1239 اجساد تحترقإذا أردت الحكم على مجتمع ما، فما عليك سوى النظر في حال من يمثلون جيل الغد فيه، ولعلّ ابرز الإعمال المغربية التي قصدت التنبيه إلى مثل هذه الخلل في إشكالية إنسانية عميقة ومتشعبة، المجموعة الموسومة "أجساد تحترق في الشارع" لمؤلفها الأديب الصحفي محمد الصفي، هذه الباكورة القصصية الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، طبعة 2019، والتي خطّ مقدمتها الباحث الدكتور عبد الفتاح الفاقيد، نقتبس منها قوله: [لقد سعت المجموعة القصصية لمحمد الصفي، إلى تسليط الضوء حول ظاهرة أطفال الشوارع وما تعانيه الطفولة من حرمان واستغلال.إن الهدف من المجموعة هو نقد المؤسسات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي أسهمت في تقويض النسيج الأسري، وتحويل منظومة القيم عن مسارها التقويمي والإصلاحي.مجموعة اعتمدت السيرة الغيرية إطارا فنيا وجماليا لصوغ العوالم السردية والتخييلية، واستعمال اللغة الدارجة التي تحمل رؤية تحقيرية للواقع الاجتماعي، على حدّ تعبير أوركيوني].

من هذه الخلفية يمكن النفاذ إلى النزيف الأسري، والحاصل في منظومة مجتمعية تناست أولويات الطفولة والمراهنة عليها في التغيير والإستراتيجيات التقدّمية، بدل مراكمة الأخطاء، على نحو جدّ خطير يدفع ضريبته الوطن بالنهاية.

أستحضر تاريخ النخاسة ههنا، بأسواقه التي أمعنت في المتاجرة بإنسانية الكائن، وأفرزت ظواهر شادة، زعزعت استقرار العالم برمّته، غير أن ما شهده العصر المعروف ب" المماليك" شكّل مرآة أخرى صافية وصادقة وعاكسة بعمق وإيجابية لمعنى أطفال الشوارع، أو المتخلى عنهم، أو جيل اللقطاء، على جرأة هذا التعريف وقسوته وقوته وامتداد افقه التجريحي.

تقع هذه المجموعة في حيّز ناهز20صفحة، وقد لونته التيمة الأساسية " الطفولة المغتصبة " في إطار إستطيقي يناور بسيرة الآخر، وإن تمّ إنتاجه بلغة جد بسيطة خالية من الشعرية، ومستقاة من صلب العوالم الطفولية ونبضها.

نطالع للقاص في أحد مناسبات كوميدياه السوداء، وكأنّه يحاكم جيلا فّرط في أطفاله، بل ومارس عليهم شتى صنوف التوحش الذي لا يوجد له مثلا حتى في الجاهلية الأولى، يقول :

[أيام يتذكرها أيوب بسعادة، كما يتذكر أسوأها بكل مرارة وحرقة، لما شكلته له من عقد نفسية، كانت من أسباب ما هو عليه اليوم، " تربص به لما يزيد عن السنة، كان خلالها يقدم له حلويات وألعاب، وأحيانا قصصا وجلات، إلى أن أتيحت له الفرصة المواتية في ذلك اليوم، حين لعبت الأقدار لعبتها، يوم لم يحضر فيه أستاذه، التقاه وهو يعبر يغادر المدرسة، فريسة سهلة المنال، أسالت لعابه، وجعلته يزيد من حصة الأقراص التي يتناولها محوّلة إياه لذئب بشري، اقترب من أيوب وهمس في مسامعه أنه محظوظ بلقائه كون أمه تنتظره في منزلهم وأنه على عجل من أمره كي يوصله إليها، مانحا إياه خمسة دراهم، أيوب لم يتردد واستسلم لابن حيهم، "سيمو " كيف وهو يمتلك الآن خمسة دراهم، قلما تمنحها له والدته، غرق تفكيره وهو يسارع خطى " سيمو " فيما قد يشتريه بالخمسة دراهم، ما هي إلا دقائق حتى وجد نفسه داخل غرفة تم إيصاد بابها، غرفة ذات رائحة نتنة من كثرة الزبالة والفوضى التي تعتريها، لم تعد عينا أيوب تدرك بداخلها سوى خطوط نورانية دقيقة عابرة لشقوق النافذة الموصودة.أحس بذعر شديد وهو يرى الوحش الآدمي يزيل سرواله](1).

هنا تكمن الإشكالية، في تلكم الإزدواجية التي يكابده أطفالنا الأبرياء، بحيث تلقنه المدرسة العلم والأخلاق والقيم، والشارع يحقنهم بدوال النقيض لذلك جملة وتفصيلا، فيما تفشل الأسرة في خلق وتفعيل التوازنات المطلوبة، لأعطابها الكثيرة هي الأخرى وانشغالاتها بهموم اقتصادية في المجمل، تكون على حساب الروح وإنسانية الكائن، فلا تزيده إلا تغريبا وبعده عن أناه فما بالك بمن يعولهم ويتحمل مسؤولية رعايتهم، أضف إلى ذلك آفة الأمية.

وفي مقاربة شاملة للإشكالية، نلفي واقعا قاهرا متمثلا في رأس مالية متوحشة، تفرز وصايا ترعى المصالح الصهيو ـــ أمريكية، التي كامل همها ضرب الأسرة العربية والمسلمة، في العمق، لأنها النواة، وإفسادها يضمن استمرارية وخصوبة تلك المصالح، وإن كان الأوجب ألا نلوم الطرف الآخر، فهو عدو وهذا واضح، كي نتحرر نحن من عبء المسؤولية .

إن الأطفال الذين تم الاتجار بهم في العصر المملوكي، بصرف النظر عن شجرة نسبهم، بعدما نكلت الحروب بعائلاتهم وشرّدوا واقتيدوا إلى أسواق النخاسة ثم بيعوا بأثمان بخسة، هم الفرسان الذين سادوا وشغلوا منازل الإمارة، مخلّصين البلاد العربية من شرّ التتر وغزوهم الجنائزي الجنوني.

بالعودة إلى مجموعة " أجساد تحترق في الشارع " نستشف منها كعتبة، ما يحيل على الذهاب في عكس اتجاه ما قد تثمره خندقة الطفولي وخنق عوالمه، في تلك الحالة نجدها أفرزت جيلا ذهبيا إيجابيا، حوّل فرسانه المعاناة إلى بطولات وفتوحات وشجاعة وحكمة وبأس، وهاهنا، من خلال تقليب المنجز الذي بين أيدينا، نلفي مايثور منظومة مفاهيمية مغايرة بالتمام، فاختيار " أجساد " مثلا، عوض " أجسام " له أكثر من دلالة تختزل في الثقافة الإيروتيكية بل والبورنوغرافيا، وتجسدن الطفل وتقدمه على أنه بضاعة، أو بالأحرى ذئاب البشر المكبوتة والظمآنة للجنس، تتوهمه كذلك، وما فخخ العتبة أيضا، لفظة " تحترق " للإشارة إلى أن مستقبل البشرية إنما يربي موته، عبر استغلال واضطهاد وتهميش الأطفال.

نقرأ للقاص أيضا، قوله: [ أتقن سمير شمّ السيلسيون ومعجون السيراج وغيرها من المهلوسات، حتى صار مقززا من طرف الزبائن الذين كانوا يشفقون من حاله، تغيرت وهندامه، وكثرت الغرز بوجهه من كثرة الإصطدامات مع أترابه في المجال . أما عن الأهل فقد نسيهم وتجاهلهم، كما تجاهلوه . تم إيقافه من قبل الشرطة ذات يوم وهو متلبّس بسرقة محفظة نقود ليقتاد للإصلاحية، حيث قضى سنتان، كانتا بمثابة سنين، تعرض خلالهما لأعنف ما يمكن أن يتعرض له طفل في سنه، قرر بعدها الابتعاد عن كل ممارسة يمكن أن تعيده لهذا الجحيم](2).

أرى هذا يقترح من الإسقاطات ما هو أغرب، في عالم انحراف الطفولة، إنها الحالة الإنسانية الاستثناء، مثلما ترويها سيرة قيس المجنون، حتى ان انتقاء العنوان هنا تمّ بحكمة وعناية " سمير الليل "، ليرخي بمشهدية الهلوسة والبرزخية والوجود الهذياني، في حالة قيس، أنتجه العشق ورسمت ملامحه الصبابة والحب الأعمى، وفي حالات المجموعة هذه، أنجبته سياسة التعاطي مع العوالم الطفولية، فحتى القوانين والأحكام، تبدوا قاهرة وغير ناجعة ومؤججة لبؤر الغليان في قلب هذه الظاهرة.

قوانين تركت اللب لتعتني بما هو سطحي في الظاهرة، فهي لا تعاقب وتردع إلاّ بالقدر المنوّم، بحيث يكون النشاط في صمت سرعان ما ينجم عنه الأسوأ.

وختما، يمكننا القول أن القاص محمد الصفي أفلح في الإفلات من تقليد الكاميرا الواصفة لواقع الأوبئة المجتمعية والاقتصادية والسياسية، بتقديم منجز قيم حاول من خلاله الانتصاف للطفولة، وقد وضعها في مرايا سردية، لا تجدي معها تمريرات التابو والأقنعة، حتّى أننا شعرنا معها بما تصمت عنه بياضات الإشكالية، وهي تصنع مثل هذا الإنتماء، وتحاصر برؤى مختلفة ومواقف جريئة، أورام الطفولة فينا، وتصهل بانتهاكات الهوية العربية، وقد تعرّت من أخلاقها ورمزيتها ومثاليتها.

 

احمد الشيخاوي- شاعر وناقد مغربي

.....................

هامش:

(1) مقتطف من قصة " أيوب" صفحة 11/12.

(2) مقتطف من قصة " سمير الليل " صفحة55.

 

 

بسمة الشوالي(عادِ إلّي يْعَجِّزْ في بْلادَهْ غِيرْ إلّي يْعجِّزْ ضِيفْ).. الأبنودي

تمنح قصّة "ضيف على العالم" عنوانها لكامل المجموعة الصادرة في 2017 عن "فضاءات" للنّشر والتوزيع، والمؤلّفة من ثمان وعشرين قصّة، وتقع منها في المرتبة السادسة والعشرين، تليها قصّتا روابط عائليّة و" النائمون الجميلون". وهي إلى ذلك القصّة الطويلة الثانية مقارنة بالبقية التي تقتطع من النفس السرديّ للكاتب عشر صفحات.

التموقع الترتيبيّ المتأخّر للقصّة وثنائيّة الروّاة: راوٍ أوّل ينسحب سريعا لصالح الشّخصية الرئيسية التي تستلم فعل القصّ غيابيّا أيّ بعد وفاتها من خلال "قراءتها" للدفتر الذي تركته من بعدها، وكذا كثرة التفاصيل والمعلومات الشّخصيّة الحافّة ببطل القصّة إسماعيل الشيخ إبراهيم وآرائه ومواقفه من كلّ ما يتعلّق بمسألة الضيّافة في العالم، ليس مجانيّا فإسماعيل يمثّل النموذج الأقرب إلى الذات الكاتبة من جهة ٍ(فهو أديب، صديق للجميع حتى لأصغر الكائنات في المزرعة/العالم، يكسب رزقه من  مهنة الكتابة/ الخطاطة، يستقوي على الوحدة بالقراءة، يحبّ العزلة قدر الإمكان، خصيم للعنف، لكنّه يحمل في وجهه القلم لا السّلاح أو السيف، ويمدّ نحو النّاس الخطوط كما يمدّ لهم خيوط التواصل أمام أعينهم.) وهو من جهةٍ ثانية نموذج يُحتذى لما يجب أن يكون عليه كلّ ضيف أينما حلّ بدءا من رمزيّة اسمه المركّب من اسميْ نبيّين أحدهما أبو الأنبياء والآخر أبو العرب (إسماعيل)، فهو على معنى ما "سليل الأنبياء"، ( ونذكّر أنّ الكاتب انحدر أصله من أرض الأنبياء/ فلسطين) ومثلهم يترك من بعهده "كتابا"  عُثر عليه بعد موته (توفّي في مارس 2016)  بين متاعه القليل، وفيه ضبط كلّ القواعد الأخلاقيّة ومدوّنة السّلوك الواجب اتباعها من قبل كلّ من ينزل ضيفا على "دار" ما، وكلّنا في الواقع ضيوف على الله في هذا العالم، وعلى الحكّام في أوطاننا التي قد يحوّلونها في مرحلة ما من طغيانهم السياسي إلى مجرّد دار للضيافة المؤقّتة المشروطة بالخضوع تهدّد ضيوفها الخارجين عن "بيت الطاعة" بفقدان حقّ الإقامة المستقرّة الآمنة فيصير البعض أسيرا " يبكي عليه منبر وسرير" ويتعرّض  العض الأخر إلى النّفي والتهجير" حاملا أناه المتأّلمة عبر العالم. فضلا عن ذلك، حدّد إسماعيل في هذا "الكتاب" أشكال الخروقات الجسيمة لميثاق الضيافة وما ينتج عنها من فساد يطال الأفراد والمجتمعات والعالم برمّته، لذا كانت هذه القصّة في مجملها كما الشّجرة الأمّ الفارعة لكنّها لا تخفي عن المتنزّه/ القارئ "غابة السّرد" بقدر ما تدلّه على قواعد السّير الآمنة في مسالك الغابة سردا كانت أو واقعا، وتحدّد له ما به تتحقّق له الإقامة الممكنة سواء في ضيافة منازل القصّة المتعدّدة في هذه المجموعة أو في المضايف المختلفة عبر العالم الذي شبّهه إسماعيل "بالمزرعة هائلة الشّساعة" يفتحها "المضيّف الكبير" الذي هو الله لضيفه الإنسان.

من اللاّفت في هذه المجموعة أنّها قصص نهاريّة بامتياز، فأحداثها تتحرّك تحت ضوء الشّمس، وفي أوقات مختلفة من النهار، مع استثناءات قليلة جدّا كما في قصّة "حافة السرير"، إلى ذلك تمتاز بكثرة أماكن العبور أو منازل الضيافة الصغرى حيث الإقامة الوقتيّة المقنّنة بمدوّنة سلوك اتفاقيّة تحتّم على الضّيف أيّا كان "أن يتخلّق بأخلاق ضيف عابر"، " فلا آخذ أكثر من حاجتي، وأبقي على الرقعة من حولي نظيفة، وأخفض من صوتي ومن نظري، وأصادق من يصطفيه قلبي حتى لو كان زهرة بريّة فقيرة العبير أو خنفسة سارحة أو صخرة واجمة" (القصّة نفسها) وأماكن العبور هذه هي:  مظلّة صغيرة تستضيف تحتها سيّدة عابرة رجلا يريد أن يعبر الشارع تحت المطر الكثيف، المطارات، القطار(من الدار البيضاء إلى طنجة بالمغرب)، مدينة ببلد أجنبيّ ( بورغاس البلغارية مثلا)، شارع " بقلب روما"، أحد الفنادق، مقهى، مطعم.. الحياة نفسها تُعرّف بأنّها دار ضيافة والسكن فيها وقتيّ ومشروط بحسن السيرة والسلوك مع الله ومع الناس مهما طال أمدها: " نحن أيضا ضيفان على هذا العالم، هكذا فاتحته أمّه" يقول الراوي متحدّثا عن إسماعيل الشيخ ابراهيم.

المكان الوحيد الذي يمثّل "وطنا حقيقيّا" يسكن فيه الإنسان آمنا دون ذلك الشعور المزعج بالغربة، ولا تلك الترسانة الثقيلة من شروط الإقامة المجحفة أحيانا بحق الضّيف الأجنبيّ، ومن ضرورة التعبير المستمرّ عن الامتنان والسرور والشكّر للمضيِّف، هي المقبرة "حيث يرقد الرّجال إلى جانب النساء دون حرج خلافا لما يجري في الحياة"، أو قد يسكن الراحل الشابّ جميلا مطمئنّا وطببيا فلسطينيا مهاجرا على الدوام، داخل إطار لصورة معلّقة على الجدار، يعد أهله بالعودة إليهم في اليوم الموالي، ولا يأتي ذلك اليوم أبدا.

أمّا الشّخصيّات فقد كان أكثرهم تنويعات شكليّة إن شئنا عن ذات واحدة هي شخصيّة إسماعيل، ومعه يشكّلون جميعا صورة تقريبيّة عن الكاتب نفسه الذي كثيرا ما كان يلتحم بالراوي ويحمله على التكلّم المباشر بصوته لتغدو بعض القصص سِيرا ذاتيّة له مرويّة بضمير الغائب "هو".

هذه الشّخصيات هم على غرار إسماعيل رجال وحيدون، لا نعرف أسماءهم، يتنقّلون منفردين "كواحد من النّاس، من الأنام، من العوامّ"، ويحترمون كثيرا آداب الضّيافة، ويؤمن كلّ فرد منهم أنّه "ضيف عابر لا حول له سوى امتلاكه لذات بنفسه واستقوائه بوحدته"، ولعلّهم جميعا مثله قد قرّروا ألاّ يتزوّجوا "حتى لا يضيفوا إلى المزرعة المزيد من الضيوف". كما يبدو جليّا، وإن لم يتمّ التصريح بذلك، أنّ كلاّ منهم "يتّكل على شخصه في كلّ شيء"، ويؤمن مثل إسماعيل أنّ عليه "أن يجتهد ويكسب علما ويجيد حرفة ويعرف كيف يلتقط رزقه"، ولا مجال للاتكال على المُضّيف".

إنّهم غالبا "رجل مسفار"، مثقّف على صلة محبّة بالأدب، يحمل بعضهم كتابا أدبيّا أو يشير إليه  وإلى كاتبه، كهل عربيّ يتّخذ صفة "الزّائر المشرقيّ"، لكن " لا يروقه أن يُنعت بسائح، فهو محض عابر" (ق "آنّا كرنينا")، لذلك لا يفارقه إحساس المضاف إلى مكان ليس هو مكانه الأصليّ والمجرور بالتالي بجملة من الشروط وقواعد السلوك السليم، فهو بالضرورة محمول على التهذيب :" فالضيّف خليق بأن يكون على أدب" كن أديب يا غريب"، والضيّف غريب مهما طال أمد ضيافته" (ص 159)، ولمّا دعت  حفيدة "آنا كارنينا" الزائر الأجنبيّ إلى مشاركتها الطاولة حيث المقعد الشاغر الوحيد بالمقهى (بمدينة بورغاس)" تقدّم بشيء من الارتباك نحو المقعد البلاستيكيّ الرماديّ وهو يومئ بتحيّة مشفوعة بابتسامة مقتضبة للسيّدة" ( ص 107)، وليست الابتسامة فقط هي المقتضبة في العلاقات العابرة التي يعقدها الزائر المشرقي مع أشخاص من البلد المُضيّف، فالأحاديث وردود الأفعال والأقوال، والمواقف الشخصيّة ممّا يستجدّ من حوله كلّها تتّسم بالاقتضاب والدّقة والحذر. وهذه تقنية في القصّة تضيء أكثر منطقة الشعور بالغربة الذي يلازم الضّيف أينما حلّ من جهة وتتيح، من جهة اخرى،  للقارئ أن يتعرّف بشكل مباشر على الآخر المختلف المقيم في زاوية مغايرة من العالم، وعلى بعض عاداته كسكب "إبريق من الشّاي على قبر المرحوم حتى لا يُحرم ممّا يحبّ" (ق "إبريق شاي للمرحوم")، وأنّ يتعلّم بالتالي، من تجربة الضيف جليسِ "آنّا كارنينا" " كبح سوء الظنّ في نفسه، سوء الظنّ، والتّسرّع في الحكم على الآخرين"، بمعنى ما أن يصبح الضّيف مُضيِّفا بدوره للآخر في نفسه، يتلقّى منه ويعطيه من ذاته في آن، منفتحا عليه ومعه على كلّ ممكنات التواصل والتّشارك ضمن إطار " ثقافة الضيافة" التي تقطع مع منطق التملّك والاستعلاء من قبل المُضيِّف، وباعتبارها " السلوك المضادّ للانتقام"، من قبل الضيّف: "إنّ القيمة التي تمثّلها إمكانيّة الانفتاح على الآخر بالنسبة لجوهر البيت لا تقلّ عن تلك التي تمثّلها الأبواب والنوافذ الموصدة " (أورده رشيد بوطيّب عن ليفيناس).

لكن لمَ يصرّ الشيخ إسماعيل إبراهيم في قصّة "ضيف على العالم" وكذا بقيّة الشّخصيّات التي سبق تقديمها، على صفة " الغريب" الملازمة للضّيف (حتى وهو أديب على معنييْ التأدّب والأدب في آن)، أينما حلّ، سواء على العالم أو على آخرَ ما؟ هل يتعلّق الأمر بصعوبة تأقلم الضّيف مع محيطه الجديد وعجزه عن التواصل في يسر وأريحيّة مع الآخر؟ أم في المضيّف الذي ما يزال حتى اليوم (إسماعيل توفّي سنة 2016) ينغلق على نفسه موصدا إزاء الأجنبيّ أبوابه ونوافذه خوفا، أو توجّسا، أو رفضا تامّا لوجوده في بلده في أحيان كثيرة في عودة رهيبة لفوبيا الآخر: الغريب/ الأجنبي؟

أوّل أسباب الغربة بحسب ما يبوح به إسماعيل في الدفتر الذي تركه مكتوبا بخطّ يده هي أوّلا القدوم إلى العالم على نحو قدريّ لا خيار له فيه ليعيش يتيما وحيدا تؤويه "غرفة منخفضة السّقف ملتصقة ببيت في أقصى المدينة الجنوبيّ ومضافة إليه": يقول: "أتراسل صامتا مع المضيّف الكبير وإلاّ من أتى بي إلى هنا؟ لم آت بمفردي من مكان معلوم، وإن كنت سأغادر المزرعة ذات يوم قريب بمفردي"، لكن بعد أن تنال السّآمة والملالة من حشاشة كبده في متأخّر الأيام ( ص 162) وهي مغادرة غير اختياريّة كذلك، فهذا الشيّخ الحكيم ولئن استطاع أن يقدّر سنة عودته إلى ملكوت الرحمان فإنّه ترك تاريخ ذلك منقوصا من يومه المحدّد: يوم.../3/2016"، لكأنّا نسمع رجع صدى حيرة "إليا أبو ماضي" الوجوديّة: "جئت لا أعلم من أين ولكني أتيت/ ولقد أبصرت قدامي طريقا مشيت".

ثاني الأسباب ذاتيّ إذ تنشأ الغربة كمكوّن أساسيّ في بنية الشخصيّة التي تعرف منذ نعومة أظافرها أسباب غربتها في وطنها وخارجه: الخوف من الآخر المهيمن، الأقوى، والممتلك لكلّ أسباب استعباد الـ"غريب" جسديّا واجتماعيا واقتصاديا، فـ " النادلة الأندونيسيّة (المهاجرة ببلد عربي مشرقيّ من أجل العمل) تخاف الغراب رغم أنّه لا يؤذيها، تخاف من كبريائه واعتداده (..) تخاف انغلاقه على ذاته وعدم اكتراثه بوجود الآخرين"، بينما يحافظ السوري المهاجر من حمص " التي هدّمتها غربان معدنيّة نفّاثة وأرواح سوداء" على "صداقته" مع الغربان الحقيقيّة، " فأبناء المدينة لا يتطيّرون من شيء سوى العبوديّة" يقول لها.(ق "حسن ما سوف نفعله").

وثالثها موضوعيّ يتعلّق بالظّروف المجتمعة التي رسّخت الشعور بالغربة في نفس إسماعيل حتى وهو في غرفته التي بمسقط رأسه من المزرعة التي قضى بها نيفا وسبعين من العمر سالما مسالما محترما من قبل الجميع. يجرّ" إسماعيل تاريخا عريقا من الهجرة، فهو ابن الجارية المصريّة هاجر التي تسببت ربة البيت "سارةّ" في "تغريبها" بسبب الغيرة، فهجره أبوه النبيّ إبراهيم وهو رضيع صحبة أمّه في أرض غير ذات زرع، ليكون بعدئذ أبا للعرب الذين ابتلوا بقرون متتالية من الاحتلال والتهجير. ومن لم يُهجّر قسرا بسبب الحرب الدائرة ببلده أو لأسباب سياسيّة مختلفة، هاجر بنفسه في قوارب الموت السريّة بغرض النزول عند ضفة البحر الثانية ضيفا غير مرغوب به حتى من قبل وصوله، وغالبا ما يستبق بطنُ الحوت استضافته الجميعَ. الكاتب نفسه فلسطينيّ هُجّرت عائلته بسبب الاحتلال الإسرائيليّ لفلسطين سنة مولده: 1948م. في قصّة " سمفونيّة في قلب روما" يقول الراوي، الذي التحم بالكاتب هاهنا، وردّا على السائح التايوانيّ الذي قال له "بنبرة مشفوعة بمواساة  إنّ انفجار العنف لا يتوقّف عندكم" : "الزائر المنفرد لم يتمكّن من الإيضاح له في هنيهات الدّردشة بأنّه خصيم للعنف منذ تمّ اقتلاعه من يافا بأنياب حديديّة، وكما اقتُلعت أشجار زيتون روميّة بالطريقة نفسها"، مُرجعا بذلك العنف إلى مصدره الأصليّ الذي هو الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ومدافعا بالتالي عن كلّ العرب  المسلمين المهاجرين.

نبيل أيضا فلسطينيّ آخر مهاجر يعمل جرّاحا في رومانيا، يعالج المرضى بحبّ وتفان بينما هو جريح حرب لا يُشفى، "يصفه بعضهم بمسلم من بلد المسيح"، وعندما يقرّر العودة إلى وطنه تصدمه شاحنة عمياء عماء الاحتلال فتقصف عمره. (ق "جريح يعالج مرضى"). وما هذه الشّخصيّة إلاّ نموذج آخر لكلّ الفلسطينيّين المهجّرين، ضيوف غرباء مهما حاولوا التملّص من ذلك الشعور." أن تبقى طيلة حياتك ضيفا فذلك يبعث على الامتنان ثمّ الدّهشة فالضّيق"، يقول إسماعيل. لكنّنا في زمن تزاحم فيه المهجّرون العرب على نحو قسريّ على أبواب البلدان المضيّفة في بقاع مختلفة من العالم، مضايف مغلقة في وجوههم وأخرى نصف مفتوحة وأخرى مفتوحة للمقايضة بمآسيهم من أجل تعزيز السيطرة السياسية والاقتصادية على منطقة الشّرق الأوسط: السّوريون والليبيون واليمنيون ومن قبل العراقيين.. كما لو كانوا هم "العابرون في كلام عابر" وليس محتلّوا أوطانهم، أو حكّامهم الذين استقووا عليهم بالقوى الأجنبيّة، وكذا جيرانهم الذي فتحوا عليهم الحدود لدخول مافيات الحرب وتجّار الأسلحة والممنوعات والإرهابيين على اختلاف مشاربهم الأيديولوجية تنفيذا لسياسات قديمة متجدّدة متعلّقة بإعادة ترتيب "البيت المشرقيّ" ورسم خارطته الجديدة وتغيير شروط إقامة "أهل البيت" الأصليين في "بيوتهم".. أو هم "التوحيديّون الجدد " (نسبة إلى أبي حيّان التوحيدي): "أين أنت من غريب قد طالت غربته في وطنه !؟".

سقط جدار برلين الذي كان يفصل بين شطري ألمانيا الشرقيّ والغربيّ ويجعل سكّان البيت الواحد غرباء عن بعضهم البعض، وأفاض الفلاسفة والمفكرون والأدباء في تطارح مسألة الضيافة وأخلاقها وشروطها وكلّ إمكانات الصّداقة الناجعة بين الهويات المختلفة خارج منطق الهيمنة والتملّك والتعالي. لكنّ الجدران مذّاك لم تفتأ ترتفع وبأشكال عدّة: جدار العزلة الذّاتيّة يفصل المرء عن محيطه الواقعيّ والذي تؤّمن العولمة، جدار الفصل العنصريّ في القدس، الجدران الشائكة في وجه المُهجّرين من سوريا ووغيرها من البؤر المتوتّرة، وليس آخرها الجدار الحدودي الذي يريد ترامب بناءه بين بلاده والمكسيك. هناك رفض معلن وشاهق لهؤلاء الضيوف غير المرغوب بهم حتى من قبل دخولهم، من ناحية البلدان المستضيفة ومواطنيهم، مقابل عنف يخرج عن طوره ونزعات انتقاميّة نائمة تستفيق بنسق سريع فظيع من سباتها الإيديولوجيّ المتشدّد لتتحوّل إلى حوادث عنف خطيرة وأحداث إرهابيّة مرعبة اخترقت حتى أعتى الأنظمة الأمنية العالمية دقّة وحرفيّة.

