حسين فاعور الساعديجمال مصطفى شاعر عراقي من مواليد العام 1958 ويقيم في الدنمارك. عرفته عبر المواقع الإلكترونية في الأشهر الأخيرة لسوء حظي، وسوء حظ كل من لا يعرف هذا الشاعر. لن أقول مبدع لأن هذه الكلمة فقدت معناها لكثرة ما ابتذلها النقاد المنافقون الذين ألصقوها بكل فاشل.

أنا لست في معرض نقد أو تقييم هذا الشاعر ولا في معرض التعريف به لأنه غني عن التعريف ومن لا يعرفه فهي مشكلته ودليل واضح أنه غير مواكب للشعر الجيد والمتجدد.

"سباعيات حرة" هي قصيدة غير مألوفة غامضة وبعيدة عن التقليد. كلها حداثة من رأسها حتى أخمص قدميها. وأهم ما يميزها أنها تضفي هيبة ووقاراً على اللغة وتجعل القارئ يفرك يديه فرحاً ونشوة، وهو يكتشف كم هي غنية ومزركشة. وكيف استطاع الشاعر خلق هذا الانسجام المتبادل بين المبنى والمعني ولم يسمح لأحدهما بالتطاول على الآخر. ليس هذا فحسب فهنالك الحداثة والأصالة التي استطاع الشاعر، ليس في هذه القصيدة فقط وإنما في معظم أشعاره، التوفيق والمزاوجة الموفقة بينهما.

قرأت هذه القصيدة ثم أعدت قراءتها مثنى وثلاث ورباع فوجدتني كلما قرأتها أكثر كلما غرقت أكثر في بحرها المحتدم بالصور والمواقف التي في معظمها لا يمكن أن تخطر ببال القارئ ولا يمكنه التنبؤ بها أو توقعها. صور ضبابية ومواقف غير متوقعة تجعل العقل يستيقظ من سباته.

أشخاص في القصيدة:

القصيدة من أول بيت فيها حتى آخر بيت لا تعج بالأحداث والمواقف فقط بل وبالشخوص التي لها علاقة بهذه الأحداث والمواقف:  إدريس، الخضر، موسى، يونس، سليمان، ياهود، شعيب، إسماعيل وصالح عليهم السلام وجميعهم أنبياء. الطفل الذي قُتل، ركاب السفينة، الغلامان صاحبا الجدار، بلقيس وجنودها، الصيارفة، قارون (على ما أظن) وربما ذو القرنين الذي مكن له الله في الأرض وآتاه من كل شيء سببا. والذي لم يبنِ سداً بين القوم الذين لا يكادون يفقهون قولا وبين قوم يأجوج وماجوج المفسدين في الأرض كما طلبوا منه بل جعل بينهم ردما. بالإضافة للهدهد والجدار والسفينة وحوض الماء أو حوض السحر.

كل هذا الحشد الهائل من الأشخاص والأحداث تم رصده بعدسة الشاعر (أي زوم هذا؟) وتم توظيفه أعماقاً وظلالاً لهذه اللوحة التشكيلية.

مبنى القصيدة: كما هو واضح من عنوانها فهذه من سباعيات الشاعر وأكاد أقول من أجمل سباعياته وقد أعطى لكل سباعية عنواناً هو واحد من أشخاص القصيدة ليقول من خلاله ليس ما قالته الكتب السماوية فقط بل ما يمكن للعقل أن يصل إليه أو يتصوره. أو ما يريد القارئ الحذق أن يراه.

القصيدة من ست سباعيات  لكل واحدة منها وزن واحد وقافية واحدة ما عدا السباعية السادسة فهي بلا وزن وبلا قافية.

القصيدة مصاغة صياغة ذات إسقاطات تاريخية دينية مستقاة من الكتب السماوية لليهودية والإسلام وربما المسلمات الدينية المختلفة.

معنى القصيدة: ليس لها معنى واحد ولا تفسير واحد. فكل قارئ يستطيع أن يفسرها كما يشاء ولا اعتراض للشاعر على ذلك كما أظن وربما هذا ما أراده. ما فهمته منها من معنى ساورده في التطرق الآتي لسباعياتها.

السباعية الأولى، إدريس (ع): هل هو النبي إدريس عليه السلام الذي جاء ذكره في القرآن في أكثر من موقع؟ أم هو إيزيس أو أخنوخ كما جاء في رد من ردود الشاعر على أحد المعلقين.

ما فهمته من فحوى القصيدة أنه إدريس المذكور بالقرآن الكريم والذي كان أول من اخترع كتابة اللغة وجاء بها من الحرية التي كانت تنعم بها بين الأباليس إلى سجن القراطيس. حداثة في قالب أصالة والعكس صحيح. ويقال أنه سُمي بإدريس من دَرَسَ أو دَرّس وهذا يصح في اللغة العبرية أيضاً ف أخنوخ من حنوخ (חינוך) في العبرية. وهو ابن قابيل الذي قتل أخاه هابيل.

في هذه السباعية يصف الشاعر اللغة بالشمطاء لكنها بكر لتجددها. ويصف الأقلام التي تكتبها بريش الطواويس. هو لا يقول ولكنه يلمح ويترك لعقلنا أن يسبح كيف يشاء ويستنتج ما يشاء.

من هي التي تمر بهودجها ولا تنطلي؟ والتي تنطلي يا حادي العيس. تداعي جميل وعفوي يجعل الخيال يسبح وينطلق. مجال واسع ومفتوح للتأويل. كل هذا عن اللغة أم عن شيء آخر؟ وكيف ربطها بالعبودية؟ ألأننا بواسطتها نكتب الشرائع والدساتير التي تحد وتقيد الحرية أم لأنها هي ذاتها تقيدنا ولا تتسع لما نريد قوله؟ ربما هذا ما قصده الشاعر. النير الجواميس الناعور ربطها بالعبودية. لماذا العبودية؟ فقط بسبب التكرار وعدم الإبداع والتسليم بالروتين. ومن هنا جاء الربط مع المآذن والأجراس التي تكرر نفسها. إنها دعوة للتغيير والتجديد في التفكير وفي الممارسة. التكرار أو الروتين يقتل العقل ويحجّمه.

السباعية الثانية: الخضر (ع)، وهو معلم الأنبياء ومرشدهم. التقى بموسى صدفة لم تكن صدفة. وعندما طلب منه موسى أن يرافقه ليتعلم منه مما علمه الله قال له الخضر انه لن يستطيع معه صبراً لأنه لم يحط خبرا بما سيرى. فوعده موسى بالصبر والطاعة وهما ركنان أساسيان وشرطان لا بد منهما في أي معاهدة بين المعلم والتلميذ. لكن الخضر كان يعرف أن موسى لم يكن جاهزاً ليكون تلميذاً أو ربما قصد تجهيزه ليكون تلميذا كما كان يفعل الفلاسفة. وقد سقط موسى في الامتحان الأول عندما خرق الخضر السفينة ليس ليغرق أهلها كما فهم موسى بل ليعيبها وليبقيها لأصحابها المساكين ويمنع الملك من مصادرتها. الخضر يعلمنا التسامح فقد عفا عن موسى وتغاضى عن سقوطه في الامتحان الأول. لكنه سقط في الامتحان الثاني أيضاً عندما قتل الخضر الطفل الذي كان أبواه مؤمنين وخاف أن يرهقهما طغياناً وكفراً فقتله ليبدلهما الله خيراً منه زكاة وأقرب رحماً امتحان أصعب من الأول. لكن الخضر عفا عنه هذه المرة أيضاً وقد وعده موسى أن تكون المرة الأخيرة. وهنا يظهر مدى تلهفه للتعلُّم. لكنهما عندما دخلا إلى قرية وكانا جائعين فطلبا الطعام فلم يلب أحد طلبهما فسارا فوجدا جداراً يريد أن ينقض أي يتهدم فأقامه الخضر وأصلح حاله مما اغضب موسى الذي كان حانقاً على أهل هذه القرية البخلاء فقال له: لو شئت لاتخذت عليه أجرا. وهنا تركه الخضر بعد أن فسر له لماذا قام بكل تلك الأعمال. هل تركه لأن هذه الدروس الثلاث التي سقط فيها موسى أثبتت أنه لم يكن جاهزاً بعد، ليكون تلميذاً. أم لأن الدروس كانت كافيه ليقيس عليها موسى ويتعلم منها؟ وهل ما كان يريده الخضر من موسى هي الطاعة العمياء؟ لا أظن ذلك فالخضر معلم بارع يفوق أفلاطون وسقراط يعرف ألا تعلم بدون تساؤل.

في هذه السباعية يصل الشاعر جمال مصطفى القمة في المزاوجة بين الحداثة والأصالة: " كنت الوسيط الذي، يبقيه معتمداً على الوسيط، ولكن لم أكن وسطا" هل قصد الشاعر ما يقوله سارتر "أنا بحاجة إلى توسط الآخر لأكون ما أنا عليه".؟ لا أدري ولكنني هكذا فهمت. هي الأسئلة التي لا بد منها: هل أراد الخضر من موسى الطاعة العمياء؟ لا أدري ما هو رأي الشاعر. وهل فعل ما فعل ليجعل موسى يسقط في الامتحان أم ليعلمه؟ أظن أنه أراد ان يعلمه فمن الفشل نتعلم أكثر.

السباعية الثالثة: يونس (ع)، ودخوله إلى بطن الحوت. وحتى لا يدعنا نطمئن بما عندنا من معلومات فان الشاعر يفاجئنا أن الدخول كان من مقلته وليس من فمه. فالحوت بالنسبة للشاعر كان شيئاً آخر غير الحوت. دخول إلى عرش ليس على الماء كمان كان عرش الله في بداية التكوين ولكنه بين الماء والماء: مجال لا نهائي للخيال وللتحليق. هناك على الأرائك لا يدري الشاعر ماذا شاهد ويترك لنا أن نرى ما نرى ولكننا لا نسمع إلا الصمت والإيماء القريب من الصمت. ولا يجب أن ننسى الدوار الذي أصابه. ما خفف هذه الأجواء أن للحوت مزاغل كان يونس يطل منها كالحامية على الأسوار  يراقب ما حوله من أحداث وتطورات. أصالة مع حداثة مع انزياح سلس وجميل.

تم إيمان يونس في بطن الحوت (آمن بالحوت)عندما قال مخاطباً رب العرش العظيم: "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" . يونس تم إيمانه بالحوت لأنه خرج من قومه قبل أن يأذن له الله بذلك لأنه لم يتوقع أن يعفو الله عنهم . وفي بطن الحوت عرف واعترف أنه كان من الظالمين. لكنه يرفض أن يكون ذا النون لأنه نونهم أي حوتهم وما هو إلا ضحية سوء تدبيره وإخفاء نواياه السيئة بقومه عن رب العالمين.

لا أدري من هو المتحدث؟ الشاعر أم ذو النون أم الاثنان معاً أم الاثنان والقارئ. هذه السباعية أشبه ما تكون بالمناجاة بين عابد متنسك يعترف بذنبه أمام خالقه. إنها ذوبان فيلسوف متصوف عاشق بمعشوقه.

السباعية الرابعة: سليمان (ع)، قول الشاعر "السليمان" يعبر عن الكثير ويقول الكثير ولا أريد الدخول أو الخوض في ذلك.

أنا كقارئ أعتقد أن سليمان نبياً مع أن اليهود ذاتهم يقولون عنه انه ملك (ميلخ)،  وربما من هذا الباب تعامل معه الشاعر.

لقد ربط بين سليمان والسحر الذي به انتصر على بلقيس ملكة سبأ رغم رجاحة عقلها وحكمتها. الهدهد كان يأتمر بأمر سليمان تماماً كما كان سليمان يأتمر بأمر أربابه الذين هم الرابيم أو الصيارفة. في هذه السباعية الإيماءات كثيرة ومتشابكة وشاملة. وظف الشاعر التاريخ الواسع المتشابك ليفسر الحاضر وربما المستقبل. الناس لها العلم ولقوم سليمان السحر الذي به يفتحون جراح الأمم. لهم ليس السحر فقط بل ولهم هداهدهم التي لا تختلف عنهم كثيراً. وبالهداهد البشرية وغير البشرية وبالسحر لم يصدأ لهم حديد حتى يومنا هذا.

كل شيء مفتوح أمام القارئ ليفهم ما يفهم ويقول ما يقول. الشاعر لمح وأومأ. عمم ولم يحدد تأمل وشاهد وراقب ولم يقل رأيه.

السباعية الخامسة: صيارفة، هؤلاء منذ العهد القديم وحتى اليوم من قارون إلى روتشيلد يملكون رأس المال ويتحكمون بكل شيء. يمولون الجحيم من الجحيم. ومن مزاغل أسوارهم يراقب وكلاء  أمكر ماكر كل ما يدور. هؤلاء الوكلاء يراقبون بعين كل من تسول له نفسه أن يزيح عن صراطهم المستقيم وبالعين الثانية القطعان التي تساق إلى مصيرها المحتوم والمجهول وحصة الذئب فيها. صور وإيماءات أصالة ومعاصرة تصريح وتلميح في أقل ما يمكن من كلمات عن كتب ومجلدات من التاريخ في قالب واحد وفي خلطة نادرة لا يقدر عليها إلا فنان بارع ومحترف. هؤلاء الصيارفة يعتمدون في استمرارية وجودهم على جهل وغباء القطعان، على الوكلاء المكارين الذين يراقبون كل شيء من خلال مزاغل الأسوار أو الحيتان، وعلى الشر الجحيم الذي يغلبونه على الخير الرحيم.

السباعية السادسة: ياهود (ع)، لا أدري لماذا قال الشاعر عن هذا النبي أنه كشعيب لا ذكر له في التوراة. فشعيب مذكور بالتوراة باسم يترو كما هو الحال مع ياهود المذكور في القرآن الكريم باسم هود وهنالك سورة على اسمه. لا ألوم الشاعر فهو شاعر وليس مؤرخاً.

كما يبدو الشاعر يحلق في خياله ويكتب الشعر ليجعلنا نفكر ونعترض، ولا يكتب تاريخاً يعتمد على الإحصائيات الدقيقة. لكنه يورد حقائق فإسماعيل ابن الجارية لا ذكر له في التوراة. حتى يزعمون أن الله لم يفدِ إسماعيل بالذبح العظيم وإنما فدى إسحاق أو يتسحاك كما يسمونه. أمام هذا الظلم التاريخي (والمتواصل) تغير البناء وتغيرت الموسيقى واختل الوزن. لا بد من تحريض ياهود وحضه على فتح عينيه ورؤية الظلم الذي أسسوا له. فالتوراة لحبقوق وميخا وناحوم ويشعيا وشموليك. أما أنت يا ياهود فلك الله كصالح وشعيب وإسماعيل. وانتظر الخامس. لو كانت لكم كتب انتم الأربعة. كتب بالفصحى كالقرآن الكريم والتوراة. لكن أنّا لكم ذلك وانتم لستم عبرانيين ولا عرباً.

لا أدري إن كان هذا ما أراد أن يقوله الشاعر جمال مصطفى في هذه السباعيات. ولكن هذا ما فهمته. والاهم من ذلك لماذا جعل من هذه السباعية خروجاً على الوزن والقافية. ربما ليغضبنا وربما لينعفنا كما نعف هذه السباعية.

تحياتي لهذا الشاعر الأصيل المتأصل بالحداثة الذي ينحت من صخور اللغة تماثيلَ تنبض بالحياة. ويسبك من مجلدات التاريخ قلائد عز وفخار لشمطاء لكنها بكرُ. هذا بعض يسير مما أثارته وعملته فيَّ هذه القصيدة.

للاطلاع على القصيدة في المثقف

سباعيات حرة / جمال مصطفى

***

حسين فاعور الساعدي – الحسينية

....................

سـباعـيّات: حُـرّةٌ / جمال مصطفى

إدريـس:

مِـنْ قـبْـلِـهِ حُـرّةٌ

بـيْـنَ الأبـالـيـس ِ

إدريـسُ أودَعـهـا

سِـجْـنَ الـقـراطـيـسِ

 

شـمْـطـاءُ لـكـنَّـهـا بِـكْـرٌ

وطـلْـسَـمُـهـا

سـاقٍ يُـمـالِـىءُ

أكـوابَ الـكـوابـيـس

 

مخـطـوطـة ٌ

حِـبْـرُهـا الـسريُّ يَـفـضحُهـا:

كَـأنَّ

أقـلامَـهـا ريـشُ الـطـواويـس ِ

 

لَـيلاً تَـمُـرُّ (إذا مَـرّتْ)

بـهـودجـهـا

لا تَـنـطـلي

وانـطـلَـتْ يا حـاديَ الـعِــيـسِ

 

وهـكـذا

دَيْـدَنُ الـنـاعـورِ أمْـسِ غَــداً

إذ يَـجْـمـعُ الـنِـيـرُ

أعـنـاقَ الـجـوامـيـسِ

 

ولا غـضـاضـةَ في مـا بَـعْــدُ

إنْ جَـنَـحَـتْ

صَـوْبَ الـمــآذنِ

أو صَـوْبَ الـنـواقـيـسِ

 

مـيـزانُـهُ:

كِـفَّـةٌ لا غـيْـرَ قــد رَجَـحَـتْ

فـصـارَ نـامـوسُـهُ

فـوقَ الـنـواميـس

**

الـخَـضِـر:

مـوسى مُـصادفَـة ً،

لَـيستْ مُـصادفـةً

بَـعْـدي تَـلَـثَّـمَ بالأسـرار

وارتبَـطـا

 

الـحـائِـطُ، الـطــفـلُ، رُكّـابُ الـسـفـينةِ

أو

مـا رُحْـتُ أفـعَــلُـهُ

لأراهُ قـد سَـخـطـا

 

سـرْعـانَ مـا قـال لي: مَـن أنتَ؟

قـلْـتُ أنـا ـ ـ

وعــادَ مِـن بَـعْــدِهـا لِـلـقــومِ

مُـغْــتَـبِـطــا

 

كُـنتُ الـوسـيـطَ الـذي

يُـبْــقـــيـهِ مُـعْــتَــمِـداً

عـلى الـوسيـطِ

ولـكـنْ لَــمْ أكُــنْ وسَـطـا

 

ولَــمْ يَـكُـنْ راضـيـاً إلاّ عـلى

مَـضَـضٍ:

كـانتْ

هــواجِـسُـهُ تَـجْـتـاحُـهُ شَـطَــطــا

 

يَـدري بـأنَّ الـذي ـ ـ لـيـسَ الـذي

ويَـرى

نـوراً عـلى جَـبَـلٍ مـا مَــرّةً

هَـبـطـا

 

يُحِـبُّ أبْـخـرَةً (يَـهْــوا)

وقـد شُــويَـتْ

لَــهُ الـعــجـولُ

ولــكـنْ يَـكْــرَهُ اللـغَـــطـا

**

يـونـس:

في وصـف الحـوت

مِـن بـابِ مُـقـلَـتِـهِ كـانَ الـدخـولُ

إلى

مـا يُـشْبِـهُ العَـرْشَ

بـيـن الـمـاءِ والـمـاءِ

 

عـلى آرائِـكَ شـاهَـدْتُ الـذيـن

ولَـمْ

أسـمعْ سِـوى الـصـمْـتِ

مَـصحـوباً بإيـمـاءِ

 

كـان الـدُوارُ

أنـا وحـدي ضَـحـيّـتَـهُ

سـرْعـانَ مـا هـرعـوا

صاروا أطـبّـائي

 

مـزاغِـلُ الحـوتِ كُـثْـرٌ

مِـن هُـنـا وَ هُـنـا

يَـرى بهـا كُـلَّ مـا مِـن حـولِـهِ

الـرائي

 

آمَـنـتُ بـالحـوت

حـتى أنهـمْ فـرحـوا

وأرجَـعــوني كَـراءٍ

بَـعْــدَ إسْـراءِ

 

في فُـلْـكِ آلِـهَـةٍ لا يَـغـرقـونَ

ولَــوْ

حـاقَـتْ بِهـمْ لُجَـجٌ

في جـوْفِ ظـلْـمـاءِ

 

ما كُـنتُ ذا الـنـونِ

إنَّ الـنـونَ نُـونُهُـمُ

أنـا غـريـقُ تَـدابـيـرٍ

وإخـفــاءِ

**

هـذا الـسُـلـيْـمـانُ

الـسِـرُّ في السحْـر حتى الآنَ

يَـخـتَـبـىءُ

والـسِـرُ لا غـالـبٌ إلاّهُ

يا سَـبَـأُ

 

لا سـاقُ بـلـقـيـسَ

لا بـلـقـيـسَ تَـغْـلـبُـهُ

ولا رَجـاحـةُ رأيٍ

أيّـهـا الـمَـلأ ُ

 

هـذا الـسلـيْـمـانُ مـأمـورٌ

كَـهُـدْهُــدِهِ

أربـابُـهُ

مَـن عـلـيهـمْ راحَ يَـتّـكيءُ

 

قـد خطّـطـوا

فـسرى الـنامـوسُ بعـدَئـذٍ

والحـوضُ لَـمّـا يَـزلْ

بالـمـاءِ يَـمْـتـلىءُ

 

الـعِـلْـمُ للـنـاسِ

أمّـا الـسحـرُ فهْـو لِـمَـنْ

كـادوا

لِـيُـفـتَـحَ جـرْحٌ كُـلّـمـا نَـكـأوا

 

هَـداهـدٌ عـنـدَهُـمْ

في كـلِّ حـاضـرةٍ

إنَّ الـهـداهـدَ (يَـهْـويـّـونَ)

مُـذ نَـشـأوا

 

الـسحـرُ قـد

غَـطْـرَسَ الأربـابَ غـطْـرسـةً

حـديـدَهـمْ وحـدَهُ

لَـمْ يَعـتـرِ الـصـدأُ

**

صـيـارفـة

صَـيـارِفَـةٌ

مِـن العـهْــدِ الـقـديـمِ

لِـتَـمْـويـلِ الـجـحـيـمِ

مِـن الجحـيـمِ

 

وتَـذهـيـب ِ الـكـتـابِ

بـمـاءِ نـارٍ

وتَـغـلـيـبِ الـرجـيـمِ

عـلـى الـرحـيـم ِ

 

بـمـيـثـاقٍ ومـيـعــادٍ ورؤيـا

سـبـيـكـةِ صـاحـبِ الـكـنـزِ

الـعـظـيـم ِ

 

يَـراهُ،

ولا نَـرى إلاّ نُـجـومـاً

مُـرَصّـعَــةً

عـلى اللـيـل ِ الـبَـهـيـمِ

 

مَـزاغِـلُ

خَـلْـفَـهـا وُكَـلاءُ مَـكْـرٍ

لأمـكـر مـاكـرٍ، طـاغٍ،

عـلـيـم ِ

 

يـنـامُ،

ويَـسهـرُ الـوكَـلاءُ عـيْـنـاً

عـلى

فـرْض الـصـراطِ الـمـسـتـقـيـمِ

 

عـلى الـقُـطْـعـان ِ:

أيـن مـتى وأنّـى

تُـسـاقُ،

وحِـصّـةِ الـذئـبِ الـخـصـيـمِ

**

يـا هــــود

أنتَ إذنْ عـربيٌّ ونبيٌّ

مِـثْـلُ شُعَــيْـبَ وإسـماعـيـلَ وصالحْ

 

لا ذكْــرَ لَـكَـمْ في الـتـوراةِ

إسـمـاعـيل؟

:ابـنُ الـجارية الـمـطـرودهْ

 

يا هـودُ

الـتـوراةُ لِـنـاحـومَ ومِـيـخـا

الـتـوراةُ لِـحَــبْــقــوقْ

 

أمّـا أنـتـمْ فـانتـظــروا

حـتى يُـبْـعَــثَ خـامـسُــكُــمْ

 

آه ٍ لَـو كـان لَـديـكُــمْ كُـتُـبٌ

بـالــفُــصحى يـاهــودْ

 

آهٍ لَــوْ كـانْ

آهٍ لَــوْ نَـزلَــتْ أربـعــةٌ قـبْـلَ الـقـرآنْ

 

لـكـنْ

مـاذا عَـمّـنْ لـيـسـوا

عِـبْـرانِـيـيـنَ ولا عَـرَبـا؟

 

 

وليد العرفي قصيدة العيد في زمن كورونا  للشاعر: د. نوري الوائلي أنموذجاً

أوَّلاً - التعالق مع الموروث الشعري: يبني الشاعر: نوري الوائلي نصه: "العيد في زمن كورونا" على معارضة المتنبي، وهو بناء يحدد سمت اتجاهه الموضوع العام، وهو قدوم العيد في ظل جائحة كورونا، إذ يبدو ذلك مفتاح الولوج التخاطري بين النص الحاضر والنص الماضي الذي يستحضر بفعل المحاكاة، أو ما يُصطلح على تسميته بفنّ المعارضة، وهو من الفنون التي شاعت بشكل أبرز في العصر الأموي بين الثلاثي جرير والفرزدق والأخطل على اختلاف هنا طبعاً في التوجه والمقصد والغاية في مآلها الأخير .

تبرز نقاط التلاقي في موضوعات عدّة أولها: ثيمة "العيد" التي تبدو مقولة محورية تدور في فلكها جميع المقولات الفرعية الأخرى، وعلى هذا يُمكننا عدُّ العيد النهر الذي يتفرع عنه مجاري عدة، أو بتعبير أدق الجذر الذي يتفرع عنه الأغصان التي تظل مرتبطة به، وإن هي اتخذت أشكالاً أخرى، وتنوعت أوراقاً وتلونت  ثماراً، ومن بيت الاستهلال يبدو التعالق النصي واضحاً، إذ يُحيل استهلال مطلع: د. نوري الوائلي على قصيدة المتنبي، وهي إحالة لا تحتاج من السامع أو القارىء كثير جهد أو إعمال فكر،

 الأمر الثاني أن القصيدة بنيت على إيقاع البحر البسيط نفسه، وكذلك اختارت تسكين الوسط في قافية فعلن على غرار قصيدة المتنبي الدالية التي التزمت به قصيدة الوائلي كذلك .

ويبدو التساؤل الاستهلالي في المطلعين متوافقاً في تصوير الموقف النفسي، وحالة القلق التي جعلت من العيد محطة تأمل باعثة على التساؤل، وهو تساؤل لا ينتظر جواباً من الآخر لأنه سؤال الكاشف العارف لا سؤال المستفهم الواصف:يستهل الوائلي قصيدته بالقول: 

العيد في زمن كورونا

 عيدٌ تهلُّ كما نهْواكَ يا عيدُ                 أمْ فيك أمرٌ به للبالِ تسْهيدُ

حالي لسَائلتي صَبْر ومُحْتَسب             قدْ هَدّهُ بالنوى شوْقٌ وتشْريدُ

 وهو يستدعي إلى الذهن قول المتنبي في استهلال داليته المشهورة إذ يقول:

 عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ            بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ

ويبدو طبيعة الاختلاف في البيت الثاني من حيث توجيه السؤال الذي يكشف عن وجود مخاطبة امرأة افتراضية أو ربما كانت هي الذات الشاعرة التي يستنسخها الشاعر من نفسه لتكون مقام الشخصية المحاورة جرياً فيها على سنة القدماء من الشعراء العرب، وهو ما أراد الشاعر الوائلي ألا يحيد عن اتباع سنتهم، ولا أن يغير الدرب التي اقتفى فيه آثارهم، وهو ما يبدو من خلال المحاكاة للمتنبي في نصه إذ يصف حاله التي انقسمت ما بين نوازع البعد والاشتياق والصبر و التأسي ،، وفي هذا السياق استدعي قول الشاعر العراقي:  جواد كاظم غلوم الذي عبَّر عن ذلك الاستهلال بقوله: "  استفهام المتنبي الانكاري مليء بالتعجب والغرابة، حيرة الانسان وحزنه وغربته حتى في اجمل ايام الله وهي الاعياد حيث لا أحبّة جواره والمسافات ابعد من ان تقطع واللقاء الجميل امّحى؛ فصار القطع بدلاً من الوصل، وكيف نُعبر بيداء الفراق، وأمامنا الكثير من المطبّات والعثرات الجسام، ويبدو أن طريقنا أخذ يطول ويطول، وليس أمامنا سوى اليأس من فرج لا يأتي الاّ في المخيلة " وهو ما يتردد صدى لقول المتنبي الذي ابتعد عن الأحبة، وحالت مسافات الصحراء بينه وبينهم:

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ                  فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ

وتعقيباً على هذا البيت يقول الشاعر خالد الحسن: "هكذا تتحقق نبوءة المتنبي بهذا البيت يوماً بعد يوم , العيدُ الذي يأتي للمتنبي مثل العيد الذي يأتي على شعراء العراق المعاصرين، لذا هم يتساءلون عن سبب مقدم العيد , ولو أكملنا البيت الثاني من نص المتنبي: أما الأحبة فالبيداءُ دونهمُ.... الخ ؛ فهو أيضاً مرتبط بنا وبه،  أكاد اجزم إن المتنبي كتب هذه الأبيات على دولة مستقبلية تُدعى العراق عام 2014 م "1.

  وتتابع بعد ذلك القصيدة وفق متوالياتها الإشارية؛ لتتشعب إلى فكر فرعية جامعها الرئيس هو العيد في زمن كورونا، وقد تسلسلت تلك المتواليات وفق إشاراتها الآتية:

 الهجر سبب             ــــــــــــــــــــــ        نتيجته انطفاء بهجة العيد

في وَحْشةِ الهجرِ نوْرُ العيدِ مُنْطفءٌ         كانّـُه منْ رَمـادِ النـارِ مَوْقودُ

الغربة عامل من عوامل   ــــــــــــــ   الحزن

عيدُ الغريبِ غريبٌ نبعهُ شجنٌ         مثلُ الزهورِ ولكنْ أرضها صيدُ

 لم يعْرفِ الرَوحَ لم تعْرفْ مَلامِحَه        هما الغريبانِ والمَلقى الموْاعيدُ

وتبلغ النفس ذروة معاناتها من خلال  حالة المفارقة الصادمة التي تعكس حالة الاختلاف بين الذات والموضوع، والنفس والآخر إنها حالة الصراع النفسي التي تتبدّى في موقف المشاهد الخارجي للمعاناة ؛ ففيما تشتكي النفس لواعج الألم وتعاني الحزن يقف الآخر منها موقف الحاسد، هنا تبدو كون الآخر قمة الألم بين النفس التي تشتكي الألم والحسد يقول الوائلي:

عنْد المَراغمِ حيْن اللهُ يُسْعفُه              لمِا أتاهُ وفي شكْواهُ مَحْسودُ

مع إبدالات في أسلوب الصياغة التي جاءت عند الوائلي تقريرية واصفة باعتمادها بنية الأسلوب الخبري الابتدائي بينما كانت عند المتنبي قائمة على الأسلوب الإنشائي المحمول على صيغة الاستفهام الذي أفضى إلى إظهار حالة التعجب مع تغيير لفظ بكاء عند المتنبي إلى شكوى عند الوائلي، وهو ما قام على محفوظ الشاعر من قول المتنبي:

ماذا لَقيتُ مِنَ الدُنيا وَأَعجَبُهُ          أَنّي بِما أَنا باكٍ مِنهُ مَحسودُ

ويرتبط العيد لدى الوائلي بجزئيات المكان الذي يحضر بدلالة شجر النخيل، وهو مما يتميز فيه طبيعة العراق يقول: 

في مُوْطنِ الأهْلِ يوْم العيدِ يُسعدُنا         مثلُ النَخيلِ زَهتْ فيه العَناقيدُ

كما يتبدى العيد من خلال العلاقات الاجتماعية الحميمية التي تسود بين أبناء الوطن الواحد الذين يجمع العيد فيما بينهم، ويزيد روابط الألفة ويُعمّق فيما بين الأقارب أواصر القربى ووشائج الدم وهو ما يعبر عنه الشاعر بوصف مشهد الاحتفاء بالزوار، إذ تحضر الموائد وتعلو أصوات الأغاني المرحبة بالقادمين:

الأهْلُ للجارِ والزوّارِ مَائدة             والدارُ لحْنٌ به تعلو الأغاريدُ

عنْد العِناقِ بهمْ دفْءُ الشتا سَكنٌ       وفي شذى القُبلِ القنْديدُ والعودُ

ليبدو في مقابل هذه الصورة المستحضرة مما علق في ذاكرة الشاعر من مشاهد العيد التي كانت سابقاً إلى تصوير مشهد العيد في زمن كورونا، ومع هذا الانقلاب في المشهد والانقلاب الزمني من الماضي إلى الحاضر ثمة تحول على المستوى اللغوي إذ نجد الأسلوب ينتقل من الخبر إلى الإنشاء،ومن التقرير إلى الاستفهام المحمول دلالياً إلى معنى الإنكار، وهذا الانتقال يتساوق مع الحالة المشهدية، والموقف النفسي المستدعي لها يقول: 

اليومُ عيدٌ ولكنْ كيْف يُبهجُني         والخلُّ عنّي نأى والدارُ مَنْكودُ

كمْ سَائلين هِلالَ العيدِ منْ بَطرٍ       هلْ حَانَ فيكَ منَ التقليدِ تَجْديدُ

ويبدأ المشهد الواصف بعد ذلك الاستفهام ؛ ليؤكد وقائع العيد ومجرياته في ظل كورونا، وما أحدثته من تغيير في سلوكيات وشعائر، وما غيرت من أنماط وعادات اجتماعية، إذ يشير إلى خلو العيد من مظاهر التحايا والمعانقة بين الناس:

العيدُ آتٍ وعند الناسِ جَائحة          فيها الوباءُ بحبلِ الموتِ مَعْقودُ

العيدُ يأتي فلا خلٌّ يُعانقهم             ولا ذراعٌ منَ الأحْبابِ ممْدودُ

وتغيب صلاة العيد، وهي من الشعائر الأكثر تعبيراً عن عمق الأسى الذي فرضته هذه الجائحة حتى تحولت أحد أركان الإسلام الصيام إلى مجرد عادة من العادات السلوكية، إذ خلت المساجد من المصلين، وأصبحت كالأطلال الخالية من البشر:

ولا صَلاةٌ بفجْرِ العيدِ تجْمعُهم            ولا صَديقٌ ببابِ الدارِ مَنْشودُ

ولا صيام كما صَامَ التقا تبعوا         كانّما الصوْم تقليدٌ وتعْويدُ

دوْرُ العبادةِ كالأطلالِ مُوحشة      خوفاً من الداءِ عنْها العبدُ مرْدودُ

راموا الخروْجَ ضجوْراً منْ بيوتِهمُ       كمَا يلوْذُ بغَـارِ اللّيثِ مَطرودُ

ليشير إلى أن العيد قد تحول بمعناه حتى على المستوى النفسي الداخلي من حالة شعور بالفرح والسعادة والأمن إلى حالة من القلق والشعور بالخوف، وهو ما يعكس قسوة العيد وحالة الضيق التي جاء فيها:

من كانَ ينْعمُ في أعيادِه أمِناً            فاليوم يُدركُه رعبٌ وتهْديدُ

هزّ النفوسَ وباءٌ بُرْءَه أجلٌ             به تَهاوتْ منَ الدنيا العواميدُ

وفي المتوالية الأخيرة يبين الشاعر أن هذا الابتلاء جاء نتيجة اختلال القيم وتغير المبادىء ؛ فالجائحة إنما هي جرس إنذار للبشر، ونذير تحذير لهم ، وقد تعددت أسباب  ذلك، إذ عمَّت مظاهر الشر، وانتشرت المظالم، وكثرت المفاسد:

جاءَ ابتلاءً يُفيق الخَلقَ إن فقهوا       منَ الظلالةِ حيْن الظّلمُ مَعهودُ

سادَ الفَسادُ وطالَ الجوُرُ مُقتدراً         والحقُّ عنْد نفاقِ الناسِ موْءودُ

ومن أحزن ما وصلت إليه مظاهر الفساد والظلم الاجتماعيين تتمثل في تغييب أصحاب الكفاءات، وسيادة الجهلاء والفاسدين:

قد سيّدوا جُهلاءَ القومِ مجْلسهمْ     وصاحبُ العلمِ مغْبونٌ ومزْهودُ

مثلُ النجومِ نِفاقاً حينَ تسْمعهمْ    بيْضُ السطوْحِ وفي أعْماقهمْ سُودُ

وهذه الحالة تتواقع مع قول المتنبي الذي رأى سيادة العبيد، وتسلّطهم على السادة:

 صارَ الخَصِيُّ إِمامَ الآبِقينَ بِها                فَالحُرُّ مُستَعبَدٌ وَالعَبدُ مَعبودُ

نامَت نَواطيرُ مِصرٍ عَن ثَعالِبِها               فَقَد بَشِمنَ وَما تَفنى العَناقيدُ

وينتقل الـ: د. نوري الوائلي في المقطع الأخير إلى تقرير واقع وتصوير ما فيه من مظاهر قاتمة تجمع بين المظهر النفسي والمادي للناس:

قَستْ قلوْبهمُ رغْم الهُدى علم         حتّى كأنّ فؤادَ المرْءِ جلمودُ

لم يضرعوا وسقامُ الموت آخذهم       والناسُ بالداءِ معلولٌ وملحودُ

عاشوا الحياةَ غُزاةً في توافهِها        وفي العطاءِ لهم أيْدٍ كما البيدُ

الخُلقُ والحلمُ عنْد البعْضِ منْقصةٌ   والغدْرُ والمكْرُ والتزويْرُ محْمودُ

مثلُ العروْسِ زَهتْ هذيِ الحياةُ لهمْ   والطبلُ فيْها هُمُ واللّحنُ والعودُ

كم يبلغ العيدَ قومٌ لا حَصَادَ لهمْ    فالخيرُ فيه إلى الأبْرارِ مَحْصودُ

ويُنهي الشاعر الوائلي  بمجموعة من الحكم التي نمَّتْ على تجربة  استمدَّت تعابيرها من الواقع، وجاءت انعكاساً لحقيقة، وحالة راهنة .

