البيئة التي يعيش فيها الفنان عادة تتكون من بيته ومحل عمله، وعلاقاته العامة، وها نحن نرى أن بيته أصبح جحيماً بتدخل المالك، بغرض المحافظة على العادات والتقاليد في منع، قيام الفنان بعلاقات عاطفية مع أي فتاة، واستغلاله للموسيقى لتنغيص حياته، وأغلب الظن أنه وجد مؤجراً للشقة بثمن أعلى، إن الضغط على الفنان بهذه الطريقة يعني من دون شك إبعاد تركيزه على فنه. وهذا يشوش عليه، فيحد من إبداعه، ويقلل من جودته، ولكي يحافظ على مستواه عليه أن يبذل جهداً أكبر.

حين أدرك صاحب العقلية الراكدة أنه لم يحقق غرضه، أقنع المديرة بالتهديد تارة، وبالضغط أخرى أن يلغي دروس الفن كلية، فالفن في نظره «يشوش عقول الأطفال وإن أهالي الأطفال لا يفضلون تربية أبنائهم على الفن».

هذا من جهة، أما من الجهة الأخرى فإن مضايقات الفنان لم تنته بعد، فمديرة المدرسة التي تحتفظ بعلاقات وثيقة مع جهات تمول المدرسة في أوروبا لإسباب إنسانية، لأن المدرسة تهتم بالمعوقين، في بلد لا يفرق بين المعوق والصحيح، ويترك المعوق في عوقه، من دون أن يبذل أي جهد في علاجه، وكأنه خلق ليعيش كما هو حتى يموت ويتلاشى. هؤلاء المعوقون استجابوا للعلاج، وتحسنت أوضاعهم، وبدؤوا يدركون ما معنى الرسم والنحت، وما فائدة الكتابة، ثم تغلغل التعليم واللحن في داخلهم، فأخذوا يتفاعلون بجد مع أستاذهم، وطفقت بذرة الفن تتفتح في نفوسهم الغضة، لكن كل هذا مهدد بالزوال، أو الانتهاء لوجود أستاذ يعلم الدين والتراث في المدرسة. معلم لا يرى في ما يتعلم الطلبة المعوقون أي فائدة، فما فائدة الرسم والموسيقى والكتابة لطفل ذي تطور محدود، سرعان ما يتوقف؟

معلم الدين أخذ يفكّر ويخترع معضلات وعقبات ما أنزل الله بها من سلطان، يضعها في طرق الفنان المجد، كي يبعده عن هدفه. ويشغله بمشاكل مسلسلة، فبدأ بالإلحاح على فصل البنين عن البنات، إذ لا يجوز في عرفه وشرعته أن يجلس الجنسان على رحلة واحدة حتى لو كانا في عمر جد صغير، ست سنوات أو أكثر قليلاً، وفي حقيقة الأمر خضع المعلم الفنان لهذه العقبة، فالغاية عنده أن يعلّم الطلبة، ويسقي النبتة الصغيرة حتى تتفتح وتزدهر.

وحين أدرك صاحب العقلية الراكدة أنه لم يحقق غرضه، أقنع المديرة بالتهديد تارة، وبالضغط أخرى أن يلغي دروس الفن كلية، فالفن في نظره «يشوش عقول الأطفال وإن أهالي الأطفال لا يفضلون تربية أبنائهم على الفن».

ولم يفد تذكير المديرة لهذا المتخلف بأن الأطفال حققوا في دروس النحت والرسم تقدماً لا يمكن تجاهله، فهذا لا يهمه، لكنها بزيادة إلحاحه رضخت ثانية فهي لا تحب أن تغلق المدرسة أبوابها باستمرار دروس الفن، عندئذ انتصر معلم الدين نصرا مؤزراً، فبإلغاء درس الفن ضرب عدة عصافير بحجارة واحدة.

الفنان لم يكترث، لأنه يمارس فنه ويتقاضى من بيعه ما يستطيع أن يمارس لعبة الحياة وسط حياة متلاطمة، لكن منغصاته لم تنته، وهو لا يأبه لوجودها بل يقاومها ما أمكنه ويحاول القفز عليها. لذلك استمر بالمشاركة بالمعارض المهمة داخل المدن، كبيرة أم صغيرة، فوجدت بعض لوحاته إقبالاً، وإعجاب وكلاء القاعات في البلد وفي أوروبا، فجاءه غير واحد منهم بغية شراء لوحاته، منهم صاحب غاليري مشهور في باريس، واتفق معه على مبلغ مرض، لكنه أبدى جشعاً واضحاً، فأجبره على أن يدفع الثلث والباقي بعدئذ، لكنه لم يبقَ على كلامه، فأراد أن يقتطع ثمن التحويل إلى أوروبا، وهو مبلغ كبير، ثم أخذ يتحجج بأن سحب أكثر من 300 دولار غير مسموح به، وأخذ يغير رأيه مرة بعد مرة ليستقطع من الفنان قدر ما يقدر ويضعه في جيبه.

ولكثرة العقبات أخذت أحلام اليقظة تنتاب الفنان، فمرة يرى نفسه مع ميكائيل أنجلو، وأخرى مع النبي موسى وثالثة مع سيلفيا بلاث أو بيكاسو، أو فان غوخ، وغيرهم، هؤلاء العظماء يأتون إليه، ويعايشونه ويتفاعلون معه ما يجعلنا نعتقد أنه تجاوز معوقات المجتمع بكافة أنواعها ودرجاتها، وأنه بات في الطريق الصحيح.

هذه المسرحية تعطينا انطباعاً بأن مجتمعاتنا الفاسدة تحتاج إلى هزة قوية حقيقية كالمظاهرات التي تسود العراق ولبنان الآن، وأنها لا يمكن أن تحقق أهدافها من دون رجات قوية، تسقط السائد الملتبس الفاسد الذي يعشش فيه الظلم والتبعية. إنها تضع النقاط على الحروف. فالاكتفاء بإلقاء الضوء على الواقع السيئ، وتعريته لا يلغيه، ولا يغيره بوضع أفضل، وإنما يجب النضال لإزالته بشتى السبل، وبغير ذلك يبقى الواقع سيئاً، وينحدر من سيئ إلى الأسوأ إلى أبد الدهر، فالبشرية تكافح منذ عشرات آلاف السنين من أجل إلغاء استغلال القوي للضعيف، لكنها لم تنجح سوى فترات ضئيلة، في مجتمعات ضيقة.

زينت صفحات المسرحية بلوحات جميلة للفنان المغربي العراقي طه سبع، معـبرة عن أساطير وقضايا فنية قديمة وحديثة أجمل تعبير.

 

محمود سعيد

 

فالح الحجيةاما في بداية القرن العشرين فقد تغيرت الامور وطبعت بطابع التحرر والانطلاق والدعوة الى الثورة على كل ما خلفه الاستعمار من اوضاع ومفاسد. وطبع الشعر بطابع التجديد فتوسعت افق افكار وخيالا ت اغلب الشعراء بعد اطلاع بعضهم على الاداب الغربية والعالمية والتأثر بالشعر العربي القديم الذي بدأ ينتشر من جديد في ظل حركة ادبية بدأت تتحرك وتتحرر لتشمل كل البلاد العربية تقريبا ومن الشعراء من اوجد شعرا جديدا فتحرر من قيود القافية كما هو الحال في الشعر الحر الذي ظهر حديثا في الشعر العربي ومنه هذه السطورللشاعر بدر شاكر السياب :

بابا .. بابا.. ينساب صوتك في الظلام إلى كالمطر الغضير

ينساب من خلل النعاس وأنت ترقد في السرير

من أي رؤيا جاء؟ أي سماوة؟ أي انطلاق؟

وأظل أسبح في رشاش منه، أسبح في عبير

أن أودية العراق

فتحت نوافذ من رؤاك على سهادي

كل واد

وهبته عشتار الأزاهر والثمار

كأن روحي

في تربة الظلماء حبة حنطة

وصداك ماء أعلنت بعثي

يا سماء:

هذا خلودي في الحياة

وكذلك اطلاع الشعراء العرب على الفن المسرحي الغربي اوجد الشعر التمثيلي وهو محاكاة للمحادثة في القديم كما في شعر عمر بن ابي ربيعة في الغزل وغيره كثير .

فالشعر الموزون المقفى ويدعى بالشعر التقليدي او الشعر العمودي  لانه تقليد للشعر القديم وامتداد له وكذلك اطلق عليه بعض النقاد (الشعرالتقييدي ) لانه مقيد بالوزن والقافية . فالشعر التقليدي هو هذا الشعرالموروث الذي نظم على موسيقى بحر معين من البحورالشعرية الستة عشر ولزم روي واحد وقافية واحدة فالقصيدة فيه وحدة متماسكة من حيث البناء كانها بيت واحد واغلب الشعر العريي الحديث من هذا النوع يقول شوقي :

ولد الُهدى ، فالكائنات ضياء

وفم الزمان تَبَسّمٌ وثناءُ

الروح والملأ الملائك حوله

للدين والدنيا به بُشراء

والعيش يزهو، والحظيرة تزدهي

والمنتهى والسِّدرة العصماء

والوحي يقطر سلسلاً من سَلْسَلٍ

واللوح والقلم البديع رُواء

يا خير من جاء الوجود تحية

من مرسلين إلى الهدى بك جاءوا

يومٌ يتيه على الزمان صباحُه

ومساؤه بمحمد وضاءُ

ذُعِرت عروش الظالمين فزُلزلت

وعلت على تيجانهم أصداء

نعم اليتيم بدت مخايل فضلِه

واليتم رزق بعضه و ذكاء

يا من له الأخلاق ما تهوى العلا

منها وما يتعشق الكبراء

لو لم يُقم دينًا ، لقامت وحدها

دينا تضيء بنوره الآناء

زانتك في الخُلُق العظيم شمائلٌ

يُغري بهن ويُولع الكرماء

يا أيها الأمي، حسبك رتبةً

في العلم أن دانت بك العلماء

لقد حافظ الشعراء على اصالة عمود الشعر العربي وموسيقاه واوزانه وسيبقى كذلك عمود الشعر مهما اختلفت الاغراض والفنون الشعرية واساليب الشعراء وهو الذي له القدح المعلى والجو الانسب على امتداد الوطن العربي لان الاذن العربية جبلت عليه واستساغت سماعه وموسيقاه واستسمجت كل انواع الشعر الا اياه ومن هذاالنوع من الشعرهذه الابيات للشاعر انور العطار :-

انا الفاتح السمح منذ القدم

ولولاي كان الوجود العدم

نشرت على الكائنات الضياء

وانقذتها عن عوادي النغم

وتراءى لي الوطن المستثا ر

وقد عانق السيف فيه القلم

وما الخلد الا اعتناق السيو

ف وخوض الحتوف وصب الحمم

اما الشعر التمثيلي فهو فن طارئ على الادب العربي اقتبسه العرب نتيجة اتصالهم بالغرب وتاثرهم بهم من خلال البعثات الثقافية والترجمة واطلاع بعضهم على ما يجري او يعرض في المسارح الغربية فقد اطلع الشعراء العرب على حركة المسارح الغربية وما يعرض فيها مما كتبه الادباء الغربيون من مسرحيات شعرية مثلت على المسارح فاقدم البعض من شعرائنا على محاكاتهم بدافع حب التشابه فنظمت مسرحيات تمثيلية شعرية باللغة العربية نظموها شعرا اونثرا .

وقد نجح هذا النوع من الشعر في اول بداياته الا انه ركد اومال الى الركود مع مرورالزمن وقد كانت اغلب الروايات الشعرية مستقاة مادتها من التاريخ ومن اشهر من كتب في هذا النوع من الشعر واوجده من الشعراء احمد شوقي وعزيز اباظة من مصر و خالد الشواف من العراق وغيرهم .

وهذا مقطع من مسرحية – كليوباترة - شعر احمد شوقي :-

\ تتأمل كليوباترة في وجه الجريح -

كليوباترة :

اه نطونيو  حبيبي         ادركوني  بطبيب

ماترون الارض تروى  من دم  الليث الصبيب

ابتي اين قوى  طبك     والسحر    العجيب

هو في اغماءة  الجر  ح  فنبهه   بطيب

هو يفتح   عين     يه  ويصغي لنحيبي

اما النوع الاخر للشعر العربي فهو الشعرالحر او شعر التفعيلة وفيه يعتمد على تفعيلة واحدة من التفاعيل الحرة من الاوزان الشعرية التي اوجدها الخليل الفراهدي البصري وذلك بتكرار هذه التفعلية في السطرالشعري بما يتمم المعنى دون النظرالى الوزن على ان لا يقل السطرالشعري عن تفعيلة واحدة ولا يتجاوز التسع وكذلك وجد من شعراء المهجر من دعى الى الثورة على العمود الشعري القديم المتمثل بالقافية الواحدة والبيت الشعري الواحد المتكون من شطر وعجز في تنسيق متسق وبحر واحد أي متساوي التفاعيل الوزنية في البيت الواحد في الشطر افي العجز و موحد الموسيقى الشعرية للبيت الواحد بحيث تكون كل القصيدة مهما طالت ذات تفاعيل محددة الوزن ضربها الموسيقي واحد لا تخرج عما رسمه الشعراء العرب منذ عصر الجاهلية الى اليوم  فدعوا الى التحرر من هذه القيود فنظموا شعرا خرجوا فيه عن هذا المالوف في الوزن الموسيقي للشعر العربي وكذلك لم يلتزموا بالقافية الواحدة في القصيدة وتحررمن القافية الوزن فقيل له (الشعرالحر) مع العرض ان كثيرا من قصائد الشعرالحر التزمت التفعيلة الواحدة في النظم فسمي (شعر التفعلية) والاخر لم يلتزم بتفعلية ولا روي ولا قافية فسمي بقصيدة النثر حيث انه اقرب ما يكون اليه .

فالشعر الحر اشبه بثورة على الشعر القديم او الشعر العمودي في بناء القصيدة فتخلص مريدوه من نظام الشطر والعجز وابتعدوا عن النظم بالعمود الشعري المتسق المتناسق في البناء وظهرت منازعات بين رواد الشعر العمودي (التقييدي) الذين اعتبروا الشعر الحر ضرب من ضروب النثر وانه نقص في شاعرية الشاعر او في اذنه الموسيقية اخرجته عن المالوف وبين رواد الشعرالحرالذين يعتبرون الشعر الحر من متطلبات العصرالحديث يقول الشاعر صلاح عبد الصبور وهومن اوائل رواد الشعرالحر :

جنوب .. ياجنوب

يامرتع الظباء

ياموئل الحبيب

يازهرة ً فواحةً

تحبها القلوب

جنوب أرضك كالجنان

ملأى بأنواع الحنان

وثراك مسك أدفر

ورباك من حب الجمان

والناس في صحرائك

كالورد في الروض المصان

ومن المعلوم ان ترد المعاني على ذهن الشاعر كما ترد على ذهن أي إنسان اخر الا أن استقبالها عند الشاعر وانفعاله بها وانعكاسها على نفسيته وتفاعلها في شعوره واحساسه يختلف اختلافاً كبيراً عما عند الآخرين . وتعبير الاديب عنها يختلف عن تعبير الاخرين لانه يمتلك ذوقا وحسا اغنى مما يمتلكه الاخرون في هذا المجال و يستطيع بهذا الاحساس وذلك الذوق ان يلبس هذه المعاني الواردة اليه ثوبا قشيبا وحللا من الجمالية لا يستطيع سواه ان ياتي بمثلها و يتم له ذلك من طريق مقدرته على اختيار اللفظة المناسبة ذات الجمالية الاسمى والتآلف بين الحروف بما يمكنه من اختيار التعبير الاقرب الى النفس والاعم والاشمل والافضل فتاتي هذه الصورة الشعرية رائعة بجماليتها وانتقائها وهذا ما يؤكده قول الجاحظ رحمه الله :

(أن المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في صوغ القالب اللفظي المعبر عنها) .

فشعراء العصر الحديث ورثوا تركة شعرية مهدمة في بنائها فنزعوا عنها ما رث وقدم  والبسوها الافضل والاسنى وصاغوا تراث العصور المتهالكة او المظلمة قبلهم بما يلائم العصرالحديث واستعان متأخروهم بمعاني ما قرأوه من آداب الأمم فجاءت معانيهم اسمى في الجمالية والجودة . وربما تناول الشعراء المعنى التافه وربما تناول أحدهم المعنى المبتذل فطوره في اسلوبه فالبسه الجدة والجمال وليس المهم أن تكون المعاني جديدة انما ربما يكتفي الشاعر بتناوله المعنى القديم فيجلوه في تعبيرجديد ويلبسه ما هو اسنى وافضل وفي ذلك اقول :

وشذى القداح في اغصانه

فتضوعت  اجواؤه  بأقاح

وتجملت اوراقه ببياضه

فتعانقت انداؤه  بصباح

فعطوره اخاذة  لقلوبنا

مثل الفرات فياضة بصراح

وعلى الغصون تفرقت حباته

اوراقه اشو اقنا بنجاح

حتى كأن الطير يهمس شوقه

فتغردت اصواته بصداح

*  *  *

امير البيان العربي

د. فالح نصيف الكيلاني

العراق - ديالى - بلدروز

 

صلاح الدين اشرقيشعلة ابن رشد لأحمد المخلوفي أنموذجا

مقدمة: يعتبر مفهوم التهجين من المفاهيم الرئيسية في نظرية الرواية لدى "ميخائيل باختين" وقد تحدث باختين عن هذا المفهوم ـ في البداية ـ في مجال اللسانيات اللغوية، فأساس التهجين لساني لغوي، ويظهر هذا الطرح بشكل واضح، في كتاب "الماركسية وفلسفة اللغة" إذ تحدث باختين في هذا الكتاب عن التراكيب اللغوية ودلالاتها وعن خطاب الغير الذي يُؤثر في الدلالة التركيبية اللغوية ويساهم أيضا في بناء النص الروائي تركيبيا، فهذه الأفكار وغيرها تدل على أن كتاب الماركسية وفلسفة اللغة هو المؤسس لحوارية ميخائيل باختين ولمفهوم التهجين أيضا، لكن من وجهة نظر لسانية لغوية، وبعد ذلك ظهرت كتب عديدة أسس من خلالها باختين نظرية الرواية، من بينها: كتاب "الخطاب الروائي"، فقد نقل باختين أفكاره من اللسانيات إلى ميدان النقد الروائي، واختار الرواية متنا أو جنسا أدبيا لتطبيق أفكاره حول التهجين والحوارية، وعليه ظهر ما يُسمى الآن بـ "الرواية البوليفونية" التي كسَّرت قواعد ومعايير الكتابة الروائية الكلاسيكية على مستويات عدة، مثل: (الرؤية السردية، الزمان، المكان، الأسلوب، الرؤى الإديولوجية، والشخصيات..) التي هي مناط اهتمامنا في هذا البحث.

لقد تأثر بهذه الأفكار الجديدة في الكتابة الروائية مجموعة من الروائيين في العالم العربي، من بينهم: " أحمد المخلوفي " صاحب رواية " شعلة ابن رشد " التي نحن بصدد تحليل ظاهرة " التهجين " فيها على مستوى الشخصيات والعوامل، وتعتبر هذه الرواية من الروايات البوليفونية بامتياز، حيث مزج الروائي بين عناصر عديدة ومختلفة، فما هو مفهوم التهجين؟ وما هي مكوناته؟ وكيف حضر التهجين في شخصيات رواية شعلة ابن رشد لأحمد المخلوفي؟ 

ـ تصورات باختين حول مفهوم التهجين.

ـ نقد أفكار الشكلانيين والأسلوبيين.

قبل التطرق لمفهوم التهجين في ذاته من اللازم استحضار نقد باختين لتصورات الشكلانيين والأسلوبيين، إذ من خلال هذا النقد سيُؤسس مفهوما جديدا في ميدان النقد الأدبي وبالضبط في مجال " النقد الروائي "، وهو مفهوم "التهجين"، فقد رفض باختين طريقة تعامل الشكلانية مع النصوص الأدبية حيث ركزت على شعرية النص الأدبي وخصائصه الشكلية، من خلال اعتمادها على الألسنية التي اقترحت وسائل علمية دقيقة لتحليل النص الأدبي من الداخل بوصفه وِحدة، وفي نفس المسار جاءت الأسلوبية ـ في بداياتها الأولى ـ بتحليل بنيوي للنص وذلك بالتركيز على الأسلوب واللغة، متوخية استجلاء التناغمات الفردية الكامنة وراء أسلوب الشاعر أو الكاتب، فكلٌّ من الشكلانية والأسلوبية ينظران إلى النص الأدبي بوصفه وحدة دلالية، وعليه يغيب ـ في منظورهم ـ الاختلاف والتعدد الدلالي في النص الأدبي عامة وفي النص الروائي بشكل خاص، هذا النص الذي حاول باختين دراسته وَفق منظور مخالف وذلك بهدف تأسيس نظرية روائية جديدة تُؤمن بالتعدد والاختلاف، وقد اتخذ باختين من الرواية متنا لتطبيق أفكاره ونظرياته، لأن الرواية هي الجنس الأدبي الأكثر مناسبة لنظريته، فالرواية هي جنس مُهجن تتداخل فيها الأجناس وتتعدد فيها الأصوات والأطروحات والشخصيات...، فنجد فيها صوت العالم وصوت العامي، وهي أيضا مجال للصراع الطبقي بين مختلف فئات المجتمع، وتبعا لهذه "الحوارية" التي تميز الرواية لا يمكن ـ بحسب باختين ـ دراستها بوصفها نصا مغلقا أو دراستها من حيث الأسلوب فحسب، وعليه فقد سعى باختين إلى تأسيس شعرية جديدة للخطاب الروائي تُؤمن بالتعدد والاختلاف، إنها تتماشى مع طبيعة الرواية، ولم يكتف باختين بنقد الشكلانية والأسلوبية فقط، بل اقترح بديلا معرفيا ومنهجيا عندما ألح على الطابع الغيري للإبداع والتواصل، فقد أكد ميخائيل باختين على الطابع الغيري في كتابه "الماركسية وفلسفة اللغة" في فصل "خطاب الغير"، حيث يقول: "خطاب الغير يشكل ما هو أكثر من مجرد ثيمة (غرض) للخطاب، فهو قادر على أن يقتحم الخطاب، ويدخل في بنائه التركيبي، بصفته الشخصية إذا أمكن التعبير، باعتباره عنصرا مكوِّنا له خصوصيته"، من خلال هذا الكلام نستنتج أن أساس الحوارية وتعدد الأصوات والملفوظات وغيرها هو أساس لسني كما قلنا، وما يؤكد هذا الطرح محاولة باختين اقتراح طريقة بديلة لدراسة لغة الرواية وأسلوبها، إذ يرى أن الأسلوبية " التقليدية " ـ كما يُسميها ـ لا تهتم بالكلام الحي، بل بتفصيله النسيجوي وباللفظة المجردة التي هي في خدمة قدرة الفنان على التحكم والتطويع، فالأسلوبية لا تتعامل مع الرواية بوصفها خطابا حيا، بل باعتبارها وحدات أسلوبية معزولة عن سياقها التداولي، وهذه النقطة ـ بالذات ـ هي التي رفضها باختين وحاول أن يتجاوزها من خلال ابتكار تصور جديد لظاهرة الأسلوب في الرواية، إذ يقول: " إن الرواية ككل، ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت، ويعثر المحلل فيها على بعض الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة التي توجد، أحيانا، على مستويات لسانية مختلفة وخاضعة لقواعد لسانية متعددة "، ومن خلال هذه الأفكار سيؤسس باختين رؤية جديدة في تحليل الرواية، وقد تَمثل هذه الرؤية مجموعة من نقاد الرواية في العالم العربي، منهم: " حميد لحمداني " في كتابه " أسلوبية الرواية ".

ـ مفهوم التهجين بين التنظير والتطبيق.

يحتل التهجين مكانة مهمة في نظرية باختين حول الإبداع بشكل عام والرواية بشكل خاص، فمن خلال هذا المفهوم استطاع أن يقترح نوعا روائيا جديدا يُسمى حاليا بـ "الرواية البوليفونية" وهي بخلاف الرواية " المونولوجية "، ويتمثل هذا الاختلاف في مجموعة من النقاط، أهمها: (الرؤى السردية، الأزمنة، الأمكنة، الشخصيات..) فبينما تستخدم الرواية المونولوجية ـ مثلا ـ الرؤية السردية من الخلف، فإن الرواية البوليفونية توظف كل الرؤى السردية، (من الخلف، والرؤية مع، والرؤية من الخارج) فتربط بين هذه الرؤى ولا تقتصر على واحدة منها، والحال نفسه بالنسبة للعناصر الروائية الأخرى، إن هذه الأفكار تشكل جزءا من مفهوم التهجين لدى باختين، غير أن الجزء الأهم والعنصر الأساسي غي هذا المفهوم هو الجزء المتعلق بالجانب اللغوي من تعدد الأصوات وأسلبة...، وهذا يظهر بشكل جلي في تعريف باختين للتهجين، حيث يقول: " هو مزج لغتين اجتماعيتين داخل ملفوظ واحد، وهو أيضا التقاء وعيين لغويين مفصولين بحقبة زمنية، وبفارق اجتماعي أو بهما معا، داخل ساحة ذلك الملفوظ ولابد أن يكون قصديا "، من خلال هذا التعريف يتضح لنا ربط باختين التهجين باللغة، غير أن باختين يميز ـ في سياق حديثه عن أشكال الحوارية في الرواية ـ بين ثلاثة: (التهجين، حوار اللغات، الحوار الخالص)، لكن على الرغم من هذا التمييز إلا أن التعريفات التي قدمها لهذه العناصر الثلاثة تجعلهم متشابهين وبذلك يصعب التمييز بينهم خاصة من الناحية العملية، ويمكن القول إن التهجين يحوي العناصر الأخرى ويؤطرها.

ـ مكونات التهجين.

أولا: تعدد اللغات والأصوات.

يشكل التعدد اللغوي والصوتي أهم مكونات التهجين بل أساسه، لأنه ـ وكما ذكرنا ـ أن تصور باخنين حول التهجين ظهر في البداية في مجال اللسانيات واللغة، وقلنا إن كتاب "الماركسية وفلسفة اللغة" دليل واضح على هذا الطرح، فالمتصفح لهذا الكتاب يلمس هذا المعطى، حيث حاول باختين أن يُبلور تصورا لغويا جديدا مناقضا للفيلولوجيا المثالية مع "فوسلر"، والبنيوية اللسانية مع " دوسوسير " وغيره، فتحدث عن خطاب الغير، وعن التفاعل اللفظي، وعن نظرية التحدث وقضايا التركيب..، فهذه المعطيات تشكل التصور النظري لباختين حول التفاعل والتهجين بين المكونات المختلفة في الخطابات، وبما أننا نتحدث عن التهجين في الرواية فإننا سنركز على كتاب " الخطاب الروائي " بشكل أساسي، فما قام به باختين في هذا الكتاب أنه " نظَّر " لمفهوم التهجين في الرواية، فقد اختار متنا مناسبا لنظريته، فالرواية خليط من العناصر المختلفة أهمها: اللغة التي لا تحضر في الرواية كما باقي الأجناس الأدبية الأخرى، بل تتعدد وتختلف، ونلمِس هذا في التعريف الذي قدمه باختين للرواية، إذ يقول: " إن الرواية هي التنوع الاجتماعي للغات، وأحيانا للغات والأصوات الفردية، تنوعا منظما أدبيا "، يتضح من خلال هذا الكلام أننا بإزاء نظرة جديدة للتفاعل والتنوع داخل الرواية، إذ بعد ما كان يُنظر إلى التنوع من منظور إديولوجي وذلك في النظريات الإديولوجية المختلفة، حيث كانوا يعتبرون أن الرواية تعكس التنوع الاجتماعي الواقعي والصراع بين مختلف طبقات المجتمع، أما باختين فيرى أن التنوع في الرواية هو تنوع لغوي، لكنه ليس مفصولا عن المجتمع بل يُجسد التعدد الاجتماعي، فنجد في الرواية مثلا: (لغة البدوي ولغة المدني، ولغة الصِّحافي ولغة الطبيب، لغة الطبقة العالمة ولغة الطبقة الشعبية...)، بمعنى أننا نجد ـ في داخل الرواية ـ لغات متعددة ومختلفة لمجموعة من فئات المجتمع، فالسؤال الذي يمكن أن نطرحه هنا، ما الفرق بين نظرة النظريات الإديولوجية للتفاعل والتنوع في الرواية ونظرة باختين؟ أو بعبارة أخرى ما هي الإضافة التي قدمها باختين؟ ألا يمكن القول إن باختين لم يأت بجديد وأنه اكتفى بإعادة التصور الإديولوجي بطريقة مختلفة؟

إن الفرق بين التصورين يتجلى في الآتي: إن اعتبار النظريات الإديولوجية الرواية مرآة عاكسة للتعدد الاجتماعي والصراع الطبقي يُجرد الرواية من قيمتها الأدبية الفنية، حيث تصبح ـ تبعا لهذا التصور ـ خطابا تقريريا يعيد أحداث الواقع، في حين أن باختين ربط التفاعل والتنوع باللغة، وعليه أعاد الاعتبار للرواية من الناحية الأدبية، فالرواية قبل أن تكون مضمونا اجتماعيا فهي صناعة لغوية أدبية، فهذا هو الاختلاف بين التصورين، وأصل هذا الاختلاف يعود إلى طريقة التعامل مع الرواية من الناحية الأدبية.

ثانيا: الأسلبة

من عناصر التهجين عند باختين " الأسلبة " وتندرج ضمن التهجين القصدي أو "الإرادي"، حيث ميَّز باختين بين التهجين الإرادي والتهجين اللاإرادي، فالروائي يقصد إلى التهجين إراديا، لكن في الخطابات اليومية بين الناس قد يقع التهجين بغير قصد أو إرادة، والتهجين الإرادي هو المهم لكونه ذو بعد جمالي أدبي، في أن التهجين غير القصدي فإنه يظهر في شكل كلام عادي مألوف، وبالعودة إلى الأسلبة نجد أن باختين بعد أن انتقد التصور الضيق للأسلوبية التقليدية التي كانت تركز في تحليلها للنصوص على وحدات أسلوبية مفردة ومعزولة عن البنية الأسلوبية الكلية للنص، اقترح تصورا بديلا لمفهوم الأسلوب ولطريقة توظيفه في تحليل الخطابات، وخاصة الخطاب الروائي، فالأسلبة عند باختين تندرج ضمن التهجين القصدي الذي هو إحدى طرائق إبداع صورة اللغة في الرواية، وتتميز الأسلبة عن التهجين بأنها لا تحقق توحيدا مباشرا للغتين داخل ملفوظ واحد، بل الأسلبة لغة واحدة " مُحيَّنة " وملفوظة، لكنها مُقدَّمة على ضوء اللغة الأخرى، وتلك اللغة االأخرى تظل خارج الملفوظ ولا تتحين أبدا، وفي الأسلبة نجد وعيين لغويين مفردين: وعي من يُشخص (وعي المؤَسلِب)، ووعي من هو موضوع التشخيص والأسلبة، وقد وضح " حميد لحمداني " الفرق بين التهجين والأسلبة في قوله: " التهجين لغة مباشرة أ مع/ ومن خلال لغة مباشرة ب في ملفوظ واحد، الأسلبة لغة مباشرة أ، من خلال لغة ضمنية ب في ملفوظ واحد "، فالفرق يتضح في حضور اللغة في ملفوظ التهجين، وضمنيتها في ملفوظ الأسلبة، وتُعتبر الأسلبة من المكونات الأساسية التي تشكل تصور باختين حول التهجين، حيث اقترح ميخائيل باختين تصورا آخر للأسلوب، إذ يرى أن الرواية لا تُصنع بأسلوب واحد، بل إن الروائي يستعمل أساليب مختلفة يجمع بينها ليُكون أسلوبا كليا للرواية، وذلك من خلال أسلبة مختلف أشكال السرد الشفوي التقليدي أو المحكي المباشر، ثم أسلبة أشكال السرد المكتوب المختلفة نصف الأدبية والمتداولة، مثل: (الرسائل، المذكرات الخاصة...)، أسلبة أشكال أدبية متنوعة من خطاب الكاتب، مثل: (كتابات أخلاقية، وفلسفية، وخطب بلاغية...)/ ثم أسلبة خطابات الشخوص الروائية المفردة أسلوبيا، يتضح من خلال ما سبق تعدد الأساليب المُوظفة في الرواية، غير أن هذا الأمر لا يشكل فوضى أسلوبية داخل الرواية، بل إن هذه الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة تتمازج عند دخولها إلى الرواية لتُكون نسقا أدبيا منسجما، ولتخضع لوحدة أسلوبية عليا تتحكم في الكل، وهذا ينعكس حتى على تحليل الأساليب، فانطلاقا من تصور باختين تصبح المكونات الأسلوبية لا تحتفظ بوظيفتها العادية المألوفة، بل تتغير وتتبدل، فمثلا إذا أخذنا التَّكرار بوصفه عنصرا أسلوبيا بلاغيا وطبقنا عليه تصور باختين فإنه لا نكتفي بتحديد وظيفته الإيقاعية فحسب، بل يجب ربطه بالدلالة الأسلوبية الكلية للنص، وعليه فإن وظيفته الدلالية تتغير بتغير الدلالة الأسلوبية الكلية للنص الأدبي عامة والنص الروائي خاصة، نظرا لحضور الأسلبة بشكل كبير في الرواية بالمقارنة مع الأجناس الأدبية الأخرى، ويظهر هذا الطرح في قول باختين: " أسلوب الرواية هو تجميع لأساليب "، بمعنى أن الرواية هي خليط من الأساليب المختلفة التي تتمازج يبنها لتُنتج أسلوبا فريدا وخاصا.