إنّ العالم الذي جعلت منه العولمة قرية صغيرة قد تحوّل إلى حجور مظلمة للجرذان الفتّاكة والأفاعي الخطيرة التي أخلّت بالدورة الحياتية السليمة للعالم وأفسدت إمكانات العيش المشترك بين ضيوف الله من البشر تحت سمائه الواحدة وفي مزرعته الشاسعة التي هي العالم. لكنّ ذلك لم يصبح بعد مستحيلا، إذ يكفي بحسب الشيخ إسماعيل إبراهيم أن يحترم كلّ فرد ذاته والآخرين، بل وكلّ الكائنات الحيّة التي تقاسمه العيش على الأرض، وأن يلتزم بقواعد الضّيافة وقوانينها وآدابها حتى " يتحوّل (الإنسان) إلى نبع، إلى فسقيّة من الحجر يهطل فيها الكون مثل مطر دافئ" (كونديرا) وحتى يغدوَ الحلم بأن يكون العالم يوما ما "مظلّة صغيرة تجمعنا" ممكنا.

 

بسمة الشوالي - تونس

 

 

مادونا عسكرقراءة في قصيدة للشّاعر الفلسطيني فراس حج محمد

- النّصّ:

صباحك شهوة القبلِ

أضيئي الكون واغتسلي

ومدّي لي يديك رضاً

فإن مداهما جُملي

حبيبة قلبي الأسنى

شفاهك لثمة العسل

أحبّك كلما انتبهت

عقائد قلبي الثّملِ

قصائدنا الهوى لغةٌ

معرّفة بلا خجل

تجلَّيْ يا أمان اللهِ

واروي الطّيف في مقلي

***

- القراءة:

يدور هذا النّصّ البديع في فلك النّور حيث النّشوة المترامية في كون الشّاعر العشقيّ، حيث تمتزج عناصر النّور (الصّباح/ الأسنى) بشخصه وبشخص الحبيبة، فيبرز الكون العشقيّ النّورانيّ الّذي تتجلّى فيه الحبيبة  إلهة تمنح الشّاعر الحياة/ النّور. وإذ يستهلّ البيت الأوّل بلفظ الصّباح والشّهوة والقبل، يحدّد مسار كونه الشّعريّ النّورانيّ المرتبط جذريّاً بالحبيبة (صباحكِ). وكأنّي بها مصدر النّور الّذي من خلاله يطلّ على العالم. ويبدو لفظ (صباحك) خاصّ بها، فهو لا يرنو إلى صباح هذا العالم، وإنّما إلى صباح مختلف، صباح المحبوبة الإلهة الّتي تشرق في عالمه وتحوّله إلى عالم خاصّ يحيا فيه الشّاعر. وارتباط صباحها بشهوة القبل يبيّن صوفيّة الشّاعر المرتبطة بالجسد والرّوح معاً، ما يدلّ على توجّهه بكلّه إلى كلّها. وهنا يبرز المفهوم الآخر للصّوفيّة الدّال على انشغال الشّاعر بأعلى الدّائرة الإنسانيّة حيث الجمال والنّور والحبّ، فيرتقي بالمحسوس عن المحسوس ويتدرّج من الشّهوة الحسّيّة إلى الشّهوة المقدّسة ومن القبلة الحسّيّة إلى القبلة المقدّسة.

تبدو الشّهوة مقدّسة بفعل حضور المرأة الإلهة الّتي يتقدّس بها الشّاعر الّتي يتضرّع إليها، إن جاز التّعبير، حين يقول (أضيئي الكون واغتسلي). في فعل الأمر (أضيئي) استدعاء للمرأة النّور الّتي بيدها حجب النّور أو إظهاره وكشفه. ثمّ يضيف (واغتسلي) كمعطوف على (أضيئي) مرتبط بالشّهوة. لكنّ فعل الاغتسال هنا متلازم والنّور الّذي منه تُستَمدُّ الشّهوة وإليه ترنو. ولعلّها إشارة من الشّاعر إلى صوفيّة العلاقة الجسديّة كفعل حبّ نورانيّ ينطلق من الحسّ ليخلص إلى اللّاحسّ في دائرة النّور. ومن مظاهر ذلك الاتّحاد، اتّحاد اللّغة بين الشّاعر والمحبوبة، كما يبدو في قوله:

ومدّي لي يديك رضاً

فإن مداهما جُملي

ففي اليدين اللّتين تبعثان الرّضا تمدّد الشّاعر في الكون وترسيخ للغته (فإن مداهما جملي). هو يصوغ قصائده بها وهي قالبها وقلبها من جهة. وهو المتّحد بها يشكّل الوحي الشّعريّ ويترجمه حسّيّاً بلغة الجسد المعبّر عن الحبّ ويرتقي به ومعه إلى اتّحاد الرّوح فيخلق القصيدة. ولمّا وُجدت القصيدة حلّت فيها لغة الحبّ فكان الحبّ هو القصيدة وكان الجسد والرّوح عنصرين لا ينفصلان في كونيّة الشّاعر.

وليست اليدان وحدها من يكون دليلا ومشاركا في هذه العلاقة، فالشّفاه كذلك وسيلة لنطق اللّغة الخارجة من القلب الّتي منها يستقي الشّاعر وحيه الكامن في قلبه المتيقّظ أبداً بفعل حضور المحبوبة النّور. وإذا أشار الشّاعر إلى ثمالة القلب فليعبّر عن نشوة النّور العارمة الّتي تفيض بتجدّد واستمرار:

حبيبة قلبي الأسنى

شفاهك لثمة العسل

أحبّك كلما انتبهت

عقائد قلبي الثّملِ

قصائدنا الهوى لغةٌ

معرّفة بلا خجل

إذ يوحي هذان البيتان بعري داخليّ بين الحبيب والمحبوبة يقودهما إلى الاتّحاد الكامل ضمناً. ولعلّه أعظم من اتّحاد بالمعنى الحصريّ للغة، وأعمق من وحدة الرّوح والجسد. إنّه المعنى العذب الّذي عبّر عنه جلال الدّين الرّومي قائلاً: "في كلّ ما قد تعرفه يبقى العشق وحده لا متناهياً". فقصائد الشّاعر المعرّفة بلا خجل قصائد عشقيّة لا ينضب وحيها؛ لأنّها نابعة من نقاء لامتناهٍ، وصفاء غير محدود يصبّ في قلب العشق، قلب الله، وصولا إلى قوله:

تجلَّيْ يا أمان اللهِ

واروي الطّيف في مقلي

"المرأة هي إشعاع النور الإلهي." (جلال الدّين الرّومي)، والمرأة عند الشّاعر نور الله وأمانه. وبفعل الاتّحاد العشقيّ يمسيان معاً إشعاع النّور. ولا يكون العشق عشقاً ما لم يقد العاشقين إلى الله. ولا يكون العاشق عاشقاً ما لم يرَ في معشوقه نور الله، وما لم يمتزج بهذا النّور ليسير به ومعه نحوه. إنّ الارتواء الحقيقيّ يكمن في ذلك الماء الّذي إذا ما ارتوى منه العاشق لا يعطش أبداً. ومن عمق الارتواء يتفجّر الشّوق الظّامئ إلى مزيد من الارتواء. فمن يغرق في النّور لا يرتضي الخلاص أبداً.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

مالكة عسالقراءة في منجز روائي للأديب بوشعيب الإدريسي

1ـ مدخل إلى عامل: الرواية رسالة لغوية تحمل عالماً متخيلاً من الحوادث، التي تشكّل مبنى روائياً بشكل واسع على شريطي الزمان والمكان، والتعدد في الشخصيات بما فيها الرئيسية /البطلة، والثانوية كفروع مكملة، والوقائع والأحداث التي تتعاقب أو تتزامن؛ والسارد الذي يحكي لنا بالتفصيل؛ فهي تشتغل كالقصة على الحدث أو الأحداث، وكيفية بنائها داخل تقنيات الأزمنة وأنواع الأمكنة، وتحريك الشخصيات حسب الوقائع.. ومبدعنا دخل غمارها متسلحا بثلاثة أعمدة لا يمكن استثناء أحد منها عن الآخر، أولها الأفكار التي لملمها من الواقع المعيش، وخصّبها في دنّ المخيلة بالإضافات والحذف والتوليد.. ثانيها اللغة التي جمع قاموسها من تجارب متنوعة من محيطه عن طريق الاطلاع والتلاقح، وخزانه المعرفي الموروث عن الأجداد والأسلاف.. ثالثها الحبكة السردية التي مكنت مبدعنا من توظيف هذه العناصر، وتركيبها في بناء سردي /حكائي ... فهذه فالعوامل مجتمعة، كانت حافزا بليغا على الزج بمبدعنا في عالم الرواية ...

2ـ ملخص حول محتوى الرواية

كان لمكتبتي احتضان المنجز الأدبي، حين تسلمته شخصيا من صاحبه بإهداء محترم سرّني، تحت عنوان: (جراح غائرة) من الحجم المتوسط 196 صفحة، مجزأة إلى 43 جزءا، ممكن اعتبارها فصولا، ولو ليست مقيدة بعناوين تثبت ذلك.. تحكي الرواية عن قرية صغيرة تقطنها السيدة عائشة، اختطفت ابنتها زينب من باب المدرسة، وبحثت عنها، ولم تجدها، فاختفت هي الأخرى.. وأصبحت القرية تعيش فوضى باجتياح اختطاف التلاميذ من المدرسة، وهينمة أخطبوط العقارات، وأصحاب المصالح الشخصية وإفراغ الساكنة من بيوتهم، ومزارعهم، واجتياح المباني الإسمنتية؛ فتحولت من قرية جميلة بأغراسها وحقولها إلى قرية ملوثة، تتراكم فيها الأزبال، وتتناسل الأحداث؛ وتتفشى فيها ظواهر مقلقة كالفقر والبؤس والدعارة، والسرقة والقتل، وتطال يد الإفراغ عبد المالك زوج عائشة وأبا زينب هو الآخر.. وتتوالى الاحتجاجات.. أخيرا تعود عائشة فتجد مكان مسكنها خرابا ....

والقرية دون منازع هي رمز وإشارة حقيقية إلى الوطن، وما يجري فيه اليوم من أحداث مؤسفة وقاتلة، تشمئز منها النفوس ...

صدرت الرواية في حلة أنيقة عن مطبعة النورس زرار /الطبعة الأولى، تخلو من أي تقديم، تاركا مبدعنا بوشعيب الإدريسي المجال، ليقدم الإبداع نفسه بنفسه ..

3- العتبات النصية كبوابة لاقتحام المضمومة

أي كتاب يلمسه القارئ، لابد وأن يقلبه بين يديه، قبل بدء قراءته، يتفحصه، ويطلع على عتباته النصية التي تقوده إلى المحتوى، لتساعده على فهم المقروء: كالغلاف، والعنوان، واللوحة، والألوان وما جاور ذلك.. ولقد أسهم الوعي النقدي الجديد في إثارة علاقة العتبات والنصوص المحيطة، أو المجاورة بالموضوع الأساسي، فأضحى مفهوم العتبة، مكونا نصيا جوهريا له خصائصه الشكلية، ووظائفه الدلالية التي تؤهله للانخراط في مساءلة ومحاورة بنيات دالة، لها نفس الدرجة من التعقيد من بنية النص وأفق التوقع... وبدوري قمت كقارئة بنفس الفعل.. أسائل العتبات النصية عنصرا عنصرا بشكل متواضع قبل اقتحامي المحتوى ...

الغلاف الذي يحتضن المحتوى

لقد هيمن اللونان الأسود والرمادي على دفتي الغلاف، وعلى الرغم من أن اللون الأسود اليوم لون التبجح والأناقة، وفساتين السهرات الجميلة، والأفراح، فهو لدى البعض لون الحزن والكآبة والبؤس وحلكة الأيام، حين تكفهر ذات المرء، ويشتد الضيق بالنفس، يرى فيه النحس والشؤم، وإلا لما راج لون الغراب ونعيقه لدى البعض، كعلامة دالة على وقوع شيء غير محمود عقباه.. الدفة الأولى من الغلاف تمثل لوحة لطفل حزين فقير، يتربع على أرض عارية بها شقوق ودون فراش، يُكوّم ذاته في وضع يحرك المشاعر ويدمي القلب، يقبع رأسه داخل ذراعيه، حافي القدمين؛ وهو رمز بصيغة شمولية إلى الفقر والبؤس واليتم، وما جانب ذلك.. والأشياء مجتمعةً تعبير صريح عما تعانيه الذات المبدعة من حزن ولبس، وما يعتري النفس من انكسار وشقوق، جراء ما تتأمله وتراه وتعيشه ..

العنوان عتبة دالة على المحتوى

اختار مبدعنا الأديب بوشعيب الإدريسي، (جراح غائرة) عنوانا رئيسيا للمضمومة، صاغه في جملة بسيطة من لفظتين عاديتين متداولتين بشكل مباشر، حتى لا يلتبس الأمر على القارئ، فيستطيع اقتحام المحتوى دون أدنى كلل .. ولو كنت مكانه لاخترت عنوان (الشبح المباح) أو (الشبح المنتظر) بصيغته الرمزية، كما يجري على لسان الكاتب في قلب الرواية؛ لأضع القارئ في ورطة البحث عن عمق الدلالة من منظوره الشخصي فيأتيَ بما لم يخطر على بالي ..

 وميز الكاتب العنوان باللون الأحمر، ليس تعبيرا عن شقائق النعمان حين تزهر وتزدان بها المروج فتنتعش النفس؛ ولا وصفا لسحر الشفق حين تؤول الشمس للأفول، ثم تغْرب، فتترك خلفها أجواء رومانسية تلهم العشاق؛ وإنما تعبير على جرح نازف، ودم راعف دون توقف، إزاء ما يراه في الواقع من أوضاع مقرفة، هزت مبدعنا من الجذور، اقتنصها من خلال تأمله الثاقب لما يجري، وما يأمله من تصحيح ليس بيده آلياته؛ صراع مرير بين حلم جميل يراوده، وواقع عليل، اشتد به السقم ولا إمكانية لتغييره .. رؤية، وحرية اختيار.. وعلى القارئ احترامهما..

 تحت العنوان مباشرة، دُوّن اسم الكاتب بلون فاتح، مما يدل على أن الأمل مازالت فيه الروح، ولم يقتل بعد؛ وسيأتي عليه حين من الدهر، ويحيا، فتنجلي الغمة في النفس، فلابد لليل أن ينجلي **** ولابد للقيد أن ينكسر

(الشاعر التونسي /أبو القاسم الشابي وقصيدة / إرادة الحياة)

أما الدفة الثانية فتوشحت بصورة الكاتب، شردت به موجة التأمل، مسددا نظرته نحو أشياء شدته بقوة إلى درجة نسيان نفسه، وذيلت صورته بمستطيل أبيض ضم نبذة عن الكاتب ...ثم لفظة (رواية)..

4 ـ المحتوى وتعدد مواضيع الرواية

لقد استهل مبدعنا السيد بوشعيب الإدريسي منجزه بإهداء مختصر إلى أخته ربيعة، والإهداء عادة يكون للأعزاء، وهذا يبين بالواضح مدى تعلق أديبنا بأخته حد التوحد / الذوبان.. فالإخوة كل شيء في حياتنا، نتنفس السعادة في سعادتهم، ونحزن لحزنهم، فنودّهم يشاركوننا إبداعاتنا وأحاسيسنا، يواسوننا في اللحظات الحرجة، ويطْمئنون علينا إن غمرتنا السعادة ... وهذا ما ودّه ورغب فيه كاتبنا، فهو يريد مشاركة أخته في هذا المنجز لأمر، لا يعرفه إلا هو...

ثم يباشر كاتبنا حلقات الرواية على التو، دون أي تقديم من ناقد، أو من قِبَله شخصيا، ليعيش فصولها الضاربة في العمق الإنساني :(اختطاف زينب)، كعمود فقري رئيسي، يعلق على أغصانه أحداثا كبرى مكثفة ومتنوعة، كالهجرة والتلوث وإفراغ الساكنة من بيوتهم، والقتل والاغتصاب والسرقة والفساد بكل أنواعه، وتواثب الكاريانات، وغيرها من الأحداث المتزامنة والمتعاقبة التي سنقف على بعضها لاحقا، ما أتاح لي تلقيبه ب(مؤلف المبادئ والمواقف الإنسانية.)..

5- المبدع بوشعيب الإدريسي مؤلف المبادئ والمواقف الإنسانية

يلتقط مبدعنا السيد بوشعيب الإدريسي بعينه المجهرية مشاهد مقرفة للواقع المرير، الذي طرزته صفائح بشرية تعيش عيشة الحيوانات، وينقل إلينا بأدق التفاصيل، ما يعيشه الإنسان من فقر وغبن، بل حتى في طرق التحدث والتواصل في ما بينهم، حيث برِع في تصوير واقع الطبقات المهمشة المخزي بمهارة، وبأدق التفاصيل، واقع انتشرت فيه كل أنواع الإجرام بدرجات متفاوتة، وعمّ فيه الفساد بكل أشكاله، متوغلا في جيوب المجتمع، ملامسا حالة الفقر والقهر والتعاسة والتهميش، التي تعيش عليها شريحة من الطبقات المعوزة، يتلمظون من البؤس، ويتجرعون مرارة سوء الحال، والمسؤولون يغطون في نوم التغاضي، وعدم الاكتراث (إرهاصات عيش الفاقة ؟ إرهاصات عيش التعاسة والفقر؟ التفقير ؟ التهميش الممنهج ؟؟) ص 24، فكاتبنا يعي ما يقول، ويعرف أن هذه الظواهر لها مسبباتها وخلفياتها، فالأوضاع المزرية نتاج سياسة فاشلة، وخطط مدروسة وفق منهاج من أجل تكريس الفقر، وإبقاء الحال عما هو عليه، وعدم الاهتمام بمناطق المغرب غير النافع، لأن إصلاح الوضع، معناه إفساح المجال للجماهير، للطموح والتطلعات، وفرض مشاركتهم في القرار وإبداء الرأي، وهذا يقلق المهيمنين على السلطة وأعوانها ومشاركيها، مخافة كشف عورا تهم، وسياستهم المصلحية... ومن ضمن المعضلات الإنسانية المعقدة:

 ـ ظاهرة إفراغ الساكنة وتشريد هم

وضع كاتبنا إصبعه بدقة على مهازل الواقع المتعددة، وحيثياته المقرفة المتناسلة، ليحلق بنا حول أبشع ظاهرة مدمرة /ظاهرة الإفراغ، وإخلاء الساكنة من بيوتهم وحقولهم، لتحويلها إلى مشاريع كبرى؛ وهذا بالكاد يدل على هيمنة ذات اليد على البسطاء، وتشريدهم بتجريدهم من ممتلكاتهم بأبسط الأثمنة، وتحويلها إلى سيول مدرة للدخل، ليفضح سلوكا مبنيا على هدف مصلحي، لا يؤدي إلا إلى إفقار الفقير، وإغناء الغني ..

(تراهم علموا الناس

وعلاش أخويا

وراهم بغاوا يسكنوهم في الكريان الجديد) ص:39

ومن الإفراغ والتهجير، ينتقل بنا الكاتب إلى بعض الطبقات، التي ساد بينها العنف والاعتداء، والسطو والسرقة بالسيوف، فساد الهلع، وانتشر الخوف..

(تتناسل الاعتداءات وتتكاثر الجرائم بظهور السكاكين والسيوف، وتعنيف النساء والفتيات، والاعتداء عليهن) ص:41

لقد أصبح كالطائر الحر، يطوف بالحواشي الإنسانية، ليسجل قائمة من الخروقات، والأوضاع المأساوية التي يعاني منها الإنسان، ومن بين الظواهر التي تدمي القلب، والتي أهملها المسؤولون،التغطية الصحية لكبار السن..

ـ الجانب الصحي والتغطية الصحية لكبار السن

هم الذين وصلوا مرحلة الشيخوخة، فوجدوا أنفسهم في سحيق الضياع، اللهم المعاش البسيط للبعض، الذي لا يسد رمق الحاجيات الضرورية.. (قانعة بقدرها في المكان والزمان الموحش، لا تفكر في كبر سنها، ولا شيخوخة زوجها، أو الأمراض المحدقة بهما والتغطية الصحية، أو معاش بسيط في خريف العمر)ص:51...

ويسافر إلى أبعد من ذلك، ليسلط الضوء على الأحداث المباغتة، كالإغماء أو بعض الوعكات المفاجئة، في الطرقات أو الشوارع، فلا تتدخل العمليات السريعة للإسعاف أو الإنقاذ، مما يزهق الأرواح، ويعجل بالموت..

(فظلت غارقة في سبات حتى الصباح، لا طوارئ ولا إسعافات ولا دواء)ص:82..

وهكذا يفضح كاتبنا الحالة الاجتماعية، ويدين بشدة أسلوب الإهمال الذي يطال الشرائح المهمشة من المجتمع، ليشاركه القراء، فيتخذوا المبادرة لعلاج هذه المشاكل، ووضع حلول بديلة، خاصة لبعض الحالات المستعصية التي تستفحل في الخفاء..

- المسكوت عنه واللا مفكر فيه

فالتقاليد، والموروثات الثقافية طبعت الأخلاق بطابع الحشمة والخجل، ترى في التعبير عن الحقيقة بصراحة طامة كبرى، وجرما لا يغتفر، فأصبحت بعض الخروقات والانزلاقات تُمارسُ تحت الطاولات، ولا يمكن التطرق إليها حتى صارت لها خانة (لمسكوت عنه، أو ألا مفكر فيه)، الشيء الذي أشرع للمذنب الشرفات لتكرار شُنُعِه ببساطة، وللضحية تجرع سمّ كلومها بقلب جريح، ونفس مهزوزة /مضغوطة (وكم من ذكريات أليمة لأحداث مريرة، دامية ومرعبة توارت في النسيان، وطواها الماضي، بعد اعتبارها تابوهات مخيفة) ص:31

وهذا نتاج أمرين اثنين:

أ - أولهما الخوف من المجتمع من فضيحة ستظل تطارد الضحية طيلة العمر..

ب -ثانيهما تناسل واستفحال مثل هذه الظاهرة، طالما ليس هناك رادع قانوني يكبحها، أو صيغة مجتمعية تضع لها حلولا ناجعة لعلاجها .. وكاتبنا يتساءل بحدة ما الذي وراء هذه الجرائم المرعبة، هل هو منهج سياسي؟ أم هو تخطيط اقتصادي؟ أم هي أخطاء اجتماعية، والمقصود من هذه العبارات، أن هذه الظواهر لا تنشأ من ينابيع الأرض دون مسببات، أو تهطل من السماء دون دواع، وإنما نتاج عوامل اقتصادية، دافعها الفقر والحاجة، وأخرى سياسية، بعدم وضع تخطيط ناجح له هدفه الاستراتيجي للتوعية السياسية، وغيرها اجتماعية في غياب التربية والندوات التوعوية، والتواصل الاجتماعي بين الأقطاب المثقفة والمسؤولة والمربية وشرائح المجتمع،لإنشاء جيل واع صالح، له القدرة على بناء نفسه وبناء المجتمع..

ــ المرأة ترتع تحت ظلال التخلف

كما اقتحم كاتبنا بوشعيب الإدريسي بوابة الطبقات البئيسة، بوصف أوضاعها المزرية بأدق الأجزاء، طارقا باب كل شريحة بدقة، فكان للمرأة أيضا حظ وفير في احتلال حيز مهم من مشاعره، التي تسَوّق لحمها وعرضها من أجل لقمة عيش، واضعا إصبعه بإحكام على شبكات الدعارة والاتجار بالبشر، خاصة الفتيات اللواتي هن في عمر الزهور، حتى أصبح البعض منهن يغادرن القرية إلى المدن ليشتغلن خادمات في البيوت، فهو على الأقل أرحم من تزويجهن صغيرات، الشيء الذي يبث الذعر في النفوس..

(تزايد عدد الوسيطات في الدعارة من حين لآخر : نسوة يرغمن الفتيات اللائي ينتمين لعائلات فقيرة، اليتيمات فيتم استدراجهن إلى شبكات الدعارة للتجار في البشر) ص:107

متطرقا إلى أوضاع النساء اللواتي يبعن رضاعهن، أو يرمينهم في المزابل، أو يجهضن خشية الفضيحة والعار .. ولم يبق يراع مبدعنا قيد الظواهر الأخلاقية المتفسخة، بل غرز أنيابه في أوضاع الإنسان المهمش، وتقصى أشكال العوز والهجرة، والتسول والفقر، وحتى عدم صحة الإنجاب .. ومَن منا لا يردد أن هذه السياسة تساهم في إفقار الفقير وإغناء الغني؟ ومَن منا لا يعدد صنابير الثروات الطبيعية ويتساءل في أي مغارة تغور ؟؟ فالحقيقة وعى بها الكل، وباتت ثابتة من الرضيع إلى الشيخ.. تعرية فاضحة لعالم المرأة الحقير في القرية، الذي هو نتاج الإقصاء والتهميش وعدم التوعية، وكاتبنا صادق في ما شخصه وعرضه، فالمرأة القروية إلى حد كتابة هذه السطور، مازالت تعيش الأسوأ وبدون كرامة، محرومة من كافة الحقوق الإنسانية، بل يصل الحد ببعض العقول بمساواتها بالأتان، خلقتها الطبيعة للاشتغال، وليس للفكر، والتعلم وتطوير الذات، تصنيف ذكوري غير طبيعي، لم تشرعه النصوص الدينية، ولا القوانين الوضعية، ولا النظريات الفلسفية، والغريب في الأمر أن بعض وسائل الإعلام لا تنبش في مثل هذه الظواهر لتعريتها وفضحها..

ــ وسائل الإعلام والفراغ الثقافي

حفر كاتبنا بمهمازه في الحقول الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وغرز أنفه في كل شبر منها، ورصد أحداثها المزرية، وأوضاعها الموبوءة، لكن لم يفته الجانب الثقافي، خاصة وسائل الإعلام بكل أنواعها المرئية والمسموعة، التي أُفرِغت من محتواها، فأصبحت مدعاة لوصلات الإشهار، والمسلسلات والأفلام التافهة، التي تشحن الأذهان، بما يلهيها، لصرف النظر والتفكير عن الحقيقة، وتحريفها عن الرؤيا النقدية للواقع من منظور العقل والمنطق..

(في الجرائد ديالنا ماكاين غير الجنس وكور وعطي لعور) ص:92

وفعلا، هذا هو الملاحظ اليوم، حيث أصبحنا نرى بوصلة الإعلام بطريقة أو بأخرى، وَجّهت سفنها نحو ما يلهي الشعب، فسادت الأفكار الخرافية، التي تبلد العقول كالتكهن والسحر والعرافات، وانحراف الدين عن مجراه بالغلو، وإدخال عليه أشياء بريء منها، مما جعل الأمة تتخلف وتنحو إلى التردي، بينها وبين مواكبة الركب الحضاري ألف حجاب، بعدما كانت قيدوم الحضارات..

ــ رسالة نبيلة إلى القراء

مما سبق يبدو أن المنجز الروائي الذي بين أيدينا، لم يتفضل به كاتبنا لينال به حيزا في رف المكتبة المغربية، أو لإثارة المعضلات المجتمعية وانتهى، وإنما لتمرير رسالة توعوية إلى المسؤولين والآباء والأولياء وكافة المجتمع المدني، وإلى المؤسسات السياسية، ووسائل الإعلام، وحتى السلطات من أجل الحيطة والحذر، ومن وجهة أخرى لإدانة التسيب وانعدام المسؤولية، الشيء الذي تسبب في تفشي هذه الظواهر بحدة، مما زرع الرعب والخوف وعدم الأمان لدى عامة المواطنين، كأنه بذلك يدعو إلى فرض القانون، واتخاذ تدابير رادعة، تحُدّ من مثل هذه الظواهر بنهج إصلاحي بناء، ووضع برامج تحقق تنمية فعالة للمجتمع والوطن ..

6ـ الجانب الفني الذي ميّز الرواية (الأفكار/ الحبكة / اللغة)

فمن جملة العناصر التي ميزت الرواية (جراح غائرة) عن غيرها :

ـ الأفكار التي لملمها مبدعنا من قاموسه المعرفي واطلاعه على التجارب، وموروثه الثقافي، وتأمله العميق في البعد الإنساني، بعدما اختمرت وترابطت في ما بينها واكتملت ونضجت، طرحها بطريقة تحليلية /منطقية، من أجل حل المعضلات الإنسانية، حتى يعيش الإنسان حياة أفضل، واستقرارا نفسيّا أكبر..