وهذا ما أكده الشاعر:  خالد الحسن الذي رأى في تشابه الحالة، وتماثل الموقف سبباً لتشابه القصائد  وتماثلها بالقول: "  نحن أمام جرح متكرر في الضمير العربي، لذا قد تتشابه الأبيات والحكم بل،  وحتى الأحداث" 2 .

وإذا كانت قصيدة الوائلي قد اقتفت قصيدة المتنبي من حيث البحر وحرف الروي والموضوعة الرئيسة، إلا أنه لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ قصيدة الوائلي قد حملت خصوصيتها، وبصمتها الذاتية، ذلك أن قصيدة المتنبي جاءت ردة فعل على موقف لحظي، وهي نتيجة خيبة أمل، وانتظار لمأمول لم يتحقق ؛ فدافع المتنبي ذاتي ينبع من نزعة فردية تنمُّ على مطمح معلن، ووعد لم يوفَّ:

أَمسَيتُ أَروَحَ مُثرٍ خازِناً وَيَداً            أَنا الغَنِيُّ وَأَموالي المَواعيدُ

إِنّي نَزَلتُ بِكَذّابينَ ضَيفُهُمُ           عَنِ القِرى وَعَنِ التَرحالِ مَحدودُ

كما أبرزت في  قصيدة المتنبي النزعة الذاتية التي عبَّر عنها  تكرار ضمائر الذات  باستخدام الشاعر ضمير المتكلّم:  فمن تكرار الياء:

لَم يَترُكِ الدَهرُ مِن قَلبي وَلا كَبِدي           شَيءً تُتَيِّمُهُ عَينٌ وَلا جيدُ

يا ساقِيَيَّ أَخَمرٌ في كُؤوسِكُما              أَم في كُؤوسِكُما هَمٌّ وَتَسهيدُ

ومن ورود الضميرين: أنا والياء:

 أَصَخرَةٌ أَنا مالي لا تُحَرِّكُني             هَذي المُدامُ وَلا هَذي الأَغاريدُ

ومن تكرار تاء الفاعل:  قوله:

إِذا أَرَدتُ كُمَيتَ اللَونِ صافِيَةً            وَجَدتُها وَحَبيبُ النَفسِ مَفقودُ

وقد انتهت قصيد المتنبي بالخروج إلى هجاء كافور صراحةً لا تلميحاً بقوله:

مَن عَلَّمَ الأَسوَدَ المَخصِيَّ مَكرُمَةً              أَقَومُهُ البيضُ أَم آبائُهُ الصيدُ

أَم أُذنُهُ في يَدِ النَخّاسِ دامِيَةً                   أَم قَدرُهُ وَهوَ بِالفَلسَينِ مَردودُ

أَولى اللِئامِ كُوَيفيرٌ بِمَعذِرَةٍ                   في كُلِّ لُؤمٍ وَبَعضُ العُذرِ تَفنيدُ

وَذاكَ أَنَّ الفُحولَ البيضَ عاجِزَةٌ           عَنِ الجَميلِ فَكَيفَ الخِصيَةُ السودُ

بينما تأسَّستْ قصيدة الشاعر د. نوري الوائلي على بعدٍ جمعي، ونظرة شمولية تجاوزت حدود الذاتية، وحدود المنفعة الشخصية، واختتمت بلبوس الحكمة والموعظة، وضرورة الاعتبار، وهي بهذا الترفّع اكتسبت سموَّ الغاية، ونُبل المقصد .

 

د. وليد العرفي

........................

1  ــ أدباء عراقيون يحاكون قول المتنبي: " عيد بأية حال عدت يا عيد "، عبد الجبار العتابي، صحيفة إيلاف الالكترونية، 29 يوليو، 2014 م .

2  ــ المصدر نفسه

  للاطلاع

العيدُ في زمن كورونا /  نوري الوائلي

 

الطيب النقرأضحى علم البلاغة من العلوم التى يلتقطها الطلاب فى يسر، ويتداولونها دون تعقيد، بعد أن أرسى دعائمها جهابذة من أقطاب اللغة والأدب على مر العصور، ذلك النفر الذي غاص في أعماق هذا العلم، ودقق في محيطه اللجب، واستجلى أخباره من خطفات الأحاديث، ونتاف الكتب، التي تحتوي على الفكر المشرق، والبيان الجميل،  فالبلاغة دوحة سقاها النبل الخالص، وغذاها الكرم المحض، وتعهدتها اليد الأمينة، ورعاها الكتاب الحق الذي فصل من لدن حكيم خبير، فلقد ألهم الأدباء، واستهوى الشعراء، وتكالب على مرعاه الخصب، وبستانه النضر، وفود الفقهاء، ونجد أن البلاغة التي نطق بها أناساً لم تثبت لهم قدماً فى أرض، ولم تطمئن لهم نفس في بقعة، أتخذت مفهومين لا ثالث لهما هما المفهوم الأدبى للبلاغة كما فى العصور المنصرمة، والمفهوم العلمي الذي تبلور نتيجة لتعاقب الحقب فى عصرنا الحالى.

المفهوم الأدبى للبلاغة:

مالا يند عن ذهن، أو يغيب عن خاطر، أن البلاغة كانت في بداية نشئتها عبارة عن صفة تلازم الأديب أو البليغ، الذي كانت له جلالة تغشى العيون، وقداسة تملأ الصدور، لأن الكلام الذي يتفوه به تنزه عن شوائب اللبس، وخلص من أكدار الشُبهات، وبرئ من وصمة التعقيد، فالبلاغة لم تكن تدل على معنى اصطلاحى كما هو شائع الان، وذلك لأن العرب الأقحاح أساطين الفصاحة قد طبعوا على جزالة الألفاظ، وفخامة الأساليب، ولم يتلقوا هذه الأفانين من النثر المشرق الإسلوب، والشعر المحكم الأداء، والزجل الجيد الحبك، والخطب الناصعة البيان، من أساتذة يظهرون مكنونها،أو يفصحون لهم عن مضمونها، وإنما أدركوه بفطرتهم التي ليس فيها كدر ولا عيب، ولا إفك ولا ريب، وبسليقتهم التي لم تطبع على ضعف، أو تعكس على كلال، أو تدل على ركاكة، ولعل الدلائل التي تؤكد صحة هذا الزعم تفوق الاحصاء، ولقد نقلت إلينا مدونات الأدباء تلك الجواهر النفيسة التي لا تخلق ديباجتها، ولا يخبو بريقها العديد من هذه الصور والعوالم، التي لا تضاهى فى حسن رونقها، وشدة طلاوتها، ومن ذلك "ما يروى عن طرفة بن العبد أنه استمع وهو في معية الصبا، ولم يبلغ بعد مبالغ الرجال، إلى المسيب بن علس ينشد احدى قصائده وقد ألمّ فيها بوصف بعيره على هذا النحو:

وقد أتناسى الهم عند ادكاره *** بناج عليه الصيعيرية مكدم

فقال طرفة: استنوق الجمل. وذلك لأن الصيعرية سمة خاصة بالنوق لا بالجمل وتكون عادة في أعناق النوق" وعندما جاء الإسلام ومعه معجزته الخالدة القرآن الكريم، ذلك الكتاب المحكم النسج، الدقيق السبك، الجزل العبارة، المتناسق الأجزاء، الذى يأخذه بعضه برقاب بعض، ووقف حيال فصاحتة وأية براعتة، من خلعت عليهم الفصاحة زُخْرفها، مبهورين مبهوتين لا يلوون على فعل شئ رغم أن حروفه وألفاظه نظمت من تلك اللغة التي استقامت لهم، وجرت على ألسنتهم، ولكن في تراكيب لم يألوفوها، وأساليب لم يعهدوها، الأمر الذي جعل الوليد بن المغيرة صاحب الذوق المصقول، والذي لا يباري في مجافاة الحق الذي قُدِم له بصادع البرهان، ذلك الشيخ الذي كان يخاصم الرسول الخاتم عليه الصلاة والسلام، ويغالي في خصومته، و يعمل على تأريث تلك الخصومة بين بهاليل قريش وسادتها، يقر في عجز وصغار ببلاغة هذا الكتاب الذي أنعش الذاوى من قيم، وجدد البالي من عدم، وأحيا موات الأنفس التي تضطرب في الحياة، فقال بعد أن أفحمته آيات من سورة "فصلت" وأعيته قوة سبكها وحسن نظمها وسلاسة معانيها لصناديد قريش:"والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، أن له لحلاوة، وأن عليه لطلاوة، وأن أعلاه لمثمر، وأن أسفله لمغدق، وأنه يعلو ولا يعلي عليه".

لقد كانت البلاغة فيٍ القرون الغابرة، والعهود المندثرة، لا تخرج عن كونها مجرد مهارات للإبانة والإفصاح عما يجيش فى نفس المتكلم من معان، بحيث يتم توصيلها إلي نفس السامع على نحو محكم محسن، يبرهن على ذكاء المتكلم، وإدراكه لمتطلبات الموقف، بالإضافة إلي مؤثرات شخصية أخرى، تتعلق بشمائل المتكلم وسنه وسمته، وجماله وطول صمته". ونحن إذا استفرغنا الوسع فى معرفة كنه البلاغة لأدركنا الصلة الوثيقة التي تجمع بين مفهوم البلاغة، ومفهوم التوصيل، فلقد قرر بعض القدماء فيما رواه ابن رشيق في كتابه العمدة فى محاسن الشعر وآدابه ونقده:"قيل لبعضهم:ما البلاغة؟ فقال:إبلاغ المتكلم حاجته، بحسن إفهام السامع، ولذلك سميت بلاغة"إذن البلاغة هي "تحبير اللفظ وإتقانه، ليبلغ المعنى قلب السامع أو القارئ بلا حجاز، كما أنها إهداء المعنى إلي القلب في أحسن صورة من اللفظ" ونجد أن عبدالله بن المقفع أجرى الكُتاب قريحة، وأغزرهم مادّة، وأطولهم باعا،ً والذي يرجع إليه الفضل في إقرار الحقائق اللغوية والأدبية، زعم أن البلاغة:"اسم جامع لمعان تجرى في وجوه كثيرة، فمنها ما يكون في السكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها يكون فى الحديث، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جواباً، ومنها ما يكون ابتداء، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سجعاً، وخطباً ومنها ما يكون رسائل" و البلاغة في السكوت التي أشار إليها بن المقفع الكاتب المترسل في فنون الإنشاء ليست هي البعد عن المناقشات الفجة، والأصوات الناشزة، بل في الصمت الذي يعد أحياناً أبلغ من الكلام كما قال الشاعر رياض الحفناوى:

ولربما سكت البليغ لحاجة*** وسكوته ضرب من الإفصاح

فالبلاغة في أوضح صورها، وأدق معانيها، كما ذكر أبوهلال العسكرى الذي يعد من أوائل البلاغيين الذين تناولوا هذا اللفظ تحديداً لمفهومه، وتعريفاً لمعناه، أنها تعنى: "بلوغ الغاية، والإنتهاء إليها، فمبلغ الشئ:منتهاه، ثم ذكر أنها سميت كذلك لأنها: تُنْهِى المعنى إلي قلب السامع أو عقله، ولو أتى هذا المعنى عن طريق الصمت المطبق، وعدم تحريك اللسان بالكلام، "فالبلاغة كلّ ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه كتمكنه في نفسك مع صورة مقبولة ومعرض حسن" وعرفها الآمدى صاحب الموازنة أنها:إصابة المعنى، وإدراك الغرض، بألفاظ سهلة عذبة، سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية...فإذا اتفق مع هذا معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن فذاك زائد فى بهاء الكلام، وان لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه".

المفهوم العلمى للبلاغة:

إن البلاغة علماُ قديماً ضارب بأطنابه في عمق التاريخ، منذ أن تهيأ النابغة الذبيانى للفصل بين الشعراء، بعد أن يصغى لأشعارهم في خيمته التى نسجت حبالها من الآدم الأحمر، ثم يفصح عن رأيه في كل بيت نظمه جهبذ، وفي كل قصيدة دبجها قطريف، فالبلاغة كانت شائعة في المدن والأسواق، وفي القرى والطرقات، وظلت على تلك الهيئة إلي أن جاء العهد العباسى الذي كانت ممتزجة فيه بمسائل علم النحو واللغة والنقد فهيأ الله لها رجل لا تعزب عنه مادة فى اللغة، ولا معضلة في الأدب، ولا مبهمة في النحو، فأماط عنها اللثام، وجردها عن عزلتها، وإن كانت تدب بين الأنام حين سطر أبوعبيدة معمر بن المثنى كتابه الذى يعده البلاغيون قاطبة أول كتاب في البلاغة أسماه"مجاز القران" الذى ألفه عقب سؤاله عن سر بلاغى يتعلق بإحدى آيات القرآن الكريم وهى قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} الصافات: ٦٥ في تشبيه طلع شجرة الزقوم برؤس الشياطين التي لم يتسنى للبشر رؤيتها إلا في يوم تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وبرر بن المثنى السر في ذلك، أن الله عزوجل أجرى كلامه الأزلي المقدس على غرار العرب في كلامهم، فامرئ القيس يقول:

أيقتلنى والمشرفى مضاجعى*** ومسنونة رزق كأنياب أغوال

والعرب لم ترى الغول قط إلاّ في مخيلتهم وأساطيرهم"

وكتاب ابن المثنى الذي انتظمت ألفاظه، واتسقت عباراته"مجاز القرآن" لم يكن يرمي من كلمة مجاز الوصف البلاغي الذي تعارف عليه علماء البلاغة فيما بعد، وإنما كان ينشد "طريق الوصول إلي فهم المعانى القرآنية، يستوى عنده أن يكون طريق تفسير الكلمات اللغوية التي تحتاج إلي تفسير بالجملة الشارحة، أو بالمرادف المفسر من المفردات، وما كان عن طريق الحقيقة بمعناها، أو طريق المجاز بمعناه عند البلاغيين" ثم تقاطرت مؤلفات العلماء كوكف المطر، تحمل في ثنياياها أسرار البلاغة وقد دمجت خيوطها الموشية مع اللغة والأدب كما في "الكتاب" لسيبويه المتوفى عام 180هـ، وكذلك كتاب "البيان والتبيين" للأديب الذى كان يحرص على الأدب حرص الشحيح على المال، واللغوى المتصرف بأعنة الكلام، والمتفنن في ضروب الخطاب الجاحظ المتوفى عام 255هـ، ثم أعقبه فطحل من صاغة الكلام، وعلماً من الأعلام مازال كتابه "الكامل فى اللغة والأدب" تتهافت لإقتنائه الأنفس، وتشرئب لمطالعته العيون، محمد بن يزيد المبرد المتوفى عام 285هـ صاحب السمع الواعي، واللسان البليغ، وكتاب "البديع" الذى سطره يراع بن المعتز يعد باكورة التأليف المقنن في البلاغة حيث تحدث فيه مؤلفه باسهاب عن سبعة عشر فناً من فنون البلاغة.

ولعل الحقيقة لتى لا يماري فيها أحد أن القرن الرابع كان من أزهى عصور البلاغة، فقد راجت فيه أنماطها، بعد أن أجلى عنها الواغش رجال ذو عقلية فذة، وعزيمة شماء، تعهدوا ألفاظها، و تدبروا معانيها، الأمر الذى أكسب مؤلفاتهم التي اتسعت آفاقها، وتعددت معانيها، مذاق يلذ العقل، ويغذى الوجدان، على نحو ما نقف عليه في "عيار الشعر"لابن طباطبا المتوفى عام322هـ، و"نقد الشعر" لقدامة بن جعفر المتوفى عام337هـ، والموازنة بين أبي تمام والبحترى للآمدى المتوفى عام 371 والذي وازن فيه بين شاعرين قرظوا الآذان، وشنفوا الأسماع، بعقود بعيدة الغاية، رفيعة الطبقة، وكذلك كتاب الوساطة بين المتنبى وخصومه، لعلى بن عبدالعزيز الجرجانى، المتوفى عام 392هـ، ثم كتاب الصناعتين لأبى هلال العسكرى، المتوفى عام 395هـ، والذي فصل في سفره بين موضوعات النقد ومباحث البلاغة،

بلغت البلاغة أوج عظمتها، وحققت أسمى غاياتها، على يد العالم الثبت، واللغوى النحرير صاحب"أسرار البلاغة" و"دلائل الإعجاز" الذى زلل العقبات التي تكتنف هذا العلم، وأنار ليله المدلهم ببوارق من ضياء قلمه، وأرسى قواعده بعلمه الغزير، الذى تجلى فى تحليله للشواهد والأمثلة التي تجعلنا نقف على ينبوع يضخ الجمال، ويورد الفتنة، يقول الشيخ المراغى عن فضل "عبدالقاهر الجرجاني" على البلاغة:"الذي جمع متفرقات هذا العلم، وأقام بناءها على أسس متينة، وأملى فيه كتابيه "أسرار البلاغة، ودلائل الإعجاز" وأحكم بناءها بضرب الأمثلة والشواهد، مع التحقيق العلمي البديع الذي حاكه بلسان عربى مبين، وقرن فيهما بين وضع القواعد الفنية، وصوغها بالأساليب الأدبية، فجمع بين العلم والعمل، إذ هو جد عليم بأن مسائل الفنون إن لم تؤيد بالأمثلة والشواهد لا تتضح حق الوضوح، ولا تتمثل فى الأذهان تمام التمثيل"

ثم بدأ هذا الوهج يخبو، ويتداعى البنيان الوثيق الأركان، الذى شيده الجرجانى بذهنه المتقد، ونظره الثاقب، وساعده المفتول، على"يد علماء غير أدباء ركزوا همهم في جمع قواعدها، وتحديد مصطلحاتها، على حساب النص العربى، والذوق الأدبي، وقد بدأت هذه المرحلة"بنهاية الإيجاز فى دراية الاعجاز للرازى المتوفى عام606هـ، وبلغت غايتها فى"مفتاح العلوم"لأبى يعقوب السكاكى المتوفى عام 626هـ ، والذي جرى الدرس البلاغى في فلكه فترة من الزمن غير قصيرة"، ثم خلف من بعدهم خلف، أضاعوا الأصالة، وذبل فى عهدهم محيا البلاغة، بعد أن كان يتلألأ كفلقة البدر على صفحة الماء، والسر لا يكمن فقط في القرائح التي جهدت، أو العقول التى تراجعت، بل لأن مدونات ذلك النفر قطع جامدة، لا صخب فيها ولا حياة، لقد كانت البلاغة في عصر الجرجانى وأصحابه الغر الميامين، دوحة باسقة الأفرع، ريا الأماليد، وأمست في عهدهم مسخ لا يورق لها غصن، ولا يخضر لها مرعى، ومما زاد الأمر ضغثاً على إبالة، أن أدباء تلك المرحلة اتسموا بالغثاثة والهزال، فأضحت البلاغة على عهدهم أحكاماً يجترونها في رتابة كما تجتر الدابة طعامها في كلال، أو معارف تعاكفوا على صياغتها وحفظها" فقد ابتدأ"الفخر الرازى" بتلخيص كتب الجرجانى تلخيصاً أخذ يبتعد بالبلاغة عن النصوص، ويقترب بها من الحدود والقوانين والأحكام والقواعد، ثم استكملت تقعيدها على يد"السكاكى" فى كتابه مفتاح العلوم" ونجد أن ديدن العلماء الذين جاءوا من بعد السكاكى هو شرح العبارات الصعبة، ووضع المختصرات حوله، لا ومضة من فكر تجول فى ذهن كاتب ، ولا صورة تتمثل فى مخيلة شاعر، بل هو الابتذال، ووضع الحواشى على المتون، والشئ الذى لا يغفل عنه الخاطر، أن قبيلة الشراح كانوا من أطياف شتى، فمنهم الفقيه والمتكلم والنحوي، وقد ظهر جماع ذلك فى ما سالت به أقلامهم، وجرت عليه تعليقاتهم على كتاب السكاكى"مفتاح العلوم" الذى ظل محور للتأليف البلاغي حقبة من الزمان، ونجد أن التلخيصات والشروح لهذه التلخيصات أدت في نهاية المطاف إلي أن ينزوى مفهوم علم البلاغة حتى عصرنا الحالى في ثلاثة أقسام هي علم المعانى، وعلم البيان، وعلم البديع، والقطوف التي نجنيها من خلال هذه الجولة السريعة بين حواشى البلاغة ومراتعها، أن البلاغة مرت بعدة مراحل الأولى هى مرحلة الذوق والفطرة، ثم مرحلة الصقل الأدبى والنضج البلاغى، ثم مرحلة الاضمحلال وانزواء الأدب، الذى غاب خلف أكداس الشرح، وقراطيس الحواشى.

 

الطيب النقر

 

‏وقائع رواية (دَمُهُ) للقاص والروائي (محمد الأحمد) مأخوذة عن واقعة تأريخية تناولتها بعض كتب التأريخ العربية- الإسلامية القديمة، والتي تعد مصادر ثرة لقصص مثيرة، وقد حاول المؤلف فرش هذه الوقائع وفق منظور ثقافي يفضح محاكم التفتيش العقلية التي تعقد جلساتها لإدانة الفكر الحر والمفكرين ومدارس التأويل التي تعددت آنذاك وكثرت مواقعها الثقافية، وفي الخط الموازي يتابع المؤلف سيرة والي العراق الذي تسلم سدة الولاية من بعد الحجاج بن يوسف الثقفي بقوة السيف (ومن لا يعرف أن الولاية لحامل السيف) (ص108).

تتكون الرواية من ثمانية فصول مبنية حول نواة حادثة ليلة عيد الأضحى ذبح (الجعد بن درهم) على يد والي العراق (خالد القسري) كقربان تعبدي للسلطة الغاشمة التي تخاف من (العقل الحر) و(المثقف المجاهر برأيه)، وكل ذلك يمر من أمام خلفية عصر خلافة (هشام بن عبد الملك) الأموي.

الرواية اعتمدت الاختزال والفصول القصيرة والقفزات السردية والتداخلات النصية التناصية لغرض تسهيل فهم الأسرار التي ألمّت بتلك الليلة الدموية، وقد كان الراوي قريباً جداً من الأحداث ومشاركاً فيها، فهو أخو (الجعد). بعد أن شهد إعدام أخيه على منبر مسجد الكوفة أصابه الرعب وهرب إلى (نيسابور)، هناك تنكر واشتغل حكاءً يجوب الطرقات والبلدان على حمار، ولأنه خائف فقد أخفى اسمه وغيّر في شكله ومظهره، وكان معظم الحوار الداخلي والخارجي والذي يأتي على شكل همس موجه إلى حماره، فالمسرود له في الرواية هو (الحمار) بدون منازع: (كنت أحكي كل ما يجول بخاطري إلى حماري المسكين، وكان يجيد الإصغاء اليّ، كم تحمل منّي ، في الكوفة تعودت صحبته وأنا أحمل عليه الأوراق المصنوعة من البردي لأنسخ عليها ما يطلب مني، كنتُ أعاني فراغ الصديق الحميد الذي أحدثه عن هزائمي مع الأيام، ولكني وجدت الحمار بديلاً، الكوفة علمتني حرية الكلام ، فكنت أحكي لحماري كل شيء من الأفكار الجديدة، والاستنتاجات التي تفيض من عقلي) (ص114)، وكان اختيار الحمار كمسرود له ثقافة تدل على مدى الخوف الذي كان يعصف بالسارد وبكل ما يحيط به من مكان وزمان وبشر.

ولأننا إزاء رواية تأريخية فإن محاولة المؤلف إعادة إحياء المعنى الذي يكتنف الوقائع وخطاباتها هي محاولة إعادة بناء الماضي في أمانة تقريبية، لكن هذا الإدعاء هو مجرد زيف لأن الراوي (وهو هنا الروائي) هو مجرد متتبع لأطياف المعنى وجامع لشظايا وألغاز الخطابات، وتكمن أهميته وقيمته في ممارساته التخييلية بالذات أي في ممارسته لمهنته ومواجهته لاستنطاق الحقائق في ما وراء إرادة الحقيقة الواحدة وادعاءات القبض على المعنى المطلق.

لا يتعامل الروائي مع أصل يسهل القبض عليه أو حصره وتحديده، وإنما يتفقد آثار الفقدان والضياع ونثار الأفول والتبعثر، فلا يمكنه إعادة انتاج الماضي وتركيب ألغازه وتفكيك لغاته والانصات إلى همساته سوى في إطار قراءة الحاضر الذي يمثل المخزون المباشر للزمن المتوقف في لحظة الكتابة والتدوين، ولأن الزمن المعلّق في حرفية الخطاب هو في حدّ ذاته (حاضر آفل) كانت سبباً في وجوده وانتاجه جملة السلوكيات والتصورات والوضعيات التي لها قصدية معينة، المعنى التأريخي الممكن رصده في فضاءات الكتابة الروائية هو نتاج هذه الاستعمالات والعمليات التي انتجت التأريخ وصنعت الحدث، ويأتي الروائي ليشتغل على (شبه واقع) في مقبرة الوثائق والحطامات ليعيد انتاج المعنى الذي توقف بأفول حاضره وزوال السلوكيات والوقائع التي كانت سبباً في تشكيله.

الرواية التأريخية لها وظيفة إبداع الأطر الدلالية التي تنظم مساحة النص وتمنحه آليات اشتغاله على موضوعاته، ليست الرواية التأريخية (غائبة) الممارسة لها وظيفة التجميد والتثبيت أو المحطة النهائية التي تتوقف عندها العملية التأريخية وإنما تعيد توزيع الوحدات عبر النص وبناء النماذج والأشكال، لأنه ثمة معطيات جديدة ينبغي إدراجها وحقائق مطموسة يتم إحياؤها لتصبح الكتابة عملية مواكبة وتجديد مستمر، فهي لا تحيي الماضي سوى لتعيد حجبه أو دفنه في النص، فهي (تحفة) تأريخية في التعبير عن الغائب والغريب ولكنها تتحوّل إلى (متحف) الموضوعات التأريخية بتجميدها وقولبتها، إنها قوانين الحاضر في الحكم على وقائع الماضي وحجزه في حبائك النص وسجون الوثيقة .

بهذا المعنى، الكتابة التأريخية هي (عملية سردية) تأخذ في الحسبان الزمن والذاكرة واللغة والبلاغة والسرد فضلاً عن كونها خطاباً علمياً ومعرفياً يلجأ إلى الأصول المفقودة لاستخراجها ونفض الغبار عنها وربطها بعلاقة وطيدة بالموت أو الغياب، وهي مواضيع عالجها (محمد الأحمد) في روايته هذه بتعثر وكأنه تعامل معها كأطياف وآثار محفوظة بقوالب لغوية لا تستنفذ محتوى ما تريد قوله ووصفه، ولما عجزت عن إدراكه والإحاطة به فإنها استحضرته في شكل حضور وهمي مختصر ومبتسر ومخيب لأفق توقع القارئ الدنيوي (= المدني).

 

سمير الخليل

 

تعتبر رواية  "بوز الكلب"* للناقد والروائي عباس عبد جاسم إمتداداً لروايته " السواد الاخضر الصافي "**، حيث نلاحظ أن مواقع الرؤية من حيث الشكل والدلالة للمؤلف والراوي وشخصياته الأخرى: متداخلة أحيانا، متقاطعة أحيانا أخرى، ولكنها تلتقي مجتمعة لتأسيس نص مفتوح بطبقات متعدَّدة، تتشاكل فيها مرجعيات وجودية وتاريخية مع " لعبة الرواية "، لإنتاج رؤية جديدة بحساسية الاختلاف في الكتابة الروائية .

ورغم أن الاختلاف هو تجاوز بمعنى "لحظة " فارقة ما بعد الحداثة، " فإن الروائي يعمل بقصدية مافوق نصية، على إحالتنا خارج النص تماماً إلى ما وراء السرد، والى ما وراء الرواية، لإيجاد مداخل (= مفاتيح) لتدوير الشيفرات والإشارات المبثوثة في الرواية، والواقعة في منطقة يتداخل فيها الوهم بالحقيقة والمتخيل بالواقع، مما يرغم القاريء على بذل المحاولة من أجل إعادة تجميع آفاق النصْ الدلالية (1) .

وما يجعل رواية "بوز الكلب" أكثر تميّزا عن أنماط الرواية التجريبية السائدة، هو انها تجمع بين جنس الرواية الملموم وعمل النص المفتوح، ورغم تشظي المحكي كبنية مهيمنة في الرواية، فان ثمة خيط سردي رفيع يتحكم في الربط بينهما، لهذا فالرواية نص روائي مركب من أحداث دائرية  " لامتناهية "، ولكن بامكان المتلقي أن يبتدئ من أية صفحة  في أي فصل، لذا فما على الراوي سوى أن: يروي، يحكي، يسرد، وخاصة ان الرواية تتشكل من: فصول/ قطوع / تخطيطات/ مقتبسات/ ملاحق/ متون ؛ كجدران متداخلة، وكل جدار مستقل عن الآخر من حيث الاشتغال، والطرح، والتوجه، ولكن كل ذلك يرتبط بحبل سري دفين، حيث تعمل الملاحق على دعم واسناد وقائع السرد الروائية بالمرجعيات التاريخية، وذلك لإضاءة ما يجري من أحداث داخل المتن، بل وأحياناً يرفده بوقائع متشابهة  كـ " سقوط بغداد "، فالمتن السردي يُروى بلسانين هما: الراوي الرئيس(أيوب الكاتب) والصحفي (ابراهيم سعدان)، اما المدونات الأخرى، فهي مكتوبة من قبل المؤلف، وهذا التدخل في الرواية من قبل الروائي، يعتبره فريد الزاهي اقتحام كـ  "مؤلف منظور" (2)، على اعتبارها ما وراء الرواية، أو رواية لارواية، و"رواية اللارواية مثلها مثل ما وراء القص التاريخي – مهما بلغت أدعاءاتها بالدقة الحقيقية في التسجيل التاريخي – الا انها تبني تقاريرها بوضوح على التناصات الروائية "(3)، وليس هكذا فحسب بل اعتبرت ليندا هتشيون هكذا روايات لا يمكن ان تكون إلاّ سياسية (4)، وهذا ما نلاحظه في " بوز الكلب "، حيث أن محورها سياسي – سوسيولوجي بشكل مكثف، تتصف بالعمق الابستمولوجي، لأن الموضوع الجوهري المرتبط بجميع الحداثات هو الابستمولوجيا وبالتحديد طبيعة وامكانية المعرفة، على شرط ان لا تتحول الرواية الى وثيقة معرفية - تاريخية دون المتخيلات، لذا علينا قراءة المتخيل كأنه وثيقة تاريخية، لأن " المتخيل هنا وسيلة لتفسير الواقع الذي يتميز عنه، أن المتخيل ليس كاملاً على الدوام فهو يحتاج دائماً الى قاريء يكمله " (5)، يحتاج الى قاريء/ ناقد مثقف، مثل قاريء امبرتو ايكو النموذجي، وليس قاريء دون مستوى النص تسيره المناهج السياقية، بالكاد يطل هذا القاريء على أفق النص، وبالرغم من ذلك لو أراد قاريء (بوز الكلب) تلمّس بدايات حكاية: محدّدة الملامح، مكتملة الأحداث، واضحة الشخصيات، ما استطاع الى ذلك سبيلاً، لأنها فوق المتخيل، ورواية اللارواية . " فالميتافكشن، تشتغل من خلال تضخيم التوترات والتعارضات الكامنة في كل الروايات: الإطار وكسر الإطار، التقنية والتقنية المضادة، بناء الوهم وتفكيكه " (6)  .

وقد يتساءل البعض: لماذا حملت الرواية هذا العنوان الاستفزازي؟ وما الغرض من ذلك؟

بعد البحث والاستقصاء في النصْ، تبين لنا أن الروائي قد أطلق تسمية الكلب على الكلب البوليسي الذي رافق الاحتلال الامريكي، من اجل المشاركة في عمليات التفتيش والمداهمة ومن اجل المشاركة في تعذيب السجناء، وهذا ما تناقلته وكالات الانباء العالمية من عرض صور المجندة الامريكية ليندي انجلاند وعشيقها، وهي بصحبة كلبها تعذب السجناء، وهم عراة بكل بربرية وهمجية، حتى صارت انسانية الانسان تحت وطأة الاحتلال مجرد احتمال:

" عندما عدتُ الى أصل الكلب، تبيّن لي بأنه كلب هجين، وقد دربته السرجنت كاثرين بأسلوب مراوغ، فقد علمته عند تفتيش النساء، أن يمدّ بوزه أسفل السرّة !! " – الرواية ص 123 .