ـ إشكال التحليل في مفهوم التهجين

لقد تحدث باختين كثيرا عن التهجين في كتب عديدة، لكن حديثه اقتصر على الجانب النظري بشكل كبير، لذلك صَعب على الباحثين والدارسين للخطاب الأدبي فهم التهجين وتمييزه عن غيره من المفاهيم الأخرى التي اقترحها باختين وتتداخل مع مفهوم التهجين، مثل: (الأسلبة)، ففي غياب أمثلة نصية مأخوذة من روايات معينة يُطبق عليها هذا المفهوم يُصبح من الصعب استيعاب التهجين وإدراكه، فالتطبيق ـ بوصفه خطوة ضرورية في أي منهج أو مفهوم ـ ذو وظيفتين أساسيتين: فهو من جهة يشرح المفهوم وكيفية تحققه في الخطابات، فالوقوف عند التنظير فقط لا يُسعف في الفهم؛ لأن المعرفة التي ينتجها النظر هي معرفة " مجردة " وليست " عملية "، وعليه يصبح التطبيق ضروريا للانتقال من المعرفة المجردة إلى المعرفة الملموسة، ومن جهة ثانية يكشف التحليل النصي مدى فاعلية المفهوم في مقاربة النصوص والخطابات، إن هاتين الوظيفتين تستلزمان التحليل لا الكلام النظري، وقد أوضح " حميد لحمداني " النقص الإجرائي في نظرية باختين حول التهجين، إذ يقول: " إن صعوبة تحديد طبيعة التهجين، على الصورة التي أوضحها باختين (...) ترجع إلى اقتصاره في مجال التطبيق على الإشارة فقط إلى أسماء بعض الروايات التي تستخدم هذا الأسلوب دون أن يوقفنا مباشرة على " مقاطع " توضح بالمعاينة كيفية تمازج اللغات في ملفوظ واحد "، يتضح من هذا القول غياب التحليل والاكتفاء بإيراد أسماء لروايات حضر فيها التهجين، وأهمها روايات " دوستوفسكي " التي اشتغل عليها باختين، لكن ما يظل مبهما لدى المتلقي الكيفية التي يتولد عنها التهجين من داخل نصوص الرواية، وعليه فإن التدليل على حضور التهجين في الروايات يستدعي مجهودا إجرائيا من قِبل النقاد المعاصرين، من خلال تحليلهم " للروايات البوليفونية " الجديدة التي تحضر فيها هذه الظاهرة (التهجين).

ـ تهجين الشخصيات والعوامل في رواية (شعلة ابن رشد) لأحمد المخلوفي

تتميز الروايات الجديدة بخاصية التهجين، حيث لم تعد الرواية ذات منحى أفقي تسير في خط مستقيم من بدايتها إلى نهايتها، كما هو الشأن في الروايات الكلاسيكية الأحادية، سواء من حيث (المنظور السردي، أو الزمان، أو المكان، أو الشخصيات..)، فالرواية المونولوجية تعكس توجها معينا يسعى الروائي إلى فرضه على القارئ، مثل: " رواية المعلم علي " لعبد الكريم غلاب، وغيرها من الروايات التي تنتمي إلى تيار الوعي، إن هذه الروايات تنم عن رؤية ضيقة للروائي، كما تكشف عن خبايا إديولوجية يسعى الروائي إلى تمريرها وفرضها على المتلقي، في حين أن الرواية البوليفونية المتعددة الرؤى والشخصيات والأصوات..، تمنح القارئ حرية الاختيار فهي تُمثل صورة للديموقراطية؛ لكونها تراعي كل تيارات وطبقات المجتمع، ومن بين الروايات المغربية الجديدة التي تنتمي إلى تيار الرواية البوليفونية، " رواية شعلة ابن رشد "، فقد قدم أحمد المخلوفي كتابة روائية جديدة تتسم بالتداخل والتهجين بين مكوناتها المختلفة.

ـ تداخل الشخصيات المرجعية التاريخية مع الشخصيات التخييلية

اعتمد أحمد المخلوفي في روايته شعلة ابن رشد كتابة روائية مختلفة عن تلك التي كانت سائدة في الكتابة الروائية الكلاسيكية، حيث جمع بين مجموعة من المكونات، مثل: (المكان، الزمان، الأسلوب...)، وإلى جانب هذه العناصر فقد لجأ الكاتب إلى تهجين الشخصيات داخل الرواية، ومن مظاهر هذا النوع من التهجين، المزج بين شخصيات تاريخية، وشخصيات تخييلية سردية، ومن بين أمثلته ما يلي: " عشت في بلاد الموحدين كمرجعية علمية وكطبيب ومستشار لا غير، ثم توليت القضاء أكثر من مرة على عهد يعقوب يوسف(...)، كل هذا في مرحلة الفتوة الأولى، وهي مرحلة تكوين وفهم وتخطيط لأوراش علمية كبرى. أما في المرحلة الثانية فقد أثقلتني المَهام حتى غَدت تشكل عائقا(...)، فجزى الله خيرا زوجتي إن هي غفرت لي إهمالي وقصوري البادي تجاهها(...)، ولم أتخفف من حدة هذا الشعور إلا بعد أن خضت في مناقشة وتحليل دور المرأة وأهميتها انطلاقا من كتابي المعروف بـ: الضروري في السياسة لأفلاطون، وكذلك حين أطلعتها عن مدى إحساسي بالذنب تجاهها فقالت لي برقتها المعهودة: لقد اعتدت الشعور بالسعادة كلما رأيتك ثملا بكتابك(...)، وأنت تحسبني قد نِمت فتناديني بصوتك العذب الفصيح: الفجر اقترب يا زينب فهيا لنصلي سويا "، يتضح من خلال هذا المقطع توظيف المخلوفي نوعين من الشخصيات: الأولى معروفة في التاريخ ومثبتة في الأرشيف متمثلة في شخص ابن رشد العالِم والمفكر العقلاني الذي عاش في الأندلس، وقد جعله الكاتب يتحدث عن تاريخ حياته في هذه الفقرة التي ذكرناها، والثانية مجهولة لدى القارئ، حيث لا يملك عنها أي معلومات تاريخية تكشف عنها، وعليه فهي شخصية تخييلية سردية، أو ورقية ليست من لحم ودم مثل شخصية ابن رشد، وتتمثل هذه الشخصية التخييلية في زوجة ابن رشد "زينب" التي هي من ابتكار الروائي فهي ترجع له بوصفه صانع السرد وصانع الحُبكات في الرواية، فقد جاء بهذه الشخصية لكي يُكمل بها قصته وليظهر براعته السردية، حيث بعد أن جعل ابن رشد يتحدث عن حياته التاريخية منذ فتوته إلى كِبره، انتقل إلى إدراج شخصية زينب ليمنح فسحة سردية تخييلية للمتلقي، ويُعتبر هذه المزج بين الشخصيات التاريخية والشخصيات السردية من مظاهر حضور التهجين في رواية شعلة ابن رشد، ومن الأمثلة الأخرى التي توضح هذا النمط من التهجين، ما نصه: " اسمع صديقي (...) لن أمضي معك في التعليق، فأنا أقر بمجمل ما ذكرته ولخصته باقتدار الكُتاب (...)، لما اغتيلت الموسيقى باسم مروان المغني الغجري المحبوب لدي، شرعت نحوي لوليتا الحسناء يسبقها نهدها وتأوهاتها الحرى لفقدان أليفها: أسرع يا ابن رشد أسرع. لقد فعلها الظلاميون هذه المرة أكبر من الأولى(...)، ثم غلبني تفكير مضطرب بتوقعات الحال والمآل. لا إنهم يريدونني أنا.. لا مروان فقط...، كان يشهق وعيني تشرق بالدمع... أسندت مانويلا رأسها إلى كتفي وتوجعت. قالت زينب وهي تنقل رأسها بلطف إلى صدرها: في صدري تجدين بعض العزاء ثم أضافت: نحن كلنا غجر، ومثلكم ندرك تماما أن الحياة بلا غناء، هي شمطاء مُعرضة للجفاف والتصحر والمحو التدريجي "، توضح لنا هذه الفقرة تمازج وتنوع شخصيات رواية شعلة ابن رشد، إذ بالإضافة إلى الشخصية التاريخية المتمثلة في ابن رشد الذي حضر بقوة في الرواية من بدايتها إلى نهايتها، لكن مع اختلاف عن الشخصية المحورية في الروايات الكلاسيكية، فالمخلوفي لا يُصرح بأسبقية شخصية ابن رشد عن غيرها، بل يترك للقارئ حرية الاختيار، على الرغم من كونه معجب بابن رشد وعقلانيته، وبالعودة إلى الفقرة الآنفة نلمِس لجوء الروائي إلى التهجين الذي يتجلى في تداخل التاريخ بالتخييل والسرد، إذ يمثل ابن رشد النوع الأول (التاريخ)، في حين تُمثل مانويلا وزينب النوع الثاني (السرد والتخييل)، فلكي يجتنب المخلوفي سرد الوقائع التاريخية عن حياة ابن رشد، ولكي لا يُتهم بأنه مؤرخ لحياة ابن رشد  لا روائي، لجأ إلى " تطعيم " شخصية ابن رشد بشخصية مانويلا وزينب في المقطع السابق، وعليه فإن الملمح الذي يدل على حضور التهجين في المثالين السابقين، هو المزج بين ما هو تاريخي وما هو تخييلي سردي، فالتهجين ـ تبعا لهذا الطرح ـ يؤدي وظيفة معرفية تعليمية وإرشادية ووظيفة جمالية سردية؛ أي " وظيفة روائية ".

ـ المزج بين شخصيات تاريخية تنتمي إلى أزمنة مختلفة

لقد حضر هذا النوع من التهجين بشكل كبير في الرواية، حيث ربط المخلوفي بين شخصيات تختلف من حيث انتماءها التاريخي، فالمحدد الأساسي لهذا التهجين، هو الزمن، إذ كسَّر الروائي الفارق الزمني وجعل الشخصيات تدخل في حوارات وكأنها من زمن واحد، ومن الأمثلة التي تدل على هذا التهجين، ما نصه: " التفت نحوه، ففاض مخزون القلب، وساحت العين في دائرة من نور غمرت الكون ببحور أسرارها... أمعنت النظر، فارتد بصري من نوره الصاعق... ثم وصلتني يده النورانية فرتبت على كتفي ملت بكلي نحوها، وشدني حلو التجلي والرغبة في رؤيته... أنا محيي الدين بن عربي، أمرت أن أشخص لك وأعينك على تحمل بلواك، ولأريك بعضا من زمني... أمسكت بالنور لمست كفا، ورأيت وجها كأنبل وأطيب ما رأيت...، قلت مولاي وشيخي.. أنا في حلم؟ رد مبتسما: دنيا المصلحين والعارفين والمختلفين... "، من خلال هذا المقطع يتبين لنا وجود حوار ثنائي بين شخصيتين: شخصية الروائي، وشخصية محيي الدين بن عربي، فالأولى تنتمي إلى الزمن الحاضر، والثانية تنتمي إلى الزمن الماضي، ويتمثل التهجين في هذا المقطع في الحوار الذي أجراه الروائي مع ابن رشد الذي جعله يبدو معاصرا له، إذ يتحدث معه وكأنه موجود في عصره، فهذا المزج والجمع بين زمنين مختلفين من أهم سمات التهجين في النص الذي ذكرناه، بالإضافة إلى سمة أخرى تتجلى في تلك الحوارية التي خلقها الروائي بينه وبين محيي الدين بن عربي، وهي حوارية افتراضية، نظرا لبعد الزمان الذي كسره الروائي وابتكر حوارا افتراضيا بين زمنه، وبين زمن محيي الدين بن عربي، وهذه هي الخاصية التي تجعل الروايات البوليفونية الجديدة أكثر عمقا وأكثر حيوية من الروايات المونولوجية التي تلتزم برؤية أحادية وشخصيات وأزمنة واحدة.

ـ تهجين العوامل في رواية شعلة ابن رشد

لم يعد مفهوم الشخصية في النظريات المعاصرة يُقصد به تلك الشخصيات التقليدية التي يُعينها الروائي بأسماء ويُقيم بينها حوارات، بل " توسع " مفهوم الشخصية ليشمل الأفكار والقضايا والأشياء..، ونلمس هذا مع " كريماص " الذي ابتكر ما يُسمى بـ: "العوامل"، فكل ما يؤثر في أحداث الرواية يسمى عاملا، وعليه أصبح جوار الأفكار والرؤى وتداخل الأشياء يدخل ضمن الشخصيات في الروايات الجديدة التي تُعتبر رواية شعلة ابن رشد ضمنها، وبالعودة إلى تهجين الأفكار، فقد وظف المخلوفي هذا النوع من التهجين، حيث مزج أفكار تنتمي إلى أزمنة مختلفة وأقام بينها حوارات، ومن الأمثلة التي توضح هذا الأمر: قوله: " أنا هو أنت، وأنت أنا. ففصول القرون بيننا لا تثيرني كتلة زمنها ولا تحولاتها المذهلة فقط؛ بل ما يثيرني ويعنيني منها تلك الروح التي احتوتها وطبعتها وأنت تلك الروح كنت... لذا تراني أهفو لروحك، لزمنك الذي أراه أكثر انفتاحا وحيوية من زمني...، فالعودة إليك، أيها الحكيم مرة أخرى، هي عودة باحث حائر متلهف لتلك الشعلة من الفكر التي أضأت بأنوارها عصرك، قبل أن يُحاصرها الظلاميون والمستبدون، ويُرحلونها من المغرب والأندلس تجاه الغرب، ليتلقفها رجال فكر ودين فيقدحون زناد شعلتها لإنارة مدنهم الغارقة في ظلمات القرون الوسطى...، فعذرا أيها الحكيم إن قلت لك بأني آتيك من خارج التاريخ، لا من داخله...، لذا آمل أن تفتح لي عوالم فكرك وسيرتك وبوابات أسئلتك، فلعلني أقتبس من روح أنوارك لي ولقومي ما يُحفزهم على النهوض والتحول "، من خلال هذه الفقرة يتضح تداخل مجموعة من الأفكار التي تنتمي إلى أزمنة مختلفة، فما فعله الروائي أنه جعلها (الأفكار) تدخل في حوارات بينها، ففي البداية نجد فكر ابن رشد العقلاني والنوراني الذي يتميز بالانفتاح والحيوية والكونية أيضا، وبالمقابل نلاحظ أيضا فكر الظلاميون والمستبدون المحدود والعدواني في علاقته مع فكر ابن رشد، حيث كان هذا الفكر عائقا لابن رشد في سعيه إلى نشر عقلانيته، كما نجد أيضا فكر الغرب الانتهازي والمصلحي، لكونه أخذ أفكار ابن رشد وأنقذ بها شعوبه من ظلمات القرون الوسطى، وفي الأخير نجد فكر الأمة العربية المعاصر، وهو فكر سلبي منفعل، وما يدل على هذا عودة الروائي إلى زمن ابن رشد من أجل أن يقتبس فكره لكي يضيء بها الظلام الفكري الذي يُخيم على عصره، إن سمة التهجين هنا تتمثل في مزج هذه الأفكار في شكل حوار، حيث نلمس بوضوح " حوارية " الأفكار فيما بينها، ومن السمات الأخرى، الجمع بين زمنين مختلفين: الزمن الماضي ويمثله: (ابن رشد، والظلاميون، والغرب)، الزمن الحاضر: ويجسده: (الواقع المعاصر للأمة العربية)، فالأفكار هنا حضرت بوصفها شخصيات، وقد " عوَّضت الحضور الفعلي للشخصيات، وهي تقنية سردية لجأ إليها الروائي أحمد المخلوفي من أجل هدف أساسي يتمثل في العودة إلى فكر ابن رشد العقلاني باعتباره حلاّ من شأنه أن يُخرج الفكر العربي المعاصر من أزماته، ومن الأمثلة الأخرى التي توضح هذا النمط من التهجين الذي فيه مزج بين أفكار مختلفة تنتمي إلى أزمنة متباينة، قول الروائي: " أسكرتني كلماته وتوشياته... لكن انقباضا مفاجئا طوقني.. لاحظ الأمر فقال: إنك تعاني، فبح لي بما أثقل عليك.. قلت الإرهاب يضرب بلدي يا سيدي.. أي إرهاب تعني... إرهاب الداخل أم إرهاب الخارج؟ تملكني صمت، رحت أتحسس رأسي.. الإرهاب واحد سيدي.. إنه القتل المادي والمعنوي، وأعتقد أن غريزة التسلط أو الهيمنة لدى الإنسان، هي من يولد هذا الوحش الذي يسمى الإرهاب الداخلي أو الخارجي، أما إن شئت من المنظور الكلي الذي تعشقه قلت: إنه قد لا يخرج عن هذه مجتمعة أو مفترقة: إرهاب سياسي اقتصادي ديني فكري عَقدي لغوي طائفي عِرقي أو ثقافي..، اسمع يا صديقي أنا عشت في أتون هذا الوحش كما سميته... حاولت قدر المستطاع ترويضه بسلاحين كانا في متناول يدي: سلاح الفكر وعقلانيته، وسلاح الوحي المنزل بسماحته وفضائله... "، من السمات التي تبين التهجين في هذه الفقرة ربط المخلوفي فكرة الإرهاب بزمنيين مختلفين: زمن الحاضر وهو زمن تحدث الروائي مع ابن رشد عن ظاهرة الإرهاب، والزمن الماضي وهو زمن ابن رشد الذي كان فيه الإرهاب أيضا، فالإرهاب هنا فكرة أو قضية حلت محل الإرهابيين الذين يقومون بسلوكات عدوانية تجاه الآخرين (الأعداء)، وقد تولد عن هذه القضية أو الفكرة حوارا بين الروائي وابن رشد وهو حوار افتراضي، نظرا للفارق الزمني بينهما، إن التهجين هنا لا يتمثل في فكرة الإرهاب نفسها فهي فكرة واحدة، بل إن التهجين يتجلى في تقسيم هذه الفكرة إلى الزمن الماضي والزمن الحاضر والمزج بينهما في شكل حوار يتجسد في الروائي وابن رشد، فقد جعل المخلوفي قضية الإرهاب " حوارية "، والهدف الأساسي من هذا " السلوك السردي " هو الحد من ظاهرة الإرهاب التي تنتشر في المجتمعات العربية المعاصرة، وذلك باتخاذ ابن رشد أنموذجا لمواجهة الإرهاب بسلاحين اعتمد عليهما في ترويض هذه الظاهرة، وهما سلاح الفكر وعقلانيته، وسلاح الوحي المنزل بسماحته وفضائله، أي نشر التسامح بين الناس، فالمخلوفي يلجأ ـ دائما ـ في روايته إلى ابن رشد لكي يطرح أسئلة على واقعه المعاصر.

إن التهجين في رواية شعلة ابن لم يقتصر على الشخصيات بمعناها الكلاسيكي، بل تجاوزه إلى تهجين الأشياء والحيوانات...، أي تهجين العوامل بحسب نظرية العوامل عند "كريماص"، ومن الأمثلة التي توضح هذا النمط من التهجين في الرواية، ما نصه: " كنت فرحا وأنا أضع خطوي في أثر خطوك، قبل أن أفاجأ، وعلى حين غرة، بيد تمسح وبحقد غريب خطواتك التي هي دليلي، وكلما حاولت التقدم على هدى خطو بصيرتي. إلا وانتصبت أمامي وحوش ضارية تعوي  وراء حواجز مانعة "، إن المتأمل لهذا المقطع يلمس بوضوح توظيف الروائي للعوامل على أنها شخصيات، كما يلمس أيضا تداخل هذه العوامل، فقد استخدم الروائي (اليد والحقد والوحوش الضارية) باعتبارها شخصيات فاعلة في الأحداث، حيث قامت بدور النيابة، فاليد والحقد والوحوش الضارية يمكن أن نعتبرهم شخصيات معادية لسعي المخلوفي الوصول إلى مدينة ابن رشد، وعليه فإنها ـ بحسب تقسيمات كريماص ـ عوامل معاكسة، والتهجين في هذه الفقرة يتضح من خلال جمع الروائي بين اليد التي تعتبر من الأشياء، والحقد الذي هو إحساس مصدره القلب، والوحوش الضارية التي تنتمي إلى الحيوانات، فقد مزج المخلوفي هذه المكونات الثلاثة المختلفة وجعلها شخصيات موحدة، دورها الأساسي إعاقة سير الأحداث.

لقد حضر التهجين بشكل كبير في شخصيات رواية شعلة ابن رشد واختلفت أنواعه، لذلك كان من اللازم أن نختار الأنواع التي نراها مهمة وتمثل ظاهرة التهجين بشكل واضح.

خاتمة:

من خلال ما سبق يتبين لنا مدى أهمية مفهوم التهجين في نظرية الرواية، حيث يُسعف هذا المفهوم في استنطاق الروايات الجديدة والكشف عن حوارية مكوناتها، مثل: (الزمان، المكان، الرؤى السردية...)، هذا بالإضافة إلى أنه يتيح إمكانات تحليلية أخرى لنقاد الرواية تتجاوز التحليل النمطي السائد، مثل: (تحديد الشخصية المركزية، أو الزمن المهيمن، أو الرؤية السردية المُوظفة من قِبل الروائي...)، ففي الروايات البوليفونية لا يُسعفنا هذا النوع من التحليل؛ لأن طبيعة هذه الروايات تختلف، فلا يوجد شيء ثابت، بل إن أساس هذه الروايات هو التداخل والأسلبة والتهجين، وهذا ما نجده في رواية شعلة ابن رشد التي حللنا عنصرا من عناصرها، وهي الشخصيات، فوجدنا أنها (الشخصيات) لم تحضر بشكل تقليدي نمطي، بل إن المخلوفي تلاعب بالشخصيات، من خلال المزج بين شخصيات تاريخية وأخرى تخييلية، أو الجمع بين شخصيات تاريخية لكنها تنتمي إلى أزمنة مختلفة، كما لمِسنا ـ أيضا ـ اختلاف مفهوم الشخصية، إذ لم يعد مقتصرا على الشخصيات التقليدية، التي تحمل أسماء، وتقيم حوارا بينها، بل أصبح حوار الأفكار والرؤى، وحوار الأشياء فيما بينها يُعتبر شخصية أيضا، في إطار ما يُسمى بـ: " العوامل "، لذا يُمكن القول، إن رواية شعلة ابن رشد تُمثل ـ بامتياز ـ الروايات البوليفونية الجديدة.

 

صلاح الدين أشرقي

طالب باحث بسلك الدكتوراه بجامعة محمد الأول بالمغرب

..........................

الهامش

1)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ترجمة محمد برادة، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع، القاهرة، ط1، 1987م، ص: 14

2)ـ ميخائيل باختين، الماركسية وفلسفة اللغة، ترجمة محمد البكري ويُمنى العيد، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986م، ص: 155

3)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ص: 35 

4)ـ نفسه، ص: 38

5)ـ نفسه، ص: 28

6)ـ حميد لحمداني، أسلوبية الرواية: مدخل نظري، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، ط1، 1989م، ص: 85

7)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، ص: 39

8)ـ حميد لحمداني، أسلوبية الرواية: مدخل نظري، ص: 86

9)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي،  ص: 30

10)ـ حميد لحمداني، أسلوبية الرواية: مدخل نظري، ص: 88

11)ـ ميخائيل باختين، الخطاب الروائي،  ص: 38

12)ـ نفسه، ص: 38

13)ـ نفسه، ص: 38 ـ 39

14)ـ حميد لحمداني، أسلوبية الرواية: مدخل نظري، ص: 85

15)ـ أحمد المخلوفي، شعلة ابن رشد، مطبعة الخليج العربي، تطوان، ط1، 2017م، ص: 55 ـ 54

16)ـ نفسه، ص: 65 ـ 66

17)ـ نفسه، ص: 114 ـ 113

18)ـ نفسه، ص: 4

19)ـ نفسه، ص: 40 ـ 39

20)ـ  نفسه، ص: 5

 

 

فالح الحجيةنقصد بالشعرالعربي الحديث كل شعر كتب في العصر الحديث. وصفة (الحداثة) يُقصد بها الإطار الزمني المتسم بمعالم الحياة الحد اثوية ومميزاتها عن الأزمنة السابقة التي قيل فيها هذا الشعر. ويتمثل بالوقت الحاضر بالحلقة ما قبل الاخيرة من السلسلة الزمنية التي قيل فيها هذا الشعر.

وقد اعتمد مؤرخو الأدب العربي على تصنيف الشعر العربي بحسب فترات زمنية متفاوتة تتسم بمواكبة العهود الزمنية السياسية للحكومات التالية المتاقبة كل بحسب عصره . وربما يصنف ايضا بحسب الأمصار التي قيل فيها هذا الشعر .

وقد اعتدنا ان نرى في الشعر الحديث تصنيفين اساسيين هما:

1- الشعر القديم: والمقصود به كل شعرعربي كتب قبل عصرالنهضة العربية الحديثة وربما قصد به بعضهم كل شعر كتب على نمط شعر قصيدة العمود القديمة والتي وجدت في الشعرالعربي منذ عصرالجاهلية وحتى هذا العصر المعاصر .وهذا اراه تجاوزا على كثير من الشعراء الذين لا يزالون يكتبون الشعرالتقليدي او الشعر العمودي وهو ما اسموه بالشعرالتقليدي او(التقييدي) عند البعض الاخر لانهم يعتبرونه مقيد بالوزن والقافية كما يسمى بالشعر العمودي نسبة إلى نوعية كتابة هذا الشعر باستخدام الشطر والعجز في التنظيم النمطي لكتابته .

2- الشعر الحر او (شعر التفعيلة) وهو ما استحدثه جماعة من شعراء الحداثة منهم بدر شاكرالسياب ونازك الملائكة والبياتي وصلاح عبد الصبور وغيرهم كثير .

والشعر الحديث يقصد به كل شعر عربي كتب بعد النهضة العربية. وهو يختلف عن الشعر القديم في أساليبه وفي مضامينه، وفي بنيته الفنية، والموسيقية، وفي أغراضه وموضوعاته وفي كثير من أنواعه المستجدة والمستحدثة . ويشمل جميع قصائد الشعر والدواوين التي قيلت في العصر الحديث فهي شعر حديث بدءًا من أول قصيدة كُتِبَت قبيل الحملة الفرنسية على مصر بأقلام الشعراء الرواد الأوائل – وهم رواد النهضة العربية وعلى راسهم الشاعر محمود سامي البارودي وقبله ناصيف اليازجي وابنه ابراهيم اليازجي القائل :

تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا أيُّهَا العَـرَبُ

               فقد طَمَى الخَطْبُ حَتَّى غَاصَتِ الرُّكَبُ

فِيمَ التَّعَلُّـلُ بِالآمَـال تَخْدَعُـكُـــــم

                   وَأَنْتُـمُ بَيْنَ رَاحَــــــاتِ القَنَـا سُلـبُ

اللهُ أَكْبَـرُ مَا هَــــــــذَا المَنَـامُ فَقَـدْ

               شَكَاكُمُ المَهْـــــــدُ وَاشْتَاقَتْـكُمُ التُّـرَبُ

كَمْ تُظْلَمُونَ وَلَسْتُمْ تَشْتَكُونَ وَكَمْ

                 تُسْتَغْضَبُونَ فَلا يَبْدُو لَكُمْ غَضَـبُ

وانتهاءً بآخر قصيدة كتبها او كتبها عربي وكتبت باللغة العربية في الوقت الحاضر -

راجع موسوعتي (شعراء العربية) المجلد الثامن باسم (شعراء النهضة العربية) .

ويمكنني ان اصنف الشعر العربي الحديث الى مجموعة من التصانيف كما موجودة في حالتها الحالية:

الشعر العمودي او التقليدي

الشعرالحر او شعر التفعيلة

وقصيدة النثر وهي اخر ما توصل اليه بعض الشعراء المعاصرين الذين يكتبون شعر النثر اوما تسمى القصيدة (قصيدة النثر) التي لا مثيل لها في العصورالعربية قبلها .

ولكن هذه التقاسيم او التصنيفات لا تعني شيئا بالنسبة للشعر وكينونته وقد اثارت نزاعات وتناقضات متبادلة بين الشعراء انفسهم وكذلك بين النقاد ومؤرخي الشعر العربي حول طبيعة الكتابة شكلا ومضمونا . لكن الأهم عندي من كل هذا و ذا ك هو ايجاد الخصائص الفنية والموضوعات المختلفة للنصوص الشعرية وابتكار الاصلح والاسمى .

ان كثيرا مما كتبه الشعراء في هذا العصر والذي قبله كان على غير منهاج الشعر التقليدي او الكلاسيكي واقصد به (الشعر الحر) او شعرالتفعيلة والذي ظهر في الأدب العربي في النصف الأول من القرن العشرين، على يد الشعراء امين الريحاني وصلاح عبد الصبور وبدر شاكر السياب و نازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وشعراء المهجروعدد من الشعراء العرب في عدد من بلدان قارتي أوروبا وامريكا التي قصدوها للاستقرار فيها، وخاصة إيطاليا وفرنسا وبريطانيا ثم الولايات الأمريكية والبرازيل . وكان من أبرزهذه الاختلافات التي أثارها هذا الاتجاه هو ما اثاروه حول الأصالة والحداثة على مدى عقود عديدة .

فابتداءا من النصف الثاني من القرن التاسع عشر وحتى الان يتجاذب الادباء و الشعراء والنقاد ومؤرخو الادب العربي الاتهامات حول الأصالة والحداثة ثم اضيفت تجاذبات أخرى بينهم حول التقليدية والحداثة والمعاصرة .

وفي رايي الخاص ان هذه الامور هي التي اعاقت الشعرالعربي من التطور والالتحاق بالشعرالعالمي وهذا ما تؤكده أرقام مبيعات كتب الشعر التي صدرت خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى ضعف مستوى النتاج الشعري لدى كثير من الشعراء وتكاثر أدعياء الشعر وظهورأعداد كبيرة من الكتب والدواوين المطبوعة ذات قيمة فنية هابطة محسوبة على الشعر بانواعه وخاصة الشعرالمنثور وهي لا تعني منه شيئا .

وحالة اخرى ارى انها اضعفت نتاج الشعر العربي هو التقدم العلمي وانصراف الناشئة والطلبة وخريجي المعاهد العلمية والجامعات إلى متابعة العلوم الحديثة والبحث في ظل الحركة الاقتصادية الهامة واتجاههم الى سوق العمل طلبا للمعاش والكسب المادي وبما يحقق لهم مستوى معاشي افضل فأدى هذا الى بعض جمود او ركود او انكسار في أفق الشعر العربي ، وإلى إضعاف تأثير التجارب القليلة الجيدة التي لا يمكن إنكار ظهورها في حركة الشعر والثقافة العربية ككل .

اما مراحل تطور الشعر العربي هو أنّ الشعر القديم يختلفُ في بعض جوانبه عن الشعر الحديث او المعاصر في الوقت الحاضر، وأهمّ ما يميّز الشعر القديم او الشعر العمودي حِرص الشاعر على النظم على الوزن والقافية ونظم البيت متكونا من الصدر والعَجز، وكان قديما كل شعر لا يتم نظمه على الوزن والقافية لا يعتبرُ شِعراً بل يعتبرونه نثرا أو فصاحة فِي العصر الحديث . ومحبوا الشعر الجديد يؤشرون على الشعر القديم ويأخذون عليه انهم يعتبرونه رافدا من روافد الامتاعِ والمؤانسة والنفعِ الحسي ينقل مشاعر الشاعر واحاسيسه ويعتبرُ مصدرَ طرب لدى البعض او الغنائية ويدعو إلى التحلّي بالأخلاقِ الكريمة والفضائل القيمة والنفورِ منَ الصفات السيئة غير الحميدة وربما كان تعبيرا عن الذات الثائرة لدى الشاعر العربي في ظل حركات التحرر الوطني يقول الشاعر :

أَخِي ، جَاوَزَ الظَّالِمُونَ المَـدَى

                    فَحَقَّ الجهــــاد ، وَحَقَّ الفِـدَا

أَنَتْرُكُهُمْ يَغْصِبُونَ العُرُوبَـــــــــ

                ـــــــةَ مَجْدَ الأُبُوَّةِ وَالسُّــؤْدَدَا ؟

وَلَيْسُوا بِغَيْرِ صَلِيلِ السُّيُـوفِ

                  يُجِيبُونَ صَوْتَاً لَنَا أَوْ صَدَى

فَجَرِّدْ حُسَامَكَ مِنْ غِمْــدِهِ

                فليس لَـهُ، بَعْدُ ، أَنْ يُغْمَـدَا

أَخِي، أَيُّهَـــا العَرَبِيُّ الأَبِيُّ  أَرَى

                 اليَوْمَ مَوْعِدَنَا لاَ الغَـــــــدَا

أَخِي، أَقْبَلَ الشَّرْقُ فِي أُمَّــةٍ

               تَرُدُّ الضَّلالَ وَتُحْيِي الهُـدَى

طَلَعْنَا عَلَيْهِمْ طُلُوعَ المَنُــونِ

          فَطَارُوا هَبَاءً ، وَصَارُوا سُدَى

أَخِي، ظَمِئَتْ لِلْقِتَالِ السُّيُوفُ

            فَأَوْرِدْ شَبَاهَا الدَّمَ المُصْعَـدَا

أَخِي، إِنْ جَرَى فِي ثَرَاهَا دَمِي

          وأَطبَقتُ فوق حَصَاها اليَدَا

ونادى الحِمام وجُنَّ الحُسام

           وَشَبَّ الضَّرَامُ بِهَا مُوقــدَا

فَفَتِّشْ عَلَى مُهْجَـــةٍ حُرَّةٍ أ

         أبت أَنْ يَمُرَّ عَلَيْهَــــــا العِــدَا

وَخُذْ رَايَةَ الحَقِّ مِنْ قَبْضَــةٍ

         جَلاَهَا الوَغَى ، وَنَمَاهَا النَّدَى

وَقَبِّلْ شَهِيدَاً عَلَى أَرْضِهَــا  د

         دعا بِاسْــــمِهَا اللهَ وَاسْتَشْهَـدَا

ان ظهور الشعرالحر على ايدي رواده الذين يعتبرون مِن أهمّ شعراءِ الحداثة لأنّهُم جمعوا بينَ الثقافة العربيّة الكلاسيكيّة والحداثة وربما المعاصرة ايضا . ووجد النقاد الذين وضعَوا أساسيّات لشعر التفعلية  و شعر قصيدة النثر التي ظهرت حديثا .

راجع كتابي(دراسات في الشعرالمعاصر وقصيدة النثر) طبع عمان- الاردن عام \2017

وهذا الأمر قَد غير مسار بعض قصائد الشعر العربي من القافية والوزن إلى شعر جديد اطلق عليه (الشعرالحر) او(التفعيلة) او الى شعر النثر المعاصر فأوجد ت انواعا جديدة من الشعر وهذه مقاطع من قصيدة للشاعر صلاح عبد الصبور يقول :

حدثتموني عن سنابك مجنحه

تفتق الشرار في أهلـّة المآذن

عن عصبة من السيوف لا تفـل

قد أُغمدت في الصخر لاتـُسل

إلا إذا قرأتم دونها أسماءكم

ياعصبة الأماجد

الأشاوس

الأحامد

الأحاسن

وقلتم:

يا أيها المُغني غننا

مُسـَمل العينين في حضرتنا

لحناً يثير زهونا

ويذكر انتصارنا

(إذا تحين ساعة موعودة

نغيم في أشراطها

لم تنخلع عن غيمها إلا لنا

الساعة التي تصير فيها خَوذةَ الشيطان

كأسا لخمر سيد الفرسان .