ـ الحبكة السردية في قالب مسرحي درامي

لقد تميزت الرواية بصياغة فنية توالت فيها الأحداث وتعاقبت في مشاهد درامية، طبعتها حلقات من الخوف الهستيري، والهلع، والصياح الجنوني، يوضح ذلك صياح أم زينب كالمجنونة في المدرسة، وما انتابتها من أوهام وهي تبحث عن ابنتها، وكوابيس الرعب التي تهيمن على السكان، أثناء الشطط الذي لحق بهم وهم يتجردون من ممتلكاتهم، والفوضى التي عمت المدرسة أثناء اختطاف بعض التلاميذ، والصراخ المتصاعد للمتعلمين والطاقم التربوي بالمؤسسة (فنزلت إلى الساحة وهي في حالة هستيرية خرجت المديرة والمعلمون والمعلمات .....) ص:48

لقد نهج مبدعنا أسلوبا دراميا في بناء روايته لتمثل الواقع، وتشخيص الإنسان في صراعه الداخلي والخارجي، صراع نجَمَ عن شمولية الرؤيا، وعميق التأمل، وأفكار المبدع المتعلقة برغبته في التغيير، ليعيش الإنسان غدا نقيا.. والخط الدرامي كما لاحظتُ، سار في الرواية متصاعداً من بدايتها حتى النهاية، أذكاه الحوار بين الشخصيات والحساسية المفرطة، والخوف والتوتر ..

ــ (مالكي ؟ أش جاري ؟ غير الخلعة قاتلاكم)

ــ (ودخلي لدارك، را الوقت خيب) ص:99

والحبكة السردية لا تشفي نهم القارئ بمفردها، إن لم تحكمْها لغة ترفل في المتن والتنوع..

***ــ اللغة ترفل في عدة لبوس

لقد ساعدت على المتن السردي لغة أديبنا، التي لم تستقرّ على وتيرة واحدة، كشأن أغلب الروائيين، بل شاء أن ينمقها بالعامية المغربية، كأقرب لسان إلى المجتمع العادي البسيط، ليس لأن الكاتب يصعب عليه توظيف اللغة العربية، أو يجد صعوبة في اختيار ألفاظها، أو سبكها؛ فهي مطواعة حد الانزلاق بين الأصابع، يقول لها كوني فتكون؛ وإنما هي صياغة فنية، تداول فيها مؤلفنا زرع خصلات بالدارجة المغربية في حقل اللغة العربية، لأمرين هامين حسب اعتقادي :

أ ـ أولهما تبسيط الموضوع بشكل فني، حتى يكون في متناول الجميع..

ب ــ ثانيهما تلوين وتنويع النسق السردي، من أجل المتعة والاستمتاع، وهذا التنوع أثرى اللغة، ومكّنها من التكامل لتحقق للكاتب المراد..

(أنا هنا، أنا هنا قادرا باش نلقاك اليوم ولا غدا)ص:،66 والدارجة تسري في الرواية من مبدئها لمتمّها سريان الدم في الشرايين، ولم تصب الخط السردي بالتلف، أو الهدف الروائي بالضياع، ولا خلقت تشويشا على القارئ، بل بالعكس كانت مكملة للغة العربية، ما استعصى توضيحه في الأولَى، يبدو جليا في الثانية، والعكس صحيح ..

أ ــ اللغة والترميز

حين طفح الكأس بكاتبنا، وبلغ سيله الزبى، بسبب تراكم الأحداث المأساوية القاتلة، التي خلفت في نفسيته أزمة جعلته يعيش في أكمة من الصراع، أخذ يعبّر عن المفسدين والمهيمنين بالخفافيش والجرذان، التي تتساقط تباعا في الأزقة والشوارع، (حتى الخفافيش والبوم جاءت لتموت مع الجرذان فوق إسفلت الأزقة) ص:132 ..

وهذه أمنية مَن بلغ منهم النصلُ العظمَ، وأملنا جميعا أن يسقط أعداء الوطن والخائنون تباعا، ونتفرج على جثثهم وهي تتحلل ..

ب ـ القصص الشعبية وحكايات الجدات

ومن الدارجة إلى الترميز، فالحكايات الشعبية، فكاتبنا ممتلئ حتى النخاع بثقافة الأسلاف، من قصص وحكايات وأساطير، ومتشبع بثقافة الحاضر، ومما هو اجتماعي وسياسي وفلسفي، أضف إلى ما اكتسبه من تجارب متعددة وعميقة؛ عناصر متناقضة وأخرى متكاملة، خلقت منه مبدعا كرّس نفسه للجوانب الاجتماعية/ الإنسانية، راقصا على الوتر الحضاري المدهش، وأخرى يغرف من معين سحيق يبعث على الدهشة ..

 وهاينة

أش عشاك الليلة

عشايا فتات

وركادي بين البنات

الليلة

ص:114

ومَن منا لا يعرف قصة (هاينة) خطيبة ابن عمها، التي خطفها الغول، والتي سيسترجعها خطيبها بشكْل بطولي، ومَن منا لم يستمتع بمثيلاتها من قصص وحكايات جداتنا القديمة، التي تميس بين الخرافي الساحر، وبين تمرير قيم من النبل والإنسانية والمتعة والجمال ...

ج ـ اللغة والاستطراد والاسترسال

وكلما غاص مبدعنا في لجة الواقع المعتوه، واصطادت عينه تراكما من الظواهر والقضايا، يصبح لسانه رشاشا، تنطلق منه قذائف من الكلمات بشكل مطرد دون توقف، حتى يفرغ جعبته، وكأنه بذلك يحرق المستنقعات التي تتناسل منها المشاكل، فيتنفس الصعداء، ثم يتابع تأمله لتضاريس الواقع الإنساني الجريح ليرفع الغطاء عن جروحه وكلومه ..

(مجنون، معتوه، جبان، ضعيف، منحرف، نذل،)ص:30

(تقيهم من شر الفقر والعوز والتسول والهجرة)ص:39

(مواجهة التحديات: البؤس الحرمان المعاناة الاجتماعية والمآسي الأخلاقية)ص:42

(البؤس الحرمان البطالة الهدر المدرسي المعاناة الاجتماعية والمآسي الأخلاقية والتهريب) ص:92

كلمات تتلاحق إما بفضل الاشتقاق اللغوي، أو خريطة الكلمة، أو الترادف، والمراد من ذلك توسيع المعنى، وتوكيد الدلالة وتعميقها، كي تصل المعلومة إلى القراء، واضحة ليس عليها غبار حتى يفهموها ويستوعبوها .. أسلوب الاستطراد والاسترسال يغطي معظم الرواية...

د ــ اللغة تكتنز ويثريها التنوع

ليس من السهل على الأديب، أن يُلبس لغته التنوع،إلا إذا كان له قاموس لغوي فريد ومتنوع، وحتى إن حاول على فراغ، فقد يختل توازنها، وتبدو أضعف مما كان يتصور، وكاتبنا نظرا لما يتوفر عليه من قاموس لغوي متين، وما يملكه من حذلقة وبراعة في التلاعب باللغة واستنطاقها وتطويعها، فقد زينها ونمقها ليس بالمحسنات البديعية، وإنما بأشكال فريدة من البساطة، تحبب للقارئ المتابعة من أول قراءة، وتساهم في طرد الملل، والانكباب على الرواية حتى نهايتها، دون أدنى كلل يذكر؛ فقد حرص على انتقاء ألفاظها بعناية، وتطريزها في صياغة عالية مدهشة، وتزويقها بشذرات من الزجل المغربي ..

الميمة

ها الشتا سحات

ها النار طفات

ها البقرة ولدات

وها المرا توضات وصلات

ص:84

كما لايني يوشحها بأناشيد من وحي اختراع وتأليف الأطفال،

En avant

En avant

واش عندكم شي بنات أولا

En avant  

les partis

عندنا ميات وحدة

En avant

En avant

ص: 55

التي، يقترحونها أثناء لعبهم ومرحهم، فاللغة تتبرعم وتزهر، حين تكتمل بما هو متداول لدى العموم، ولدى الكبار والصغار، بكلام مألوف بالعامية له متعته ولذته لدى البعض، فالكاتب لا يضع قرّاءه في كفة واحدة، فهو ينوع أطباقه ويقول لهم انهلوا أنى شئتم ومن حيث تريدون ..

هـ ـ اللغة بين الجد والهزل والجانب الخرافي

لم تكتس اللغة طابع الدارجة وأناشيد الأطفال المستوحاة من ألعابهم فقط، بل أحيانا تميس بين الجد والهزل، لتخلق فرجة ممتعة لدى القارئ في ظل التسلسل الدرامي، لتتحلى بالروعة والجمال..

(هيا حنا غادين نوليو ممثلين، في مسلسل الاختطاف الأبيض، هكاوا هاكليه)

ص:69/70

ويقتفي أديبنا أثر الواقع بكل حيثياته الموجعة، ونكباته المتسلطة، يستعرضها بنفس متأزمة، بكل ما يستدعيه الأسلوب المنطقي الواقعي، الكاشف عما يجري في الواقع وفضحه، حافرا بمهمازه في صلب الخرافي المتحجر في الأذهان، الذي مازالت بعض العقول تؤمن بغيبياته، وكأنه بذلك يريد أن يرى الحقيقة في الخرافة، والعكس فيترفع عن المادي الملموس إلى عالم الخرافة...

يقول (يحكى أن هذه الطيور تخطف الأطفال الرضع، وتترصد لأخطاء أمهاتهم، في المكان والزمان،) ص:26

وهذا بالكاد ينم عن مهارة الكاتب وقدرته على امتصاص الواقع، في قالب فني من وحي التأمل والخيال، لإثراء اللغة، ووضع لمسة من الجمال على بناء السرد..

و- الفلاش باك /الذاكرة لا تقتلها الصدمة

لقد كانت اللغة مطواعة بين يدي كاتبنا،استطاع التلاعب بها كيف شاء، فخلق منها مشاهد ساحرة، أنطقها بالمحلوم به وبالمأمول، ولم يكتف، بل تابع الإبحار بخياله السحري، لنسج صور في شريط سينمائي بكل عناصره، باستعادة ذكريات الأم وهي تحاور ابنتها المخطوفة..

(يالله باركا عليك من اللعب ...)

(خليني نلعب شوية عافاك) ص:54/55

وقد تكرر هذا المشهد في أغلب فصول الرواية، ليس من باب الحشو والإطناب، للمزيد من الصفحات، بغرض النفخ في حجم الرواية، وتفخيمها، وإنما هو جانب فني، الهدف منه تكسير للسرد المسترسل رتابته، وجعل فجوات دخيلة، تدب منها الحيوية في النص بخلق مشاهد وصفية، تدحرج على امتداد السرد لقطات من الذكرى، تخلخل نمط الحكي، لبعث الحركة في الرواية؛ كوقفات استراحة للقارئ، ليجدد نشاط القراءة، فيتابع ويستمتع ...

7- الخاتمة

صيغت الرواية بحبكة فنية عالية، حيث السارد العالم بكل شيء، رغم أنه ليس شخصية من شخوصها، يقتفي أثر الأحداث، ويسردها فاصلا بينها بوصلات حوارية، داخلية، أو علنية،أو باستعادة الذكريات ...والحمد لله خرجت بكامل قواي العقلية من عوالم الظواهر الإنسانية المزرية، التي كانت دوامتها تتقاذف بي، مشَكّلة من اختطاف التلاميذ من المدرسة، والسرقة والاغتصاب والقتل، وإهمال الصحة والتعليم، كرافعتين أساسيتين للتنمية البشرية والوطنية.. ساقني إليها فضولي عبر قنطرة (جراح غائرة) بحنكة ومراس صاحبها في حبكته السردية الفريدة، وتنوعه اللغوي المبهر، وأسلوبه الشيق في تركيب الأحداث وتصفيفها ..أتمنى من القراء أن يطلعوا عليها ...

 

مالكة عسال

...........................

المراجع

 - البناء الدرامي في رواية فضاء واسع كالحلم / د. سمر الديوب/صحيفة المثقف

- طبيعة الفكرة، وأنواع الأفكار/ الموقع الرسمي للدكتور عبد الله بن سالم باهمّم

- عتبات النص مقاربة نظرية/عبد المجيد علوي إسماعيلي /مجلة (دادس أنفو) الإلكترونية

- السرد الروائي ومكوناته وعناصره وخصائصه / مبحث لمالكة عسال

- إرادة الحياة /الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي

- جراح غائرة المبدع بوشعيب الإدريسي

 

 

الكبير الداديسيفي إطار الملتقى الوطني للحكاية الشعبية في طبعته الثانية الذي نظمته رابطة كاتبات المغرب فرع آسفي يومي الجمعة والسبت 8 و9 نونبر 2019 كانت الخطوط العريضة لهذا الموضوع، بعد قراءة الفنانة والمؤلفة زهور الزرييق لأحدى حكاياتها الشعبية، وكانت مداخلتي قراءة في تلك الحكاية...

وحتى تتوضح القراءة أكثر نقدم للقارئ نص الحكاية كما ألفتها صاحبتها على أن نضيئ بعض جوانب هذا النص حسب ما يسمح به المقام:

نص الحكاية:

(من بعد الصلاة والسلام على الحبيب أرى المداحة وما تجيب على السفينة الي باقى غدا بينا البحر زين واحنا باقين في التقداف راميين الشبكة والحوت من كل اصناف شابل ودرعي قرب وبوري كول لا تخاف السفينة اديالنا ولبحر عامر اغرف علاش قديتي لا تشاور وحنا متعين بالبحر والحوت حكاية اليوم ما تفوت

كان في واحد لقبيلة حاكم طاغي جبار المتعة عندو يتبارز مع كبار وصغار ملي كانت صحتو صحة وهو يصول ويجول عيا واشرف باقي بحالو مغرور ما خلى ما طيح من شبان لقبيلة شي تيغلبهم بالصح وشي ديرها حيلة يخافو يغلبوه يخويهم لبلاد ولا يسبب ليهم قتيلة

واحد المرة واحد الشاب عجباتو صحتو قال اليوم نتبارز مع الحاكم قدام قبيلتو يلى أنا قضيت عليه وغلبتو نحكم عليه يعطيني بلغتو ويرجع حفيان حت خيمتو باش نهبط ليه الراس ونطيح قيمتو تبارز هو وحاكم وسط لقبيلة وبداو في المعاركة وفي لقتيلة الشاب خرج من صحتو ما عندو وزاد فيه اكثر من حدو حلف حتى يغلب وغلب بجهدو الحاكم كان طاغي بقوتو الي في الارض تحتو والي في السما ما تفوتو حتى تسلط عليه هاذ الشاب خلى سيرتو مؤلفة في كتاب لقبيلة فرحات بهاذ الشاب ومن فرحتها سماتو غلاب حيث طيح الحاكم قدام الناس وهو الي كان يقول راسي ما بعدو راس كيف دار غلاب لحاكم لقبيلة؟ هزو في السما كيف نحيلة طاف بيه وخبطو وسط بحيرة ورفسو رفسة غير فيلة وحكرات نميلة الحاكم مرض في ديك الليلة قلبو تفرك وتحك نحاس بقى ماشي ماجي ما طاب ليه نعاس من بعد شوهتو قدام الناس واحلف واحلف حتى يكون انتقامو حار أمر باختطاف غلاب الليل قبل النهار غبرو ولا من جاب ليه خبار فعلا غلاب تخطف بقات لقبيلة مقهورة ما عندها ما تدير قدام الحاكم محكورة غلاب تسجن في قلعة بعيدة ومهجورة ما مجاوراها لا دواور لا دشورة في غابة تصعاب على سبوعة ونمورة الحاكم سد على غلاب باب القلعة مزيان وزيرو بسلاسل حديد مثان كان معاه غير جوج الحراس رجعو ما على مريضهم باس بقاو يسولو بحالهم بحال الناس وقولو فين غاب غلاب رافع للقبيلة الراس الناس تسول وتهاكم فين غبر غلاب الحاكم الي خلى مناخرو بالارض تتلاطم من بعد غُلب ظالم لكن الشاب بوحدو في القلعة كف المجنون يخبط ويتدابز، بلقفولة والسلاسل مسكون اليوم يخبط غدا يخبط بحال مدكة من خارج القلعة تسمع الدكة بحال الخيل الى كانت حاركة ولا ثيران ودخلو في معاركة نبال الحقرة في صدرو راشكة خرجها في السناسل وما لقى مفاكة الحراس بجوج كانو يتناوبو عليه يجيبو ليه الماكلة وما يطلو عليه غير من الثقب العالي الزاد يلحوه ليه تيخافو عينيهم تجي في عينيه حيث ولد الدشر وصحبت الصغر يخافو يتوسل ليهم ويطلبهم يحنو منو والعطف يغلبهم على ما ربي قالو لا عين شافت لا قلب وجع بغاها لراسو وقلب عليها الثمن يدفع بقاو على هاذ الحال يرميو القوت غير من الثقب وهو باقي يخبط ويضارب ومع السناسل مغالب حتى عيا واستسلم ويأس وقال عمري لا خرجت من هاذ الضص منين يجيني يا ربي مفرج يدير ليا من هاذ الباب مخرج من بعد ايام وسنين لحمو كاع طاب بالمدابزة والمصارعة مع حلان الباب اكلس للارض ما بقى قادر على عذاب قال تمارة على خاوي وأمل كذاب سلم في الامرو وقال هذا ما اكتاب وبقى مقابل غير القوت ياكل ويتسنى الموت بقى على هاذ الحال وداز شحال من عام وعام هو في القلعة بوحدو عيى بيه الحال وتقطع جهدو رجليه دماو وتنكلو كاع تحردو وهو يسكن في مكانو لا حراك ما بقى قاد على عكير ولمحاك فقد الامل في الحركة وقال هذا جهدي وبراكة في واحد النهار واحد من الحراس غبر ليه الأثار سول عليه الحاكم ما عطاوه خبار بقى غير حارس واحد هو الي تيتردد على القلعة دازت يام ودازت أعوام غلاب في القلعة بالحكام والحريس والقوت دوام واحد النهار شاعت لخبار الحاكم تيحتضر ظهر الحاس الي كان غابر يغثة مشى بغثة كان ظاهر تلقى بصاحبو ما خلى علاش سول على حاجة بحاجة ويعاود من الاول من هاذ الهضرة كلها، كان معول يعرف مصير غلاب، عليه مهول صبر حتى عيا عليه سول قال ليه صاحبو: غلاب باقي هو غلاب ولكن بقى يضعاف وينحال ينقص ويهزال ما بقيت تعرفو هو من لخيال في الحين نطق احارس الي كان غايب وقال ولكن أنا لاش غبرت حيث حليت عليه الباب وهربت خفت الحاكم يسيق لي لخبار يسجني معاه أو يقتلني بلا شوار قال ليه صحبو آش تتقول يا مجنون وغلاب باقي في القلعة مسجون ياك إما انت كذاب ولا مهلوس مسكون قال ليه لكلام الي تتسمع هو الي يكون رجلي على رجليك للقلعة تعرف الكذاب شكون بالزربة الحارس ركب على العود مشى تيسرع يتأكد من لكلام الي سمع وصلو القلعة دفع الباب هو يتشرع دار في غلاب كالس في القنت ينين يا اصكع الباب محلول من سنين وانت لاصق في الحيط كف الودنين غلاب تفزع وتخلع وقف كيف المدفع يصدق ما يصدق خبط على راسو ونطق آويلي وعلى شمتة وقولولي من إمت بقوة الارادة غلبت الحاكم بموت الارادة بحبسي كنت حاكم من بعد ما دقيت ودقيت كلست للأرض وقلت عييت يا ريت يا ريت ما خرجت مني كلمة عييت

وهكذا اسيادنا عرفنا بالعزيمة القوية والارادة المستمرة نقدرو نخلقو المعجزات وبموت الارادة اشحال من فرصة جات ومشات حيت الناس

بعد ماتحفر وتحفر تقول عيات ما تتعرفش بقى بنها وبين الما غير شي هبشات نوصيك يا انسان محدك في الدنيا العزيمة قوية والارادة حية محد

اروح تطلع وتهبط وانت تخبط وتخبط حتى تصادف يوم الحظ يمكن يجي باثنين يمكن يجي بالحد المهم جاي جاي بالسبت) انتهت الحكاية

مرفولوجية الحكاية:

على الرغم من الاهتمام المتزايد بالثقافة الشعبية بمختلف تجلياتها فلا زال البحث في الأدب الشعبي مجالا بكرا في حاجة إلى المزيد من الاهتمام جمعا تدوينا دراسة وتحليلا ولازالت معظم متونه بعيدة عن النقاد، والأكيد لو توفرت النصوص في مجاميع لصيغت نظريات حول مختلف الفنون الشعبية في المغرب، مثلما فعل فلاديمير بروب لما نظر شرقا وجد أمامه أفناسييف وقد جمع ما يربو على 600 حكاية، ولما التفت غربا ألفى الأخوين كريم قد جمعا حوالي 1200 نص حكائي ليصوغ قواعد وضوابط مروفولوجية الخرافة ونحن لا زلنا نتلمس الطريق للوصول لبعض النصوص المنفردة ولا زالت معظم غبداعاتنا الشعبية شفوية... ونأمل أن يكون ما سنقدم في هذا الملتقى لبنة تضاف إلى هذا صرح نقد الثقافة الشعبية.

في مقاربتنا لحكاية الأستاذة زهور الزرييق لن نحيد عما سنه الرادة الأوائل من نقاد الخرافة ونقصد هنا مجهودات كل من فلاديمير بروب خاصة في مؤلفه مورفولوجية الخرافة، واجتهادات كريماص وإضاءات لفي ستراوس وشعرية توتوروف وغيرهم ممن اهتموا بالثقافة الشعبية ....

لا أخفيكم سرا إذا قلت لكم أنني وجدت نفسي محاصرا بعدة أسئلة، وأول ما تبادر إلى ذهني عند توصلي بالدعوة وبوثيقة الحكاية هو خصوصية النص : أيمكن اعتبار هذا النص حكاية شعبية وفي الذاكرة تصورات ومسلمات عن مفهوم الحكاية الشعبية كمفهوم يضعنا أما عدد كبير من المسلمات والفرضيات منها:

- كون الشعبي من الثقافة لا يُعرف مبدعه وعادة يكون مصدره الشعب ومآله الشعب (كالنكتة، الخرافة، الحكاية، الأحجية والمثل) ونحن أمام نص إبداعي صاحبته معنا على المنصة نعرفها جيدا...

- الحكاية والثقافة الشعبية عامة مرتبطة بالقدامة وبسلف ينقل متونا للخلف (يحكيها العجائز للصبيان) هل يمكن أن نصف بالشعبي نصا آنيا طريا يانعا بالكاد ألفته صاحبته...؟

- أن الشعبي لا يطلق على كل ما أنتحه الشعب فقط ولكن على ما قبله تبناه وتناقله الشعب من حكايا، أساطير ـ ملاحم،فنون شعرية أوسردية، أشعار، أغاني وأقوال سائرة ـ أمثال، الحكم،ألغاز، ... وغيرها من الأشكال التعبيرية بوصفها مخزونا ثقافيا بانيا للهوية الاجتماعية على مر الفترات التاريخية.. والسؤال هل تناقل أحد هذه الحكاية منقبل؟

- أين يمكن موضعة النص في ثنائيات تفرض نفسها ما أن نسمع الثقافة الشعبية منها: الثقافة العالمة/ الثقافة الشعبية . الخاصة / العامة. التداول الكتابي/ التداول الشفوي . المحلي/ العالمي الإنساني. التقليدي/ المحدث...

- هذه الفرضيات وغيرها من الثنائيات التي تحتم علينا وضع النص خارج الثقافة الشعبية، فنحن أما نص مكتوب سهرت صاحبه الليالي من أجل ديباجته وصياغته في اختيار ألفاظه مما يبعده عن التداول الشفوي، ونحن أمام نص خاضع لضوابط والشعبي عادة ينزع نحو الانفلات من القيود والضوابط الرسمية التي ترسمها الخاصة ...

- أضف إلى ذلك أن ما يميز الثقافة الشعبية والحكاية جزء منها أكثر هو الاستمرارية والتواتر شفويا داخل مجموعة صغيرة (أسرة، فئة (مهنية، أثنية، دينية...) صغيرة أو كبيرة) ونكاد نجزم أن لا أحد سمع بهذا النص من قبل؟ وأن لا وجود لمجموعة أو فئة قد تناقلته في ما بينها....

هذه المسلمات والفرضيات تسمح للقارئ بإصدار أحكام مسبقة ووضع النص خارج الحكاية الشعبية، وخارج الثقافة الشعبية عامة، وكفنا الله عناء البحث والتقصي...

لكن والحق يقال إن هذه الفرضيات والتقابلات لا تقلل من شأن هذه الحكاية، ففيها من الاجتهاد ومن المؤشرات ما جعلها تتفوق على الكثير من الحكايات التي تحفظها العامة وتتناقلها منذ أزمان، في لغتها وفي رسائلها ومضامينها في بنائها،

لذلك وحتى لا نغرق في التنظير دعونا أيها الحضور نرمي بشباكنا في أقيانوس هذه الحكاية ونرى ما يمكن اصطياده مع الإشارة حيرتنا أين نوجه هذه الشباك أمام تعدد الجوانب التي يمكن أن نقارب من خلالها حكاية شعبية: يمكن دراستها من حيث: مضمونها/ بنيتها / أصولها/ وظائفها/ الثابت والمتغير فيها/ خصائصها النوعية / طريقة سردها (وكل ما يتعلق بالسرد من ضمير، رؤية، زمن ...) / شخصياتها/ العلاقات فيها/ لغتها وأسلوبها، الحوافز...

لذلك تكتفي هذه القراءة احتراما لخصوصية اللقاء، وسلطة الزمن ء ببعض الفلاشات والإضاءات حول مورفولوجية النص عسى أن نعطي للنص حقه ونكرم مبدعته دون مجاملة:

أولا: نصنف الحكاية منذ البداية ضمن خرافات العادات والقيم، فهي ليست خرافة عجائيبة / وليست خرافة على لسان الحيوان و...

ثانيا : النص حكاية وكل عمل حكائي يتضمن بالضرورة حكاية (الأحداث مضامين) وطريقة للحكي (سرد وكيفية الحكي) والأهم بالنسبة لنا هو سؤال الكيف لأن الحكاية الواحدة قد تحكى بطرق متعددة وتكون في طريقة أحسن منها في طريقة أخرى، فقط لأن (المعاني مطروحة في الطريق وإنما الشأن في تخير اللفظ وكثرة الماء وجودة السبك و..) على رأي الجاحظ.

ثالثا : إن المؤشرات الأولى في الحكاية تبين وجود ثوابت راسخة ومتغيرات تمردت على المألوف يتجلى بعضها في الجملة الأولى للحكاية: فقد اعتدنا في الحكايات تخلص السارد من المسؤولية، وإسناد الحكي للأوائل، فيغيب ضمير المتكلم وأن تبتدئ الحكاية بجمل مسكوكة (زعموا، يحكى، كان يامكان، قيل أو يقال، قالوا زمان، حدثنا عيسى بن هشام قال، بلغني أيها الملك السعيد..) مما يعفيه من مسؤولية محتمى المتن ويجعله مجردا مجرد ناقل (وناقل الكفر ليس كافرا) لكن الأساتذة زهور أثرت أن تضع حكايتها بين دفتين بضمير المتكلم الجمع نحن الذي حضر في الاستهلال (حنا، غدا بينا واحنا) والخاتمة (أسيادنا، عرفنا نقدرو نعرفو...) وهذا التوظيف له دلالته. (نحن جميعا نملك الحقيقة) ونتحمل مسؤولية ما نحكي... وكان الثابت سرد الحكاية بضمير الغائب حيث السارد متوار غير ظاهر يشعر القارئ وكأن الحكاية تروى لوحدها، مع تحكمه متحكم في خيوط اللعبة السردية وفي رقاب الشخصيات يقتل يبعد ويعذب من يشاء (ورأينا كيف رمى بغلاب في أتون السجن وتركه يتعذب)

ولعل أكثر الثوابت تحكما في مرفولوجية هذا النص معنى ومبنى هو الالتزام الحرفي قلبا وقالبا لوضعيات الخطاطة السرية (schema narratif) كما جاء في مشروع كريماص فكانت هذه الحكاية في بنائها مع مختلف الحكايات الشعبية الإنسانية بالتزامها بالوضعيات الخمس لتلك الخطاطة، فجاءت على الشكل التالي : :

1- الوضعية البدئية وفيها عادة يتم تقديم المكان، الزمان، الأحداث والشخصيات وتجيب على أسئلة من أين متى وماذا ؟ وهذا ما فعلته ذ.ة زهور في بداية حكايتها (كان في واحد لقبيلة حاكم طاغي جبار المتعة عندو يتبارز مع كبار وصغار ملي كانت صحتو صحة)

2- القوة المخلة للتوازن هدفها قلب وضعية البداية وإدخال تغيير على حالة ووضعية الشخصية تجيب على سؤال ما الذي سيحدث من المهدد وغالبا يتم التمهيد لها بمؤشر زماني : فجأة/ ذات يوم ... وهو هنا (واحد المرة واحد الشاب عجباتو صحتو)

3- وضعية اللاتوازن وهنا الحكاية تضع الشخصيات في وضعية صعبة تجبرها على البحث عن الحل وتحتم عليها تجريب ى كل المحاولات والوسائل للخروج من هذه الوضعية وتجيب على سؤال كيف ؟ فوجدنا الحاكم (مرض في ديك الليلة قلبو تفرك وتحك نحاس بقى ماشي ماجي ما طاب ليه نعاس..) وألفينا الشخصية الثانية (غلاب) (يخبط ويتدابز، بلقفولة والسلاسل مسكون اليوم يخبط غدا يخبط بحال مدكة) وتشكل هذه الوضعية مرحلة العقدة وتكون بؤرة الحكاية أكبر وضعية من حيث الحجم.