"  نزعت كاثرين الكمّام عن بوز الكلب، أرْخت السلسلة، أوشك بوز الكلب أن يلامس وجهي تقهقرت الى الخلف، كانت الارضية زلقة دبقة، خلتُ الصراخ يختلط بالنباح، لم أسمعه، وانما أحس به: كيف يخرج من حنجرتي .

قالت لي كاثرين:

- إهدأ .. لا تخفْ .. لن يمسّك صديقي بالأذى !! "– الرواية ص 67.

" إني أتهم الكلب غير الأمين . بخيانة هذا البلد الأمين، لأن قبضة الخنجر من ذهب، وعصا العبودية من خشب، سأضحك من فرط الألم، لأن الفرح مجاز كاذب "– الرواية ص 53  .

بل نصل الى قمة المهانة وعدم احترام انسانية الانسان، في منظر الكلب، عند صعوده الى سرير السيدة مديحة العساف زوجة البروفسور برهان السمان، وهي ملفوفة بعباءة الأسى والمحنة،وعلى مرأى منها تنهار القيم:

" عندما دخل الكلب، كانت الباب نصف مفتوحة، صعد الى السرير، والجسم محتشم بعباءة المحنة، والرقيب على مرأى منه في الحيز المفضوح، يقضم آخر ما تبقى من الفاكهة المحرّمة " – الرواية ص 49  .

.تتميز " رواية اللاروية " بالتهكمية المشوبة بالسخرية العميقة، وخلطها التهكمي بين الحقيقي والروائي، ففي " قطع 5 -  بهاء وحشي "  من الرواية، يرسم الروائي صور كاريكاتيرية مليئة بالتناقضات غير المنطقية والجمع بين الأشياء المُتنافرة:

" أميوّن

يقرؤون

صحف

الصباح

بنظارات

سود

بهاء سعيد، في بهاء وحشي يتنزّه الشهيد، هذا خروف يتقدم القطيع

سادة نقباء تدرّبوا على خيانة الله

أميّون يلعبون بدمى الحضارة "– الرواية ص 62، 63 .

فالتأويل هنا " يفهم النص، وفي الآن نفسه يفهم عملية الفهم هذه، أي أنه يكون واعياً لمختلف العمليات العقلية والحدسية والشخصية التي تشتغل على تحقيق هذه العلاقة الملتبسة المعقدة بين قاريء ونص، خاصة اذا كان القاريء مهموماً حقا بِهَم الكشف عن/ وفي النص أكثر من مجرد قراءته العادية " (7) .

ولتأكيد ما ذهبنا اليه وتعزيزه، بشان رجال الدين، نقرا ما يلي، في قطع 1 و2 و 3:

وفقيه أعجم الكلام  .   " نكاية بأخطاء التاريخ " .

وخطاب الفقيه لعبة خطرة .  " فتنة الكلام " .

فقيه يلعب بأحجار الشطرنج:

من درّب الكلب على عظْمَة التبعية .  " مجاز كاذب " .

وفي القطع 8 " هواء  أزرق "  المفخّخ بالأكاذيب، تتعدّد تساؤلات الروائي الملبدة بالتشكيك، تساؤلات غامضة، تساؤلات متباينة، مختلفة: تاريخية – دينية – فانتازية، تضع المتلقي امام امتحان المعرفة، لأن قسماً منها في الاستطاعة الاجابة عنها، بالعودة الى خارج النص، والقسم الآخر مضمر، محصّن، ضمن حدود الروائي، وضمن الثنائية المتناقضة :

لا أحد يعلم  ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ الكل يعلم

من ذبح عبدالله بخنجر المودّة ؟

" هو عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر – ذي الجناحين – بن ابي طالب قتله العباسيين

مَنْ قتل (أبانا الذي في السموات) ؟

"هو السيد المسيح قتله اليهود "

مَنْ شطف الماء بالرماد ؟

مَنْ جمع المكائد في حديقة الامة ؟

من هرّب الشمس خارج البلاد ؟

مَن دخل من  (باب حِطّة)

" نقل ابو سعيد الخدري عن النبي "ص ":

إن مثل أهل بيتي فيكم مثل باب حطة في بني اسرائيل من دخله غفر له "  .

إن المعنى الاستعاري هو لحلّ اللُغز، وهذا ما نحتاجه في التخطيطات الخمس، رغم أن جميع التخطيطات احتوت على ترسيمات  توضيحية ولكنها مبهمة، ملتبسة، غامضة، محملة بمرجعيات معرفية – تاريخية، تحيلنا الى خارج النص، لكي نعثر على المعنى، وهي كما قلنا ان جميع الملاحق ترفد المتن السردي  " متن الرواية "، لكن التخطيطيات يكون اشتغالها كأنه لا يمت بصلة لأي طرف، وهذا غير تمام، لأن المؤلف وضعها لتوضيح فصول الرواية السردية والقاء الاضواء الكاشفة عليها، رغم اتسامها بالقطيعة والغموض مع الفصول، ولكنها في الحقيقة تعمل على توظيف محتوياتها للكشف والحفر والدعم السردي للنص، ففي التخطيط المعنون " مجتمع ما قبل السقوط " مثال على ذلك، وللزيادة في الايضاح نستعير من تخطيط أول المعنون " الفوبيا الزائدة " (إسقاط الصنم – إنتاج الصنم)، والتواريخ الثلاثة الهجرية التي وضعت من قبل المؤلف بقصدية وضعها فقط كأرقام مجردة من مضامينها، وماذا تعني ؟ ولماذا وضعت ؟ ولا نستطيع معرفة ذلك إلاّ بالاحالة خارج النص، للكشف عن المعنى الذي أراده المؤلف:

إسقاط الصنم                   انتاج الصنم

مجتمع ما بعد السقوط

ديمقراطية القلة                     إقتصاد الكفاف

بويطيقا الموت             الحرية الحمراء

247 ه          744ه     ـ656 هـ

 

لم يرسم المؤلف تخطيطه البصري " إسقاط الصنم –إنتاج الصنم " إعتباطا ابداً، فقد رسمه كـ دال سياسي وتاريخي على ما حدث " بعد سقوط بغداد " أي سقوط العراق " عام 2003م، مع التواريخ الهجرية الثلاثة، وعند الحفر في المرجعيات الثقافية - المعرفية والمتخيل التاريخي، تتشكل الصورة بكل وضوح، في " مجتمع ما بعد السقوط ":

247 هجرية: في هذه السنة قتل الخليفة العباسي المتوكل على يد حراسه الاتراك، وهو الذي اعتنق نَظْرية المعتزلة تغليب العقل على النقل  .

656 هجرية: سقوط مدينة بغداد على يد هولاكو .

744 هجرية: سقوط مدينة بغداد على يد تيمورلنك .

هنا كل هذه التواريخ حملت عنواناً إستعارياً هو " سقوط بغداد " و "سقوط العقل "، وهي التواريخ المتطابقة مع عام 2003 م عام سقوط بغداد، هنا تتضح الصور للمتلقي .

علينا قراءة عناوين الفصول الخامسة عشر قبل أن ندلف الى المتن السردي، وذلك لكي تعطينا الفكرة الشاملة، بالطبع كذلك مع عناوين الملاحق التي تعتبر نصوص متوازية للنص الروائي " عن الطروحات الايديولوجيا والفكرية والتاريخية المبثوثة في الملاحق والفصول: رائحة العطب – الرجل القفل – مغلف الوديعة –أسماك وجثث – الدم والمطر – المقايضة – العوّامة – لعبة الرّواية – مستعمرة النفايات – المداهمة – من مفكرة برهان السمان – الجثة – التظاهرة – المواهمة – المحذوف من " بوز الكلب " .

تبدأ الرواية بمشهد متداخل ما بين الراوي الرئيس " ايوب الكاتب " والبطل الرئيس الصحفي " ابراهيم سعدان "، على شكل سرد بجمل اخبارية، ثم تقطع بجمل شعرية استدراكية، ثم جمل سردية اخبارية .. وهما في مبنى الجريدة، الجمل الاخبارية للراوي ايوب، لكن الجمل الشعرية الاستدراكية لمن ؟ اهي لــ ابراهيم سعدان ؟ ام لـ الراوي أيوب الكاتب ؟ أم للروائي عباس عبد جاسم ؟ وهل يكون هنا هو البناء اللساني، أي الذات المتكلمة ؟، تبقى الاجابة معلقة لأنها في متاهة حكاية ! تشكيل اسلوبي متعالي يشتغل على التقطيع السردي المفتوح " الاخبار "، والمغلق " الاستدراك "، يعكس لنا التعارض، على مستوى الاستعارة، بين نَظريّة الإبْدال ونَظريّة التَفاعل، ليكون المتلقي فريسة الاستراتيجية التي اشتغل عليها الروائي وضحيتها :

" بعد عودة ابراهيم سعدان من المنفى، كان اللقاء بيننا حافلاً بالذكريات المغمورة، فقد تذكّر طفولته الّضّالة في (الشوّاكة)، وهربه عبر الحدود تحت جنح الظلام (كانت الحروب عارية من أوراق التوت)، كان يتحدّث بسخرية ومرارة (لا يمكن التحرّر من الشعور المعذّب بالغربة بسهولة) كنت أشم رائحة العطب من كلامه (أمجاد كاذبة وبهاليل، أمان كاذب وسلام وهمي)، حتى أوشك أنْ يفقد الأمل، وكأن لا سبيل للخروج من هذه المحنة، ولكنّه لا يزال يحلم بعيني الطائر وجناحيه (يجب أن نحلم، حتى ولو كان الحلم على حساب مرارة الواقع) "– الرواية ص 12  .

إن شخصيات الروائي نفسها هي  "غير واقعية " تماماً، و" غير واقعية " ايضاً هي التجربة التي يصفها القص . وفيما بين " واقعية الماضي " و " لاواقعية القص " يكتمل التفاوت واللاتجانس " (8)، وما بين الشخصية والقص ولا تجانسهما، يكون المتخيل هو الفاعل في تجاوز الحدود المرسومة لشروط التجربة، لأن التجربة تستمد العبرة من الماضي للمستقبل، والزمان، بمعنى الاختلاف التكميمي بين الواقعة والاحتمال، هو شرط إمكانية التجربة، ومنها نتعرف على الشخصية الروائية.

ابراهيم سعدان الشخصية الرئيسة في الرواية، صحفي، لم يستطع التكيف لا في المنفى ولا في بلده:

" هربتُ الى الخارج، فكانتْ المكابدة مع الغربة، وهربت الى الداخل فكانت المكابدة مع الخوف " – الرواية ص 15 " .

وما بين الغربة/ الخارج والخوف/ الداخل، يتشتت ابراهيم سعدان، ويضيع بين الحقيقة والمتخيل، بين الواقع والوهم، ويقوم بالتعامل مع الحاضر كأنه ماضي، ومع الماضي كأنه حاضر، وتتداخل الأحداث والرؤى، اما الوعي فهو أقرب الى تيار المتخيل والذاكرة:

" حشرونا في قاعة مقفلة، رأيت السامري الذي ضلّل قومه، وبصحبته جنرال مهووس، فوق قبعته غراب، كانت كاثرين المجنّدة تضمّ بوز الكلب الى نعيم الرمان، وأزرار قميصها نصف مفتوحة، واليانكي يقضم التفاحة بنهم وشراهة .

قال الجنرال:

- من يرقص مع الكلب ؟

ردَ السامري:

- الرقص مع الكلب متعة آسرة!! – الرواية " ص 15  .

يستند المتن الروائي على أوراق المفكرة العائدة للبروفسور برهان السمان عالم الطاقة النووية، وقد بعثر الروائي وقائعها بين الفصول السردية، فهذه الأوراق يودعها الدكتور برهان السمان قبل اختفائه عند ابراهيم سعدان، عن طريق سائق الدكتور سامي الحاج، الرجل القفل كما يسميه دكتور صلاح السيد، فهو " كان يعرف اسرار الجميع، ولكن لا أحد يعرف أسراره " – الرواية ص 19  :

" فتح إبراهيم سعدان مغلّف الوديعة، وفي اللحظة التي إستلّ منها حزمة الأوراق، فوجىء بوجود مظروف آخر داخل مغلف الوديعة، وعندما فضّه ظهرت له: وثائق/ كشوفات/ قوائم/ أوراق شخصية مستلّة من مفكرة مذيّلة باسم برهان السمان/ صور أشخاص بحجم ربع بوسكارت / خرائط لأقبية ومخازن وأنفاق تحت الارض/ موقع النفايات (موشّر بقلم ماجك أحمر) في .... / رسوم بيانية , - الرواية ص 25 " .

ويتبين بانها أوراق مستلة من مفكّرة برهان السمان على شكل يوميات تتعلق بما يخص الطاقة النووية، وما يخص مادة اليورانيوم، وهذه أوراق يعطيها ابراهيم سعدان الى أيوب الكاتب/ الراوي، من اجل كتابة رواية استنادا على هذه الاوراق – الوثائق، على اعتباره روائي، ومنها يبدأ الشك واللايقين يتسرب الى الراوي، على شكل أسئلة محيرة، تعمل على تشويش رؤية المتلقي:

" ولكنْ ثمة شك راودني: لماذا أختيرت هذه الأوراق من المفكّرة دون غيرها، ثم ما تعليل نقص مدوّنات عام 2003 ؟ هل حجبها برهان السمان أم ابراهيم سعدان ؟

في ظني أن أحدهما عمد الى إخفاء معلومات منها، لا يريد لأحد الاطلاع عليها، ولعل القارئ وحده مَنْ يتلقف شفرات هذا النقص " – الرواية ص 93  .

ليس الراوي وحده من يقع في دائرة الشك بل قبله وقع ابراهيم سعدان في تجربة الشك، الشك المتسرب من الروائي الى شخصياته:

" راح ابراهيم سعدان يفكر: لماذا لم يظهر اسم برهان السمان في اللائحة السوداء ؟ في حين ظهرتْ أسماء مَنْ كانوا معه، مثل صلاح السيد وحارث الراوي وعلي الخطيب و (آخرون) .

وإلا كيف يحدث أن يكون مطلوباً ولم يُدرج اسمه في هذه اللائحة ؟ بل هناك أكثر من جماعة تبحث عنه، إذن أي لغز محيّر هذا !! "– الرواية ص20   .

يميل فعل القراءة الى ان يصبح مع الرواية الحديثة، استجابة لاستراتيجية الشك والخيبة، وخاصة عندما يطلب من القارئ سد نقص المقروئية التي لفقها المؤلف، لأن القراءة " الوحيدة الجدية للنصوص هي قراءة خاطئة، والوجود الوحيد للنصوص يكمن في سلسلة الأجوبة التي تثيرها . فالنص كما يشير الى ذلك تودوروف بمكر، هو نزاهة يقوم بها المؤلف بوضع الكلمات ليأتي القراء بالمعنى" (9).

خلاصة التجربة الكتابية لرواية " بوز الكلب "  لــ عباس عبد جاسم، تتمثل في الفصل المعنون " لعبة الرواية "، وفيه يؤكد المؤلف حضوره الطاغي في كتابة الرواية، كـ" مؤلف منظور "، وهذا يمثل أحد مرتكزات بعد ما بعد الحداثة (10) في رد اعتبار المؤلف الذي ألغاه بارت في مقالته المشهورة  " موت المؤلف "، التي تهدف الى " تحرير النص من سلطة الظرف المتمثل بالأب المهيمن: المؤلف " (11)، وبما أن الرواية هي رواية ميتا رواية، أو رواية لارواية، يعني انها ظاهرة نقدية يعيها الروائي في العمل الذي يكتبه، وتداخل المسؤوليات بين الروائي والناقد والقارئ، كما تعكس تداخل أشكال الاساليب والاجناس الأدبية المختلفة في النص الواحد (12)، وفيها تتجذر فتنة الأنا بذاتها، وهذا ما نلمسه في هذا الفصل عندما يتحول السرد المتخيل الى سرد الأنا، عندما يجعل شخصياته الروائية تتكلم عن لسانه لطرح: رؤيته، اراءه، افكاره، حول كتابة الرواية، وهذا يبرز الذات الكاتبة:

" لأنني بحاجة لأن أعرف هذه المسافة في المنظور بين ما دوّنه من وقائع وما دوّنته في الرّواية، قلت له:

- أتذكر (حكايات الف ليلة وليلة) ؟ ألم تنتبه الى تشظي المحكي فيها بصيغة قطع السياق ووصله بسياق آخر، حيث كل حكاية تقود الى حكاية أخرى مختلفة عنها، فحكاية الاسكافي تقود الى حكاية الحمال، وحكاية الحمال تقود الى حكاية الأميرة، وهكذا تنشطر الحكايات وتتناسل عن بعضها، هكذا تظهر الذات الحاكية لكي تموت الحكاية .

لهذا فجماليات النسيج تكمن في كيفية تقطيع الوقائع المدوّنة، وبذا لم اكتفِ بإحداث القطع بين بنية وأخرى من دون ايصال القطع بينهما في آن .

وإن كان ثمة منطق يحكم الوقائع المدوّنة، فإني أسال حقاً: أهناك منطق للواقع بعد أن فقد الواقع المنطق والانسجام والاتساق في بلادنا؟

وإن كنت تسأل عن التأزيم، فقد حاولت ادارة أزمة اختفاء برهان السمان من خلال تأزّم الشخصيات المرتبطة به، لأنّها ليستْ أزمة برهان السمان وحده، ولا أزمتك وحدك، وإنما هي أزمة بلاد مأزومة برمتها "– الرواية ص 68، 69  .

وللنهاية يبقى عباس عبد جاسم، يبين كيف كان يؤثر على القارئ، وبأي طريقة من خلال التدخل في البناء السردي:

" – نعم . الرّواية لعبة في بناء الوهم وهدمه بالواقع .. لهذا لم أكتفِ بتشويش ذهن القارئ وحواسه باختفاء برهان السمان، وإنما شغلته بلغز مصير ابراهيم سعدان الغامض، إذن التشويش والتلغيز من جماليات الرواية، وليس من مساوئها "– الرواية ص 70 .

 

أسامة غانم – ناقد

..............................

الهواش والاحالات

*عباس عبد جاسم – بوز الكلب، رواية، منشورات مركز تنوير، ط1، بغداد 2015.

**عباس عبد جاسم – السواد الاخضر الصافي، رواية نص، منشورات الغسق للطباعة، ط2، بابل 2002 .

1 - أسامة غانم – الوقائع السوداء، ضمن كتاب: كسر النمط عباس عبد جاسم، تقديم وتحرير: د. وسن عبد المنعم الزبيدي، دار غيداء للنشر والتوزيع، عمان / الاردن، 2017، ص 79 .

2- عباس عبد جاسم – تطور الرواية العربية من رواية الرواية الى رواية اللارواية، جريدة القدس العربي اللندنية، 7/ 5 / 2020 .

3- ليندا هتشيون – ما وراء القص التاريخي: السخرية والتناص مع التاريخ، ترجمة: أماني أبو رحمة، المجلة الثقافية الجزائرية، 10/ 6 / 2011 .

الدراسة فصل من كتاب " جماليات ما وراء القص: دراسات في رواية ما بعد الحداثة "، مجموعة مؤلفين، ترجمة: اماني ابو رحمة، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق – سوريا، 2010 .

4 – ليندا هَتْشيون – سياسة ما بعد الحداثية، ترجمة: د. حيدر حاج اسماعيل، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت – لبنان، 2009، ص 13 .

5- باتريشيا وُوه – الميتافكشن: المتخيل السردي الواعي بذاته: النظرية والممارسة، ترجمة: السيد امام، دار شهريار، البصرة – العراق، 2018، ص 123 .

6- م . ن، ص 24 .

7- مطاع صفدي – نقد العقل الغربي: الحداثة وما بعد الحداثة،مركز الانماء القومي، بيروت – لبنان، 1990، ص 237 .

8 – بول ريكور– الزمان والسرد: الزمان المروي ج 3، ترجمة: سعيد الغانمي، راجعه عن الفرنسية: د. جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت – لبنان، 2006، ص 235 .

9 – امبرتو ايكو – التأويل بين السيمائيات والتفكيكية، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، ط2، الدار البيضاء – المغرب، 2004، ص 22 .

10 – يطلق عليها مصطلح الحداثة البعدية أيضاً، كما يسميها الناقد مطاع صفدي في كتابه " نقد العقل الغربي " حيث هي: ليست طليعية فكرية أو فنية، وليست دعوة سياسية أو ايديولوجية، لكنها هي التي تأتي واتية بعد كل معارك الطليعيات والإيديولوجيات والحداثويات . ص 314، م . س . نقد العقل الغربي.

11 – رولان بارت – نقد وحقيقة، ترجمة وتحرير: د . منذر عياشي، تقديم: د . عبدالله الغذامي، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق – سوريا، 2019، الاقتباس من المقدمة ص 10 .

12 – د . محمد حمد – الميتا قص في الرواية العربية: مرايا السرد النرجسي، مجمع القاسمي للغة العربية وآدابها، 2011، (ج. م)، ص 10 .

 

نجيب طلالخارج المشهد: من الظاهرة العَجيبة؛ التي طفت وبقوة على المشهد الفني والثقافي عَبر ربوع العالم العربي؛ ولربما لم ينتبه إليها العَديد من المهتمين بالشأن الإبداعي؛ لأسباب موضوعية أكثر من الذاتية؛ ولكن هنالك نصيب لديهم من ظهور ظاهرة الإشهار والنقد الذي يتحدد في التعليقات والردود وبعْض التحْليلات التي تتضمنها وسائل التواصل الإجتماعي من/ فايس بوك/ تويتر/ أنتسغرام /.../ هنا نشير بالقول الصريح: لا يمكن لأحد كيفما كان نوعه أن يُصادر حَق الرأي والتعبير؛ أو يحجم أو يمنع شغب تفكير رواد مواقع التواصل الاجتماعي؛ فحتى السلطات العربية لاحق لها لسبب وحيد؛ أنها لم تنتج تلك الوسائط؛ ولم تكن ضمن بنود المنع. بحيث لمْ ولن تستطيع إيقافها أو حَتى التشويش عليها.

ففي هذا السياق وبناء على  إنتاج  كل دولة عربية بعْضا من المسلسلات الدرامية لشهر رمضان؛ وهاته عادة دأبت عليه الدراما العربية؛ يوم تقوت التلفزة وتشعَّبت قنواتها؛ ولكن الإشكالية الكبرى أن أغلب القنوات أمست تتسابق نحو نسب المشاهدة؛ التي يتحكم فيه “ميتري” والذي  يقدم إحصائيات دقيقة لنسب المشاهدين للقنوات والمحطات. من أجل نيل حصص الأسد من الاعتمادات ومن استجلاب الشركات والمؤسسات للإستشهارمنتوجاتهم. ولربما بعض القنوات توظف منصات التواصل بطرق مختلفة؛ كتمويل شباب أو إغرائهم من لدن وسطاء مجهولين لشركات الإنتاج أو من لدن مخرجي تلك المسلسلات الدرامية؟ لأنني أتساءل بجدية  من أين تولد هذا النشاط  والحيوية لجل الشباب العَربي؛ لمتابعة والحكم والتعليق على أعمال الدرامية من خلال حلقة واحدة أو حتى ثلاث؟ هل سببه الحجر الصحي الذي يعيشه العالم قاطبة سيكون سببا أساس؟                                                           في تقديري هذا مبرر ضعيف؛ لأن الوضعية النفسية التي يعيشها المواطن العربي أمام الحجر تجعله شبه متوترا في بعض الحالات واللحظات؛ وخائفا من مصير مجهول أمام انتشار أو اندثار الفيروس. هذا لا يعني أنه لن يشاهد ويتفاعل ويستمتع بما هو معروض على الشاشة .

هَل نسب المشاهدة سببها شهر الصيام؟ كذلك مبرر جد ضعيف؛ لأن الدراما منذ عقود كانت ترتبط إنتاجيتها بشهر رمضان؛ والمشاهدة من الطبيعي أن تكون قوية بحكم مائدة الإفطار؛ ولم  تكن وسائل التواصل ألاجتماعي مفعلة بالشكل الذي هو عليه هاته السنة ، ولكن لنتأمل ماقاله أحد الفنانين المشاركين في مسلسل(البرنس) [...يريد أن يصبح في الدراما أيضا نمبر وان (أي رقم واحد) ولعل هذا هو سبب تعاونه مع المخرج محمد سامي...خصوصا وأن رمضان قدم عملين دراميين بعده لم يحصلا على ردود فعل ضخمة".هذا هو التحدي بالنسبة لرمضان، أن يكون رقم واحد، وهو تحد صعب في رأيي، لأن المنافسات قوية وهناك نجوم جذب في نفس الدائرة] (1) فهذا التصريح له ماله في تحريك منصات التواصل .

ولقد  نشط رواد وشباب وسائل التواصل الإجتماعي؛ وتطورت وتنوعت التعليقات والردود والتغريدات  بين المبررة والساخرة والجادة والمستهترة والسخيفة واللامسؤولة؛ فطبيعي هذا التنوع له علاقة وطيدة بالسلوك وبالتفكير الموازي لسن المُدوِّن/ المبْحر؛ بحَيث تعليق شاب ذي ربيع عشريني؛ ليس هو تعليق من تجاوز سِن الثلاثينات أو الأربعينات؛ ولكن المحصلة  هناك نشطاء ومبحرون ومدونون يتفاعلون في الإبان مع معطيات (الحلقة) التي شاهَدوها؛ مستغلين كل الوسائل المتاحة لهم كالفيديو والكاريكاتور ووسائل التواصل الاجتماعي . وهذا الفعل وتلك الدينامية تحتاج لدراسات  وأبحاث جد معمقة ورصينة – علميا / منهجيا / إجرائيا  /  إطارها: كيف يفكر ويتفاعل الجيل العنكبوتي أمام الدراما العربية؟. وبالتالي هاهنا لامناص من طرح تساؤلات أو يمكن أن نعتبرها عتبات للنقاش  والدراسة:

تساؤلات ومَشاهد:

مبدئيا هاهنا؛ لست مع هذا المسلسل أو ضد غيره؛ بقدر ما أقوم بشبه استقراء ضمني؛ وبصوت عالي. وبتتابع؛ بحكم أهمية موضوع القضية المقرونة بمشاهد كيف التقطتها؟ وكيف قرأتها؟ ولاسيما أن الانتقادات والردود سائرة المفعول في كل موسم رمضاني؛ الذي تنجز فيه إنجازات درامية؛ إلا أن هاته السنة تحركت الانتقادات بقوة؛ وبضربات ضارية عبر تلك المنصات التفاعلية وبالتالي: سألت وتساءلتُ:هَل الدراما العربية بحكم تعدد القنوات والشركات الإنتاجية؛ وتطور التقنيات والتفنن في صانعة الحيل الفنية والجمالية أمست تعيش إشراقات أو إحباطات أو انحطاطا؟ لأنني لاحظت عدة نقاط مطروحة هنا وهناك وتحتاج لنقاش جاد ومسؤول:

أولا: وجود جملة من الأخطاء الفنية والإخراجية؛ والخلط الفادح بين السخافة والفكاهة والكوميديا رغم أن السياق الدرامي؟ وكذلك ظهور عدة مغالطات، سياسية ودينية وتاريخية في أغلب المسلسلات العربية؟

ثانيا: ملامسة أن هنالك صراعا مريرا؛ يصل إلى حد الحسد أو ما شابه ذلك بين مخرجي وأطقم مسلسلات هاته السنة؛ ويتبين ذلك من خلال الردود والهجوم على طرف واللاهجوم والسكوت والتغاضي على مسلسل آخر ! وكذا من سباق الدعاية للمسلسلات التي اشتعلت بين  القنوات والفضائيات واليوتيوب والفايس بوك. وإطلاق صفحات بأسماء الأعمال على مواقع (السوشيال ميديا) استغلالا لجاذبيتها وجماهيريتها. وما هو ملموس أكثر؛ التهافت نحو الماديات نتيجة انوجاد شركات إنتاج متعددة؛ بدل الإهتمام بروح الإبداع وبجودة العمل الفني. !

ثالثا: يلاحظ تشابه في مجريات بعض الأحداث كالتحرش الجنسي/ القتل/ الصدف/  وكذا تشابه في توظيف الأمكنة؛ المستشفى/ السجن/ الشركات/ الشرطة/ التحقيقات/

رابعا: كما أشرت سلفا الانخراط القوي لنشطاء التواصل الإجتماعي؛ في كل الأقطار العربية .و الذين تصدروا المشهد  بدون منازع؛ عبر ملاحظتهم وتعليقاتهم اليومية تجاه أغلب المسلسلات؛ وانطلاقا من هاته النقطة نتساءل مرة أخرى:

المشهد الأول:

1 // هل تلك الردود والتعليقات تعتبر (نقدا) بديلا؛ عن المقاربات النقدية العالمة والمنهجية؟ مادام أغلب أهلها استكانوا للصمت؛ وبعْضهم يكتب تحْت الطلب؛ وبعض البعض بالتعْويضات المالية (؟) ذلك شأنه؛ وإن كان هو ذا الواقع  والملاحظ في المشهد النقدي (العربي) تجاه (الدراما) وغيرها . فهناك شباب من الجنسين ومن مختلف الأعمار أغلبه هاجم وعبَّر بتلقائية ساخرة ومستهزئة ومضحكة على  أخطاء فادحة في الإخراج  وكذا على سيناريو المسلسل المغربي “سلمات أبو البنات” لكاتبه ومخرجه هشام الجباري؛ وذلك [....بسبب مجموعة من الأخطاء، التي تضمنتها كثير من المشاهد، والتي لم يتم الانتباه إليها. ووجه رواد مواقع التواصل الاجتماعي مجموعة من التعليقات، التي تحمل في طياتها رسائل السخرية من مشاهد كان من الضروري الانتباه إليها، باعتبارها أخطاء لا يمكن التغاضي عنها،...](2) والمدهش أن هذا المسلسل؛ من كثرة ما له من مشاهدين حسب ما يروج؛ بقدرما له من كثرة التعليقات والردود؛ بحكم أخطاءه الفادحة؛ واللامهنية؛ إضافة لسيناريو متهلهل ومتهالك دراميا [...وأول ما لاحظته، من جملة ما يمكن أن يلاحظ هو أن كاتب السيناريو عادة ما يلجأ إلى الصدفة، من أجل إيجاد حلول سهلة وبليدة لبعض المطبات التي تعتريه في الكتابة......اما الصدفة الكبرى، أو أم الصدف بتعبير أدق، فهي التي جعلت من الشاب الظريف عمر بقدرة قادر مفتشا للشرطة ومحققا في قضية ثريا وهي صدفة ضربت بها الدراما المغربية ثلاثة عصافير بحجر واحد ..العصفور الاول هو عصفور الدراما الهندية التي لا يعجزها شيء.. والعصفور الثاني هو عصفور الدراما التركية وما فيها من عواطف جياشة.. اما العصفور الثالث فهو عصفور الدراما المغربية المتسمة بالتسرع والارتجالية، المفتقدة للتوازن والاقناع والرؤية الاخراجية والمعالجة الشاملة...] (3) في هذا الباب من يمكن أن نصدقه ونقتنع بتموقفه الفني والفكري أمام المسلسل ما سبق أو التالي[...ان سر تألق المسلسل ... يعود الى ملامسته الاشكالات المجتمعية الحقيقية التي تحاكي واقع الجمهور كما ان انتصار المسلسل للفرجة العائلية ساهم بدوره في هذا النجاح ] (4)

طيب إذ قبلنا هذا الطرح؛ فلماذا تدخل (الطب) ولأول مرة في تاريخ الدراما؛ ليعكس علمه ومهنيته على الإبداع؛ أليس الطب لصيق بالإشكالات المجتمعية في أمراضه: [...لذا قرّر طبيب مغربي تشريح مشاهد المسلسل الرئيسية من أجل رصد أبرز الأخطاء الطبية التي تضمنها. ..وسخر الطبيب العسكري السابق، والطبيب العام الحالي في مدينة سلا صلاح الدين الرفالية، من هذه المشاهد، قائلاً إن الطريقة الوحيدة لتكون أحداثها ممكنة هي أن يكون ما على ملابس البطلة صلصة كاتشب وليس دماً.....ويوضح الرفالية أن أسوأ خطوة يمكن أن يقدم عليها ضحية طعن هي نزع الآلة الحادة قبل الوصول إلى المستشفى، لما يعني ذلك من نزيف داخلي يفقد المريض دماءه بسرعة. ...](5) وعلى إثر هذا التحليل الطبي؛ ظهر تعليق لأحد الشباب يتهكم هكذا معنى (كيف تصبح بوليسي في 3 أيام  وكيف تصبحين ممرضة في ربع ساعة) وليس هذا المسلسل الذي وقع في أخطاء طبية ساذجة استفزت الجمهور وأثارت سخريته؛ فهناك مسلسل المصري (فرصة ثانية)[ هو مكياج الفنانة...  الذي بقي على وجهها وتحديداً الرموش والكحل، بعد خروجها من غرفة العمليات، بسبب تعرّضها لحادث كبير..](6)علما أن هذا المسلسل نال النصيب الأكبر من الانتقادات والسخرية؛ نتيجة ضعف ممثليه والأخطاء الطبية الفادحة التي كانت أفظع مما سبق ذكره؛ وخاصة لحظة سحب عينة دم من ريهام [..يضع زياد مادة مخدرة لريهام، لسحب عينة دم وفحصها مخبريًا للتأكد من وجود حمل،... نجح في سحب عينة الدم بسرعة لا يمتلكها الطبيب المخبري الذي يجتهد لإيجاد وريد، ثم أخذ العينة على حالها، دون خلطها بمادة الهيبارين لمنع التجلط، ودون وضعها في أنبوب اختبار مفرغ من الهواء، فقط سحب العينة ثم ركض بحثًا عن مختبر قريب...](7)  ويتقاسم مسلسل (حب عمري) و(البرنس) مع مسلسل (سلمات أبو البنات) و(فرصة ثانية) في الأخطاء الطبية الفظيعة؛ والتي كانت تحتاج لاستشارة الأطباء؛ وإشراكهم ضمن المسلسل بحيث نلاحظ في (البرنس)[..قام الأخوة بتدبير حادث قتل أخيهم، فيتم نقله على الفور إلى المستشفى، وفي مشهد درامي يستقبل محمد رمضان خبر وفاة زوجته وابنه وينهار من البكاء، في حين تم توصيل جسمه بجهاز رسم القلب. لكن الغريب أن الجهاز تم توصيله بذراع البطل وليس القلب، كما أشار الجهاز إلى توقف القلب تماما، وهذا يعني موته.... وفي المشهد نفسه أسفل جهاز رسم القلب كان يوجد جهاز (Cautery Machine) الذي يستخدم في الكي الجراحي، وبالطبع يكون ذلك داخل غرف العمليات وليس في غرف المرضى](8)

وعلى ضوء هاته الردود والتعليقات المثيرة للسخرية ! فالمسلسلات المغربية الأخرى ، هل هي  خالية من الأخطاء وتهلل القصة والأحداث وتفكك السيناريو والإخراج؟ إطلاقا: لأن  نشطاء التواصل ركزوا على أخطاء بعض المسلسلات ك( الغريبة/عيد ميلاد/ ياقوت وعنبر/ السر المدفون/.../ عبر الفيديوهات؛ لكن الملاحظ بعض (النقاد) لم يقتربوا من تلك المسلسلات(؟) والبعض مرعلى بعضها مرور الطيف وسرعة برق؛ ولمس أخطاء بسيطة جدا [أربك استخدام تقنية "فلاش باك" في (ياقوت وعنبر) كسماع كلمة " أكسيون" في مسلسل (الغريبة)؟ مقابل هذا اعتبرت تعليقات على مواقع التواصل الإجتماعي أن الأخطاء التقنية؛ من هذا النوع دليل على الاستخفاف بالمشاهد المغرب(9) واستخلاصا للسؤال [... في الحقيقة هناك الكثير من المسلسلات المغربية التي تعرض هذه السنة .في قنواتنا بالإضافة إلى المولود الجديد قناة MBC5....وأن أغلب المسلسلات للأسف متواضعة جداً فنياً وتقنياً وفكرياً، طبعاً هناك استثناءات لكنها قليلة جداً.... لم أهاجم الأعمال الرمضانية بل انتقدتها بما يمليه علي حسّي الفني والفكري كمتلق وكناقد....وهذا كله من منطلق غيرتي على الفن المغربي وباعتباري مواطناً مغربياً ينتظر بشوق الموسم الرمضاني للاطلاع على آخر الأعمال الدرامية المغربية للاستمتاع بها، لكنه في الأخير يصطدم بمستواها المتواضع جداً...] (10)

هنا فالأمر لا يتعلق بقطر دونما آخر بل في كل قطر- عربي- كان جمهور المشاهدين ورواد مواقع التواصل الاجتماعي بالمرصاد للأعمال المقدمة (الآن) بحيث ترصدوا للعديد من الأخطاء والهفوات التقنية والإخراجية. إلا أن المثير في عملية التعليقات والتغريدات عند البعض  تكون دائما مصحوبة بفيديوهات للقطات ومشاهد طافحة بالمبالغات والتناقضات . الأمر الذي أثار موجةً من السخرية بين المشاهدين/ النشطاء. ولم تسلم أغلبها من التعليقات المضحكة واللاذعة؛ وكشف الثغرات الإخراجية والتقنية:  كمسلسل = عيد ميلاد/ السر المدفون/ سلمات أبو البنات/ عنبر وياقوت/(مغربي) أنا وراجلي (جزائري) قلب الذيب (تونس) سوق الحرير(سوريا) أم هارون - جنة هلي- محمد علي ورد (الكويت) مخرج 7(سعودي) مباراة زوجية - حارس الجبل - رياح السموم (الأردن) أحلام السنين-بنج عام (العراق) عرس بيروت(لبنان/ تركيا) الاختيار- البرنس - فرصة ثانية - أولاد آدم- ليالينا 80- النهاية- الساحر- حب عمري- فلانتينو (مصر) هاته المسلسلات وغيرها تعرضت لعدة انتقادات وتغريدات بدورها مثيرة للجدل؛ نتيجة للأخطاء البشعة التي تضمنتها.  فعلى سبيل الإشارة المشهدية: في مسلسل (البرنس) [رُصد خطأ فادح، حيث يقوم رمضان بأداء دور صاحب ورشة سيارات، تأتي إليه سيارة “هيونداي آكسنت” للتصليح، ثم تخرج بعد التصليح سيارة من نوع “هيونداي إلنترا”] أما في (فلانتينو) للزعيم عادل إمام، حيث رُصد خطأ في شكل علم مصر المرفوع بجوار علم بريطانيا في المدرسة المملوكة للشخصية التي يؤديها إمام، فقد رُفع علم مصر بالمقلوب، فظهرت ألوانه مرتبة بشكلٍ عكسي] حتى أن الصحيفة نشرت تغريدة كتبها أحد المغردين اسمه (أحمد شوشة) يقول فيها [للأسف زعلت جد لما لقيت مشهد في أول حلقة في فلانتينو علم مصر متعلق في مدرسة بالمقلوب جنب علم بريطانيا] (11) وبناء على الأخطاء التي تم رصدها؛ من لدن نشطاء منصات التفاعل تدخل «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» المصري. الذي كشف أخيراً، عن أكثر المسلسلات والبرامج التلفزيونية تسجيلاً للأخطاء خلال الأسبوع الأوّل من شهر رمضان 2020.وذكر في تقريره أنّ عدد الملاحظات والمخالفات التي تم رصدها وصل إلى 287، بينما كانت أعلى المعايير المخالفة بسبب «السب والقذف والسخرية»(12) كيف يمكن تفسير هذا؟؟

يتبع.