وقد تغيّرَ الشعر العربي عمّا كانَ سابقاً ليصبحَ في بعض مساراته عبارة عن شعر (حر) او قصيدة (نثر) تتجسّد كلماتهُ باستخدامِ مفرداتٍ وكلماتٍ لها مَعنى ومغزى مختلف ، وهذا النوع منَ الشعر قد إنتشر انتشارا واسعاً وسريعا في هذا الوقت المعاصر خاصة في ظل التقنيات الجديدة من وسائل الاعلام الكثيرة والنشر الاكتروني الرخيص مثل الصحف والمجلات الالكترونية والتلفزة والانترنيت وصفحات التواصل الاجتماعي (الفيسبك) وما اليها . وفتح الباب على مصراعيها ليكتب من اراد الكتابة شعرا لمن هب ودب فيصف نفسه شاعرا لانه نضد كلمات بعضها تحت بعض فيظنه شعرا . الا ان هؤلاء لا يخفون عن الادباء من الشعراء والنقاد (حماة العربية) لذا يبقى ناكصا مايكتبونه وسيندثر ما كتبوه او ما يقولونه بمرور الزمن فالبقاء للاصلح والافضل وهذه سنة الحياة بمرور الزمن وحداثته .

احدى (الشاعرات) تقول :

زغردي يا ملائكة الرحمة لشروق اليوم

زفتها للجنة مع صباح جديد للسياج

وللملائكه هي طلبت الشهادة ونالتها

هي ناجة ربها للشهادة وناشدتكم

أكمال الطريق طريق الشهادة

والعمل الخيري

خنساواتك فلسطين كثروا

هم فخر العرب

هم حصاد الشهادة وصبر السنين

لن أسال عن منظمات حقوق لأن العدو...

لا يعرف الحقوق والمنظمات متواطأه

جبناء حقيرون يدوسون الملاك

لن أسأل ماذا فعلت بل كثيرا عملت

انقذت أرواح وداوت جرحى

لذالك خافها الجبان وقتلها دون رحمة

بدم بارد تقتل الملائكه وحمام السلام

صبرا أمهات الحمام صبرا غزه

النصر قادم مع شعب عشق الشهادة

عشق القدس وترابك ورواه بدمه المسكي

رحمتك ربي بغزه وأهلها

ونصرا مبينا من عندك

.

اهذا هو الشعر بمقاساته الجديدة ..؟؟

والعجيب ان قنوات التواصل الاجتماعي (الفيسبك) مليئ بهذه النماذج من هذاالنوع الذي يسمونه الشعرالمنثور .

فالشاعر العربي ابن وقته يترجم ما يعتمل في نفسه ومجتمعه وما يكتنفه من احداث رضي ام لم يرض - فلا يوجد شاعر عربي حديث الا وكتب عن قضية فلسطين - مثلا- وعليه فالشعر العربي الحديث يمثل نفسية الشاعرالعربي في نظرته للوطن العربي الحديثة والواقع العربي المعاش منذ زمن النهضة العربية وحتى وقتنا الحاضر . ونستشف مما جاء رغم ضحالته وبعده عن كينونة الشعر ان القضية الاولى في الوطن العربي هي قضية فلسطين والنضال المستمر في سبيل التحرير والعودة مما يؤدي الاستشهاد والفداء للارض العربية اينما كانت .

نعم فقد انبعثت روح النهضة العربية في كل مفاصل الحياة بعد سبات دام قرونا - منذ النصف الاول من القرن التاسع عشراو قبيله بقليل – أي في نهايات العصر العثماني – بعد ان خمدت جذوته وانتكست انتكاستها الكبرى خلال الفترة السوداء من تاريخ الامة العربية ابتداءا من دخول المغول (ا لتتار) بغداد وحتى بداية القرن التاسع عشر او بعده بقليل او العقود الاولى من القرن العشرين .

فقد كانت الدولة العثمانية تجثم على انفاس الامة العربية تفرض هيمنتها على البلاد العربية في نهايات ايام حكمها للاقطار العربية - بعد ان كانت تمثل دولة الاسلام في حينها- بحكمها القاسي حكما استعماريا ظالما – (لا فرق بين استعمار واخر كل يريد تحقيق مصالحه على حساب البلد الذي استعمره ومحاولة جعله تحت سيطرته مدة اطول)- مم ادى الى تـأخر البلاد العربية في مختلف نواحي الحياة وخاصة الثقافية فقد اتّبع الاتراك سياسة التتريك في البلاد العربية ومحاولة القضاء على لغتهم الام – اللغة العربية - وهي لغة القران الكريم والدين الاسلامي الذي يدين به الاتراك أي فضلوا اللغة التركية على لغة دينهم في سبيل نشر لغتهم وطمس معالم العربية في بلادها التي تحت سيطرت الاتراك وكان نتيجة ذلك ان ساد الامة العربية ثالوث من الفقر والجهل والمرض .

وقد ادى ذلك الى هجرة جماعات من البلا د العربية خاصة من سوريا ولبنان الى خارج بلادهم خوف القتل والتنكيل بهم من قبل الحاكمين الاتراك او من سايرهم من الحكام العرب الذين يحكمون بلادهم للاجنبي وقد اسس هؤلاء العرب المهاجرون جاليات وجماعات وجمعيات في امريكا والبرازيل وغيرها من الدول التي هاجروا اليها وبرز منهم جماعات رائدة في مجال الادب والشعر مثل ايليا ابوماضي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وابناء المعلوف وغيرهم كثير . يقول جبران في احدى مقالاته :

(أنا متطرف حتى الجنون ، أميل إلى الهدم ميلي إلى البناء ، وفي قلبي كره لما يقدسه الناس ، وحب لما يأبونه ولو كان بإمكاني استئصال عوائد البشر وعقائدهم وتقاليدهم لما ترددت دقيقة ، أما قول بعضهم أن كتاباتي (سم في دسم) فكلام يبين الحقيقة من وراء نقاب كثيف ، فالحقيقة العارية هي أنني لا أمزج السم بالدسم ، بل أسكبه صرفًا غير أني أسكبه في كئوس نظيفة شفافة.)

بينما يقول ايليا ابو ماضي :

ليت الذي خلق العيون السودا

خلق القلوب الخافقات حديدا

لولا نواعسها ولولا سحرها

ما ودّ مالكٌ قلبه لو صيدا

عَوذْ فؤادك من نبال لحاظها

أو متْ كما شاء الغرام شهيدا

إن أنت أبصرت الجمال ولم تهم

كنت امرءاً خشن الطباع ، بليدا

وإذا طلبت مع الصّبابة لذةً

فلقد طلبت الضّائع الموجودا

يا ويح قلبي إنّه في جانبي

وأظنّه نائي المــــــــزار بعيدا

مستوفزٌ شوقاً إلى أحبابه

المرء يكره أن يعيش وحيدا

ونلاحظ الفرق الكبير بين هذه المقاطع الشعرية

و في الشرق العربي فقد بد أ نسغ الحياة يسري من جديد في الروح العربية وخاصة النهضة الفكرية وتسربت بين الشباب العربي وبعد اتصال البعض منهم بالغرب مثل بريطانيا او فرنسا اوغيرها واخذ شبابنا العربي يتطلع لما في هذه الشعوب ويدرك ضرورة التخلص من الاستعمار التركي او الاستعمار الغربي والثورة على العادات والنظم البالية التي وصلها الشعب العربي والمتهرئة التي البسها الاستعمار للامة العربية وكذلك كان من اسباب هذه النهضة التمازج العربي مع الغرب عن طريق الارساليات التبشيرية- ولو انها كانت تهدف الى استعمار من نوع جديد - ودخولها الوطن العربي وايجا د المطابع وعملها البلاد العربية ونشر الحرف العربي والفكر العربي وطبع بعض الكتب القديمة ومنها الدواوين الشعرية لفحول شعراء العربية وكذلك فتح بعض المدارس باللغة العربية بعد غزو نابليون واستعمار فرنسا لمصر.

يقول الشاعر ابوشادي :

طرفتْ، فلما اغرورقتْ عيني     وصَحَتْ صحوتُ للوعةالبيْنِ

خمسٌ من السنوات قد ذهبتْ       بـأعـزِّ مـا سميتُه «وطني»

مـا زالـتِ «الأفراحُ» تنهبهُ        وهْي «المآتمُ» في رؤى الفَطِن

«أفـراحُ» ساداتٍ له نُجُبٍ         مـن كـل صُـعلوك ومُمتنِّ

طـالـتْ أياديهم، وإذ لمسوا        أعلى الذُّرا سقطوا عن القُنَن

يـا ليتهم سقطوا وما تركوا        زُمَـراً  تُـتـابـعهم بلا أَيْن

تـركوا الوصوليّين، صاعِدُهُمْ    صِـنْـوٌ لهابطهم، أخو ضَغَن

وكـأنَّـهـم  أكـوازُ ساقيةٍ           دوَّارةٍ بـالـشـرّ  لـلفَطِن

لا شـيءَ يشغلهم ويسعدهم      إلا الأذى فـي الـسرِّ والعلن

ظل الشعر في فترة الانحطاط والتاخر – الفترةالمظلمة - مطبوع بطابع الفردية تقليديا . وعناية الشاعر تنطوي على التزويق اللغوي واللفظي دون المعنى وتحوله الى صناعة شعرية بحتة تكثر فيها الصور التقليدية الماخوذة من قبلهم وكثرت التشبيهات الى حد انعدام المعاني الشعرية الجديدة او طمسها و ظهور بعض من كتب الشعر بالعامية او المحلية وخاصة في اواخر دول التتابع او الفترة المظلمة بحيث ادى الى ركود الشعر وضياع التنسيق والفوقية والبلاغة والاساليب الشعرية التي كان الشعرالعربي عليها ايام زهو الخلافة العربية وازدهار لغة الضاد .

 

امير البيــــــــان العربي

د. فالح نصيف الكيلاني

............................

راجع كتابي: موسوعة شعراء العر بية المجلد الثامن (شعراء النهضة العربية.

 

 

عدنان حسين احمدأحرز القاص مشتاق عبدالهادي قصب السبق حين أنجز روايته القصيرة الأولى التي تنضوي تحت عنوان "الهبوط من المطعم التركي" الصادرة عن دار "الورشة الثقافية" في بغداد فهي أول "نوفيلا" تستوحي ثيمتها، وشخصياتها، وفضائها السردي من انتفاضة الأول من أكتوبر / تشرين الأول 2019، وقد استغرقته كتابة هذه الرواية القصيرة 41 يومًا لا غير! سبق لمشتاق أن أصدر ثلاث مجموعات قصصية وهي "ولادات" و "حربيات" و "سيرة الـ . . .هذا" وهو معروف بجُملته القصصية المشذّبة والمكتنزة التي تنطوي على قدْرٍ كبير من القوة والإيحاء، وقد فاجأنا في هذا النص بجُملته الروائية الليّنة التي غادرت الثيمة الضيّقة، والفضاء القصصي المحدود لينتقل بنا إلى أمكنة متعددة تبدأ من "المطعم التركي"، وساحة التحرير، وجسور بغداد، ومقبرة "سيد مبارك" في ناحية المنصورية، ثم يصحبنا إلى رابية على الحدود، وثمة نهر يصطاد فيه الراوي الأسماك، ثم يأخذنا في خاتمة المطاف إلى السماء التي تحتضن أرواح الشهداء وهم يتواصلون مع الثائرين في ساحة التحرير، ويُرقبون من طبقات المطعم التركي ما يحدث في "المنطقة الخضراء" التي أصبحت رمزًا للفساد، وبؤرة للشحن الطائفي المقيت.

لم يلجأ مشتاق إلى الحبكة التقليدية، فثمة أحداث تقع في المنطقة الرمادية التي لا يستطيع فيها القارئ أن يميّز بين الواقع والخيال، والحقيقة والحُلُم، فحتى السارد الذي يروي بضمير المتكلم لا يعرف إن كان هو قد قُتل أم لا؟ يزوّدنا المقطع الأول من الرواية بمعلومات كثيرة عن المطعم التركي الذي قصفته قوات التحالف عام 2003 واعتصم فيه شباب ثورة أكتوبر عام 2019 بعد أن أعادوا تأهيله بمدة قياسية لكن قوات مكافحة الشغب هاجمت المعتصمين وأشاعت بينهم الرعب والهلع فانسحب الراوي، وقادتهُ خطواته إلى مقبرة "سيد مبارك" الأمر الذي يوحي لنا بأنه قد استشهد ولكنه ظل حيًا بشكل من الأشكال إذا ما أعتبرنا أن روح الشهيد لا تموت. لقد تخلى مشتاق عن البنية الواقعية وزجّ القارئ في البنية الفانتازية التي تتيح إلى حدٍ ما أن يصبح اللامعقول معقولاً أو قابلاً للتصديق على نحو مجازي. يلج الراوي إلى العالَم الآخر ويقابل والدته المتوفاة لكنها لا تُجيب على أسئلته المؤرقة فهو يريد أن يعرف إن كانت هي في الجنة أم في النار؟ ولماذا ينهرهُ الرجل الغاضب كلّما أراد الاقتراب منها أو الحديث معها؟ ثم يدخل في لجة الأسئلة التي أعيّت كبار المفكرين من قبيل ماهية الروح؟ وأين تستقر بعد موت الجسد؟ وهل تلتقي روح الضحية بروح الجلاد؟

الشخصيات في هذه الرواية هم أحياء وأموات في الوقت ذاته فقد كان الراوي متظاهرًا وحبيبته أحلام مُسعفة وقد التقيا أكثر من مرة في المطعم التركي قبل أن يضطّرا للهبوط في جوٍ مشحون بالخوف والقلق الأمر الذي يبرّر ضبابية هذا التداخل الغامض بين الموت والحياة.

تفقد الكثير من الأحداث العامة بريقها إذا ما استهلكتها الوسائل الإعلامية المعروفة، ويصعب تحويلها إلى مادة إبداعية لأنها تفتقر إلى المفاجأة وعنصر الإدهاش ومع ذلك فإن الكاتب المحترف يستطيع أن يؤثث الفضاء السردي بالقصص والحكايات المتداولة، تمامًا كما فعل مشتاق عبدالهادي حينما ضمّن روايته ظواهر وحوادث معروفة مثل التواصل الاجتماعي، واللجان التنسيقية، والمندسّين، والقناصين، والقنابل المسيّلة للدموع، واختطاف الناشطين والمُسعفين، والدعم اللوجستي للتُجار، وسائقي التُكتك ودورهم البطولي في هذا الحراك الجماهيري الواسع لكنه شيّد بنيته الرئيسة على قصة الحُب التي تنمو بين الراوي وصديقته أحلام في العالَم الآخر، وخلق أكثر من انعطافة خلال معضلة الاتصال بين الأموات والأحياء، واختراق أحلام الآخرين، وسبر أفكارهم، ومعرفة القرارات الفردية التي يفكر بها بعض القيادات الفاسدة. وقد ساهمت هذه البنية الفانتازية ذات النَفَس العجائبي بنقل الرواية إلى نص مركّب يبحث في قضايا الروح، ويتعمّق بأسئلة الوجود البشري، ويقدّم نبوءته باقتحام المنطقة الخضراء من قِبل الثوار الذين تمركزوا في ساحة التحرير والجسور المحاذية لها.

يرسم مشتاق عبدالهادي نهاية روايته بحذقٍ كبير حينما يسحب المتلقي إلى المنطقة الرمادية التي تترجّح بين الغموض ونقيضه ويأخذ البطلين إلى غرفة تحضير الأرواح بعد أن طلبا الظهور الإعلامي واشترطا أن تُبثّ الجلسة مباشرة على الفضائيات كلها ليُعلنا أن الحالة الغريبة والغامضة هي التي ساعدت في إنجاح الثورة. وبعد أن يتأكدا من وجودهما على الهواء مباشرة أمسك الراوي بيد أحلام وأعلن صرخته المدوّية للجميع:"نحن معكم . . . إنها ثورة السماء والأرض." هذه الجُملة الختامية المدروسة تؤكد الشرعيتين الأرضية والسماوية لهذه الثورة التي تتآزر فيها أرواح الشهداء مع المنتفضين أو المحتجين أو المتظاهرين مهما اختلفت تسمياتهم وصفاتهم لتؤكد شيئًا واحدًا لا غير يعزّز نبوءة الروائي أن الهبوط المجازي من المطعم التركي سيكون في خاتمة المطاف اندفاعًا باتجاه المنطقة الخضراء التي ستشهد قصاص الخونة، والمأجورين، وسرّاق المال العام.

لا يمكن قراءة هذه الرواية قراءة واقعية فقط لأنها تتعدى الجانب الواقعي وتتألق في الجانب الفنتازي أو العجائبي، إن شئتم، على الرغم من الفوارق المعروفة بين الاثنين. كما أن النص الروائي يحتفي بدلالاته الرمزية التي تعمّق الأفكار والشطحات والمضامين الثانوية التي تؤازر الثيمة الرئيسة وتغذّيها وهي "ثورة السماء والأرض ". ولنأخذ "اصطياد الأسماك"،على سبيل المثال لا الحصر، كثيمة فرعية حينما يخاطب الراوي حبيبته قائلاً:"صيد الأسماك، يا أحلام، انتظار وصبر ودراسة للآخر الذي لا تراه ويبعد عنك أمتارًا في عمق المياه" ثم يمضي في حديثه عن نشوة الفوز بعد التعب والقنوط والانتظار الطويل لينتهي إلى القول بأنّ صيد الأسماك هو ثورة أكتوبر ذاتها التي ولدت من رحم الفوضى واليأس واستهتار الفاسدين الذين لم يُدركوا طوال ستة عشر عامًا أنّ العراقيين يحتقرون ذيول الأجنبي وبراثنه القذرة التي تنهش في أجساد المنتفضين الذين ثاروا لاستعادة كرامتهم وهيبتهم المفقودة.

لو تأملنا حديث الراوي وإشاراته لوجدناه قد فقد أمه قبل ثلاث سنوات تقريبًا، أما حبيبته أحلام، فهي الأخرى قد فقدت أبويها منذ الطفولة وكأنّ مشتاق عبدالهادي يريد أن يوحي لنا بأنّ هذه الثورة لا أبَ لها لأنها تقترن بالشباب فقط، هذا الجيل الجسور الذي أزاح الجيل السابق وأحرجه وجعله يشعر بالخجل لأنه لم ينتفض أو يحرّك ساكنًا في أقل تقدير.

ثمة مقاربة بين "المطعم التركي" وجبل أُحد أفضت إلى معنىً رمزي عميق لهذه البناية الشاهقة وأنّ الثوار الذين تزاحموا في طوابقها الستة عشر لا يختلفون كثيرًا عن الرماة الذين كانوا يرابطون على الجبل وينبغي عليهم ألاّ يتخلوا عن مواضعهم إلاّ بعد أن تضع الحرب أوزارها كي لا نقترف الخطأ نفسه الذي اقترفه الرُماة الذين سال لُعابهم على الغنائم فخسروا المعركة وتبددت منهم نشوة النصر.

وفي الختام لابد من الإشارة إلى أنّ رواية "الهبوط من المطعم التركي" هي نص سردي يتوفر على اشتراطاته الفنية، وقد حاول الروائي أن يستثمر أكبر عدد ممكن من المواقف والأحداث ويوظّفها في النسق السردي لهذه الرواية التي ستكون فاتحة عهد جديد للأدب العراقي الذي لا يخشى من الطغاة المارقين.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

احمد صابر للحرب والأمل في غد مشرق

عذوبة الحكي: وأنت تقرأ رواية "تل الورد" للروائية السورية أسماء معيكل الصادرة سنة 2019 م يتسرب  إلى نفسك نوع من الإحساس الذي يحسه كل شخص من أشخاص الرواية، وكأنك ذبت في مشاعر أبطالها.. في الحقيقة امتلكني نص الرواية في الوقت الذي كنت أمتلكه قبل بداية القراءة أو في الصفحات الأولى.. مما مكنه أن يفرض علي نفسه كنص للقراءة دون غيره؛ فكلما بادرت بعمل ما.. إلا وهاجمني نص رواية " تل الورد" ووقف أمامي كصور يحيل بيني وبين أي شيء آخر.. حينها أستسلم للقراءة.. والذي يقوي الارتباط بقراءة رواية " تل الورد" حتى آخرها؛ هو ذلك الفضول الذي يمتلكك لمعرفة تطورات الأحداث والوقائع وانعكاسها على الأشخاص.. وبأنك تبقى عاجزا على أن تتنبأ من تلقاء نفسك؛ ما ستكون عليه الوقائع والأحداث ومصير الأشخاص في الصفحات القادمة.. فبعض النصوص تكون لنا القدرة لنتنبأ ما ستؤول إليه بعد قراءة بعض منها، لنضعها جانبا.. وهو الأمر الذي لم يصدق معي على رواية "تل الورد" 

وأنت تقرأ رواية " تل الورد" صفحة بعد صفحة وواقعة بعد أخرى وحدثا بعد حدث وشخصية بعد أختها.. تمعن النظر في ماهية الأسباب والدواعي الثقافية والاجتماعية والسياسية.. التي كانت من وراء احتراق الأرض والإنسان والشجر وحتى الحجر.. وكيف تحول فصل الربيع إلى زمهرير من النار.. حينها تدرك يقينا أن الحرب لا ينتصر فيها أحد؛ فهي تعني الهزيمة والخراب للجميع..

وقد يمتلكك شعور من الحزن والأسف، وأنت تقترب من الصفحات الأخيرة في الرواية؛ فيا ترى هل هذه هي نهاية النهايات وكما يقال الأعمال بخواتمها.. حينها توقظ فيك رواية "تل الورد" الأمل والطموح وتمنيك بغد أفضل، وهي تحررك مما علق بذهنك طول صفحاتها من مشاعر الحزن والأسى..  فآخر كلمة تودعك بها الرواية هي: "طفل وطفلة دلوعة يسقوا الأزهار" فهذه  الجملة لوحدها تعادل كل ما كتب في الرواية.. تطرح الرواية جانبا وأنت تتخيل الأزهار والمطر والأطفال من أبنائك أو غيرهم يلعبون ويمرحون ذلك هو الغد المشرق..

فرواية " تل الورد" عمل رائع يستحق أكثر من تقدير وأكثر من جائزة، لأنه من الأعمال التي تدفعنا لنأخذ العبرة من مجريات الواقع.. فهي تحيي فينا طعم الحياة والمحبة والسلام.. وترفع بدواخلنا صوت العقل والعقلانية.. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو كيف تمكنت مؤلفة الرواية أسماء معيكل أن تبلغ هذا الهدف؟

غائية الكتابة والإبداع

فالجواب يعود إلى أن الروائية أسماء معيكل لم تجعل من رواية " تل الورد" رواية من أجل الرواية نفسها؛ أي رواية بدون هدف ولا غاية؛ كما هو الشأن بالنسبة إلى الكثير من المؤلفات الأدبية؛ بل ربطتها بهدف نبيل يتجسد في العمل على كشف وجه الحرب وتعريتها وإزالة اللثام عن وجهها القبيح؛ فليس في الوجود بأكمله شيء أقبح من الحرب وتبعاتها؛ وبالأخص عندما تكون نارها مشتعلة بين أهل الوطن الواحد والبلد الواحد والشعب الواحد؛ فالجديد الذي جاءت به رواية " تل الورد" في هذا الجانب هو أن وجه القبح في الحرب ليس واحدا، بل هو وجه متعدد؛ فكلما أزلت اللثام عن وجه، إلا ووقفت عن وجه أسوأ من سابقه.. وهو الأمر الذي لا يتنبه إليه الكثير.

 لم تتوقف رواية" تل الورد" عند الصورة النمطية التي يعرفها الجميع عن الحرب؛ وهي تلك الصورة التي تقفز إلى أذهانا ونحن نتخيل جبهتين من العساكر يدمر بعضها بعضا؛ كما أنها لم تتوقف عند الصورة التي خلقتها وسائل الإعلام عن الحرب والمصحوبة في كثير من الأحيان بطعم التشويق ونوع من التسلية والفرجة وتحليلات المنجمين والمحللين، والذين يرقصون على جراح الموتى وكلامهم عمن سيتمكن من حسم المعركة لصالحه؛ فصورة الحرب من خلال ثنايا وطيات رواية" تل الورد"  لا هي تلك الصورة النمطية المعروفة عند الجميع، ولاهي تلك الصورة التي رسختها كل الفضائيات والقنوات الإعلامية التي خلقت تطبيعا نفسيا بين المشاهد ومشهد الموت والدم والأشلاء.. صورة الحرب في تل الورد ليست صورة برانية وسطحية  كما هي في الإعلام؛ بل هي قراءة وتحليل يسعى جاهدا ليقف عند الحالة النفسية الداخلية التي يكون عليها الفرد والمجتمع لحظة الحرب وبعدها؛ سواء تعلق الأمر بفرد ما أو جماعة من الفصائل المتناحرة، أو تعلق الأمر بالنسبة إلى مختلف المدنيين كبارا وصغارا رجالا ونساء؛ هذا فضلا عن أن الرواية تصف عن قرب الطبيعة والكيفية التي تتشكل من خلالها شبكة العلاقات الاجتماعية والأسرية من جديد زمن الحرب؛ إلى درجة يمكن القول معها أن مساحة الحكي والسرد على طول صفحات الرواية فيها تشخيص سيكولوجي وسوسيولوجي للحرب ووقودها؛ من كل مكونات المجتمع.

الرواية، وهي تشخص الحالة النفسية والاجتماعية للحرب؛ فهي تربط ذلك بالسياق الفكري والثقافي والسياسي والحالة الذهنية التي عليها العالم العربي؛ وبالأخص جمهور الشباب المتعطش للحرية والكرامة.. (ما اصطلح عليه بالربيع العربي) إذ من الغرابة ومن العبث أن تقطف الأصولية الدينية من داعش وغيرها زهرة الربيع العربي، ويتحول الكثير من الشباب إلى صفوفها ليشهدوا  بأنفسهم على اغتيال الحرية والكرامة التي خرجوا من أجلها؛ بمعنى أن تصورات الكثير من الشباب لموضوع الحرية والكرامة مستمدة من الماضي،  وتستعدي الحاضر والمستقبل. وهذه معضلة فكرية ومعرفية في نظرة الإنسان المسلم لذاته وللآخر وللماضي وللحاضر. 

التشخيص لا يشتغل على جميع العينات كلها؛ فهو يعتني بدراسة عينة واحدة من بين العينات المتشابهة الكثيرة جدا؛ ولهذا من البديهي أن تتكون أهم شخصيات رواية "تل الورد" من أسرة واحدة، باعتبار أن الأسرة هي أصغر عينة في المجتمع؛ وهي أسرة تتكون من الأب" معراوي"  والأم "حسيبة" وثلاثة أبناء  منهم عمران وربيع وأختهم باهرة وزوجة عمران "كافي"  وابن عمران "حيان". فمن الملاحظ أن هذه الأسرة  تشمل ثلاثة أجيال؛ الجيل الأول يمثله الأب والأم، والجيل الثاني يمثله الأولاد، والجيل الثالث يمثله حيان؛ فقد عصفت الحرب بكل هذه الأجيال من الأسرة الواحدة، وفككت العلاقة الاجتماعية والنفسية ما بين كل أفرادها وبين كل أفراد المجتمع.

قبل الحرب

كانت أسرة المعراوي تقطن في قرية اسمها "تل الورد" بالقرب من حلب؛ وكانت تعرف نوعا من الاستقرار والعيش الرغيد إلى جانب كل أهالي القرية؛ بالرغم من أن النظام العسكري الحاكم كان مهيمنا على كل جوانب الحياة في المجتمع؛ وكان يشد الخناق عن الحريات وبالأخص السياسية منها؛ الأسرة كانت في منتهى السعادة، وتتمنى لحفيدها حيان الذي التحق بالمدرسة أن يكبر ويصبح دكتورا؛ أبوه "عمران" قضى واجب الخدمة العسكرية، وعاد يساعد أباه "المعراوي" في فلاحة الأرض، ويشتغل في الوقت ذاته في حلب في أحد المصانع؛  وأخوه "ربيع" كان سعيدا بأسرته، وإذا بأحد ما يقنعه ليلتحق بالشرطة؛ وسار شرطيا بمكتب الشرطة بقرية تل الورد. أما أخته "باهرة"، والتي لها الفضل في مساعدة والديها في تربية إخوتها لكونها أكبرهم سنا؛ فكانت اسما على مسمى، إذ بهرت كل شباب القرية بجمالها؛ وكثير من تمنى طلب يدها وهي ترفض؛ أما "كافي" زوجة عمران، فهي تنتمي إلى سرة من نفس القرية؛ وقد أعجب بها  عمران، وهو يتجول في أحد الحقول في موسم جني الزيتون، وأعجبت به فتزوجها بعد عودته من واجب الخدمة العسكرية؛ وكان مسكنهم بالقرب من مسكن والأب" معراوي" والأم "حسيبة". اتصفت كافي بالحيوية والنشاط والعناية بابنها حيان وزوجها عمران، والاهتمام بشؤون البيت الذي أشرفت بنفسها على تصميمه وتجميله وإخراجه في أجمل حلة.

هذا الوضع الذي عليه الأسرة قبل الحرب، يعكس بشكل عام الوضع الذي عليه المجتمع؛ بل هو نفس الوضع الذي عليه الكثير من الأقطار العربية؛ قبل موجة الربيع العربي الذي تباينت نتائجه والتحولات والمسارات التي أخذها من بلد إلى آخر؛ نتيجة اختلاف المقدمات وتباينها من منطقة إلى أخرى؛ ففي الوقت الذي  خرجت تونس البلد الذي اشتعلت فيه شرارة الربيع العربي بأقل الخسائر؛  وذلك بالعودة إلى العقل وإلى الاحتكام إلى آليات الاقتراع الديمقراطي بين كل الفرقاء.. دخلت فيه ليبيا في حرب شبيهة بحرب أهلية.. وعرفت مصر انتخابات رئاسية.. أما سوريا، فقد  دخلت هي كذلك في حرب شبيهة بحرب أهلية غدتها الحسابات والمصالح الدولية من الشرق والغرب راح ضحيتها الأهالي السورية.

زمن الحرب

- "ربيع"

ربيع شخصية ترمز إلى الربيع العربي، وهو شخص لطيف ذو ثقافة سطحية بسيطة لا تؤهله لمعرفة وتحليل مقومات وأسس الثقافة الإسلامية التي ينتمي إليها؛ سواء في حاضرها أو ماضيها؛ فضلا عن أنه لا يملك خبرة سياسية وتجارب كثيرة في الحياة، تجعل منه شخصا يغلب الحكمة والعقل في فهم مجريات الواقع؛ والأكثر من كل هذا أنه شخص لا يملك معرفة علمية تتعلق بشؤون الدين وأصوله التي تحث على الوسطية والاعتدال.. وبأن روح الدين تتجسد في الحفاظ على حرية الإنسان وبأن الدين أينما دار لا يتعارض مع روح العلم ومبادئ العقل والنظر والسؤال المفتوح.. فربيع لا يملك شيئا إلا عاطفته الجياشة واندفاعه.. وقد استغلّه مكتب الشرطة في تزويده بمعلومات شخصية عن الكثير من أهالي قرية بل الورد.. عاطفته الجياشة منعته بأن يطلق النار على المتظاهرين من أصدقائه وأهله؛ عندما أمرهم الرئيس الجديد لمكتب الشرطة.. وهي العاطفة نفسها التي جعلته يطلق النار على الأهالي، ويجتز رؤوسهم إلى درجة أنه سار يلقب بالبتار؛ بين صفوف المتطرفين الذين التحق بهم لقتال النظام الحاكم، ومن يواليه أو شك في موالاته من أهالي تل الورد؛ وقد تدرج حتى وصل إلى جانب أمير المقاتلين.. وقد استغلته مرة أخرى الجماعة المتطرفة بأن يبتز أسرته على أن تدعم المتطرفين الذين ساروا يحكمون تل الورد.. أجبر أخته باهرة وأمه بأن يرتدوا ما يسميه باللباس الشرعي.. وأجبر أمه "جسيبة" بأن توقع له وثيقة بكونها موالية لجماعته المتطرفة ما سبب لها إعاقة نتج عنها توقف ذاكرتها.. أما أبوه "معراوي"، فقد أهانه أكبر إهانة لأنه لا يريد التعاون مع المتطرفين..  وكانت الإهانة بحضور أمير الجماعة المتطرفة.. ما تسبب  للأب في إعاقة جسدية ونفسية نتج عنها توقفه عن الكلام.. وبهذا يكون ربيع الذي يمثل الجيل الثاني من الأسرة قد أجهز بشكل معنوي على الجيل الأول الذي تمثله الأم والأب، وقد اختفى وغرق في أوهام وضلالة المتطرفين.. الذين جاءوا فيما بعد إلى بيت أهله وأقاموا له  حفل تأبين وعزاء دون اصطحاب جثته.. والغريب أنه لم يمت، بل انتهى به الأمر إلى أن يجد نفسه في تركيا في مأوى ضحايا الحرب.. في حالة يرثى لها، فقد بثرت رجلاه، ولم يعد قادرا على المشي وفقد عضوه الذكري وسار يتبول جالسا.. وبقي ينتظر موعد ملك الموت.

شخصية ربيع وما كان عليه..هي دعوة من جديد إلى كل الدارسين والمختصين إلى دراسة وتحليل ظاهرة الربيع العربي التي لم ينته صداها حتى اللحظة الراهنة.. والتي تحولت بشكل سريع جدا إلى أصولية دينية في الكثير من الأقطار العربية.. فما هي الدواعي والأسباب التي كانت وراء ذلك؟ فضلا عن هذا، فشخصية ربيع  كشفت بأن الأصولية الدينية تتعارض مع قيم الدين الإسلامي؛ فربيع شخص عاق لوالديه ولأهله.. وباختصار فآفة ربيع تكمن في الجهل؛ الجهل بأمور الدين والدنيا والمجتمع.

-"عمران"

عمران رجل جاد تحمل واجبات أسرية وعائلية؛ وهو شخصية ترمز إلى عموم الناس المدنيين؛ فقد ذاق التعذيب في مخفر الشرطة قبل أن يسيطر المتطرفين على تل الورد؛ وعندما سيطر المتطرفون على جزء من تل الورد؛ عانى كثيرا كل يوم في حجوزات التفتيش، وهو في طريقه إلى عمله  في حلب؛ إذ كان عليه أن يعترف بافتخار بكونه أخ ربيع عند نقط التفتيش التي أقامها المتطرفون في المناطق التي سيطروا عليها، ثم يتنكر لأخيه ربيع في الحواجز التي أقامها النظام في المناطق التي ما تزال تحت سيطرته.. وإذا به يفاجأ بأن النظام يطلب كل من قضى الخدمة العسكرية إلى الالتحاق بالجيش؛ وبما أنه سبق أن قضى شهورا في الخدمة العسكرية؛ فهو من المطلوبين؛ فكر كثيرا وبالأخص في ابنه حيان الذي يدرس حينها في المدرسة، وقرر بأن لا يلتحق بالجيش.. وقد استغربت أمه "حسيبة" من سخرية الأحداث؛ فابنها ربيع اختار من تلقاء نفسه أن يكون في جبهة المتطرفين وابنها عمران طلب منه أن يلتحق بجيش النظام؛ فمن العبث أن يقتتل أخوان شقيقان.. في الأخير هاجر عمران إلى تركيا مع زوجته كافي وابنه حيان، واستقر في مجموعة من المدن التركية؛ وقد بعث ابنه بعد أن بلغ سن 11 ليهاجر هجرة غير شرعية إلى أوروبا ليلتحق به هو وزوجته تحت مسمى "لمّ الشمل".