4- وضعية القوة المعيدة للتوازن وتشكل عنصر انفراج، كحدث جديد يظهر فجأة ليغير مجرى أحداث العقدة (واحد النهار شاعت لخبار الحاكم تيحتضر ظهر الحارس الي كان غابر في الحين... نطق احارس الي كان غايب وقال)

5- وضعية النهاية : نتيجة المحكي وخاتمته وتجيب عن سؤال كيف خلصت الشخصية نفسها؟

ينظاف إلى التزام حكاية ذ.ة زهور بتفاصيل الخطاطة السرية، التزامها بالعوامل ووظائفها في الحكاية فجاءت عوامل هذا النص نمطية وهي :

1- العامل الذات كقوة تتجه صوب موضوع معين مع تبادل فوجدنا (الشاب يصبو لكسر شوكة الحاكم / الحاكم يصبو للانتقام)

2- العامل الموضوع كقوة فاعلة مبحوث عنها وهي في النص (الانتقام / القوة / الحرية)

3- العمل المساعد كقوة تؤازر الذات للحصول على موضوعها (الحراس الذين سجنوا الشاب وآزروا الحاكم في تحقيق ما يصبو إليه)

4- العامل المعارض كقوة تسيء إلى الفعل وتعرقل مساره (الحارس الذي خلف الوعد)

5- العامل المرسل كقوة فاعلة لها القدرة على دفع الذات نحو الموضوع (الإرادة / العزيمة)

6- العامل المرسل إليه كقوة مستفيدة من تلك العملية.....

بعد هذه الإضاءات السريعة نخلص لعدد من الخلاصات أهمها:

- خضوع الحكاية لثلاث مراحل اساسية لا محيد عنها في كل حكاية، استهلت بحالة من الأمن والاستقرار ثم اضطراب ولا توازن فالنهاية، وهذا ما يؤكده “تودوروف” بقوله: “إنَّ القصَّة المثالية هي التي تبدأ بوضعية هادئة تجعلها قوة ما مضطربة ينتج عن ذلك حالة اضطراب ويعود التوازن بفعل قوة موجهة معاكسة 1 وأنه ما كانت لتتحرك القوى الفاعلة، وتتغير الوضعيات لولا وجود حوافز ودوافع المقصود بالحوافز كما عرفها “بروب” هي “أسباب وأهداف الشخصيات التي تجعلها تقوم بأفعال مختلفة 2 وكلكم تابعتم أهداف غلاب من مبارزة الحاكم، وأهداف الحاكم من سحن غلاب

- أن بنية الخرافة بنية مسكوكة أنه قد تتبدل الشخصيات، الأمكنة/ الأزمنة في الخرافة لكن الوضعيات /الأفعال / الوظائف تبقى تابثة مما يجعل الخرافة تسند أفعالا متشابهة لشخصيات متباينة، فشخصيات الخرافة تنجز في الغالب نفس الأفعال وإن تغيرت الوسيلة والطريقة ومن تم يصبح السؤال المهم في الخرافة هو ماذا تفعل الشخصية ؟ أما من قام بالفعل؟ وكيف قام به؟ فأسئلة ثانوية.. لأن المهم من الخرافة هو الرسالة (Message) ورسالة هذا النص تكاد تشكل اليوم محور عدد من العلوم الإنسانية رفض السلبية، التخلص من الشحنات السالبة الإصرار العزيمة وعدم الاستسلام فالكثير من الناس (تقول عيات وماتعرقش بأن بينها وبين الماء غير هبشات)

- كون حكاية غلاب حكاية بسيطة البساطة هنا ليست حكم قيمة، وإنما غير مركبة خالية من التضمين وتناسل الحكايات، ووجود حكايات ضمن الحكاية الأم.

- بداية الحكاية كانت ديناميكية تضع القارئ مباشرة في قلب الحدث دون إغراق في وصف الفضاء الزمكاني أو الشخصيات

- نهاية فلسفية هدفها تقديم العبرة تتجاوز النهايات التقليدية في الحكاية (سعيدة / تعيسة/ حدث مفاجئ / غياب الخاتمة)

- خضوع الحكاية وصياغتها وفق تسلسل زمني تصاعدي للأحداث، لا حضور فيه للإرجاعيات،ولا تكسير للسرد بمشاهد حوارية أو مقاطع وصفية...

- تطور الأحداث وفق تسلسل منطقي، لا مفاجآت في مسار الأحداث مما يجعل كل حدث داخل هذه الخرافة يكون حافزا لحدث قادم...

- غياب العجائبي والعجائبي في هذه الحكاية فقد ظلت القوى الفاعلة المحركة لأحداث الحكاية في حدود الشخصيات الإنسانية (لا حضور لكائنات غريبة) أفعالها عادية لا تأسطر للشخصيات لا تأسطر للأمكنة أحداثها يمكن تصورها بالعقل ويمكن وقوعها في الواقع لا غلو ولا إيغال.

هكذا أخيرا يكون لهذه الحكاية بعد جمالي قيمي تربوي التزمت فيها كاتبتها بضوابط الحكاية الشعبية كما هي متعارف عليها عالميا مع وجود لمسات تفردها قد تتفوق بها على غيرها من الحكايات من حضور الذات في البداية والنهاية، وتوظيف لغة حبلى بالمحسنات البديعية، قائمة على الإسراف في توظيف البديع من جناس وطباق ومقابلة، وسجع وحسن تقطيع الجمل وتعادلها نحويا وتركيبيا إضافة إلى تناصها مع العديد من الحكايات الوطنية والعالمية التي تتقاطع معها في نفس التيمة وموضوع ولنا عودة في مقال قادم لمقاربة تناص هذه الحكاية مع غيرها من النصوص، واستنطاق النصوص الحاضرة فيها من خلال الغياب ...

 

ذ. الكبير الداديسي

....................

1 - الشعرية، تزفيطان طودوروف، ترجمة: شكري مخبوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، المغرب، ط02، 1990م ص68.

2 - ص 152

 

"لك التوأمان، لك النثر والشعر يتّحدان، وأنت" محمود درويش.

تجمع الشاعرة صليحة نعيجة بين الشعر والنثر. فلا غرابة أن يجتمع  لمولود الجوزاء من كل جنس إثنان.

 مواليد الجوزاء يسيرون في الحياة وفق " نظام التوائم" أي أنّه تنتظم عندهم الأشياء مثنى مثنى سواء في تفكيرهم أو في شعورهم.

بلاشك أنّ أقوى الصور التي يمكن أن تعبّر عن هذه الثنائية هي صورة الأم وابنتها وهذا النص" تداعيات امرأة منتقمة" شاهد. فضمن حوار تتفاعل فيه الشاعرة مع أمها ينشأ نظام ثنائي يقترن في أثر فني لإنتاج نص مضاعف. معنى هذا أن ردود الأفعال في الحوار تعدّد النص. النص الواحد يثنّى، يصير نصّين.

ليست هذه قراءة تأويلية أو تأمّلية إنّما تصوّر خاص لتبيين تأثير نظام التوائم على نصوص مبدعة من برج الجوزاء.

نظام التوائم مفهوم أقترحه لقراءة نص مختار لشاعرة لها طموح إنساني نحو الكمال ترومه بحكم برج الجوزاء من تلقاء ذاتها لكنّها ودائما بتأثير برج الجوزاء لا يمكن تكملته إلّا وفق نظام التوائم فيتحدّد بذلك وباختيارها، " المُفَضَّل" من الناس عندها ليتم الفعل الكامل / النص الفني. فكانت الأم. الشاهد قولها : علّمتني أمّي.

الجوزاء عند العرب هي التوأمان. الجوزاء في النظام، الثنائية والمثنى والمثنّى.

ونقول امرأة مجزّأة التي تلد الإناث. كأن نظام التوائم في الجوزاء يختص فقط بجنس الأنثى. ومن هنا كان نص امرأة منتقمة لصليحة نعيجة نموذجا لهذا ( الأم وابنتها).

الجوزاء تعني النظام.  ومنه نطاق الجوزاء الذي يضرب به المثل في الانتظام.

أجزأ بمعنى أغنى. الذي يكفي الحاجة. ومولود الجوزاء من خصائصه البحث دائما عمّا يكفيه حاجاته. فلديه شعور بافتقاد حاجة ما لابد عليه أن يلبيها.

ولأن مواليد الجوزاء من فصل الربيع فيشملهم المثل العربي القائل تمام الربيع الصيف. مثل الأزهار لا تبلغ أوّجها إلا مع بداية الصيف. وهكذا هم لا يبلغون كمالهم إلا بالآخر.

لكن حذار يا جوزاء، فكل كمال زوال ، موت أو ضياع.

ويحضرني أيضا المثل العربي الشهيرالذي يقول: الصيف ضيّعت اللبن. للتعبير هنا عن ارتباط المعنى السابق باللبن / الحليب. لأشير من خلاله إلى ارتباط نظام التوائم عند الجوزاء بالحليب ومنه بالأنثى ومنه لإلزام حضور نص محمود درويش: حليب إنانا. لمقارنة نص الشاعرة صليحة نعيجة به. فإني أجد تخاطرا كبيرا بينهما ربما لارتباط القصيدة الحديثة بالأسطورة. وأجد نظام التوائم يحضر بقوة في نص حليب إنانا .

لتناول نص الشاعرة في ضوء هذا المعنى ، أقيم دراستي على جمالية التواصل بين الشاعرة ووالدتها والتفاعل بينهما في حنان ورحمة. فما يعنيني هنا هو التكامل وليس الانقسام. الاتحاد الفكري والتلازم العاطفي بحيث لا توجد مفاضلة لواحدة منهما على الأخرى.

إذاً، ما مظاهر نظام التوائم في نص " تداعيات امرأة منتقمة" ؟

أتجاوز إلى حين  العنوان ومباشرة إلى عبارتها من النص " أيتها التحفة المزدوجة". فمن الجوزاء الازدواجية .  ونخطئ لو عنينا بها التناقض. بل هي من الجوز. وتعني وسط كل شيء. أمّا الازدواجية في دراسة اضطراب الشخصية فمن اللغة الفارسية  " جوز".

ومن الازدواجية المقارنة. ومن المقارنة القرين. ويأتي على معناه قول الشاعرة " يا قرين القلاع الشامخة ".

فبعد إثبات حضور نظام التوائم (الجوزاء) في النص نعود إلى العتبة لتنضيد رؤيتي بما هو متعارف عليه في النقد.

" تداعيات امرأة منتقمة". منتقمة من الانتقام. ومعناه في نص الشاعرة نستخلصه من استهلالها : نقاط الحسبلة علّمتني الانتقام. فانتقامها مثل انتقام الله ، مضاعف. يقول تعالى : " ... يضاعف له العذاب يوم القيامة"  آية 69 من سورة الفرقان . والانتقام قصاص.

 الضعف يدخل في النظام الثنائي / التوائم. ويقترب من هذا قول محمود درويش في حليب إنانا: أفعال ثانية ما فعلت؟

وهكذا ينمو النص وفق النظام المحتكم إليه في القراءة.

ندخل الحوار الذي سبق وأن قلنا عنه أنه يضعّف النص فيصير نصّين. وهو مقتطع من النص.

-هل أنا خراب يا أمي؟

-بنفسجة أنت يا بنيتي

-لأني امرأة يا أمّاه؟

-صه ، صه يا ابنتي

-أشمّ رائحة الموت يا أمي

-مالك تذكرين الموت كثيرا يا ابنتي؟

-الموت أهون يا أمّاه

ثم لا رد فينتهي الحوارعند قطع الشاعرة الخطاب.

بالطبع لن يكون ردّ حتى لا تكمل الجوزاء فكل اكتمال موت. مثل اسطورة التوأمان في الميثولوجيا اليونانية القديمة " كاستور و بوليديوكس".

فلماذا الربط بالأسطورة ؟  لاحتوائها على الثنائيات من نوع حرب، حب/ خلود ، موت/ سماء ، أرض/....،.... شمس ، مطر/ .....

في نص الشاعرة صليحة يمكن اختيار ثنائيات عامة مثل : نرجس وسوسن/ سؤال واحتمال/ خداع ورياء/ قضاء وقدر / ظل وشعاع/ شعر ورقص. وثنائيات نحوية مثل التوكيد اللفظي (التكرار) مثل إسم فعل الأمر  صه، صه. وثنائيات بلاغية من نوع الطباق مثل هنا وهناك/ رجل وامرأة/ خلود واندثار/ وجه وظهر/ . ومن نوع الجناس الناقص مثل كأس وفأس/ شمس ورمس. وثنائيات حسيّة من نوع المثنى مثل عينيها ، الحاجبين.

بالمقابل  يزخر أيضا نص محمود درويش بثنائيات متنوعة.

نظام التوائم المختص بالمؤنث يظهر في نص صليحة ابتداء من العنوان "امرأة منتقمة" وقد وضّحت كيف يدخل الانتقام ضمن هذا النظام.

مدينة النرجس والسوسن، تحفة مزدوجة ، بنيّتي / أمّاه، رضيع الحب.

خلفي رضيع الحب. الرضاعة ترتبط بالحليب

الكره امرأة ، الموت امرأة ، الظلم امرأة الحرب امرأة..... المرأة / أنثى

في نص درويش يبرز  النظام غنيا جدا وابتداء أيضا من العنوان " حليب إنانا".

الحليب، لارتباطه بالأنثى والأنثى ترتبط بنظام التوائم. ولارتباط الحليب باكتمال الجوزاء في فصل الصيف كما سبق تبيينه.

إنانا، هي رمز لأغلب الصفات الأنثوية ، وهي إلهة الثنائيات خاصة الحب والحرب، فإنانا لها ثنائية الجوانب السلبية والإيجابية معا للحضارة.

إنانا أيضا لها أخ توأم هو أوتو المعروف برب الشمس. وهي ربّة القمر.

ضمير المخاطبة.

الأسطورة

 الانتقام أيضا كما في نص صليحة يقول درويش: سأستل هذه الغزالة... وأطعن نفسي بها. 

**

في نص الشاعرة صليحة نعيجة تناص جميل وعميق بنص محمود درويش .  كأن فيه تخاطرا عجيبا. فوجبت الإشارة هنا إلى أن مولود الجوزاء يتميّز بتواصل غرائبي ليظل دائما على اتصال بالكون إذا لم يجد في الحقيقة موضوعا لتواصله. فكيف يمكن تحديد مواطن التناص وفق هذه الرؤية؟

يبدو جليا هنا تناص أسطوري بين الشاعرة وإنانا الأسطورة. فإنانا كائن سماوي يبحث له عن مكان في الأرض كأنها لا تكتمل إلا بلمسة ترابية . وهكذا هي الجوزاء أيضا. ففي الأسطورة تكتمل إنانا بشقيقتها الكبرى إريشكيجال ملكة الأرض/ العالم السفلي. والشاعرة صليحة تكتمل بأمها . فمن هنا تكون الشاعرة برؤيتها العجائبية هي إنانا. وتستحضرها معنى أقرأه في قولها: على صدر الجفاء أنثى قدري. تجتاح مخيّلتي. خطاها الرتيبة على الأرض.

يبرز هذا التناص جليا إذا وضعنا النصين جنبا إلى جنب أسطورة إنانا.

تقول الشاعرة : العرس،ابتسم القدر، وتأتي امرأة تسرق فرحتي .

في الأسطورة ، امرأة العصابات ببلولو سرقت فرحة إنانا. قتلت زوجها تموز

فإذا كانت إنانا قد قتلت امرأة العصابات قصاصا فالشاعرة ستقتص أيضا ولكنها بطريقة إيمانية " الحسبلة".

إنّه تناص عجيب بالقدر  فهل تعيش بعض الأرواح الأقدار نفسها في أرواح أخرى؟

لكن نص درويش حليب إنانا ، يقدّم فرحا بديلا لإنانا فلماذا لا يكون لصليحة مثله؟ يقول درويش:

لنكمل هذا الزفاف المقدّس، نكمله يا ابنة القمر.

*

بعد أن رأينا صور نظام التوائم في النصين لابد من طرح أسئلة . فالجوزاء وبحكم نظام التوائم تحتاج لجزئها المكمّل والشاعرة وجدته في أمها ، وأنا أبحث عن التكامل بين الجزأين في الجوزاء فهل  تحقق هذا الطموح؟

أجل ، وبدءا من  تصريح الشاعرة : علّمتني أمي.

وقد سألت إن كان تأثير الواحدة على الأخرى مسيطرا؟ فبدا لي أن الشاعرة رغم حاجتها لوالدتها تكملها فإنها تملك زمام أمورها . ففي آخر النص تقرّر وتفصل بأحكامها فتقول : الموت امرأة والحرب امرأة و.... إلخ

فهل يمكن أن توجد خصومة بين الجزأين؟ من النص تبدو الشاعرة في توافق عاطفي مع أمها . وفاق نفسي تام واتّصال من رحمة وحنان. يظهر هذا في الضميرالمتّصل / أمّاه، ابنتي. وفي توظيف أسلوب النداء.

ويبدو في السلوك الذي تمليه الأم على ابنتها في قولها : بنفسجة أنت.

*

لا يمكن بالرغم من الالتزام بموضوع القراءة " نظام التوائم في نص تداعيات امرأة منتقمة" للشاعرة صليحة نعيجة، ألّا نلتفت للجانب الجمالي فيه. فقد كانت تنتقل في حدائق بين الكلمات ، تتبع نداء القلب لتمنح قارئها الاستمتاع وتزوّده بثقافة إنسانية . فقد طرحت قضية متوقّدة موضوعها " اختطاف الفرحة" وهذه معاناة لا تخطئها النفوس البشرية. قضيّة ناقشتها الشاعرة بعظمة وحكمة فكانت فنّانة في عرض شخصيتها وهذا ما جذبني في النص. ورغم حرصها على إبداء الجانب الفكري الصارم فقد شعرتها تبكي في حزن وفي سحر إنساني بليغ .

عموما ، تعدّدت صور نظام التوائم في نص الشاعرة  وهذا لصلته بالجانب النفسي للمبدعة وقد ظهرت مستوياته في اللغة والأسلوب والسلوك داخل النص وهذا ما استدعى قراءة ثنائية أيضا وأقصد مقارنته بنص درويش " حليب إنانا".

إنها قراءة جديدة فهل أمكنها الكشف عن هذا النظام؟ يمكن تجميع مساحات أخرى واسعة لدراسة هذا النظام وأبنية نصيّة لتمكينه معيارا للقراءة الأدبية مع أنه لا يمكنني أبدا أن أدّعي بأنه معيار قائم في الدراسات النفسية. فما هو إذاً موقف النفساني؟ هو بالتأكيد مظهر صحي جدا ما وصلت إليه مادام النظام قد استقام بين الأصل والفرع / الأم وابنتها. فيمكن تجريبه في ثنائيات أخرى.

ويمكن اعتماده في الدراسات الأدبية لالتزام الأدب بالمشاعر ومن مزايا هذا النظام إبراز المشاعر واستلالها من النص مهما غمّت علينا. وأهمية هذا أنّه يكون بالإمكان تنمية مشاعر الحب والصلات العميقة وتحفيز أعضاء الحس للوصول إلى تناغم روحي تام.

لكن للأسف ، نظام التوائم يمكن هدمه بسهولة. فعند إحساس الجوزاء بفائض الحاجة فإنها تقطع عديد العلاقات وقد تبقى لفترات طويلة تفتقد جزئها المكمّل من جراء هذا. تبقى محمومة مثل شمعة  تماما مثلما وصفها محمود درويش في نهاية نص حليب إنانا حيث يقول:

أَنتِ المُصَابِة بالأنفلونزا

أَقولُ : خُذي حَبَّتيْ أسبرين

ليهدأ فيك حليب إنانا

والخطر في تعرض الجزءين من الجوزاء إلى خيبة . فيكون عندئذ على الجوزاء معرفة مكانها بالتحديد من الأرض. ( التواضع) وهذا ما يبرّره قول محمود درويش:

لنكمل هذا الزفاف ، هنا في المكان الذي نزّلته يداك على طرف الأرض ، من شرفة الجنة الآفلة.

ويقابلة من نص صليحة نعيجة اعترافها:

أحنّ يا أماه إلى تربة تحضنني ، أريد أن أحتمي بظل الإله.

**

خلاصة، كانت هذه قراءة محكومة بنص واحد لكنه ساعد في إسقاط موضوع القراءة عليه.

الشاعرة صليحة نعيجة من بين كل الشاعرات كانت منفردة في إسقاط برجها الجوزاء سلوكا داخل الكتابة ووضعت لنفسها مكانة أثيرة تتحرّك فيها لغويا وتصوّرا وتعبيرا فتكشف أن ّ ما يصلها بالشعر هو نزعاتها الشخصية نحو الكمال.

من هنا ، فإنّ القراءة تملأ فقط بعض الفراغات التي تجاوزتها الشاعرة .

يقول محمود درويش: سيطلع من عتمتي قمر . وأرى أن ّ هذا القمر هو إنانا العصرية / الشاعرة صليحة نعيجة.

وأستدعي لنفسي مثال الشاعرة أنخيدو أنّا  وأستعير منها نصّها " تمجيد إنانا" لأحيّي صليحة.

تقول الشاعرة السومرية أنخيدو أنّا (بتصرّف):

أيتها الشاهقة يا إنانا السماء والأرض

 التي نطقت بالكلمات المقدّسة

ياملكة الملكات العظيمات

يا من أصبحت أعظم من أمّك التي أنجبتك

عارفة وحكيمة

لقد نطقتُ بأغنيتي أمامك حسب ما يناسب موهبتك

أنا أنخيدو أنّا

لكن الآن،

كلّ ما أعطاني المتعة تحوّل إلى غبار.

***

 بقلمي / إلهام بورابة

 

وفاء شهاب الدينثمانون عامًا أو يزيد فاصلة بين زمن النائب توفيق الحكيم والمحقق أشرف العشماوي، في عام 1933 كتب الحكيم يومياته البديعة الفاتنة الشهيرة ونشرها عام 1939 بعدما استقال من وظيفته بينما العشماوي كتب رواية محكمة محبوكة صادمة وهو لا يزال في عمله وإن كان جعل زمنها أيام مبارك ليمرر نشرها بسلام، المقارنة ليست عن مَن منهما الأجرأ إنما اللافت أن الحكيم لم يقصد رواية بالمعنى المتعارف عليه في وقته بقدر ما كان رصدًا لحالات مرت أمامه ونقلها كما هي بأسلوبه الفاتن الشاعري، لكن الحكيم بدا وكأنه مستشرق يكتب عن مجتمع غريب عنه يراه بتعال ومن بعيد، بينما العشماوي انغمس بداخله لدرجة الانصهار وتوارى خلف شخصياته المتخيلة والمرسومة ببراعة وعبقرية خصوصًا شخصيتي رمسيس ونبوي الديب رغم ظهورهما القليل لكن حضورهما كان مدويا كل مرة،  العشماوي اختار لفكرته قالب الرواية بالمعنى الكلاسيكي الذي يبرع فيه ويُخلص له، وإن كان استعمل الحداثة في أسلوب السرد المعتمد على تبادل الأصوات بين بطلي الرواية نادر كمال وهدى حبيب كعادته في رواياته الثلاث الأخيرة ولم يخل أسلوبه من شاعرية وابداع، في ظني أن بيت القبطية علامة فارقة في مسيرة العشماوي الأدبية – رغم جودة وتميز رواياته الأربعة الأخيرة - ليست لأن القبطية محاكاة لتجربته العملية كوكيل للنائب العام أو قاض إنما لقدرته على خلق عوالم تبدو حقيقية للغاية من خلال خيوط عريضة عادية لقضايا مرت به مثل قضية سرقة طاووس حديقة الحيوان أو أحداث الكشح عام 2000، أو قرأ عنها كعادته في البحث الدؤوب قبل الكتابة لينسجها بهذه البراعة على شكل رواية محكمة تحمل من الدراما والصراع ما تحمله روايات عالمية من العيار الثقيل، هذه رواية مُحملة بالأسئلة شأن أعظم الأعمال الفنية التي تقوم على الدهشة ثم التساؤل ثم إلقاء كرة النار تلك في عقل القارئ لتتركه فريسة للتفكير والتدبير في حاله، هل يظل كما النعامة يدفن رأسه بالرمال أم ينتفض كأسد هصور ضد الجهل والتخلف والخرافات، الاجابة مفتوحة مثل نهايات غالبية روايات العشماوي .

أسئلة العدل والمساواة والتعصب والفتنة والقهر ومدى تحكم القبضة الأمنية في مجريات حياة أهل قرية الطايعة أو "التايهة " كما وصفها العشماوي على لسان أبطاله ساخرا، وهو أجاد في ذلك لدرجة الامتياز، هذه الأسئلة لن تجد لها إجابة شافية بالرواية بل ستدفعك لمزيد من الأسئلة التي ستتدفق على عقلك وتنهمر فوق رأسك بعد أن تطوي الصفحة 239 الأخيرة من هذه الرواية الدسمة، وربما يحدث لك مثلي ألا تستطيع تذوق روايات أخرى بعدها بسهولة .

لا أميل لصف القائلين بأن بيت القبطية معارضة ليوميات نائب في الارياف أو تشكل تماسا معها، وفي ظني أنها تحية ذكية من التلميذ لأستاذه وإشارة أدبية بأن لا شئ تغير وهذه أقوى رسائل الرواية في تقديري، وهي الرسالة التي تخيف بحق وتقلق بشأن مستقبل أمة في القرن الواحد والعشرين ولا زالت ترى غير المسلمين كفارا ؟!  ولا أنحاز أيضا لمن وصفوا الرواية بأنها تجربة شخصية للعشماوي فدونها بسهولة، فالمعلوم عنه أنه لم يعمل سوى بالمنطقة المركزية فقط طوال خدمته بالنيابة العامة على مدار عشرون عاما، سواء بنيابات الجيزة أو مكتب النائب العام بدار القضاء العالي وكان مختصًا بقضايا الفساد والجاسوسية وقضايا الصحافة أو الرأي ومعلوم سجله الناصع في هذا المجال تحديدا رغم أنه لم يكن قد نشر حرفا بعد وقتها، وأرشيف الجرائد خير شاهد على سجله القضائي المشرف، لكني أعتقد أن العشماوي الذي يحمل عين كاميرا تلتقط أدق التفاصيل استلهم من خياله قضايا غيره وبنى عليها عوالم متخيلة مستخدما قدراته الفذة التي لا ينافسه فيها أحد على الساحة الروائية الآن في الحكي الذي يدفع بالحدث للأمام، يحكي لك ببراعة كل شئ من خلال حركة أبطاله وتفصيلات صغيرة تظن أنها بلا فائدة لكن لاشئ مجاني في روايات العشماوي، وهي مهارة يفتقدها كثير من الروائيين العرب للأسف بينما العشماوي يجيدها بصورة منقطعة النظير وهو في ذلك السهل الممتنع بحق من بين أبناء جيله.

رواية بيت القبطية ليست رواية عادية وفي ظني أنها ستحقق دويا هائلا خلال الشهور القادمة مثلما سبقتها يعقوبيان عام 2003 وعزازيل عام 2009 . فالعشماوي هو أحد الروائيين العرب القلائل الذين يجيدون التشويق والجذب مع الحفاظ على العمق والبعد الأدبي وتلك الميزة التي يتمتع بها هذا الروائي القادم من صندوق القضاء المتحفظ نوعا ما إلى ساحة الأدب الرحبة والتي وجد نفسه بها جعلته يتربع على عرش النجومية منذ رواية البارمان وحتى الآن بجدارة، ست سنوات وهو الأكثر مبيعًا، حصد جوائز مهمة وترجمت بعض أعماله لعدة لغات، ونال احتراما واهتماما واسعا من كبار النقاد والكتاب لما يكتبه وله جمهور عريض متعطش لأعماله.