 

نجيب طلال

........................

الإحالات:

1/ مسلسلات رمضان" من نجح في امتحان الحلقة الأولى؟  تصريح محمد رمضان لموقع "سكاي نيوز عربية بتاريخ 25/05/2020

2/ هجوم على “سلمات أبو البنات بقلم امينة كندي ” جريدة الصباح المغربية 11/05/ 2020

3/ الصدفة في "سلمات أبو البنات" وثلاثة عصافير بحجر واحد "ليوسف توفيق:كفى بريس في 15 /05/  2020 –

4/ محمد خيي يتكلم عن سرتوهج مسلسل سلمات بو البنات القسم الفني لهبة بريس بتاريخ:  2020-05-15

5/ أخطاء طبية خطيرة في المسلسل المغربي "سلمات أبو البنات"  العربي الجديد .الرباط في / 15 /05/ 2020

6/. أخطاء فادحة في الحلقات الأولى من مسلسلات رمضان 2020 دبي - معتز الشافعي – سيدتي نت- في 01-05-2020

7/ أخطاء طبية فادحة: أخطاء مسلسلات رمضان تثير سخرية السوشيال ميديا:مدى بوست- فريق التحرير في 25/05/2020

8/ أخطاء طبية فادحة في مشاهد درامية – موقع (الجزيرة) بقلم: ماري هارون في 6/5/2020

9/ انظر لموقع – المغرب اليوم:(أخطاء الإخراج والحبكة تفسد متعة مشاهدة) بتاريخ 06/05/2020

10/ دراما رمضان في المغرب لم ترق بعد إلى مستوى الإبداع- دردشة مع فؤاد زويريق: أوريون.ما   - 12 /05/ 2020  المصدر سيدتي نت ”

11/ أخطاء طبية فادحة: أخطاء مسلسلات رمضان تثير سخرية السوشيال ميديا:مدى بوست- فريق التحرير في 25/05/2020

12/  مصر: اكثر المسلسلات والبرامج تسجيلا ل " الأخطاء" انظر صحيفة الأخبار بتاريخ 11/05/2020

 

 

نبيل عودةقصّة د. راوية بربارة "محاولة إقناع" فاجأتني بفكرتها أوّلا، وبقدرة السخرية أن تكون مستترة داخل السرد القصصيّ، بدون تكلّف، وبدون مبالغة، عبر سرد يبدو تقليديًّا للوهلة الأولى، وأظنّ أنّ الكثيرين من القراء لم ينتبهوا للسخرية التي تفجرّها الأديبة د. راوية بربارة، متجاوزة الصياغة القصصيّة التقليديّة، رغم أنّ القارئ العادي لن ينتبه لقوة السخرية المستترة بفكرة القصة. وبالمناسبة لا بدّ أن أضيف أنّ اكتشافي لمضمون السخرية في هذا النص القصصيّ قد يفاجئ معظم من قراء القصة.

قد يتفاجأ من قرأ هذا النصّ القصصي بأنّني أتحدّث عن مفارقة ساخرة. فهي تبدو للقارئ نصًّا قصصيًّا تقليديًّا يتحدّث عن مجموعة طلاب بطريقهم للمشاركة بحوار، أمر لا شيء غريب فيه، تكتب: "السيّارة تهرول تشقّ الطريق الجبلي والقلوب تنتفض قلقا، تحاول استمهال السائق خوفا من المواجهة الأولى...لكنّ العجلات السود لا تستوعب المخاوف الإنسانيّة وتُنذر بالوصول"

فأين السخرية اذن؟ طبعا هذا تمهيد للآتي. وتضيف: " ركضنا نحو قاعة المحاضرات منتظرين بداية المهمّة التي أوكلت إلينا في درس فن الخطابة وهي: محاولة إقناع الآخرين بوجهة نظرنا."

حتى هنا النصّ يمكن أن نسميه نصًّا متوقّعًا لا شيء يثير التفكير فيما هو غير متوقع.

وهنا تبدأ اللعبة اللغويّة، لعبة المفارقة لطرح واقع ربما اعتدناه، حضر الطلاب  لإجراء حوار يهوديّ عربي، يقترح الأستاذ أن يجري اختيار المتحدثين حسب ترتيب الحروف الأبجدية.

وتفجّر راوية بهدوء قنبلة أولى قد لا تثير التفات أحد "الطلاب العرب فضّلوا أن يستمعوا أوّلا لزملائهم اليهود".

ماذا يتوقّع القارئ من لقاء كهذا؟

أن يطرح كلّ طرف ما يخصّه سياسيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا.

وهنا المفارقة الساخرة لكن لمن يقرأ النص بعقل وليس بعين مغمضة وعين مفتوحة.

تتحدّث اليهودية ياعل، يشغلها امر أساسي "تبذل جهدها لإقناعنا بأفضليّة انتعال الحذاء الصيفي في فصل الشّتاء.. وتُسهب في الأسباب وتضحكُ"

اليهودية يفيت تهزّ شعرها على الأكتاف وتهزّ أفكارنا، محاوِلَةً إقناعنا بأهميّة تجفيف الجسد بعد الاستحمام بعباءة نرتديها ونمتّع جسدنا بنقاط الماء يمتصّها القماش على مهلٍ فيسترخي الجسد"

انتبهوا للسخرية هنا. أسلوب الطرح لا يقول شيئا، لكن الطرح لمواضيع تافهة هنا، يجب أن تجهّز القارئ لما هو آت.

طبعا تضيف راوية تفاصيل لا علاقة لها بالحوار الذي يتوقّعه القارئ للقصة من لقاء يهوديّ عربيّ. أي تجهّز القارئ ليعيش المفارقة الساخرة التي تنتظره.

وتؤكّد راوية الأمر الجوهريّ بالنسبة للعرب:" أمّا نحن فلم نجرؤ على اقتحام مواضيع غير عاديّة"

ماذا سيكون حديث العرب؟

انتبهوا هنا للفجوة بين مجتمعين ونهجين وتفكيرين وواقعين.

هنا تبدأ اللوحة الساخرة بالظهور بكامل المفارقة بين اتجاهين.

العربي سمير يحاول، كما تكتب راوية على لسان المشاركين العرب: "إقناعنا بموضوع السّاعة، جاهد وجهد ليُنعِش قناعتنا بأهميّة السلام كحلّ لا مفرّ منه وانّ الحرب لا تقود إلا للويلات وللمصائب"! طبعا لا حذاء ياعل ولا عباءة يفيت.

اذن كل الكلمات التي سهر على إعدادها سمير كممثّل للمشاركين العرب كما تكتب راوية: "ارتبكتِ بين شفتي سمير واهتزّت الأوراق المحمّلة بنظريّاتٍ واقتباساتٍ وأفكار". بالمقابل قدمي ياعل وجسد يفيت هما مقابل حقوق شعب يطالب بالسلام.

هل من سخرية أبشع من هذا الواقع بين اليهود والعرب؟؟

هل من سخرية أرقى من هذا النص القصصيّ عن واقع نعيشه؟ شعب قلق لقدميه وجسده وشعب قلق على مستقبل السلام والحرية.

يجيء دور سعاد لإنقاذ الكرامة من الغرق. وبصوتها الخجل امام لقاء من هذا النوع الذي يشغل أبناء عمومتنا اليهود بأحذيتهم وحماماتهم تطرح سعاد بصوت خجل "مسألة خطيرة عن أهميّة إخلاء المستوطنات كشرطٍ للسلام المنتظَر"

هل هو سلام بين حذاء ياعل وحمام يفيت؟ دون أن يكون للمحتلة أرضهم والمميز ضدهم رأي بما يتعلّق بمستقبلهم؟

وهنا تطرح الكاتبة التساؤل الجوهري:" كان على أحدنا أن ينقذ الموقف المتفاقم، فكيف نقتنع بسخافاتٍ مطروحة ولا نقتنع بمواضيع لا حاجة فيها للإقناع؟!"

وتصل الكاتبة للموقف المليء بالمفارقة الساخرة من هذا اللقاء بين عالمين ونهجين:" تابع الطلاب طرح مواضيعهم، هذا يحاول إقناعنا بجمال التحف الخشبيّة الذي يفوق جمال التّحف المنحوتة في الحجر، وذاك ينجح في إقناعنا بدفء الصقيع الذي يفوق وهج الحرّ البارد المليء برائحة العرق!"

هذا الواقع أضحك الطلاب "حين حاولت أحلام إقناعنا بزرع أشجار الزّيتون بدل أشجار النخيل".

وتنهي قصّتها بأنّ أستاذ فنّ الخطابة "ضجّ من تفنّننا في اختيار المواضيع الصّعبة ومن عدم تفنّننا في طرحها، وأشفق على حالنا وعزا عدم قدرتنا على الإقناع للّغة العبريّة التي تعرقل

أفكارنا العربيّة". وأضافت الكاتبة بسخرية قوية:" ومنَحَنا فرصة ثانية لنبحثَ عن لغتنا الخاصة التي نستطيع بها إقناع أنفسنا قبل الآخرين."

راوية قدّمت هنا بأسلوب يحمل جانبين من الفن، القصّ الجاد وبإطاره لمن يستطيع اختراق مضمون المفارقة الساخرة بين مجتمعين، عالمين متناقضين في وحدة مصير.

 

بقلم: نبيل عودة

...............................

نص قصة: "محاولة إقناع" / بقلم: د. راوية بربارة

العبق الشتويّ يحترف إثارة المشاعر في الطريق من الجليل إلى قمّة الكرمل، ونحن في سيّارة الأجرة تتململ الأوراق بين أيدينا، نقرأ ونراجع كلماتٍ سهرنا الليل في تنميقها باللغة العبريّة، لا نأبه للأشجار تستحمّ نافضةً تراب الصّيف، ولا يخطف أبصارنا إلا وميض ضبابٍ متلألئ منبعثٍ من نوافذ بناية الجامعة الشامخة على قمّة جبل الكرمل يستفزّنا أن نشمخ..

ألسيّارة تهرول تشقّ الطريق الجبلي والقلوب تنتفض قلقا، تحاول استمهال السائق خوفا من المواجهة الأولى...لكنّ العجلات السود لا تستوعب المخاوف الإنسانيّة وتُنذر بالوصول.

ركضنا نحو قاعة المحاضرات منتظرين بداية المهمّة التي أوكلت إلينا في درس فن الخطابة وهي: محاولة إقناع الآخرين بوجهة نظرنا.

أفسح الطلاب مكانا للأستاذ فجلس بيننا ليستمع لمحاولات الإقناع، اقترحَ أن نبدأ بالدور حسب أبجديّة حروف الأسماء، لكنّ الطلاب العرب فضّلوا أن يستمعوا أوّلا لزملائهم اليهود.

قامت يعِل وأخذت تستعرض موضوعها.. توزّع نظراتها على الجميع، تبتسم وتعبس وتستفهم بالكلمات وبالجمَلِ، تاركةً جسدها يتحرّك على طبيعته، وتاركةً إيّانا مستغربين من الموضوع المطروح، فهي تبذل جهدها لإقناعنا بأفضليّة انتعال الحذاء الصيفي في فصل الشّتاء.. وتُسهب في الأسباب وتضحكُ، تذكر مساوئ الأحذية الشّتويّة فتسدّ أنفها بإصبعها، تنتعل حذاء مفتوحا وتحرّكُ أصابع قدميها بحريّة، فتدبّ الحرارة فيهما ويدبّ البرد في أقدامنا المغلّفة وينفعل الحماس في أطراف عقولنا...

القادم. أنهتْ يعِل محاولتها النّاجحة، صفّقْنا لها ووعدَها الأستاذ أن ينتعلَ حذاء مفاجئا في الدرس

ثمّ قامت يفيت تهزّ شعرها على الأكتاف وتهزّ أفكارنا، محاوِلَةً إقناعنا بأهميّة تجفيف الجسد بعد الاستحمام بعباءة نرتديها ونمتّع جسدنا بنقاط الماء يمتصّها القماش على مهلٍ فيسترخي الجسد، ينتعش ويترطّب بدفء الماء في الشّتاء وببرودته أيّام الحرّ، بدل أن نجفّفَه بمنشفةٍ قطنيّةٍ فنجهده أكثر بعد يومٍ شاقّ...واسترسَلَتْ وتمايلت وعرَضَتْ أنواعا وألوانا من العباءات التي تلبسُ الروح قبل الجسد.

صفّقْنا لها واقترح الأستاذ مازحا أنْ تفتتح يفيت شركةَ عباءاتٍ لأنّها ستنجح في تسويق قناعتها... أمّا نحن فلم نجرؤ على اقتحام مواضيع غير عاديّة... قام سمير متأنّقا بلباسه، بمظهره وبأوراقه محاولا إقناعنا بموضوع السّاعة، جاهد وجهد ليُنعِش قناعتنا بأهميّة السلام كحلّ لا مفرّ منه وانّ الحرب لا تقود إلا للويلات وللمصائب...

ارتبكتِ الكلمات بين شفتي سمير واهتزّت الأوراق المحمّلة بنظريّاتٍ واقتباساتٍ وأفكار، لم يستطع رفع نظراته عن الحبر الأسود المطبوع على الصفحات البيض، فشعرْنا بالضيق وبدأت الأرض تزلزل تحت أقدامنا، لماذا تهرب منك الكلمات يا سمير وقد سمرنا الليالي نزخرف النظريّات، نناشد السّلام وننشده في الشّوارع، نمهّد له، نصبو إليه، ونقرأ عنه بكلّ لغات الأرض، لغته العالميّة دون ترجمةٍ.. والآن نفشل في ترجمة آرائنا!!

جلس سمير يتصبّب فشلا، يجفّف عرق ارتباكٍ ويطوي الأوراق اللعينة التي جلس ساعات يحثّ فكره ليقنعنا بمحتواها.

كان على سعاد أن تنتشل كرامتنا من الغرق الأكيد، أسرعت تجرجر نظرة حائرة تجول بها بين المقاعد، وصوتا خجلا يطرح مسألة خطيرة عن أهميّة إخلاء المستوطنات كشرطٍ قبلي للسلام المنتظَر. عدّدتِ الأسباب والسّلبيّات والإيجابيّات من وجهة نظر أحاديّة وثنائيّة وثلاثيّة. لم تطلق العنان لجسدِها فحنّطته مع الفراعنة في هرم الخوف.. ولم تطلق لسانها السّليط الذي طالما هوى بسياطه ينتقد الأحزاب الطّلابيّة والسياسيّة والنظريّات المعارضة يفنّدها ويعرقلها ويوقعها أرضا بنقاط حروفه التي لا تتوقّف عن الثرثرة الهادرة.. ما بال لسانها قد انعقد وأين اختفت قدرتها الإقناعيّة ؟؟؟

كان على أحدنا أن ينقذ الموقف المتفاقم، فكيف نقتنع بسخافاتٍ مطروحة ولا نقتنع بمواضيع لاحاجة فيها للإقناع؟!

أخذْنا مهلة نستردّ فيها أنفاسنا، بينما تابع الطلاب طرح مواضيعهم، هذا يحاول إقناعنا بجمال التحف الخشبيّة الذي يفوق جمال التّحف المنحوتة في الحجر، وذاك ينجح في إقناعنا بدفء الصقيع الذي يفوق وهج الحرّ البارد المليء برائحة العرق!!

واستشاط الصف ضحكا عندما حاولت أحلام إقناعنا بزرع أشجار الزّيتون بدل أشجار النخيل، مقتبِسَةًً الآيات القرآنية والتوراتية والإنجيليّة...وضجّتِ القاعة عندما اقترح أحدهم أن نُلبس عري النخيل غطاء للرأس، وضجّ أستاذ فن الخطابة من تفنّننا في اختيار المواضيع الصّعبة ومن عدم تفنّننا في طرحها، وأشفق على حالنا وعزا عدم قدرتنا على الإقناع للّغة العبريّة التي تعرقل أفكارنا العربيّة، وللغة أجسادنا التي تُلبسنا طقما جاهزا، وللغة عيوننا المصابة ببُعد النظر والتي تعجز عن رؤية ما يقع تحت أنوفنا...ومنَحَنا فرصة ثانية لنبحثَ عن لغتنا الخاصة التي نستطيع بها إقناع أنفسنا قبل الآخرين.

 

نجيب الخالديوأنت تكتب قصتك، معنى هذا أن نصك القصصي سيقوم على دعامتين أساسيتين: السرد والوصف، وهما في العمل القصصي عنصران متلازمان. وأنت تسرد، يعني أنك تحكي أحداثا وأفعالا متعاقبة في مظهر زمني، بينما الوصف فستتخذه أداة لتصف الأماكن والأشياء والشخصيات سواء واقعية كانت أم خيالية... هكذا، فقد تهتم في مقطع بالوصف، وفي آخر بالسرد، وفي آخر بالوصف والسرد معا، أي أن تجعل الوصف مع السرد في تناوب حسب طبيعة الحدث أو الموقف أو تحولات الزمان والمكان. تفهم من هذا أن الوصف عنصر مهم في السرد، لكنه لا يمتلك القدرة على أن يحل محله فيؤدي وظيفته، كما لا يمكن للسرد أن يستغني عن الوصف، فهو مساعد له في تطور الحدث وبناء الشخصية.

وبقدر ما يكون وصفك مفيدا في السرد مطورا للحدث وملقيا الضوء عليه، بقدر ما يؤثر سلبا عليه عندما تسيء توظيفه، فتجعله مهيمنا طاغيا غارقا في بحر بلا حدود، معرقلا بذلك مسار الحدث، ومزيحا بالتالي السرد عن سكّته الأصلية ألا وهي الحكي.

وعندما تصف الأشياء أو غيرها في قصتك، فأنت تتعامل مع اللغة بالدرجة الأولى، وليس مع هذه الأشياء كما هي في الواقع، أي أنك وأنت تصفها، تجردها إلى حد كبير من دلالتها الأصلية من خلال لغتك الإبداعية، التي تتم عبرها ترجمتك لهذه الموصوفات إلى أفكار ومشاعر، فهي لا تخبرك بما تعاني أو بما تفكر، لأنها في الأصل لا تعاني ولا تفكر، ولكنها تعبر عما تتركه في نفسك من أثر، وعما تحس وما تفكر به، على أساس أن ما تقدمه من أشياء موصوفة ليس كما تراه أنت، ولكن كما تراه شخصياتك.

و من عناصر تشكيل الوصف، أن تعتمد على الحواس باعتبارها أدوات بناء الحدث وتشييد العالم الفني لقصتك، لكن توظيفها يجب أن يكون بالقدر الذي يحقق للنص وظيفته الفنية والجمالية. والحواس تستدعي محسوسات من جنسها، فالعين لا يمكن أن ترى إلا الأشياء المادية المرئية، والأنف لا يشم غير الروائح، والأذن لا تسمع غير الأصوات... وما يجب أن يميز هذه الحواس، أن تُوظفها توظيفا إيحائيا يسهم إلى حد بعيد في تطوير الحدث والمضيّ به قدما نحو الأمام. وهذه الحواس يمكنك أن تستعملها استعمالا مجازيا، فتجعل من الأنف على - سبيل المثال- يستقطب بواسطة الشم رائحة الغدر والخيانة، والأذن تستقطب بواسطة السمع صوت المجد والانتصار وهكذا...

ليس من الضروري أن يقتصر وصفك على ما هو ظاهري من خلال تقديمك للمرئيات اعتمادا على حاسة البصر، بل بإمكانه أن يتغلغل إلى ما وراء المرئي ليكشف عن المشاعر والانفعالات والمواقف، أي الكشف عن مكنون الشخصية وباطنها.

ومن حيث طريقتك في الوصف، فيمكنك الانتقال من العام إلى الخاص، منطلقا من تقديم أوصاف عامة متوجها نحو الجزئيات والتفاصيل، كما يمكنك الانطلاق من الجزئيات والتفاصيل لتبني عليها أوصافا عامة شاملة.

أما الحوار فهو التخاطب الذي ستجعله جاريا بين شخصيتين أو أكثر من شخصيات قصتك. ويقتضي تعاقب المتحاورين على الكلام بالإرسال تارة وبالتلقي تارة أخرى. يمكنك توظيف الحوار في قصتك كما يمكنك الاستغناء عنه إذا لم يكن الغرض منه ضروريا. واختيارك للحوار يأتي لتُحقّق أغراضا، أهمها إبراز ما تخفيه الشخصيات من أحاسيس ومشاعر وأفكار ودوافع، من خلال منحها فرصة التعبير عن نفسها بنفسها لتقترب أكثر من المتلقي وهي تتكلم، وكأنها حقيقية واقعية، وليساهم الحوار أيضا في بناء الحدث في قصتك ونقله من مرحلة إلى أخرى، بالإضافة إلى أن اختيارك للحوار سيبث في نصك القصصي إيقاعا من الحركية والحيوية، بعيدا عن رتابة قد يحدثها طول السرد. امنح كل شخصية داخل الحوار صفات خاصة بها تميزها عن باقي الشخصيات الأخرى من خلال اللغة التي تعتمدها، وهي لغة يجب أن تكون مناسبة لمستواها الفكري والثقافي والاجتماعي، علما بأن لغة الحوار ليست لغتك أنت باعتبارك كاتبا، ولكنها لغة الشخصيات التي تمثلها، فلا يجوز - مثلا- أن تجعل شخصية أمية لا تمتلك ما يدل على علاقتها بالفكر والثقافة، تتكلم لغة راقية ذات أبعاد إيحائية فكرية فلسفية قابلة لتأويلات عدة، فسيكون هذا تناقضا صارخا بين تكوينها التعليمي واللغة التي جاءت على لسانها في الحوار، بل يجب أن تجعل لغتها سهلة بسيطة قريبة ممّا يدور على ألسن الناس في حياتهم اليومية، لكن بعيدا عن الثرثرة والإسراف في الكلام الزائد الذي لا يخدم تطورها وتطور الأحداث في قصتك. هكذا، فإن الشخصية التي تشتغل عليها في قصتك، هي لغتها التي توظفها في التعبير عن فكرها ووعيها وثقافتها وحالتها السيكولوجية.

وأنت تنسج الحوار، تجنب ما أشرت إليه وأنت تسرد، كأن تقول على لسان السارد:

قال لها بأنه سيغادر هذه المدينة لأنه لم يعد يطيقها: - لم أعد أطيق هذه المدينة، سأغادرها.

تجنب أيضا السقوط في تكرار" قال، يقول"، يمكنك الدخول مباشرة في الحوار دون اللجوء إلى فعل " القول" أو ما يدل على معناه (قال لها... وقالت له... فردت عليه قائلة، ثم أردف قائلا...). ولتبتعد عن السقوط في المحادثة اليومية المبتذلة التي تدور عادة بين الناس، وجّه حوارك نحو التكثيف والاختزال بانتقاء المفردات والتراكيب المناسبة، ذات بعد فني إيحائي ينفذ إلى جوهر الأشياء مهما كان الحوار أمينا في نقل واعتماد لغة الواقع.  

كما يمكنك توظيف الحوار الداخلي، وهو غير منطوق وغير مسموع، حوار فردي يدور بين الشخصية وذاتها، حيث تكون مرسلة ومستقبلة في الوقت نفسه، توظفه في مواقف معينة لاستجلاء الحالة النفسية والمقاصد التي تنطوي عليها الشخصية، خاصة إذا كانت هذه الشخصية متأزمة غير قادرة على الكشف بشكل مباشر وصريح عن دواخلها من الأحاسيس والمشاعر والأفكار (الاغتراب، الوحدة، الضياع...) 

علاقة الوصف بالحوار علاقة بنائية تقتضي الاهتمام في قصتك، لاسيما أن الوصف والحوار لا يتداخلان كما السرد والوصف، لهذا فتنسيقك بين الوصف والحوار ضروري حتى يظهر الوصف في مظهر مناسب للحوار لائقٍ به.

(يتبع)

 

نجيب الخالدي

.............................

المراجع:      

- عبد الملك مرتاض، في نظرية الرواية، بحث في تقنيات السرد، سلسلة عالم المعرفة، ع 240، س 1998

- عبد اللطيف محفوظ، وظيفة الوصف في الرواية، دار اليسر للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1989

- دراسات موصلية، العدد السابع والعشرون 2009 

- دراسات، المجلد 33، العدد1، السنة 2006

- علي عز الدين الخطيب، الحواس الخمس في قصص لطفية الدليمي، دراسة تحليلية لأدوار الحواس في بناء العالم القصصي، مجلة كلیة التربیة/ جامعة واسط، العدد التاسع 2011

- فاتح عبد السلام، الحوار القصصي: تقنياته وعلاقاته السردية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 1999

 

 

 

جمعة عبد اللهللكاتب حسين فاعور

قبل الدخول في تفاصيل النص الروائي والحدث السردي وتقنياته. بأن الكاتب أعتمد على الاسلوب القديم الكلاسيكي في عالم السرد، في تعاطي مع السرد في مواصفاته وطريقة عرض الاحداث وابراز تفاصيلها. وكذلك في تقنيات السارد بضمير المتكلم، الذي ادار المتن الروائي حسب ماجاء في المذكرات الرئيس، بطريقة العرض الخطابية والتقريرية السردية الحكائية، في كشف ورصد الاحداث. وطريقة تقديم الشخوص المحورية، في الرصد اليومي، وهو يتحدث عن الحياة اليومية ونشاطها في القرية، التي تعتمد في مورودها اليومي ومصدر حياتها وعيشها ومصيرها هو (البئر). طريقة البناء الفني للنص الروائي تعتمد على صيغة السارد الحاكي في عرض سيرة الحياة الذاتية للرئيس، المرتبطة بموقعه في القرية (رئيس مجلس القرية) وتعمد الكاتب في عدم وضع اداة التعريف (رئيس / الرئيس) حتى لا يكون التشخيص بشخص معلوم ومحدد بعينه، وانما جعلها كلمة (رئيس) تخص كل رئيس في بلداننا العربية، من رئيس قرية الى رئيس الجمهورية. في ابراز الاحداث وكشفها، سواء كانت للقرية أو رئاسة الجمهورية. في كشف الاحداث الجارية والبارزة في الشأن الاجتماعي أو السياسي في الادارة واسلوب التعامل في الشأن الحياتي. والكاتب برع في مسك خيوط المتن الروائي من خلال شخصية السارد بضمير المتكلم. من عرض الاحداث الحساسة تتعلق بحياة القرية وتفاعلها مع الاحداث اليومية الجارية في التفاصيل الدقيقة، المتمثلة في قضية (البئر) الذي يشكل عصب الحياة للقرية، ومصدر عيشها ورزقها اليومي، فهو مصدر ثرواتها في تفاصيلها اليومية. والحدث السردي يطرح مسألة في غاية الاهمية والحيوية في دلالاتها البليغة. وهي ايضاً مسألة الوطن، وكيف يتم التصرف به. وكيف يتم بيعه الى الاجنبي. واستغلال ثرواته وخيراته لصالح الاجنبي، ويحرم اهل الوطن والارض من هذه الثروات. وهي تدخل في الصميم في كيفية استغلال المنصب والكرسي، والحفاظ على صولجان السلطة، تجعل المسؤول عن السلطة والادارة، ان ينزع ثيابه ويكشف حتى عن عورته ويدوس على شرفه وضميره، من اجل استرضى الاجنبي لضمان بقاءه في المنصب والكرسي. وان تكون للاجنبي اليد الطويلة في مقدرات الوطن ومستقبله ومصيره، والنموذج الصغير هو القرية وبئر الماء. وهي حالة عامة في البلدان العربية في بيع اوطانها بسعر زهيد لكل من يضمن بقاء المنصب والكرسي لهم، ويعتبر الاجنبي المالك الوحيد والشرعي. فمن الطبيعي ان تذهب الثروات البلاد، سواء كانت بئر ماء أو بئر بترول، نفس القياس والمعايير. في الاستغلال والاستحواذ. لذلك نجد السيمائية الدالة للبئر في القرية ورمزيته تشمل الواقع الفعلي لكل حاكم عربي. فالبئر هو يمثل رمزية الوطن الدالة. لذلك الكاتب يدخلنا في تفاصيل الاحتدام بين اهالي القرية، بين من يرفض البيع، وبين من يدعم بيع البئر الى الشركة ألاجنبية. ويعرض حالات الزيف والتحريف والتلاعب بالعقول بالنفاق والدجل، بأن هؤلاء من يمسكون صولجان السلطة، هم اولياء الله على الارض والبشر. في قلب المعايير الى صيغ جديدة تخدمهم في البقاء في سدة الحكم، حتى في استخدام اتعس المعايير الهابطة والرديئة، بشكل داعري فضاض في قيمه الهابطة والساقطة، وبالاعتماد على الاقلام المأجورة التي تقيم صلاة المجد لكل من يدفع لها مالاً (صار الكذاب هو الصادق، والخائن هو الامين. والقاتل هو البريء، صار الكذاب يدعو الناس الكف عن الكذب، والقاتل ينادي بوقف القتل، والسمسار يقود الامة، والسارق يعين أميناً على الاموال العامة) ص25. بهذا الشكل يرسم مواصفات الحاكم والمسؤول، بأعطائهم صفات اولياء الله على الارض وامراء البلاد هم رجال صالحين. حتى لو مارسوا الدعارة والقوادة من اجل المنصب والنفوذ، مثلما كشف رئيس القرية في مذكراته، بأنه اصبح قواداً للبغي والدعارة في تقديم خدماته لكل من يساهم في تدعيم الكرسي. وما على الناس سوى الاطاعة وهي من امور الدين وشريعة الله. وهم شراذم وحثالات عفنة، وكل واحد منهم يمثل الشيطان بحد ذاته، في استخدام النفاق الديني لضحك على الاغبياء والجهلة. هذه سخرية واقعنا العربي الفعلي. فهؤلاء الحكام هم مصاصي الدماء لشعوبهم، ولكن المضحك / المبكي يتسترون بجبة الدين، لترويج بضاعتهم الفاسدة. مثل التريج بأن ماء البئر ملوثة تجلب الامراض والاوبئة. وبيعها الى الشركة الاجنبية، هو يصب لصالح ومنفعة اهالي القرية، وسوف يجلب لهم منافع كثيرة، حيث تزدهر الزراعة ويكثر الحصاد والحقول، وتكثر البساتين العامرة بالفواكه والخضروات. وتشرب القرية الماء النقي الصالح للشرب، وتعيش القرية في بحبوحة العيش والازدهار، في بيع البئر للشركة الضامنة، مثل بيع آبار النفط الى الشركات الاجنبية. ويأخذنا المتن السردي الروائي في درامية البيع للبئر، بين فريقين معارضين ولكل منهما مبرراته وحججه وذرائعه التي يستند عليها في المحاججة. ويعرج الى مسألة الانتخابات وكيف تدور في الاروقة السرية في شراء الاصوات والذمم، والتلاعب والاحتيال والزيف، بمعنى تتحول الى انتخابات شكلية وصورية. طريقة الترويج الانتخابي. والاعتماد على الدين والقبيلة والعشيرة والملة في انتخاب أبنهم البار، لكي يكون في خدمتهم، وبالشعارات المزورة والمخادعة. لكي يكون حال الناخبين مثل حال قطيع الخرفان يسيرون خلفهم بالطاعة العمياء (أما انتم فيخدعونكم ببعض الشعارات التي تدغدع غرائزكم، فتسيرون خلفهم كالقطيع، يلهونكم ويخدعونكم بانهم يخوضون معارك بطولية من اجلكم، بينما هم في الحقيقة يخدمون السلطة ويسترون عورتها) ص105. وبالتالي حسمت مسألة بيع البئر لصالح الشركة الاجنبية. واصبحت المالك الشرعي. فأنقطعت مجانية الماء، وانما اصبح الماء لمن يدفع. وكانت النتيجة المأساوية في التنازل عن البئر والتفريط به (بعد خسارتنا للبئر جفت البساتين والحقول التي كانت تزود القرية بكل ما تحتاجه من الفواكه والخضراوات..... الماء والتراب هما اصل الحياة، وعندما فقدنا البئر، فقدنا الكثير من مقومات وخصائص حياتنا التي تحولت الى جحيم) ص126. فأهملت البساتين والحقول وتوقفت الزراعة، وانتشرت البطالة. واصبحت الحياة اكثر معاناة وارهاقاً.