- "كافي"

 كافي امرأة ترمز لكل الأمهات الشابات التي عانت من ويلات الحرب؛ وذاقت مرارة الهجرة والحرمان.. وكانت أول صدمة لها عندما اغتصبها أحد أفراد جيش النظام، وهم يتفقدون المنزل بحثا عن دليل يدين الأسرة.. مرت الأيام واغتصبها أحد المتطرفين، عندما سيطروا على تل الورد بدعوة أنه يريد أن يتوضأ ويصلي.. كل هذا وغيره سبب لها ألما نفسيا كبيرا.. وقد رافقتها جراحها النفسية إلى تركيا، وهي في طريق الهجرة مع زوجها عمران وابنها حيان.. في تركيا استاءت حالتها النفسية كثيرا.. وتعرضت من جديد إلى حالة اغتصاب.. مما جعل حزنها وألمها يتضاعف... وهي لم تخبر زوجها بخبر أية حالة اغتصاب تعرضت لها.. وقد فرغت كافي حالة حزنها وغضبها بوشم جسدها بيدها بشكل مبالغ فيه إلى درجة تشويهه باستثناء الوجه والكفين.. وفي الوقت ذاته، أقبلت على المساجد والأضرحة والدروس الدينية، لكونها وجدت فيها متنفسا وحلا لمشكلاتها النفسية.. وقد تمكنت هي وزوجها عمران من اللحاق بابنهم حيان الذي بعثوه إلى أوروبا؛ إلا أنها لم تستطع الانسجام مع المحيط الأوروبي وثقافته.. وحاولت إلى جانب زوجها أن يغيروا من طباع ابنهم حيان، وهي طباع المحيط الثقافي الأوروبي؛ إلا أن ابنهم رفض، وفي الأخير اختفى عنهم وفارقهم.. غرقت كافي في حزنها ومرضت وطلبت من زوجها أن يعود بها إلى تل الورد لتموت فيها. استجاب عمران لطلبها وقد لحقها الموت عند بلوغها تل الورد..

- "باهرة"

باهرة فتاة جميلة ترمز لكل الفتيات زمن الحرب؛ فقدت شبابها في فترة وجيزة وظهر الشيب على رأسها؛ تعرضت للاغتصاب من شخص مجهول بطريقة محترفة؛ اعتنت بأمها حسيبة وأبيها معراوي بعد هجرة أخيها عمران وضلال أخيها ربيع؛ وقد تعرضت للاغتصاب مرة ثانية، عندما استرجع النظام سيطرته على تل الورد، ولكن هذه المرة من أحد الجنود الإيرانيين؛ ومن الغريب أن أخاها ربيع أوصى أحد كبار المتطرفين معه في الجماعة بأن يتزوجها؛ وبعد أن أقام المتطرفون بحفل العزاء لربيع إلى جانب بيت والده؛ جاء صديق ربيع ليتزوجها، وقد اكتشفت ليلة العرس بأنه هو الشخص الذي اغتصبها أول مرة، وتمكنت من أن تنتقم منه وتلقي بجثته في البئر.. 

- "حيان"

يرمز حيان إلى ذلك الجيل الذي ولد ونشأ في الحرب؛ وتشرد في مخيمات اللجوء، وحرم من أبسط الحقوق؛ هاجر هو وأمه وأبوه إلى تركيا وبعدها هاجر لوحده إلى أوروبا، وهو ينتظر أن تلتحق به أسرته، ويكون سببا لهم في الاستقرار هناك؛ احتضنته إحدى الأسر في أوروبا، وقد تأقلم مع الوضع ومع المحيط الثقافي للمجتمع الأوروبي نتيجة صغر سنه ونتيجة التحاقه بالمدرسة؛ إلا أن التحاق والديه وسكنه معهم جعل مسيرة تأقلمه مع المحيط الأوروبي تعرف تعثرا؛ فوالداه ألحّا على قصّ شعره الطويل، وأن يكون لباسه ومأكله بالشكل الذي تعودوا عليه، وقد بذلوا جهدا ليختنوه، غير أنه رفض أوامرهم وغادر المنزل، ليختفي عنهم ويعيش متشردا في شوارع أوروبا.

تضعنا شخصية حيان أمام معضلة جيل كبير من الأطفال الذين نشأوا كلاجئين وأسرهم في أوروبا وغيرها؛ فضياعه يرمز إلى ضياع جل اللاجئين في أوروبا حيث واجهوا سؤال الذات والهوية والآخر؟ وسؤال العودة إلى الوطن أي وطن هذا فقد دمر بالكامل!!! فكيف سيكون حال اندماج الأطفال في المجتمع الأوروبي الذي هاجروا إليه، في الوقت الذي يتعذر على أهاليهم وذويهم الاندماج بالشكل الكافي والصحيح؟ وهنا تعترضنا مشكلة ثقافية صعبة جدا تتصل بطبيعة المحيط الثقافي العربي في نظرته لذاته وإلى الآخر؟

 

بقلم: د. صابر مولاي احمد

                   

بعدما قرأت المقال المنشور تحت عنوان (النقد والخيانة الثقافية) بقلم علی حسن الفواز بتأريخ 1-12-2019 حاولت التغاضي عنه والمرور عليه مر الكرام کأكثرية الاراء والمقالات العابرة التي تنشر يوميا في الاعلام المرئي والمسموع والمقروء، لكنني تألمت بالسكوت عنه وحاولت الرد عليه ليکون القاريء الثقافي علی بينة من أمر ‌هذا الموضوع الشائك، وسألت نفسي أولا هل فعلا لنا النقد الاکاديمي العصري والحريص علی ابقاء موضوعية النقد؟ أم ان أكثر الذي نقرأه في يومنا هذا لا يتعدی المدح والاطراء أو التنقيص والتوهين؟ حسب متابعتي المتواصل للدراسات النقدية يعتبر أكثره مجرد آراء سطحية حول نقاط عامة أو احيانا خارج عن الابعاد الدلالي للنص وسياقاته ويسمونه نقدا.

في حين قد عرف النقد الأدبي بأنه دراسة ونقاش وتقييم وتفسير الأدب، ويعتمد النقد الأدبي الحديث غالبا على النظرية الأدبية وهي النقاش الفلسفي لطرق النقد الأدبي وأهدافه، ورغم العلاقة بينهما فإن النقاد الأدبيين ليسوا دوما منظرين.

أو كما قيل، فهو الطريقة التي يتم التعامل من خلالها مع الأعمال الأدبية وتذوّقها وتقييمها وتوضيح معانيها؛ وذلك لإظهار مظاهر الجمال في النصّ بشكل عامّ وتقييمها بشكل موضوعيّ.

 تعودُ عملية النقد إلى ذوق الناقد بالإضافة الى قدرته على تفنيد العمل الأدبي ودراسته دراسة نقديّة بحتة، ثم تقدير النص بشكل صحيح مع بيان القيمة الأدبية له. كما يجب علی الناقد أن يتميز بصفات شتی عن  الكتاب الاخرين ومن بين هذه الصفات: امتلاك الموهبة، الثقافة والمعرفة، الذوق الأدبي،  الموضوعية في النقد الأدبي.

لكن ان ما لاحظته في کتابة السيد الفواز هو خلطه ما بين الناقد الادبي والناشر والمحرر الثقافي. فأما بالنسبة للنقاد فهو من جهة ينتقد النقاد  بتأثرهم بأيدولوجيات الکتاب أثناء کتاباتهم النقدية ومن ثم بالمؤلف والمواقف ورؤی وأفکار داخل النص، في حين ان کل من هذه المفردات تعتبر عالما خاصا ينبثق من مکامن النص تارة وتارة من شكل وأسلوب النص. ولا يتخلی باجمعها من ترددات الحالة الحسية الانسانية للناقد أثناء تعامله مع النص، ناهيك عن النقاد الذين يكتبون تحت الطلب أو متأثرا بجنس الکاتب أو المؤلفة! لكن مع کل هذا وذاك کان من المستحسن والاجدر للسيد الفواز ان لا يلصق کلمة الخيانة بالنقد! بل يلقي الاضواء علی من خانوا ويخنون الوطن والمواطن دون الحياء والستر.. ودليل علی هذا الكلام هو ما ورد في مقاله حينما کتب:

' ان تســلل التسريبات النســقية للايديولوجيــا تتبدى من خــلال طبيعة المعاجلة النقدية، أو عبر الموقف الذي يمكن استخالصه. وبقطع النظر عن الاشتغالات التي باتت تضع الممارسة النقدية، وحتى الخطاب النقدي في ســياق الدراسات الثقافية، فإن التوصيف الجناسي للمعاجلة النقدية تظل تهجس بما يعكس أثر التســريب النسقي فيها، قد يخل بموضوعيــة النقد أو مهنيته، أو ربما وهو أمر يدفع بعض النقاد الى اللجوء الى اشــتغالات النقد الثقافي، بوصفها اشتغالات تٌعيدنا الى السياق، والى المؤلف، والى مايحملــه النص في جوهره من مواقف ومــن رؤى وافكار'

ان من المعلوم تباين النص الجيد من الرديء والنقد الاکاديمي من السطحي غالبا عند المحررين والمشرفين المختصين علی الصفحات الثقافية کوضوح الشمس، لكن کان من المستحسن ان يأتي السيد الفواز بأمثلة عن هذا النوع الايدولوجي البخيس في نظره من النقد ثم مقارنته بالاخری الذي يراه نقدا علميا وموضوعيا حسب فهمه ورؤاه، كي‌ نکون علی بينة من نيته وفهمه  المتميز، هكذا وفي نهاية مقاله هو يختلط بين هذين العنصرين المختلفين ويكتب:

' الوعي بالاختلاف هو يُعطي للناقد والمحرر مســؤوليته في تقييم هذا النص أو ذاك، مثلما يُبرر عدم اخضاعه لمعايير خارجية لقيم القبح والجمال، وأن مقاربة هذه النصوص تعتمد على مهنية الناقد بوصفه »القارئ العمدة« على مســؤولية المحرر بوصفه المســؤول عن صفحته، وعن وجهة النظر والسياسة التي تعتمدها جريدتــه أو مجلته، وهذا للأســف مــن اكثر مثالب التصريف النقدي في ثقافتنا العراقية...'

أخيرا ليس بوسعي شيء الا ان اتأمل وأقول مع کل من يحترق قلبه علی الواقع الادبي المتهالك الذي نعايشه؛ يا ليت لنا نقادا ماهرين موضوعيين وأکاديميين يتعرفون علی الابداعات الادبية والتي نادرا ما نصادفها هنا وهناك ويتعاملون مع الاعمال الادبية من منظور القيمة الادبية التجددية، ويصنعوا جسرا متينا وموثوقا لعبور القاريء من شط النص الی ساحل التلذذ  بالنص والتعاطي معه. ولتكوين جيلا نخبويا من النقاد نحتاج الی عمل دؤب  وتشجيعهم بنشر کتاباتهم، ثم تأسيس  مراکز ثقافية وأکاديمية حيادية لأستيعاب أولئك النقاد الذين لهم تطلعات نقدية ايجابية وينتظر منهم الكثير مستقبلا. لكن في الاخير (فليكتب وليقرأ) ونكرث الاهتمامات في هذا الحقل، فان ما نحتاجه الیه اليوم هي استرجاع دور الکلمة ومفهومها الی حياتنا وغرس هذا المعنی في النفوس، هذه هي الطريقة المثلی للتقدم، بدلا من القتل والعنف وکل مظاهر التخلف المتنوعة، ثم علينا ان لا ننسی بأن هنالك في نهاين المطاف قراء واعين وصامتين هم الذين يقررون علی القبول أو الرفض لأي عمل أدبي نقدي... 

 

عبدالجبار زبير

 

للشاعرة أسماء رمرام.

كيف أقرأ القصة لشاعرة؟ كيف أنمذج ملاحظاتي لمن تملك في اللغة مفهومها وفنها وسحرها؟

لا فائدة،

سأعرضها من رؤية نفسية تعكس فكرتي الخاصة وليس بالضرورة ماهو عليه  النص الأدبي.

في المنهج النفسي غالبا ما نحيل المتن الإبداعي إلى خبرات الطفولة مع الاستعانة بدلالات وقرائن ترتبط بمرحلة ما من مراحل النمو النفسوجسدي الطفولي  للمبدع. لكن ولأن القصة تلتزم بالأفراد فإنّ إسقاط مراحل الطفولة هنا ستكون على الشخوص المنتقاة لتكون ضمن المجموعة القصصية " بكاء القرنفل" للكاتبة الشاعرة أسماء رمرام.

إذا أخذنا بالرأي النفسي القائل بأن كل عضو في الجسم نتحدث عنه بشبيهه في الطبيعة، فإنّ القرنفل هو شبيه العضو الجنسي الأنثوي / البظر.

فإذا كانت الأنسجة الناعمة في البظر تختص بالعملية الجنسية فإنّها أيضا مبعث الطاقة الحيوية والسرور وتسكين الآلام العصبية والنفسية.وهذه الفوائد تخص القرنفل أيضا فهو ينبه القلب ويسكن الآلام ويحسّن المزاج ومطهّر للفم ومفيد للأسنان .

يجمع علماء النفس بأن مرحلة تأثير البظر على نفسية الأنثى  يبدأ في المرحلة القضيبية من النمو النفسي  وهي المرحلة التي إذا لم يتعدّها الفرد بسلامة فسيحدث في مرحلة قادمة ما يعيدها اضطرابا نفسيا يتفاوت خطره حسب حجم الأذى  الذي تعلّق به (اغتصاب، اعتداء جنسي، ملامسات عدائية  جنسية، تهديد، خصي....). سنسمي هنا هذه المرحلة بالمرحلة القرنفلية لأنها تختص بالأنثى.

ولأن الإبداع يفضح عديد المشكلات الطفولية اللاشعورية فإن بكاء القرنفل يشيرإلى أذى كبير قد لحق شخوص القصص خلال الطفولة الأولى قبل سن ثلاث سنوات والتي اتفق على تسميتها المرحلة القضيبية. وفيها تتشكّل عقدة أوديب للذكر وعقدة إلكترا للأنثى. وهي مرحلة المخاوف خاصة الخوف من بتر العضو الجنسي.  لكنها أيضا في حالة معايشتها بأمان وحنان وحب فتكون المرحلة التي يفهم فيها الطفل أنّ كل فقدان بإمكان إعادته أو إنشائه من جديد.

حصر علماء النفس مجموعة من أنواع الأذى التي تشكل خوف هذه المرحلة ومنها، خوف  الفقد، فقد العضو الجنسي خاصة، فقدان الحب والاهتمام، خوف الانفصال خوف التشويه، الرفض، رغبات غير ملبّاة أو مرفوضة. ويكفينا هنا في العنوان "بكاء القرنفل" لنستدل على الأذى الذي لحق المرحلة القضيبية لشخوص القصص.

في الحقيقة، نحن لا نستطيع التحكم في اللغة مهما حاولنا، لذلك فإنها تنعرج بنا حين الكلام أو الكتابة نحو الخداع. فيمكن عندئذ إخضاعها لسرير النفساني.

البكاء من وظيفة العين.  ويقول عالم النفس "أورتيغا" أن العين لا تقدّم لنا أي مفهوم بمفردها، فلابد لها من جملة ويقصد الوجه. ومن هنا كانت شبه الجملة هنا بكاء القرنفل ناقصة لنستدل تماما على المعنى / الأذى. خاصة وأن البكاء يمكن أن يكون من الفرح أيضا. لهذا سنلتزم بالمعنى القائل أنّ البكاء مسكّن للألم.

فماهي إذاً، في مجموعة بكاء القرنفل القصصية، مسكّنات الألم النفسي الناشئ عن تأذّي الفرد في المرحلة القرنفلية؟

ظهرت في المجموعة نصوص عديدة تشير إلى أنواع الأذى التي تلحق بالمرحلة القرنفلية . كما أن لفظ القرنفل ظهر في ثلاث مواضع : العتبة، نص الباب ونص فرنسا.

بملاحظة بسيطة، نكشف الاغتصاب في العتبة حتى وإن كان اغتصاب أرض. وهي أرض فلسطين بدلالة حضور محمود درويش.

في نص الباب تقول الكاتبة: مقبض يتحرّق شوقا لملاقاة محبوب. هذا من نوع الخوف من رغبات غير ملبّاة.

في نص فرنسا تكتب : وطني بأريج القرنفل، يا عذاب اللغة. هنا ألم الإنفصال.

نعود للنص الافتتاحي "شقاء".  نجد استلهام العنوان من ديوان الشقاء في خطر لمالك حداد. يبدو أن الكاتبة أقحمت الكاتب بدون فهم خلفية النص الشعري الطويل  الشقاء في خطر. فهل باستعارة مفردة شقاء منه دليل لوجود حالة أذى؟ بالتأكيد، فقد استدعت الاختطاف وألم الفقد. لكن حضور اللون الأزرق الذي قال عنه مالك حداد: لا تكون السماء زرقاء إلا في قسنطينة. فهنا بحث عن السلام لدلالة اللون الأزرق وقسنطينة مدينة الكاتبة ومدينة بطلة القصة . فهذه إشارة لتكيّف البطلة مع المرحلة القرنفلية ممّا جعلها  في محاولة لإعادة النشوء / أمل إعادة ابنها المخطوف. مع وجود قرينة لفظية / مالك بشحمه ولحمه.

وهكذا على مدى المجموعة القصصية نحدد أنواع من الألم . أغلبها الفقدان. مثل ماريا، الحفيد، رحمة .

الاغتصاب الذي هو أشد أذى يلحق بالمرحلة القضيبية، يحضر نصا واضحا .

ليريكا، مسكّن الألم النفسي حتى لو كان مخدّرا ممنوعا

التشوّه، في قصة الملعونة

 في نص لهاث، خلع الضرس، إشارة لفقد ولبتر حدث في المرحلة القرنفلية، والضرس قرينة أخرى لارتباط القرنفل بتسكين آلام الأسنان.

وهكذا حتى القصة الرئيسية " بكاء القرنفل"  عن التنظيم الارهابي داعش الذي فيه كتنظيم إشارة كبيرة لتخضيع المرأة لمجتمع ذكوري. ولماهذه الرؤية من إحالة إلى المرحلة القضيبية التي يستعرض فيه الذكر بعضوه على الأنثى التي في تصوّره لأمر ما قد عوقبت ببتر قضيبها.

ثمّ،،،

 بماذا يفيد البكاء؟ تقول الشاعرة في نصها بين مدينتين. /بين جنسين، بين أنثى وذكر؟ لتسكين الألم حتما.

أجل، الكتابة لحلّ مأزم نفسي . فهل نجت شخوص الكاتبة من آلامها في تلك المرحلة القضيبية؟ بل الكاتبة ذاتها؟  التي ظهرت في نصوصها تبكي الآخر للاهتمام أكثر بذاتها؟

 قلت أن المرحلة القضيبية هي الاهتمام بإعادة أجزاء الجسد المبتورة، أو تصليح عطب أو بإعادة إنشاء . هي مرحلة الاهتمام الجيد والمبالغ فيه بالجسد، ترى، هل هذه التجربة الإبداعية قد أصلحت عطبا ما ؟ هل حققت طموحات المرحلة النفسية تلك؟ فأين حالة الرضا إذاً؟

هناك إعادة نشوء في القصص مجاهد، العصفورة، أيّوب، علمنة، وهي كلها متعلقة بالأنثى مما يدل على كون النزعة إلى إعادة إنشاء المفقود ترتبط بالمرحلة القرنفلية للأنثى  لما تتوّهمه الأنثى في تلك المرحلة الطفولية بأنّها مبتورة القضيب وأن الذكر أفضل منها ولما يحدث في المجتمع من تفضيل للذكر على الأنثى " وليس الذكر كالأنثى" من سورة آل عمران الآية 36. لهذا في المراحل العمرية المتقدمة تلجأ الأنثى للخلق النفسي لهذا العضو في مظاهر أخرى .

نرجع للإهداء،

 تقول فيه أسماء رمرام : إلى فلذة كبدي أيوب.

فهي المسرّة إذن، والنشوء الجديد والذكر الذي تكتمل به الأنثى،

الذكر المولود هو إعادة نفسية للعضو المبتور  في لاشعور كلّ أنثى عانت في المرحلة القرنفلية من التمييز بين ذكر وأنثى.

وهذه المزية النفسية  تجعل الأنثى كاملة في الذهن الجمعي وفي ذهنها الخاص وتحسّن إحساسها بذاتها مما يدفعها إلى الحياة برغبة شديدة ويمكنها بهذا الوصول اللّــذي (من اللذة) تحقيق عديد الطموحات.

 هذا هو بكاء القرنفل. بكاء الفرح لتسكين آلام اللاشعور . إن الهروب من التعبير بالجسد في الإبداع إنّما هو دليل على محاولة إعطاء صورة على أنه ثمة دائما الأفضل لنقترب من الناس. مثل شغلهم بالأزهار لضمان النقد السليم.

 

بقلمي / إلهام بورابة من الجزائر

 

جمعة عبد اللههذا الجهد الروائي المتمكن، من توثيق التأريخي، لاصعب مرحلة، مر بها العراق في تاريخه السياسي العاصف. في الازمنة الشمولية المتسلطة في ظلمها واستبدادها، في خنق الحياة وعصرها عصراً في الاختناق الطاغي. ان المتن الروائي يسلط الضوء الكاشف، لهذه الحقبة او اللحقب المظلمة في تاريخ العراق الدموي. في تحولاتها وصراعاتها على خناق السلطة والحكم، ومن يجلس على عرش السلطان المالك الاوحد. ولهذه يضعنا النص الروائي في رؤيته الثاقبة، امام عدة عتبات متنوعة. في نظام يمارس الرعب بجنون وهوس سادي. والتي تمثل اقسى حالة الشذوذ في تاريخ العراق الحديث.ان يصعد ويتسلق على قمة هرم الدولة العراقية. ليكون القائد الاوحد (أنا الدولة والدولة أنا) فرد وضيع ولقيط ويتيم من تربية الشوارع الخلفية، من مواخير الفساد والجريمة والرذيلة. ليصبح مؤسس جمهورية الخوف والرعب في أساليبها النازية المدمرة. أو بالاحرى جمهورية لقطاء الشوارع، دولة مفصلة على قياساته. ليقود الواقع السياسي والاجتماعي الى الانهيار.. والسرد الروائي المحكم في جاذبية السرد المشوق والمركز. يتناول سيرة حياة عائلتين، بينهما تقاطع وعداء وخلاف. الاولى مكونة من اعمام سارد النص الروائي، وبطل الرواية وضابط مسار احداثها، يسرد حكايات أعمامه وهم يمتهنون حرفة السرقة والسطو على اصحاب المواشي (المعدان). ولكن بعدما تفاقمت مشاكلهم مع العشائر، وكثرة الدعاوي ضدهم في مراكز الشرطة، تركوا مهنة السرقة، وجمعوا موردهم المالي، واشتروا سيارة ركاب. لكي تكون دخلهم المالي في الحياة. ولكن السيارة سرقت. من قبل مساعد السائق، الذي كان لقيطاً في الشوارع، وعطف عليه أحد الاعمام ليكون مساعداً للسائق، لينتشله من التشرد في الشوارع. وبعد البحث والتفتيش عن السارق، بالبحث المتواصل والمرهق والمتعب. وجدوا أن ذلك اليتيم اللقيط الذي يعرف بأسم (سليبا / أبليس). ولكنه اصبح مسؤولاً كبيراً في الدولة والحكومة. وطالبوه بالتعويض المالي، ولكن بدلاً من التعويض ارسل (أبو السارد النص الروائي) الى السجن، ثم الى الاعدام البشع، في حوض اسماك القرش مع حفنة من المساجين، لكي يتسلى القائد الاوحد (سليبا / ابليس) بمشاهدة اسماك القرش وهي تقطع لحم المساجين. لذلك طلبت (الجدة) أم الضحية المعدوم، الثأر لابنها المغدور، في القيام في محاولة اغتيال، والتي انتهت الى الفشل، وتشتت شمل العائلة... أما العائلة الثانية فهي عائلة اللقيط واليتيم الذي اصبح فيما بعد رئيس الدولة، ليؤسس دولته من الخوف والرعب. ويتابع السرد الروائي سيرة حياة هذا اللقيط من البداية حتى وصوله الى قمة هرم الدولة والمجتمع. يتابع سايكولوجية عائلته ونشاطها بالفساد والجريمة والدعارة والجنون على الاستيلاء والاستحواذ. وكذلك شلة وحاشية اللقيط الدكتاتور (الرئيس الدولة) وهم من اصحاب الجرائم والفساد والدعارة، وحفنة من القواويد والعاهرات، وحفنة من اصحاب السحر والشعوذة، ومن النفوس الضعيفة والذميمة، يبيعون شرفهم واعراضهم بحفنة من المال، حتى يبعون زوجاتهم وبناتهم واخواتهم، وحتى أمهاتهم، حتى يرضوا نزوات وغرائز الجنسية المتوحشة لقائدهم الاوحد. اي أن شلته واعوانه من من منابع مواخير الرذيلة والفساد، واطلق لهم العنان في استباحة العراق بالبطش والتنكيل، في ابشع وسائل التعذيب النازية. فالويل من يدخل قفصهم، لا يمكن ان يخرج سالماً، بالعقاب والتعذيب حتى ينقطع اخر نفس في حياته، هذه الشلة الطاغية تتفنن بمهارة في اساليب البطش والتعذيب. بهذا الشكل يتحدث النص الروائي للواقع الفعلي، في اسلوبية السريالية الكوميدية والتراجيدية. في زحمة المأسي التي يتجرعها المواطن، لكنها لاتخلو من السخرية والتهكم. وكذلك الصراعات والتناقضات الناشبة داخل العائلة الحاكمة. في نزواتهم المريضة. وفي خلافاتهم المستعرة، وخاصة من أبنه البكر. المعتوه والمجنون بالدموية والعنف السادي. وشبقه الجنسي المتوحش، في خطف الطالبات واغتصابهن، وعند الصباح حين يشبع من الضحية هو واعوانه، يطلقون سراحها، بالتهديد بعدم التطرق الى الاغتصاب الجنسي والخطف. وبهذا الشكل اصبح المواطن على راحة كف دكتاتور مستبد وطاغي في منتهى التوحش، ولان اصله لقيط ويتيم. فاراد ان يكون جيشاً جراراً من اللقطاء، حتى يعتمد عليهم ويسلمهم مفاتيح الدولة والحزب القائد. ولكن الصراع العائلي بروح الحقد والانتقام بين افراد العائلة المالكة في خلافات حادة. مثلاً ابنه العنيف والمجنون، اغتصب زوجة ابيه الثانية السرية. الذي يكن لها الحب والعشق الطاغي. وحين وجدها في حالة يرثى لها من الاغتصاب المتوحش، اصابه الجنون بروح الانتقام من أبنه البكر، وشعر بالاحباط والانكسار والتخبط، بماذ يفعل لهذا الابن العاق؟. فقد انكسرت هيبته وكبريائه داخل نفسه. وهو الذي تنظر اليه حاشيته واعوانه بخوف ورعب وارتباك حين يدنو منهم، وهاهو يذوق علقم المرارة والانكسار، وبدأت الهواجس بالتوجس من عائلته بالقلق المتزايد، بأنهم يدبرون ضده انقلاب عسكري، وخاصة ان (خال) الاولاد، وزير دفاعه محاط بمجموعة من كبار العسكريين التي تدين بالولاء له، لذلك لابد ان يتغدى به قبل ان تنفلت الامور خارج السيطرة، مهما يكون الثمن. لذلك دبر عملية اغتيال مدروسة، ونجحت العملية بقتل وزير دفاعه.. ولكن مع أبنه ماذا يفعل وينتقم منه على فعلته الشنيعة في اغتصاب زوجته وعشيقته. وكان يدردم مع نفسه في ايجاد وسيلة يعيد الكرامة الى زوجته المغتصبة. لذلك يقول (لو كان غيره من الناس لذر رماده في نهر دجلة، لو كان شعباً لمحاه عن وجه الارض، لكنه أبنه وشبيهه وقطعة من كبده، وفي كثير من المرات يرى تصرفاته ويقارن ذلك بشبابه المقموع) ص195. لانه كان يتيماً ولقيطاً، أشاء الحظ والصدفة ان تنتشله من الشوارع، ويتسلق على شجرة الدولة حتى قمتها، من خلال ذلك العسكري (العميد) الذي رباه واعتنى به، وانتشله من التشرد في الشوارع. لكن بعد ان قوت شكيمته، عامل سيده وولي نعمته بالقسوة الوحشية، بدلاً من رد الجميل، اغتال افراد عائلته بطريقة بشعة ثم اغتاله، لكي يتفرد بالحكم وحده دون شريك له. ليصبح القائد الاوحد. ثم سعيه الخبيث في الانتقام من المجتمع العراقي في التخريب الاجتماعي والاخلاقي، في السعي لتكوين جيشاً جراراً من اللقطاء،ليطلق لهم العنان بالتوحش والتخريب الاخلاقي. وحتى يكونوا مخلصين له. وكان يحث ويشجع على خلق وانتاج اللقطاء بأي صورة كانت. حتى يكون له جيشاً قوامه 100 ألف لقيط ولقيطة. وكان يكافئ بالمال من يجلب لقيطاً او لقيطة، هذا الهوس الجنوني (- أصنعوا اللقطاء بأي ثمن واي طريقة وباسرع وقت ممكن. لقيط واحد في العراق أفضل من عشرة اصلاء، وكل من يأتي بلقيط يجب ان اطبع قبلة على جبينه، وان تصرف له مكافأة لا يحلم بمثيلها، حتى سمي حكمه بحكم اللقطاء المباركين) ص200. ويسلمهم الحزب والامن والمخابرات. وان يكون لهم نفوذاً كبيراً في الدولة، في جمهورية يحكمها اللقطاء. وفي التاريخ القديم يعج بالامثلة من اللقطاء الذين انقلبوا على والي نعمهم بالاغتيال والقتل، ليحلوا محلهم، بديلاً من الحاكم والسلطان والملك المغدور. منهم (سرجون الاكدي) كان لقيطاً. واحتضنه الملك ورباه في القصر، ولكن حينما كبر اللقيط قتل الملك ليحل محله مللكاً لمدينة (كيش). يعني التاريخ العراقي زاخر بالعنف الدموي والغدر، في اغتصاب السلطة والحكم من قبل اللقطاء و(سليبا / ابليس) واحداً منهم، ليصبح قائد الضرورة الاوحد. ان رواية (تحيا الحياة) تستعرض بدقة عمليات الارهاب السياسي والفكري واساليب البطش والتنكيل. وكما تعرج على كوارث الحصار الاقتصادي الدولي بعد الحرب المدمرة، فقد جعلت الشعب يئن ويرزخ تحت ثقل معاناة الفقر والجوع الحياة الصعبة، وقلة الرواتب حتى اصبح الراتب الشهري يساوي كيلو واحد من الدقيق. وشحة المواد الغذائية واختفاء الدواء، وحل بديله الدواء الفاسد والمغشوش، فتفشت الامراض المزمنة والفتاكة، ومنها الامراض الجلدية، لنقص الادوية، وفقر الدم الذي يعاني منه شرائح كثيرة من الفقراء. حتى اصبحت حياة لا تطاق ولا تتحمل، مما برزت ظاهرة هروب المجندين. من اجل اعالة عوائلهم من التشرد والفقر، ولكن كان النظام لهم بالمرصاد، بعدما كثرت عمليات الهروب من الجيش والجبهات الحربية، قررت الحكومة قراراً، بقطع صيوان الاذان، لكل هارب ومتخلف (- ليعلنوا في التلفزيون، أن كل من يفر من الخدمة العسكرية تقطع الحكومة أذنيه) ص79. واصاب الناس الهياج والتذمر بموت الكثيرمن المعاقبين، تحت عقوبة قطع صيوان الاذان. فأضطرت الحكومة تخفيف العقوبة بقطع صيوان واحد من أذنيه. ولكن الهيجان والتذمر تصاعد اكثر، وبدأ الحديث بأن الحياة بهذا الشكل لا يمكن ان تستمر، واصبحت عبارة عن جحيم، فلابد من قيام انقلاب او ثورة،تنقذ الشعب من هذا الجحيم والنظام الوحشي،. فجرت عدة محاولات لاغتيال رأس النظام، وكذلك محاولات انقلابية، لكن جميعها باءت بالفشل، من هذه المحاولات الكثيرة، محاولة انقلاب التي شارك فيها الكاتب الروائي (حسن مطلك) مع مجموعة من الضباط الوطنيين. لكنها فشلت واعدم الكاتب الشهيد. الذي كان هدفه انقاذ الشعب من نظام دكتاتوري باطش، أذل واهان الشعب (وحين عثر الروائي حسن بعد ذلك على مجموعة من الضباط الوطنيين يخططون لاغتيال الرئيس، أنخرط في صفوف الثائرين لتحقيق حلمه، وعندما لم تنجح محاولاتهم، قبض عليه مع الضباط واعدم الكاتب الشاب، من دون رفاقه برميه لكلاب الرئيس الجائعة، فمزقته شر تمزيق) ص134. وكذلك قام النظام الدكتاتوري بأبادة الجماعية، في الانتقام من الحركة المسلحة في كوردستان، في ضرب احدى مدنهم (حلبجة) بالغاز الكيمياوي، فقد اغارت الطائرات على المدينة وهبطت على مستوى منخفض ودفعت مسحوقها السام والخانق الى الاسفل (وحين بلغت مسافة خمسين متراً عن رؤوس الناظرين الى السماء، انفتحت تلك الحزم المدببة متحولة الى غمامات شديدة السواد، وغابت الشمس عن المدينة لنصف ساعة جحيمية خانقة، سقط جمهور من النساء والرجال والاطفال، يتلوون لاختناقهم بسبب أنسداد قصباتهم الهوائية بغاز السام، واخذوا يسعلون دون انقطاع مخرجين كل ذرة أوكسجين وتعويضها بذرات الغاز السام) ص181. وتدور الاحداث العاصفة بعد ذلك لتأتي، ام المهالك في الانكسار الكبير بعد الحرب ضد الحلفاء، ووقعت قوات الجيش في ضربات مدمرة ومهلكة، انتهت بالخسارة الماحقة والذليلة، انتفض الجنود المندحرين والمنكسرين من الحرب، ليشعلوا انتفاضة في الجنوب، وامتدت الى الوسط والشمال. بالانتقام من النظام الذي ارسلهم الى محرقة الموت والجحيم، ودفعهم الى الموت المجاني، فأنتشرت المجموعات المسلحة لتقاتل النظام واعوانه من الحزبيين، الذين لاذوا بالفرار كالفئران المذعورة، خوفاً من انتقام الشعب، وليتجرع الدكتاتور الجالس في بغداد مرارة علقم الهزيمة، فقد حدثت مجازر في كبار الحزبين واحرقت البنايات الحكومية والحزبية. ولبى نداء الوطن كاتب (تحيا الحياة) لينضم الى الانتفاضة والمنتفضين، ويودع زوجته والدموع في عيونها (- أنتفاضة كبيرة قام بها اهلنا في الجنوب وعليَّ أن اشارك فيها. أنتِ تفهمين هذا ؟) ص225. وتيقن الدكتاتور بأن نهايته اقتربت ونظامه الى الزوال، بعدما ارتكب مجازر بحق الملايين من افراد الشعب. لكنه لم يأيس من اغراق الانتفاضة بالدماء، ويطلق جحوشه اللقطاء، في يومهم المنشود والموعود، ليطلق لهم عنان التوحش والوحشية، بالتدمير والقمع الدموي، حتى لا يفرق بين الناس، كلهم اعداء يستحقون الموت بالبطش والتنكيل، ونجحوا في انقذ ابن جلدتهم اللقيط الاكبر. هذا المتن الروائي لرواية (تحيا الحياة) في خطوطها العريضة، التي تمثل بانوراما المعذبين والمسحوقين، ضحايا القمع المتوحش، التي تجرعها الناس في النكبات المتوالية من نظام يضم في جعبته ازبال قاع الحضيض، ومن مواخير الرذيلة، في عهد ظالم وجائر، لا يعرف ’ سوى لغة الموت والقتل، لكن ليس هذه نهاية المطاف رغم الظلامية القاسية، فمازال الامل بأن تحيا الحياة من جديد، ولا بديل سوى ان تحيا الحياة، حتى من عمق الظلام الدامس، وكانت هذه الرواية (أنشر الرواية على الناس نفخاً للحياة فيها.... أتبقى جسداً هامداً تنوشه السنوات والتقادم الزمني، وعوامل التفسخ كأي شيء حي اخر ؟ هل يعيد الناس خلق العمل الادبي بأضافة ماعشوه من احداث في الواقع اليها ؟ أنتابته مشاعر فرح وحزن... فرح لانه اكمل أنجاز ما اراد انجازه طيلة عمره سنوات حزنه كما يسميها وحزن أهله جميعاً، لانه لا يدري ايضاً هل وفق بكتابتها واتم واجبه على خير وجه. أم بقيت أمامه مسؤوليات جمة ليكتمل عمله، أولها كيف له ان يخرج بالرواية خارج الحدود؟) ص263. وهذه علقم المصيبة. كيف يستطيع الخروج معها من النقطة الحدودية (طريبل) هذا مصدر الخوف والقلق عند نقاط الحدود، التي تلعب في اعصاب المسافرين بساعات الرعب والقلق والتوجس. أنها لعبة الحظ بين الموت والحياة. وخاصة من اكتوى بعلقم المعاناة عند نقاط الحدود، كأنها ختبار وامتحان لقدرة تحمل المسافر. جملة من السلوك الخشن، في الاهانة والاذلال. لكن حالف الحظ رواية (تحيا الحياة) وخرجت بسلام بأن الحظ والصدفة لعبت بها ولصالحها في الخروج.