في رأيي أن بيت القبطية رواية كتبت لأمرين أولهما ناقوس خطر ينبهنا من الغفلة كي لا نعتاد على الدم والفتنة فنتبلد والأمر الثاني لتعيش هذه التحفة الأدبية للأبد كواحدة من أفضل الروايات العربية التي صدرت في الخمسين عاما الأخيرة وأظن أنها ستعيش خمسون أخرى على أقل تقدير وهي على القمة أيضا بعدما كتب العشماوي الخلود لهذه المرأة القبطية التي ماتت منا لأنها فقط أرادت الحياة.

 

وفاء شهاب الدين

 

1235  سعاد الناصركتبت الأديبة المغربية الدكتورة سعاد الناصر في أجناس تعبيرية وقضايا معرفية متعددة، وصدرت لها أعمال شعرية، وقصصية، ونقدية، إضافة إلى دراسات أدبية، ومقالات، وأعمال في التحقيق.

وقد كان القراء على موعد معها في الآونة الأخيرة في جنس أدبي لم تطرقه من قبل، هو جنس الرواية، إذ أقدمت على إصدار عملها الروائي الأول "كأنها ظلة" الصادر هذا العام(1).

وليس مراد هذه الورقة الاقتراب من جل ما تطرحه هذه الرواية من القضايا والأفكار، وإنما المبتغى الحديث في أمر واحد هو حضور الاختيارات الفكرية والاجتهادات النقدية للدكتورة سعاد الناصر داخل عملها الروائي. وبعبارة مغايرة متسائلة: هل يمكن الفصل بين سعاد الناصر الروائية وبين سعاد الناصر الناقدة والمفكرة؟ هل تنفك الكتابة الروائية عند أم سلمى عن كتاباتها النقدية والفكرية؟ هذا هو السؤال الذي تسعى هذه الورقة للإجابة عنه.

في المتن الحكائي

تحكي هذه الرواية قصة محامية متمرنة اسمها أندلس تعرّض خطيبها الأستاذ الطيب للاعتقال والسجن ظلما، إذ لُفّقت له تهمة اغتصاب تلميذته نجوى وصدمها بالسيارة.

 حُكم على الطيب بالحبس عشر سنوات، وفي السجن عاش فصلا جديدا من المعاناة بعد معاناته في مخفر الشرطة أثناء التحقيق معه. لكن خطيبته أندلس ظلت مقتنعة ببراءته، فانطلقت تقوم بمحاولات وأبحاث عديدة بمساعدة أبيها إلى أن تمكنت من فتح التحقيق في القضية مجددا حين ساعدها نائب جديد (وكيل للملك) تعاطف معها لأنه كان يقرأ مقالات الطيب الأسبوعية على صفحات جريدة "البنيان المرصوص" «وكثيرا ما شك في أنها قضية لتصفية حساب لسان طويل آن له أن يُقصّ»(2).

«أُطلق سراح الطيب بعد أن تقدم النائب إلى المحكمة بفتح قضية تتعلق بمجموعة من رجال الأمن تورطوا في عدد من الرشاوي، من جملتهم الضابط الذي تولى أول مرة التحقيق معه [الطيب]، واستطاع [النائب] أن يتوصل إلى كشف تزوير الخط»(3) في توقيع محضر نُسب فيه إلى الطيب ما لم يفعله من أعمال إجرامية.

هكذا تجدد اللقاء بين أندلس والطيب، واجتمعا في بيت الزوجية بعدما باعد بينهما الظلم مدةً من الزمن.

هذا تلخيص موجز لأهم معالم الرواية، مخلّ – دون شك – بمضامينها، غيرُ ملمّ بكل ما تناقشه من قضايا بالغة الأهمية كقضية «الحريات وغياب العدالة الاجتماعية والسياسية»(4).

قضايا فكرية ورؤى نقدية داخل الرواية

1- قضية الإنسان لا قضية المرأة

من أهم ما يثير الانتباه عند قراءة هذه الرواية أن المرأة فيها لا تشتغل بقضية المرأة، بل تشتغل بقضية أكبر وأهم، فبطلة الرواية (أندلس) تهتم منذ بدايات الرواية إلى نهايتها بالظلم الذي يقع على الناس، فتتساءل عن سبب الظلم، وتفكر في طريقة لرفعه، وتتواصل مع بعض الذين كانوا سببا في ظلم خطيبها الطيب، وتحاول إقناعهم بالاعتراف بالحقيقة لإنصافه، وتجمع قرائن جديدة، وتطالب بإعادة محاكمته..

إننا في هذه الرواية أمام صورة لامرأة مغايرة لصورة المرأة في كثير من الروايات النسائية العربية. نحن أمام امرأة تتبنى قضايا الآخر وتدافع عنها، ولا تنكفئ على ذاتها وهمومها الفردية.

نعم قد يذهب بعض القراء إلى أن دفاعَ أندلس عن الطيب ليس دفاع امرأة عن الآخر، ولكنه دفاعُ امرأة عن نفسها وعن سعادتها التي أفسدها عليها ظلمُ شريك لها في الحياة، وأنها لولا هذه الشراكة العاطفية والوجدانية لما اهتمت باعتقال الرجل وحبسه.

لكن إنعام النظر في الرواية كلها، وربط أولها بآخرها، والبحث في دواعي دفاع أندلس عن الطيب يؤكد خلاف ما تستنتجه تلك القراءة العجلى. تقول أندلس وهي تفكر في الطيب: «انتابتني الحيْرة، كيف سأصبح قوية؟ كيف والحزن يتشبث بصدري..وهذا الظلم الساري في كل ركن من أركان هذا الوطن لا يرحم..

صور عديدة كانت تنثال على ذاكرتي، تُبرز أن الطيب ليس حالة فريدة، وإنما هي حالات متعددة، تتكرر وتتنوع مظاهرها، فكم من أسرة مكلومة اتُّهم وليُّها، وغُيّب في السجن دون أي محاكمة تذكر، وكم من شاب اختُطف ولم تعد أسرته تعلم عنه شيئا، ولا يجمع بين هذه الحالات وغيرها سوى كلمة حق قيلت في زمن الظلم»(5).

إنه وعي بقضية وطن كامل، وليس وعيا بقضية فردية. وقد بقي هذا الوعي مصاحبا لأندلس حتى أواخر الرواية، إذ بعدما أفرج عن الطيب، واجتمعت به في بيت الزوجية، ولاحظت آثار التعذيب على نفسه ألفيناها تقول مرة أخرى: «يوما بعد يوم تيقنتُ أكثر أن قضية الطيب لم تنته، وأنها لم تكن أبدا قضية شخصية، بل هي قضية الآلاف من المظلومين الذين انزووا في الصمت دون أن ينتبه إليهم أحد..»(6).

واضح إذن من المقطعين النصيين المتباعدين (ص79 / ص209) أننا أمام امرأة لا تفكر في قضية المرأة، بل تخرج من هذا النفق الضيق إلى أفق رحب، فتفكر في "الآلاف من المظلومين" وفي "الظلم الساري في كل أركان الوطن"، وتَعي وعيا راسخا أن بين المظلومين قاسما مشتركا هو أنهم قالوا "كلمة حق في زمن الظلم" على نحو ما جاء على لسان أندلس.

والواقع أن هذا الوعي النسائي الذي عبرت عنه أندلس، داخل الرواية، لا يختلف في شيء عما عبرت عنه المؤلفة الدكتورة سعاد الناصر في عدد من أعمالها الفكرية ككتابها "بوح الأنوثة"(7) الذي عارضت فيه بصدق وشجاعة ما تطرحه أغلب الحركات النسوية بخصوص قضية المرأة، فوصفت هذه القضية بأنها «لا تطفو على سطح الوجود المتصابي إلا لاعتبارات سياسية أو مناسباتية»(8) وتحدثت عن «مبالغة في المعاناة النسوية من جهة، وهروب من الهموم الحقيقية من جهة ثانية»(9).

كما تساءلت أستاذتنا بشجاعة وأجابت بصراحة في هذا الكتاب قائلة: «لماذا هناك قضية للمرأة وليست هناك قضية للرجل؟ كثيرا ما يثيرني هذا التساؤل ويشعل في أعماقي لهيبا من ثورة مضمرة ومغيّبة في الواقع اليومي، فيفتح شهيتي للكلام المباح وغير المباح، الكلام المنطوق والمسكوت عنه، خاصة حين ألمس الرجل بجانبي ومعي يتخبط  في مستنقعات عدة، ابتداء من الجهل إلى الاستبداد العام، إلى الركض الأعمى وراء لقمة الخبز..»(10). إن القضية في رأي أستاذتنا «أعمق من أن تكون قضية المرأة، وإنما هي قضية الإنسان»(11)، وهذا ما عبرت عنه أندلس في الرواية حين ربطت قضية سَجن الطيب "بالظلم الساري في كل ركن من أركان الوطن" ولم تجعلها قضية شخصية.

2- خلخلة الصورة النمطية للمرأة عند العرب

من القضايا التي انشغل بها هذا العمل الروائي خلخلة الصورة النمطية الشائعة عن المرأة في الثقافة العربية. ومن المقاطع الروائية المعبرة عن ذلك هذا المقطع الحواري بين أندلس المحامية المتدربة وبين سائق سيارة أجرة جاءت أندلس إلى المحكمة لتدافع عنه بتكليف من المحامي الذي تتمرن عنده. نقرأ في هذا المقطع على لسان أندلس:

«فجأة نظر إليّ نظرة مذعورة وقال:

- "ألم يأت المحامي؟؟ كنت أنتظره.."

- "أنا التي سأدافع عنك"

- "ماذا ستنفعينني أنت؟؟ السائقُ مع محاميه الرجل، هل ستستطيعين مواجهته؟؟.."

- "إني أيضا محامية وإن كنت متدربة، ما الأمر؟.."

- "لن يحكم القاضي لصالحي حين يرى امرأة تدافع عني.."

تعالى صِياحه حتى بدأت الأنظار تتجه نحونا، نظرتُ إليه باندهاش، لا أصدق ما أراه أمامي، هل بمثل هذه العقليات سيتطور المجتمع نحو الأفضل؟؟ هل ما زالت النظرة الدونية للمرأة تعشعش في العقول؟..ألم أدرس في كلية الحقوق مثلما درس زميلي الرجل؟ وربما كنت أكثر انضباطا وحرصا على التحصيل منه؟..

حاولتُ أن أشرح للسائق بهدوء أن القضية سهلة، وهي في صالحه..رأيتُ مسحة اليأس على محيّاه. وحين سمع اسمه للدخول إلى الجلسة، جرّ قدميه جرا نحو القاعة»(12).

يكشف هذا النص نظرة دونية للمرأة تضعها في مكانة دون مكانة الرجل، ولا ترى فيها شخصا مؤهلا للقيام بما يؤديه الرجل من أدوار، وهذا ما يتبين من كلام سائق سيارة الأجرة الذي استهجن أن يكلف محاميه امرأة/ محامية للدفاع عنه.

لم يستسغ السائق ذلك، وعدَّه سببا للحكم عليه لا له فقال: "لن يحكم القاضي لصالحي حين يرى امرأة تدافع عني.."، وأحس بالهزيمة كما يستشف من وصف أندلس له قائلة: "رأيتُ مسحة اليأس على محياه. وحين سمع اسمه للدخول إلى الجلسة جرّ قدميه جرا نحو القاعة".

وإذا كان هذا المقطع النصي يُجلّي النظرة الدونية للمرأة فإنه لا يخلو من استنكار لتلك النظرة، وسعي لدحضها وبيان تهافتها. وذاك ما تبتغي تحقيقه الأسئلة المترددة في أعماق أندلس إذ قالت: "هل بمثل هذه العقليات سيتطور المجتمع نحو الأفضل؟ هل ما زالت النظرة الدونية للمرأة تعشعش في العقول؟ ألم أدرس في كلية الحقوق مثلما درس زميلي الرجل؟ وربما كنت أكثر انضباطا وحرصا على التحصيل منه؟".

إن في هذه الأسئلة إدانة وشجبا واستنكارا للانتقاص من قدْر المرأة واختزالِها في الجسد فقط.

ولا يجد الدارسون لمجمل الأعمال النقدية والكتابات الفكرية للدكتورة سعاد الناصر كبير عناء في تبين نقدها لتلك النظرة الدونية للمرأة. ولنقرأ على سبيل المثال قول أم سلمى في كتابها "السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي": «..ونجد غير بعيد عن صورة المرأة في الثقافة العربية القديمة، أن الثقافة العربية الحديثة والمعاصرة استمرت في تفريخ هذا النمط (13)، مع التركيز أكثر على حصر مشاكلها [المرأة] وقضاياها في تحرير جسدها. ونظرةٌ سريعة إلى إنتاجات الثقافة سواء كان إعلاما أم تعليما أم فنا بمختلف أنواعه وأجناسه أم غير ذلك تكشف عن محاولات دؤوبة لتحجيم دور المرأة، وتقليص دائرة اهتماماتها في مجال الجسد. ولعل ما يُنشر عنها من أدب يبرز ذلك، وينبئ عن حجم محاولات إبعادِها عن قضايا الأمة وقضايا الإنسانية بصفة عامة، وحصْرِها في حلقة ضيقة تدور حول جسدها وأنوثتها، وتقديمِ صورة متدنية عنها»(14).

لعل في هذا الكلام من الوضوح ما يؤكد أنه هو وتساؤلات أندلس في المقطع السابق يصدران من مشكاة واحدة.

3- محكي المقاومة في "كأنها ظلة"

على امتداد صفحات الرواية وتطور أحداثها تقضي أندلس جل أوقاتها في مواجهة الفساد والظلم والاستبداد، فتخوض من موقعها خطيبة للطيب ومحامية متدربة معركة للبحث عن دلائل براءة الطيب وأدلة تورط شبكة من المفسدين في تلفيق التهم لإنسان بريء انتقاما منه لتعبيره عن آرائه الحرة في مقالاته الأسبوعية.

لم تستكن أندلس، ولم تستسلم، ولم تيأس رغم كثرة ما يحبط، ورغم وصولها إلى الباب المسدود في بعض الأحيان..وبذلك صارت أنموذجا من نماذج أخرى وردت في نصوص سردية نسائية مغربية شكلت صوتا للمقاومة. وهذا ما يجعل من هذه الرواية عملا مندرجا ضمن "محكي المقاومة في السرد النسائي المغربي" على نحو ما عنونت الدكتورة سعاد واحدا من كتبها النقدية.

لقد ميزت الناقدة سعاد الناصر في "محكي المقاومة.." بين ضربين من السرد النسائي المغربي المقاوم، وذلك استنادا إلى معيار التحقيب الزمني، فتحدثت عن محورين لهذا السرد:

 «- محور سردية المقاومَة الوطنية في عهد الاستعمار، المؤطِّرة لمفاهيم الانتماء، والحرية، والهوية، والكرامة، والتأكيد على مشاركة المرأة في البطولة المغربية، والانخراط في أشكال التغيير الاجتماعي والتحول السياسي.

- ومحور سردية الروح المقاوِمة لواقع القبح بعد الاستعمار، المؤطرة لمفاهيم الاستغلال، والفساد، والظلم، والعنف، واعتبار قضايا التحرر من مداخل الانفتاح على آفاق إنسانية رحبة»(15).

واستنادا إلى ذلك فإن هذا العمل الروائي "كأنها ظلة" يتنزل في صلب ما سمته الناقدة "محور سردية الروح المقاومة لقبح الواقع بعد الاستعمار".

لقد انتصرت الناقدة سعاد الناصر في كتابها "محكي المقاومة في السرد النسائي المغربي" للكتابات النسائية ذات النفَس النضالي، مفضلة إياها على الكتابات التي تمعن في ترسيخ النظرة الدونية للمرأة، وأفردت كتابها النقدي المذكور للاحتفاء العلمي بالسرد النسائي المقاوِم..وجاء عملها الروائي الأول شكلا آخر من أشكال الاحتفاء بنضال المرأة ومقاومتها للقبح بمختلف صوره وتجلياته. وهي بهذه الرواية تضيف عملا سرديا جديدا إلى الأعمال السردية التي تنسجم ورؤيتها النقدية لما ينبغي أن يكون عليه حضور المرأة في الأعمال الأدبية. وفي هذا تجل آخر من تجليات التناغم والانسجام بين النظر النقدي والعمل الإبداعي عند الأديبة سعاد الناصر.

خلاصة

إن ما وقفت عليه من مؤشرات مؤكدة للتناغم والانسجام بين العمل الروائي لسعاد الناصر وبين عدد من آرائها الفكرية واجتهاداتها النقدية يقود باطمئنان إلى استنتاج خلاصات أذكر اثنتين منها:

 - أولا: يدل امتداد الوعي النقدي والفكري للدكتورة سعاد الناصر داخل عملها الروائي على وحدة شخصية الكاتبة وانسجامها، فما يصدر عنها من آراء هو هو لا يتغير بتغير الجنس التعبيري، ولا يتبدل بتبدل الأزمنة. وقد لاحظنا مثلا أن هناك انسجاما في الرأي بين ما قالته أم سلمى في كتابها "بوح الأنوثة" الصادر في العام 1996 وبين ما قالته أندلس في رواية "كأنها ظلة" الصادرة هذا العام، وهو ما يؤكد أصالة رؤية أديبتنا وثباتها على أفكارها التي لا تسير مع التيار.

- ثانيا: يؤكد حضور الوعي النقدي والفكري للمؤلفة في عملها الروائي أن روايتها ذاتُ بعد رساليّ، فهي لا تكتب رغبة في الكتابة، أو رغبة في تجميل القول وتحسينه والمباهاة به، ولكنها تكتب لأن لها رأيا وموقفا ورسالة في الحياة، لذلك فهي لا تستبعد المتلقي من دائرة اهتمامها وتفكيرها، وتردد في أكثر من موضع من كتاباتها أن «على الأديب أن يخلص لرسالته، وألا يجعلها أداة انحراف وفساد»(16).

ذلك، وإن ما أشرت إليه من انسجام بين جوانب في هذا العمل الروائي وبين آراء وأفكارٍ للكاتبة في كتابات أخرى لا يعني أن عملها سيرة ذاتية، أو أن شخصية أندلس هي الوجه الآخر لأم سلمى، ولكن المقصود أن هذه الرواية ليست محض تخييل بعيد عن الفكر مفارق للواقع، ولكنها رواية ذات رسالة.

ومن الحق أن أؤكد أيضا أننا ونحن نقرأ هذه الرواية لا نشعر في أي من فصولها أو صفحاتها أننا نقرأ مقالة فكرية أو تحليلا نقديا، فالعمل محكم من حيث البناء، وآراء الكاتبة منصهرة فيه، لا تُدرك إلا بضروب من التأويل المرتكز على دراسة لمجمل مؤلفات الكاتبة في النقد والفكر.

 

أبو الخير الناصري

...............................

الإحالات:

(*) الورقة التي شاركت بها في حفل تقديم الرواية بنادي ابن بطوطة بطنجة يوم الثلاثاء 25 من يونيو 2019م.

(1) صدرت ضمن منشورات مكتبة سلمى الثقافية بتطوان، ط01، 2019م.

(2) كأنها ظلة، ص173- 174.

(3) نفسه، ص204.

(4) حوار مع الأديبة سعاد الناصر، جريدة الشمال، عدد يوم الثلاثاء 21 ماي 2019م.

(5) كأنها ظلة، ص79.

(6) نفسه، ص209.

(7) صدر ضمن منشورات سلسلة شراع بطنجة في العام 1996م.

(8) بوح الأنوثة، ص22.

(9) نفسه، ص22.

(10) نفسه، ص22.

(11) نفسه، 24.

(12) كأنها ظلة، ص 91.

(13) تقصد الصورة النمطية للمرأة.

(14) السرد النسائي العربي بين قلق السؤال وغواية الحكي، منشورات مكتبة سلمى الثقافية، تطوان، المغرب، ط01، 2014م، ص24- 25.

(15) محكي المقاومة في السرد النسائي المغربي، منشورات ملتقى الدراسات المغربية والأندلسية بكلية الآداب بتطوان، المغرب، ط01، 2016م، ص06.

(16) تفاعل القيم الإنسانية في الأدب، لسعاد الناصر، مجلة حراء، العدد 30، مايو-يونيو 2012م، ص51. وانظر أيضا "توسمات جارحة" لسعاد الناصر، ص150- 151 وص155-170..

 

 

عبد الجبار نورينجيب محفوظ 1911- 2006 روائي مصري أول أديب عربي حاز جائزة نوبل في الأدب، تدور أحداث جميع رواياته على مساحة جغرافية مصر، ويؤكد في نتاجاته الأدبية ثيمة (الحارة) التي توازي العالم، فقد شغل ذاكرة الأمة الأدبية والثقافية بعالمه الروائي والقصصي المتسم برموزه وشفراته المراوغة والتي أصبحت حبلاً سريا مغذياً للسفر التراثي الأدبي لعصرنا الحاضر ورافداً غزيراً لا ينضب من الأعمال الرصينة ذات الشفافية العالية لسفرالأمة الثقافي ...

فهو العزيز في زمن الجدب، فصاغ لنا مفهوم الحداثة ببراعته الفائقة وبشخصنة محفوظ المعصرنة بناءاً ومادة وتكنولوجية بمقاربات في التطور الجمعي السوسيولوجي والتي يهدف منها محفوظ في أعادة صنع الأنسان المصري ضمن حاضره ليستشرق فيه المستقبل بخطى واعية ونظرة حصيفة وقدرة على الأبتكاربدون قيود ويجعل لها رافعة واحدة  هي (التعليم)، لذا تفتحت أمامهُ كل سبل المجد بفوزه بسيمياء الشخصنة المحبوبة قبل فوزه بجائزة نوبل، حيث تمكن برصانة أسلوبه السحري في أختيار الألفاظ من الحصول على رضا (اليمين والوسط واليسار) والقديم والحديث، فنجيب محفوظ مؤسسة أدبية أو فنية مستقرة وضعت هذا الأديب الأسطوري بموقع المؤسسة الشعبية، ولأن أسلوبهُ يجمع بين الحدث التأريخي والحكواتية الشعبية الواقعية، ويعتمد الرمزية الجزئية وبواقعية سحرية غريبة ينحو مندمجاً مع الرمز الكلي بدلالاتٍ متعددة منتجاً أكثر من تفسير، وأن عالم محفوظ يضمُ بين جنباته عدة مدارس في آنٍ واحد فهو ينحو من الواقعية النقدية ألى الواقعية الوجودية ثم ألى الواقعية الأشتراكية أضافة ألى تزويق الرواية بجماليات السريالية، لذا وجد النقاد بأنهُ  (متحف) لألمامهِ الموسوعي بجميع مذاهب ومناهج وأتجاهات النقد الأدبي أبتداءاً من التأريخية وأنتهاءاً ب(البنيوية)، كما تحتوي كتاباته على مفارقات تنحو أحياناً كثيرة ألى التعداد والتنوع والتضارب والتعارض ومتناقض الأضداد فأنهُ يقدم حالة نموذجية لدارسي (الهرمينوطيقا الأدبية) فهو يقدم مادة غنية  لألوانٍ مغايرة في الدرس النقدي وهو ما أطلقتْ عليه الحداثة الأدبية أسم نقد النقد أو ما بعد النقد، وأن كتاباته الروائية أو مجموعاته القصصية تربطها مجموعة من العلاقات تتخلل النصوص جميعاً وتوحده ألى نصٍ واحد كما نرى هذا المنظور في رواياته : أولاد حارتنا واللص والكلاب والقاهرة الجديدة وعبث الأقدار .

أولاد حارتنا --- هذه الرواية قد كتبها محفوظ بعد ثورة يوليو1952 بعد أن رأى أن الثورة أنحرفت عن مسارها، ولم يتم نشرها في مصر ألا بعد 2006، ولعل ملخص القصة تبدأ ببطل الرواية (الجبلاوي) كان شخصاً عنيفاً صلباً متسلطاً ومزواجا لهُ الكثير من النساء – وهنا عقدة الرواية في أحتدام الجدل بين الأوساط الدينية بأن محفوظ يقصد بالجبلاوي الذات الألهية لذا كفروا الكاتب ومنعوا نشر الرواية، وتعرض لحادثة أغتيالٍ فاشلة في 14 تموز1994 من جانب أنصار التيار الديني المتطرف .

وحسب أعتقادي الفكري وقراءاتي المتعددة للرواية وفي أزمنة مختلفة : أرى أن محفوظ يقصد بالبطل رمزيا بالحكومات المستبدة الذين حكموا مصر الفراعنة والمماليك والأتراك والأسرة الفاروقية وعساكر أنقلاب تموز، أما الأخوة عباس وجليل ورضوان – عدا أدريس – يمثلون الطبقة الضعيفة والمستلبة في المجتمع المصري .

أنتهج فيها أسلوباً رمزياً يختلف عن أسلوبه الواقعي، فهو ينحو في هذه الرواية جاهداً على أبرازالقيم الأنسانية التي نادى بها الأنبياء كالعدل والحق والسعادة الروحية، ولكنها أعتبرتْ نقداً مبطناً لبعض ممارسات عساكر الثورة والنظام الأجتماعي الذي كان قائماً.

على العموم كانت أكثرجدلاً من حيث المضمون بين الأوساط الدينية بالذات، حاول الكاتب أن يصوّر للفقراء والمعدمين مدى الظلم الذي لحق بهم وبالبشرية عموماً منذ طرد آدم من الجنة وحتى اليوم حيث الأشرار يعيثون فساداً في الأرض ويستبدون ويستعبدون الضعفاء وقد غلقوا أبواب الأمل أمام الطبقات المسحوقة أن تتمتع من نصيبها في الحياة .

سلط ضوءاً على العبودية والقهر مبيناً وبجرأة فائقة حركة التأريخ في الصراع الطبقي للمجتمع المصري الذي يعيش الخوف والجوع ووضوح الفروق الطبقية بشكل مذهل ورهيب، ووضحها محفوظ ببراعة بليغة وهو يحرك خيوط شخوص الرواية في توزيع الأرث من قبل رب الأسرة بصورةٍ غير عادلة تكتنفها الأنتقائية والأزدواجية والتحيّزْ والتعسف بأعطاء الحظ الأوفر ل (أدهم) والذي يقصد به آدم وحرمان (أدريس) الذي يقصد به أبليس، وبهذه الرمزية وهي الصفة المتعارف عليها عند الحكومات المستبدة، وهي أدانة للنظم الشمولية والدكتاتورية .

وأنهُ لم ينتقص من الدين ورموزه ولا من ثوابته ومسلماته الفكرية بل هو أستعملها كماشة نار في تقليب الحوادث المأساوية على مساحة جغرافية مصر والعالم العربي، وما كانت حكاية (عرفة) في نهاية الرواية والتي رسم له شخصية معرفية وموسوعية لكي يجلب أنتباه القاريء والمتلقي بأن رافعة التغيير تكمن في (التعليم والمعرفة) الذي يمثله (عرفه) وجعل العلم البلسم الشافي والطريق القويم ألى " أولاد الحارة " في النهوض من كبوتهم، ولعل أهم شاهد على عدم تعرضه للأديان وبالذات الدين الأسلامي هو ما جاء في الصفحة 583 من الرواية (---الدين الذي هو منبع قيم الخير والعلم الذي هو أداة التقدم والنهضة في حاضرنا ومستقبلنا).

وكان يرى أن الدين قد أُستغلّ ووظّف توظيفاً خاطئاً أدى ألى شقاء الأنسان كما رأينا في سطوة الكنيسة في القرون الوسطى والفتوحات الأسلامية في القرون الماضية وتعسف الدولتين الأموية والعباسية وعبث ولصوصية الدين الراديكالي  وتسلطه على رقاب العراقيين بعد الأحتلال الأمريكي البغيض .