هذه المنصات التي كشفها الحدث السردي من خلال ماجاء في (مذكرات رئيس). وهي تكشف كيف يلعب الابناء المحليين في بيع الوطن لصالح الاجنبي

 × الرواية : البئر الملوثة / مذكرات رئيس

× المؤلف : حسين فاعور

× عدد الصفحات : 134 صفحة

× تاريخ الاصدار : عام 2018

 

 جمعة عبدالله

 

 

 

عبد الاله الياسري"أشعار مقاتلة" هي الجزء الثاني من الأجزاء الثلاثة المتكوِّنة منها(المجموعة الشعريّة الأولى، الطبعة الأولى 1998م)، للشاعر الدكتور جودت القزوينيّ.  وهي تحتوي على ثلاثَ عشرةَ قصيدةً.  تمتدّ من ص109 حتّى ص165 في مجموعته الشعريّة المذكورة. وليس قوله:"مقاتلة"وصفاً مجازيّاً لأشعاره. إنّما ذلك، باعتقادي، وصف حقيقيّ؛ لأنّ الشعر هو فكر مصاغ بأشكال جماليّة متفاوتة كمّاً أو كيفاً، رغم كلّ الأزياء المفهوميّة المتضاربة حول معنى الشعر. والفكرة، وإن كانت مجرّدة، قد تتحوّل إلى قوّة ماديّة فاعلة إجتماعيّاً، إذا آمن بها الإنسان، وعبَّر عنها. وقد يكون فعلها قتالاً كما فعلته "أشعار مقاتلة"التي لاتُصنَّف مع الشعر العراقيّ الحالي، وإن كانت من عصره، لأنَّ معظمه ساكت عن سلطة بني العوجة(**)، وطغيانها..  إِنَّ الشعر العراقيّ لم يسكت تاريخيّاً، عن سلطة الدولة الظالمة، لاقديماً ولاحديثاً؛ بل ظلّ يقاتل ــ على سبيل المثال ــ سلطة بني أميّة بأشعار الكميت بن زيد الأسديّ وغيره، وسلطة بني العبّاس بأشعار دعبل الخزاعيّ وغيره، وسلطة المحتلّ الأجنبيّ بأشعار ثورة العشرين(1920م)، وسلطة العهد الملكيّ بأشعار الرصافيّ والجواهريّ وغيرهما من الشعراء الوطنيّين. وحسْبُنا دماء الشاعرينِ بشّار بن برد والمتنبي، واضطهاد جميع الشعراء العراقيّين المعارضين، دليلاً على استمرار المذهب القتاليّ، في شعر أهل العراق، رغم التضبيب التاريخيّ، بضغط من سلطة الدولة القمعيّة، على حقائق مواقفهم. غير أنّ الشعر العراقيّ الحالي قد سكت عن سلطة العصابة المتسلّطة  على بلدنا العزيز (العراق) منذ عام 1968م. وسبب سكوت الشعراء العراقيّين عنها لايرجع إلى خوفهم من قمعها السلطويّ وحده، لأنّ قمع السلطة للشعراء المعارضين وسيلة مشتركة بين جميع السلطات الأستبداديّة التي حكمت العراق؛ بل يرجع إليه، وإلى سبب آخر:هو انفصال معظم الشعراء العراقيّين المعاصرين عن تراثهم الثقافيّ، وعن قيمهم الوطنيّة والنضاليّة تأثّراً بالثقافة الأوربيّة ـ الأمريكيّة المترجمة، وانسياقاً أعمىً أمام دولار الثقافة النفطيّة. فالسكوت، إذاً، هو القاعدة العامّة؛ لكن لكلّ قاعدة استثناء. والمستثنى من السكوت هو الشعر المعارض للسلطة الأستبداديّة.  وهو شعر قليل جدّاً. والمستثنون من الساكتين خوفاً او طمعاً أو ضياعاً هم بضعة شعراء معارضين. مازالوا يقاتلون في مواقعهم الوطنيّة بذلاً في سبيل الوطن؛ لكنَّ كلّ فرد منهم  يكاد يساوي وحده جيشاً كاملاً، بعد أن ضعفت روح القتال الجماعيّة عند شعراء العراق اليوم، وسكتوا تاركين وراء ظهورهم مسؤولياتهم الوطنيّة والتاريخيّة ــ ورحم الله الشاعر محمد سعيد الحبّوبي الذي لم تمنعه شيخوخته، من حمل السلاح دفاعاً عن وطنه المحتلّ في العشرينيّات ــ ومن ذلك الشعر القليل المستثنى من السكوت "أشعار مقاتلة". ومن أولئك الشعراء المستثنين من الساكتين الشاعر جودت القزوينيّ الذي قلَّت جراته بين الشعراء في مقارعة الحاكمين الظالمين.. لاأريد أن أقوم بعمل نقديّ لتقييمه أو تقييم أشعاره المميّزة معنىً ومبنىً، لأني لست مؤهَّلاً للقيام بمثل هذا العمل الأدبيّ الشاسع؛  لكنّي أريد أن أكشف قيمة قصائده المقاتلة، فأُنبّه إلى أهميّتها الفكريّة والوطنيّة، لأنّها فكّرت بمواجهة سلطة الدولة غير المفكَّر في مواجهتها، والمسكوت عنها في الشعر العراقيّ اليوم.. إنّ سلطة الدولة الحاكمة في العراق مذ ثلاثين ونيّف حتّى يومنا هذا - وهي عصابة مجرمة - اعتبرت كلّ من لم ينخرط من العراقيّيين، في تنظيماتها الأرهابيَّة، معارضاً لها، حيث كانت تقول:"من ليس معنا، فهو ضدّنا". وبناء على هذا الشعار الإرهابيّ، انقسم العراقيّون ــ والشعراء جزء منهم ــ إلى معارضين (ليسوا مع السلطة) كالشاعر جودت القزوينيّ؛ وإلى موالين (مع السلطة) كالشاعر عبد الرزّاق عبد الواحد، وأمثاله من عبيد العصابة الذين عبّر عنهم الشاعر القزوينيّ في قصيدته:"سقط القناع". ص127. قائلاً:

"أَيدٍ تناهبت الرؤوسَ فلم يعدْ * إِلَّا صفيقٌ يمدح الحكَّاما"

وكان المُرتجى من الشعراء العراقيّين المدفوعين إلى المنافي، بأسباب سياسيّة، ألَّا يسكتوا بأَشعارهم عمّن أَخرجهم من بلادهم قسراً، وشرَّدهم في المغتربات؛  لكنّ العكس هو الحاصل، على الرغم من غزارة نتاجهم الشعريّ، وتعدُّد موضوعاتهم التي خاضت أبعد مايخطر في الذهن إلّأ موضوع الحكومة الجائرة في بلدهم العراق. وإذا أشار إلى ذلك بعضهم في هذه القصيدة أو تلك بعبارة ما؛ فهي إشارة لا تكاد تعبّر، في الحقيقة، عن موقف نضاليّ واضح، لأنّها انفعال مؤقّت لموقف جزئيّ من السلطة الظالمة.. إنّ هذا المسكوت عنه، في الشعر العراقيّ الحالي، واللامفكَّر فيه، احتلَّ المساحة كلَّها في"اشعار مقاتلة"للشاعر القزوينيّ؛ ليُشكِّل موقفاً كلّيّاً ثابتاً، قد أَكسب قصائده خصائص فكريّة ونضاليَّة، يفتقر إليها الشعر العراقيّ في المنافي.  أَذكر منها: أوّلاًـ تناولُ رأس السلطة (صدّام) وحزبه (البعث) صراحة، دون تردّد أو تهيّب، ودون أيّ حساب؛ لأنَّ الحسابات هي من شأن التجّار المصلحيّين لا الشعراء المقاتلين. إذ يقول فيه:

"أَصدّام ياعـــورةَ الكائنـاتِ * وياصوتَ عاهرِها المُخجلِ

تعرَّشتَ فوق جماجـمِ شعبٍ * يُكبَّــلُ في عقلِــــك المُقفــلِ

فيا أَسوءَ النـاسِ من معشــرٍ* يعيشون بالكونِ من معـزلِ

خسئتَ فلستَ ببـالــغ قصـدٍ * ودرب الشـهــادة منّي ولي"

ص113. من قصيدة"أتيناك يا أرضنا". ويقول فيه أَيضاً:

"وياربيـب الخنـا لو كنـتَ ذا غِيَـرٍ* مااستعبدتك بوادي الغرب أَسيـادُ

إلى العروبـــة تُنمى ياابن زائفــةٍ * وأنـت للعهــرِ قد لفَّتـــك أَجــــدادُ

صدّام لا دار طهـر قد تركت ولا * بيتاً به ـ من ثقات الخلق ـ عبّـادُ"

ص159. من قصيدة "حديث الجراح". ومن قوله فيه كذلك:

"نصَّبك القدر الملعون رئيساً

وأَكفّ الغرب على ظهركْ.

وجماجم شعب ترفع كرسيَّكْ

أحفر ذاكرتي مبتعداً عن اخباركْ"

ص123. من قصيدة"هذا جسرك يابغداد".  ومما يقول في حزبه:

"بَيْنَا يسـوسُ العـربَ فَـدْمٌ أَحمقٌ * تركَ العروبــةَ هيكلاً وحطاما

يشوي الوجوهَ على مذابحِ بعثــه * ويرشّ أَفياءَ العــراق حِمامـا"

ص127. من قصيدة"سقط القناع".

ثانياً ــ تبنِّي مصلحة الجماعة المظلومة في العراق. وتتجلَّى قيمة هذا الموقف وأهميّته الوطنيّة، إذا قورن بشعر المنفى العراقيّ الذي لا يكاد يعبّر معظمه اليوم إِلاّ عن الهموم الذاتيّة والأحلام النرجسيّة. ومن شعر القزوينيّ في هذا الإتجاه الغيريّ قوله:

"وطنٌ تقاسمت اللئام ترابَه * فغدا ثكالى أَهلُه ويتامَى"

ص127. من قصيدة"سقط المتاع". وقوله:

"فتعالي تفحّصي كلَّ شبرٍ* من أَراضيك يا ضحايا العراق"

ص117. من قصيدة"مرثاة الشهيد". وقوله أيضاً:

"لم يهدأْ الجرح فالثأر الطويل لنا * وليس يجهل جرحاً من يعانيهِ"

لاحظ ضمير الجماعة في قوله"لنا". ص117. من قصيدة "مرثاة

الشهيد" نفسها مع اختلاف القافية. وقوله كذلك:

"آلافٌ في الوطن المجروح يعيشون بلا فمْ وآلافٌ من غير لسانْ"

ص123. من قصيدة"هذا جسرك يا بغداد".  ومن قوله البيت الآتي:

"دعْ ذكرَ بغداد إن لم تنتفض خجلاً * حتّى تُردَّ لأهلينا الكراماتُ"

لاحظ ثانية ضمير الجماعة في قوله"أهلينا"تأكيداً على المصلحة الإجتماعيّة العامّة. ص137. من قصيدة"مرثاة الشهيدة بنت الهدى".

ثالثاً ــ تمجيد الشهداء والثوّار، والإقتداء بسيرهم البطوليّة في سبيل الحقّ والعدالة. وقد خصَّ بعضهم بقصائد مطوَّلة تشيد بمواقفهم البطوليّة ضد الظلم والطغيان. وتؤكّد خلودهم الأبديّ. وممّا يعبّر عن بطولات بعضهم قوله:

"إنّي رأَيتك صقراً كيفما اتجهتْ *  له البغاث قويّاً ليس ينهزمُ"

وقوله في القصيدة نفسها:

"فكان رأسك مرفوعاً بهامته * وفوق راسهمُ تعلو لك القدمُ"

ص164. من قصيدة "في موكب الشهادة". ومما يعبّر عن خلودهم قوله أيضاً:

"خسأَ البعث أنت مازلت سيفاً * تهب الخلقَ ثورةً كفَّاكا"

ص155.  من قصيدة "الإبحار في أفق الدم".

لقد تجاوز الشاعر القزوينيّ في قصائده هذه، مفهومي الموت والحياة السطحيين، مؤكّداً عمق حياة الشهيد بموته، وعمق موت الطاغية بحياته. ومن تعبيره عن هذا المعنى قوله في الشهيد:

"هل أنت متَّ؟قتيلٌ فَتَّ قاتلَه * فأنت حيٌّ، وإنَّ الميّتين همُ"

ص164. من قصيدة "في موكب الشهادة".

رابعاً ــ الدعوة إلى الثورة والتضحية من أجلها، لتغيير الواقع أملاً بحياة فضلى. وممَّا يدلّ على هذه الفكرة الثوريّة، وما يتمخّض عنها من عواقب، قوله:

"كما لاح بـرقٌ فلُحْ للجهــادِ * فقــد آنَ للظلـــم، أنْ ينجلي

تقدَّم أَخا الحرب بين اللهيب * وسـدِّدْ رصاصك للمقتــلِ

تقـدَّمْ تقـدَّم فكــلُّ الطلائـــــع * تهفو إلى سيـرك

الأمثـلِ"

ص113. من قصيدة"أتيناك يا أرضنا". ومثله قوله:

"فاطبق على زمرة الكفّـار منتقماً * واقطع عن الأرض رجساً من أياديهِ

وليـس تُـربُــك محميَّـاً بمعجــــزةٍ * إنْ لــم تكنْ كفّـك الخضبـــاء تحميهِ"

ص117. من قصيدة "مرثاة الشهيد".

في هذه الخصائص الأساسيّة الأربع، التي يمكن تلخيصها بـ(معارضة السلطة،  والتزام مصلحة الجماعة، وتمجيد الثورة والشهادة، والتضحية حتى الخلاص)، تتجلّى أَهميَّة"اشعار مقاتلة" للشاعر القزوينيّ مقارنةً بنرجسيَّة غالبيَّة الشعر العراقيّ في المنافي حالياً.. إنَّ معارضة الشاعر الوطنيّ القزوينيّ للسلطة الإرهابيّة المتسلّطة على وطنه العراق بشعره الجرئ حقاً، ليست تدخّلاً منه في الشأن السياسيّ، أو رغبةً في المشاكسة الفنيّة؛ بل هي حالة طبيعيّة من حالات دفاع الكائن البشريّ عن جوهر وجوده، حيث جوهر وجود الإنسان يكمن في أنّه كائن مفكّر، وفي أنّه يعبّر عمّا يفكّر فيه. وعندما تريد سلطة مستبدّة من إنسان مفكّر أن يكون معها أي أن يتنازل عن عقله بمفهومها السلطويّ، ليفكّر بعقلها هي؛ فلابدّ أن يعارضها ويحتجّ عليها تأكيداً لوجوده وكينونته البشريّة، لأنّها تريد أن تصادر كنه حياته وقيمته الإنسانيّة، وتجعله يقبل موته. وإذا كان الخضوع لها هو الموت عينه، فإنّ الإحتجاج عليها هو الحياة عينها، لأنّ في الأحتجاج دليلاً على استمرار التفكير وقدرة الإنسان على التعبير عنه.. وهذا المعنى هو مادلّت عليه قصائد"أشعار مقاتلة". وهو ردّ فعل طبيعيّ للشاعر الإنسان (القزوينيّ). ولكلّ عراقيّ يشعر أنّه إنسان موجود وله قيمة في الحياة، لكن غير الطبيعيّ هو أن يسكت الشعراء العراقيّون في المنافى على من شرّدهم وظلم شعبهم وخرّب بلادهم. وسكوت الشعراء العراقيّين في الخارج حالة عجيبة تحتاج إلى دراسات في علم التحليل النفسيّ لكشف أسرارها. أقول هذا إضافة إلى أنّها ، أي "أشعار مقاتلة"، تغري المتلقّي بالثورة على الظلم والطغيان مؤكّدة أنَّ الحياة في التضحية والشهادة كلتيهما، لأنّهما هما طريق الخلاص الوحيدة، لتغيير الواقع العراقيّ بما هو أمثل. كما أنّها تسهم  بتأسيس شعر عراقيّ معارض في المنفى تعبيراً عن كلّ حرّ اضطرّ إلى الغربة رافضاً قيود العبوديّة وذلّها في بلاده؛ وعن كلّ معارض حقيقيّ ملجوم الفم، كما أشار لذلك الشاعرّ بقوله:

"فصرت أحمل للأوطان حنجرتي * لمّا تلجّمت الإفصاحَ أفواهُ"

ص148، من قصيدة "صلة الشهيد"

والمُنتظَر، أخيراً، من النقّاد والباحثين أن يولوا اهتماماً خاصّاً للشعر العراقيّ المعارض السلطة الإرهابيّة التي خرّبت البلاد. ولعلّ في محاولتي هذه تحفيزاً وتحريكاً للأقلام النقديّة الساكنة؛ لتسليط الأضواء على ما يستحقّ الأهتمام من أدب المنافي وادبائها العراقيّين الأحرار الذين لم يخضعوا لسلطة الدولة وإرهابها المنظّم..

 

عبدالإله الياسري

...............................

* هذه مقالة جزئيَّة، عن شعر جودت القزوينيّ (1953م ــ 7/4/2020م). نشرتُها قبل تسعةَ عشرَ عاماً، في جريدة "المنبر"الورقيّة،  لندن  بريطانيا،  العدد 77،  صفر1422ه/ أيّار2001م.  وماكنت لأُعيد نشرَها اليوم، لولا رغبتي في إحياء اربعينيّته حبَّاً ووفاء.

** العوجة:مكان ولادة رئيس العراق السابق صدّام حسين. وهي قرية في محافظة صلاح الدين العراقيّة.

 

1509  فلاح رحيم أقرأ روايات فلاح رحيم لأرمم ثلماً في ذاكرتي العراقية. روايتاه (حبات الرمل .. حبات المطر، 2017) و(صوت الطبول من بعيد، 2020) سياق متصل من سيرة الكاتب خلال النصف الثاني من السبعينات وبداية الثمانينات، وهي فجوة انقطاعي التي تبدأ من نهاية ما سمي بالجبهة الوطنية ثم تنتهي بالحرب العراقية-الإيرانية، بينما روايته الأولى (القنافذ في يوم ساخن، 2012) عن سيرته كمنفي خلال حياته الأكاديمية. قرأت الروايتين الأخيرتين متتبعاً زمانهما مستحضراً الأمكنة من الذاكرة، وأشهد أن فلاح أسعفني كثيراً لأنه في منفاه يمسك بالتفاصيل قبل أن تغطيها سحابة النسيان. يحرص، وهو يكتب، على أن يغلق الباب خلفه حين يفتحها دون أن يترك للقارئ أن يعرف ذلك ضمناً من تجربته الخاصة.

 تتجول عيناه خلال الرواية لتُرينا كل تفاصيل الزقاق والبيت، تتفحص أشياء الألفة كأنه يراها لأول مرة، ويتنقل في جبهات الحرب من موقع لموقع، وحيثما ذهب يؤثث المكان قبل أن يضع الحدث فيه، وأحياناً يضحي بالسرد الحركي الروائي لصالح وصف الأشياء الجامدة، الرادارات وأجزاء المدافع وجغرافية المواقع بتفاصيل دقيقة. كتب فلاح رواياته في المنفى حيث يصير استرجاع الأماكن والأشياء جزءاً من مشاغل الذاكرة. يسترجع المنفي التفاصيل ويسميها ليتوهم امتلاكها. وقد دفع فلاح الكثير حياةً ووعياً بهذه التجربة لذلك يحرص على أن يرويها كما هي مكاناً وزماناً.

الرواية وحدها لا تبرر سببها. ينبغي أن يكون هناك سبب خارجي يبرر كتابة الرواية. في (حبات الرمل..) هناك قصة تحت نفس العنوان كتبت قبل أربعة أعوام من بداية حدث الرواية تستدعي الآن التمدد إلى رواية، هذه القصة "تفرض نفسها نولاً للحكاية وطاقة محركة". وفي (صوت الطبول..) يكتب الراوي لأن صديقاً "طلب مني أن أروي حكايته الحربية كما سمعتها منه مراراً". الرواية لم تكتب بذاتها ولذاتها، إنما تلبية لوعد. وفي كلتا الروايتين تُكتب الحياة ثم تعاش لاحقاً كما أقدار الرب.

الخيال في روايات فلاح شحيح. شحة الخيال تقول لنا إن في الواقع الذي عاشه الكاتب، وفي جبهات الحرب بالتحديد، ما يكفي من اللامعقولية. المصالحة بين المخيلة والذاكرة تحدث على أرض الواقع، فقد كتب ما عاشه وما رآه فعلاً كسيرة شخصية. ما يحتاجه الروائي هنا ذاكرة دقيقةً بدلاً من المخيلة. ما عليه إلا أن يلتقط اللحظة الأكثر دلالة، والحياة في جبهات الحرب كريمة بمثل هذه اللحظات: تكفي مثلا صورة السجين والسجان في قيد واحد، تكفي حالة التأهب بدون عدو، أو بعدو لن يأتي، ابتذالات الحياة اليومية وسط الشظايا التي تبحث عن اللحم الآدمي.

تسلسل روايات فلاح يساوي تماماً تسلسل الزمن، لذلك يؤكد "لن أقفز إلى الأمام، لست من المولعين بالعبث بالتعاقب السردي وألاعيب المبتكرين. أنا حريص على استعادة الانتظام والرتابة وسط هذا الاضطراب الشامل." 

في روايتيه (حبات الرمل...حبات المطر) و(صوت الطبول من بعيد). يعكس، كمدني وجد نفسه وسط الحرب، المفارقة الحادة بين الحياة المدنية والحياة العسكرية في بلد بلغ فيه التعارض بين الحياتين حد التناقض بين الموت والحياة.  هذه المفارقة تقسم روايته (حبات الرمل..) إلى روايتين منفصلتين جمعتا في ٦٠٧ صفحات. الخيط الذي يربط تناقض العالمين هو قصة حب معاشة أو متذكرة من وراء المتاريس. للحياتين إيقاع زمني متقارب.. إيقاع الحياة المدنية بطيء، زمن انتظار وتأجيل. كل العواطف مكبوتة ومؤجلة بانتظار وضوح ما. لا يتخذ البطل (سليم) قراراته العاطفية لأن إرادته مسلوبة بسبب وضع سياسي يفوق إرادته. الخوف من الآتي يحكم البطل ويعطل إرادته فيترك الأمور للزمن. حياة سليم منقسمة بين نشاطه السياسي كشيوعي منتمي، وبين عقله كمثقف شكاك بالحزب الذي ينتمي إليه، وبين سعيه لإخفاء هذا الانتماء لأن "البلاد مقدمة على فصل مخيف من المواجهات ولا مكان للموقف الوسط". عليه أن يتوارى ويواري أفكاره وفعاليته، أن يخفي ذاته الحقيقية وراء قناع من الحياد، يخفيها عن أقرب الناس إليه، بما في ذلك أهله وحبيبته. بسبب كل هذه التعارضات والتعارض بين فكره وأقداره فقد تلك الثقة القديمة في أن المرء مهندس مستقبله يصنعه كما يهوى. هنالك ما يشبه السقوط الحر في فراغ شاسع دون تخوم بينة وهو يتخبط متشبثاً بأي جسم صلب ثابت يقيه الارتطام بصلابة القاع، ولا أثر لمثل هذا المرتكز حوله.

المكان في الجزء العسكري من الرواية هو معسكر وسط صحراء على امتداد الأفق وحياة عسكرية بدون حرب تذكر برواية بوزاتي عن "صحراء التتار"، بانتظار عدو غير مرئي و لن يأتي. الحراسات رمزية في "صحراء شاسعة خالية منكشفة لا تسمح لأحد بالاقتراب منه متسللاً...الصحراء المنبسطة الجرداء تحتمي بانكشافها." والموقع الذي تجري فيه الرواية لم يكن مستهدفاً من أحد، كان هامشاً بعيداً عن اهتمام الجميع في المدن الآهلة. ما من عدو، المكان نفسه هو العدو: "حر الظهيرة المجنون وعواصف التراب ووقت العصر حين تغطس الشمس في الرمال يكثف الإحساس بالوجوم والقنوط حيث لا ظالم ولا مظلوم، سعيد أو تعس ...هذه التصنيفات تصح في المدن الآهلة...الصحراء لا تميز في حصصها من القسوة." في مواجهة هذا الأفق الموحش ينصرف الجندي "إلى إحصاء خساراته والتوجع مع نفسه."

في هذا الجزء من الرواية وبانتظار اللاشيء يهيئ فلاح لروايته القادمة.

كاتب الحرب

شروط كاتب الحرب تنطبق تماماً على فلاح رحيم. هذه الشروط حددها صموئيل هاينز في كتابه "حكاية الجند" (ترجمة فلاح رحيم) "ما يناسب مذكرات الحرب أن يكون الكاتب في وسطها، وثيق الصلة بأحداثها، لكنه بعيد الصِّلة عن قيمها، غريباً عنها، شاهداً عليها إلى جانب كونه جندياً فيها، يحس بالحرب لكنه لا يحبها."  ففي الخندق وبانتظار الموت الذي يأتي صدفة عبثية، وحيث شظايا القذائف تشق الهواء والفضاء المفتوح فوقه، يسجل فلاح يوميات الحرب كوسيلة لاستعادة المبادرة لفعل شيء يتحدى به استهانة الحروب بوجوده الفردي. لا يتوقف فلاح ليشرح لنا دوافع هذه الحرب واستراتيجياتها. الحرب قائمة مثل القدر والراوي منقذف وسطها دون إرادة. الشخصيات التي تصنع الحرب وتديرها غائبة. ليست هناك غرفة عمليات وخرائط ولا شخصيات مثل نابليون أو كوتوزوف كما في "الحرب والسلام" لتولستوي. الراوي سليم   يرى الحرب من خلال الأفعال الصغيرة، وحتى المبتذلة للأفراد الذين يقع عليهم عبء الحرب. مشاركين في القتل وضحايا له في نفس الوقت. عشرات الشخصيات العابرة، تظهر مع الحدث ثم تختفي لتنبثق مع حدث آخر.. جنود وضباط صغار تنكشف شخصياتهم في مجاورة الموت: الذي يحلم بشراء سيارة جديدة، والذي لم تسعفه إجازته القصيرة ليرتوي جنساً من زوجته الجديدة، والمراسل المنافق الواشي عند الآمر، نائب الضابط الذي لا يغادر مخبأه...التراتبية العسكرية الصارمة لا تخفي عن فلاح الوقائع التي تكشف جوهر الأفراد في هذه الأمكنة الجهنمية. الشخصيات لا تنكشف في صمتها وسكونها من خلال مونولوغها الداخلي، إنما تنكشف من أقوالها والأكثر من أفعالها وهي في خضم الحدث. الحياة المعاشة لكاتب هذه الرواية، على خيباتها، تعاش في النهاية لأنها تخضع بدقائقها لاختبار الروائي وتسجل بتفاصيلها. التوثيق اليومي للتجربة يحتل الجزء الأكبر من الرواية. بدون التوثيق تتحول الحرب لفاجعة صماء لا تعني إلا للامعنى. تستعاد روائياً بوصفها تجربة لها صلة بالذاكرتين الجماعية والفردية. السرد اليومي بصيغة المفرد، لكنه يشمل الجنود حوله بصيغة الجمع "هل يوجد في رعيل المقر الصغير اثنان متفاهمان دون شائبة؟ أشعر بألم وأنا أجيب بالنفي القاطع..." عيون الكاتب ووعيه يتجولان في الموقع لرصد الحركات والخروج بأحكام.

في روايته (صوت الطبول..) تتناوب ذاكرتان: ذاكرة تتصل بالتجربة المدنية في البيت ومع أصدقاء الجامعة والمقهى وعلاقته مع عمله وبالمركز منها علاقته مع البولونية بيانكا، وهي ذاكرة تسترجع الأحداث بعد وقوعها وتتصل بزمن الكتابة بوعي مفارق ومن زمن حالي يستشرف أحداثاً وقعت في زمان سابق. تجري الحركة الروائية في الحياة المدنية وفق زمن انسيابي يسير مع تتالي الأمكنة من الثكنة ثم محطة الوصول ومنها بالسيارة إلى مدخل الزقاق متتبعاً تسلسل الأمكنة وصولاً إلى البيت.

 ذاكرة أخرى تتصل بتجربته في الخطوط الأمامية. الفجوة بين الحدث وروايته تقلصت لأن الكاتب يروى الأحداث يوماً بيوم، وأحياناً في لحظة الكتابة "أنا أجلس الآن في نفس الحفرة التي اخترتها منذ البداية." الجمل برقية قصيرة بدون استطرادات. والعين التي تشاهد مربكة تدور وتلتقط مشاهد لا على التعيين، والزمن مبعثر حيث نعرف حركة الجنود في النص قبل أن نعرف سقوط القذيفة. السرد هنا يوحي بتشظي الحياة في لحظات القصف العشوائي: "استيقظت في الحادية عشرة ليلاً على أصوات متداخلة وتراكض ... هرعنا جميعاً إلى بنادقنا تملأ آذاننا أصوات الاشتباك الصاخب بالأسلحة الرشاشة. كانت مدفعية الميدان وقتها خارج الحلبة! ارتدى عريف عبد خوذته وجاء ينقل خطوه بحذر كوميدي مبالغ فيه محدودب الظهر داعياً الجميع أن يفعلوا مثله." تمتزج المشاهد الجماعية والفردية، ويمتزج المشهد بالانطباع بعجالة دون حاجة لتفسير.

يهدأ الزمن ويتمدد حين ينفصل عن الأحداث "أتذكر أنني رأيت في أول يوم أصل فيه الجبهة وأسمع صوت القصف أمراً أثار دهشتي...." ها هنا، في انفصال الذاكرة زمانياً عن التجربة تدخل حكمة الكاتب وأحكامه حين يطغى التأمل على فوضى التجربة وحرارتها.

الملل بدل البطولة

الحرب كما يصفها كلاوفتس تدفع الطاقة الإنسانية حتى أقصى حدودها. فلاح، من معايشته الخاصة ومن إنكاره شرعيتها، يثبت العكس فيرينا في روايته "صوت الطبول.." رتابة الحياة على حافة الموت. لا عجب أن يبدأ فلاح روايته الأخيرة من نهاية الاندفاعة الأولى في الحرب العراقية-الإيرانية. يبدأ من حالة الانكفاء والدفاع السلبي والتراجع.

في منفاي، وهو مناف متعددة، تابعت سيل الروايات التي أدرجت تحت عنوان (أدب القادسية) هناك تمجيد للحرب بذاتها باعتبارها مطهّر خلقي. ففي الأحاديث الهامسة بين الرصاصة والرصاصة يعترف الجندي لرفيقه بأن الحرب غيرته تماماً بعد أن كان يفزع من صوت الطلقة، وينحي الكاتب الخوف ليجد جمالاً في ليل البصرة الذي تضيئه قذائف التنوير، هناك حوارات مطوّلة عن "جماليات الاستشهاد في قادسية صدام". الرموز تغتصب الوصف والترددات الداخلية للشخصيات، والسمة الرمزية لتلك الكتابات هي الاقتران الدائم بين الموت والميلاد حيث يأتي الوليد الجديد في اللحظة التي يُقتل فيها الوالد.. هذا الاقتران يتجسد في نصب الشهيد الذي يتجاور فيه سقوط الدرع مع الرحم.

يفند فلاح رحيم أية أسطرة رمزية للحرب. ليست هناك حركات جماعية للجنود حوله. ليس هناك فرد يفقد ذاته ضمن الجمع المندفع، وليس هناك صراخ عصابي (هجوم!) ليست هناك فكرة أيديولوجية مقنعة تبرر قبول الحرب والثمن الفادح.

الفعاليات القتالية خلال الهجوم والهجوم المضاد من جانبه غائبة كلياً والتركيز على ردود الفعل السلبية على فعالية العدو من خلال القصف البعيد: الكل في حالة كمون إزاء قصف معادي ولا بطولات، البطولة، إذا سميناها، تكمن في اعتياد الموت: "الجنود يصوبون حجارة إلى كعب زمزمية، وقد حفزهم رهان الفوز ببعض النقود. ظلوا منهمكين في لعبتهم بينما القصف يشتد حول موقع البطرية." هل هم شجعان؟ يسأل فلاح، ثم يجيب نافياً "الدافع إلى فعلهم ذاك معايشتهم الخوف مدة طويلة". يسخر فلاح من الكليشيهات الصحفية التي تريد أن تربط الشجاعة بعمق الإيمان بالقضية التي من أجلها يحارب الجندي: "لكن من يعش في الجبهة كنفر ضائع، لا صحفي موفد لتسجيل انطباعات سريعة، يدرك كذب هذا التفسير."

بعد قراءة رواية فلاح وقع بين يدي بالصدفة كتاب "الكاتب في الحرب" A writer at  Warللكاتب الروسي فاسيلي غروسمان Vasily Grossman الذي غطى مقاومة الهجوم النازي على الاتحاد السوفياتي في كل الجبهات ومنها ستالينغراد المحاصرة. بين التقارير الصحفية التي كتبها للصحافة اليومية وبين المذكرات الخاصة هناك شرخ بين الكليشيهات الثابتة للمراسل وهو يكتب للصحافة العسكرية خلال الحرب، وبين النبرة الخافتة في يومياته وهو يصغي لأحاديث الجنود "معهم لست بحاجة لأسئلة، كانوا يتحدثون لي دون تصنع ولا عبارات رنانة في بوح صادق عن معاناتهم ومصائرهم." وفي مذكراته ورسائله الشخصية نبرة تأملية متشككة بقصدية واعية في المآسي التي رافقت بدايات الحرب عام ١٩٤١، يتابع مصائر الناس المفجوعين بالحرب بصبر ودقة ووصف دقيق للأمكنة والجو العام الذي رافق الحرب.