 

× الكتاب : رواية تحيا الحياة

× المؤلف : فيصل عبدالحسن

عدد الصفحات : 272 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

 

سمر محفوضألفة الصورة وحضور المشهدية على كامل مساحة النص حيث الغياب سمة وتناغم عند الشاعرة السورية نجوى هدبة.. لاشك أن الكتابة عن الشعر هو توريط حقيقي للناقد أو القارئ فالشعر يندرج في اللا نسق والكتابة نسق. من يكتب عن عمل شعري إشكالي كمجموعة " استميحك عطرا" هو بحد ذاته عمل يتصادى بين الإفصاح والإيحاء، ويتناول الشخوص والأحداث من منظور المراقب الحيادي والمتابع نجوى هدبة في مجموعتها "استميحك عطرا " الصادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب \وزارة الثقافة –دمشق 2019 جاء في 127 صفحة - فعلتها بكثير من المرونة .. حيث تتناوب سياقاتها على مجموعة من الخطوط التي تتعمد حرية الحركة بالغياب والحضور والعودة خطفا (مابالي لا أتقن الإنصات لثرثراتهم؟) (ولا لصهيل نكاتهم؟) (وقع حوافر أمانيهم مثخنة الغبار) (وأنا مثخنة بالصمت) ص58

في المستوى الأول تنعكس روحانية ألمراء الشاعرة التي تسكنها والتي تهتم بما ينبغي، و تحدد جهاتها في كل مايتعلق بمخيلتها من الشعر والفن وفق معطيات ومعارج وأسئلة، تطرحها بدون انتظار إجابات مقنعة، حيث كل مايحيطها مفعم بالأسئلة وبالنشوة الغائمة أيضا بدءا من حركة اللغة عبر الجملة الشعرية، إلى تجسيد حالات التعبير من حركة المشاعر، إلى حركة الجسد وإطلاقه من الآني إلى الكلي نحو التجريدي (هي ليست كاملة) (تلك القصائد الغافية على سطح بيتي) (أشمسها) ( أدفع عنها غبار الحنين) ( وأسطر لها قافيات الفرح) (أنا البائسة أدناه)  ص \42 \ بحيث أن كل ارتقاء يصلنا بذروة تالية نحو أسرار الطبيعية التامة، التي لا يمكن للعقل أن يخضع لتكوينها الصارم والوحدة الصميمية التي تديرها و تحكمها،مشغولة بمكنوناتها تعزف سلمها الشعوري على أوتار الروح الموجوعة والشائكة (ثوبي ممزق وكلما حل الربيع) (نبتت زهرة من شق فيه) (وعلقت فراشة تتحسس عطر الله) ص \22\

1251  نجوى هدبه

لا تكلِّف نجوى هدبة نفسها عناء الانضباط للغة المألوفة بمقولاتها الواصفة أو بمفاهيمها المختلفة، لكنها تحاول أن ترينا النص الأدبي من منظور آخر مختَلف، يفارق فيه الرّائي ركن المتذِّوق الغافل عن وصفاتِ الكتابة و محتَرَفاتِ الإبداع الى الدهشة في التشكيل( أقص لك ترهات عن سذاجتي) (في ارتداء حذاء كعبه بعلو فكرتي) ص\95\ (كالعادة يسألني كيفك.؟!) (أجيب) (أنا بخيرك) (لا زلت أهذي بلقائنا الأخير) ص\98\-ذلك التمركز بالشكل الذي ورث الشعر الشوق الأبدي والإيقاع وشفافية الكتابة (نحن توت الأرض) (شجر الزيزفون حين عبث) ص\74\ في المستوى الثاني من التداولية أي جانبها التواصلي. وفي هذا الإطار تحدث عن قيم الهوية من خلال استحضار التعدد وصورة المرأة والاستلاب الاجتماعي وهموم النساء وانتهاكات أجسادهن (لي أولاد نجباء) (أنجبتهم من رجل عقيم) (يتلذذ كل ليل جسدي) (ثم يعتلي خيره) ص\54\

 وقبل أن نتطرق إلى معالجة أي من هذه القيم، ينبغي الإشارة إلى سيميولوجية الغلاف من خلال تحديد معالمه وعناصره اللغوية والاشارية، وانسجام العنوان والصورة على الغلاف الذي لم يكن موفقا بل كان الإيحاء هشا يعاكس مضمون المجموعة العميق والكثيف، نجوى سيدة الاحتمالات الجميلة والمتناقضات الممسوكة جيدا والتوازنات العميقة تقول (لست حبيبة من النوع الفاخر) (لأكدس أحلامك المزعجة) (في قبو البيت) (أو أن أهش على نزواتك) (فأفيض غيرة) ص\38\ هنا اعتمدت الشاعرة على تحوير مبالغ به لكنه يعطي إحساسا بنقلة متوقعة ومرتقبة تشي بخصب جملة شعرية تلقائية تهمل كل مالا يشغلها بحذفه، موحية بخلاصة تأملاتها التي تفصح عن حضور لامتعالي بل فاعل (أنا قميص يوسف) (أنا ياقته الممزقة عن ألف حب ولحن) (أنا صدره الفتي) (وغابات عمره عند حدود القصيدة) ص\16\ القصيدة ذلك الجسد الأثيري الساحر للحزن و كسر الرموز .. لأنها هي الكائن المولد للجمال مركز الكون ومعبده والينبوع الأصل لمسافات تكوينها، في المجموعة موضوع الدراسة لم تتعامل نجوى هدبة مع مجموعة حقائق الكتلة المتمايزة للفظ ’بل دخلت تلقائيا للإشعاع المحيطي للعبارة الشعرية والذي يفيض بالمحبة لتوجيه عملية الإبداع نحو همومنا المعلنة،وفي خدمتها ايضا تقول نجوى(كم زاوجت..) (صرير الباب والمغسلة) (وطاولة الزينة) (والحاسوب) (،) (لهفتي) (ورسمت غطاء يدثر عريها) ص\11\ تمنح اسما لكل وجع وخيبة وحياة ايضا حيث تثير جملة (كم تماديت في احتضان الريح تلوح لي) (حتى أفهمتني ) (أن البعد ..حلال) ص\ 11\. تعمل على الى اجتياز مستوى الكثرة الى مستوى التأمين في الوفرة حيث لا تخضع كا لمعرفة الى قانون محدد بحيث يعني تكيبل لا نهاياتها في الاتجاه الذي يخرج الماضي الى الحاضر والكينونة الى مفهوم الوفرة (كثير أنت ) (كهذا التعب) (كهذي الاشتعالات) (كورق شجرة حبلى\ص\75\ بحيث تبسط أمامنا خاصية التفاعل والتجاوب مع كلياتها الشعرية وبساطة الايحاء (كثير أنت كنجوم السماء) (ومابعد السماء) ص\75 تشير فقط انه هنا وليس سواه واقع فعلا، وأن أوجزت في الرؤية لكنها أتاحت إمكانية الانكشاف عبر التمعن في مقولة التماهي العميق عجائبيا مع التناغم الحي كيانا وروحا لايقبل الانقسام لكنه مستقل عنها ويتماشى مع اللغة التعبيرية بحيث اننا في النثرية الجديدة لا نبحث عن المتن بقدر انشغالنا بالهامش (يفتح للرعشة أبوابا) (ونوافذ) (فأتدفق بين يديه كوجد) (كوتر عود) (كناي..) (رتل بحة القصب) (و..ذاب) ص\15\التشهي للإفصاح لا يلغي الجمالية بل يضيف لها الدهشة عبر امتلاك الجزئيات زمانا ومكانا وصيرورة ( أنا المذهولة من قرمشة الفستق) (وهو..) (يتلذذ ملحها) ( ليجففني بلهاثه) ص\66\هنا تتمرد نجوى على الاحتمالات وتستغل التشكيل للتأكيد بأنه ليس ثمة غيرنا نمعن بالحزن و بالمصير (أنا ظلك الغبي) (تعثراتك في رصيف الشارع ص 78) .

- أخيرا على اعتبار أن النص رؤية حرة ورمزية جدا تحيل للتكامل بين العطر واستباحته عبر الاعتذار والإيحاء بوحدتهما (خلقت من ضلعه الأعوج) (فاستقمت على ) (هواه) ص\119\ العنفوان الذي أعطي له بنقلة واحدة ترصد الصفاء الأول كما تريده نجوى(من كثرة إيمانه بك) (سار على مائك) (قلبي) ص\122\في فضاء التراكم تؤسس للواقعي دون ان تخدش المتخيل وهو تيمه جادة في كتابات نجوى هدبة لتكاد تؤكد بان المجموعة الأولى هي في تراتب النشر لكن في الكتابة فهي تمتلك أدواتها الشعرية وجدا.. أما في معنى الخصوصية فتتوزع مناخاتها علينا،وهي تدفع مزيدا الينا من الأسئلة غير المسبوقة من أجل الشعر أولا وفي صالح ما يستحق الدهشة لان الشعلة داخلها متجددة وذات أسلوب باذخ يقوم على البوح بالجمالي وفي الوقت ذاته تقدم لنا نبضا طازجا مترعا بمحمولاته .عبر الإيغال في قراءة التشكيل سواء كان خارج البنية أو ضمن الاسئلة والتحديات التي تحمل إرادتها للمسك بمفاجآت النص الشعري بموضوعية وسط الكثير من الاضاءات الإبداعية (أحتاج أحرفا أقل) (وسماء أكبر لأهمس لك) (أعطشك) ص\123\نجوى هدبة قدمت لنا في استميحك عطرا مجموعة مفردات من المخيلة وضحاياها الجميلة عشق الوطن والابن والحبيب بتناغم متصاعد استطاعت نجوى ان ترسي نمطا يهتك التهميش وصولا الى التساؤلات المقلقة والملغومة تكريما للكتابة وبعيدا عن الثرثرة، وهي تنطوي على منعرجات أرحب وأفاق تعد بالأهم والاكثر عمقا .

 

سورية – سمر محفوض

 

 

جميل حمداويالمقدمة: من المعروف أن المجاز هو مفهوم بلاغي شائك.وغالبا، ما يرتبط بمفهوم الصورة البيانية القائمة على المماثلة والمشابهة. ويتقابل المجاز معرفيا ومفاهيميا مع  الحقيقة.وبالتالي، فهو يحيل على التجاوز، والخرق، والتصرف، والتوسع، والانزياح، والخروج عن الواقع المألوف و دائرة المواضعة العرفية. بمعنى أن المجاز هو الغرابة الإبداعية، وانتهاك الأصل الحقيقي، بتخطي الواقع نحو اللاواقع. ومن ثم، يتأسس المجاز على الاندهاش، والتعجب، والحيرة، والتمرد عما هو واقعي ومعياري ومألوف في عالمي المنطق والقوانين، بالانزياح عنهما، بالانسياق وراء العوالم التخييلية الممكنة.ومن هنا، يلتقي المجاز مع التخييل الشاعري بتكسير القواعد والأنماط المعودة.

إذاً، كيف كان تصور البيانيين والبرهانيين والعرفانيين لثنائية الحقيقة والمجاز  في الثقافة العربية الإسلامية؟ وما مستندهم المرجعي والفكري والإبستمولوجي في ذلك؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في المطالب التالية:

المطلب الأول: المجاز البياني

يقصد بالفكر البياني ذلك المنتج الديني والأدبي والبلاغي والفقهي والأصولي والكلامي الذي أنتجه العلماء المسلمون إبان العصر الوسيط (العصر العباسي). ويعني هذا أن العلماء الذين كانوا يرتبطون بهذه المنتجات كانوا يفكرون تفكيرا بيانيا، بالتركيز على اللغة بمختلف سياقاتها التداولية، والتأرجح معرفيا بين دلالاتها الظاهرة والمجازية. بمعنى أن هؤلاء كانوا يفسرون النصوص والظواهر الدينية والأدبية والبلاغية والدينية والكلامية تفسيرا بيانيا يرتبط بثنائية اللفظ والمعنى.

وهكذا، فلقد تأسس علم أصول الفقه، مثلا، في الثقافة العربية الإسلامية، على دراسة الدلالات اللغوية في ضوء رؤية بيانية محضة. ويعني هذا أنه من الصعب العثور على كتاب أصولي لا يتناول الدلالات اللغوية؛ لأن الاستنباط والاجتهاد مرتبطان بالنص الشرعي من جهة، وبلغة الخطاب الشرعي من جهة ثانية. ويعني هذا أن الدلالات اللغوية الأصولية ذات طبيعة لغوية ومنطقية وسيميائية على حد سواء، مادامت تدرس علاقة الدال بالمدلول، والمطابقة بين الدلالة والاستدلال، أو بين طرائق دلالة اللفظ على المعاني، وطرائق تصرف العقل فيها[1]. وفي هذا الصدد، يقول محمد عابد الجابري:" إذا تصفحنا أي كتاب من الكتب المؤلفة في أصول الفقه، قديمة كانت أو حديثة، فإننا سنجد" أبواب الخطاب" أو "المبادئ اللغوية" حسب تعبير القدماء أو" القواعد اللغوية" حسب تعبير بعض المعاصرين، تشغل عادة ما لايقل عن ثلث حجم الكتاب.وهذا شيء يجد تبريره في تصورهم لموضوع عملهم ذاته. ذلك لأنه إذا كان علم أصول الفقه يدرس، أساسا، " وجوه دلالة الأدلة على الأحكام الشرعية"- والأدلة هنا هي أساسا النصوص: القرآن والسنة- فإن الشاغل الأول والرئيسي لأصحاب هذا العلم سيكون، بالضرورة، هو ضبط العلاقة بين اللفظ والمعنى في الخطاب الذي يتعاملون معه: الخطاب الشرعي.وبما أن هذا الخطاب قد ورد بلسان عربي فإن عملية " الضبط" تلك ستمتد بالضرورة إلى هذا اللسان ككل."[2]

ويعني هذا أن هم الأصولي هو التسلح باللغة العربية، والتمكن من أساليب العرب من أجل فهم النصوص الشرعية، وبناء علم أصول الفقه إن نظرية، وإن تطبيقا.

ومن جهة أخرى، فلقد أعطى الأصوليون أهمية كبرى للحقيقة والمجاز في كتبهم الأصولية من أجل استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية؛ لأن الأحكام الشرعية والفقهية قد تستنبط من سياقاتها الحقيقية، أو من سياقاتها المجازية.وبهذا، تكون ثنائية الحقيقي والمجازي قد تحكمت في مختلف مواضيع أصول الفقه إلى يومنا هذا.لذا، فلقد أدرج علماء الأصول مبحث المجاز والحقيقة ضمن ما يسمى بباب الدلالات. وفي هذا الصدد، يقول أبو الحسن البصري في مستهل كتابه:" أعلم أنه لما كانت أصول الفقه هي طرق الفقه وكيفية الاستدلال بها وما يتبع كيفية الاستدلال بها، وكان الأمر والنهي والعموم من طرق الفقه، وكان الفصل بين الحقيقة والمجاز تفتقر إليه معرفتنا بأن الأمر والنهي والعموم ما الذي يفيد على الحقيقة وعلى المجاز، وجب تقديم أقسام الكلام وذكر الحقيقة منه والمجاز وأحكامهما وما يفصل به بينهما على الأوامر والنواهي ليصح أن نتكلم في أن الأمر إذا استعمل في الوجوب كان حقيقة. ثم الحروف، لأنه قد يجري ذكر بعضها في أبواب الأمر فلذلك قدمت عليها. ثم نقدم الأوامر والنواهي على باقي الخطاب، لأنه ينبغي أن يعرف فائدة الخطاب في نفسه. ثم نتكلم في شمول تلك الفائدة وخصوصها وفي إجمالها وتفصيلها. ونقدم الأمر على النهي لتقديم الإثبات على النفي، ثم نقدم الخصوص والعموم على المجمل والمبين، لأن الكلام في الظاهر أولى بالتقديم من الخفي. ثم نقدم المجمل والمبين على الأفعال، لأنهما من قبيل الخطاب، ولأن المجمل كالعموم في أنه يدل على ضرب من الإجمال، فجعل معه. وتقدم الأفعال على الناسخ والمنسوخ، لأن النسخ يدخل الأفعال ويقع بها كما يدخل الخطاب. ونقدم النسخ على الإجماع، لأن النسخ يدخل في خطاب الله سبحانه وخطاب رسوله صلى الله عليه دون الإجماع. ونقدم الأفعال على الإجماع، لأنها متقدمة على النسخ، والنسخ متقدم على الإجماع، ولأن الأفعال كالأقوال في أنها صادرة عن النبي صلى الله عليه و سلم. وإنما قدمنا جملة أبواب الخطاب على الإجماع، لأن الخطاب طريقنا إلى صحته، ولأن تقديم كلام الله سبحانه وكلام نبيه أولى. ثم نقدم الإجماع على الأخبار، لأن الأخبار منها آحاد ومنها تواتر. أما الآحاد فالإجماع أحد ما يعلم به وجوب قبولها، وهي أيضا أمارات، فجاورنا بينها وبين القياس. وأما المتواتر فإنها وإن كانت طريقا إلى معرفة الإجماع، فانه يجب تأخيرها عنه كما أخرناها عن الخطاب لما وجب أن نعرف الأدلة. ثم نتكلم في طريق ثبوتها، وإنما أخرنا القياس عن الإجماع، لأن الإجماع طريق إلى صحة القياس...ثم يأتي بعد ذلك الكلام في الحظر والإباحة ثم أخيرا الكلام في المفتي والمستفتي والإصابة في الاجتهاد، وبذلك تختم أبواب أصول الفقه عادة.[3]"

يتبين لنا أن أبا الحسن البصري قد اهتم كثيرا بالدلالات اللغوية التي تسعف الفقيه والأصولي في استنباط الأحكام الشرعية، بالتركيز على الحقيقة والمجاز؛ لأن كثيرا من الأحكام الشرعية والفقهية تنبني على ثنائية الحقيقة والمجاز، ولاسيما في باب الأمر والنهي.

ومن هنا، يتضح لنا أن علم أصول الفقه قد اعتمد على مستند لغوي وبياني محض، مادام هذا العلم يركز كثيرا على الدلالات اللغوية، كما يبدو ذلك جليا في القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة، ولسان العرب. كما يبحث الحقيقي والمجازي عن مختلف العلاقات الموجودة بين الدال والمدلول، أو بين اللفظ والمعنى من أجل استثماره في بناء الخطاب الشرعي الأصولي. وبهذا، يكون المنهج الأصولي بياني بشكل خاص، مادام يستثمر الدلالات اللغوية في بناء الحكم الشرعي والتكليفي.

ويعني هذا أن المجاز والحقيقة لهما مصدر إبستمولوجي بياني ولغوي في ثقافة العصر الوسيط، وقد تمثله رجال الفقه وأصوله، ورجال الأدب ونقده، وعلماء اللغة والنحو، وعلماء الكلام من معتزلة، وأشاعرة، وماتريدية.أي: يُحلل المجاز البلاغي في ارتباط بالحقيقة المنسوبة إلى الواقع من منظور بياني لغوي محض، فيراعى في ذلك وضع اللفظ في لسان العرب، أو البحث في توافقه مع عادة الأعرابي في تلفظه وتواصله.ومن هنا، تستند ثنائية الحقيقة والمجاز إلى ثنائية اللفظ والمعنى من جهة، وإلى ثنائية الأصل والفرع من جهة أخرى.بمعنى أن الحقيقة أصل، والمجاز فرع، والعلاقة بينهما علاقة استبدال، ومشابهة، ومماثلة، ومقارنة، وتأويل. وبالتالي، يخضع إشكال الحقيقة والمجاز لثنائية اللفظ والمعنى من جهة، وثنائية الأصل والفرع من جهة أخرى. وفي هذا، يقول الجابري:" إذا نظرنا إلى البحث الأصولي من الزاوية الإبستمولوجية المحض، وفي ضوء هذا الوصف الذي قدمناه لبنية علم الأصول، أمكن القول بدون تردد، إنه، أساسا، بحث في الدلالة، دلالة النص ودلالة معقول النص.أما البحث في دلالة النص، فقوامه عملية استقراء واسعة لأنواع العلاقات التي تقوم بين اللفظ والمعنى في الخطاب البياني قصد ضبطها وصياغتها في قواعد.وأما البحث في دلالة معقول النص أو معنى الخطاب، حسب تعبير بعض الأصوليين، فيدور حول محور رئيسي واحد هو القياس.والقياس الفقهي هو تمديد حكم الأصل (ما ورد فيه نص) إلى الفرع (ما لم يرد فيه نص) باعتماد معقول ذلك النص نوعا من الاعتماد.وإذاً، فهناك مستويان متمايزان، ولكن متكاملان، في البحث الأصولي: المستوى الذي محوره اللفظ/ المعنى في علاقتهما الثنائية كزوج، والمستوى الذي محوره الأصل/ الفرع والذي يحتل فيه الزوج اللفظ/ المعنى موقع الأصل."[4]

إذاً، يقاس المجاز على الحقيقة، كما يقاس المعنى على اللفظ، ويقاس المقيس على المقيس عليه، أو يُحمل الفرع على الأصل لوجود علة مشتركة.أي: يتحول الأصل إلى الفرع لوجود مشابهة ما، كأن يتحول الحقيقي إلى المجازي، فقد كانت الزكاة في الجاهلية تعني الزيادة والنمو.ومن بعد ذلك، أخذت معنى مجازيا في الإسلام بأنها قدر مادي معلوم يُدفع كل حول، إذا وصل ذلك القدر النصاب الشرعي.

إذاُ، يستند الحقيقي والمجازي إلى ثنائيتين بنيويتين هما: ثنائية اللفظ والمعنى المتعلقة بالدلالات اللغوية التي تساعد الأصولي على استنباط الأحكام الشرعية، وثنائية الأصل والفرع التي تحيلنا على القياس من جهة، والاجتهاد من جهة ثانية. وبما أن عمل الأصولي لغوي محض، مادام يعنى بدراسة الدلالات اللغوية للوصول إلى الأحكام الشرعية، فعمله، إذاً، بياني بامتياز. ويخالف هذا ما يقوم به الفلاسفة الذين يعنون بالبرهان والاستدلال المنطقي في بناء المعرفة الميتافيزيقية .في حين، يعتمد أصحاب الولاية والتصوف على القلب والعرفان الوجداني واللدني.

ولقد كان تناول الأصوليين للدلالات اللغوية والبلاغية (الحقيقة والمجاز) من منطلق لغوي بياني محض، سواء أكان ذلك من الناحية النظرية أم من الناحية التطبيقية. وغالبا، ما كان يقترن انشغال البيانيين بالحقيقة والمجاز بمناقشة قضية الأسماء الشرعية وفق سياقها الحرفي والإيحائي. وفي هذا الصدد، يقول الجابري:" فإن النقاش حولها يرجع في أصله إلى تمييز المعتزلة والخوارج وبعض الفقهاء بين ثلاثة أصناف من الأسماء: الأسماء اللغوية التي تدل على ما وضعت له أول مرة كرجل وحجر إلخ، أو على ما خصصت له بالعرف والاستعمال مثل الدابة التي تدل في أصل الوضع اللغوي على كل ما يدب على الأرض، ثم خصصها العرف والاستعمال على ذوات الأربع.والأسماء الدينية أي التي تحمل معنى دينيا كلفظ الإيمان، ولفظ الكفر، ولفظ الفسق، إلخ...والأسماء الشرعية كالصلاة التي تدل لغة على الدعاء وشرعا على جملة الأفعال والأقوال المعلومة. ويبدو أن الذي أثار المشكل أول مرة هو القاضي الباقلاني أحد أقطاب الأشاعرة.لقد اعترض على القول بأن الشارع نقل الأسماء الشرعية هذه من معناها الذي تواضعت العرب عليه، وهو المعنى اللغوي إلى معنى آخر شرعي، محتجا بأن هذه الأسماء وردت في القرآن، والقرآن نزل بلغة العرب كما نص على ذلك هو نفسه، وبالتالي فلا بد أن تكون معاني هذه الأسماء الشرعية مما كان يعرفه العرب من لغتهم وإلا لم تكن عربية. والشارع لم ينقل هذه الأسماء من معنى إلى معنى آخر، بل أبقاها على معناها اللغوي الأول، ثم شرط أمورا أخرى تنضم إلى ذلك المعنى، وبه أصبحت شرعية .فالصلاة لغة : الدعاء، وفي الشرع دعاء اشترط الشارع فيه الركوع والسجود وقراءة الفاتحة إلخ...هذا ويبدو أن المسألة في أصلها مسألة كلامية ، أعني تنتمي إلى علم الكلام. فالمعتزلة الذين يقولون بالتأويل. أي: بضرورة نقل المعنى اللغوي في الآيات المتشابهات التي تفيد التجسيم إلى معناها اللغوي إلى معنى شرعي خاص.أما الأشاعرة الذين يعارضون التأويل كما يمارسه المعتزلة، فقد كان عليهم أن يفسدوا حجة خصومهم تلك، وقد تولى الباقلاني ذلك كما رأينا."[5]

ولقد نوقشت ثنائية الحقيقة والمجاز، في الفقه وعلم الكلام، مناقشة بيانية، بالتأرجح بين الدلالة الوضعية الحقيقية الأصلية والدلالة المجازية الفرعية، على أساس أن الحقيقة الوضعية هي الأصل والدلالة المجازية هي الفرع أو العكس صحيح أيضا؟ ومن هنا، وقع الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين : هل المعول في هذا على الحقيقة أم على المجاز؟ وفي هذا، يقول عابد الجابري:" اللفظ باعتبار المعنى الذي استعمل فيه ضمن سياق معين صنفان: حقيقة ومجاز.فاللفظ يكون على الحقيقة إذا دل على المعنى المتعارف عليه بالاصطلاح اللغوي، ويكون على المجاز إذا كانت هناك قرينة تجعله يدل على معنى آخر غير معناه المتعارف عليه بالاصطلاح اللغوي.ولكل أقسام وأحكام.فالحنفية مثلا يرون أن المجاز طريق من طرق أداء المعنى مثله مثل الحقيقة.أما الشافعية، فيرون أن اللفظ لايكون مجازا إلا إذا تعذر حمله على الحقيقة، وبالتالي فدلالته دلالة " ضرورة"، فلا يكون له عموم وإنما يتناول به أقل ما يصح من الكلام...

واختلفوا كذلك في استعمال اللفظ في معنييه الحقيقي والمجازي في إطلاق واحد.فلفظ" اللمس" في قوله تعالى:﴿ أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ (النساء43) يفيد اللمس باليد (الحقيقة) كما يفيد الوطء (المجاز).قال الشافعية إنه لامانع من إرادة المعنيين معا، وقال الحنفية إن المراد هو المعنى المجازي وحده مستدلين على ذلك، من الناحية اللغوية، بكون التعبير عن اللمس جاء على صيغة المفاعلة (الملامسة)، وهي صيغة ترجع المعنى المجازي ( لامس المرأة) على المعنى الحقيقي (لمس جسم المرأة)."[6]

إذاً، ترتبط ثنائية الحقيقة والمجاز بثنائية اللفظ والمعنى. بمعنى أن هناك لفظا حقيقيا ولفظا مجازيا.وهناك أيضا معنى حقيقي ومعنى مجازي.وبالتالي، فلقد كان المنطلق البياني من اللفظ إلى المعنى، ومن الحقيقة إلى المجاز، ومن الأصل إلى الفرع.ولم يكن إشكال اللفظ والمعنى خاصا بعلم اللغة والنحو والفقه وأصول الفقه فحسب، بل تعدى ذلك إلى الأدب، والبلاغة، وعلم الكلام.

ومن هنا، فلقد تعامل علماء الكلام، من معتزلة، وأشاعرة، وماتريدية، مع ثنائية الحقيقة والمجاز عندما تعاملوا مع ثنائية المحكم والمتشابه في إطار تأويل بياني ولغوي محض.وفي هذا، يقول الجابري:" التأويل في الفكر العربي الإسلامي يخص الخطاب القرآني أساسا. وإذا كان علماء أصول الفقه قد اهتموا أكثر من غيرهم بوضع قوانين لتفسير هذا الخطاب، فإن علماء الكلام قد اهتموا إلى جانب ذلك بوضع حدود لـ" التأويل"، وذلك بربطه بوجوه البيان أي بأنواع العلاقة التي تقوم بين اللفظ والمعنى في الأساليب العربية. وعلى الرغم  من الاختلاف بين المعتزلة وأهل السنة، من أشاعرة وغيرهم، حول التأويل ومدى اعتماد العقل فيه، فإنهم كانوا جميعا يتقيدون بالحدود التي تسمح بها وجوه البيان في التأويل ولا يتعدونها، مما جعل تأويلهم يبقى دائما تأويلا بيانيا يقف في الطرف المقابل لنوع آخر من التأويل يخترق حدود البيان العربي ليحول النص القرآني إلى جملة رموز وإشارات يضمنها أفكارا ونظريات تجد مصدرها في الفلسفات الدينية القديمة والهرمسية منها بصفة خاصة.إنه التأويل العرفاني الذي مارسه الشيعة والمتصوفة ومختلف التيارات الباطنية في الإسلام."[7]

ويعني هذا أن التأويل عند علماء الكلام قد ارتبط ارتباطا وثيقا بثنائية الحقيقة والمجاز، ولكنه تأويل بياني لغوي محض، لم يخرج عن قيود اللفظ والمعنى.

ومن ناحية أخرى، فلقد تأسس الفقه أيضا على ثنائية الحقيقة والمجاز من جهة، وثنائية اللفظ والمعنى من جهة أخرى. وفي هذا، يقول الجابري:" أما في مجال الفقه، فلقد كان من نتائج إعطاء الأولوية للفظ على المعنى أن أخذ الفقهاء يشرعون للفرد والمجتمع انطلاقا من تعقب طرق دلالة الألفاظ على المعاني، أي من المواضعة اللغوية على مستوى الحقيقة والمجاز معا فأهملوا ، أو على الأقل همشوا إلى درجة كبيرة، مقاصد الشريعة كما لاحظ ذلك الشاطبي، فأصبحت مقاصد اللغة - إذا جاز التعبير- هي المتحكمة. وهكذا فعوضا عن بناء التشريع على قواعد كلية تستخلص من الأحكام الشرعية الجزئية وتعتمد توخي المصلحة العامة، التي تتطور بتطور العصور، كما نادى الشاطبي بذلك ، بدلا من سلوك هذا المسلك العقلي رهن الفقهاء التشريع بقيود العلاقة بين اللفظ والمعنى، وهي علاقة محدودة مهما يكن من اتساع لسان العرب، فكان لابد أن يتقوقع التشريع ضمن حدود معينة لايتعداها، مما جعل من اللفظ وطرق دلالته على المعنى- الطرق المحدودة المحصورة بالمواضعة التي أقرت في فترة معينة- كان لابد أن ينتهي إلى استنفاذ جميع الإمكانيات التي تتيحها اللغة، وهي إمكانيات محدودة، خصوصا واللغة المعتمدة هنا لغة محدودة، لغة العرب قبل وقوع الاختلاط.هذا في حين أنه لو أسس التشريع أصلا على مقاصد للشريعة، وهي مقاصد تؤسسها المصلحة العامة والمثل العليا، وليس المواضعة اللغوية، لما انغلق باب الاجتهاد سيصبح معناه حينئذ تحجيم مقاصد الشريعة وتجميدها، وبالتالي تركها والخروج عنها ، وهذا ما حصل بالفعل لأنه لم يكن من الممكن تجميد تطور الحياة ضمن قوالب اللغة، لأنه لم يكن في وسع دلالة الألفاظ على المعنى تغطية جميع ما يستجد من تطورات عبر العصور والأجيال، فكانت النتيجة اللجوء إلى اتخاذ الفروع أصولا والقياس عليها والسقوط بالتالي في إشكالية لاحل لها، إشكالية التعليل في الفكر البياني."[8]

ويعني هذا أن أصول الفقه لم يجدد، بشكل كبير، مواضيعه النظرية والتطبيقية، مادام يستند إلى مباحث اللغة من جهة، ويعتمد كليا على العقل البياني من جهة أخرى.وبالتالي، لم يؤسس العلماء أصول الفقه على مقاصد الشريعة الإسلامية التي تتجدد بتجدد العصور والأمكنة والأجيال، كما يتبين ذلك بشكل جلي عند أبي إسحق الشاطبي في كتابه (الموافقات في أصول الشريعة)[9].