وثم أعتقد بأن أتهام محفوظ بالزندقة والألحاد فهو محض أفتراء على الرجل حسداً وغيرة لنجوميته الأدبية المتألقة وهو الأديب العربي الوحيد الذي فاز بجائزة نوبل في الأداب ونتاجاته الثرة التي وصلت ألى أكثر من خمسين بين روايات وقصص وبحوث ونقد، وسوف أفند بطلان هذا الأتهام الظالم بأن محفوظ في مجمل سير الرواية آمن بالموت لجبلاوي، وهل تموت الآلهة ؟؟؟وكذا بطله العلامة (عرفه) مات وفنى كجسد وبقيت معارفه شاخصة ألى الأبد، وهنا أتكأ محفوظ على ركيزتين في أحترام الثوابت الدينية وهما { الخلود لله والموت والفناء للبشر وركيزة العلم }، وثم أصطفاف أعداء الرجل من رجال الدين والأزهريين والمد الأخواني ووعاظ السلاطين وجماعة الوفد وعساكر الثورة البورجوازية ورجال الحقبة الملكية التي عاصرها الكاتب والذين أخضعوا مصر للمستعمر، وهو الذي سفّه آراء من أعتقد ويعتقد أن الأمور سوف تتغيّرْبعد ثورة 1952 معلناً حقيقة تأريخية (أن صنماً هُدم ليبنى صنماً آخر أو بعبارة أدق ذهب الظالم وبقي الظلم) وعرض بشكلٍ جزئي سلبيات نظرية الحق الألهي في فرض عبودية بطل الرواية الجبلاوي على أسرته وهي رموز تشبيهية لدكتاتوريات حكام العرب قديما وحديثا، وأن تشبيهات الكاتب لشخوص الرواية بالرموز الدينية قد خدم النص والفكرة التي أنشيء من أجلها المتن .

أخيراً/ لقد آن الأوان لأولاد هذه الحارة أن يعرفوا سر ضعفهم وخنوعهم وأن يثوروا لكرامتهم وكبريائهم وأن يلقوا بالتخلف والجهل والأنقياد والعبودية بعيداً، هذه هي الروح التي تبنتها الرواية " أولاد حارتنا " فهو لم يدعو للحرب بل للحوار والسلم لذا أنهُ أستحق جائزة نوبل .

وأن الرواية تبشر بيومٍ يستطيع فيه الأنسان أن ينتصر على السلطة الغاشمة وأدواتها الفتوات والبلطجية وعاظ السلاطين والجهل وكانت آخر كلمات الرواية والتي حركت مشاعري وأحاسيسي من الأعماق { --- لكن الناس تحملوا البغي ولاذوا بالصبر وأستمسكوا بالأمل وكانوا كلما أضرّ بهم العنف قالوا لابد للظلم من آخر ولليل من نهار ونرى في حارتنا مصرع الطغيان ومشرق النور والعجائب }،  نعم... نعم سوف يولد يومٌ جديد في عراقنا المأزوم والمسروق وتشرق شمس الحرية في وادي الرافدين الجميل ويتحقق شعار الشباب المنتفض اليوم في عراقنا الحبيب { وطن آمن وحر} .

تحية لنجيب محفوظ الذي وصفته جريدة لوموند الفرنسية في أحد أعدادها في الثمانينيات قائلة (صباح الخير يا ملك الرواية) .

فهو كاتب البورجوازية الصغيرة والفقيرة المعدمة والتي تكافح من أجل البقاء ولآجل أثبات وجودها، فهو أكثر فهماً للطبقة الوسطى وأقدرهم تعبيراً عن مشاكلها وعرض دقائق حياتها وكشف واقعها وطبيعتها والظروف الحضارية والتأريخية وطبيعة القوى الأجتماعية وصراعاتها وحركتها التطورية في المجتمع المصري بالذات، فوضع للمتلقي رؤية واضحة عن الظواهر الأجتماعية بتقديرات سليمة، (فهو ديمقراطي تقدمي في مجتمع شرقي غيبي ----)

 

عبدالجبارنوري

كاتب وباحث عراقي مقيم في السويد

...................................

الهوامش

* الهيرمنيوطيقا: هي نظرية أدبية تعني بالمعنى الدقيق للكلمة: الدراسة المنهجية لطبيعة الأدب، فهي مرتبطة بمذاهب الفلسفة وعلم الأجتماع وهي فن دراسة فهم النصوص في فقه اللغة واللاهوت والنقد الأدبي لذا يستعمل الأصطلاح في الدراسات الدينية (ويكيبيديا للحرة)....

- جبرا أبراهيم جبرا – الأسطورة والرمز – ترجمة – بغداد 1973 ص 258

- سليمان الشطي – الرمز والرمزية في أدب نجيب محفوظ- الكويت 1976 ص29

- لويس عوض – دراسات في النقد والأدب – القاهرة ص 345 – ص346

- احمد ابراهيم الهواري - مصادر نقد الرواية في الادب العربي الحديث – القاهرة 1979 .

- ادور الخراط – عالم نجيب محفوظ –مجلة المجلة 1963 – ص 37

 

 

 

تفاعلية النص: يقصد بها عملية تجاذب بين بؤرتين مختلفتين، احدهما كتابية، والاخرى: قرائية عن طريق القارىء بنوعيه: المثقف، والعادي.

تأتي التفاعلية عن طريق لغة سردية مفهومة قدمها الروائي، مما وفر الحاضنة الواعية المستقبلة لقراءة حيثيات المشهد السردي.

أعتمد السرد على مناقشة التاريخ، وبما أنه انطلق من هذا المنطلق هذا يعني أنه سرد معتم ومثقل بالهم؛ لأن التاريخ ماهو الا سلسلة مثقلة بالوجع، ومشاكل عالمنا العربي تعود في أغلبها إلى هيمنة التاريخ كسلطة حاضرة ومؤثرة في العقل والسلوك على الشارع، ومجال التعليم، و المؤسسات الرسمية.. الخ، فإنَّ التاريخ ليس مجرد حشو من الأحداث، وإنَّ بدا ظاهرياً كذلك، فعلى العين الفاحصة أنَّ تستكشف الباطن والمضمر.

فالتاريخ الذي نعيشه الان هو حشد من الأخبار والوقائع والشخصيات، تم تناولها بطرائق مختلفة في إطار أيديولوجي وعقائدي، وحقيقة هذا التاريخ تأتي من القناعة والإيمان بشكل ذلك التأريخ وقداسته من تلك القناعات التي لا يمكن المساس بها، ولا بد من التمييز بين الظاهري في الواقع مَنْ الباطني الجوهري .

نسجت الرواية متنها السردي بطريقة تفاعلية بنائية، وببنية تركيبية مفهومة، اشبه بلعبة الدومينو، التي تتطلب منا بعض التركيز في اللعب لأكمال حلقة لعبها، وهذا ما جاء في الرواية، التي ابتدأت بصيغة سردية جاذبة للقارىء، ودافعة به إلى الاجبارية الطوعية لأكمال قراءة المتن السردي، وهذا ينطبق على روايات الكاتب اغلبها، والرواية العراقية بصورة عامة؛ لأنها روايات حاضنة للظروف الاجتماعية، ساعية إلى نقد الضغوطات الموظفة بإزائه، ومحاكاة سوداوية المشهد المعاش.

بؤرة التحقيق التاريخي هو المرتكز الأول في بنية السرد، الذي صاغ التقاء هويتين متناقضتين، احدها عراقية، والثانية اجنبية.

البطل (منيب افندي) الذي يعشق كل ماهو اوروبي، نسج عن طريق هذه الشخصية تحولات المجتمع العراقي، والعربي خاصة، بعد مغادرة الاتراك لبغداد، ودخول الانجليز محلهم، "منيب افندي .. منيب افندي؟ لقد حاول جاهداً اللحاق بالترامواي فلم يستطع .. وكلما استطاعه هو التعلق بنافذة العربة التي يجلس داخلها منيب أفندي وصاح: منيب افندي أمضيت الليل كله وانا اقرأ كتاب الزهاوي الذي اعطيتني اياه بالأمس.. وأنا اتساءل لماذا لا نحرق الزهاوي "، فــ (منيب افندي) شخصية كولونيالية، وصورته قريبة من شخصية (الشيخ امين)، وهما صورة مزدوجة، ومتشابهة "كانت السماء تمطر مطراً حقيقياً ...كان الشيخ امين ومنيب افندي كلاهما ينظران إلى هذا المطر ..."

والعبد المطيع تمثل بشخصية (محمود بك) الضابط الصغير في الجيش العثماني .

استنطاق المسكوت عنه، هو الوظيفة الرئيسة في مهمة المتن السردي، بالاضافة إلى السخرية المعلنة للثالوث المحرم، واللصوص، والضغط الموظف بحجة رداء الدين وستاره، الذي اصبح مادة مجانية للكثير من التوظيفات السياسية الضاغطة، بحجة الدين يمرر الكثير من الممنوعات.

أما (الجنس) فقد جاء بطريقة معلنة لأزاحة جانباً كبيراً من الضغط المعاش، والهرب منه، إلى الوجهة المضيئة الجزئية.

أخيراً، اضيف، أن النتاجات السردية العراقية أغلبها، جاءت صورة درامية معاشة بلغة سردية ناطقة، وموثقة، شاهدة على عصر غيب ابنائه في ظروف سوداوية معتمة ضاغطة لواقعهم، بطريقة اجبارية ضاغطة.

***

د. وسن مرشد

 

جمعة عبد اللهللكاتب فيصل عبدالحسن

 هذه المجموعة تتميز في براعتها في الغوص في قاع المجتمع. وكشف سلبياته وعلله الاجتماعية. لذلك ان المجموعة هي نسيج متناسق ومترابط بين واقعية الاحداث الجارية، وتنسيق بالمخيلة الخيال الفني، الذي يمتلك المهارة الاحترافية في صنعة القص، والسرد الحكائي، بلغة مشوقة وجذابة، تشد القارئ في رهافتها الديناميكية. وهي تتناول مفردات وثيمات الواقع المعاشي بتجربته الفعلية. لتشكف اشكال المعاناة والقهر الاجتماعي، لواقع فقد بوصلته، وخرج عن جادة الصواب، الى الظلم والحرمان والحيف ، وهي نتيجة منطقية وطبيعية، تتسم بها السلطة الشمولية المتسلطة على رقاب الناس. في غياب الامن والاستقرار الحياتي. نحو الانفلات الامور عن السيطرة، وتصبح السلطة عاجزة في معالجة السلبيات والعلل التي خلقتها بنفسها ، بل انها شريكة فعالة فيها. لانها غير جديرة في المسؤولية والحكم، وتضع ثقل هزائمها واحباطاتها على عاتق الشعب المسكين. والمجموعة القصصية، تملك اسلوبية متمكنة في توظيف نهج الواقعية الانتقادية. واختارت اسلوب النقد الساخر والمتهكم من ثيمات ومفردات الواقع ومجريات أحداثه. وتوظيف متمكن في اظهار الواقع يعيش التراجيدية الكوميدية للاحداث السردية، وخاصة للبطل السارد، الذي هو شريك في تسجيل الحكايات من اعمامه اللصوص وغيرها من النصوص القصصية برع في تقمص دوره في السرد الحكائي. ويأخذنا في دهشة مشوقة لحكايات اللصوص، مغامراتهم ومجازفاتهم ومقالبهم. لاشك ان حكايات اللصوص مادة دسمة في الادب الروائي العربي والاجنبي. بكل اشكالها المشوقة. حتى برزت روايات مشهورة في الادب الروائي للصوص، ان صحت التسمية. والمجموعة القصصية (اعمامي اللصوص) للاستاذ الروائي المبدع فيصل عبدالحسن، الى جانب تناول مواضيع حيوية هامة أخرى، في الطرح والتحليل والرؤية. مثل العلل الاجتماعية في الظلم والحرمان والحيف، ومسألة الحصار والحرب والفقر والجوع، والحياة الخاوية، التي تحاول ان تصنع لنفسها شيء مهم، حتى تتسلى بها على معاناتها وقهرها الاجتماعي، وكذلك تكشف الافرازات السلبية. نتيجة الواقع المنفلت من عقاله عن جادة الصواب. وخاصة ان يكون الناس طعماً للسرقة والنهب والسلب. في مجتمع فاسد، بسلطة فاسدة.لتضعنا امام تدهور المنظومة الاخلاقية في قيم المجتمع. نجد هناك من يحاول ان يتجلد على بمعاناته الشديدة، ان يحافظ على عفته وكبريائه، محافظا على قيمته الانسانية بأبى وعزة النفس. رغم الفقر والجوع في قسوته الشديدة. نجد المبدع الاديب، يمتلك لغة مكثفة ومركزة في اسلوبها السردي المشوق. في كشف ادق تفاصيل العلل والسلبيات. كما يعرج على مسألة القتل والحروب العبثية، التي تخلق أزمة حياتية ووجودية. والمجموعة القصصية احتوت على ثلاثة أجزاء. وهي:

 1 - الجزء الاول. ضمت القصص القصيرة التالية: العين. الجثة. أعمامي من البخلاء. أعمامي السبعة. اعمامي المقلدون. أعمامي اللصوص.

- قصة (العين):

بعدما ضعفت ووهنت قبضة الحكومة المركزية، في الاطراف والمدن الصغيرة البعيدة عن المركز. اخذت تظهر مليشيا الحزب الحاكم بتغيير عدسة عينها لمراقبة وترصد الناس في الايقاع بهم بشتى التهم. اخذت هذه المرة، بتشكيل مجموعات في القيام بالنهب والسلب، كعصابات قطاع الطرق، تنهب وتسلب المسافيرين على الطرق. في ايقاف السيارات والقيام بسلب ما يمتلكون من اموال وحلي وحقائب، حتى مواد الطعام في سد جوعهم على سفرهم. اي ان نهج الحزب الحاكم تحول من السياسة الى اللصوصية.

- قصة (الجثة):

بعدما وقفت الحرب وهدأت الصورايخ وغارات الطائرات. في ضرب مواقع حيوية لسلطة البعث في العراق.. اصبحت المعدات الحربية. مواد مستهلكة (خردة) تباع في المزاد العلني، وصادف سوء حظ احد المقاولين المشترين من المزاد. اشترى سيارة محترقة من مخلفات الحرب المعطوبة. ولكن المفاجأة انه وجد داخل السيارة المحترقة. جثة طيار امريكي متفحمة، بما يستدل عليه من الزي العسكري. وبقايا اللحم المتفسخ والمتفحم، بجمجمة بيضاء ونتف من بقايا الشعر الاشقر. اما هذه المفاجأة السيئة وقع في حيرة من أمره (ابو جابر). ماذا يفعل بالجثة، هل يدفنها سراً بدون ان يعرف أحداً شيئاً عنها، أم يخبر السلطات الحكومية؟. وازاء هذه الورطة استشار شقيقه الصغير في الامر، واستقر الرأي في اخبار السلطات المحلية بالامر بوجود جثة متفحمة. ولكن بعد تبليغ السلطات، انقلب الامر ضدهم، وصخب الاعلام الداخلي والخارجي وحتى الامريكي. في الاتهامهم بتعذيب الاسير الامريكي حتى الموت وحرق جثته. وانشغال القضاء الدولي والاعلام بالقصاص من المجرمين الارهابين القتلة، وحتى اعلام النظام عزف على هذه المعزوفة. وترك الناس آثار فداحة الخسائر من الحرب المدمرة، وانشغل بهذه الجريمة الوحشية، ووجد طريقة لتملص من تبعيات الحرب المدمرة.

- قصة (أعمامي السبعة):

يتحدث السارد كمدون حوادث اللصوصية التي يقوم بها اعمامه اللصوص. بأن يدون حكاية كل واحد من هؤلاء الاعمام السبع في جلساتهم في السمر في ليالي الشتاء. تكشف احترافهم مهنة اللصوصية على اصحاب المواشي (المعدان). جندوا في الحرب الايرانية والامريكية وغيرها. وكانت النتائج كالاتي. أول الاعمام. أستطاع ان يأسر جنرال أيراني، وكوفئ كبطل بسيارة جديدة ومهر لزواجه. والثاني جلب ثلاثة أسرى جنود أمريكان ضلوا الطريق، فحاز على وسام الشجاعة. والثالث احترق او تهشم نصف وجهه من شظية مدفع. والرابع سرق آلة ضوئية تطبع الاوراق النقدية من الكويت ، فراح يطبع الاوراق النقدية المزورة. والخامس فقد ذراعه في الحرب، وارتكن الى تربية الدجاج. والسادس جمع ثروة طائلة من جيوب المقتولين في الحرب. أما السابع فقد رضي بغنيمة الحرب، بمجندة امريكية اتخذها للمتعة الجنسية حتى انجبت له طفلاً. وطالبته بالنفقة للطفل في المحاكم الامريكية، واتخذها حجة في تحقيق حلمه بالسفر الى امريكا.

- قصة (أعمامي اللصوص):

يأخذنا المبدع الروائي الى المتعة المشوقة بالسخرية المضحكة في طرائفها ، في الشيطنة في مهارة الحرامي او اللص بذكاء خارق، ولكنها تنتهي الى التراجيدية الكوميدية. لنأخذ واحدة من حكاياتهم على لسان لسارد المدون حكاياتهم. كيف تتم عمليات السطو والنهب. وكيف يتم التسلل الى البيوت. وذكر أحد هذه الطرائف من الحكايات التي تكون مادة مسلية في ليالي الشتاء وعلى منقلة النار والشاي في اجتماع عائلي. يدون بأن أحد اعمامه تسلل الى احد البيوت لسرقة الفرس، فأختفى بين الاغطية والوسائد. وحين جاء وقت العشاء لزوج والزوجة، استغل الظلمة ليشاركهم الاكل، ولكن الزوج شعر به، فمسك يده. فما كان من اللص، إلا ان امسك يد الزوجة، وهي بدورها صاحت بالزوج غاضبة (دعني آكل، لماذا مسكت يدي ؟ فترك المعيدي يد عمي، وقد ظن أنه قابض على يد أمرأته) ص59. ولكن بعدما نام صاحب الدار (المعيدي) تسلل الى الاسطبل لسرقة الحصان، في نفس الوقت كانت الزوجة في احضان احد العبيد لمضاجعتها. وحين شعر الزوج صاحب البيت بالسرقة. أستل سيفه، لكنه وجد أمرأته عارية يضاجعها احد عبيده في وضع مخزي، أستل سيفه وهشم رأس عبده، فهربت الزوجة عارية بالخوف والهلع، في حين استطاع اللص ان يهرب مع الفرس. وصاح به غاضباً (لا بارك الله فيك!! لم يفعل بنا لص ما فعلته !! فضحتني في عشيرتي وقتلت عبدي، وطلقت زوجتي، وسرقت فرسي، وأكلت عشائي) ص60.

 2 - الجزء الثاني:

تتحدث النصوص القصصية عن محنة الحصار العراقي القاسي، بسنواته العجاف والمؤلمة في معاناة الناس، ودفعهم الى فاقة الفقر والجوع ، وشحة وجفاف معالم الحياة المعيشية اليابسة تماماً. ويضم هذا الجزء القصص التالية:

1 - الكلبة التي صارات نمراً. 2 - المضحكة. 3 - في ظهيرة قائضة.

- قصة (في ظهيرة قائظة):

تتحدث عن قصف الطائرات الامريكية. وهي تدق بصواريخها العاصمة. وكانت هذه الطائرات تقف في سماء احدى المدن الصغيرة وتقذف بحممها الصاروخية للعاصمة. فما كان من الحزب الحاكم ان يحول هزيمته في الحرب ، لانه لم يستطع ان يدافع عن العاصمة، بهذا الانهزام والضعف والعجز، يتملص من تبعية الهزيمة النكرى، في اتهام هذه المدينة الصغيرة التي تقف الطائرات في سمائها، بالخيانة والتواطئ والعمالة، لانها سمحت للطائرات ان تقف بسمائها في قصف العاصمة. لذلك يجب حذفها من السجل المدني. وعدم التعامل معها والمطالبة بالقبضة على الجاسوس او الجواسيس المتورطين. ولكن احد الشطار الذين لا تفوتهم الفرص السانحة. اتصل بالرئيس ليخبره بخيانة مدينته. لذلك اعتبر بطلاً قومياً ووطنياً وكرم بنصب تمثال يؤرخ مأثرته الوطنية الكبيرة ، بهذه المسخرة التهريجية، التي تدعو الى السخرية والضحك، وهي تدل على خواء الحزب الحاكم.

3 - الجزء الثالث:

يضم القصص التالية. اللفافة العظيمة. لغة العيون الخائنة. وعاء الضغط. دنيا أخرى.

- قصة (اللفافة العظيمة):

امام اشتداد وطئة الفقر والجوع وشح الحياة في معاناة الفاقة والعوز. كان يضطر لسد جوعه اليومي، أن يبيع اثاث وحاجياته المنزلية، حتى ليأكل ليبعد شبح الجوع المؤلم، ولكنه انتهى من بيع كل شيء، ولم يعد يملك اي شيء يبيعه، مقابل وجبة بسيطة من الطعام، وظل على هذه الحاة المزرية يقرقر الجوع في معدته ثلاثة أيام. طرقت أمرأة متسولة، تعيش على عطايا الناس البسيطة لتطعم اولادها الايتام، وتدفع عنهم شبح الجوع، في جمع ما تحصل عليه من مواد غذائية من الناس، طلبت منه مساعدته بما يملك القليل من الخبز الى اطفالها اليتامى، سمح لها بالدخول، وعرفت حالته المزرية، واخرجت لفة الطعام، وطلبت منه مشاركتها في الاكل، رفض بحجة بأنه منذ قليل أكل وجبة طعامه. رغم ان الجوع يقرقر في بطنه. وطلب منها ان تعطيها الى اطفالها الجياع، واخرجت كعكة وطلبت منه ايضاً ان يتناول شيئاً منها، لكنه رفض بأن اطفالها اولى بأكلها، لكنها خرجت وتركت الكعكة في مكانها.وهو يتضور من الجوع المؤلم، لكنه كان يتحاشى ان يمد يده الى الكعكة ربما عادت واخذتها الى اطفالها، وظل على هذا الحال البائس والمرير في الاصرار في الممانعة في اخذ قطعة من الكعكة، وظل يبكي وينوح على الحياة المزرية. التي تدفع الناس الى التسول. ان معاني الدالة والبليغة، بأن القيمة الانسانية تحافظ عل الاباء والعزة والكرمة، حتى في الظروف القاهرة والمؤلمة.

 

- الكتاب: أعمامي اللصوص (قصص)

- الكاتب: فيصل عبدالحسن

- الطبعة: عام 2019

- الناشر: وكالة الصحافة العراقية (ناشرون) الجيزة / جمهورية مصر العربية

- صفحات الكتاب: 143 صفحة

 

 جمعة عبدالله

 

حدّثوني عن نفسي قليلا،

سامروني بالحكايات عن دجلة والفرات وسيرتا

أفرحوني بأغنية العيد

لا تتركوني وحيدة في العتمة.

....زهرة الثلج....

لكن أحلام الأزهار أكبر من ألا تتفتح، فما أكبر من ألا تتفتح الأزهار؟ العذاب؟" أفضل عذاب هو عذاب الزهرة/ الوردة في الأغاني"

إذاً؟

هذه الرواية أغانٍ. وفيها وردة تتعذّب/ زهرة الثلج

إنها أنين الوردة ويشبه "حديث القمر" للرافعي. كأن ارتباط الاسم بالاسم ليس صدفة.

وإنها الحلم، ويشبه زهرة الأمير الصغير لسانت اكزبيري'Antoine de Saint-Exupéry.

إنها المناجاة، ويمكن للمناجاة أن تكون رواية مثل الاعتراف . فهي قلب مفتوح حتى لو لم يكن ثمّة وجه لوجه.

أدخل الرواية من فصلها الثالث، وإن سألتموني أين كنت أقول يحدث أن. بابلو نيرودا

لذلك، أيضا تقول الكاتبة يحدث أن نحب في اللاشيء ونبني من الحلم كوكبا مبتكرا ونجعل من الغياب حضورا. يحدث أن، ليست عبارة عشوائية، بل مكان وفيه حدث حتى لو كان في الذاكرة. إنه مكان في القمر.

الحدث، شهر الميلاد / فبراير. وعند اليونان هو شهر يتطهرون فيه من الذنوب والخطايا. لعلّ الكاتبة تريد تطهير أفكارها الأولى بهذه الرواية.

في الحقيقة، وجدتني أمام تراكم قصاصات شعرية مذهلة من لدن ملكتها، وأخرى قطف أنيق مختار من أفواه شعراء الكون وأستأنس هنا بقول محمود درويش/ من أين تاتي الشاعرية،،،، من وردة حمراء في الصحراء أو " من زهرة برية تناور الحب في البرد" تضيف زهرة الثلج. هذا اختصار شعري لكلّ الرواية.فإلى التفصيل.

تبدأ الرواية بأسطورة دجلة والفرات كمرجع تأريخي ذكي للولوج إلى سرد ماتع يمزج السياحة بالحكاية فيبرز قسمان كبيران، المدينة والريف. مدينة بحرية أنتجت عناقا وقرية جبلية تعوض العناق بالذكريات.

لكن، السياحة لم تمح رصد الحياة في كلا المحلّين. المعاناة والمتعة على السواء. فمثلا في العاصمة (مدينة بحرية) تغرينا الكاتبة قائلة: التفرج على كورنيش البحر الأبيض المتوسط يبدو مغريا. والمدن الواقعة على البحر تحمل تراكمات أسطورية، يبهرني عناقها الدائم مع الأمواج. وهنا الانعطاف، إسقاط أمواج البحر على الأثير. ويأتي على قول سلمى أيلول إإحدى شخصيات الرواية: لطالما شغلت أمواج الأثير العاشقين .

إنها تمشي بحكايتها الخاصة بين الأماكن والأشخاص تشهد الكل على حب البطلة ميار لأرسلان / الأثير . أو تقحمنا فيها متعاطفين أو مشاركين. فأذكر حينما عرفت الكاتبة كانت باسم ميار، وقد جمعنا هوى الأثير أيضا، فأرجح أن الرواية كتبت أو عاشتها البطلة في ذلك الآوان، فأشعربوجودي أيضا ولو ضامرا فيما حدث. فأحببت البحر وشوارع العاصمة والأثيرورواية أرسلان الثالثة " سيرتا" ودجلة والفرات ومغراوة.

وتغرينا أيضا بالقرية، وتؤكد باشتقاقها الاسم مغراوة من الغواية. وتجمع بينها بألفة طبيعية فتقول: السفر من المدينة إلى الريف يشبه المشي حلما بين جسريين سماويين.

ثمّ تمضي بالسرد رشيقا ذكيا بين المدينة والريف . واصفة مقارنة لا تخلي موضعا لا ترصّع عليه قصّة الحب الأثير، لكن، ورغم هيمنة الحدث الشخصي للبطلة، فإن الرواية تأريخ للمكان.العاصمة ومغراوة. تاريخا، وحياة، وحوادث ونازلات.

ففي العاصمة، تأريخ للقصبة، لقصر رياس البحر، لشوارع العاصمة . وتأريخ للنوازل، بالتحديد اللجوء السوري في الجزائر من خلال سلمى أيلول. واللاجئين الأفارقة والمعاناة في الوطن من خلال وصف المشرّدين على حافة البحر في رمز مؤلم حاذق وهي تصف بقولها: ملابسهم ممزقة لا إبرة سترقعها غير التمرد أو الاستسلام وعلى حافة البحر، لا نداء غير البحر من ورائكم والعدو أمامكم، فاحرقوا المراكب / احرقوا.

حتى وهي تصف القرية مغراوة مسحورة بالطبيعة، لا تنفك بالرمز تشيرإلى درب ما للحياة أو الموت دونه. بل حتى في عرض الشخصيات / الجدة فاطمة الخالة مسكية العم نوبلي وحسن . خاصة حسن الراعي الشاعر الذي يقول ردّا على بابلو نيرودا:

إني مولع بالضباب، أتوق للبحر والعمر يضيع

أنحت من حجارة الوادي شعرا

أتأهب للشمس أقول لها أطيلي أو لا تطلّي.

أطيلي أو لا تطلي، هاهو الخيار أيضا الحياة أو الموت.

البحر أو لاشيء أيضا . فلم البحر للحد الذي يحدّ فعلا الحياة؟

مليكة رافع من الشجاعة بمكان، لتصحح رؤى سابقة، لا تقبل أن يكون البحر " بح"، فيوجد فيه راء، راء الرفعة، لذلك ترفض مايقال: يوجد في النهر مالا يوجد في البحر . بل ما ينهره النهر يشجعه البحر.

ومن هنا حضر البحر قويا جدا، ويتوق له حسن ابن الأنهار . مليكة رافع من الشجاعة لتقول إنّ الحضارة التي أبدعتها الأنهار، تصونها البحار. فلابد من صيانة وتلميع لكل إبداع. إنها تنقل الأهمية للبحر، لأن دجلة تخجل وفرات فتر. وهكذا تعلّمنا أن الأساطيرمازلنا نحياها بزي عصري.

مليكة رافع من الشجاعة لتغير في مفاهيم العظماء، فلكل إنسانه الخابر بالحياة، حيث تقول معارضة أفلاطون / معرفة الأشياء تؤدي إلى معرفة الأسماء.