التذكر في رواية فلاح، يشمل الأيام العادية والأيام الاستثنائية. بل أن الأيام العادية تحتل معظم وقائع الرواية، ليست هناك بطولات ولا هجمات أو هجمات مضادة، الدفاع السلبي هو الغالب، انتظار القذيفة القادمة ولا يظهر العدو كصورة مجسدة، إنما تأتي قذائفه. في الهجوم أو الهجوم المضاد يفقد الفرد ذاته ويتبع الآخر، وهو القائد الذي ينفخ صافرته ويصرخ بالجمع: هجوم! القتلى خلال الهجوم يتساقطون إلى الخلف تماماً كما الماضي دون أن يلتفت إليهم أحد. في الدفاع السلبي يرسل العدو قذائفه ولا يهجم.. ردود الفعل على القصف البعيد فردية، كل يتصرف حسب طبيعته. فلاح يقتنص بمراقبته ردود الفعل الفردية. "لم يمهلنا القصف الإيراني العنيف الذي تصاعد في تلك اللحظة وأعقب انفجار آخر أعتدة الكدس مباشرة فرصة تأمل ما يعنيه موت قاسم. تفرق الجمع مهرولين إلى مواضعهم تاركين الجثة وحدها وسط أكياس الرمل المسخمة... لجأت مع هاشم إلى موضعنا القريب هذا ننتظر ما تسفر عنه موجة القصف المقصود الموجه هذه المرة... سقطت قذيفة هاون قرب موضع الطبخ وجثة قاسم المتروكة هناك... ظل أزيز اللاسلكي متصلاً كما هو لا تعكر صفوه أية كلمة من الجانب الآخر". هناك موتى في حرب فلاح، لكن الموت نفسه غائب. يقترب الموت فيفقد هيبته، يترك فلاح القتيل كتحصيل حاصل لعبثية القصف ويمر بالجثة مروراً عابراً لثلاث مرات دون توقف. لا يستحق الموت وقفة تفصيل، إنه مجرد فارزة، في السياق المتناثر للحركة العامة. لا يتوقف الراوي ليصف لنا كيف قتل القتيل، لأنه لم يره ولا يريد أن يتفحصه. الموت أكيد وعابر، تتعداه الأحداث الأخرى. الملل يغلب خلال انتظار الموت في الخنادق على الإثارة. خلال القصف البعيد لا يرى الجندي قاتله أو قتيله كما في الاقتحامات.

المثقف أو الروائي؟

يتناوب الروائي والمحلل في روايات فلاح. الروائي يتخلى عن موضوعيته ككاتب من خارج تجربته يصمم مكاناً وزماناً ويضع فيه حدثاً يهدف لتوصيل فكرة عامه. فلاح يدخل في صلب حكايته. وهي في الحقيقة ليست حكاية، إنما شهادته ويومياته عن تجربته الخاصة التي عاشها كجندي في حرب. هي تجربة محولة إلى رواية وليست رواية ذات قيمة رمزية عامة مصممة لتكون كذلك. تنطلق الرواية من فرد لا يقبل تجربة فرضت عليه. تنطوي هذه التجربة على كل ما يخدش البديهيات العامة. فالشجاعة مفقودة في حرب فلاح، وكذلك المهارة، فالضباط مخادعون يسعون للنقل إلى أماكن أهدأ في المعسكرات الخلفية، العادة حلت محل الشجاعة، الحظ حل محل الأقدار الروائية. في نفس الوقت هناك إذعان قسري من خلال تهميش المشاركين وتحويلهم إلى بيادق إزاء لوحة الحرب الكبيرة.

ليس فلاح الروائي من يروي الوقائع، بل البطل سليم المدني المثقف الذي جاء لواقعة يرفضها أصلاً ولا يعيشها بصفتها حياته، إنما يراقبها بعين متشككة، بصفتها قدراً مفروضاً. ولا يستطيع الروائي أن يقف بمعزل عن روايته، إنما يتخلى عن موضوعية باردة، ويدخل الرواية وعالمها باعتبارها تجربته الخاصة وإن كانت تجربة الجماعة أيضاً.

حيلة الرواية تكمن في احتواء الانطباع من خلال السرد. الحوار والوصف يستوعبان أفكار الروائي. لكن روائي مثل بلزاك يأخذ مكان الله وهو يرى شخصياته وأفعالها من الأعلى. يراها ويحكم على أفعالها بمجرد أن تفتح الشخصية باباً لتدخل صالة مقامرين قبل أن تجلس معهم. المثقف المدني سليم يزيح الروائي أحياناً ويهيمن المحلل على الوصاف ويتغلب الحكم على التجربة المعاشة من فوقها. الحكم لا يتداخل مع سرد الأحداث إنما يسبقه أو يليه وتتغلب لغة التحليل على لغة الرواية حين تهدأ الأمور: "اكتشف سليم بعد حين من الصدمة أن أصعب ما في الموت الحياة. الموت ينتمي إلى سكون الأبدية وغفلتها وهو ما تنبشه الحياة وتشاكسه وتتحداه بيأس غاضب. تعذب الحياة نفسها على عتبات الموت وتوغل في تأمل فجيعتها حد التعب والوهن ثم تأتي طقوس المواساة. أبلغ تعليق على الموت هو الصمت، ولكن الحياة لا تقبل الصمت وتبقى تصر على الكلام والمعنى في وجه ذلك الصمت الأبكم. لذلك ينتمي كل ما يقال ويكتب ويفعله الناس في مواجهة الموت إلى ما قبل الواقعة وما بعدها. الواقعة نفسها لا تقبل أي تعليق، إنها النقيض الكامل للكلام والحياة." أحياناً يخرج فلاح عن سياق النص ليعكس لنا بمرارة سخطه على جنود عراقيين يأخذون صورة تذكارية وأمامهم جثث الجنود الإيرانيين الذين قتلوهم.

في لحظة حزن ثقيل يغادر سليم مشاعره الداخلية ليدقق في حركات أهله خلال طقوس الزيارة. هنا لا يكتفي العلماني بالمراقبة الخارجية لحركات الآخرين، إنما يستبطن مشاعره الخاصة ويصدر حكماً: "انتبه سليم وهو يرصد العالم المحيط به أثناء الزيارة وبعدها أنه لم يندمج في طقوسها كلياً وأن انشغاله بتقصي معانيها وطريقة والديه وإنعام في استقبالها قد أفسد عليه ما حصدوا هم منها."

وفي الحالين، في السرد أو الحكم، يكمن العمق في دقة التفاصيل التي عاشها الكاتب وسجلها يوماً بيوم بأعصابه وبوعيه.

 

زهير الجزائري

 

 

محمد تقي جونيقوم (التوزين الجاهلي) يقوم على استشعار النغم والايقاع، بينما علم العروض يجعل التوزين على مقدار وأوقات الحركات والسكنات. واذا كان الايقاع يحدد نوع الوزن الجاهلي، فعلم العروض يجعل الحركات والسكنات هي المحدد للبحور. ونحن لا نستعمل للشعر الجاهلي مفردة البحر بل الوزن، لان الشاعر الجاهلي كان يتعامل مع الوزن ايقاعا ولم يعرف البحر حركات وسكنات، ومصطلح البحر اوجده الخليل.

يقوم الشاعر الجاهلي باختيار الوزن في ذهنه ثم يكتب عليه الشعر. وهذا جعله أكثر حرية في اختيار الوزن لموضوعه لان العملية تكون سليقية وليست بالتفكير شأن الشعراء العروضيين. كما انه أكثر حرية بالتصرف في الوزن واخضاعه وليس العكس لدى الشعراء الاسلاميين الذي يخضعهم البحر لصرامته. فالوزن الجاهلي اكثر مرونة، والشاعر يتحرك في منطقة صارت فيما بعد ممنوعة ومسيجة بالزحافات التي جعلها علم العروض في اضيق الحدود. وكانت تلك المساحة يجول فيها الشاعر الجاهلي لان المهم عنده هو الابداع. وقد سمى العروض تلك التجاوزات (التزحيف الشديد) و(التخليع). فقول عنترة: " ينبع من ذفري غضوب جسرة" لم يقبلها العروض ففيها تزحيف شديد في (ينبع) فالذي ينسجم مع الوزن العروضي (ينباع) لذا صحح الى ينباع مع العلم ان اللفظة لا معنى لها. وكانت (ينبع) مقبولة في الوزن الجاهلي) لانه لا يقوم على الحركات والسكنات بل على الايقاع.

والاوزان الجاهلية مستقلة الايقاع، يعرفها الشعراء دون مسميات. فالاسماء وضعها الخليل. وقد قام الخليل بلمّ وجمع البحور فجعل بعضها تابعا او مشتقا من بعض، فما عرف بالـ(مخلع) جعله تابعا للبسيط مع اختلاف ايقاعهما بشكل واضح. فأين ايقاع:

بغداد يا قبلة الأسود            يا كعبة المجد والخلود

من  ايقاع:

متى ستعرف كم أهواك يا رجلا      أبيع من اجله الدنيا وما فيها

وكثير من المجزوءات هي في الحقيقة الموسيقية أوزان مستقلة.

أرجع الخليل البحور التي أحصاها وهي ستة عشر بحرا الى خمس دوائر. ولم تكن البحور منسجمة في هذه الدوائر، ولا كانت البحور في الدائرة الواحدة ذات روابط ايقاعية حقيقية بينها، وكأنها أجبرت على الدخول في هذه الدوائر وألقيت في غيابتها القاءً؛ لان الخليل وزع البحور على الدوائر بناء على (التقليب) فيقلب البحر الاول ليخرج منه بحر آخر والبحور التي تنتج من البحر الاول يجعلها في دائرة واحدة. وهذه عملية ساذجة تشبه الى حد بعيد عملية (الجقلمبة) التي يمارسها الاطفال. وقد كانت هذه العملية الساذجة هي المحدد لبحور الدوائر العروضية.

الدائرة الاولى:  اسماها الخليل (المختلف) وبحورها:

الطويل: فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلين

المديد: فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

البسيط: مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن

ولا رابط ولا تشابه بينها سوى (فاعلن) الشبه والمشترك الوحيد بين المديد والبسيط. ولذا سمى الخليل الدائرة (المختلف) وهي بالفعل في اشد الاختلاف.

الدائرة الثانية (المؤتلف) ولم تكن تستحق اسم المؤتلف؛ فهي متكونة من بحرين فقط هما:

الكامل: متفاعلن متفاعلن متفاعلن

الوافر: مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن

الكامل مقلوب الوافر تماما؛ الكامل: 3/2 ثلاث متحركات فساكن، فمتحركان فساكن والوافر عكسه 2/ 3. فأين الائتلاف بين مقلوبين متعاكسين؟

والدائرة الثالثة فقد اسماها الخليل (المجتلب) ولا معنى للمجتلب سوى ان بحورها جلبت كيفما اتفق فلا جامع نغمي بينها:

الهزج: مفاعيلن مفاعيلن

الرجز: مستفعلن مستفعلن مستفعلن

الرمل: فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

وهي اشد اختلافا من دائرة المختلف لعدم وجود تفعيلة مشتركة واحدة بين بحورها.

الدائرة الرابعة (المشتبه) وبحورها مختلفة جدا:

السريع: مستفعلن مستفعلن فاعلن

المنسرح: مستفعلن مفعولات مستعلن

الخفيف: فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن

المضارع: مفاعيلن فاعلاتن

المقتضب: مفعلات مستعلن

المجتث: مستفعلن فاعلاتن

فيها اربعة بحور جاهلية وثلاثة بحور مولّدة، وهذا اكبر اختلاف جوهري بينها، وكثير من الشعراء العرب انفوا من الكتابة على البحور المولدة كالمتنبي والمعري. وبدت هذه الدائرة كالخرج الذي يوضع فيه الزائد من الاشياء. وايقاع هذه البحور بعيدة عن بعضها جدا.

أما الدائرة الخامسة (المتفق) فالخليل جعل فيها بحرا واحداً هو (المتقارب) بعد ان استبعد المتدارك حين راضه فلو يروّض ولم تنطبق عليه قواعده. وقد اضافه الاخفش الى العروض. فدائرة المتفق مع من ستتفق وهي من بحر واحد؟!!

ونضيف الى موضوع توزيع البحور على الدوائر، ان الخليل جعل لاغلب البحور تفعيلات نظرية غير موجودة عمليا، ففي الدوائر نجد صورة للبحر وفي الاشعار نجد صورة اخرى. مثل الوافر صورته في الدائرة (مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن) وصورته في الدواوين (مفاعلتن مفاعلتن فعولن) وذهب الخليل الى انها مقطوفة دوما لتكون واقعية.

وهذا يعني ان توزيع الخليل البحور حسب التقليب غير موفق، او في الاقل غير صحيح موسيقيا، بل حتى غير صحيح تفعيلاتيا. واذا كان توزيع البحور المستعملة غير موفق موسيقيا، فان البحور المهملة أكثر بعدا عن التوفيق الموسيقي، وهي  لا موسيقية فيها. وقد حاول الشعراء لاحقا التجربة في الكتابة عليها فلم يفلحوا في كتابة شعر جيد لان موسيقيتها سقيمة.

فيما يخص توزيع البحور، هناك بحور قريبة في ايقاعها، ولكن الخليل فرقها في الدوائر ولم يجمعها في دائرة واحدة. مثلا:

-        السريع والرجز: الفرق بينهما حركة واحدة:

(يرى اسيرا في دواة وكم = سريع)

(يرى اسيرا في دواة أو وكم = رجز)

- الرجز والكامل:

(جادت عليه كل بكر ثرّة = رجز)

(فتركن كل قرارة كالدرهم = كامل) وهما بيت واحد

- الطويل والكامل (اذا جاءت فعولن الاولى تامة والثانية مقبوضة)

(فلا أحزن الله الامير فإنني = طويل)

(لا احزن الله الامير فإنني = كامل

- الهزج ومجزوء الوافر

(فلا كانت ولا كنَّا) يعد هزجا ومجزوء الوافر

- الخفيف والرمل والمديد. اسميتها (البحور الاخوات) لانها تشترك بتفعيلتين وتختلف بتفعيلة واحدة

الخفيف = فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن

الرمل = فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن

المديد = فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

بالمقابل هناك بحور عدها الخليل مجزوءات بحور اخرى وهي متنافرة اشد التنافر. مثل الطويل ومجزوئه، البسيط ومجزوئه (المخلع). والبحور الصافية التي فيها تفعيلة واحدة تتفق نغمتها مع مجزوءاتها مثل الكامل ومجزوئه والرمل ومجزوئه والمتقارب ومجزوئه.

وبهذا ننتهي الى ان علم العروض لم يتعامل مع الاوزان على اساس الايقاع والنغم، بل التقليبات في التوزيع على الدوائر، والحركات والسكنات في تحديد البحور.

 

أ. د. محمد تقي جون

 

 

تشتغل رواية (آلام السيد معروف) لغائب طعمة فرمان في (مكانين مختلفين كل الاختلاف في آن واحد – جاك دريدا) (1) بمعنى أن الرواية تتكون من نصين متداخلين، نص داخل / مقروء، ونص خارج / لا مقروء، فالنص الأول / المقروء، يشير خفية إلى النص الثاني / اللامقروء، الذي يستمد منه خطابه وبنيته وآلياته، واعتماده عليه في فك رموزه.

إن اللامقروء، هو ليس مناقضاً للمقروء أبداً، بل هو المتن الذي يمنح المقروء قوة، وفعالية، مع العمل على انطلاقه في الفضاء الروائي، وهذا يجعله يدخل في تجربة رمزية، تعمل على ترميز مختلفة الظواهر الاجتماعية – التاريخية – الفكرية المنحدرة من الميتانص، ومن هنا يبدأ تشظي النص، ومن الممكن العثور على ذلك التشظي إذا ما قمنا بعملية تتبع النص وحضوره في نصوص أخرى جانبية من خلال تفكيك النص والبحث في أجزائه، فذلك من (شأنه أن يؤدي إلى نمط من أنماط الأرشيف إلى نص ذاكرته معلقة في لا زمانية حاضرة)(2)، والعثور على استفادة النص المقروء من الذاكرة الثقافية المتواجدة خارجه وكيفية توظيفها لإنتاج نص متشظي، وهذا التداخل بينهما يكون كبيراً جداً، بحيث يتعذر علينا التفريق بينهما، لكنه يحقق قراءة شمولية متماسكة تشتغل على نصين، ومنتجة للمعنى المزدوج المتشظي، ومرغمة القارئ في محاولة من أجل إعادة تجميع آفاق النص الدلالية.

والراوي في نطاق الرواية، ليس مجرد ضمير المتكلم، اذ هو لا يمثل المؤلف تماماً، وكذلك من الضروري ألا يقع الخلط بين الشخصية الروائية الرئيسة السيد معروف وبين المؤلف غائب أيضاً، ولكن قد تقترب وجهة نظر الراوي من وجهة نظر الشخصية مثيراً إلى درجة (يتلاشى فيها صوت الرواي في صوت الشخصية، بحيث يصعب التمييز بينهما في كثير من الأحيان) (3)، لكن الراوي يبقى حلقة الوصل المتداخلة بين النص المقروء / السيد معروف، واللامقروء / غائب، بمعنى أنه يتحرك داخل النصين، ويتفاعل معهما بطريقة جدلية – حوارية عالية جداً بالخفاء.

ومما يزيد في تمييز وتفرد رواية (آلام السيد معروف)، هو أنها نص مفتوح، يشكل معاني مفتوحة، وأحداثها دائرية، وباستطاعة القارئ أن يبتدئ من أية صفحة ولكن ليس في استطاعته الانتهاء أبداً، لذا فما على الراوي إلا أن: يروي، يحكي، يسرد، ليجعلنا مطلين على تاريخ الإنسان: المنسي، المضطهد، الإنسان الذي يصنع الحياة الحقيقية والتاريخ الحقيقي بصمت، لذا جاءت شخصية السيد معروف، متناسقة، متألقة، مكتملة، ناضجة، فلقد اعتبرها الروائي الكبير عبد الرحمن منيف: (من أكثر الشخصيات نضوجاً واكتمالاً في الرواية العربية) (4)، وإنها شخصية إنسانية – تاريخية، مشبعّة بروح التاريخ، ومستوعبة لها، تموج بالحياة، والحيوية، لكنها في الوقت ذاته، تقوم بالاحتجاج ضد وحشيته، في مسخ وطمس إنسانية الإنسان، فإن هناك (ملايين عديدة تشعر أنها خارج تاريخ البشر، وربما بلا تاريخ مكتوب، أو على الأقل لا تحس بالتاريخ ولا تعترف به – ص113)، وتعمل على تعرية ذاتها بشكل مخيف، بلا مواربة، ولا تزوير، وهذا يعطيها الحق في أن تكون حالة عامة، أي أن تكون مرآة عاكسة لحياة ملايين البشر، الذين يولدون ويموتون في صمت، ودون أن يثيروا أي همس، أو إشارة تدل إليهم: (لو كان التاريخ هو تاريخ البشر حقاً، لكان تاريخي – ص127)، هكذا يقول السيد معروف عن نفسه، عن وجوده، في نهاية الرواية فلقد قام غائب بتشظية هذه الشخصية الروائية في عمق الذاتية، وفي عمق التاريخ، ولتكون متساوية فيهما، لأنها: حكت وتحكي، وستحكي، عن المأساة الإنسانية: الذاتية – الجماعية، وعن الحلم الضائع، المهدور، المسروق.

والسبب في مجيء هذه الشخصية بهذه القوة، والرسوخ، لأن المؤلف كانت له (صلات عميقة بالحياة الشعبية في أكثر تشعباتها تنوعاً، أي بالحياة الواقعية لجميع الطبقات في المجتمع)(5)، واستيعابه لوضعه، ووضع الناس، والعلاقات الاجتماعية – الاقتصادية التي يمارسونها، فهو يكتب (من الناس، لا من أجل الناس، إنه يكتب عن تجاربهم، من روحهم)(6)، ويرسم خسّة وغباء وفساد الطبقة (الفوق) بسخرية موجعة، من خلال الرؤية الثاقبة للسيد معروف، ووجهة نظره، وعن طريق الشخص الثالث، الراوي الذي (حضوره محرر من الجسد)(7)، كما قلنا، مع القارئ، أو مختفٍ عنه، لكن القارئ يحس به بشدة، وهذا ما شاهدناه منذ السطر الأول في افتتاح الرواية، عندما يعلّمنا الراوي: بجملة إخبارية عن افتتان الشخصية الروائية بالغروب، إلى حد أنه يشترك معها في إعطاء التبريرات لهذا الافتتان (للغروب فتنة لدى السيد معروف لا تعادلها فتنة أخرى في الدنيا كلها. والغروب بعد كل شيء، صار رمز حياته، حياة السيد معروف الآيلة إلى الغروب، حياته الشاحبة المتراجعة المتقلصة، المتراكضة، كالغروب نفسه – ص7-8) فالمؤلف تاه بين رحلة الحلم في المنافي والمأساة في الوطن، وبين جواز سفره غير المجدد، وجنسيته المسقّطة، فعندما حزم ذاته وارتحل، ضاع الحلم والوطن، وخاصة عندما اختار (منفاه في مدينة الحلم) (8)، فرحلة غائب / كلكامش، وصلت إلى طرق مسدودة، وأصبح الحلم من اليوتوبيات، فالمؤلف ما هو إلا نسخة أصلية من منفيي داخل الوطن وخارجه، لذا كان على غائب أن (يلبس الخيبة ويلتحف المأساة)(9)، لحين رحيله، لكنه بقي في منفاه عراقياً حتى النخاع، مسكوناً بروح مدينته بغداد وواقع وطنه ومستقبله، وهذا لا يعطينا الحق في المطابقة بين المؤلف وشخصية السيد معروف، ولكن يبيح لنا المقارنة للقيام بإظهار (المأساة الباطنية)(10)، المستمرة بين أضلاع التاريخ – الاجتماعي، والمعاناة، والغربة، والمرض، عند السيد معروف، ولنعثر على الاختلاف في التفاصيل اليومية، والحياتية، والتطابق في رؤية التاريخ – الإنساني عندهما، ومن خلال ذلك نكتشف وجوهنا، والوجوه التي تشبه وجه السيد معروف، ووجه غائب بكل وضوح، وفي أحيان كثيرة تختلط علينا الأصوات: المؤلف – الراوي – السيد معروف، ونحسبها لواحدٍ منهم، بينما هي في الحقيقة متداخلة، لأنها تمتلك وجهة نظر واحدة مضادة لوجهة نظر المميز منهم والمدير العام: (في مكاتبة رسمية لنفسك بأن تكتب تحويل تفكير.... تفكير من هذا الذي تريد تحويله ؟ الدائرة ؟ الدولة ؟، المجتمع ؟ هذا شيء يحاسب عليه القانون... هذا – ص46).

وكلية النص للرواية كلها، إذا لم تقرأ، قراءة رمزية – تأويلية، فإننا سنظل نتصور أن السيد معروف، (الإنسان النكرة، المضطهد، المحروم، عاشق الغروب)(11)، الحزين، الكئيب، المريض بالمعدة، الموظف في إحدى دوائر الحكومة، كاتب طابعة، وجملته المخيفة الخطيرة (أنا مجرد آلة طابعة – ص38)، جملة تجريدية، في الظاهر، وتفقد دلالتها إذا لم تفسر ضمن الرمزية – التأويلية، ومنظورها المستتر، وقراءتها الموازية للأخرى، لتوصلنا إلى رؤية داخلية مكثفة، لأن النصين، المقروء، واللامقروء، مصنوعان أساساً (من كتابات مضاعفة، وهو نتيجة لثقافات متعددة، تدخل كلها بعضها مع بعض في حوار، ومحاكاة ساخرة، وتعارض)(12)، وهذا التداخل بين النصين، يدفع القارئ إلى حيث لا يستطيع أن يفرق بينهما، وأن يعرف أيهما الحقيقي أو الضمني، لأن السيد معروف يمثل الآخر، والمؤلف من الآخر والقارئ كذلك، وهكذا (يبلغ إيقاع الرثاء مقامه الأخير، ويأخذ شكل الهجاء أو شكل الأدب الساخر في عمل روائي قصير وكثيف وبالغ في الرهافة... والمأساوية هو: " آلام السيد معروف ")(13)، وهذا ما نلمسه في كل الحوارات التي تجري بين المميز أو المدير العام مع السيد معروف، حوارات تبين مدى عمق التصادم والتضاد الفعال بينهم، وكلما يتطور هذا الصراع، يعمل على فضح تفاهتهم، وأساليبهم البربرية في التعامل مع السيد معروف، بشكل أكثر صراحة وعلانية، في العمل على قمعه، وتهميشه، ومن خلال هذا الصراع المحتدم، نكتشف أن محور الأشياء هو الإنسان، عند غائب (ولا سيما الإنسان بوصفه كائناً اجتماعياً – اخلاقياً)(14)، ونرى ذلك بوضوح في الحوار التالي مع المميز:

وضحك السيد معروف ضحكة، باردة قطعها الأستاذ عبد الرحيم

بجملة غامضة:

- ولكن المهم القصد والغاية... الفكرة التي تسيطر على الدماغ وتدمره.

- لم تسيطر أية فكرة على دماغي.

- سيطرت، سيطرت.

- أية فكرة ؟

- كنت تريد تغير لغة المكاتبات الرسمية.

- أبداً والله. ولكني كنت أحب أن ألطفها. وهذا أيضاً تبت منه... حتى الأخطاء النحوية لا يهمني أمرها الان.

- أخطاء ؟ هذه هي الفكرة المدمرة. كل الذين لا يعجبهم شيء، ويريدون رفضه أو تبديله قالوا إنه خطأ، ليأتوا بفكرة من عندياتهم ص43.

مشهد يصور المؤسسة البيروقراطية، ووحدانية فكرها، ووحشية أيديولوجيتها، عندما تعمل على رفض أو اضطهاد أي فكر آخر، وقمع أي تطوير أو تجديد، بل إلى حد اعتباره (فكرة مدمرة)، يجب تجميدها أو إلغائها نهائياً، حسب مفهومهم السوسيولوجي المبتذل، لأن التاريخ حسب منطقهم فوضى، وهو تاريخهم.

تاريخ القوة والنفوذ والمال والسلطة، وهذه العلاقة تخضع لجدلية مادية ولا تخضع للمنطق والرؤية الإنسانيين، ولتساعدنا في الوقت ذاته على فهم المواقف الخفية وغير المعلنة في النص الروائي، وحتمية وجود التغيير في هذه المواقف الواعية، الني ترى معاناة وآلام الناس، حتى ولو كانت في دوائر مغلقة، لأنه كلما يزداد الصراع والتفاعل في النص، يزداد وعي القارئ ورؤيته تجاه وضعه وتجاه العالم، مع ترجمة هذا التفاعل إلى فعل إنساني، يتسم بالغرابة الواقعية، الداخلة ضمن عملية فض بنية المجتمع العراقي، عبر الكشف عن الاتجاهات: الاجتماعية – السياسية – الثقافية.

ولقد رسم غائب طعمة فرمان، الجانب الإنساني على نحو شاعري، ولكن بتجسيد رمزي مخيف، غارق بالتأويل، لأن (تأويل البنى الرمزية يدفع إلى الغور عميقا على لا نهاية المعاني الرمزية)(15)، كما يقول باختين، وعلى ضوء ذلك يكون هدف القراءة هو الكشف عن الواقع الحقيقي الذي يكون خارج النص، من خلال تلاقي النصين المقروء واللامقروء، اللذين نعثر فيهما، على (العمق الإنساني مسكوناً بالآخر)(16)، وللتدليل على ذلك، نقوم بقراءة الصفحات من 110 الى 114 من الرواية، مع عثورنا على ذروة الصراع واحتدامه، المتمثل في الحوار بين السيد معروف والمدير العام، وفي هذه الصفحات تتلخص كلية النص تقريبا مع معرفتنا برؤية السيد معروف الواضحة والصريحة في موقفه من ذاته ومن العالم، المغايرة لرؤية المدير العام المزيفة تجاه الناس والأشياء، المبطنة بإلغاء الآخر، والمصادرة لفكره، واستلابه، وقمع رأيه، ولاستفاضة الحوار وطوله، سأقوم باستعارة الجمل المكثفة بالمعاني والمواقف التي تفي بالقصد وتوضحه:

- وهي مذيلة بتاريخ... حين كنت تعمل في لجنة النشر.

- لا تاريخ يا سيدي

- كيف لا تاريخ ؟

- هكذا ببساطة، لا أذكر تاريخا.

- هل أنت تنكر وجود التاريخ عليها، أم التاريخ بشكل عام ؟

- الاثنين، يا سيدي.

وضع المدير العام القلم على الأوراق مستفزاً، وقال:

- أنت مجرم إذاً، غبي، وغير وطني.

- تؤمر سيدي.

- قلت لك لا تكرر كلمة سيدي.

- أرجو المعذرة: ما هو التاريخ ؟

- أوه... التاريخ، يا بهلول. هو تاريخ الناس. تاريخ البشر.

- لا أعتقد يا سيدي. أرجو أن تسمح لي لهذا النداء اللازم. من قبل كان يا مولاي و الآن يا سيدي. ساد سيادة، هكذا اقتضى التاريخ الذي تعتبره حضرتكم تاريخ البشر، وأعتبره أنا تاريخ المميزين والمديرين العامين وملاك البيوت والمقاولين وأصحاب الأسواق العصرية، ومن شاكلهم وأكل أكلهم.

- اسكت سفيه.. هذا تلقين دعاة السوء والمشاغبين ومقسمي الناس إلى طبقات، هذا تحريف بالقيم.

- هناك ملايين عديدة تشعر أنها خارج تاريخ البشر، أو ربما بلا تاريخ مكتوب، أو على الأقل، لاتحس بالتاريخ، ولا تعترف له.

- اسكت حيوان، حشرة.

- وهكذا نفيتني بهذين النعتين من تاريخكم، يا سيدي.

ومن الملاحظ أن غائب لم يوظف التراث في رواياته السابقة نهائياً، ولم يقترب منه، أما في رواية آلام السيد معروف، فقد وظفه فيها توظيفاً عالياً، باستخدام الرموز التراثية العربية: المتنبي – المعري – الجاحظ – الزمخشري، وغيرهم.. وجاء متناسقاً، ومتجانساً، إلى حد أنه أصبح جزءاً لايتجزأ من النسيج السردي للرواية، مع اشتراكه في تشكيل جمالية النص اشتراكاً فعالاً، بالإضافة إلى إعطاء النص قوة وحيوية وزخماً في التعبير، مع العمل على تعزيزه وتماسكه، كل هذا انعكس على بنية الشخصية الروائية، وتم ذلك بكل مرونة وحرية في التشكيل السردي، واستخدام التراث كمفتاح لقراءة النص، لاستيعابه، لتحليله، لتفكيكه وإعادة صياغته، وهذا يعتمد على المتلقي، فكلما كانت ثقافته واسعة أو نشطة، فإن خياله وتأويله، سيكونان متمكنين من الإحاطة بخفايا التراث في النص.

وتصل إنسيابية استخدام التراث وعفويته، إلى حد أن يجعل القارئ يقرأ الحاضر والمستقبل بعين الماض التراثي، على وفق منظور تاريخي – اجتماعي – سياسي، كما في الفقرة التالية، التي تبين مدى تداخل الموقفين وتوافقهما وتماثلهما تجاه وضعية إنسانية معينة، من خلال رؤية تهكمية ساخرة، بين الجاحظ – السيد معروف، والزيات – المدير العام:

والجاحظ طيب الله ثراه اتقى تنور الزيات برسالة موجعة مفجعة، في الجد والهزل، ينفي عنه التهم الباطلة، ويفرق بينه وبين صاحب نعمته. أنت طويل وأنا قصير. أنت أصلع وأنا أنزع. أنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير. أنت شاعر وأنا راوية. أنت ملك وأنا تابع. أنت مميز وأنا كاتب طابعة. ص61.

ومن حق القارئ أن يتساءل: كيف نستطيع أن نقيم تجربة السيد معروف ؟ بالإضافة إلى ما عرفته آنفاً، فإنه كان يقوم بإعالة (أم عجوز، وأختان عانستان – ص25)، وإنه يمثل أو يشكل: الذات – الآخر، وهو لا يمر في حالة موجود لكنه غير مفكر، أو مفكر لكنه غير موجود، بل هو يمر في حالة موجود وهو يفكر، (أنا موجود، إذن أنا أفكر)، لكن أين يكمن التقاطع ؟ يكمن في أنه ليست لديه حرية التعبير أو الحق في طرح وجهات نظره، مفارقة حادة، أنه النموذج الملغي السائد في المجتمع، مهمش ومعزول، فقط المطلوب منه تنفيذ ما يؤمر به، والخضوع للآخر – السلطة (مؤسسات – شركات – أرباب العمل – دوائر أمنية...الخ) فهذه (التجربة تتجاوز الواقع من أجل أن تحسن الغوص في داخله، وتحسن استقصاء ما يضمره) (17)، وكشف أسرار الذات، والواقع، والمتخيل. وهنا يبرز دور النص اللامقروء – الخفي في دعم وإيضاح المقروء – الظاهر، وفي منح القارئ الرؤية الشاملة، العميقة، ومعرفة الكثير عن قصدية النص،عبر القراءة الرمزية – التأويلية، والعثور على (أن عيش اللامعقول بمعقولية جامدة وباردة، تثير الدهشة ليس من غرائبية اللامعقول بل واقعيته، بل تثير الذهول من درجة واقعيته التفصيلية) (18)، وينسحب هذا أيضاً، عندما يتناول غائب تفاعل الذهنية الدينية في بنية المجتمع، ومدى رسوخها وتأثيرها فيه، واعتبارها من العوامل التي تحكم تطور وتغير الوعي السوسيولوجي، وفي تكوين رؤيته تجاه الأشياء، يقوم بتناولها ضمن رؤية مدروسة ومحسوبة بدقة، مع تجانس في كلية السرد:

لا، لست متزوجاً. قسمة ونصيب، لا تدخل نفسك في أمور لا تعرفها، يا سيد معروف. سر على ما كنت تسير عليه دائماً، لا تعرف، ما لا تعرفه ولا تتدخل فيما لا يجوز التدخل فيه. نعم. قسمة ونصيب. أم عجوز، وأختان عانستان. لا. قسمة ونصيب. ص25.

هذا تحليل القدري للظواهر السوسيولوجية، والأخلاقية، يدفع بهذه الشخصية – النموذج، إلى ناصية التاريخ وناصية المجتمع، (فتحس ذاتها منعدمة بالاغتراب، وتستلمح به عجزها وحقيقة وجود لا إنساني – ماركس) (19)، لكن هذا لا ينفي من كون السيد معروف – النموذج، يمتلك وعياً بوضعه الاجتماعي ومعرفته العميقة بحاضره، لأن هذه المعرفة (تعمل تغييراً بنيوياً، موضوعياً في موضوعها) (20)، وأن قوته الدلالية تتجاوز النص.