ويرى الجابري أن بناء أصول الفقه على البيان اللغوي خطأ منهجي وإبستمولوجي جسيم.وفي هذا الإطار، يقول الباحث:" والخطأ الذي وقع فيه البيانيون، فيما نعتقد، هو أنهم جعلوا من وسائل التنبيه التي يستعملها القرآن قواعد للاستدلال ومنطقا للفكر، ولكن لا باتخاذ النص القرآني سلطة مرجعية وحيدة بل بقراءته بواسطة سلطة مرجعية أخرى هي عالم الأعرابي عالمه الطبيعي والفكري الذي تحمله معها اللغة العربية التي جعلوا منها مرجعية حكما، بدعوى أنها اللغة التي نزل بها القرآن.[10]"

وهكذا، نجد علماءنا القدامى قد درسوا ثنائية الحقيقة والمجاز وفق المنظور البياني الذي يرتبط بمبحث الدلالات اللغوية ، بتمثل لغة العرب من جهة، والاقتداء بأساليب العرب في كلامهم وتواصلهم من جهة أخرى.

المطلب الثاني: المجاز البرهاني

يرتبط الخطاب البرهاني بالفلاسفة المسلمين الذين وظفوا القياس العقلاني الذي ينطلق من المقدمات اليقينية، ويصل إلى النتائج اليقينية، كما يبدو في كتابات كل من الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن باجة، وابن طفيل، وابن رشد.بمعنى أن البرهانيين منطقيون وعقلانيون على حد سواء. ويرون أن العقل هو السبيل الوحيد من أجل الوصول إلى الحقيقة الربانية ، وقد تأثروا في ذلك بالفلسفة الأرسطية بشكل خاص.ومن ثم، يرتكز البرهان كثيرا على علم المنطق باعتباره معيارا للفلسفة من جهة، وأداة لاكتشاف الحقيقة من جهة أخرى.لذا، يعتمد البرهان على الاستقراء، والاستدلال، والاستنباط، والقياس المنطقي.

وعليه، فلقد تعامل الفلاسفة مع ثنائية الحقيقة والمجاز تعاملا فلسفيا برهانيا وعقلانيا ومنطقيا، ولم يتعاملوا معها تعاملا بيانيا أو عرفانيا. وقد أعطى الفلاسفة الأسبقية والأولوية للمعنى على اللفظ، كما يبدو ذلك واضحا عند الفارابي الذي كان يحتكم إلى الواقع، وليس إلى النصوص والافتراضات.في حين، أعطى البيانيون الأولوية للفظ على المعنى. ويعني هذا أن الفلاسفة يعطون الأولوية للحقيقة على المجاز، أو للمعطى الحسي على الصورة الذهنية والمجازية. وفي هذا الصدد، يقول الفارابي:" فإذا استقرت الألفاظ على المعاني التي جعلت علامات لها...صار الناس بعد ذلك إلى النسخ والتجوز في العبارة بالألفاظ، فعبر عن المعنى بغير اسمه الذي جعل له أولا، وجعل الاسم الذي كان لمعنى ما راتبا له دالا على ذاته، عبارة عن شيء آخر متى كان له به تعلق ولو كان يسيرا إما لشبه بعيد وإما لغير ذلك...فتحدث حينئذ...والتوسع الاستعارات والمجازات في العبارة بتكثير الألفاظ، وتبديل بعضها ببعض وترتيبها وتحسينها، فيبتدئ حينذاك في أن تحدث الصناعة الخطبية أولا ثم الشعرية قليلا قليلا.[11]"

ويعني هذا أن اللغة قد انتقلت من الحقيقة إلى المجاز، وقد ساهم المجاز في إغناء اللغة وإثرائها بالتجوز، والتصرف، والنسخ، والتوسيع، والتكثير، والتبديل...وأكثر من هذا، فلقد ربطوا المجاز بالوظائف المنطقية والفلسفية والعقلية والبرهانية أكثر من الاهتمام بالوظائف البيانية والعرفانية والنحوية والبلاغية.لذا، يقترن المجازي والحقيقي بالقياس الذي يجري على مستوى المعاني، وليس على مستوى الألفاظ.وبذلك، تترسخ المعاني في الذهن والعقل.ومن هنا، يتحول المجاز إلى عملية استدلالية وحجة برهانية.وبالتالي، يحيلنا الحقيقي والمجازي على المادة والصورة، فتربط الصورة المجازية بالعقل، وليس بالخيال والبيان والوجدان، فتتقابل الألفاظ مع المعقولات.ثم، يخضع هذا كله لتأويل عقلاني وبرهاني.

وينبني المجاز على التأويل عند ابن رشد من خلال تحويل الظاهر إلى الباطن المجازي وفق مبدأ التجوز،" ومعنى التأويل هو إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازة- من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عدت في تعريف أصناف الكلام المجازي.[12]"

ويعني هذا أن التأويل عند ابن رشد هو تأويل فلسفي برهاني يقوم به الفلاسفة، بالانتقال من الظاهر إلى الباطن، والانتقال من الحقيقة إلى المجاز.أي: وجود تقابل بين الحقيقة والمجاز، فالحقيقة أصل، والمجاز فرع.ومن هنا، تتحول الحقيقة إلى مجاز عن طريق التأويل والتجوز. وينبني التجوز المجازي على المشابهة، أو السببية، أو المقارنة. وهنا، يتحدث ابن رشد عن المجاز الاستعاري والمجاز المرسل.ويدل هذا كله على أن المجاز متعدد الدلالات على عكس المعنى الحقيقي الذي يحمل دلالة واحدة.أي: هناك المعنى الواحد والمعنى المتعدد الذي يمكن فهمه بالتأويل

ويقول ابن رشد في كتابه (الضروري في أصول الفقه)، وهذا الكتاب هو مختصر كتاب (المستصفى) للإمام أبي حامد الغزالي:" والألفاظ، سواء كانت أسماء أو حروفا أو أفعالا أو مفردة أو مركبة، منها ما يفهم عنها بصيغها في كل موضع معنى واحدا أبدا، وهذه بعض ما يعنون بالنص في هذه الصناعة، ولنسمه نحن النص من جهة الصيغ.ومنها ألفاظ يمكن أن يفهم عنها أكثر من معنى واحد، وهذه إذا كانت دلالتها على جميع المعاني بالسواء، حتى لايفهم أحدها إلا بدليل أو قرينة فهو أيضا بعض ما يعنون بالمجمل في هذه الصناعة، ولنسمه نحن مجملا من جهة الصيغ. ومن هذه الألفاظ ما يقال من أول الأمر على شيء آخر لشبهه بالمعنى الأول، أو يبدل بعضها مكان بعض اتكالا في ذلك على قرينة تفهم المعنى المستعار أو المبدل. وهذه إذا وردت خلوا من القرائن حملت على وضعها الأول، وهي بعض ما يعنون في هذه الصناعة بالظاهر، ولنسمه نحن على عادتنا الظاهر من جهة الصيغ.وإذا دلت القرائن على استعارتها أو تبديلها، فهو بعض ما يسمى في هذه الصناعة مؤولا، ولنسمه المؤول من جهة الصيغ.وفي هذا الصنف تدخل الأسماء العرفية، وهي أسماء استعملت في الوضع على أشياء ثم نقلت في الشرع إلى أشياء أخرى لشبهها بالمعاني الأول أو لتعلقها بها بوجه من أوجه التعلق، وهذه إذا وردت في الشرع كانت ظاهرة في المعاني الشرعية، ولم تحمل على المعاني اللغوية إلا بتأويل."[13]

يشير ابن رشد إلى أن المجاز قوامه الاستعارة، والاستبدال، والتجوز، والخضوع لعملية التأويل العقلاني والبرهاني.

إذاً، يقوم المجاز على الاستعارة من جهة، والاستبدال من جهة أخرى.  وفي هذا، يقول ابن رشد: " وأما القسم الثاني من أقسام الألفاظ الظاهرة فهي المبدلة، ونعني هنا بالمبدلة إبدال الكلي مكان الجزئي، والجزئي مكان الكلي.وعلى التحقيق فالتبديل يلحق جميع الألفاظ المستعارة، ثم تنقسم هذه الأقسام التي أحصيناها، لكن رأينا أن نخص هذا الصنف باسم التبديل، أعني الكي والجزئي، وإن كان في الحقيقة كل مبدل مستعار وكل مستعار مبدل.[14]"

وعليه، نلاحظ أن مبحث الحقيقة والمجاز قد بني عند الفلاسفة على أساس عقلاني برهاني بامتياز.

المطلب الثالث: المجاز العرفاني

يرتبط العرفان بالمتصوفة الذين يدركون الحقيقة الربانية بالحدس، والذوق، والكشف، والقلب.بمعنى أن المتصوفة يرفضون الأخذ بالنص الظاهر والبرهان العقلاني من أجل الوصول إلى الذات الربانية؛ لأن ماهو روحاني لايمكن إدراكه بالنص والعقل معا، بل لابد من استخدام آليتي الكشف والإلهام. ومن هنا، فأهل التصوف هم أهل عرفان، ووجدان، ووصال. وقد اعتمد المتصوفة على المنهج الهرمسي الذي اختلط بالتشيع، والفكر الباطني، والتصورات الغنوصية.بمعنى أن الفكر الصوفي عبارة عن خليط من المؤثرات الداخلية والخارجية؛ حيث تتقاطع فيه مجموعة من العقائد كالمسيحية، والبوذية، واليهودية، والشيعية، والباطنية.ومن الصعب الحديث عن توجه أو منزع صوفي نقي من المؤثرات الخارجية. ومن هنا،" فالعرفان هو في جانب منه موقف من العالم، موقف نفسي وفكري ووجودي، لا بل موقف عام من العالم يشمل الحياة والسلوك والمصير: والطابع العام الذي يسم هذا الموقف هو الانزواء والهروب من العالم والتشكي من وضعية الإنسان فيه وبالتالي الجنوح إلى تضخيم الفردية والذاتية، تضخيم " العارف" لـ" أنا" ـه.

ينطلق هذا الموقف، أول ما ينطلق، من القلق والشعور والخيبة إزاء الواقع الذي يجد العارف نفسه ملقى فيه: الواقع الذي يعيش فيه كنفس مقيدة في بدن، وكفردية مؤطرة في مجتمع حيث لايلقى إلا ما ينغص ويكدر، إلا ما يجعله يشعر بأنه محاصر ومستعبد، فيبدو العالم له شرا كله، وتصبح مشكلته الأساسية بل الوحيدة هي مشكلة الشر في العالم: لما كان العالم يحتوي على الشر؟ لماذا يطغى فيه الشر؟ وما مصدره؟[15]"

وما يهمنا في هذا المجال هو الحقيقي والمجازي في الخطاب الصوفي، ويتجلى ذلك جليا في المصطلح الصوفي الذي يتخذ وجهين: وجها ظاهريا سطحيا، يدركه عامة الناس عن طريق النص أو النظر العقلي، ووجها باطنيا لايدركه سوى الخاصة من علماء الباطن والسلوك الذوقي اعتمادا على العرفان، والقلب، والحدس. وينتج عن هذا أن للمصطلح الصوفي دلالتين: دلالة حرفية حقيقية لغوية ظاهرية، ودلالة مجازية إيحائية رمزية قائمة على الانزياح والخرق، وتستوجب هذه الدلالة الرمزية المجازية استخدام التأويل لشرح المعاني وتفكيكها. علاوة على ذلك يستخدم الصوفي، في بوحه، وكشفه، وتجلياته، وشطحاته، وكراماته، وكتاباته الوجدانية ، مجموعة من الخطابات التعبيرية منها: الكتابة الشعرية ، و الكتابة النثرية ، والكتابة المقطعية الشذرية ، والكتابة  السردية المناقبية، والكتابة الفلسفية ، وقد يختار كذلك ضمن وسائل الكتابة إما الكتابة الدينية، وإما الكتابة الجدلية. كما ينوع المتصوف أساليبه في التعبير والتصريح والكشف. وغالبا، ما يختار أسلوب المجاز، والتلميح، والإضمار، والإبهام، والإغراب، والغموض، والإيجاز، والإشارات، بدل توظيف أسلوب الوضوح، والبيان، والإظهار. لذلك، يجد الصوفي صعوبة كبيرة في  إيصال الرسالة إلى المتلقي البسيط ، ويفشل في عملية التبليغ وتوصيل التجربة العرفانية الذوقية إلى عموم الناس؛ بسبب عجز اللغة التواصلية التي تمتاز بالمفارقة التعبيرية الناتجة عن قلة الألفاظ، وكثرة المعاني. لذلك، يلتجئ المتصوف، في كتابته التعبيرية، إلى المجاز الموحي، والانزياح اللغوي، والخرق الشاعري، واستخدام اللغة الرمزية المجردة، والإكثار من الاشتقاق اللغوي، وتوظيف طاقة التوليد، والاستعانة بتقنية التوسع والتجوز والتصرف.

ومن المشاكل التي يثيرها المصطلح الصوفي هو تعدد المعاني الصوفية؛ بسبب تعدد التجارب الذوقية الفردية والجماعية، واختلاف المصطلح الصوفي على المستوى الدلالي من متصوف إلى آخر تبعا لاختلاف الممارسة ومدارج المجاهدة المقامية والحالية. ولاينتج هذا التعدد في المعنى إلا عن طريق اللفظ المشترك، واستخدام المجاز، والتضاد، والترادف. ويعني هذا أن هناك توسعا دلاليا بدلا من التخصيص والتضييق الدلالي.أي: يغلب الانزياح المجازي كثيرا على المصطلح الصوفي؛ مما يجعل المعجم الصوفي يعاني من التسيب والمرونة الموسعة في الاصطلاح والتأويل. كما يعود هذا المشكل إلى اللغة الإنسانية في تعبيرها عما هو وجداني وحدسي وفني، فتجدها قاصرة وعاجزة عن التبليغ والتعبير وتحقيق الوظيفة التواصلية. لذا، يعمد المتصوف إلى استخدام لغة الرموز والإشارات والعلامات. وهذا ما يجعل الخطاب الصوفي خطابا غير منجز وغير كامل بسبب الإضمار، والحذف، والإيجاز، والتكثيف الدلالي. ويستوجب هذا كله أن يتسلح الباحث الدارس أو المتلقي الواعي بتقنية التأويل والتفكيك السيميائي، واللجوء إلى القراءة الهرمونيطيقية من أجل التفاعل مع النص العرفاني.

ومن المشاكل التي تترتب كذلك عن توسيع نطاق المصطلح الصوفي خاصية التجريد ، واختلاف المصطلح من حقل إلى آخر، وتطوره عبر مساره التاريخي الذي ۥيحمله من حين لآخر دلالات جديدة؛ بسبب احتكاكه بالمؤثرات الداخلية أو الخارجية، كما هو حال الصلاة، والزكاة، و القلب، والحس، والنفس، والعقل، والروح...

وعلى أي حال، نجمل مشاكل المصطلح الصوفي في تعدد المعاني، وهيمنة المجازي على اللفظ الصوفي، واستعمال اللفظ المشترك، واختلاف التجارب الصوفية العامة والخاصة، واختلاف المفهوم من صوفي إلى آخر. ويعني هذا حسب الأستاذ محمد المصطفى عزام أن" المصطلح قد عرف التعدد والاختلاف أيضا في صور محدودة من حيث صيغه اللفظية، ولكن في معان غير محدودة بسبب تنوع التجارب الروحية وتفاوتها، وهذا التفاوت وذاك التنوع هما اللذان يتحكمان في مضامين المعجم الصوفي، بحيث إنهما ينشئان علائق خاصة بين الدوال ومدلولاتها من جهة، وبينها وبين مصطلحات أخرى في المنظومة الاصطلاحية للسلوك الصوفي، وتلك العلائق تختلف أحيانا كثيرة عن علائق نفس الألفاظ في المعجم اللغوي أو في الحقول الدلالية لتلك الألفاظ...أما اختلاف التعاريف للمصطلح الواحد، فهو بحسب الذوق (أو المشرب أو المقام أو الوقت) عند كل صوفي،هذا الذوق الذي يحكم عليه عادة من وجهة النظر العامة بأنه ذاتي(غير موضوعي)، ولكنه عند الصوفية عين"الموضوعية الروحية" التي يعتبرونها أوسع من كل موضوعية وضعية، ذلك أن كل صوفي يسلم للآخر فهمه أو ذوقه باعتبار مقامه أو وقته(حاله)،وفي ذات الوقت فإن الصوفية أكثر من غيرهم إدراكا للطبيعة المجازية والتحكمية(الاعتباطية) للغة، ذلك أن انفصال تجربتهم الروحية عن العرف العام يجعلهم يحبون انفصالا حقيقيا بين مدلول اللفظ بحسب العرف العام، ومدلوله بحسب العرف الخاص الذي يشعر به الصوفي ولايدرك منه غيره إلا المعنى العرفي العام، ومن ثم فإنهم اعتبروا اصطلاحاتهم وتعاريفها مجرد إشارات إلى معان هم أدرى بحقيقتها، وهذه الحقيقة ليست هي المصطلح المشير إليها، كما أن اللفظ اللغوي ليس هو ما يدل عليه".[16]

وإذا كان الفلاسفة يستخدمون العقل النظري في اكتشاف الحقيقة، فإن الصوفية يستعملون العرفان الوجداني واللدني في ذلك، ويعني هذا أن المصطلح الصوفي ينقسم إلى ظاهر له دلالة سطحية حرفية، وباطن يتسم بلغة مجازية انزياحية رمزية مجردة.

وإذا كان إشكال الحقيقي والمجازي يرتبط عند البيانيين باللفظ والمعنى، فإن هذا الإشكال يرتبط عند المتصوفة بالظاهر والباطن. ومن هنا، كان التأويل إستراتيجية مهمة في قراءة النصوص العرفانية وتفسيرها.ويعني هذا أن المتصوفة كانوا يؤولون الآيات القرآنية المجازية وفق رؤيتهم العرفانية، بالانتقال من الباطن المجازي إلى الظاهر الحقيقي.في حين، كان علماء اللغة والفقه يؤولون هذه الآيات وفق رؤية بيانية ولغوية محضة، منتقلين من اللفظ إلى المعنى، ومن الحقيقة على المجاز. وفي هذا، يقول أبو نصر السراج الطوسي:" إن العلم ظاهر وباطن.وهو علم الشريعة الذي يدل ويدعو إلى الأعمال الظاهرة والباطنة.والأعمال الظاهرة كأعمال الجوارح وهي العبادات والأحكام...وأما الأعمال الباطنة، فكأعمال القلوب وهي المقامات والأحوال...ولكل  عمل من هذه الأعمال الظاهرة والباطنة علم وفقه وبيان وفهم وحقيقة ووجد...فإذا قلنا: علم الباطن أردنا بذلك علم أعمال الباطن التي هي الجارحة الباطنة وهي القلب، وأما إذا  قلنا: علم الظاهر أشرنا إلى علم الأعمال الظاهرة التي هو الجوارح الظاهرة وهي الأعضاء، وقد قال تعالى:﴿ وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة﴾ (لقمان 20).فالنعمة الظاهرة ما أنعم الله تعالى بها على الجوارح الظاهرة من فعل الطاعات، والنعمة الباطنة ما أنعم الله تعالى بها على القلب من هذه الحالات. ولا يستغني الظاهر عن الباطن ولا الباطن عن الظاهر، وقد قال الله عز وجل﴿ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعمله الذين يستنبطونه منهم﴾ ( النساء83) ، فالعلم المستنبط هو العلم الباطن، وهو علم أهل التصوف لأن لهم مستنبطات من القرآن والحديث وغير ذلك...فالعلم ظاهر وباطن والقرآن ظاهر وباطن، وحديث رسول الله (صلعم) ظاهر وباطن، والإسلام ظاهر وباطن.[17]"

والمقصود بالظاهر والباطن هو الحقيقي والمجازي، فالظاهر هو الحقيقة، والباطن هو المجاز، ويتحقق ذلك عبر التأويل الذي يقوم بعملية استبدال دلالة المجاز (الباطن) بدلالة الحقيقة (الظاهر).

وعليه، إذا كان البيانيون ينتقلون من الحقيقة إلى المجاز، أو من اللفظ إلى المعنى، فإن العرفانيين ينتقلون من المجاز إلى الحقيقة، أو من الباطن إلى الظاهر.أي: يترجمون تجاربهم العرفانية والذوقية المجازية بلغة الظاهر والحقيقة والواقع  الحسي.

الخاتمة:

وخلاصة القول، لقد ناقش البيانيون والبرهانيون والعرفانيون إشكال الحقيقة والمجاز وفق منظورات مختلفة. ومن هنا، فلقد درس اللغويون والفقهاء والمتكلمون والبلاغيون والأدباء والنقاد وعلماء أصول الفقه ثنائية الحقيقة والمجاز ضمن تصور بياني ولغوي محض؛ حيث ربطوها بمبحث اللفظ والمعنى من جهة، ومبحث الأصل والفرع من جهة أخرى.

أما المتصوفة العرفانيون، فقد درسوا الحقيقة والمجاز وفق ما يسمى بثنائية الظاهر والباطن، في شكل مصطلحات ومفاهيم تتجاوز الدلالات السطحية الظاهرة إلى دلالات مجازية موحية ورمزية وإشارية تفهم ضمن السياق الصوفي.

 أما الفلاسفة، فقد ربطوا ثنائية الحقيقي والمجازي بالبرهان العقلاني من جهة، والمنطق المادي والحسي من جهة أخرى. ويعني هذا أن مبحث الحقيقة والمجازي يؤدي، في الفكر الفلسفي العربي الإسلامي، في العصر الوسيط، وظائف العقلانية، والمنطقية، والفلسفية، والبرهانية.

وعليه، يعبر الحقيقي والمجازي على الصراع الحاد بين مختلف الطوائف التي كانت تعيش إبان العصر الوسيط، فقد كان الفقهاء يكتفون بالظاهر النصي خوفا من اندلاع الفتن والإحن والقلاقل، وكانوا يحاربون المعارضين الآخرين بسلاح النص والظاهر، فيرفضون تأويل المجاز، ثم يكتفون بسلطة النص الظاهرة.

في حين، كان المتصوفة يختفون وراء أسوار الباطن من أجل التعبير عن آرائهم بكل حرية وصدق إن ولاء، وإن براء؛ وكان المتصوفة الشيعة يتخذون التقية سلاحا لصد مختلف الضربات والطعنات الموجعة التي كانت توجهها سلطة الظاهر إلى من يعارض منظومتها السياسية والفكرية. ومن هنا، فلقد كان الباطن هو الملجأ الآمن من أجل النجاة والخلاص والتحرر من قيود الظاهر وسلطته الطاغية.

أما الفلاسفة، فقد كانوا يتأرجحون بين الظاهر والباطن، ويدافعون عن العقل البرهاني وفق التأويل المجازي؛ لأن الحقيقة عندهم ليست هي حقيقة الظاهر التي يدافع عنها الفقهاء السنيون، بل هي حقيقة المجاز والباطن معا، ولكن بالمفهوم البرهاني والعقلاني والمادي الحسي.

 

د. جميل حمداوي

...........................

الهوامش:

[1] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م، ص:48.

[1] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، ص:48-49.

[1] - أبو الحسن البصري:المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: محمد حميد الله، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، سورية، طبعة 1984م، صص:13-14.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:51.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:52-53.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:54.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:60.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:103.

[1] - أبو إسحق الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2004م.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:252.

[1] - الفارابي: كتاب الحروف، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، لبنان، طبعة 1970م، ص:141.

[1] - ابن رشد: كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية،د.ت، ص:35.

[1] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى، تقديم وتحقيق جمال الدين العلوي ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص: 101-102.

[1] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر ، ص: 107.

[1] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:260.

[1] - محمد المصطفى عزام: المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل،مطبعة نداكوم، الطبعة1، 1999م، ص:140-141.

[1] -أبو نصر السراج الطوسي: اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد القادر، مطبعة المثنى ببغداد، ودار الكتب الحديثة بالقاهرة، طبعة 1960م، ص:43.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

[1] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م، ص:48.

[2] - محمد عابد الجابري: بنية العقل العربي، ص:48-49.

[3] - أبو الحسن البصري:المعتمد في أصول الفقه، تحقيق: محمد حميد الله، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، سورية، طبعة 1984م، صص:13-14.

[4] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:51.

[5] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:52-53.

[6] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:54.

[7] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:60.

[8] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:103.

[9] - أبو إسحق الشاطبي: الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 2004م.

[10] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:252.

[11] - الفارابي: كتاب الحروف، تحقيق: محسن مهدي، دار المشرق، بيروت، لبنان، طبعة 1970م، ص:141.

[12] - ابن رشد: كتاب فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية،د.ت، ص:35.

[13] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر المستصفى، تقديم وتحقيق جمال الدين العلوي ، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص: 101-102.

[14] - ابن رشد: الضروري في أصول الفقه أو مختصر ، ص: 107.

[15] - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:260.

[16] - محمد المصطفى عزام: المصطلح الصوفي بين التجربة والتأويل،مطبعة نداكوم، الطبعة1، 1999م، ص:140-141.

[17] -أبو نصر السراج الطوسي: اللمع، تحقيق عبد الحليم محمود وطه عبد القادر، مطبعة المثنى ببغداد، ودار الكتب الحديثة بالقاهرة، طبعة 1960م، ص:43.

 

سماح خليفةقراءة في ديوان "ما يشبه الرثاء" للشاعر: فراس حاج محمد

عندما تقرأ لفراس حاج محمد؛ فاعلم أنك أمام "فخ" لغوي ودلالي، فاحذر أن تقع في الفخ....

"ما يشبه الرثاء" ذكرني بكتابَي فراس "كأنها نصف الحقيقة"، و"يوميات كاتب يُدعى x"، مع الفرق شعرا ونثرا وتميُّز "ما يشبه الرثاء" بالمستوى اللغوي والدلالي عن سابقيه.

في كتابه "كأنها نصف الحقيقة"، وجدت الحقيقة كاملة، وفي يوميات كاتب يدعى x "، كان الكاتب علَما بارزا.

فراس لديه من فراسة اللغة ودلالتها ما جعله يتألق ككاتب وشاعر وخاصة في ديوان "ما يشبه الرثاء"، وجعله أيضا يرتفع بمستوى قرائه؛ فبعد أن كان كثير من قرائه يقعون في فخاخه ويكتفون بوجه الماء كمرآة تعكس مكنون البحر، أصبحوا في ما بعد يغوصون في الأعماق؛ ليقينهم بأن ما أمامهم ليس سرابا، بل بحر لجيّ عميق يتطلب خبرة في الغوص واكتشاف مكنونات هذا البحر القيّمة.

لم أجد في "ما يشبه الرثاء" ما يستحق التركيز على كلمة "الرثاء" في دلالتها الحقيقية، رغم وجود بعض القصائد التي تنزف وجعًا وتتوارى في غياهب الحزن والظلم، لأن الشاعر في كل مرة يقترب فيها من الفناء من العدم، يستفيق بالفطرة؛ لينفض عنه غبار الموت وينتصر للحياة من جديد، وهكذا يراود الحياة عن نفسه فالموت فالحياة، حالة بين بين، يتأرجح بين ضمير ال"أنا" وال"أنت" في القصيدة، والتي وردت على سبيل المثال خمس مرات في مقطع واحد. هو الصراع من أجل البقاء من أجل الانتصار للحياة التي تخضر رغمًا عنه في قلبه، رغم حيادية الجسد الظاهرة، كما أورد "يورق الحزن" في قصائده.

كان الشاعر في هذا الديوان بين الرثاء والثناء، بين الفرح والحزن، بين الألق والتواضع، بين الحب والفقد،  بين الحياة والموت، إلا أنني وجدت الأمل ينتصر دائما في النهاية، وهذا هو فراس يجلد ذاته ويقدرها في نفس الوقت، هو يحاول الرثاء فلا ينجح ص22 (المجد للذات الشقية كلما تذوي تجد الولادة في الكلام!)، وفي الولادة تتجدد الحياة،  ص27 (تنمو وتفرح من جديد...البحر يغسلها...تصحو غدا إذا ما هزها الوجع المجيد) الأمل، الفرح، يغسل، تصحو، هزّ، المجيد...كلمات إيجابية  طغت على الوجع، ص9 (يا ليتني وقصيدتي كنا حجر...وفؤاد طيري من حجر.. لعرفت ساعتها بأني أشعر الشعراء وأندى من حضر.. لكني ما كنت إلا مثلهم عراب أحلام الضجر)، تبقى "ليت" لتبقى قصيدة الشاعر وقلبه ينبضان،  وهذا يفسر التقاء الضدية في كلمتي"حجر، الضجر" و"أندى، أحلام".

 وفي ما يشبه الرثاء كان هناك بعض المحطات أو بعض الفخاخ التي وقع القارئ فيها مما حجب عنه جماليات الديوان.

 الجنس الذي اعتبره البعض "مقززا خارج عن الأدب"، هو جزء من الفخ الذي تعمده الشاعر والذي أغرق البعض في ضبابية اللغة والدلالة وجعلهم يَرْثون الشاعر في واقع الحال، ويصرفون النظر عن مكنونات الديوان الثمينة، والتي أيضا كانت على حساب المرأة من وجهة نظر البعض، ففراس يعيش في برزخ اللغة والفلسفة، أنصف اللغة في كتاباته ولم ينصف المرأة في لغته لقارئ ربما يأخذ الأمور بسطحية، كما في نصه ص126"صف من النسوان" ، لكني أجده يصور الأمور من زاوية أبعد، من زاوية المشاهد المنخرط في المجتمع الواقعي. فراس هو شاعر لا يبوح إلا بصوت مسموع، على عكس الشعراء الذين ينحتون اللفظ والمشاهد ويجملون ويؤنقون؛ ليبقوا في برزخهم العاجي، وهذا الكلام يخالفه الكثيرون، ولكن هذا هو فراس تمردت الكلمات على لسانه وقلبه وجوارحه وحتى جسده حتى نبتت لها أجنحة وحلقت دون رقيب.

 أما عدا المرأة فنجد محطات كثيرة تستحق الوقوف (تعب على تعب مركب)  ص159 ،هو بذلك يتذوق التعب  في المرحلة الحرجة بين شفير الواقع وبرزخ اللااحتمال، وهذا يبدو حصيلة ما يواجهه الشاعر والكاتب والنبي وصاحب الكلمة الحرة من تنمرفي مجتمع يبدل الحقائق ويفسرها حسب الأهواء والمصالح حتى تتشوه الصور، وهذا ما كان في قصيدة "لم يعد أحد بريئا" ص 85، يوسف هنا هو صورة كل مضطهد مظلوم تعرض للتنمر من القوى المحيطة حتى أظهرته بمظهر (هذا اليوسف الباغي وهذا ما صنعت يداه) وشخصيا وجدت هذا التنمر شبيها بما تعرض له الشاعر فراس من تنمر، وأذكر قول  أحدهم عنه وقتها "خليه مستاهل من صنع إيده"

حتى القصيدة التي جاءت بعنوان صريح "رثاء"،  في الجملة التي كررها (قولي له قد مات)، لم يورد في القصيدة سببا واحدا مأساويا أو سوداويا يبرر فكرة الموت، بل كل حدث أو صورة أوردها كانت جميلة، وتكراره لعبارة (قولي قد مات) دليل تمسكه بالحياة، وكأني به يقول : أنا ما مت، وهذه  إيجابية مشرقة، ويعود في نهاية النص يقول (يا ليته ما مات) وهنا إشارة حقيقية لتشبث "أنا" الشاعر بالحياة الفعلية والموت الإبداعي لدى الشاعر.

يشير فراس إلى القمع الممارس على الكتاب والشعراء وعلى حرية الكلمة بشكل عام سواء من السلطة أو من موروثات الأهل ص27(الناس عند زهورها تستأذن الجلاد كي تنمو وتفرح من جديد)، ص8 (وأتيتكم أبكي عليّ/عليكم وعلى كل الحروف النازفات بروح أغنية الشعوب المستريحة في مسالخها...وأتيتكم لأقول لكم...الغول قد أكل الكلام وسد حلق المنشدين)،  ص11 (نحو أمٍ مثل شيخ عشيرة تلقي الأوامر...ونحن نبحث عن مراهقة تحب بلا حساب...مثل رائحة السنين المستبد...تاريخ الحروف العفنة!)

ونجد فراس في بعض النصوص يعود بجلد ذاته ص87 (يا أنَّتي انتقمي مني كثيرا....)  ص17 (هو هكذا شبح يعيش بلا جسد)، ص34 (الشعر لا يشفع لي لأكون حبيبا علنيا...كيف سأظهر معها وأنا أعاني ما أعاني من عرج ونحول وشيب...)، ص86 قصيدته "منتهي الصلاحية".  لكن تراه كطائر العنقاء ينهض من جديد في نص آخر، كما في قصيدته ص149 "خطبة الدكتاتور" هذه القصيدة الطافحة بالوجع لا يستطيع في نهايتها إلا ان ينتصر للحياة بعبارته (ينهض كالفراشة حاملا مني نطفة لن تموت).

والسؤال الملح: أي إبداع هذا الذي يولده الحزن؟!! ص94 وقصيدة "سورة الزمن الحزين" وغيرها من قصائد تلح على الدارس أن يتناول كل قصيدة على حدة لدراستها والنهل من جمالياتها الإبداعية.

أي حزن يستظل بموت وهمي؛ ليأبى الموت الحقيقي لقلب فلسطين القدس، ص118 القدس (المدينة لا تموت).

أي حزن وألم يتماهى مع الفقراء المتعبين؛ ليبدع في صوره الفنية ص120 (كل المسافرين إلى المدينة يسيرون إلى الهباء تطحنهم عجلات اقتصاد السوق).

أوجعتنا يا فراس وأمتعتنا، أمتّنا وأحييتنا، كسرت قلوبنا ثم أنبت لها أجنحة؛ لتحلق من جديد....