وصحيح هذا، فها أنا، عرفت اسم ميار لأني عرفت مكانا على القمر. هل عرفت قبل أن ميار يعني " الضوء الذي يحيط بهالة القمر؟

المغزى / أليس العذاب لذيذا يا وردة؟

كانت البطلة / الوردة، فنانة، رسامة وشاعرة وهنا توافق وشخصية الكاتبة لذلك فاض التداعي وكاد يغرق الرواية لولا أن كان من التداعي استدعاء لما يخدم النص، وهو متعدّد، أحصر منه بعض السحرفيما يأتي.

اختارت الكاتبة الوصف وهو مايلائم السرد . خاصة في وصف العمارة سواء في العاصمة أو في القرية.

اللغة الجزلة المتنوعة الحاضنة لمختلف المشاهد . واعتماد الألفاظ الدلالية للأشياء خاصة فيما تعلق بالقرية مثل المراح، الكُدر، الشموخ الصحين، تغدف، البخنوق.

التناص الجميل مع روائع الأدب مثل حضور ابن الفقير لمولود فرعون وبقوة في الجزء الخاص بالقرية .

وطغيان جبران خليل جبران في الجزء ذاته حين تعانق الطبيعة.

حضور الأسئلة الفلسفية واستحضار ثقافي مهم متنوع من العلوم إلى الفنون وزخرت الرواية بأنواع عديدة

في البلاغة . فقد أظهرت الكاتبة بيانا ساحرا وقدرة على وضع المعنى تماما على ألفاظه. وآخذ لكم مثالا على حسن التقسيم / تقول مليكة: تدللني الشمس وتغدقني بالأمنيات بينما يغمرني المساء في العتمة فأعانقه وأنام.

استدراج المعنى بشكل ملفت للدهشة مثل /

رغبت في المشي على سكة القطار

ربما ماتت خجلا تلك القطارات التي أضاعت طريقها (بابلو نيرودا) هل يخجل حبيبي من غيابه؟

السفر على متن القطارات كأول تجربة سفر في الطفولة

الوقوف قبالة محطة قطار ذكرى

أشدو لمليون ذكرى

هناك مواعيد واللقاء الذي يشبه القطار اصطدم بسكة الوجع.

-حسن تضمين الحدث الشخصي في الجهاز العام للرواية مثل /

رائحة الخبز تتسلل وأغاني الشعبي

شباب توزعوا على الرصيف

المتسولون، اللاجئون، المطر، عون النظافة، بائع الورد

تغيرت لافتات الشوارع التي كانت تحتفظ بذكرياتنا. هذه الصدمة غير المتوقعة هي إقحام حسن للحدث الشخصي في الرواية / ميار وأثير

-ذكاء التعبير وأخلقته مثل: قلت لعون النظافة، ارفع رأسك يا عم

ومثل: التقيت سيدة تحمل قفة مقتنيات . ساعدتها، أمطرتني دعاء وقلت آمين.

- حسن الاستهلال /حديث في الضوء. تمهيدا لربطه بدلالة اسم ميار وبالأثير وبالبطل.

...

بقلمي/ إلهام بورابة

 

1225 محمد الاحمد يصنف محمد الأحمد كتابه "فرن الخواجة" تحت عنوان سرديات. كما ورد على الغلاف. لكن يمكن أن ترى إنه 13 قصة قصيرة، يخالف بها نفسه. والاختلاف هو القانون رقم 1 في كل نتاج محمد الأحمد. فهو ينأى في الكتاب التالي عن السابق. وإذا اعتمد في روايته (دمه) على الخطاب التاريخي من زاوية تعارض كل أشكال وأساليب المدونة، أو الذاكرة الثابتة للكتابة عند العرب، فقد اتبع في "متاهة أخيرهم" أسلوب المذكرات البسيطة. وجعل الحياة بمستوى النص. وركز بكل الفصول على خارج الشخصيات وليس على داخلها. بمعنى أنه حول روايته إلى مشاهد مألوفة وتدخل في عداد ما يسميه فوكو "نثر العالم". وهذا بعكس ما فعل في روايته "ورد الحب وداعا"، فقد عمل النص على تجزئة الحياة وتحويلها إلى صور في مرايا. ولم يعد بمقدورالشخصيات أن تجد لنفسها أشكالا ثابتة بمعزل عن الطبيعة. كانت كل شخصية موزعة على عدة أمكنة وفي وقت واحد لتساهم، في صياغة غير مفهومة لعالم بسيط ومفهوم. ويتابع محمد الأحمد هذه المغامرة في “فرن الخواجة”*، ولا يحاكي بقصصه الواقع وإنما يساهم للتعريف به. لذلك وزع النصوص على محاور مختلفة تعبر عن تعدد الواقع الذهني والاجتماعي لإنسان هذه المرحلة. أو ما يسميه زيجمونت باومان بـ “الحدود السائلة".

يقدم المحور الأول قصصا تأملية، منها "الحديقة الافتراضية”، ”العقل المريض بجماله”، وغيرها. وهي تسبر أعماق الشخصيات التي تبدو لنا بلا ملامح. كأنها مربع تلعب فيه الأفكار والتخيلات. وبعضها أوهام يعسرعلى الإنسان تحقيقها لكنه يأمل أن تتحول في المستقبل القريب إلى واقع. أو أقله لمنفذ خلاص من المشكلة الوجودية التي تحولت لدينا إلى سياسة. وتقترب هذه النصوص من تجربة هيرمان هيسة، فهي رواقية، وقليلة الحركة، كثيرة الثبات والجلوس. ومسرح الأحداث محدود بغرفة أو بحقل أو بشارع طويل في طريق غامض يخيم عليه الضباب والظلام. ويمكنك سماع صوت الطبيعة أيضا. فهي تشارك الشخصيات بالتفكير والكلام، كأنها مؤنسنة كما فعل هيسة بالضبط في (سيدهارتا) ثم في (لعبة الكريات الزجاجية). ويمكن أن تجد عناصر من رواية غارودي اليتيمة (من أكون باعتقادكم). فالأفكار لا تخلو أحيانا من إحالات لمصدر القيمة في الواقع. ولكن لا يمكنني القول إنها قصص فلسفية بمعنى الكلمة. فالأفكار شاركت بقية العناصر في بلورة البنية، وربما كانت تقابل دور الأشياء في قصص بوتور ورعيله. لقد حل تسلسل الأفكار محل الشخصيات، ودخل إلى الحبكة كعنصر نفعي. بتعبير آخر وضع القصة على رأسها إذا استعملنا نقد ماركس لهيغل. وعلى وجه الإجمال تميزت هذه القصص بميزتين.

1- تداخل بطل القصة والكاتب. حتى أن بطل أول قصة ومنذ أول سطريقول:"في البدء كانت حاجتي الماسة إلى إيجاد اسم أتخفى خلفه، لأكتب ما أريد كتابته تخلصا من أية ملاحقات آنية، أو ملامة". ويردف بعد عدة سطور: "فأنا أريد.. أن أطلق الصوت الذي حبس في داخلي طويلا وخاصة بعد أن زادت الرقابات وصار المرء منا لا يحسن الاختباء وراء اسمه" ص10..

2- استعمال شكل الميتا سرد أو الكتابة داخل الكتابة. وإذا كانت هذه حيلة فنية في نهايات عصر النهضة للتهرب من تهمة التخيل أو المراوغة والاختلاق وتشويه الحقيقة (كما دأب كتاب العصر الفكتوري المتأخر)، فهي هنا أداة لتقريب الكاتب من نفسه، وللتأكيد على التساوي بين المكتوب والمعاش، أو الافتراض والواقع. وهو ما يؤكده بطل قصة ” الحديقة الافتراضية “حين يرى أن أفكاره تتجسد كلما وقف أمام المرآة ص .21.

المحور الثاني قوامه افتراضات مبنية على خبرات الكاتب. ومنها آخر نص في المجموعة وهو "أين تكمن القيمة". وفيه كلام عن الانطباعات التي تركتها الأعمال العظيمة في ذهنه، مثل أعمال دستويفسكي وتولستوي وكافكا وآخرين. وتبدو القصة في هذا السياق كأنها خاطرة أو مونولوج أو على الأقل اعترافات ذاتية. ويمكن تشبيهها بأسلوب طه حسين في كتابه المعروف (نقد وخصام). فالأفكار إما أنها مع أو ضد. بمعنى أن تيار الانطباعات لم يكن محايدا، ولكنه يعمد لتعرية نفسه ومواقفه. وباعتقادي أن مثل هذه القصص ليست ذهنية، ولكنها انعكاس تجريدي، لأوهام الكاتب، ولأثر علاقاته مع بيئته. وربما كانت تحمل قيمة تصويرية للعالم النفسي، من خلال الإسقاط والتحويل. وإذا كان بطل قصة "ليست بشيء يذكر" يعتقد أن التاريخ تصنعه الأفعال وليس الخيال (ص 141) ، فهو سرعان ما يناقض نفسه ويردف: إن ما نعرفه عن الماضي هو من بنات مخيلة الأفاقين والمحتالين، والمدونة خاضعة لإرادة الملوك، وأن المكتوب ناقص والباقي وهم وخرافة .ص141. .

ويبقى محور أخير وهوقصص قصيرة جدا، تخبرنا عن أفكار كثيرة بسطور قليلة. وكما ورد في تقديم مجلة "سرديات" للقصة الومضة: إنها تقدم لنا العالم بمساحة صغيرة تكون بمتناول أيدينا.

ويضيف محمد الأحمد لما سبق 3 أسباب.

1- أنها أسلوب للدفاع عن الذاكرة من النسيان والسكون.

2- وأنها أفضل أداة للتعبير عن الخوف من الكتابة. أو كما قال في قصة "المعرفة": هي إقرار بتناهي المخيلة أمام التاريخ. ص 132.

3- ثم أخيرا هي محاولة لرسم بورتريه واقعي لحياتنا بكل ما فيها من فراغات ومساحات بيض (كما ورد في قصة "دوغمائيون"). ص 131.

لا تشبه هذه المجموعة تجربة محمد الأحمد السابقة. فهي تبني على القطيعة مع ماضيه. ويبدو لي هنا أنه أكثر استطرادا، وتهمه التفاصيل وصوت الإنسان من الداخل. وبلغة أوضح: كان، في هذه القصص، يفكر أكثر مما يرى، ويحلل الكون الداخلي للتجربة الإنسانية أكثر مما يسرد. ويعتمد على كثير من التأمل والقليل من الكلام. بتعبير آخر هذه المجموعة ينقصها "االسرد" إذا استعملنا مصطلحات الناقد الأدبي حمزة عليوي في كلامه عن “إثم سارة” لنجم والي.

ومنعا لسوء الفهم. المجموعة لا تختلف مع عنوانها. فهي فرن يعيد صهر وإنتاج المعنى الفني للقصة من خلال تشذيبه من نفسه. حيث أن الحبكة معقمة من الحكاية، ولكن تحمل الكثير من المعاني الحكائية. وهو ما أرى أنه منعطف جديد في مسيرة الكاتب وفن القصة العراقية على وجه العموم.

 

صالح الرزوق

.......................

* صدرت عن دار الورشة الثقافية ببغداد. 2019.

 

 

1224 قواعد العشق الابعونقراءة  في رواية " قواعد العشق الأربعون" للكاتبة التركية إليف شفق.

"الكفر الحلو" .

هذا هو العنوان الذي كان يجب أن يكون بدلا عن " قواعد العشق الأربعون". لشفق أليف.

الكفر الحلو، ليس ما حدث في رواية عزيز عن جلال الدين الرومي وشمس التبريزي، بل ما حدث لعزيز حيال "إيلا" . وليس تنبّؤا، إنّما الصّدفة، أو القدر تدخّل لحلّ معضلة .

إنّه المتصوّف الآتي في روح التبريزي إلى إنسان هذا الزمن من خلال عزيز . بداية، لا أومن بعشق المتصوّفة، فما صَادَقَه فيما شهدتُه آية له، وأميل مع الكثير إلى القول بانحراف عقائدي في تصرفاتهم، وبكثير من الرحمة أقتنع برؤية علم النفس المرضية والمخابر التي تخضع تجارب الإنسان إلى أغواره العميقة، وبإيحاء غامض فيّ أشهد لعوالم مختلفة قد يعيشها بعض البشر دون سواهم، فما العالم المشهود إلّا اتفاق في مصطلحاته وينصرف آناء الإنفراد كل منّا إلى اعتناقه السري لأكثر الآراء انحرافا عن الفكر الإنساني العام مذ بدء الخلافة على الأرض.

العلاقة بين التبريزي وجلال الدين الرومي، في سياقها التاريخي، كانت علاقة مشبوهة، ذاك العشق غير الطبيعي، حتى الحكم عليه بأنه " الحرام" لا يفسرّه . فماذا كان يجري بالفعل بينهما في حالة الخلوة؟ هذا السؤال لا يمكن أن يغفل عنه كل من عاصرهما، وقارئ الرواية لابدّ يسأل خاصّة وقد بدا مابينه وبين كيميا حجاب حاجز حين الزواج، وبينه وبين وردة الصحراء وكان سيكون حيال أيّ امرأة أخرى، أم أن، المرأة التي تهزه لم تجئ بعد وتأخّر ظهورها إلى زمن معاصر في شخص " إيلا"؟. فتلهّى بروح الرومي انتظارا ليوم مؤجّل في التاريخ؟ لكن الجواب يحضر ضمن السرد ليرفع ظنون السوء ويكشف العشق سماويا روحيا لنؤمن أن الأرواح مجندة ومن ااتلف منها فطوبى له لكنّه لا يجيب على اقتراحات أخرى. وينتهي عصر التبريزي بتبرئته من الكفر، فالكفر ليس حلوا أبدا . ولم يكن ليتقبله حتى ولو كان حلوا.

بعد التبريزي وجلال الدين الرومي، لم يحدث عشق آخر يحفظه التاريخ  أو يفضحه، وسارت البشرية على النمط الأوحد المشروع دينا وفطرة، كأن الأرواح مجنّسة أيضا، فيها الذكر وفيها الأنثى .وكلّ تآلف بين اثنين من جنس واحد هو كفر وانحراف ومرض لأنّه ااتلاف جسدي وليس روحيا.

كأنّ التبريزي عرض عليه كلّ خلق الله، وكان أليفه في هذا العصر فجاء إليه من خلال عزيز، فأيّ منزلة هو عليها عند الله ليحظى بمثل حظ الأنبياء؟ أوليّ صالح هو؟ سنرى هداه في عزيز.

هذا المتصوّف الذي انسلخ من كل أوساخ الدنيا ليتطهّر في روح جديدة قديمة، هو عزيز .

هي، إيلا، الكاتبة المتخليّة عن الدنيا لأجل قيمة الزواج الإجتماعية أكثر منها دينية .تتلبّس دورا لا يزيد عن دورتتصوّره كاتبة . دورجلال الدين الرومي.

سهل على الرجل أن يتقمص روح رجل فهل كان سهلا على إيلا تقمص جلال الدين الرومي؟

هو سهل، لكنّه لم يحدث . وهولم يرها قط " الرومي" الجديد .ولم تشأ إلّا أن تكون "هي" الروح المتكوّرة في الأنثى . فهل عليّ أن أحاسبهما على ما يفعلان في الكتابة بالأشخاص؟ طالما اعتبرت الأدب أثرا يضيف إلى شخوص الروايات كأن يعدّل أقدارهم، يمنحهم فرصا أخرى لتدراك الأحلام، عيادات استشفائية، تنصيب عدالة لقضيتهم، فإذا لم يكن لسبب عظيم فلم نعود بهم من مستقرّهم إلى طغيان الأمواج في الحبر؟ ولِم نشهد قارئا على بعث لا جدوى منه أو لإعادة مأساة ؟ أنا شاهدة، إذاً يحقّ لي أن أوجّه المحاكمة.

كان على الكاتبة أن تعود بالتبريزي ليحيا أمنية . ففي اعتقادي أن فشلا بليغا في علاقة عاطفية تلحقه صدمة النفس بالعوالم الخفيّة تجعل المصدوم يعتنق حبلا يشدّه إلى الله لا شعوريا كحيلة دفاعية ضدّ الألم . ونوعا من التصعيد النفسي . وهذا ما يحدث مع المتصوّفة الداعين إلى عشق إلهي فالشرعي هو الحب الإلهي، أما العشق فمصطلح للانحراف العاطفي . وهذا ما حدث مع التبريزي، فهو لم يظفر بعشق يروي حالة الحب الكبير الذي يلتعج بين جنبيه لسبب ما قد يكون صورة مهيمنة للحبيب في الذهن لم تمثّلها في الواقع أيّ صورة، وفي الوقت نفسه لم يبلغ العشق الإلهي الذي يبلغه المتصوفة تعويضا عن حب متمثِّل فأفرع فيض ما يشعر به على الرومي بغض النظر عن كل الإرهاصات التي أعدّت لقاءه بالرومي.

هناك مرحلة نفسية، تتدفّق فيها العاطفة، وتصير فيضا مجنونا وإذا لم تصادفها مستقبِلات تتفرّغ في أشكال عديدة منها ما هو صالح لاستثمارها مثل الفن ومنها المنحرف عن الطبيعة ومنها العشق الإلهي.

لذلك، فإنّ العودة بالتبريزي دون تحقيق أمنية ضَرَرٌ به وهذا سبب موت عزيز الحقيقي الذي هو أيضا موت ثان للتبريزي . فلم إذاً كلّ هذا الاستدراج لعزيز؟ (الأمنية اتصال روحي وجسدي بالمحبوب ولم يحدث اتصال جسدي بينهما)

إيلا، الزوجة المتنحيّة كصفة في الوراثة، هل صدفة، تتفجّر فيها كل تلك العاطفة لتقذف بها بعيدا عن أبنائها؟ قد نذهب مع الكاتبة مذهب الأرواح المجنّدة، روح نادت روحا فما انتقل الجسد وإنّما الروح انتقلت . ولا سلطان على الروح فإنّها بأمر الله مرسلة . فلا لوم أدبيا على " إيلا" . هكذا تجد الكاتبة حيلة لتبرئة " إيلا" من ذنب كبير. وفي الحقيقة هي تبرّئ ذاتها .

إيلا أيضا هي جيزال في رواية " سأهبك غزالة " لمالك حداد . وقد توجد نسخ عديدة منها طبق الأصل . فليس الأصل الشرقي من يهدر عواطف المرأة، إنّما الرّجل. فكيف سيختلف عزيز أو التبريزي عن كلّ رجال الأرض؟ لذلك كان جزاؤه الموت بعد التضحية الجليلة التي قدّمها : " الكفر" .هو كفر حلو، لكنّه لم يذق حلاوته .ما فتئ كَــفَر بالتبريزي وتنزهّه عن الجنس لحاقا بالأنثى الأمنية حتّى انتهى . هل هو عقاب إلهي؟ بل هو عقاب الأنثى .

إنّها القصّة القصيرة لكلّ النساء "حوّاء" . وليست رواية شفق . قصة متوارية، متنحية لصالح قصة قصيرة أيضا للرجل وليس عزيز . آدم.

إنّها القصة الومضة الأولى . استدراج ثم كفر . كفر حلو ما أخرج آدم من الجنة : امرأة .

إنّها الرواية الوحيدة هنا ......رواية من فعل رَوَى. الرواية المزعومة . بينما الحقيقة تلغي كلّ هذا الجهد.

وما أضرّت الكاتبة إلّا بشخصين : جلال الدين الرومي وشمس التبريزي . فإن كانا من أولياء الله الصالحين فماذا نحن فاعلين؟

 

بقلمي / الكاتبة إلهام بورابة من الجزائر

 

صالح الرزوقالجائزة الأخيرة التي كسبها الشاعر يحيى السماوي من إحدى الحلقات الأدبية في مصر فتحت الباب على تأملات في هذه التجربة الشعرية. وغني عن القول أن مشروع السماوي دخل في انعطافة مفاجئة بعد أن انتقل من الإحساس بواقع الأمة المؤلم إلى الإحساس بالفجوة النفسية لتي تتوسع بداخله على مدار الساعة. ويبدو ظاهريا أن الفصاحة والبلاغة هي أبرز صفات عالم السماوي، فهو مغرم بالتراكيب الجزلة والمفردات الأصيلة. ونادرا ما يكابر مع الصور لأنه يتبع القاعدة المعروفة في التصوير.. أن تكون هناك علاقة مجازية بين المشبه والمشبه به، أو بين الفكرة وأدوات التعبير. ولا أعتقد أن ضمن برنامجه أية خطة لاغتيال أو خيانة ما تعارفنا عليه.  وأقصد بذلك تقديم الإدراك على النظر.

لكن شعريته تجريبية أيضا. وتبدأ من فكرة يمكن تصورها ثم تنتقل لصورة يمكن إدراكها. مع ذلك هو يبقى  بعيدا كل البعد عن قصيدة الثمانينات العربية والتي كسرت التوازن بين طرفي المعادلة ووضعت الشعر بجانب النثر، بحيث أصبح للقصيدة فكرة نثرية. فقصيدة الثمانينات لم تتوقف عند حدود إلغاء البحور والأوزان والموسيقا (المسموعة أو الداخلية - كما يحب الأكاديميون أن يقولوا باستمرار)، وإنما اقتربت بنا من فوضى المشاعر التي نمر بها في حياتنا، وبنفس الجرأة التي اعتدت بها الرواية الحديثة على ترتيب الأحداث (والإشارة هنا لتيار الشعورومبدأ السببية).

لقد كان السماوي حريصا كل الحرص أن لا يورط نفسه في هذا المجال، وأبقى في قصائده “حتى النثرية” على توزيع خاص للكلمات بالتناوب مع التراكيب. ولمزيد من التوضيح: كانت الصورة عنده تفرض عليه اختيار مفرداته، ليكون هناك انسجام في البنية والمعنى- فبنية الوحدة الشعرية عند السماوي بناء دال، وتجد علاقة متينة بين حجم المعنى وحجم التراكيب. ويمكن أن تقول الجملة الطويلة لديه تعبر عن أحاسيس راسخة أو دائمة، بينما الجمل القصيرة تعبر عن فكرة عابرة.بعكس ما هو الحال عند جاك بريفير.. فعباراته وصوره سهلة وسريعة، ولكن معاناته مع المشاعر والأحاسيس دائمة.

لا شك أن تجربة السماوي تنتمي لشعر الحداثة. مع ذلك هو برأيي أقرب للكلاسيكية الجديدة. وأعتقد أنه يكرر ظاهرة الشاعر البولندي جيسواف ميوش بعدة نقاط. فهو مثله يعيد للشعرية علاقتها مع الطقوس والعبادات إنما بسياق غير لاهوتي. بمعنى أنه شاعر ذاكرة وتجربة لها علاقة بالواقع وليس شاعر إلهيات. وإذا كانت أولى مجموعاته ذات موسيقا مجلجلة وإيقاع وطني واضح، ويغلب عليها الصدامية والمشاحنة والهجاء، فهو في سنواته العشرة الأخيرة (ورفد بها رصيده بعدة مجموعات) يميل لاستعمال مفردات إسلامية بسياق غرامي. فقد توسع باستعمال كلمات مثل الصلاة والزكاة والخمس والصيام والجنة والنار، وللتعبير عن حالة هيام أو عشق. وهذا يعني أنه فرغ الكلمة من معناها المعروف وحقنها بمعنى بديل.

كما في قوله:

قبل أن تومئ لي

ادخل الفردوس إينانا

وتسقيني

شرابا من هديل (ص 85).

أو قوله:

كل يوم ألتقي

فوق بساط الصلوات

بحبيبي خمس مرات (ص 76).

وسرعان ما يوضح من هو هذا الحبيب المجهول فيقول:

أعرف الله

ولكن

لم أكن أعرف ديني (ص 86).

وقد استغل السماوي الفجوة المعرفية بين الفكرة (اللامتناهي)  وأساليب التعبير عنها (المتناهي) ليلعب لعبته مع اللغة في التقديم والتأخير حتى تصبح القصيدة بعيدة عن ما هو مكرر ومألوف.

ختاما إن هذه الجائزة هي اعتراف بشعرية الشاعر، ولكنها أيضا مناسبة لإعادة تفسير قصائده بكل ما تزخر به من مهارات. وأولها استعمال تقنية المرآة ليس لتشاهد بها نفسك، وإنما لتشاهد ما وراءك. بمعنى أن مرآة لاكان أصبحت سطحا عاكسا لمعاناة عامة وليس لإدراكات خاصة. وهذه فكرة جديدة يمكن أن نبدأ منها لتفكيك لغة الأعماق وإعادة ترتيب ما تحمله من مفهومات وتراكيب مبتكرة. مثلا كيف ولماذا عكس اتجاه سهم التطورمن النهاية إلى البداية، أو من الدين إلى الأسطورة والعاطفة.

 

صالح الرزوق

...............

* الشواهد من مجموعته الأخيرة: (نهر بثلاث ضفاف) الصادرة عن دار تموزبدمشق. 2019.

 

 

جمعة عبد اللهبراعة المتن الروائي يغوص الى اعماق المجتمع. ويستلهم مفرداته البارزة والطافحة على المكشوف. ويسترشف المنصات الاسطورة في الحضارات العراقية القديمة، في المخاطبة والحوار والدعوة والطرح، برؤية الواقع ومعايشته الفعلية والحقيقية الجارية قديماً وحديثاً. وكذلك يستبطن ويستقرى جملة تداعيات بخصوص الترث الديني والشعبي ويحاجج موروثاتهما، وتأثيراتهما السايكولوجية على دواخل النفسية للانسان، ويعرج على الحالة الاجتماعية في القهر والمعاناة بكل بمفرداتها السقيمة، هذا التشكيل الروائي المركب في البنية والبناء النص الروائي، في صياغته ودلالته التعبيرية الدالة بعمق الايحاء والرمز الدال. من خلال توظيف تقنيات السرد الحديثة المتنوعة، في تنوع اساليب الاستنطاق والبوح والحوار والمحاورة، بما هو مكنون في الذات والسايكولوجية النفس والواقع. قد برع المبدع الكبير (شوقي كريم حسن) في تقنية التداعي الحر، في منولوجيتها ومخاطبتها للاخر. في دياليكتيك الدرامي المتفاعل بين الحوار والمحاورة والمخاطبة، ليكشف ركام المعاناة والحزن الذي يغلي ويفور في الضلوع وفي الشارع. كما يتناول بجرأة الطرح والمناقشة مسائل الدين في رمزية كهنة المعابد، ورمزية الجنس، في تخفيف الازمة الروحية والنفسية. ويتناول بشكل جوهري، مسائل حيوية وجوهرية، في ازمنة المحنة العراقية عبر عقود من الانظمة الشمولية الطاغية، في منظومتها الفاعلة على الحياة والواقع. وكذلك مسألة السلطة والدين وعلاقاتهما، وكيفية نتاج دولة هتلية. التي تعتمد على العسف والحرمان والكبت والاضطهاد، سوى كانت السلطة مدنية فاشية. او سلطة دينية فاشية. طالما يوحدها القهر الاجتماعي وتسخير الانسان لشرنقتهما، ليصبح عبداً مطيعاً، او خروفاً مطيعاً، يساق حسب الاهوى، لذبح، للحرب. للموت. للسجن، للقمع والارهاب، للتسلط الذي ينبش انيابه في الجسد وعقل الضحية. ان تكون الحياة قرابين تقدم دون حساب، في الانتهاك والاستلاب. مما يجعل أنين الليل يطول في آهاته. سوى من ارباب السلطة الالهية بكهنة المعابد. او من القائد الاعظم، او من السلطة الابوية في العسف والكبت اليومي. فأينما يدير الانسان الضحية وجهه، يجد الصولجان والسوط أمامه، ينهش جسمه وعقله. لتكون الحياة معتمة بالسواد، ليس فيها خيط من لون آخر. طالما الدولة الهتلية بجميع مسمياتها واصنافها. تمنع السؤال وتعتبره خرقاً وتجاوزاً لا يغتفر. هذه منصات المتن الروائي الذي برع بالتصوير الكامل لمادته الخام، التي هي من مكونات الواقع والحياة ومفرداتها، وحتى من مكونات حياة المبدع الكبير (شوقي كريم حسن) حياته وسيرته وتجربته في المعايشة الحياتية، بمراحل المتعددة والمتناقلة في ازمنة الاضطهاد والعسف. اي استطيع ان اسمي مادته الخامية للمتن الروائي، هي عين الواقعية السحرية بآفاقها الواسعة في تعاطي تجليات الواقع بتناقضاته الشاسعة، في تجلي واكتشاف مفردات في البيئة الاجتماعية الفقيرة، المنسية من الله والارض. يصبح الكدح الحياتي مجازفة في رمق العيش المر. لذلك اشتغل السرد الروائي على المنولوج الداخلي والخارجي. ليعطينا بانوراما صراع الانسان الكادح مع الحياة تحت صولجان الدولة الهتلية. يستلهم الحكايات الشعبية وحكايات الاسطورة. ليكشف الوجع العراقي النازف في المحنة والمعاناة، بعناوينها المختلفة. اي ليدلل ان رحلة الانسان العمرية، هي خوص صراع متعدد الاطراف كالاخطبوط. في حياة تئن في وجعها، او هي عبارة عن مواكب توابيت متزاحمة. كأن العراقي منذ ولادته رضع حليب الحزن والمعاناة. لذلك ان جوهر رؤية النص الروائي، هي كشف افرازات الواقع وهمومه واشجانه الداخلية والخارجية، المتراكمة في الذات الخاصة والعامة، او في خزين الذاكرة. لكن مع هذه المعاناة الثقيلة، تجعله ان يخوص صراع متعدد الجوانب، من اجل ان يجد له مكاناً تحت الشمس، لا مكاناً في الظلام. هذه التقنيات التعبيرية، التي هي نتاج الابتكار والخلق في البناء الروائي، المحكم في البنائية الهندسية المرتبة والمنسقة، من خلال تداعي الرؤى وفصول الرؤيا، التي قسمت في براعة احترافية متمكنة في السرد الروائي، بما يحمل من ابداع ورؤية وموقف في الطرح. وكذلك تناوله بشجاعة بارعة في طرح المحظورات في (الدين والجنس) ووجه سهامه في اصابة الهدف بالصميم. حين يوجه انتقاده الشديد واللاذع الى هرم السلطة في دولة الهتلية. التي تجعل الاعمار بالحياة ضائعة، بين موت مؤجل، ومرارة الحياة التي لا تطاق ولا تتحمل. يطالعنا في اسلوب مدهش في عورات المحتمع في الدين والسياسة. التي تحصر الانسان في زاوية ضيقة ومحصورة، بأن تكون الحياة تعوي وتئن في الاستباحة والاستلاب قديماً وحديثاً، في كهنة المعابد القدماء والجدد، الذين يسيرون على خطى القياس والمنوال نفسه، نسخة طبق الاصل. ولكن بزي مختلف. وجوهر الحبكة الروائية، تدلل ان تراكم القهر والمعاناة، يولد الانفجار الكبير. وهذا مانجد وقائعه في هذه الايام العصيبة. بأن العسف والظلم والحيف. لا يطول مهما كان لابد ان تأتي ساعة المخاض الكبير لتتفجر شظاياها، في الانفجار الكبير الذي يقلب معادلة الدولة الهتلية. لذلك احاول استرشاف الاضواء المقاربة بين الامس واليوم. مهما اختلفت عناوين الدولة الهتلية. او في براعة ما اشبه اليوم بالبارحة.