ويشمل هذا أيضاً، موقفه المتشدد إزاء المشاركة في الفعاليات التي بفرضها المدير العام على الموظفين، وبقائه للأخير رافضاً عدم المشاركة، في أي فعالية، ومقاطعاً لها، لإحساسه بزيفها وتفاهتها.

وللسيد معروف صوته الداخلي، الصوت الثاني (ينطق بلسان غير لساني – ص67)، وما لم نفهم ذلك يتعذر علينا فهم هذه الشخصية – النموذج فالصوت الثاني: هو الحوار الداخلي الموجه إلى الذات، وكأنه موجه إلى إنسان آخر، يعنفه (أسكت، يا سيد معروف. ص27)، ويوبخه (لا تدخل نفسك في أمور لا تعرفها، يا سيد معروف – ص25)، ويستفزه (هل أنت كائن، يا سيد معروف ؟ ومن أين جاءتك هذه الكينونة ؟ ص97)، والصوت الأول يتقاطع مع الصوت الثاني في الرؤية والطرح، فالأول مستسلم، خانع، هامشي، بينما الثاني متمرد، متحفز، ويتسم باستقلاليته وعدم اندماجه، وهذا ما يطلق عليه باختين (المزدوج) في هكذا شخصية روائية، وأن العلاقة الجدلية – الحوارية المتبادلة بينهما، تزداد وتتبلور، كلما إزداد احتدام الصراع بينهما، ولتشكل البنية الحقيقية للرواية.

وعند تناولنا النص، لا يمكننا أن نغفل جانباً جوهرياً فيه، ألا هو توظيف غائب للشخصيات التراثية، والأقوال المأثورة، والأمثال، والأشعار...، التي جعلت الخطاب الروائي الأصلي، يستمد منها غايته ووسائله التي يعبر بها عنها، وفي أغلب الأحيان يوظفها بتصرف مميز إلى حد يتم فيها تغير المعنى، في محاكاة ساخرة حزينة، ولتحقيق الوحدة الدلالية الشاملة في النص، بالإضافة إلى العمل على إثراء النص وتماسكه، وتكثيف المعنى وتجسيدها، مع الكشف عن رؤية النص للعالم، من خلال عملية التناص، التي تتم فيها التحولات داخل الخطاب الروائي، وأن (التناص ينتسب إلى الخطاب)(21)، وهذا يقودنا إلى قراءة النص، باعتباره نصاً واحداً لا يتجزأ، وخلاف ذلك يعني (تشتت هويته، وتبديد أنظمته الدلالية والخيالية والإيحائية، بحيث تصير مرتبطة بغيرها من الأنظمة في النصوص الغائبة التي اعتمد عليها الأديب صاحب النص المدروس)(22).

إن جوهر السيد معروف الإنساني، يكمن في وعيه العميق بذاته وبالعالم، وحدة وعيه الطبقي (وذوو الميزانيات الضعيفة هل سيحشرون ؟ أما كفاهم حشراً في البيوت الضيقة والباصات المكتظة، والدوائر الخانقة بفعالياتها ومميزيها ومديريها العامين – ص120)، ومن خلال التصدع الذي يحصل فيه – الألم، المعاناة، السخرية، التهميش، الإهمال – يقوم غائب بإعادة خلق السيد معروف، أو بالأصح كلما اشتد عليه الضغط خرج أقوى، ففي خضم الألم يفخر نفسه مزيحاً القناع عن الوهم، وإدامة كينونته الاجتماعية – التاريخية، مع تحديد العلاقة التي تربطه بالعالم، التي بدورها تكشف لنا، العلاقة بين النص الروائي والعالم، ويأخذ التحول مداه في نهاية الرواية، والذي يعد من أرقى أشكال التعبيرية في الرواية، عندما يعلن السيد معروف أنه مستعد لمواجهة المدير العام / السلطة، ولن يتراجع عن ذلك، فكفى خضوعاً وخنوعاً، لأنه (لو كان التاريخ هو تاريخ البشر حقاً لكان تاريخي).

ولابد من التوقف أمام بنية العنوان (آلام السيد معروف) وبنية الإهداء (إلى الشهداء الأحياء ممن لهم شبه بالسيد معروف)، فهذه الجمل الإشارية والمرجعية، تخلق رد فعل فوري إيحائي من قبل المتلقي عند استقبالها، منطلقة من انفعالية شعورية، اعتماداً على الإحالة إلى الواقع، ولأن هذه الإيحائية التوصيلية تجعل المتلقي يشكل صوراً ذهنية وحسية تلقائية ذات دلالات قيمية، قبل الدخول إلى عالم المتن الروائي، فأنها ستعمل على إضاءة النص بكامله، أو ستجعله يخضع لبنية سلطتها، ولتكون علامة تحفيزية، لأن المؤلف في هذه الجمل حصر قصدية كلية السرد فيها، وأن هذه الجمل ملحقة بغائب / النص اللامقروء، وبالسيد معروف / النص المقروء، وبهما تتشكل بنية النص الروائي.

 

أسامة غانم

............................

الهوامش والإحالات:

1- ال. ال. جميز، النص وما وراء النص ت: د. محمد درويش، مجلة الأقلام، العدد الرابع / تموز – آب 2001.

2- م. ن

3- د. شجاع مسلم العاني، البناء الفني في الرواية العربية في العراق، ص195، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1994.

4- عبد الرحمن منيف، لوعة الغياب، ص138، المؤسسة العربية للدراسات العربية، ط2، بيروت 2000 والمركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع الدار البيضاء، المغرب، وانظر كذك: مجلة الهدف، العدد 1134 في 31/1/1993.

5- جورج لوكاش، الرواية التاريخية، ت: د. صالح جواد الكاظم، ص432- 433، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط2، 1986.

6- م. ن، ص417.

7- مايكل. هـ. ليفنس، أصول أدب الحداثة، ت: يوسف عبد المسيح ثروة، مراجعة د. فائز جعفر، ص21، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

8- د. فيصل دراج، غائب طعمة فرمان في ذكراه الثالثة (ملف)، مجلة الهدف، العدد 1134 في 31 / 1م1993.

9- م. ن.

10- نيقولا برديائف، رؤية دوستويفسكي للعالم، ت:د. فؤاد كامل، ص19، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986.

11- لوعة الغياب، ص137.

12- رولان بارت، نقد وحقيقة، ت: د. منذر عياشي، ص24، مركز الإنماء الحضاري، دمشق.

13- د. فيصل دراج، الرواية والمجتمع المدني، مجلة الهدف، العدد 1123 في 1/10/1992.

14- الرواية التاريخية، ص184.

15- تزفيتان تودوروف، المبدأ الحواري: دراسة في فكر ميخائيل باختين، ت: فخري صالح، ص38، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992.

16- م. ن، ص50.

17- أدونيس، الصوفية والسوريالية، ص185، دار الساقي، ط2، بيروت 1995.

18- د. عبد الرزاق عبد، سلمان رشدي في المنظور العربي (ذهنية التحريم، صادق جلال العظم)، ص372، مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي، ط2، دمشق 1994.

19- جورج لوكاش، التاريخ والوعي الطبقي، ت: جورج طرابيشي، ص133، دار الاندلس، ط2، بيروت 1982.

20- م. ن، ص149.

21- المبدأ الحواري، ص82.

22- محمد أديوان، مشكلة التناص، مجلة الأقلام، العدد 4-5-6، نيسان – مايس – حزيران / 1995.

 

عادل الفتلاويدوّامةٌ تلكَ التي يدْخلها قارئُ روايات (دان براون/Dan Brown) إذ يمتزجُ هناك القديم بالحديثِ، جماعاتٌ سريّةٌ منحدرةٌ من الأديرةِ والكنائسِ بمخطوطاتها ورموزها، في مقابلِ النشاطِ المتسارعِ للتطوّر العلميِّ الحديث، مع أحداثٍ بوليسيّةٍ غير متوقعةِ الجريانِ، يقودها بطلُ رواياتهِ(روبرت لانغدون) عالم الرموز الذي بذكائهِ يفتحُ مغاليق المغامرةِ القائمةِ على تحليلِ واكتشافِ ومعلومات كثيرةٍ يدسّها في متنِ رواياتهِ، إلى حدِّ استعراضِ ثقافتهِ العالية في مجال التتبِع التاريخيِّ للتراثِ المسيحيّ المتشعّب منذ فرسانِ الهيكل، فضلا عن سعةِ اطلاعهِ على الجماعات والأعلام الماسونيةِ والفنونِ بكلِّ أشكالها لدرجةٍ تثير الإعجاب حقّا.

بعدَ صدورِ روايته الأخيرة (الأصل/Origin) دفعتني الرغبةُ إلى إعطاءِ رؤيةٍ مجملةٍ وقصيرةٍ لأفكارهِ التي بثّها بينَ طيّاتِ رواياتهِ، ومحاولةِ اكتشافِ عوالمهِ المكتظةِ بالأسرارِ والسعي إلى تفسيرها فكأنهُ يمارسُ تفكيكا للمثيولوجيا، مستخدما خبيرَ الرموزِ والفنّ الأستاذ في هارفرد (روبرت لانغدون) قناعا وأداةً لذلك، ولا شكَّ أننا أمام رواياتٍ تحتاجُ إلى متلقٍّ لهُ اهتمامٌ بالتاريخ وولعٌ بالتراثِ والجماعاتِ الدينيةِ والغموض، ليكملَ سيرهُ في أدغالِ براون، ولاشكّ أيضا أنه سيجعل من قارئهِ مهتما بهذا التاريخ المنسيِّ ومتسائلا في الوقتِ ذاتهِ (هل ما زالت هذه الجماعات مؤثرةٌ في عالمنا؟) خاصةً أنّ هناكَ نظريةً للمؤامرةِ وسياساتٍ عالمية تقودها أيادٍ خفيّة أقوى من الماسانوية التي قرأنا أنها مجرّدُ منظمة عالميةٍ تعملُ على انحدارِ الإنسان نحو ملذّاتهِ دونَ الإحاطةِ بأفكارها الأخرى، فقد حرّكَ –براون- المياه الراكدةَ وأخرجَ –بتأثير روايتهِ- هذا التاريخ إلى السطحِ، من خلال كتبٍ تُرجمتْ حديثا تتناولُ كلّ ما لهُ صلةٌ بما بثّهُ في رواياتهِ لفرسانُ الهيكل، والمجدلية، والمعابدِ الماسونيّة، والجماعات السريّة، والرموز الدينية، والمؤامرات المقدسة، والصراع بين الدين والعلم .. الخ.

وبما أنَّ عملَ الأديب يرتبطُ بشكلٍ وآخر مع قناعاتهِ الشخصيةِ، وبيئتهِ الاجتماعيةِ والعلميّة، فقد أفاد براون كثيرا من وجودهِ بينَ أسرةٍ تدورُ اهتماماتها بهذا المجالِ بشكل مباشر فوالدهُ عالم رياضياتٍ ووالدتهُ محترفةٌ للموسيقى الدينيةِ، أما زوجتهُ بلايث فهي أستاذة في علم تاريخِ الفن ورسامةٌ أيضا وشخصيا فهو-أي براون- من المولعين بتتبعِ الأسرارِ والرموزِ ومحاولة تفكيكها، وذلك لم يتجلّ فقط في رواياتهِ التي بطلها "لانغدون"، بل حتى في روايتيهِ الأخريتين "الحصن الرقمي" التي تدور في أروقة ال(C. I. A) و"حقيقة الخديعة" التي يتعرّض فيها إلى وكالة ناسا الفضائية، وفسّرَ شغفه بهذا الاسلوب قائلا:" - أعدُّ نفسي كاتبًا يكتشف التاريخ، تثيرُ المعتقداتُ المتعارفُ عليها اهتمامي لا سيما أن جذورها ليست مرسّخةً في الواقع التاريخيّ بقدرِ ما هي مرسّخة في الإبداع البشري"، فهو حتما يجدُ أن هذه المادة التي يستند عليها مكتنزة بالتشويقِ الذي يسعى إليهِ دون أن تكونَ مبنيّة على أسس فلسفيةٍ إنسانيّةِ.

خامرتني فكرةٌ مفادها: هل هناكَ قصديةٌ في تسلسلِ رواياتهِ؟ فمن الصراعِ بينَ السلطة الدينية (الفاتيكان) والتنوير/العلم، ومحاولة نسف الفاتيكان بقوة العلم، إلى البحثِ عن ذريةٍ للمسيحِ وضريح مريم المجدلية ومحاولة منعِ انكشاف هذا السرّ من قبل منظمةٍ سريّة في إطارٍ من الألغاز والرموزِ ذاتها المستخدمة في روايتهِ الأولى من السلسلةِ، ثمَّ إلى عالم الماسونيةِ وثقافتهِ بهذه الحركةِ وإعجابهِ بها نافيا أن يكون ماسونيا بقوله:" "أحترم كثيرًا الفلسفات الماسونية وتاريخها ومبادئها إلا أنني لست ماسونيًا. كي يصبح المرء ماسونيًا، يجب أن يتعهد بكتم الأسرار، أما أنا فأفضّل أن أحظى بحريةِ الكتابةِ عن كلِّ شيء، حتى عن تقاليدِ الماسونيين واستخدامهم الغنيّ للرموز"، ثمَّ التطرّق إلى مشكلةٍ عالميةٍ هي الانفجارِ السكانيّ انطلاقا من جحيم دانتي في الكوميديا الإلهية واضعا خطّةً طبيعيةً لذلك وهي بقاء العنصرِ الأنقى جسديا، ثمَّ تكرار الفكرة ذاتها لكنّ التفوّق يأتي من خلالِ دمج الإنسان بالآلةِ وتحويله إلى كائن سوبراني كتطوّرٍ طبيعيٍّ للأجناسِ إذ لم يتوقف على الكائنات الحيّة العضوية.

ففي روايتهِ الأخيرةِ –أعني الأصل- استحضرتُ فيلم (RoboCop) ذلك الشرطي الذي أصبح ثلثي جسمه آليّا بعد إصابتهِ!! وبرأيي ليسَ هناكَ جديدٌ في فكرة براون؟ كتبَ عن أمر موجود أساسا(الإنسان السوبراني) عدا المعلوماتِ عن كنيسةِ "ساغرادا فاميليا" التي قدمها بطريقة يجيدها!!، لكنَّ ذلكَ لم يمنع من كونِ الروايةِ اتخذت الحماس ذاته بالنسبة لي كقارئ، فنرى أفكار ستيفن هوكينغ وداروين وبعض الملحدين والمتنورين واضحةً لدرجةِ عدم محاولة اختبارِ ثقافةِ القارئ لاستنباطها من خلال الرواية، ولمّحَ في لقاءٍ صحفيٍّ الى أن روايتهُ القادمة ستكونُ عن بطلهِ المحبوب له ولمتابعيهِ أيضا عالم الرموز العبقري"روبرت لانغدون" لكننا في الحقيقة أصبحنا نستطيع أن نخمّن ما سيجري الكتابة عنه، مكان جديد بالآلية ذاتها مع قصة بوليسية مشوقةٌ، وماذا بعد؟

دان براون ليس في مصاف الروائيين الأمريكيين الكبار كأدغار ألن بو، وهمنغواي، ووليم فوكنر وغيرهم، ولكن له أسلوبًا خاصًا في كتابة الرواية وهي الرواية التشويقية، وهذا النوع ينحصرُ بمرحليته فليستْ رواياتهِ من الخالدات- برأيي الخاص- إنما موجهة للجماهير ولا تنطوي على رسالةٍ إنسانيّة يستطيعُ القارئُ البحثَ عنها من خلالِ الغوصِ في أعمقها، وهو يعني ذلك بقوله: "أقوم بتأليف الرواية التي أحبُّ قراءتها وهي رواية تسلّي وتلبّي الفضول الفكري وتلهمه".

مع كلّ ذلكَ فهو روائي عبقري استطاعَ بهذا الخليطِ التاريخي، المثيولوجي، البوليسي خلقَ رواياتٍ استطاعت أن تترجمَ إلى 50 لغةً عالميةُ ويباع منها أكثر من 200 مليون نسخة.

 

عادل الفتلاوي

 

 

منذ بدء الخليقة والموت يتربّص بالإنسان ويقوّض أحلامه في عالم موعود بالغياب والفقد والتلّاشي.

موت ليس يأبه بالأحلام والأمنيات ولا يهتمّ للمواقيت ولا للمواعيد. كوحش يأتي على الأخضر واليابس.

ويحصد السّنابل الغضّة والنّاضجة لا فرق. وأمام هذا المارد الأعمى لم يجد الإنسان غير الفنّ يقارع به العدم. نحتا كان أو رسما أو نغما.

وكان الشّعر عند العرب خير ملاذ يبثّه الشاعر شجونه وأحزانه ويتصدى به صولة الفقد والغياب .فيسعى إلى تخليد الرّاحلين عبر القوافي والأاشعار

وها نحن إزاء نصّ شعريّ ...مرثية للشاعرد.جمال مرسي .... بثّ فيها عصارة أحزانه وأشجانه تخليدا لذكرى فقيده وبن عمّه

"رحمك اللّه يا هشام "

القصيدة رغم حداثتها استجابت لرّوح الشعر العربي الصّميم واستبطنت بنية المرثية العربية التقليدية والتي يتوزعها التفجع والرثاء والعزاء او السلوان ,لان الموت في نهاية الأمر يبقى مستجيبا لقوانين انسانية تقتضي أن يملكنا الجزع والحزن لفقد من نحب ويحتم علينا التذكر ان نسرد مناقب الفقيد وماثره .ولابد في نهاية الأمر من الّببر والتّسلي لأنّ الانسان كائن هش لا حول له ولا قوة أمام جبروت الموت وصولته..واذا تأملنا القصيدة ألفيناها قابلة إلى مقاربات شتى .

فالقصيدة يتوزّعها معجمان بيّنان

الأول ينتمي إلى السّجل الوجداني الإنفعالي من قبيل"أشكو...أـشتكي حزني .. الحرمان... الأسى ...دمع العين ...دماء تسفك. تفجعني. بحور ادمعنا ..ادمى الأسى الجمر"...

أمّا المعجم الثاني الذي حذا فيه الشاعر حذو أسلافه من الشعراء المفجوعين الرثاة فهو معجم التأبين أي ذاك الذي يهرب فيه الشّاعر من لحظة الحاضر الموسوم بالفقد إلى الماضي المطبوع بالحضور وفيه سيجد الشّاعر ملاذ التّذكر والامتلاء الوجداني بما يعدّده من خصال المفقود ,خصالا من شأنها أن تخلّده وأن تجعل منه أيقونة قيّم ومُثُل لا تبيد وهذا بين نلمسه في ذلك الانتقال الزّمني من اليوم إلى الأمس....

بالأمس قد غرست يمناك بذرتها

واليوم نحصد ما خلفت من غرس

واذا تأمّلنا الصّورة التي رسمها الشّاعر للفقيد ألفينا المعجم ينهل من معين أخلاقي صرف وهو ما يضمن لسيرته التّواصل والخلود.

فهو لئن باد جسدا فإن بستان أخلاقه ظل مزدهرا رييّنا يهرب رواءه للناهلين

اللّسان رطب بالاذكار متعفّف عما يشين

والنفس مترفعة عن الصغائر ما يرتقي بها لتعيش بجوار النبيين والشهداء

والخير هو النذهج الذي اختطه لنفسه لبس يحيد عنه ابدا.

وما كان الشاعر لينسى أن يضمّد جراح نفسه وشعره بما يسمّى عزاء في قصيدة الرثاءوهو قسم بطول ويقصر ويأتي عادة بعد التأبين ,وهو ترجمة عن واقع الحال البشري ازاء الموت ذلك ان التّفجّع مهما كانت حدّته وسوْرتُه فإنه لا يدوم وما على الفاقدالا أنْ يتأقلمَ مع رحيل مفقوده لأن ذلك من سنن الوجود

والموت ما هو الا الوجه الآخر للحياة لذلك لا بد من الصّبر والاصطبار وهو ما نلمسه في قوله

"أستغفر الله قد ادمى الاسى لغتي. "

وفي قوله أيضا

"ليس اعتراضا على أقدار من خضعت

له الجبابر من عرب ومن فرس"

ويبلغ التّأسي ذروتهَ عندما يتحوّل البكاء والنّشيج إلى دعاء بالرحمة في ثقافة إسلامية وعدَتْ بالنّشور وجنّات النّعيم خاصة لمن زرع بذور الخير وظلّ لسانُه رطبا بالذّكر كحال الفقيد.

لكننا نلمس ان التّفجّع ظل يصاحب الشاعَر لم يغادره في مختلف اقْسام النص وهو ما يعبّر عن منزلة المرثي في نفس الراثي .

فرغم محاولة الشاعر ركوب صهوة العقل والتبدي بمظهر الحكيم المؤمن بقضاء الله وقدره فإن القلب ظل جذابا له مسيطرا على معجمه المفعم بالمشاعر والأحاسيس

.

لَــكِـــنَّـــهُ الــفَـــقـــدُ للأحبابِ أرَّقني

و وَقْــعُ آثَــارِهِ كالجمر فِـــي نَـفـسِـي

فالمقطع يشوبه احساس موجع والكلمات التي استعملها الشاعر نابضة بالأسى ..

فعندما يكون للفقد آثار الجمر في النّفس يعي المتلقي عمق حزن شاعرنا ايزاء هذا المصاب الجلل

بِــالأَمــسِ كُــنـــتَ أيا ابن العمِّ تؤنسنا

و اليومَ نحيا على ذكراكَ بالأمسِ

وعندما يُدوي الفقد والغياب ويستأثر "اليوم "بما حفل به الأمس تصير ذاكرتنا في الغائبين والرّاحلين زاخرة من معين متدفّق بهم ..

أختم بالقول أنّ مرثية د.جمال مرسي في بن عمّه قد استجلت الحس والشعور المرّ بالموت والفقد ..واعتبرها من اقوى المراثي التي أشاع في مقاطعها فيض حزنه وشجنه بما أكسبها بذاخة الوجع ....

رحم الله فقيدكم شاعرنا القدير ..وإنّا لله وأنّا إليه راجعون

 

منوبية غضباني – تونس

..............

للاطلاع على القصيدة

 ياموت / جمال مرسي

http://www.almothaqaf.com/b/nesos2019/946306

 

 

حسين فاعور الساعديللدكتور الشاعر صادق السامرائي

الدكتور الطبيب صادق السامرائي في هذه القصيدة الطويلة، بالمقارنة مع مقالاته الفكرية الشيقة والقصيرة، يتناول قضية العقل أو المعرفة أو العرفان لأنها هي التي توحدنا أو من المفروض أن توحدنا وتجمعنا وهي سبيلنا الوحيد لإرساء العدل والمساواة:

تَجَلّتْ وحدةٌ فينا وبانَتْ

بأنوارٍ مُشعشعةٍ تنامَتْ

 

فأغْرَتْنا بروح الحقّ شوْقا

لصادقةٍ مقاعِدُها تساوَتْ

لقد تطرق شعراء كبار لقضية العقل أو المعرفة في الشعر العربي كابن العربي وأبي العلاء المعري وأبو نواس وبشار ابن برد وغيرهم. لكن التطرق لها في هذا الزمن الرديء الذي نعيشه له أكثر من معني وينطوي على أكثر من دلالة. فأمتنا العربية تتعرض لعملية إلغاء ممنهجة للعقل ولكل ما يتعلق به واستبداله بالغرائز والنعرات التي تجرد الإنسان من إنسانيته وتحوله إلى حيوان سيء يقتل أخاه وجاره ويأكل لحمهما. والأبعد من ذلك يسهل توجيهه وتجنيده حتى ضد نفسه.

قوى الشر لتحكم سيطرتها على شعوبنا عمدت إلى تجريدها من أغلى ما تملك وهي جوهرة العقل التي لا تُقدّر بثمن. العقل الجمعي لهذه الأمة تم تغييبه تماماً لتحل محله الغرائز والنزوات التي قادت إلى صراعات دامية ومذابح لا يقبلها العقل:

صِفاتُ الذاتِ جَوْهرُها جُمانٌ

أحاطتْ كلَّ موجودٍ ودامَتْ

 

رأى نورا بهِ الأنوارُ تُسْقى

فما بَصَرَ الغيوبَ وما أجادَتْ

 

أ يُعْقلُ عَقلنا والنفسُ تهْوى

ودونَ العَقلِ أهْوالٌ توالتْ

 

وأوْهامٌ على وَهَمٍ سَتُلقى

بأفكارٍ مُألّسةٍ أغارَتْ

 

وكيفَ الوعيُ مُرتَهنٌ بحَدٍ

فوَعْيُ وجودِنا حُجُبٌ تسامَتْ

عندما يذهب العقل تبرز الأهواء والرغبات. وعندما يذهب العقل تتوالى الأهوال وتعم الأوهام وتضيع الأهداف ويسهل الاستهداف والاستهبال. والأصعب من كل ذلك تتحول الأمة إلى قطيع يسهل التحكم به والسيطرة عليه. فالعقل هو الذي يستفسر ويسأل ويناقش:

وإنّ الأيْنَ مِفتاحٌ لكشفٍ

بباصرةٍ أحاطتْ واسْتنارَت

التغريب واضح وجلي في هذا البيت وهو الأسلوب الذي اختاره الشاعر لهذه القصيدة التي أراد بواسطتها أن يهز النائمين الخاملين ويحثهم على النهوض.

فهلْ تدري وكونُ الكونِ يَفْنى

خلائِقُها بأخْلاقٍ أطاحَتْ

في هذا البيت يلجأ الشاعر إلى الانزياح ليزيد من جماله وليمرن المتلقي على التفكير وتشغيل عقله. في الحقيقة كل القصيدة مزركشة بالتغريب والانزياح والعدول مما زاد من جمالها وفي نفس الوقت من وقعها الصادم على المتلقي.

تَلاقى كلُّ مَوْجودٍ بآتٍ

كساطعةٍ مِنَ الأقْمارِ عانَتْ

 

أ يَذْهبُ خَلقها هَدْرا هَباءً

بكارثةٍ على أمَمٍ تداعَتْ

العقل هو الذي يسأل وكلما سأل كلما ازداد توهجاً. والعقل هو الذي يضع الضوابط أو الأخلاق فإذا ذهب العقل ذهبت  الضوابط وضاعت الأخلاق. والأمة التي تفقد أخلاقها تفقد ذاتها، تضيع وتتوالى عليها الكوارث والنوائب.

الأبيات المقتبسة أعلاه جميلة جداً لما فيها من تكثيف وحث على تفعيل العقل وشحذه بشكل متواصل ليظل منيراً وملماً. كما أن الانزياح في هذه الأبيات ناعم سلس ورائع وجاء ملائما لموسيقى القصيدة الهادئة الراقصة. الموضوع فلسفي عميق يطرع السؤال الكبير: هل تدري هذه الخلائق وهي تطيح بأخلاقها أن هذا الكون فانٍ وزائل؟ لو درت لما أطاحت بأخلاقها وهي أعز ما تملك.

ليس المستعمر والأجنبي لوحده من يعمل على مصادرة العقول وتجفيفها بل هنالك ذوي القربى من الملوك والسلاطين والحكام الذين يخافون العقل فيجهدون في كبته وتغييبه:

وطغيانُ العروش بها تمادى

ودائرةٌ بنا رَحُبَتْ وضاقَتْ

العقل أو المعرفة هو السبيل إلى معرفة الله. ومعرفة الله إذا حصلت بالعقل والمعرفة فهي الطريق إلى الاستقامة والمحبة والعدالة أما معرفة الله بالغريزة والنزوة فهي الفئوية والطائفية التي تنجب الضلالة والخطأ والظلم. وما كل هذه الحركات التكفيرية والطائفية والفئوية إلا نتاج هذه العلاقة الغريزية مع الله والبعيدة كل البعد عن سلطان ومنطق العقل والمعرفة:

هو الله الذي عَظمتْ عُلاهُ

كأنّ الروحَ إنْ تلقاهُ آبَتْ

 

تقاسَمتِ البرايا كدْحَ طوْعٍ

بإنصافٍ وإجْحافٍ توارَتْ

 

أ مَقهورٌ بقاهرةٍ لفَحْوى

كأنّ القهرَ أقدارٌ أصابَتْ

 

وقهّارٌ بأقْهَرها شديدٌ

عظيمُ العزّ في سُتُرٍ تعالتْ

 

لطيفٌ صانعٌ خَلقا وخَلقا

لطائفُ صُنعِها وَهَجا أثارَتْ

 

عليمٌ إذْ يَراها في دُجاها

كأنملةٍ بأقبيةٍ تخافَتْ

 

وينظرُها ويُطْعِمُها فرادا

ويُحْصيها وإنْ كثرتْ وزادَتْ

 

وإنّ الأرضَ مِعيارُ اكْتيالٍ

وكائنةٍ بأكوانٍ تصادتْ

اللقاء بين الله والروح يؤدي إلى التوبة والاستقامة. والعقل يلغي الظلم ولا يقبل به. وبالعقل تتم المساواة والعدالة ويتم إرساء النظم والضوابط أو الدساتير. وتنشأ العادات والتقاليد الحميدة التي توطد الأخلاق والقيم "فالأمم الأخلاق" وعندما تذهب الأخلاق تضيع الأمم ويصير حتى الأديب والشاعر يضرب بسيف السلطان الظالم والجائر ويتغاضى عن جرائمه بل ويدافع عنها.

الطباق والجناس قي هذه الفقرة جاء بارعاً وموفقاً. زادته جمالاً موسيقى القصيدة. كما أن التكثيف الموفق زاد من عمق الطرح لقضايا فلسفية كبرى: كخلق الله للإنسان وعلمه بظاهره وباطنه، وخلقه للكون بما فيه من اختلاف وتنوع.

هذا الإيمان بقدرة الله وعدالة رعايته وقسمته يمنح الإنسان الطمأنينة والاستنارة بسلطان العقل المقر بقدرة الله وسلطانه. فيبتعد عن الجشع ويأنس بالقناعة.

قلوبُ العارفينَ لها شروقٌ

بها الأنوارُ قد حفّتْ وطافَتْ

"ويخشى اللهَ من عباده العلماءُ" لأن العالم او العارف قلبه مضاءٌ بالأنوار التي تشع لتنير ما حوله أيضاً. والعلم أو العقل هو الطريق إلى معرفة الله والاستنارة بنوره.

فهُمْ رَعَدٌ وبَرقٌ مُستهامٌ

يريدُ بزوغَها أنّى تزاغَتْ

العارفون هم البرق والرعد الذي يبشر بالمطر ويريد بزوغ الشمس مهما كان ميلانها.

لنَسْعى نحوَ ستّارٍ حَليمٍ

يُبشّرُنا بخالدةٍ أكالتْ

دعوة خالصة ومخلصة إلى العودة إلى الله، الذي يبشرنا بالخلود لحلمه ورحمته بنا.

ونقرعُ بابَ غفّارٍ كريمٍ

يبرِّؤنا لأنّ النفسَ ساءَتْ

عودة حقيقية إلى الله بقرع بابه ليغفر لنا كل السيئات التي اقترفتها نفوسنا الأمّارة بالسوء.

حَوائبنا بميزانٍ قَسوطٍ

فما خَسِرتْ ولا كيلٌ تطاغتْ

ذنوبنا وخطايانا ستوزن بالقسطاس المستقيم الذي لا يظلم أحداً.

يُسَبّحُ كلُّ مَوْجودٍ بإلاّ

وذرّاتٌ بمَحْمودٍ تبارتْ

 

دموعُ غيومِها هَطلتْ فأحْيَتْ

كوامِنَ بذرةٍ سألتْ وتاقَتْ

كل ما في الكون يسبح بحمده ويتبارى في ذكره لتنهمر الدموع كدموع الغيوم التي إذا هطلت ربت وتحركت البذور التي كانت تنتظر وتتوق للنمو. حتى مع البذرة الكامنة في التراب يستعمل الشاعر فعل التساؤل كبداية للحياة وهذا يرمز إلى أهمية السؤال في تشغيل العقل وحثه على العمل وهو ما تحتاجه امتنا الخاملة.

تعشّبَ تُربُها والزرعُ يَسعى

بمثمرة لمَسْغبهٍ أجابتْ

بعد المطر تنبت الأعشاب. الفعل "تعشّب" جاء موفقاً ومعبراً. وتثمر الأشجار لتسد رمق الجائعين.

تجاوَبتِ الأيائكُ في نُواسٍ

تغرّد لحنَ أطيارٍ تشادَتْ

ومِنْ نفحاتها عَبقٌ عَذيبٌ

يُخلّع كنهَها وبهِ اسْتعانَتْ

وتتحرك الأيائك لتسبح وتغرد في ذكر الله كالطيور وتبث نفحات استعانتها بالله. في هذه الأبيات يذلل الشاعر اللغة ويصوغها من جديد لتتحمل ما أراد التعبير عنه من مفاهيم فلسفية صوفية روحانية عميقة.

تباركَ ربّنا بعَجيبِ كوْنٍ

تُسيّرهُ مَقاديرٌ أحاطتْ

تبارك الله أحسن الخالقين الذي أبدع هذا الكون العجيب الذي تسيره القوانين والأحكام والمقادير التي تشمل وتحيط كل شيء.

فهلْ عُدنا إلى الإحسان فيها

بصالحةٍ لإعثارٍ أقالتْ

 

ورغْمَ الحبّ فرّقنا لحبٍّ

يوجّعنا بداهيةٍ أغارتْ

 

تهجّرَتِ البرايا واسْتهامتْ

فلا وطنٌ بهِ الأقطارُ فازتْ

 

وإنّ القلبَ مكلومٌ بتيمٍ

ونبضُ وجودهِ جدواهُ خابتْ

في هذه الأبيات المقتبسة أعلاه يدعو الشاعر إلى الإحسان وفعل الخيرات. إنها دعوة الفيلسوف المؤمن بالله من خلال سلطان العقل وليس من خلال كونه ممثل الله على هذه الأرض كما يفعل المتسترون وراء الدين. فغياب العقل أبعدنا عن الله وأدى إلى العثرات وتهجير الملايين وبينهم العلماء من أوطاننا العربية. وهكذا خسرنا الأوطان وجرحت القلوب المتيمة بالمعرفة وحب الله.

أذِقْني يا إلهي بعض عَفوٍ

فإنّ نفوسَنا ولعَتْ وشانَتْ

إنه اعتراف المتصوف المؤمن بذنبه، كاعتراف النبي يونس وهو في بطن الحوت "...سبحانك إني كنت من الظالمين".الآية 87 سورة الأنبياء. ما أعظم هذا الإيمان.

أنيسُ الروحِ مَحفوفٌ بنورٍ

وإنَّ الروحَ مِنْ رَمَضٍ تساقتْ

التورية في هذا البيت أعطته أبعاداً مختلفة ودلالات تشحذ ذهن القارئ وتحفزه على التفكير والتأمل. من يسامر الروح تحفه الأنوار. الروح التي "من رمض تساقت". فالرمض قد يكون الحر الشديد وقد يكون المطر الذي يسبق الخريف. وتساقت قد يكون شربت أو تبادلت السقي وقد تكون تبادلت الحرب أيضاً. إمكانية التأويل هي أحدى ميزات الشعر التي تجعله يختلف عن الكلام العادي.