هذا الشاعر الذي كلما زاد وجعه زاد إبداعه وتمسكه بالحياة، لا نستطيع إلا أن نتمنى لقلبه الحياة، ولروحه التحليق، ولقلمه النزف أكثر وأكثر وأكثر.........

الديوان يقع في 194 صفحة من القطع المتوسط، صادر عن دار طباق للنشر والتوزيع.

 

بقلم: سماح خليفة

 

جميل حمداوي("شعلة ابن رشد" لأحمد المخلوفي أنموذجا )

مقدمة: يتميز بناء رواية (شعلة ابن رشد) للروائي المغربي أحمد المخلوفي بأنه بناء مهجن ومركب من مجموعة من المقامات والمداخل المتسقة والمنسجمة بواسطة الكولاج (Collage) الذي يعد تقنية فنية وجمالية قائمة على التقطيع والتركيب، أو تقنية تشكيلية تعنى بتجميع العناصر وتركيبها في توليفة إبداعية منظمة ومنسقة ومهجنة.

إذاً، مامفهوم الكولاج؟ وما آلياته؟ وماوظائفه؟ وكيف تم استثماره في الخطاب الروائي العربي؟

المطلب الأول: مفهوم الكولاج

يتحدد الكولاج بكونه مفهوما إجرائيا في حقل التشكيل من جهة، وحقل المسرح من جهة أخرى. ويشتق الكولاج من فعل (Coller) بالفرنسية الذي يعني ألصق. ولقد اشتق مفهوم الكولاج من اللفظ ( collar ) ، والذي اخترعه (Georges Braque )، وبابلو بيكاسو ( Pablo Picasso ) في بداية القرن العشرين للميلاد، عندما أصبح الكولاج جزءا مهما في الفن الحديث.

و من هنا، فالكولاج هو عبارة عن تقنية فنية وجمالية تقوم على توليف العناصر و تركيبها جزئيا أو كليا، سواء أكانت تلك العناصر متنافرة أم منسجمة. ويعني هذا أن الكولاج هو تجميع لأشكال وعناصر وقطع ومواد مختلفة لتكوين عمل فني جديد. إن استخدام هذه التقنية كان له تأثيره الجذري بين أوساط الرسوم الزيتية في القرن العشرين كنوع من الفن التجريدي الجاد. وقد تمت تسميته من قبل الفنانين جورج براك الفرنسي و بابلو بيكاسو الإسباني في بدايات القرن العشرين. ويتضمن عمل الكولاج الفني قصاصات الجرائد، والأشرطة، وأجزاء من الورق الملون المصنوعة يدوياً، ونسبة من الأعمال الفنية الأخرى، والصور الفوتوغرافية وما إلى ذلك؛ حيث يتم تجميع هذه القطع والقصاصات، وتلصق على قطعة من الورق أو القماش.

وقد نشأ الكولاج، أو فن لصق القصاصات، في الصين، عندما اخترع الورق في القرن الثاني قبل الميلاد تقريباً. ومع ذلك، فإن استخدام الكولاج ظل محدودا حتى القرن العاشر للميلاد، حين بدأ الخطاطون في اليابان باستعمال مجموعة من القصاصات من الورق ليكتبوا على سطحها إنتاجهم من الشعر. وارتبط ميلاد وتطور فن الكولاج الحديث بميلاد موجة جديدة في الفنون أطلق عليها الحداثة.[

أما في أوروبا، فلقد ظهرت تقنية الكولاج في القرون الوسطى خلال القرن الثالث عشر للميلاد، عندما بدأت الكاتدرائية ( Gothic Cathedrals )، باستخدام لوحات تصنع من أوراق الأشجار المذهبة، والأحجار الكريمة ، وبعض المعادن الثمينة في اللوحات الدينية. وفي القرن التاسع عشر للميلاد، استخدمت طرق الكولاج أيضا بين أوساط هواة الأعمال اليدوية في شكل تذكار، مثل: استخدامهم لها في تزيين ألبومات الصور والكتب.

ولقد ارتبط الكولاج بالفن التشكيلي التجريدي الذي ظهر في بداية القرن العشرين من أجل الانسلاخ على الواقع ، وعدم التقيد بمدأ المحاكاة المباشرة. ومن أهم رواده الرسام الروسي فاسيلي كاندينسكي ( Wassily Kandinsky ) صاحب الاتجاه التجريدي الشاعري، والهولندي بييت موندريان ( Piet Mondrian ) وكازمير ماليفيتش ( Kasimir Malevitch ) صاحبا التجريدية الهندسية. ومن ثم، تتخلى التجريدية عن تصوير العالم الخارجي المرئي، وتعوض ذلك بالرؤى الداخلية الجوانية والتصورات الخيالية الشخصية للمبدع الفنان باعتماد الألوان والخطوط والأشكال، دون أن تكون لها أدنى صلة بالعالم المادي الحسي. وبعد ذلك، تتراكب هذه العناصر في اللوحة التشكيلية ضمن علاقات شكلية قائمة على التآلف أو التنافر من خلال اللعب على قوانين التضاد، والتقابل، والتماثل، والتشتت..

ولقد استعمل الكولاج في المسرح المغربي بشكل لافت للانتباه، كما ببدو ذلك عند محمد مسكين الذي شغل الكولاج باعتباره فضاء دراميا تشكيليا، وقوامه" تكديس مواد طبيعية في العمل المسرحي، ولكنها في الواقع تعني ملء الركح بما هو حي، وما يؤسس الحرارة انطلاقا من مبدأ الانفصال عن ما هو مألوف من الأشكال والألوان، والالتحام بعالم مرئي جديد ينقذ عين المتلقي من هيمنة الأشكال والمظاهر المعتمدة في الثقافة الرسمية.

إن الطريف في هذا التصور للكولاج المسرحي هو أنه يعتبر تمردا ضد المسرح المؤسساتي الموجه وضد التشكيل الأكاديمي المعقلن. كما أنه يعتبر لدى محمد مسكين فرصة لتحقيق الطابع الشمولي الكلي للإبداع المسرحي عن طريق المساهمة الجماعية بما في ذلك الجمهور، كما يعتبر وسيلة لدرء التخصص الذي يؤدي إلى بتر العملية الإبداعية وتجزئتها.

وهذا يعني في الأخير خلق لغة رمزية بمواد بسيطة نقوم بتطويعها وتحويلها إلى موضوع جمالي يعكس أحلامنا وقضايانا (خيوط-أسلاك- زجاج- ورق- حجر- جلد- عظام.. ) ، الشيء الذي يجعل تقنية الكولاج المسرحي توازي ماتسميه سيمياء المسرح بالإشارية الموضحة التي ترمي إلى إعادة تأسيس عنصر مادي."[1]

ويعني هذا أن محمد مسكين قد تعامل مع خشبة المسرح ، باعتبارها فضاء تشكيليا يتقاطع فيه ماهو لغوي وماهو بصري، بل عمد إلى توظيف مجموعة من العناصر السينوغرافية السيميائية ذات الوظائف المتعددة لتشكيل عرضه المسرحي. وفي هذا الصدد، يقول محمد مسكين:" لهذا، فالمسرح النقدي يجب أن يعتمد على الجانب المرئي في خطابه الإبداعي من خلال مخاطبة عين المتلقي عبر أشكال ومواد جديدة (خيوط - أسلاك- زجاج- ورق- حجر- جلد- عظام- قصب.. إلخ)"[2].

وعليه، يذكرنا العمل المسرحي بهذا الشكل بعمل الفنان التشكيلي الذي يضمن لوحاته الزيتية أو المائية مجموعة من العناصر والمواد الطبيعية والاصطناعية الخارجية، فيلصقها بشكل فني وجمالي فوق سطح الخشبة. بيد أن ما يلاحظ على هذه العناصر والملحقات الخارجية في عروض محمد مسكين أنها ذات طبيعة سيميائية وظيفية .أي: إنها علامات ورموز وإشارات دالة[3]. وبالتالي، تحمل هذه العلامات دلالات فطرية وطفولية.ومن ثم، فإن" الكولاج المسرحي - حسب محمد مسكين- لايمتلك قيمة في ذاته، ولكن فيما يحمله من دلالات وما يولد من إحساسات جميلة لدى الناس، إحساسات باللذة والسعادة والجمال والمعنى، تعيدهم إلى الطفولة إلى ماهو بكر ومكبوت فيهم، وإلى تعدد الألوان والأشكال لحد اللامعقول في أسواقنا الشعبية ومداشرنا."[4]

وهكذا، نصل إلى أن محمد مسكين، في بنائه التنظيري، قد اهتم كثيرا بالأحداث والشخصيات واللغة والحوار والتراث والتواصل بين الممثل والجمهور أكثر من اهتمامه بالمكان والفضاء. ولكن ثمة إشارات فضائية تفهم من سياقات كتابته النظرية التأسيسية. وعلى الرغم من ذلك، يدعو محمد مسكين إلى فضاء جدلي بريشتي؛ فضاء اللحظة والمعايشة الواقعية، بالدعوة إلى استخدام سينوغرافيا الكولاج، أو ما يسمى بالفضاء التشكيلي السيميائي. ويعني هذا أن محمد مسكين يتمثل السينوغرافيا الوظيفية أو المتعددة الوظائف؛ حيث يصبح الديكور أو المكان أو السينوغرافيا المسرحية علامة سيميائية متعددة الأبعاد والدلالات والمرجعيات حسب المقام، والسياق، ومقتضى الحال .

المطلب الثاني: آليات الكولاج

يتحقق الكولاج، في رواية (شعلة ابن رشد)، بمجموعة من التقنيات والآليات المنهجية واللغوية واللسانية:

Œ الكولاج بواسطة المقامات الصوفية والعرفانية: مقام الدخول، ومقام الجوى والقدرة والتحدي، ومقام النجدة وتعرية الرهان، و في مقامات الحضرة والتشكيل، ومقام الأسئلة الحارقة، ومقام الخروج..

 الكولاج بالدخول والخروج: (مقام الدخول ومقام الخروج).

Ž الكولاج بالتقطيع أوالتركيب: ويسمى أيضا بالديكوباج (Découpage) والمونتاج (Montage). ويعني هذا أن أحمد المخلوفي، كعادته، يقطع روايته إلى مجموعة من المشاهد والمناظر واللوحات والمقاطع والحلقات المتشذرة، ثم يركبها ويجمعها في نسيج سردي واحد متسق ومنسجم دلاليا وعضويا، ويخيطها بطرائق فنية وجمالية متنوعة.

الكولاج باللوحات والمشاهد المرتبطة بكل شخصية على حدة ( بوح ابن رشد، وخلوة مع ابن ميمون، وحفريات رشدي الجابر، وفي رفقة ابن عربي رأيت.. ).

الكولاج بالميتاسرد أو الميتاقص (Métarécit): ويقصد به ذلك الخطاب المتعالي الذي يصف العملية الإبداعية نظرية ونقدا، ويهتم برصد عوالم الكتابة الحقيقية والافتراضية والتخييلية، واستعراض طرائق الكتابة، وتشكيل عوالم متخيل السرد، والتأشير على صعوبات الحرفة السردية، ورصد انشغالات المؤلفين السراد، وتبيان هواجسهم الشعورية واللاشعورية، ولاسيما المتعلقة بالأدب وماهيته ووظيفته، واستعراض المشاكل التي يواجهها المبدعون وكتاب السرديات بشكل عام.

ويحقق الخطاب الميتاسردي وظيفة ميتالغوية، أو وظيفة وصفية (Fonction métalangage)، تهدف إلى شرح الإبداع مظهرا ونشأة وتكونا، وتفسير آلياته وتقنياته الفنية والجمالية قبل الإبداع، وأثنائه، وبعد الانتهاء منه. ويذكرنا هذا الخطاب بالميتامسرح، وخطاب السينما داخل السينما، والسيرك داخل السيرك، كما يحيلنا هذا المفهوم على الروائية، أو ما يسمى كذلك بالرومانيسك (Romanesque).

ويعني هذا كله أن الخطاب الميتاسردي كتابة نرجسية بامتياز،تقوم على التمركز الذاتي، وسبر أغوار الكتابة الذاتية، والتشديد على الوظيفة الميتالغوية بمفهوم رومان جاكبسون (Roman Jakobson).

علاوة على ذلك، يسائل الخطاب الميتاسردي طرائق تكون الإبداع ونشأته، ووصف عملية الكتابة وخطواتها، ورصد التناص، والمناص، والنص الموازي، وتبيان أنواع التداخل بين النص الإبداعي والنص الميتاسردي، هل هو قائم على التأطير التعاقبي أو التناوبي أوالمتوازي أو المتقاطع؟! فضلا عن تبيان عمليات الانتقال من النص السردي إلى النص الميتاسردي، والعكس صحيح أيضا.

واليوم، لم يعد الخطاب الميتاسردي، أو الميتاقص، مجرد تضمين أو تداخل النصوص السردية فحسب، بل يتخذ عدة أشكال تتعلق بالتناص، والنص الموازي، والعتبات، والبناء السردي، والخطاب النقدي، والخطاب التنظيري، ومتخيل القراءة، وتعدد السراد والرواة، وميتاسرد الشخصية، وتكسير الإيهام السردي، ورصد عوالم الكتابة، وشرح تكون السرود انبناء وتشكيلا وتركيبا، وتبلورها فنيا وجماليا ودلاليا ورؤيويا. ومن ثم، يرتكز الخطاب الميتاسردي على تصوير عالم الكتابة السردية، وتجسيد قلق الكتابة، وتبيان كيفية تفكير القصة أو الرواية أو الحكاية في نفسها أو ذاتها بطريقة نرجسية أو مرآوية ذاتية. وإذا كان السرد - من جهة- يشخص الذات والواقع، فإنه- من جهة أخرى- يشخص أيضا ذاته، ويرصد عملية الكتابة نفسها، ويبرز مراحل تكونها وتطورها إلى أن يستوي النص السردي عملا إبداعيا، ويستقبله القارئ الضمني أو المفترض استهلاكا، وتقبلا ، وقراءة،وتوصيفا، ونقدا.

ومن أمثلة الميتاسرد ما يلي:

"انتفض وجداني على وقع كلماته، فانسابت ينابيع الماضي كجدول رقراق ملأ بفيضه جوانب روحي الظمآى.. تحرك خيالي تجاه توأم روحي، وعدت أطوي صفحات اللحظة القاتمة من عصري، بحثا عن صفحات الحب والثورة.. غصت في التيه اللذيذ وفي مراتع الخصب.. وعصف بي الحنين لذاك التصابي المجدول بتوق العشق الذي كان يربطني بها..

حين عدت أدراجي مكرها ثملا على وقع نحنحته، داريت تلهفي المستعاد، وقلت بصوت مبحوح لايزال مضطربا بأمواج عشق خضت اضطراب لذتها بعشق قلب صوفي: لكأن ما أعانيه من ثقل المشاهد المؤلمة لراهن عصري؛ من إرهاب أعمى، ومن تراجع مخيف للقيم العقلانية والإنسانية، وهيمنة الفكر الظلامي، وسيادة مدن الغلبة والتحكم، هو وراء هذا الحنين، وهذا التصاب إلى ماض جميل كنا فيه أعزة لا أذلة.. ماض ببهاء ذلك الكون الذي كان ولم يعد بعد.. فاغفر لي يارشدي فورة مراهقتي المتأخرة وعودتها لمن كانت هيامي قبل اغتصابها وترحيلي من جنتها.. لذا حين ذكرتني أثرت مواجع الحنين إليها فسافرت بخيالي نحو أطلالها..

ــ لابأس صديقي.. فما الرواية إن لم يكن الحب مغموسا بها نديا بعطرها، عروسا في محفل مدارها.. والآن أرغب صديقي في أن توجز لي مجمل القضايا التي ستكون محور روايتك.. أوجز لي فقط، وإن كنت على دراية أن الكتابة الروائية بحق، لابد لها أن تكسر الثوابت، ولا تسترفد منها إلاما يلائم عالمها الخاص..

قلت هي قضايا ثلاث، لكنها تظل مرنة في انفتاحها على قضايا أخرى قابلة للدمج والتطور.. أما كيفية تناولها؛ فهو أمر معقد قد لا يدركه غير المتمرسين الحقيقيين في عالم الرواية..

فالأولى تتعلق بإمكانية استعادة روح ابن رشد من أجل الفهم والتحليل والنقد والترشيد والتخفيف من حدة ما يسمى اليوم بالإسلام السياسي والتطرف الديني.. ثم التمييز العنصري. هذه الروح، لا تزال تمثل، في تقديري، النموذج الأرقى للمثقف العربي المطلوب اليوم وغدا؛ سواء في طرح مسائل الشريعة والعقيدة والعلم والفلسفة والسياسة طرحا يتمثل التراث والفكر المعاصر، أوفي التشبع بالروح النقدية وبالفضيلة العلمية والخلقية.. أو في طرح قضايا فلسفية وإنسانية أخرى من شأنها أن توحد البشرية جمعاء..

أما الثانية فهي ذات صلة بالآخر؛ ذلك الغرب الذي انتزع منا ابن رشد نحو ضفته الأخرى.. فأضاء بشعلته تاريخه المظلم، وبنى بها حضارة فكر وعلم لم يحلم بها. فنحن حين ملنا به خارج التاريخ، هم أدخلوه في عمقه.. هذا الآخر صديقي، هو هاجسي في الكتابة. لقد بت أراه الآن بوجهين: .. وجها للعقل والجد والابتكار والعلم والديمقراطية.. ووجها قبيحا يتمثل في تمركزه وانغلاقه وعدوانيته ومؤامراته.. وأخيرا عنصريته المتخفية بقفاز وردي يخفي تحته كيدا وشرا مستطيرا.. هذا الآخر، مرة أخرى، يشغلني.. يثير اهتمامي.. لقد أخذ منا عقلانية ابن رشد ثم تنكر لنا.. أخذ منا جيلنا الأول والثاني فبنى بهما مدنه وقراه ثم تنكر لهما الآن.. كما أخذ منا الأوطان كلها يوما.. وحين غادرها أبقى على من يستنزف خيراتها حتى الآن.. ولعلك سيدي تعلم ما عاناه كذلك إبني صابر وغيره من عنصرية مقيتة وهو مجرد طالب علم في دياره.. لذا لن أسكت عن تشخيص ما عانه في عملي؛ وحتى إن قصرت الحديث عنه أو عن بعض أصدقائه، فإن مدار الحديث في مجمله يحوم حول مهاجرى ديار الغرب كافة: من طلبة وعمال.. وحتى بعض الكوادر العلمية منها..

أما الموضوعة الثالثة، فتتعلق بلهفتي المتزايدة في البحث عن العلاقة بين العقل والقلب، أو إن شئنا القول، بالبحث عن المصالحة بين البرهان والعرفان.. ففي اعتقادي أن أزمة العقل مرتبطة بأزمة القلب. فالإنسان الغربي، فقد جانب الروح، لما بالغ في تقديس دور العقل على حسابه.. والقيم الخيرة، في أصل وجودها، مرتبطة بوجودهما معا، كارتباط البرودة بالحرارة.. أو كالارتباط السوي بين الروح والعقل في الإنسان.. ونحن نكاد أن نفقد جانب الروح فينا، حتى ولولم نتوفق حتى الآن، في إرساء دعائم العقل والعقلانية في تفكيرنا وسلوكنا وتدبير شؤون أمورنا في الحياة المدنية والسياسية والاقتصادية وهلم جرا.. لذا، فلتسمح لي صديقي أن أغامر بقلمي في ثبج العرفان وشواطئه . وأن لا ألزم نفسي كما ألزمت نفسك لما نعته وصفته بلحظة الوعي الزائف، أو بالمعرفة التي تأسست بواسطة جهاز ميتافيزيقي فيضي.. وأن هذه القوى المعانقة له حين تتجه به نحو الحاضر أو المستقبل، فإنها تعيش فقط في حلم ما أخفقت في تحقيقه على أرض الواقع.. قلت: إنك صوت ابن رشد في موقفه من العرفان .. [5]"

يقوم الميتاسرد على تركيب النص الخيالي والنص الإبداعي من البداية حتى النهاية في صيرورة مهجنة ؛ حيث يلخص مضمون النص ويوسعه عبر مدارج الرواية وتشعباتها.

‘ الكولاج باستعمال الأوراق: وتتمثل في أوراق صابر: الورقة الأولى، والورقة الثانية، والورقة الثالثة، والورقة الرابعة، والورقة الخامسة، والورقة السادسة، والورقة السابعة، والورقة الثامنة، والورقة التاسعة، والورقة العاشرة، والورقة الأخيرة..

’ الكولاج باستعمال الفصول: فصل من محاكمة لم تنته حتى الآن.

“ الكولاج بالتزمين: عود على بدء نكساتي، وفي الصباح رحلت، ويوم رحيل ابن رشد، ولم حين أمسكت الشعلة رحلت يارشدي.. ؟

” الكولاج البصري أو الفضائي أو السيميائي: ويقصد به مجمل العلامات البصرية كالفواصل وعلامات الترقيم والنجيمات والفراغ والامتلاء؛ حيث تقوم بلاغة البياض والسواد بدور مهم في توزيع الأدوار والملفوظات السردية، وتشذير اللوحات والمشاهد بشكل منظم ومهجن.

إذاً، يرتبط المعيار البصري بالجهاز الكتابي والطباعي الذي يظهر فوق الصفحة [6]. ويقترن أيضا بكل العلامات الطيبوغرافية التي يتضمنها النص أو الخطاب، كتقسيم المعطى المعروض إلى جمل مفصولة بعلامات الترقيم، وتقطيعه إلى فقرات ومقاطع وفصول ومشاهد ومناظر ولوحات وأبواب وعناوين أساسية وفرعية وداخلية ومقطعية، وتشغيل حروف رقيقة أو مشبعة بالسواد، وتنويع خطوط الكتابة التي قد تكون فوق الصفحة أفقية أو عمودية أو مائلة أو منحرفة. كما يحيل هذا المعيار على ثنائية البياض والسواد ، ولاسيما في النصوص الشعرية والسردية. ويحيل كذلك على عالم الأيقونات والمخططات والمؤشرات البصرية التي يزخر بها النص، و يمكن أن تصبح ، بشكل من الأشكال، من معايير التقطيع، والتدليل، والتسوير، والتحديد، والتسييج الموضوعاتي. ويعني هذا أن وجود فراغ بصري ما، أو وجود بياض بجوار السواد، أو ووجود نجمات أو نقط أو دوائر ، أو أشكال أيقونية فاصلة بين النصوص الصغرى أو الكبرى، يمكن اعتمادها لتقطيع المتن إلى مقاطع نصية دالة ومعبرة.

بيد أن المعيار البصري الذي يعد معيارا طبيعيا ومؤشرا ابتدائيا أوليا في عملية التقطيع، يبقى، في بعض الأحيان، غير كاف وغير ضروري لتحديد مقاطع النص أو الخطاب [7]. لذا، يلتجئ الدارس أو محلل النص أو الخطاب إلى معايير أخرى قد تكون فضائية أو صرفية أو نحوية أو تركيبية أو تداولية.. بغية مواجهة النص، وإخضاعه، من ثم، لمنطق التشريح والتركيب.

• الكولاج بالتبئير والتنويع: يهتم هذا الكولاج بتبئير الشخصيات والأحداث والأمكنة والأزمنة، وتنويعها ضمن نسق موحد موضوعيا وعضويا، وضمن بناء مهجن متسق ومنسجم.

11- الكولاج التركيبي: يستند المعيار التركيبي، في تقطيع النصوص والخطابات، إلى مجموعة من الروابط النحوية التي تسهم في تحقيق اتساق النص وانسجامه. ومن بين هذه الروابط: لكن ، على الرغم من، هذا وإن، وعلى العموم، بيد أن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى،ويعني هذا، أي ، والمقصود بهذا، غير أن، وهكذا..

إذاً، تسهم هذه الروابط التركيبية في تبيان المقاطع النصية والخطابية، وتحديدها بشكل جلي وواضح، وتمييزها عن بعضها البعض، وهي تحقق بذلك ما يسمى بالاتصال الانفصالي (Conjonction disjonctive) ؛ حيث " تستعمل على المستوى التركيبي لإبراز علاقة الاتصال بين مقطعين يوجد بينهما تعالق، لكن كل مقطع يتميز من الآخر، ويتحقق ذلك حين ابتداء المقطع اللاحق عن السابق برابط من هذه الروابط.".[8]

ويعني هذا أن هناك مجموعة من المؤشرات والروابط والمحددات النحوية والتركيبية التي تفصل بين المقاطع اتصالا وانفصالا. وقد تكون هذه المقاطع التركيبية مقاطع إثبات، أو مقاطع تضاد ، أو مقاطع تعارض، أومقاطع تناقض ، أو مقاطع تضمن ، أو مقاطع استدلال وبرهنة وحجاج وإقناع ، أو مقاطع شرح وتفسير وتعليل، أو مقاطع إضافة وزيادة، أو مقاطع استنتاج، أو مقاطع شرط وافتراض، أو مقاطع مقارنة وموازنة، أو مقاطع تقويم وحكم، أو مقاطع تأكيد وتقرير، أو مقاطع استشهاد وتمثيل واستنساخ واقتباس وتضمين.. وتضفي الروابط التركيبية المقطعية على النص والخطاب اتساقا وانسجاما ولحمة بنيوية تسمى بالوحدة العضوية والموضوعية.

12- الكولاج بالاتساق والانسجام: يتحقق الكولاج عن طريق مجموعة من الوسائل اللغوية الظاهرة التي تسهم في ترابط النص وتماسكه.ويعني هذا أن اتساق النص يتحدد ابتداء من الجملة الثانية إلى آخر جملة في النص، بالتوقف عند الروابط اللغوية، والتركيبية، والمعجمية، والدلالية، والوظيفية، كأن نحدد روابط الإحالة، وروابط الحذف، وروابط الاستبدال، وروابط السببية، وروابط الوصل، وروابط الاستنتاج، وروابط التعارض.. ويسمى هذا بروابط الاتساق والالتحام التي تتمثل في الضمائر المتصلة والمنفصلة، وأسماء الإشارة، وحروف العطف، والأسماء الموصولة، والتكرار، وأسماء الشرط..

كما يتحقق الكولاج بالانسجام الذي يعني مختلف العمليات الذهنية التي يستعملها المتلقي لإعادة بناء النص وتركيبه من جديد. بمعنى أن المتلقي يستخدم مجموعة من العمليات والإستراتيجيات المنهجية لفهم النص وتفسيره وتأويله، أو تفكيكه وتركيبه. ومن بين هذه العمليات: المشابهة ، والمماثلة، والتأويل، والعنونة، والتغريض، والبنية الدلالية، والمدونات، والمخططات، والسيناريوهات، والأطر، والاستدلال، وغيرها من المفاهيم الضمنية التي تسهم في بناء النص وخلق انسجامه الدلالي والوظيفي.

13- الكولاج الشخوصي والعاملي: يعد المعيار العاملي (المرسل- المرسل إليه- الذات- الموضوع- المساعد- المعاكس)، أو المعيار الشخوصي (الشخصيات الرئيسة أو الثانوية) ، أو المعيار الفاعلي (الفاعل التيماتيكي أو المعجمي أو الكلامي) من أهم المعايير التي يعتمد عليها في الكولاج؛ لأن ظهور فاعل أو عامل أو شخصية في ساحة الأحداث، أو غيابها ليحضر عامل أو فاعل آخر، يسهم - بلا شك- في تحديد المقاطع النصية بشكل مضبوط ودقيق. كما أن الصراع بين العوامل لتحصيل الموضوع المرغوب فيه. بالإضافة إلى ربطها بالبرامج السردية تحفيزا، وتأهيلا ، وإنجازا، وتقويما، يمكن أن يشكل ذلك محددات أساسية في عملية تقطيع النصوص والخطابات. كما أن ربط الشخصيات والفواعل بالأغراض الدلالية والأدوار المعجمية قد يساعد المحلل السيميائي على ضبط عملية التقطيع والتقسيم. ويعني هذا أن هيمنة الشخصية داخل متوالية نصية أو خطابية يجعل من تلك المتوالية وحدة سردية مستقلة بنفسها، يمكن أن تتحول إلى مقطع نصي أو خطابي.

ومن هنا، ترتبط مجموعة من مقاطع الرواية ولوحاتها المتعددة والمهجنة بمجموعة من الشخصيات الفاعلة والعاملة والنامية كشخصية ابن رشد، وشخصية مانويلا، وشخصية السارد الأكبر، وشخصية السي الخلفي، وشخصية رشدي الجابر، وشخصية صابر، وشخصية ابن عربي، وشخصية خديجة أعراب، وشخصية روز، وشخصية حي بن يقظان، إلخ..

خاتمة:

وخلاصة القول، يسهم الكولاج في اتساق النص الروائي وانسجامه، وفي تحقيق الوحدة الموضوعية والعضوية. كما يقوم الكولاج بدور مهم في تركيب النص بنيويا وعضويا، وخلق لحمته الداخلية، وبناء نسيجه النصي الخارجي، باستثمار تقنيتي التقطيع والتركيب من جهة، وربط البداية بالنهاية من جهة أخرى، وتحويل النص إلى بناء متسق ومنسجم ، أو تفكيكه إلى لوحات ومشاهد ومتواليات سردية مشذرة ومقطعة لها جمالياتها الإبداعية الخاصة بها.

 

جميل حمداوي

.............................

[1] - د.حسن المنيعي: المسرح المغربي من التأسيس إلى صناعة الفرجة،منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ ظهر المهراز، فاس، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1994م، ص:69.

[2] - محمد مسكين: (المسرح النقدي بين الديكور والكولاج المسرحي)، جريدة أنوال الثقافي، المغرب،بتاريخ 9مايو 1987م، ص:3؛

[3] - دمحمد جلال أعراب: خطاب التأسيس في مسرح النقد والشهادة، مطبعة تريفة، بركان،المغرب، الطبعة الأولى ، سنة 2009م، ص:27-28؛

[4] - محمد مسكين: (المسرح النقدي بين الديكور والكولاج المسرحي)، جريدة أنوال الثقافي، المغرب،بتاريخ 9مايو 1987م، ص:3؛

[5] - أحمد المخلوفي: شعلة ابن رشد، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م، صص:16-18.

[6] - Greimas, A.J : Maupassant, la sémiotique du texte, Seuil, Paris, 1976, p : 19.

[7] - Greimas, A.J Op.Cit, p: 19.

[8] - عبد المجيد نوسي: التحليل السيميائي للخطاب الروائي، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م ، ص:15.

 

جميل حمداويالمقدمة: تعرف الأسلوبية (Stylistique) بأنها دراسة الأسلوب دراسة علمية، في مختلف تمثلاته اللسانية والبنيوية والسيميائية والهيرمونيطيقية [1]. وتعد الأسلوبية أيضا فرعا حديثا من فروع اللسانيات إلى جانب الشعرية، والسيميائيات، والتداوليات. وتهتم بوصف الأسلوب بنية، ودلالة، ومقصدية. ويعني هذا أنها تختلف عن البلاغة الكلاسيكية ذات الطابع المعياري التعليمي، والتي كانت تهتم بالكتابة والخلق والإبداع، وتجويد الأسلوب بيانا ودلالة وسياقا وزخرفة، وتقدم للكاتب الناشئ مجموعة من الوصفات الجاهزة في عملية الكتابة، وتنميق الأسلوب وتجويده بلاغة وفصاحة وتأثيرا. ومن هنا، فإن الأسلوبية هي دراسة الأسلوب في مختلف تجلياته الصوتية، والمقطعية، والدلالية، والتركيبية، والتداولية. وبالتالي، تهتم باستكشاف خصائص الأسلوب الأدبي وغير الأدبي، بجرد مواصفاته المتميزة، وتحديد سماته الفردية، واستخلاص مقوماته الفنية والجمالية، وتبيان آثار ذلك كله في المتلقي أو القارئ ذهنيا ، ووجدانيا، وحركيا. ويعني هذا كله أن الأسلوبية تهتم بالأجناس الأدبية، وصيغ تأليف النصوص، والتركيز على الأساليب اللغوية الخاصة لدى مبدع ما، وتدرس أيضا أنواع الأساليب التي يستثمرها الكاتب.

المطلب الأول: مفهوم الأسلوبية

اشتقت الأسلوبية (Stylistique)، في الثقافة الغربية، من الكلمة اللاتينية (Stilus)، ومن الكلمة الإغريقية (Stylos)، ومن الكلمة الفرنسية أو الإنجليزية (Style). وتعني هذه المشتقات، في دلالاتها الأصلية، أداة الكتابة. وبعد ذلك، استخدمت الكلمة للدلالة على طريقة الكتابة أو فن الكتابة. ويعرف الأسلوب اصطلاحا بأنه" اختيار لغوي من بين بدائل متعددة، إذ إن الاختيار سرعان ما يحمل طابع صاحبه، ويشي بشخصيته، ويشير إلى خواصه"[2]. كما تهتم الأسلوبية باللغة الأدبية، وتعنى بعطائها التعبيري[3].

وعليه، فالأسلوبية هي مقاربة منهجية نظرية وتطبيقية، يمكن تمثلها في الحقل الأدبي والنقدي لمقاربة الظواهر الأسلوبية البارزة التي تميز المبدع، وتفرده عن الكتاب والمبدعين الآخرين.ومن جهة أخرى، تنكب الأسلوبية ، بصفة خاصة، على دراسة الأجناس الأدبية، وسبر أدبية النصوص والخطابات والمؤلفات،  ودراسة الوظيفة الشعرية، والتمييز بين الأساليب حقيقة ومجازا، وتعيينا وتضمينا، برصد الأشكال والبنى الأدبية والسيميائية، واستكشاف بلاغة النص، وتحديد المستويات اللسانية للخطاب من: صوت، ومقطع، وكلمة، ودلالة، وتركيب، وسياق، ومقصدية، وربط ذلك كله بموهبة الفرد المبدع، أو العمل على دراسة الأسلوب في ضوء المعطيات النفسية أو الاجتماعية.

المطلب الثاني: أنوع الأسلوبيات

يمكن الحديث عن مجموعة من الأسلوبيات في الحقل الأدبي والنقدي واللساني ، و يمكن حصرها في ما يلي:

1- Œالأسلوبية المثالية: التي ترى أن الأسلوب نتاج فكر فردي، يعكس شخصية الكاتب أو المؤلف، ويستجلي إرادته ومزاجه وثقافته وعوالمه النفسية والاجتماعية، وهذا يشبه ما قالت به الوضعية العقلية أو المثالية الفلسفية. وقد ظهرت مع فاندت(Wendt)، وهيجو شوشاردت(Hugo Ernst Mario Schuchardt)، وكارل فوسلر(Karl Vossler)، وبنديتو كروتشه(Benedetto Croce)... ؛

2- الأسلوبية التعبيرية: هي التي تهتم بالتعبير عن العواطف والمشاعر والانفعالات ، وقد تبلورت مع شارل بالي(Charles Bally)، وماروزو (Marouzeau)[4] ، وكروسيه (Crosset)...