ومِنْ سُلاّفة الوْجد ارْتَوَيْنا

فكمْ أعْطتْ إذا عُصِرَتْ وسالتْ

الوجد والشوق إلى المعرفة التي هي العقل الذي هو الله هي التي تروي النفوس الظامئة إلى المزيد من المعرفة أي إلى المزيد من العقل أي إلى المزيد من معرفة الله والتقرب إليه. "سُلّافة" في اللغة البدوية هي الحكاية او القصة أو الرواية...لا أدري!

بتقصيري وجَهلي وافْتِقاري

كبوْتُ مُغفّلا فدَجتْ وخابَتْ

إنه اعتراف الناسك المتصوف الذي يرى الله نوراً ويرى المعرفة نوراً والجهل دجى وظلاماً وخيبة.

غفورٌ أنتَ رحمانٌ رحيمٌ

فكنهُ سلوكنا رُغَبٌ أعالتْ

الرب غفور رحيم رغم تصرفاتنا النابعة من الرغبات والنزوات.

تعالى الله عن رفدِ الرزايا

تُصنّعها مُؤمّرةٌ أشارَتْ

 

كأنَّ العقلَ موؤدٌ بغيبٍ

فما عَقلتْ ولا يوما أثابتْ

 

فكيفَ عِقابُنا والعَقلُ مُلغى

وكيفَ ثوابُنا وبنا تهاوَتْ؟!!

هي مناجاة المتصوف العالم المفكر الذي يؤمن أن الله لا يحث ولا يبارك الأخطاء والجرائم. ويتساءل كيف سيعاقب الله من عطل عقله وألغاه ومن ناحية ثانية كيف سيجزي من هوى في ظلمات المعصية والجريمة.

الطبيب صادق السامرائي في هذه القصيدة المناجاة يغوص عميقاً في النفس البشرية المريضة  ليشخص الداء لإعطاء الدواء. وقد نجح في وضع يده اللطيفة الحانية على مواطن الوجع. الجسد العربي مريض بداء الجهل ودواؤه هو المعرفة. الجسد العربي مسلوب الروح مشلول العقل والدواء هو التساؤل والمزيد من التساؤل في كل شيء وتحريض العقل على العمل. العقل العربي الذي صودر وألغي واستُبدل بالغرائز المتوحشة التي تسترت بالدين السمح والحنيف لتنقض على كل ما هو جميل في وطننا. تركنا الإيمان بالله الذي هو الأصل وتبعنا المذاهب والطوائف التي هي فروع، فأفسدنا كل شيء. تجاهلنا قوله سبحانه: "فقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..." الآية 29 سورة الكهف. ونصبنا أنفسنا قضاة نقرر ذبح هذا ونفتي بقتل ذاك.

 

حسين فاعور الساعدي

 

صالح الرزوقبقلم: سكوت هايمس*

ترجمة: د. صالح الرزوق

حينما اكتشف باتريك "زوجا من الأبواق القديمة" في المشهد الافتتاحي من رواية "النفور"، تضاعف انتباهنا بطبيعة إدراكاته وعلاقاته الأولية.  أولا حرض وجود "ساكسوفونات إنكليزية من فترة غابرة" ذكريات بعيدة عن "رغبة سرية عند البطل" ليكون رساما. وتحول تصوير الأشياء المادية  لتكهنات عن إمكانية أن تكون فنانا. وهذا ما يبدو واضحا في تركيب واتجاه الحكاية. فقد بدأت الجملة كما يلي: “الأنابيب أشياء غريبة بنظر باتريك وتترك لديه انطباعات عجيبة". أما نصف الجملة الثاني فقد عدل النصف الأول، ولم نعد ننظر للأنبوبين كأنبوبين، ولكن كوسيط يحرك إدراك وخيال باتريك. و"الغرابة" هنا شيء يعود على باتريك، لا على الأنابيب. الأمر الذي يدفعنا للتكهن والتخمين حول حقيقية هذه الأنابيب – بتعبير آخر ما هي الغاية الفعلية منها. يمكن النظر إليها كشيء استعمله الكاتب بسياق إستاطيقي قبل أن يتحول لهوية فعلية "محددة" (كما في قوله: الأنابيب العادية التي يستعملها السباك أو الكهربائي). وحتى قبل أن يقرر شراء البوقين، وقبل أن يعنى بوصف تفاصيلهما المادية، يقوم باتريك بإجراء اختبار "في خلفية" مركز الفنون المحلي. وهكذا يحتل الأنبوبان موضعا وسياقا بين الأشياء "العادية" و"الاستاطيقية" منذ أول لحظة في النص. وتراوح هذه المعاني بمكانها طوال أحداث الرواية. وحينما يعود باتريك للظهور مع البوقين يجذب انتباه زملائه في العمل فيرفعون حواجبهم من الدهشة، ولا يجد شيئا للتوضيح غير أن يقول:”من الآن وصاعدا سيكونان معي في كل مكان"، ولا يوضح أو يحدد كيف.

كان البوقان لغزا  له احتمالات جمالية ويطبق باستمرار ضغطا تفرضه الأشياء العادية والعملية. وبتأمل مشروعه نصف الواعي، الهادف لـ "تحويل الأشياء المنتجة تجاريا إلى أدوات جمالية"، يعتقد باتريك أن "أي شخص يمكنه النظر للأنبوب بطريقته ويتمنى لحامله حظا طيبا". ووبتقديم الأنبوبين بشكل أدوات موسيقية وليس صناعية يخلق "مسافة" تفصله عن الواقع المادي، وهو ما يقود لخلق سوء تفاهم  وعدم ثقة،  أول الأمر، بين باتريك وبين (أدوات الخلاص والهروب). ولكنه بالتدريج، أثناء العزف والتجريب، يشعر بالتحرر من حالته الداخلية الخانقة. ويفتح الباب لوعيه الباطن للانطلاق والتعبير عن ذاته ويستخدم الطقوس الفنية للتصعيد، يقول: ادخل إلى أعماقك يا قذر. اعزف بهذا الملعون قبل أن يمر الوقت وينقضي. ولكن ما يجري أن باتريك يرفع الأنبوب لشفتيه ويغلق جفنيه، وينفخ بصوت عميق وطويل، صوت واحد وحسب، يضغط شفتيه، ويحكم إغلاق جفنيه، فتنبع الدموع فيهما من الزوايا، كما يحصل عندما تبلغ منتهى السعادة والتأثر، شيء ما ينبع ويسيل من داخله ويحرر كتفيه من الأحمال الثقيلة التي تضغط، ثم يخف التوتر الفظيع الفظيع جدا، ويتخلص من ذلك الشقاء، شقاء نفسه، من جلد ومعاقبة نفسه، من هناك فقط، من هناك، هناك، يتابع ويتابع، يمكن أن تقول لمسافة قريبة، ليس لامتناهية، لكنها مسافة..”. مثل هذه القدرة على تصعيد المساحة الجمالية – التعليق المؤقت لما هي الأشياء عليه -  يفسر أيضا علاقة الأنابيب بالحرية والاحتمالات والخلاص. كما في قوله: (“وأنت تنفخ بهذه الأنابيب كل شيء يكون ممكنا . كلا!.  بل يصبح احتمالا!”).

لو أن الأنابيب (يقصد البوقين) راوحت بين ما هو مؤكد وصدفة – ولنتذكر أن باتريك عانى في البداية من "طبيعتها" التي تزيد  أو تقلل من “إحساسنا بمعناها الحقيقي” - فإن المعنى الجمالي والممكن جعل “المعطى والمحدد” فوق أي تشابه وتكرار يمكن أن يقود لشلل المعنى. وتحقق ذلك بواسطة المبالغة المقصودة: تكرار النغمة لفترة طويلة حتى تتحول إلى صوت مسموع يلغي كل ما عداه. هذه المسافة المتعمدة (“كان أشبه بفضاء للتنفس، ما صدر عنه”)، تعلق الحقيقي المقصود بذاته من خلال الاستغراق في خصوصية حسية، وهو شرط مسبق في أعمال كيلمان ويمهد به لعدة احتمالات مفتوحة وغير مغلقة وبالتالي لتحقيق شيء من  الحرية. والتفكير بـ "شيئية" الأنابيب نفسها يشكل جزءا من هذا الوعي (كما في قوله:“ولكن ماذا عن الأنابيب؟. هل هي أشياء؟. هل الأنابيب أشياء؟")، وذلك بلغة تسبب تحريضا يشبه أثر لوحة رينيه ماغريت المسماة "خيانة الصور / 1928 - 29)"، حيث كتلة من الصور لأنابيب "عادية" يقابلها عبارة تقول: Ceci n’est pas une pipe (هذا ليس أنبوبا). وهنا لا تتطابق الكلمة والصورة و"الشيء". وهذه العبارة صحيحة حرفيا، باعتبار أن المومأ له  لوحة وليس أنبوبا حقيقيا، ولكن حسب بروتوكول التمثيل الصامت إن التعبير الفني يكون تجريبيا وغير حرفي. إن فضاء اللوحة تصوري  حتما. وهكذا هو الحال مع الكتابة. علينا أن لا ننسى أن النصوص مركبة من إشارات، ومختلف أشكال التأثيرات الواقعية في كتابات كيلمان (ومن ضمنها الصوت) هي من نتاج التحوير :”وعلى نقاد ومتابعي الفن أن يلتزموا بالحذر… فكل التقنيات تعتمد على الاستعارة".

هناك نوع آخر من المشاكل تفرضه على الفن القواعد الاجتماعية التي تعتمد على التعبير باللغة. ففي موضع آخر من رواية "النفور" يطرح كيلمان مشكلة الكلام الفني – وذلك بالإشارة لنص حديث من العشرينات. يقول: "أنا دويل النافخ بالبوق. أنا أنفخ. أنفخ مثل دويل لأحيي سيرته. وحكاية كافكا عن أنثى صغيرة وجميلة،وهي بالتحديد فأرة مطربة ومتكبرة، قصة مدهشة، مدهشة، مدهشة حقا، ولكن فلتحل علي اللعنة إن كنت أتذكر لماذا. لقد نسيت”.

وكلام كيلمان هنا عن قصة "يوسفينا المغنية" (1924)**، آخر قصة أكمل كافكا كتابتها. وفيها اتكال على الفن الشعبي الذي لا يختلف عن بنية الكلام العادي: فـ “النفخ" رمز يدل على مصادر وهويات متعددة، ولكنه تحديدا "أداء" أفراد طامحين لبلوغ الكمال الفني والتميز. ومن خلال سلسلة من التأملات الطويلة حول هذا الفن "ينسف الراوي في قصة كافكا كل ادعاءات يوسفينا بالتفوق ويشير لشيء تختلف به عن غيرها، وهو أن أداءها عادي جدا بل مبالغ بعاديته. وحين نكون بين الأصدقاء والأقارب نعترف بصراحة أن غناء يوسفينا ليس أكثر من العادي. ونتساءل: هل هو فعلا غناء أصلا؟… ألا يمكن أنه مجرد صراخ؟. والصراخ شيء نتقنه جميعا، وهو فن حقيقي نشترك به، وربما هو ليس فنا ولكنه مجرد دليل على أننا أحياء. كلنا نصرخ ونصفر، وليس بيننا من يحلم أن يقول عن صراخه إنه فن… وإذا جلست أمامها، لن تجد أنه صراخ فقط. ولتقدر فنها حق قدره من الضروري أن لا تكتفي بالاستماع لها، ولكن أيضا عليك أن تنظر إليها وتراها. وحتى لو أن صوتها هو صراخنا اليومة المعتاد، تبقى هناك قبل كل شيء هذه الفكرة الغريبة التي يجب أن تفكر بها، أنه هنا شخص  يحيي حفلة ويغني أغنية نعرف كيف نؤديها جميعا، فهي صراخ وصفير".

وتفترض سياسة تصوير هذه العقدة من الأفكار ـ أنه “إذا كانت يوسفينا هي المغنية المحبوبة في وطن الفئران، ألا يقلل من شأن تفردها هذا المكان الرمزي؟. فهي لا تبدو مغنية بقدر ما هي مظلة يلتئم شمل الجماعة تحتها... فهذا الصراخ، يرتفع كلما رغب الناس بالصمت، ولذلك هو أشبه برسالة من الشعب لكل شخص على حدة”. ولاحظ أن أساس هذه الرسالة اجتماعي وليس شخصيا. وهنا، لا مجال للتعبير بالمعنى الرومنسي - ولا يوجد مساحة يمكن للـ “صوت” فيها أن يكون ذاتيا أو له صبغة غريبة.

صقل الهوية الذاتية بلغة المجتمع تمنع كما يبدو كل أشكال الاغتراب. ويوسفينا خلال بحثها عن "اعتراف دائم" بفنها تهدد "باختصار تنوع السلم الموسيقي لألحانها". وهنا يقول السارد: بافتراض أنها طبقت تهديدها، لم ألاحظ أي تأثير له على الأداء". ويوسفينا "تنكر أي علاقة بين فنها والصراخ العادي"، ولكن قوتها الاجتماعية الغريبة تنبع بالضبط من فشلها الفني. يقول السارد أيضا:”إنها تؤثر بنا  وهو ما يحاول المغني المتمرن جهده أن يقوم به  ونجاحها يتأتى لها من اتباع أساليب مناسبة". وهذا الجو المغرق بالجماعية "أو النحن" لا يمكنه أن "ينتعش" أو يتطور وفق منظومة أسلوب إفرادي. و"مجتمعانيته" الشمولية لا تترك مجالا للتميز.

***

هذا تصور كابوسي عن الكلام الفني الأصل الذي له "جذور عميقة".  وهو ما يرفضه كيلمان. ففنه محاولة لاكتشاف عناصر السيادة والحرية في واقع محدد، ولا علاقة له بإنتاج هذين الشرطين موضوعيا. وفنيته تلح على الإخلاص للحقيقي – وفي بدايات رواية "النفور" يلوم باتريك نفسه "لأنه ركز جوهريا على أشياء ذات قيم أصيلة، أشياء أصيلة فعلا، ذات معنى مادي وحقيقي" – ولكنها لم تتورط بعالم حقيقي موجود بذاته. والتحدي، الذي لا يقوم به أي بطل من أبطال كيلمان، يتلخص بعدم الدخول فيما – يتطلب جهدا عاليا لتحويله،أن تخلق ظرفا مختلفا باحتمالات تنبع من داخل واقعه الحقيقي. إن العنصر الجديد فيما هو معروف وشائع، أو غرابة الشيء الحقيقي – هو العنصر الجمالي الذي بنى عليه كيلمان سياسته اللغوية وواقعيته. وما يبدو أنه حقيقي Verisimilitude – أو كما يتعمد كيلمان أن يكتبه بتهجئة مغلوطة " حاقيقي versailintude" – هو ثاني شيء غريب في عملية الكتابة الإبداعية، وعن ذلك يقول كيلمان:”كيف يمكن أن نقول إنه خطأ مع أنه جزء مني، ولماذا لا ننظر له كتعبير جديد جدا عن الإبداع".

 

.....................

**تم تدقيق الترجمة الإنكليزية بترجمة خالد البلتاجي من التشيكية للعربية. الأعمال الكاملة لكافكا. ج2.

*باحث اسكوتلاندي متخصص بعلاقة السياسة مع الأدب. أستاذ في جامعة سترلينغ. والترجمة من كتابه "دليل جامعة إدنبرة لعالم جيمس كيلمان".   

    

حياتك بحر، صانع الإرادة فيها بوصلة، ولْيَكُنْ موطئ قدميك سفينة. أما مُضِيُّك في هذه الفلاة، فلا يختلف عن رحلة بَحَّار استهوته مغامرات عالَم البِحار..

عن البحر والحيتان، عن محيطات النسيان التي تسافر بالإنسان مما هو عليه إلى غير ذاك الذي كان، عن عناقيد الصبر الواعدة بشيء من الفرج حتى حين، عن غَدٍ لا يكاد يستبين، عن مساحات الصمت الغارقة تحت الماء، عن فائض الأهواء التي تجدد بَيعتها لعقيدة السماء، عن ضوء وظل، عن صمود لا يكلّ، عن النصف غير المضيء لقمر الأيام، عن مجاديف الأحلام، عن المسافة الضيقة بين داخلك والباب، عن مطر المنى وفاكهة السراب، عن كل هذا يحكي لك المغامِر الجميل هيرمان ميلفيل Herman Melville.

وأنتَ على مشارف مدينة الكتابة عند الروائي والكاتب والشاعر الأميركي هيرمان ميلفيل، لا شك في أنك ستستحضر عنوان "موبي ديك Moby Dick"، إنها الرواية الحالمة التي تَشهد بأسرار البحَّارة وأغوار البِحار بين قِلَّة صبر الزمان وثورة الحيتان..

كُلّ تلك العوالم الزاخرة التي تنبض بها رواية المغامرات البحرية تلك (بما استحضرته من فطنة كاتب لا يَخونه الخيال) لن تُصَدِّقَ يا صديقي أنها قد بخلت على هيرمان ميلفيل بالاعتراف، فإذا به المسكين لم يَجْنِ شيئا من ثمار التنويه ولم يحصد شيئا من سنابل النجاح..

كل ما يُذكَر هنا هو أن "موبي ديك" أو رحلة المغامرة البحرية تلك لم تَعد على صاحبها بنصيب من الفضل إلا بعد وفاته بزمن..

ولا غرابة أن يحدث مع هيرمان ميلفيل ما سبق أن حدث مع عمالقة الكُتَّاب والمبدعين والمفكرين في أزمنة سابقة، فلا أحد منهم قد نال شيئا من الشكر والتقدير إلا بعد أن جثم الموتُ وانتشل الروحَ من الجسد كما لن ينجو من ذلك أحَد..

ما قلناه عن مصير كتابات "نيتشه" العبقرية، ومنها "هكذا كلمني زرادشت"، سنقوله عن درر نوابغ رجال الفكر والأدب، وهذا هيرمان ميلفيل على شاكلتهم يسبح بعيدا عن مدن الضوء، فإذا بخياله يضيء بعد أن أظلمت حياتُه هو الآخَر..

صاحبنا هيرمان ميلفيل، شأنه شأن العشرات والمئات من رجال القلم الذين امتحقتخم الحياة، خبرَ شقاء الأيام وعناء تحقيق الأحلام في بلاد الإنسان الذي ينام، لا ينام هو إلا ليستفيق على رغبة أكثر صهيلا حُبّا في القفز من أعلى الجسر لالتقاط شيء من اللآلئ الواعدة بالتصفيق للقلم..

هيرمان ميلفيل، وإن كان قد ولد ونشأ في مناخ نفسي تنصهر فيه المادة لتقول لِسَيِّدِها "لبَّيْكَ"، لم يَسْتَطِبْ المسكين حرارةَ الرمال التي كان عليه أن يواصل المشي فوقها بقدمين حافيتين..

رغد العيش لا يَعِد بِـ "فاصل ونُواصِل"، وغيمة البذخ لا تسمح بأن تحلبها مجددا بعد أن يتَقَلَّصَ جو الرفاهية التي كان يَعِدُ بها والدُه (رجُلُ الأعمال الناجح في مجال اشتغاله) ثمانيةَ أبناء ما كان الأب لينتبه إلى كثرتهم في ظل السخاء الذي لا تبطله تجارتُه المربحة..

وفاة الأب لا شك في أنها ستنذر بالزلزال الذي سيرجّ سقفَ العائلة، فماذا بعد أن يخيب الخَلَف في ضمان استقرار الجدران التي بَناها السَّلَف؟!

هكذ تنحدر الحالة المادية لعائلة هيرمان ميلفيل، فإذا به لا يَجِدُ قبالته غير البحر الواسع لِيُفْرِغَ فيه كاتبنا حزنه الكبير، وهذا  أقصى ما في استطاعة الإنسان الباحث عن هامش من الحرية..

السفر حلّ مثالي يشجع على النسيان (ولو جزئيا) لسائر الأحزان التي تأكل القلب في صمت كما تأكل النارُ الحطب، ولهذا أطلق هيرمان ميلفيل الحالم بالمغامرة ساقيه للموجة..

الحياة موجة، موجة هي تقذف بك من المحيط إلى المحيط، تليها شبيهاتها في العنف لا العنفوان، وقَدَمَا هذا الـ"هيرمان" ميلفيل لا شك في أن قدَرها قد ضرب لها موعدا مع الموجة الهاربة عن شاطئ الأحزان..

يقرر هيرمان ميلفيل مُكْرَها لا عن طيب خاطر أن يَهوى الْمَخاطِر، ومن ثمة يركب هو مركبَ المغامرة ليبحر في اتجاه المجهول إلى أجل غير مسمَّى، ومن هنا تبدأ حكايته مع مَرَدَة البحر وحيتانه البشرية..

إنهم المتحكمون في عالم البحر أولئك الذي يملكون مفاتيح فَكّ شفرة لغة البحر، فإذا بهؤلاء البحَّارة الضعفاء على شاكلة هيرمان ميلفيل يشقُّون أكثر من طريق في عرض البحر لَعَلَّهم يعودون بشيء من أسراره وغرائبه..

بين الهروب والفرار، ومعاقرة الماء رغبة في الانتصار (الانتصار للنفس اللامطمئنة) يجود البحر باللاحياة واللاموت، ومن هنا كانت بداية كتابة هيرمان ميلفيل عن مغامرات البحر..

ولأن رياح التعجيز تجري بما لا تشتهي سفنُ الرغبة، فإن المعذَّب بين بحر الواقع وبحر الذات هذا المسكين هيرمان ميلفيل لا يجني غير الشوك، فإذا بالقلم يخونه الحظ مع الشهرة، وإذا بأبواب الانتشار تُوصد دونه هو الكاتب بإصرار..

"موبي ديك" الرواية الناقمة على البحر والحيتان نَجِدُها تعالج مشاكل البحر بإتقان، لكن المصير السيئ للرائعة تلك لا ينفض عنه الغبار وتراب النسيان إلا بعد غروب شمس البائس ميلفيل هيرمان..

بعد حلول زمن الزهد في الكتابة الروائية المخيِّب لأفق انتظار هيرمان ميلفيل، ستجِدُه يتوسل بِالناي، ناي الإحساس المرهَق/ المرهَف لِيُفَصِّل مشاعِره على مقاس الشِّعر، صدِّق، صَدِّقْ أنه تعبُ الروح ذاك الذي يَقود الواحد منهم (ومنهنّ) إلى غابات الشِّعر الواعدة بالظلال والصفاء يا صديقَ أيامي الحلوة والمرة..

رحلة عمر مضنية أنفق فيها هيرمان ميلفيل سنوات عطائه بين العمل كمحاسب ومستخدم بنكي ومدرِّس ورحّالة تشتهيه المحيطات، قبل أن يتفرّغ للكتابة التي تسلَّل إليها كلما رغب في شيء من البقاء مع نفسه، ينصت إليها وتنصت إليه، يجاريها وتُجاريه..

صحيح أن هيرمان ميلفيل تزوج من ابنة عائلة عريقة النسب وأنجب أربعة أبناء، إلا أن هنالك فجوة داخلية ظلت تتسع وتتمدد في أعماقه الجاثمة فيها مرارة الشعور بذاك الشيء الهارب منه رويدا رويدا بينما يشقى هو الشاعر بحاله ركضا وراءه عبثا..

وكغيره من صُنَّاع الروائع الإبداعية والنافضين عن قطعهم الفنية الثمينة غبار الإحساس باللامبالاة، كانت في انتظار هيرمان ميلفيل نهاية بائسة، نهاية لا تُصَفِّقُ لها عيناه المتداعيتان ولا قلبُه الذي شيَّعَهُ قدَرُه بعد أن كَفَّنَتْهُ في اتجاه اللارجعة تلك الأزمة القلبية التي لم يَحسب هو الْمُعَذَّبُ حسابَها..

نَعَم صحيح، معذَّب هو هيرمان ميلفيل، ولا غرابة أن تقول حالة "الصرع" التي انتابته كلمتَها لتقتص من إرادته وحرصه على وطنٍ بسعة الهدوء الراكض من بحر إلى بحر..

الصرع يساور هيرمان ميلفيل ليقصقص جناحي رغبته في الوصول إلى وطن السلام النفسي المعلَّق، وكأنَّ قَدَرَ كل من أرَّخوا ذاكرة إبداعهم وفكرهم لِيُحَدِّثَ بها تاريخُهم الأجيال اللاحقة قَلقٌ دفين ومجدٌ مؤجَّلٌ وجنون عابر لقارات الجسد المشروخ قبل أن يطرق الموتُ بابَه أو يركضَ إلى ساحة الموتِ الجسدُ..

نَمْ بسلام هيرمان ميلفيل، ولكَ من القلب تحية.

 

الدكتورة سعاد درير

 

 

السيد الزرقانياستمرارا لتقديم الأقلام الشعرية الجادة والمتميزة اسمحوا لي أن أقدم ذاك الصوت الشعري المتميز، الذي اكتسب النضج في سيرتها الإبداعية عبر تجارب عديدة أنها الشاعرة "فاطمة الرفاعي" التي تخطو في محراب الشعر بخطي ثابتة بما تمتلكه من ثقافة واداراك ميزها عن قرينتها في ذات المجال، فاطمة الرفاعي ليست شاعرة فقط فهي كاتبة صحفية اكتسبت ثرائها اللغوي من تلك التجارب الصحفية الطويلة واليوم نقدم لها قصيدة "لا تدق الباب " وأنا أراها تمثل مرجله النضج الشعري لها وان عليها أن تحافظ علي ما وصلت إليه في درب الإبداع الشعري وان الاوان ان نري لها إصدارها الشعري الأول، وتلك القصيدة هي حالة فريدة في ذاتها، فالشاعرة رسمت في مطلع قصيدتها صورة للمسرح الشعري ليكون عتبة الانطلاق بما لديها من ابداع البداية من عنوان القصيدة " لا تدق الباب " إذا هناك حوار بين طرفين احدهما الشاعرة والأخر هو قادم مجهول لم تفصح عنه وظل طوال القصيدة محور تساءل لدي المتلقي من هو؟

" لا تدق الباب " الرسالة واضحة ما بين من سيأتي ومن يقيم بمفرده خلف " الباب " الذي يمثل بابا للمسرح، بابا للحلم، بابا للقلق، بابا للخوف من المجهول، الشاعرة تأخذنا في علاقة مختزلة بين ذاك الحيوان الأليف الذي استأنسه الإنسان منذ القدم وتلك العلاقة التي تحولت الي صور مفزعة في الوقت الحاضر لدي من تدنت ثقافته البيئية والحيوانية بل والإنسانية، بشكل غير مسبوق لدي البشر، الشاعرة نجحت بتفوق بالغ علي نفسها في رسم تلك العلاقة الغير متوازنة بين طرفين حيث نجدها في البداية تقول :-

لا تدق الباب

أنا لست هنا

فى البيت قطة خائفة

تتحاشى ركلات الناس

أسفل سرير مهجور

أغطيته تحتضن الأتربة

- وتنتقل بنا الشاعرة في خفة لا نشعر بيها من مكان إلي أخر خلف هذا الباب الفاصل بين عالمين مختلفين، احدهما يعج بالبشر والتصارع والتشاحن وأخر لم يبقي فيه إلا تلك الذكريات ربما كانت جميلة في يوم ما وربما كانت العكس حيث تقول :-

لا تدق الباب

فالصمت يطارد الذكريات

والتجارب أشباح

وكل مصابيح البيت مهشمة

تمهل

لا تدق الباب

فالريح تحرك شباكى المكسور

وشموعى التعيسة تبكى دموعا

تنتظر لحظة خلاص

- الشاعرة "فاطمة الرفاعي " تمسك بزمام لغتها الجمالية من خلال هذا اللحن الشعري الهامس والمتحرك صوب الصور الجمالية التي أتقنت التحرك من خلالها، تنتقل بنا من صور الخيال إلي صورة الواقع أنها امرأة وحيدة تجلس خلف سباكها المكسور وتلك إشارة إلي روح انهزامية تسكن مكنون تلك المرأة، أمسكت خيط الإبداع لترسم لنا صورة واقعية لحال تلك المرأة المقهورة حيث الشعر الاشعس والحال البائس الذي تعيش فيه حيث تقول :-

لا تدق الباب

فبالداخل امرأة ثائرة الشعر

نسيت مكان مشطها

تتعثر فى مكحلتها المكسورة

تتحدث كثيرا إلى نفسها

وإلى أوهام تظنها أشخاصا مقربة لها

المجنونة لا تكف عن الثرثرة

شاعرتنا " فاطمة الرفاعي تنتقل بنا من عنصر المكان الي عنصر الزمن الواقف عن تلك المرأة التي استهوت الثرثرة مع نفسها حتي تحولت من إنسانة عاقلة إلي امرأة محطمة تفقد الرغبة في الحياة، بسبب ذاك التحول الاجتماعي الذ قهر بداخلها تلك الأحلام التي ظنتها في يوم من الأيام انه حق مباح لها إلا أن هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي ربما السياسي أيضا، اجبرها إلي الهروب داخل هذا النفق المظلم لتصرخ في وجه العالم انا لست هنا، قمة المأساة الإنسانية أن يفقد الإنسان إنسانيته في وقت،ويقبل بشغف علي الهروب إلي لا شيء أنها قمة العبقرية من الشاعرة في رسم تلك الصورة المأساوية للذات المحطمة حيث تقول :-

لا تدق الباب

فساعتى المعطلة يسكنها جنى

كلما دق الباب

دقت

ودقت

ودقت

يتعالى الدق

ويفر الزائرون

ترتعش أقدامهم

لا تدق الباب

اتركنى

أنا لست هنا

الشاعرة تمتلك من الخيال الفني ما يجعلنا نحلق معها في دور شعرية في غاية الجمال والإبداع فهي تمتلك تلك المهارة التي تجعلها ترسم بالكلمات أجمل اللوحات التعبيرية من خلال هذا الخيال الخصب مما جعل قصيدتها عبارة عن لوحات تشكيلية تتجانسن فيها الألوان بيد فنانة رقيقة المشاعر

وأخير ان إصرار الشاعرة علي كسر النمط المألوف بين أقرانها أعطاها تميزاً شعرياً وأن كانت مازالت في مفتتح الطريق الصعب بين المبدعات وتحتاج كثيراً إلي ثقل تلك الموهبة وتعدد أفكارها من خلال وعاء ثقافي هي قادرة علي الخوض في مناهله والاستزادة منه حتي تبلغ العلي ولكني أؤكد أنها تمتلك تلك المقومات التي تأخذها إلي مبتغاها في درب الإبداع الشعري

 

د. السيد الزرقاني

كاتب وناقد أدبي – مصر

 

 

عدنان الظاهر (كذّبتْ ثَمودُ بطغواها / سورة الشمس)

(طغواً على قلبي الضعيفِ الدامي / الشاعر سامي العامري)

إشكالية لغوية:

الشكر للشاعرالأستاذ سامي العامري فهو الذي فتح عيني على هذه المسألة التي لم تخطر على بالي قبلاً. وما علاقة السيد العامري بكلمة [طغواها]؟ العلاقة وثيقة بل وثقى. كيف؟ في قصيدة نشرها العامري أخيراً في موقع المثقف (العدد  بتأريخ) نحت من المصدر المعروف "طغيان" صيغة لغوية لا هي حال ولا تمييز ولا مفعول مطلق ! ما كان الأساس فيما اجتهد ثم استخدم في بعض شعره وما كان ذاك اللغز الذي حيّرني واقلقني؟ إستخدم الشاعر لفظة " طغواً " معتمداً فيما قال لي برسالة خاصة على قناعة لديه تأكدت برجوعه إلى ثلاثة معاجم مضمونها أنَّ الفعل طغا يطغو طغياناً وطغْواً وليس طغى يطغى. أنا لا أعرف مصدراً للفعل طغى إلاّ طغيان ولم أسمع قبلاً بالمصدر طغواً حيث الفعل الماضي طغا والحاضر يطغو وفي هذه الحالة يتوجب أنْ يكونَ المصدر طغوان ... واو المصدر من الفعل يطغو. مع السيد العامري بعض الحق في قوله [طغواً على قلبي الضعيفِ الدامي] لكنَّ هذا المصدر غير المألوف يُضعف البيت الشعري الذي هو ضعيف أساساً ! فما هو أساس هذا الحق ؟ إذا سلّمنا أنَّ الفعل هو طغا يطغو والمصدر طغيان وطغو مثل لغو وشجو[ كما أخبرته المعاجم الثلاثة التي استشارها وهي كما كتب لي : القاموس المحيط ومعجم الرائد والمعجم الغني] فيكون صحيحاً النص الوارد في الآية القرآنية من سورة الشمس كما يلي:

(كذّبتْ ثَمودُ بطغواها) ويعودُ حرف الهاء على قبيلة ثَمُود. هل سمع أحدنا بالمصدر طغواً ولماذا لا يكون منتهياً بالألف المقصورة طغوى مثل فتوى ودعوى وتقوى على أساس أنَّ فعليه هما طغى يطغى طغياناً وطغوى وطغواها بقلب الألف المقصورة إلى ألف ممدودة وهذا أمرٌ جائز ومعروف في اللغة العربية ؟ أرى تعليلأ أو تبريراً [لطغواها] التي وردت في الآية القرآنية : إنها قوة تأثير فعل السجع الإيقاعي الذي سيطرعلى كافة آيات هذه السورة. وسيطر أمرٌ آخرُ بشكل لم يسبق له مثيل في القرآن الكريم هوإستخدام ما فعله أبو العلاء المعري مع ديوانه الشعري الشهير [لزوم ما لا يلزم]. في كل آية من آيات سورة الشمس رويٌّ ثلاثيٌّ هو {آها}... ضُح ـ اها .... تل ـ اها .... جلّ ـ اها ..... يغش ـ اها .... بن ـ اها... كذّبتْ ثَمود بطغو ـ اها .... وهكذا باقي آيات هذه السورة (سورة الشمس) من مثل:

ونفسٍ وما سوّاها. فألهمها فجُورها وتقواها. قد أفلحَ مَنْ زكّاها. وقد خابَ مّنْ دسّاها. كذّبتْ ثَمُودُ بطغواها.

 مثال ما لزوميات المعري الثلاثية :

في اللاذقيةِ ضجّةٌ ما بينَ أحمدَ والمسيحْ

هذا بناقوسٍ يَدُقُّ وذا بمأذنةٍ يصيحْ

كلٌّ يُعززُ دينَهُ يا ليتَ شعري ما الصحيحْ

أمثلة أخرى من لزوميات المعري :

لا يُغبطنَّ أخو نُعمى بنعمتهِ

بئسَ الحياةُ حياةٌ بعدها شَجَبُ

 

والحسُّ أوقعَ حيّاً في مساءتهِ

وللزمانِ جيوشٌ ما لها لَجَبُ

 

لو تعلمُ الأرضُ ما أفعالُ ساكنها

لطالَ منها لما يؤتىي به العَجَبُ

واضح هنا الإلتزام بما يلزم لكنه هنا رويٌّ ثنائي: حرفا الجيم والباء.

 

عدنان الظاهر

10/ 5 / 2020