Ž3- الأسلوبيــة اللسانيــة: يعد فرديناند دوسوسير (Ferdinand de Saussure )المؤسس الحقيقي للأسلوبية اللسانية، كما يتجلى ذلك واضحا في كتابه( محاضرات في اللسانيات العامة)[5]؛ حيث بلور مجموعة من المستويات اللسانية التي لها علاقة بالأسلوب، كالمستوى الصوتي، والمستوى الصرفي، والمستوى الدلالي، والمستوى التركيبي. وقد تبنى دوسوسير دراسة اللغة بدل الكلام؛ لأن الكلام فعل حر فردي منعزل، من الصعب دراسته وتجريده وتصنيفه. على عكس اللغة، فهي ظاهرة اجتماعية وثقافية تتسم بالثبات، ويمكن رصدها بشكل لائق صوتيا، وصرفيا، ودلاليا، وتركيبيا.

علاوة على ذلك، فلقد ناقش دو سوسير قضية الدال والمدلول في علاقتهما بالمرجع، وقد دافع أيضا عن دراسة اللغة سانكرونيا بدلا من دراستها دياكرونيا وتاريخيا . وقد اهتم أيضا بالعلاقات الاستبدالية والتركيبية في دراسة اللغة، وميز بين الأسلوب التقريري الحرفي والأسلوب المجازي الموحي. ومن ثم، فلقد أصبحت الأسلوبية جزءا أو شعبة من شعب اللسانيات العامة؛ لأنها تستعين باللسانيات، وتستعير منها مفاهيمها التطبيقية، وتقتبس منها تصوراتها النظرية...

ويعني هذا كله أن الأسلوبية الغربية بصفة عامة، والأسلوبية الفرنسية  بصفة خاصة، قد استفادت كثيرا من آراء فرديناند دوسوسير. وفي هذا السياق نفسه، يمكن استحضار رولان بارت الذي تحدث بدوره عن مجموعة من المفاهيم اللسانية التي أصبحت مقولات أسلوبية، كالدال والمدلول، واللغة والكلام، والتقرير والإيحاء، والتركيب والاختيار... في كتابه القيم: ( عناصر السيميولوجيا)[6]...؛

4- الأسلوبيـــة الجديـــدة: يعد ليوسبيتزر (Leo Spitzer) من رواد الأسلوبية المعاصرة[7]، فلقد اهتم في البداية بربط النص في مختلف تجلياته الأسلوبية بنفسية المبدع أو الكاتب، متشبثا بمقولة بوفون مرة أخرى:" الأسلوب هو الكاتب نفسه".إلا أن ليو سبيتزر كان يعنى برؤية الكاتب إلى العالم أكثر من اهتمامه بتفاصيل سيرته الذاتية، واستقصاء جزئيات حياته الفردية والبيوغرافية.

وفي المرحلة الثانية، تخلى ليو سبيتزر عن فكرة الكاتب الخارجي الذي يحيل عليه النص أسلوبيا، ليهتم بالإجراءات الأسلوبية، ويعنى بأنظمتها البنيوية الحاضرة في النص. وقد تحدث ليو سبيتزر عن الأثر الأسلوبي الذي يعد عنده مفهوما اصطلاحيا واسعا، ويشمل الفكر والعاطفة معا. وما يميز الأثر الأسلوبي عنده هو تأثيره في القارئ أو المتلقي من خلال فرادة الأسلوب أو انزياحه، أو غموضه وإبهامه، أو عدم استساغته ضمن سياق إبداعي ما، أو  بروزه بشدة.

وما يميز سبيتزر أيضا أنه قد اهتم بدراسة المؤلفات في ضوء أسلوبية معاصرة، ولم يهتم باللغة في عموميتها.  وقد ركز كذلك على  خصوصية اللغة، وفرادة الأسلوب، وتميزه الخاص... ومن ثم، فشخصية الكاتب هي التي تضفي على العمل الأدبي اتساقه وانسجامه. كما أن خصوصية الأثر تتجلى في الانزياح عن المعيار أو المألوف.

5 - الأسلوبيــة البنيويـــة: ظهرت الأسلوبية البنيوية في سنوات الستين من القرن العشرين  مع أعمال كل من: رومان جاكبسون (R.Jakobson)، وتودوروف (Todorov)، وكلود بريمون (Bremond)، ورولان بارت (Barthes)، وجيرار جنيت(Genette)، وجماعة مو(Groupe Mu)، وجون كوهن (J.Kohen)، وجوليا كريستيفا (Kristeva)، وكريماص (Greimas)، وجوزيف كورتيس (J.Courtèse)، وميشيل ريفاتير (M.Rifaterre) الذي كتب مجموعة من المقالات النقدية والأدبية. وقد توجت هذه الأبحاث كلها بكتاب في السبعينيات من القرن نفسه بعنوان: (أبحاث حول الأسلوبية البنيوية)[8]. ومن ثم، فلقد اهتم ريفاتير بلسانية الأسلوب ، وتفكيك الشفرة التواصلية في إطار علاقة المرسل بالمرسل إليه. وبالتالي، فلقد ركز على آثار الأسلوب في علاقتها بالمتلقي ذهنيا ووجدانيا. كما ربط الأسلوبية باستكشاف التعارضات الضدية، وتبيان الاختلافات البنيوية التي يتكئ عليها أسلوب النص.علاوة على هذا، فلقد اهتم بالانزياح في تعارضه مع القاعدة والمعيار، واعتنى أيضا بدراسة الكلمات في تموقعها السياقي. بمعنى أنه كان يدرس الأساليب بنيويا وسياقيا.وبعد ذلك، انتقل ميشيل ريفاتير إلى سيميوطيقا الشعر وإنتاج النص[9]، مركزا بشكل خاص على القارئ النموذجي في استكشاف الواقعة الأسلوبية فهما، وتفسيرا، وتأويلا.

6- الأسلوبيـــة الإحصائيـــة: يعد بيير غيرو (Pierre Guiraud) من رواد الأسلوبية الإحصائية[10]. دون أن ننسى شارل مولر(Ch.Muller) في كتابه: (المعجمية الإحصائية: مبادئ ومناهج)[11]. وقد اهتم بيير غيرو خصوصا باللغة المعجمية[12] ، موظفا المقاربة الإحصائية في استكشافها.أي: لقد ساهم غيرو في تأسيس موضوعاتية إحصائية، برصد بنيات المعجم الأسلوبي لدى مجموعة من المبدعين، مثل: فاليري، وأبولينير، وكورناي...، وتتبع المعجم إحصائيا في المؤلفات الأدبية، باستقراء الحقلين: الدلالي و المعجمي. ومن ثم، فلقد اهتم بالكلمات- الموضوعات (التيمات) التي تميز كاتبا أو مبدعا ما، مستثمرا آليات الإحصاء، كالتكرار، والتردد، والتواتر، والضبط، والعزل، والجرد، والتصنيف...أي: كان يهتم بكل ما يتعلق بأسلوبية المؤلف، ويشكل هويته، ويبين فرادته، ويؤكد تميزه الإبداعي[13].

وعلى العموم، فلقد انصب بيير غيرو على دراسة المعجم في المؤلفات الأدبية المتميزة بتوظيف الإحصاء، واستلهام المقاربة التاريخية التطورية للكلمات (ETHMOLOGIE).ويتضح ذلك جليا في كتابه: (اللسانيات الإحصائية: المناهج والمشاكل)، وفي كتابه الآخر: (البنيات الاشتقاقية للمعجم الفرنسي)[14] الذي يتتبع فيه الباحث تاريخ الكلمات الفرنسية.

7- الأسلوبية السيميوطيقية: ظهرت السيميوطيقا الأسلوبية (Sémiostylistique) في 1990م مع جورج مولينيي (Georges Molinié) الذي اشتهر بمجموعة من الدراسات الأسلوبية تعريفا وتقعيدا وتطبيقا، من بينها: الأسلوبية[15]، ومعجم الأسلوبية[16]، والسيميوطيقا الأسلوبية[17]، ومقاربات التقبل[18]، والهرمسية المحرفة، أو نحو هرمينوطيقا مادية[19].

وقد أدمج جورج مولينيي الأسلوبية ضمن السيميوطيقا العامة للثقافة المعاصرة. وتعني الأسلوبية عنده تمثلا ثقافيا لأنظمة القيم الجمالية والأنتروبولوجية.

المطلب الثالث: نحو أسلوبية سوسيولوجية

ترتبط الأسلوبية السسويولوجية بالمنظر الروسي ميخائيل باختين(M.Bakhtine). وهي لاتكتفي بالخطاب اللغوي الداخلي فحسب، بل تربطه بالخارج المجتمعي.ويعني هذا أن الأسلوبية السوسيولوجية تدرس الأسلوب من الداخل أولا، ثم تحاول ثانيا أن تدمجه في البنى المجتمعية، بتبيان موقف الكاتب من العالم، وإبراز السياق الاجتماعي الذي أفرز هذا النوع من الأسلوب، والإشارة إلى ما يحمله ذلك الأسلوب من دلالات ومقاصد اجتماعية مباشرة وغير مباشرة. وفي هذا، يقول باختين:" هذا التفرد يتطلب أسلوبية ملائمة، لايمكن أن تكون إلا أسلوبية سوسيولوجية.فالحوار الداخلي الاجتماعي للخطاب الروائي يستدعي الكشف عن سياقه الاجتماعي الملموس الذي يعدل مجموع بنيته الأسلوبية وشكله ومحتواه، فضلا عن أنه لايعدله من الخارج وإنما من الداخل. ذلك أن الحوار الاجتماعي يرن داخل الخطاب نفسه، وداخل كل عناصره،  سواء تلك التي تخص المحتوى أو تخص الشكل."[20]

ويعد ميخائيل باختين من المؤسسين الرواد للأسلوبية السوسيولوجية، مادام يدرس الأسلوب الروائي في ضوء البنية المجتمعية ، أو يدرسها وفق اللسانيات الخارجية ذات البعد المرجعي . لذا، فقد خصها بمجموعة من الدراسات الأدبية والنقدية، ومن أهم ما وصل إلينا من ذلك( شعرية دويستفسكي) [21]، وكتاب(إستيتيقا الرواية ونظريتها)[22]، و( الماركسية وفلسفة اللغة)[23].

بيد أن ثمة دراسات أخرى أشارت إلى هذه الأسلوبية السوسيولوجية بشكل من الأشكال. ومن بين هذه الدراسات ما كتبه تشيتشرين في دراسته المطولة بعنوان:( الأفكار والأسلوب، دراسة في الفن الروائي ولغته)[24]، وف. ف. فينوغرادوف في كتابه( حول لغة الأدب الفن) الصادر في مسوكو سنة 1959م[25]، ول.جروسمان في كتابه( طريق دويستفسكي)[26]، وأوتو كاوس في كتابه( دويستفسكي ومصيره)[27]، وف.كوماروفيتش في كتابه( رواية دويستفسكي (المراهق) بوصفها وحدة فنية)[28]، وب.م.إنجلجاردت في كتابه( رواية دويستفسكي الإيديولوجية)[29]، وف.لوناجارسكي في مقاله( حول تعددية الأصوات عند دويستفسكي)[30]، وف. كيربوتين في (ف.م.دوستويفسكي)[31] ، وب.ف.شكلوفسكي في كتابه( مع وضد.ملاحظات حول دويستفسكي.)[32]، وب.أوسبنسكي في كتابه(شعرية التأليف)؛ حيث يقول عن البوليفونية الإيديولوجية:" عندما نتحدث عن المنظور الإيديولوجي لانعني منظور الكاتب بصفة عامة منفصلا عن عمله، ولكن نعني المنظور الذي يتبناه في صياغة عمل محدد، وبالإضافة إلى هذه الحقيقة، يجب أن نذكر أن الكاتب قد يختار الحديث بصوت مخالف لصوته، وقد يغير منظوره- في عمل واحد- أكثر من مرة، وقد يقـيم (بتشديد الياء) من خلال أكثر من منظور."[33]

ومن أهم الدراسات الغربية الحديثة حول الأسلوبية السوسيولوجية عند باختين ما كتبه تزتيفان تودوروف (T.Todorov) بعنوان(ميخائيل باختين والمبدأ الحواري)[34]، وماكتبته أيضا جوليا كريستيفا من دراسات تشير فيها إلى التناص الحواري، كما في كتابها (السيميوطيقا)[35]...

وإذا انتقلنا إلى  الدراسات العربية في مجال الأسلوبية السوسيولوجية، فنستدعي- في هذا الصدد- دراسة حميد لحمداني المعنونة (أسلوبية الرواية)[36]، ودراسة سيزا قاسم (بناء الرواية)[37]، ودراسة محمد برادة (أسئلة الرواية وأسئلة النقد)[38]، ودراسة عبد الحميد عقار (الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب)[39]، ودراسة عبد الله حامدي (الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة)[40]، ودراسة الحبيب الدائم ربي (الكتابة والتناص في الرواية العربية)[41]، ودراسة إدريس قصوري (أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ)[42]، ودراسة جميل حمداوي (أسلوبية الرواية، من أجل مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي)[43]...

وعليه، فلقد ظهرت الأسلوبية السوسيولوجية في بداية القرن العشرين بديلا للأسلوبية الشعرية التي لم تكن تهتم بالرواية بشكل جدي.وفي هذا، يقول باختين:" قبل القرن العشرين، لم يكن هناك تناول دقيق لمشكلات أسلوبية الرواية، قائم على الأصالة الأسلوبية للخطاب داخل النثر الأدبي.

لقد كانت الرواية، أمدا طويلا، موضوعا لتحليلات إيديولوجية بطريقة تجريدية، ومجالا لأحكام يصدرها الإعلاميون. كان هناك إهمال تام للمشكلات الملموسة، أو أنها كانت تدرس بسرعة وسطحية بدون الاعتماد على أي مبدأ.وكان خطاب النثر الأدبي معتبرا وكأنه خطاب شعري بالمعنى الضيق، فكان يطلق عليه، بدون أي حس نقدي، مقولات الأسلوبية التقليدية (المرتكزة على دراسة الوجوه البلاغية)، أو أنه كان يقع الاكتفاء بمصطلحات جوفاء لتوصيف الخصائص المميزة للغة: كانوا يتحدثون عن تعبيريتها وعن صرامتها وعن سلاستها، بدون أن يعطى لهذه المفاهيم أي معنى أسلوبي محدد.

وخلال نهاية القرن الماضي، وفي مقابل التحليل الإيديولوجي التجريدي، تزايد الاهتمام بالمشكلات الملموسة للنثر داخل العمل الأدبي، وبالمشكلات التقنية للرواية والقصة. ومع ذلك لاشيء تغير فيما يخص مشكلات الأسلوبية: إذ يكاد يقتصر التركيز على مشكلات التأليف (بالمعنى الواسع) لكن دائما بدون معالجة جذرية وملموسة للخصوصيات الأسلوبية في خطاب الرواية والقصة. إنها ماتزال أحكام قيمة، وملاحظات آنية صادرة عن ذهن تقليدي، لاتلامس حتى الجوهر الحقيقي للنثر الأدبي."[44]

ويعني هذا أن مشاكل الرواية كانت تدرس وفق الأسلوبية الشعرية التي كانت تلامس قضايا الرواية والقصة وفق الصور البلاغية، ووفق مواصفات الأسلوب بالمفهوم التقليدي، ولم تكن تدرس القضايا الاسلوبية وفق بناها الداخلية من جهة، وفي ارتباطها بالبنى السوسيولوجية من جهة أخرى.

ومع القرن العشرين، تشكلت أسلوبية سوسيولوجية جديدة تعنى بالرواية البوليفونية[45] ، أو الرواية المتعددة الأصوات واللغات والأساليب.وفي هذا، يقول باختين:" حوالي العشرينيات، تبدل الوضع، وأخذ خطاب الرواية النثري يكتسب مكانة داخل الأسلوبية.فمن جهة، ظهرت مجموعة تحليلات أسلوبية ملموسة لنثر الرواية، ومن جهة أخرى، بدأنا نشهد محاولات جذرية لفهم وتحديد التفرد الأسلوبي للنثر الأدبي انطلاقا مما يميزه عن الشعر.

إلا أن تلك التحليلات والمحاولات أظهرت بوضوح أن جميع مقولات الأسلوبية التقليدية، بل ومفهوم الخطاب الشعري الذي تعتمد عليه، غير قابلة للتطبيق على الخطاب الروائي.ذلك أن هذا الأخير قد أبان عن أنه الحجر الأساس في كل تفكير حول الأسلوبية، لأنه أظهر ضيق الأسلوبية وعدم ملاءمتها لكل مجالات اللفظ الأدبي الحي.

إن جميع محاولات التحليل الأسلوبي الملموس للنثر الروائي إما أنها تاهت وسط الأوصاف اللسانية للغة الروائي، وإما أنها اكتفت بإبراز عناصر أسلوبية معزولة قادرة على الاندراج (أو فقط تظهر مندرجة) ضمن المقولات التقليدية للأسلوبية. وفي كلتا الحالتين، تند الوحدة الأسلوبية للرواية وخطابها عن الباحثين.

إن الرواية ككل، ظاهرة متعددة الأسلوب واللسان والصوت، ويعثر المحلل فيها على بعض الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة التي توجد، أحيانا، على مستويات لسانية مختلفة وخاضعة لقواعد لسانية متعددة...هذه الوحدات الأسلوبية اللامتجانسة تتمازج، عند دخولها إلى الرواية لتكون نسقا أدبيا منسجما، ولتخضع لوحدة أسلوبية عليا تتحكم في الكل، ولا نستطيع أن نطابق بينها وبين أية وحدة من الوحدات التابعة لها."[46]

بمعنى، أن الأسلوبية السوسيولوجية هي التي تدرس الأساليب واللغات المشخصة في الرواية وفق سياقها السوسيولوجي والإيديولوجي والمجتمعي والمرجعي. وتعنى أيضا باستجلاء حوارية اللغة وبوليفونيتها وديالوجيتها داخل نسق تعددي كلي يتجاوز  اللسانيات الداخلية إلى اللسانيات الخارجية.

ومن هنا، لاتعرف الأسلوبية التقليدية " مطلقا هذا النوع من التجميع للغات والأساليب التي تكون وحدة عليا.إنها لاتعرف كيف تتناول الحوار الاجتماعي النوعي للغات الرواية، كما أن تحليلها الأسلوبي لايتجه نحو مجموع الرواية، وإنما يقتصر على هذه الوحدة التابعة أو تلك. فالباحث، من هذا الاتجاه، لايلمس الخصوصية الأولية للجنس الروائي، ويستبدل موضوع بحثه بالوقوف عند الجزئيات، وبالإجمال، فإنه يحلل شيئا مختلفا جدا عن الأسلوب الروائي ! إنه يكتب للبيانو تيمة سيمفونية (تقودها الأوركسترا).

ويمكن لذلك الاستبدال أن يتم بطريقتين: في حالة أولى، بدلا من تحليل أسلوب الرواية، يقدم لنا وصف للغة الروائي( وفي أحسن الحالات، لغات الرواية) وفي حالة ثانية، يبرز أحد الأساليب التابعة التي يقع تحليلها كأنها أسلوب مجموع الرواية."[47]

ومن هنا، تنصب الأسلوبية السوسيولوجية على دراسة الرواية المهجنة من جهة، ودراسة الرواية المتعددة اللغات والأساليب والأصوات ذات البعد الحواري والبوليفوني.

وعلى العموم، يتبين لنا ، مما سبق ذكره، بأن الأسلوبية قد ظهرت في الثقافة الغربية منذ أواخر القرن التاسع عشر ، قبل ظهور اللسانيات بمختلف مدارسها وفروعها، والهدف من ذلك هو وصف الخصائص الأسلوبية داخل الأثر الأدبي أو النص الإبداعي، باستكشاف مميزاته الفنية والجمالية ، وتبيان أثر ذلك في المتلقي ذهنيا ووجدانيا. ومن ثم، فلقد خرجت الأسلوبية من معطف البلاغة المعيارية لتتشابك - منهجيا- مع اللسانيات، والشعرية، والتداوليات، والسيميائيات...

ومن ثم، فلقد مرت الأسلوبية الغربية عبر مراحل أربع: مرحلة الكاتب، و مرحلة النص، ومرحلة القارئ، ومرحلة السياق. في حين، مرت الأسلوبية العربية بمجموعة من المراحل المتداخلة والمتشابكة، يمكن تحديدها في مرحلة البيان، ومرحلة المعاني، ومرحلة البديع، ومرحلة النظم، ومرحلة المحاكاة والتخييل...ومن هنا، فالأسلوبية لا تقتصر على الشكل فقط، بل تتعداه إلى الفهم والتفسير الهيرمونيطيقي.أي: تجمع بين الشكل والمعنى.

وتتفرع الأسلوبية إلى مجموعة من الاتجاهات والمدارس، كالأسلوبية المثالية، والأسلوبية التعبيرية، والأسلوبية المعاصرة، والأسلوبية الإحصائية، والأسلوبية اللسانية، والأسلوبية البنيوية، والأسلوبية السوسيولوجية...

ويلاحظ على السيميوطيقا الأسلوبية أنها مقاربة  مركبة وانتقائية وتوفيقية، تجمع بين مجموعة من التصورات النظرية السيميائية والشعرية والجمالية والأسلوبية التي قد تتناقض مع بعضها البعض في بعض الأحيان. فالسيمويطقا السردية عند كريماص لاتعتد بماهو أسلوبي؛ إذ تعتبره من مكونات البنية الظاهرية على مستوى السطح. في حين، تهتم بماهو سردي سطحا وعمقا.  وهذا ما يجعل مقاربة جان مولينيي مقاربة نصية مركبة وانتقائية وتجميعية، تفتقر إلى تصوراتها العلمية والمنهجية الخاصة بها. بمعنى أن هذه المقاربة عالة على باقي المقاربات الأخرى، كاللسانيات، والبلاغة، والسيميوطيقا، وجمالية التقبل. وهذا ما يجعل النقاد يتشككون في علميتها وموضوعيتها وخصوصيتها واستقلاليتها،  مادامت لم تبين موضوعها بدقة كباقي المقاربات النقدية الأخرى. علاوة على ذلك، فإنها لم تحدد منهجها النقدي الخاص بها تنظيرا وتطبيقا. وبالتالي، لا تمتلك مصطلحاتها الإجرائية المتعلقة بها[48].

ومن جهة أخرى، تستند الأسلوبية - منهجيا- إلى ثلاث خطوات أساسية هي: البنية، والدلالة، والوظيفة. كما تستند إلى مجموعة من المستويات الرئيسة، مثل: المستوى اللساني، والمستوى الشعري، والمستوى التداولي، والمستوى البلاغي، والمستوى المناصي، والمستوى التلفظي.

وإذا كانت للأسلوبية مزايا عديدة تنظيرا وتطبيقا، فإنها ماتزال عالة على المناهج النقدية الأدبية الأخرى، تستعير منها مفاهيمها، وتقتبس منها مصطلحاتها الإجرائية، إلى أن اختلطت هذه الأسلوبية بمجموعة من التخصصات العلمية المعروفة،  كاللسانيات، والسيميائيات، والشعرية، والتداوليات، والبلاغة، والنقد الأدبي...، فانصهرت فيها منهجا، وموضوعا، ومفهوما، وأداة.

وتبقى الأسلوبية السوسيولوجية، في معتقدي، أفضل هذه الأسلوبيات كلها، مادامت تجمع بين الداخل والخارج، وتؤالف بين بنية الخطاب وبنية المرجع، وتدرس اللغات والأساليب واللهجات والخطابات والأجناس والأنواع والحواريات المهجنة وفق بناها المرجعية، والتداولية، والسياقية، والمجتمعية.

وعليه، فلقد آثرنا ، في كتابنا النقدي والتوصيفي هذا، تطبيق الأسلوبية السوسيولوجية في مقاربة مفهوم التهجين،  بالجمع بين توصيف الأسلوب لسانيا وتلفظيا على المستوى الداخلي، واستكشاف أبعاده المرجعية والمجتمعية والإيديولوجية على المستوى الخارجي.

ولايمكن دراسة مفهوم التهجين الروائي (Hybridisation) باعتباره مفهوما نقديا إجرائيا إلا بالتوقف عند أربع خطوات منهجية هي: البنية، والدلالة، والوظيفة، والقراءة السياقية. ويعني هذا كله أن التهجين يستلزم منا أن نقاربه وفق الأسلوبية السوسيولوجية بدراسة بنيته الشكلية والتركيبية واللغوية والفنية والجمالية، و تبيان مختلف دلالاته ومضامينه داخل النص الروائي في كليته النسقية والعضوية والموضوعية، ثم استكشاف مختلف وظائفه ومقاصده ورسائله المباشرة وغير المباشرة، ضمن سياقه النصي التداولي، والمرجعي، والاجتماعي، والإيديولوجي.

 

جميل حمداوي

.........................

[1] - تعني الهيرمونيطيقا الشرح، والتفسير، والتأويل.

[2] - صلاح فضل: مناهج النقد المعاصر، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2002م، ص:89.

[3] - بيير غيرو: الأسلوبية، ترجمة:منذر عياشي، مركز الإنماء الحضاري،حلب، سورية، ص:17.

[4] - Jules Marouzeau : Précis de stylistique française. Paris1965.

[5] -Ferdinand de Saussure : Cours de linguistique générale, Payot, Paris, France1967.

[6] -Roland Barthes : Eléments de sémiologie, Edition de Seuil, Paris,1964.

[7] -Léo Spitzer : Etudes de style. Paris1970.

[8] - Michael Rifaterre : Essais de stylistique structurale. Flammarion, 1971.

[9] -Maurice Delacroix et Fernand Hallyn et autres :Méthode du Texte,Duculot,Paris,1987,p :90-91.

[10] - Pierre Guiraud : La stylistique, P.U.F.1972.

[11]- Charles  MULLER : Principes et méthodes de statistique lexicale. Champion.1992

[12] - Pierre Guiraud : Les Caractères statistiques du vocabulaire. P.U.F.1954

[13] -Pierre Guiraud : Essais de stylistique : Problèmes et méthodes.1960.

[14]-Pierre Guiraud : Les Structures étymologiques du lexique français 1967.

[15] - Molinié.G : La stylistique, Paris, PUF, 2004.

[16] - Molinié.G. Et Mazalyrat.J. : Vocabulaire de la stylistique, Paris, PUF, 1989.

[17] -Molinié George :Sémiostylistique ,l’effet de l’art, Paris,PUF.1998.

[18]- Molinié.G. Et Viala. A : Approches de la réception, Paris, PUF, 1993.

[19] - Molinié George :Hermès mutilé, vers une herméneutique matérielle, Paris, France Honoré Champion,2005.

[20] - ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ترجمة: محمد برادة، دار الأمان، الرباط، المغرب، الطبعة الثانية سنة 1987م،ص:60.

[21] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ترجمة: الدكتور جميل نصيف التكريتي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[22] - M.Bakhtine:Esthétique et théorie du roman, Gallimard, Paris, ED.1978.

[23] - ميخائيل باختين: الماركسية وفلسفة اللغة، دارتوبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[24] -  أ.ف.تشيتشرين: الأفكار والأسلوب  دراسة في الفن الروائي ولغته، ترجمة: حياة شرارة، منشورات وزارة الثقافة والفنون، العراق، طبعة 1978م.

[25] - ميخائيل باختين: شعرية دويستفسكي، ص:396.

[26] - ميخائيل باختين: نفسه،ص:24.

[27] - ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:27.

[28] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:30.

[29] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:32.

[30] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:47.

[31] -  ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:54.

[32] - ميخائيل باختين: : نفسه ،ص:56.

[33] -B.Uspenski: Poetics of composition, traduction.CL.Kahn, Poétique9, 1972, P.11.

[34] - Tzvetan Todorov : Mikhaïl Bakhtine : Le Principe dialogique. Seuil.1981.

[35] - Julia kristeva: Séméiotiké, pour une sémanalyse, Seuil, Paris, 1969.

[36] - حميد لحمداني: أسلوبية الرواية، منشورات دراسات سال، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1989م.

[37] - سيزا قاسم: بناء الرواية، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 1985م، صص:177-194.

[38] - محمد برادة: أسئلة الرواية وأسئلة النقد، شركة الرابطة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1996م.

[39] - عبد الحميد عقار: الرواية المغاربية: تحولات اللغة والخطاب، شركة النشر والتوزيع،المدارس،  الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2000م.

[40] - عبد الله حامدي: الرواية العربية والتراث: قراءة في خصوصية الكتابة، مؤسسة النخلة للكتاب، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2003م.

[41] - الحبيب الدائم ربي: الكتابة والتناص في الرواية العربية، منشورات اتحاد كتاب المغرب، الطبعة الأولى 2004م.

[42]-إدريس قصوري: أسلوبية الرواية؛ مقاربة أسلوبية لرواية زقاق المدق لنجيب محفوظ، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، أربد، الأردن، الطبعة الأولى 2008م.

[43] - جميل حمداوي: أسلوبية الرواية، من أجل مقاربة أسلوبية لرواية (جبل العلم) لأحمد المخلوفي، مكتبة المثقف، موقع المثقف الإلكتروني، مؤسسة المثقف العربي، سيدني، أستراليا.

http://almothaqaf.com/library/67.pdf

[44] - ميخائيل باختين: الخطاب الروائي، ص:31.

[45] - إذا كانت الرواية المنولوجية ذات صوت إيديولوجي واحد، تعتمد على السارد المطلق العارف بكل شيء، وتستند إلى سارد واحد، ورؤية سردية واحدة، ولغة واحدة، وأسلوب واحد، وإيديولوجية واحدة، فإن الرواية البوليفونية رواية متعددة الأصوات على مستوى اللغات والأساليب والمنظور السردي والإيديولوجي. وكذلك، من حيث الشخصيات، وتطرح أفكارا متناقضة ومختلفة جدليا، وتعطي المتلقي هامشا من الحرية والاستقلالية لكي يختار الموقف المناسب الذي يتلاءم مع اقتناعاته وثقافته ومعتقده. وغالبا، ما تتحدد بوليفونية الرواية بوجود تنوع في المنظور الإيدولوجي.

[46] - ميخائيل باختين: نفسه، ص:32.

[47] - ميخائيل باختين: نفسه، ص:33.

[48] - René Pommier : .Nouvelle stylistique ou nouvelle imposture, http://rene.pommier.free.fr/Stylistique.htm#_ftn1

 

جاء المتن السردي لرواية (الذباب والزمرد) مفسراً، وشارحاً لعنوان الغلاف الروائي؛ لأن العنوان كالجاذب المانع، أي بمعنى انه ملفتاً للقراءة، ومانعاً لها.

الزمرد: مفردة باعثة للقراءة، ومشجعة لها، أما الذباب: فجاءت مفردة متناقضة مع الزمرد، ولم يكتف بذلك فقط، بل جعل الغلاف الرئيس للرواية يحمل ايقونة الذباب، بهيئة ذبابة سوداء كبيرة، محاطة باسلاك شائكة، تحت خلفية خضراء، وهذا الخضار هو صورة للأرادة، للأزدهار، للحياة، التي سنكتشف معناها من قراءة الرواية، ورمزية كل من (الذباب، والزمرد).

فـ ( الذباب) : هو الشعب المنكوب،وهو رمز العبيد،وهو ماعمدت الرواية إلى تأكيده بالقول: " يأتي المساء إلى هناك هرماً قبيحاً، يتوكأ على عكاز يتلمس له الوحشة والضجر كي يقشطها بخبث عن كل أماسي مدن الدنيا وينثرهما على رؤوسنا" .

اشار لخلفية الغلاف باللون الأخضر؛ لأنه شعب محب للحياة، ومقاوم للظلم والطغاة، على الرغم من كثرتهم" وها أنا يا ازيريه في اتون الحصار أعاصر السموم واليورانيوم والسرطانات والتشوهات الخلقية واشهر هجرة إلى بلاد المهجر . أنا ابن مفردات الحصة التموينية الشحيحة، انا خطية يا ازيرية مزقتني الحروب والسواتر وعيون القتلى "، فالجوع، والفقر هو من حول العالم -الإنسان- إلى صورة مطابقة لصورة الذباب..

و(الزمرد): الحجر الكريم الراقي، ذا الشأن المرتفع، وهو صورة السلطة الطاغية، التي اتخذت لوجودها مركزاً  موازياً، لقيمة الزمرد.

الرواية نسيج مترابط مع بعضه، لينتج نصاً سردياً متكاملاً، منها الصوت، والصورة،و القضية، والنقد،و الكاريزما، والشخصيات، والسيرة الذاتية، والذاكرة، جاء فيها" كل قوارب نجاتنا مازالت مشغولة بالصدمة، والنهر يجري سريعاً يا ازيرية، والضفة الاخرى تبدو بعيدة. بعيدة جداً".

خص االسرد بمحافظة (البصرة)، وهي  عنصر اساسي في تقديم الحدث الروائي، وهو من الاساسيات التي لايمكن أن يتخلى عنها اي متن سردي؛ لأنه- المتن السردي- المحيط الذي تعيش فيه احداث الرواية، وهو السارد الاول للشخصية، وتبعاتها النفسية، فالمكان يختلف من منطقة لأخرى، فاذا جاء المكان راقياً نشأت الشخصيات موازية لرقية مكانها، والعكس هو الصحيح، لذا لا يمكن الاستغناء عن المكان في اي متن سردي، والذي يشكل مع الفضاء، والحوار، والصور، والقضايا السردية، شبكة متكاملة، لنسج قضية سردي، اتخذت من الواقع الأجتماعي اساساً لبناء حاضنها السردي.

الشخصيات جاءت بمسميات غير متداولة بكثرة في واقعنا المعاش، وهي مسميات موازية لمسمى المتن السردي، وهم (اوسم الشهيد، شفيق الخصيباوي، كمرة ضحية الزمرد، نيرون)، وهذا الأخير رمز الطغاة الذي يتسلى بمشاهدة عبيده وهم يتقاتلون حتى الموت، اي بمعنى أنه صراع للمتعة الذاتية .

اول صراع سجلته السردية هو صراع الشرطة مع الحرامية، ليشكل هذا الصراع مفتاحاً اولياَ لقراءة المتن السردي، وليعرض أحداث الرواية جميعها، بزمان ومكان معلومين.

منزلة الشرطي كانت في الأسفل دائماً، ويرتفع الحرامي عليها، وهي لعبة انقلابية معاشة بحقيقتها في واقعنا المعاش، وبالاخص عندما قدمت صورة الوطن الجحيم المنقلب على ابنائه، وقميص (أوسم) تناص رمزي مع قميص النبي (يوسف)، فكلاهما شاهد إدانة لظلم معاش، وصورة للحث على احياء حياة من دون(ذباب)، بلغة شعرية وسردية عالية.

أضيف، أن الأمل هو المفتاح الذي ختمت به الرواية متنها؛ لأن الظلم إلى زوال .

 

بقلم: د. وسن مرشد