 ×× لذلك نحن بصدد بانوراما الوجع والمعاناة الحزن العراقي، في دولة يتحكم فيها الظلم وكبت والاستبداد، ويغوص في عمق هذا الثالوث المحكم بالشمولية. الذي ينتج دولة خرافية عميقة في القتل والارهاب وتجرع مرارة الموت في اصنافه المجانية، ولكن حرمات ان تذهب الارواح هدراً وعسفاً، واكثر احتقاراً ان يساوم بالمال ليستلم الجثة التي قتلت غدراً وظلماً. ياخسارة تروح يازين الرجال بهذا الاحتقار (من لايدفع هذا المبلغ عليه ان لا يفكر بأستلام جثته، وما لبث ان دخل ليجر بقايا روحي الى حيث التابوت الذي كان ينتظر الفجيعة. اغمضت عيني، واجهشت باكياً، لا لشيء، سوى لأني رحت اتأمل ما نسميه وطناً وهو يساوم موتاه من اجل حفنة من الحقارات والكراهيات والموت المجاني !!) ص15، هذه دولة كهنة المعابد، الذين غيروا جلودهم من القديم الى الجديد، كالحرباء حين تغير جلدها، من اجل الاستمرار في نفس النهج في تعاطي (الهتلية) بوصايا من رب الارباب. الذين جعلوا الحياة تعيش في قاع الحضيض. تعيش في ركام انقاض من تبقى من النفايات. حياة موشومة بوشم السواد، في حياة تعج بكلاب كهنة المعابد. ليجعلوا الانسان يعيش في غربة واغتراب داخلي، ليؤدي دور الضحية الخاسرة، في يافطات الخراب والذل والمهانة. الرفض والسؤال جريمة لا تغتفر، في شريعة البسملة والحوقلة أو في شعارات القديمة التي بال عليها الزمن، لكنها ولدت بثوب جديد. وهم في الحقيقة شياطين مأزومين في قهر الانسان، وعدم سماع الصرخات والانين واستغاثة الضحايا. فلا مكان للفرج، وانما الحياة مشرعة ابوابها للحزن والنحيب والمعاناة، بشكلها الواقعي واللاواقعي، أو بالاحرى سريالية كهنة المعابد. التي تجهض الاحلام في مهدها، وتطلق العنان للكوابيس، هذه مشيئة رب الارباب كهنة المعابد، وتوابعهم من اصحاب المقام والجاه من الكهنة (الواويه او السحالي الداعرة)، ان تنام الحياة على الخوف والقلق والمصير الاسود (نحاول الولوج الى فضاء مآلاتنا التي لا نعرف لها مسافات تحدد وجودنا، ثمة دائماً ما ياخذنا الى امكنة مدجنة واخرى أشرس من انفسنا تزأر، فنروح نعاتب ذواتنا التي لا تعرف كيف تأخذ الآمال الى صدورها، تطشرنا الآهات، ونحن نرقب العيون التي لم تألف النظر اليها من قبل، فنسيح عبر اتجاهات غرابتنا التي ماعادت تستقر عند شيء، حين تنسكب عند خطانا المرتبكة) ص73. هذا الفراغ الحياتي، الذي محاط بالانكسارات والاحباطات. كأن الحياة تمشي على توابيت مملوءة بالجثث. كأن الزمن مليء بالرعب والرايات والشعارات السوداء المزيفة، في تواريخها المليئة بالزيف والخرافة، في تاريخ مليء بالروائح الكريهة والفاسدة. مليئة بالنتانات العفنة. في تواريخ كتب بالزيف وحبر النخاسة الداعرة. لكنها تخلق ارباب للقدسية والتقديس. ولكن يبقى هواجس السؤال لا غير يدور في الخوالج الداخلية للوجدان، من أين جاءت هذه النتانات العفنة ؟.، ولكن منْ يتجرأ على طرح السؤال (سؤال واحد..واحد لا غير.. لكن الاجابات عصية.. مامر بخاطري يوماً أن ايامنا ستصاب بشيخوخة القهر.. كيف يمكن لقوة مستحيلة الاختراق أن تتحول برمشة عين الى ذرات من رماد وسموم.. لماذا لا تستقر الافكار عند شيء محدد.. عمري كله كان الخوف يصطاد أحلامي لكني اشعر اليوم بأنكسار الاحلام.. وذهاب كل شيء الى فناء الايام لا اصدق.. ابدا لا يمكن تصديق ما حدث ؟) ص138. ولكن هذه رغبة الامبراطور المجنون في بناء امبراطوريته الجائرة بوصايا كهنة المعابد في راياتهم السوداء داخل نيران الهشيم. هكذا وبكل بساطة نستفيق على ضياعنا ومأساتنا، على جنون الحياة ولعبتها القذرة، لتجعل الروح مترنحة باليأس والتشنج والوجع، كل شيء في الحياة يبكي ويتكسر وينوح، ونستوحش الضياع. هكذا تساوت ازمنة القمع والظلم والحرمان، سواء من كهنة المعابد السابقين، أم من كهنة المعابد الجدد. والواقع في عدسة الجور والضياع والمتاهات التيه، في عدسة الترصد والمراقبة والتصيد. اصبحت حياة انسان صيدة تباع وتشترى، الكل مغلوب على امره، الكل يؤدون فروض القدسية للكبير. الجلاد والمهرج والشحاذ والضحية، الكل غارق في لجة الذل والمهانة. الكل حطب ووقود للحروب العبثية بأسم المقدس الاكبر، رب الارباب لكهنة المعابد. الذين خلقوا له اسطورة من حروف المجد، وشطبوا الاساطير الاخرى، فمنه يبدأ التاريخ وينتهي، او ربما به خلقت الارض وتنتهي به (كيف يمكن ايقاف نزيف المحنة التي اراها تلاحق امكنتي وهي تحمل سكاكين الغموض / حاولت فك اشتباك المعنى / لكنها ما فاهت بكلمة واحدة / الدم يتصاعد / والاثام تتصاعد / الارض التي تمسك حظوظ الاساطير ما عادت تكترث لشي / تحولت الامال الى رماد / والمعابد الى مباغي / والمناسك الى رغبات بالقيء والاستهانة/ الضياع وحده الحقيقة الراسخة) ص166. فما عاد لديك خيار في الحياة. سوى ان تختار بحريتك طريقة موتك المفضلة، هذه المساعدة تقدم بالمجان على حب الله (- كل ما نفكر به لمساعدتك.. هو أن تختار طريقة ارسالك الى جهنم.. هناك ستجد كل شيء.. كل ما لم تجده في دنياك الفاسدة، يمكن ان تجده هناك.. أبن.. فكر بطريقة الموت التي تريد.. لا بأس نحن ننتظر.. ولكن انتظارنا لن يطول كثيراً... عليك ان تبتكر لنفسك طريقة موت.. عقلك يعرف طرق موت كثيرة.. ولكني شخصياً اعلن رغبتي بمساعدتك !!) ص189. هذه تراجيدية الكوميدية السوداء قديماً وحديثاً. في لعبة الحياة العابثة، ظلام يشبه ظلام، بأن رائحة الموت تفوح في كل مكان. الحياة اصبحت خاسرة (- قال انتهى كل شيء !!

قال - كان عليك ان لا تستسلم لهم !!

قال - لا فائدة أينما تولوا فثمة كاهن يطالبك بالموت !!

قال - حرام ان اجد نفسي محاطاً بكلاب تنتظر تحولي الى فطيسة نتنة !!) ص209

اعتادت كلاب كهنة المعابد على نهش لحم الضحايا. من اجل خلق الرعب الحياتي ليكون شريعة الحياة وناموسها، ان يجعلوا الانساان ان يخاف من خياله. ان يجد نفسه في غفلة من الزمن مقتولاً، او ربما مرمياً في حاويات القمامة. لذا فان الحياة تظل تنزف بجراحها النازفة. ان يسقط الانسان في اعماقه. ولكن هل الرب يقبل بسرقة كهة المعابد للحياة ؟ هل يقبل بسارق يمتطي صهوة الكهنة، في مخادعة الرب. مثل هكذا رب لا يستحق التقديس. اذا لم ينتصر للمظلومين والخائبين. لا يستحق مثل هكذا رب يسرقون حتى في بيته ومعابده. ويذوقون عسل التمر المعتق، على انين الضحايا. لا يمكن ان تكون الحياة بيد الهكنة في صنعها كما يشاؤون ويرغبون، لا يمكن للضحايا ان ينتقلوا من خندق الى خندق في انتظار الموت أو الجحيم المنتظر. لايمكن ان يمنع السؤال والكلام بالمحظور (- الرجل الذي لا يجيد الاسئلة رجل لا يجب ان يعيش.. رجولة دون سؤال حلم عاطل... ما تعودتك تتمرغل بالخجل.. أو تتراجع عن سؤال..الاجابات تقيك استباحة الاسئلة وتغسل واياك في ينابيع خرافاتك المحشوة في بيوت الدعارة.. والمشانق.. وعاهرات الدروب التي تشبه جلود الافاعي ؟!!) ص21.

ان تراكم المعاناة والوجع يولد الانفجار وتباشير الامل، هكذا تهمس (عشتار) ربة الحب والحياة في الاذهان. بأن تعزف على موسيقى الرفض، وان تسير منتصب القامةفي عزفها، تمزق الخوف الداخلي لتتحرر الى الحياة العريضة، لكي تجعل الانفجار بقوة الالم والمعاناة والكبت الداخلي. عندها ستجد مروج الحياة بالانتظار. ليس ثمة حنجرة ‘لا ان تعزف بشهقات النواح، ان تعزف في ابواب الكهنة، ولا تكترث لكلابهم المسعورة. لكي تكبر ابتسامة الامل والاغاني الانفجار (الاحلام تنصب متاريس الاسئلة، والارواح تغافل نومها لتطلق دخان ضجرها باتجاه الشوارع) ص290

بهذه الانفجار المرتقب، انفجار الضحايا والمسحوقين والمحرومين.

 

 جمعة عبدالله

 

كريم مرزة الاسديالشعر لسان، واللسان عنوان؛ لِما في النفوس من كتمان، سلاح ذو حدين، إمّا أنْ يرتفع به الشأن، أو يزري بصاحبه للذل والهوان، وكم رأس حصيد هذا اللسان، إذا ما سلـّط الله عليه السلطان أو الأعوان عندما يخلع الإنسان من ضميره الوجدان، والشعر طبعٌ وصنعٌ، وإذا غلب الطبع قد تزل به قدم في وقت لا ينفع به الندم، وربّما يأتي ركيكاً فيُهمل، أو أحمقاً فيقتل، يرتفع على كتفه اسم، ويغيب من أفقه نجم، تعقد لأجله المناظرات والنقائض والمعارضات في مجالس الخلفاء والملوك، وتقام له الأسواق كعكاظ والمربد و ذي المجاز و مَجنَّة وهجر، يحضرها الفحول للاستماع إلى الناشئة الصاعدين، والتحكيم بين المتسابقين في دواوين شعبية، تحتضنها القبائل العربية،فكان للشعر دور لايشق له غبار، إلا من قبل الكبار، ومن هنا يجب علينا التأمل والتمعن وأنْ نرى لِما روى أبو عبادة الوليد بن عبيد الطائي البحتري (ت 284 هـ/ 897 م)عن وصية أستاذه أبي تمام حبيب بن أوس الطائي (ت 228 هـ / 843م) قائلاً:

" كُنتُ في حَداثَتي أرُومُ الشِّعْرَ، وكنتُ أَرْجِعُ فيهِ إلَى طَبْعٍ، ولَمْ أَكُنْ أَقِفُ علَى تَسْهيلِ مَأْخَذِهِ، ووجُوهِ اقْتِضابِه، حتى قصدتُّ أبا تَمَّامٍ، وانقطعتُ فيه إليه، واتَّكلْتُ في تَعريفِه عليه؛ فكانَ أوَّل ما قال لي: يا أبا عُبادة؛ تخيَّر الأوقاتَ وأنت قليلُ الهُمومِ، صِفْرٌ من الغُمومِ. واعْلَمْ أنَّ العادةَ جَرَتْ في الأوقاتِ أن يقصدَ الإنسانُ لتأليفِ شَيْءٍ أو حِفْظِه في وَقْتِ السَّحَرِ؛ وذلكَ أنَّ النَّفْسَ قَدْ أَخَذَتْ حَظَّهَا مِنَ الرَّاحةِ، وقِسْطَهَا مِنَ النَّوْمِ. وإنْ أردتَّ التَّشْبيبَ؛ فاجْعَلِ اللَّفْظَ رَشيقًا، والمعنَى رَقيقًا، وأَكْثِرْ فيه مِن بَيانِ الصَّبابةِ، وتوجُّعِ الكآبَةِ، وقَلَقِ الأَشْوَاقِ، ولَوْعَةِ الفِراقِ . فإذا أَخَذْتَ في مَديحِ سيِّدٍ ذي أيادٍ؛ فأشْهِرْ مَناقِبَهُ، وأظْهِرْ مناسِبَه، وأَبِنْ مَعالِمَهُ، وشرِّفْ مقامَهُ. ونَضِّدِ المعانيَ، واحْذَرِ المجهولَ مِنْها. وإيَّاكَ أن تَشينَ شِعْرَكَ بالألفاظِ الرَّدِيئةِ، ولْتَكُنْ كأنَّكَ خيَّاطٌ يقطعُ الثِّيابَ علَى مَقاديرِ الأجسادِ. وإذا عارَضَكَ الضَّجَرُ؛ فأَرِحْ نَفْسَكَ، ولا تعملْ شِعْرَكَ إلاَّ وأنتَ فارغُ القَلْبِ، واجْعَلْ شَهْوَتَكَ لقولِ الشِّعْرِ الذَّريعةَ إلَى حُسْنِ نَظْمِهِ؛ فإنَّ الشَّهْوَةَ نِعْمَ المُعِينُ. وجُمْلَةُ الحالِ أَن تعتبرَ شِعْرَكَ بِما سَلَفَ مِن شِعْرِ الماضينَ، فما اسْتَحْسَنَ العُلَماءُ فاقْصِدْهُ، وما تَرَكُوهُ فاجْتَنِبْهُ؛ ترشد إن شاءَ اللهُ . قالَ: فأعملتُ نَفْسي فيما قالَ؛ فوقفتُ علَى السياسةِ ". (1)

مما نستشفّ ُ من الوصية الطائية اللؤلؤية أنّ البحتري من المطبوعين يعتمد على موهبته الخالصة في نظم الشعر ابتداءً، وأستاذه أبو تمّام يميل إلى الصنعة والتأمل والزخرفة وتحكيم العقل تجربة ً، فأوصاه بها لكي لا ينحدر الشاعر للهاوية دون قيدٍ يقيه، أو سدٍّ يحميه، وأقرّ الموصى له بعمله بها حتى وقف على السياسة، والسياسة تقتضي اختيار الوقت المناسب للإبداع بحيث يكون الشاعر متهيّئاً نفسياً وفكرياً وخلقياً لصبِّ خوالج وجدانه العاطفية، وخالياً من انفعالاته النفسية الشخصية؛ إذ هو" قليلُ الهُمومِ، صِفْرٌ من الغُموم "، وبالتالي لا تطغي سوداويته على الوجه الأبيض المنير للشعر السليم، ثم يتطرق الأستاذ الشاعر الناقد إلى ضوابط غرضين من الأغراض الشعرية، وهما الغزل والمدح ، وتغاضى أبو تمام عن الهجاء والرثاء، ففي الهجاء منافرة لا مقاربة، والرثاء فراق لا يأمل اللقاء، والشاعر يكون أقرب إلى الصدق فيهما من الكذب، والشعر يغني كذبُهُ عن صدقه، كما يقول البحتري نفسه!!

يجرّني السيد البحتري البرجوازي الارستقراطي الانتهازي إلى كذب الشعراء في مديحهم والحديث شجون!!

يقول عبدان بن عصمان العاطفي السلـّمي في هذا المعنى:

وقالوا في الهجاء عليك إثم *** وليس الإثم إلا في المديح

لأني إن مدحت مدحت زوراً**وأهجو حين أهجو بالصحيح (2)

ومن غرائب شعر ابن زيدون ( ت 463 هـ) قوله في هذه القصيدة الفريدة التي يهجو بها أبا الحزم بن جهور مؤسس الدولة الجهورية، والشاعر من أركانها، وباني ملكها، ولكن عندما خلعه الأمير من كرسي الوزراة الأولى، و أودعه السجن، قال فيها:

قل للوزير، وقد قطعت بمدحه *** زمني فكان السجن منه ثوابي

لا تخش في حقي بما أمضيـتـه ****من ذاك في، ولا توق عتابي

لم تخط في أمري الصواب موفقاً **** هـــــذاجزاء الشاعر الكذاّبِ

و ابن الرومي ( ت 283 هـ ) قد تجرأ في لحظات سخط على هجاء السيد البحتري بقصيدة بائية مطولة ( 86 بيتاً )، منها:

البُحْتُريُّ ذَنُوبُ الوجهِ نعرفُـــــــهُ **** وما رأينا ذَنُوبَ الوجه ذا أدبِ

أَنَّى يقولُ من الأقوال أَثْقَبَهَـــــــا**** من راح يحملُ وجهاً سابغَ الذَنَبِ

أوْلى بِمَنْ عظمتْ في الناس لحيتُهُ * من نِحلة الشعر أن يُدْعَى أبا العجبِ

وحسبُه من حِباءِ القوم أن يهبــــــوا *****له قفــــاهُ إذا ما مَرَّ بالعُصَبِ

ما كنت أحسِبُ مكسوَّاً كَلحيتــــــه ***** يُعفَى من القَفْدِ أو يُدْعى بلا لقبِ

الله الله يا ابن الرومي، كم أنت مسكين في حياتك البائسة:

 هذا الكلام لا يصل إلى باب بيتكم، و لا إلى باب جيرانكم الأحدب، ولما سمع البحتري هذه الملحمة الهجائية الرومية بحقه، كل ما فعله بعث إلى ابن الرومي تخت طعام وملابس، وبه كيس دراهم، ووضع بداخل التخت ورقة، تحمل بيتين من الشعر، تقول:

شاعرٌ لا أهابهُ *** نبحتني كلابهُ

إنّ من لا أحبّهُ ****لعزيزٌ جوابهُ

هذا هجاء مقذع بما فيه من ألم نفسي، وعقاب للذات الشاعرة، وقد سبق ابن الرومي ابن الزيدون بهذا المعنى، إذ يقول:

إذا ما مدحتُ المرءَ يوماً ولم يثبْ *** مديحي، وحقّ الشعر في الحكمِ واجبُ

كفاني هجائيهِ قيـــــــامي بمدحهِ ****خطيباً، وقول النـــــــاس لي أنت كاذبُ

وابن الرومي مثله مثلي، قد يكرر نفسه أحياناً لتأكيد المعنى، إذا ارتأى مرّ عابراً، وهذه ما تسمى بظاهرة التعويض في الأدب، مهما يكن قال في مكان آخر:

كلُّ امرئٍ مَدَحَ امرَأً لِنَوَالِهِ*****فأطال فيه فقد أراد هجاءَهُ

 نعود للبحتري، والعود أحكم !! أمّا الفخر فالبحتري قليل الفخر، وهذا أمر يخصّه شخصياً - ربّما لأنه جليس المتوكل، وما أراد أن يؤلب على نفسه، أحقاد الخلفاء ومن حولهم، وهذا عقل وحكمة - و إنْ كان الرجل يزهو بنفسه مترنحاً متمايلاً عند الإلقاء، ولله في خلقه شؤون، والحديث شجون وشجون!!

 يبقى لدينا - من الوصية - المدح للسادة النجباء، والزعماء والخلفاء، فالرجل يترك للرجل اختيار الألفاظ، فلكلّ مقام مقال، ولكلِّ جسدٍ مقدار، ولكن لابدّ من إشهار المناقب والفضائل والمعالم بإنتقاء الألفاظ الحسنة، وتنضيد المعاني الخيرة دون غلو ٍمحرج، ولا لبس ٍمزعج باجتناب تأويل المعنى المجهول الذي تمتطيه الظنون لتقلب المدح ذمّاً، والخير شرّاً، ومن أراد أنْ يستأنس برأيٍ آخر في توجهاته عن الوصية عليك بمقالة الدكتور عبد الكريم محمد حسين (3)

 ومن هنا نفهم تمام الفهم أن جذور تبعية الثقافة للسياسة، والقلم للسيف في بلاد العرب منذ العصر الجاهلي حتى يومنا الحالي، فلا عجب أن نرى أبا تمام ينصب السيف على صدر مطلع قصيدته الرائعة إبان فتح عمورية المعتصم...!!، رغم تفهمي للبيت الذي ورد في المكان المناسب، والزمان الملائم، ولكن يبقى السيف سيفاً، وتبقى الكتب!!:

الـسَيفُ أَصـدَقُ أَنـباءً مِنَ الكُتُبِ *** فـي حَـدِّهِ الـحَدُّ بَينَ الجِدِّ وَاللَعِبِ

ومثله ذهب المتنبي في رفع شأن مجد السيف الخامد على حساب مجد القلم الخالد:

حتى رجعتُ وأقلامي قوائلُ لي *** المجد للسيفِ ليس المجدُ للقلم ِ

ولا أخالك تحسب إن السيف في كلا البيتين موجهاً للداخل، كما هو الحال في أيامنا البائسة، وإنما للدفاع عن الأوطان ، وحفظ كرامة الإنسان، لردّ الضيم بالضيم، وهكذا كان ردّ وا معتصماه في عصر الأقوياء...!!

 ومهما يكن من أمر، فكرة الخوف من سلطة السيف والتهيب منه مختمرة في عقول سلاطين القلم ...!! وإنّ أبا تمّام بقى تابعا لسيف معتصمه، بل أوصى تلميذه الانتهازي المسكين البحتري - وما هو بمسكين ...!!- أن يسلك الدرب نفسه، وليترك معاصره البائس ابن الرومي إلى جهنم وبئس المصير ...!! لذلك لا تتعجب من البحتري أن يجيب ابن الرومي بالبيتين السابقين (شاعرٌ لا أهابه ...)، والتخت وكيس الدراهم الصدقة!!

والمتنبي (ت 354 هـ) ظلَّ تابعاً في مسيرته لسيوف سيف دولته وكافور أخشيده وعضد دولته ... وإلا ما هو تعليلك لقوله في مطلع قصيدة، تُعد من أروع قصائده:

واحَرَّ قَلباهُ مِمَّن قَلبُهُ شَبِـمُ ***وَمَن بِجِسمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ

مالي أُكَتِّمُ حُبّاً قَد بَرى جَسَدي** وَتَدَّعي حُبَّ سَيفِ الدَولَةِ الأُمَمُ

 إِن كانَ يَجمَعُنا حُــــبٌّ لِغُرَّتِــــهِ ****فَلَيتَ أَنّا بِقَدرِ الحُبِّ نَقتَسِمُ

هذ ه الأبيات قد تبعث على التخيل، أنّها مؤلمة للكرامة الإنسانية، لأنّها جاءت من مأمورٍ لأمير، وليس من صديقٍ قادرٍ مقتدر لصديقٍ يقف معه على قدر الاستواء والمنصب، والأمر والنهي ، ولكن هذا - أيضاً - يجب أنْ لا ينسينا أنَّ المتنبي نفسه انتفض على المتنبي قوله، فقلب الطاولة على الأمير وجلسائه بعد عدّة أبيات:

يا أَعدَلَ الناسِ إِلّا في مُعامَلَتي **فيكَ الخِصامُ وَأَنتَ الخَصمُ وَالحَكَمُ

 أُعيذُها نَظَراتٍ مِنكَ صادِقَــةً ***أَن تَحسَبَ الشَحمَ فيمَن شَحمُهُ وَرَمُ

 وَما اِنتِفاعُ أَخي الدُنيا بِناظِرِهِ ****إِذا اِستَوَت عِنــدَهُ الأَنوارُ وَالظُلَمُ

 سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا ****بأنني خيـــرُ مــن تسعى به قَدَمُ

 أَنا الَّذي نَظَرَ الأَعمى إِلى أَدَبــــي**** وَأَسمَعَت كَلِماتي مَن بِهِ صَمَمُ

 الخَيلُ وَاللَيلُ وَالبَيداءُ تَعرِفُني*** وَالسَيفُ وَالرُمحُ وَالقِرطاسُ وَالقَلَمُ

كرامة ما بعدها كرامة، ثأر المتنبي العظيم لنفسه، والقصيدة - كما أرى - ولدت هكذا دون تصنعٍ أوتكلف، وإنّما خلجات نفس إنسانية كبيرة، تمتزج فيها تيارات الطبع والتطبع، والثقافة المكتسبة، وتجارب حياة عصرها بكل مثالبها ومحاسنها، ولا أقول بما يُقال: إن سيف الدولة سخط على المتنبي من هذا الشموخ المرتفع بعد مطلعٍ مرتجف، فرأى فيه اضطراباً نفسياً، أو سلوكاً غير سوي من المتنبي، والمتنبي قد عوّده - لكلّ امرئٍ من دهره ما تعوّدا - أن يفخر بنفسه، ويشمخ في كلّ قصائده التي مدحه فيها، أو قد تأثر هذا (السيف) بما ألّبه عليه مَن في المجلس، فرماه بدواة، وشقّ فمه، فارتجل المتنبي هذا البيت:

 إِن كانَ سَرَّكُمُ ما قالَ حاسِــدُنا ****فَمــا لِجُــــرحٍ إِذا أَرضــــاكُمُ أَلَــمُ

كلّا هذه الرواية - على أغلب ظنّي - موضوعة، ولا أساس لها من الصحة، لا الأمير يفعلها، ولا المتنبي يقبلها، بدليل عندما توفيت خولة أخت سيف الدولة (352 هـ)، نظم في حقّها قصيدة رائعة، وأرسلها إليه من الكوفة - وكان قد رجع من مصر - من أبياتها الشهيرة:

 يا أُخْتَ خَيرِ أخٍ يا بِنْتَ خَيرِ أبِ ** كِنَايَةً بهِمَا عَنْ أشرَفِ النّسَبِ

أُجِلُّ قَدْرَكِ أنْ تُسْمَـيْ مُؤبَّنَــةً ***وَمَنْ يَصِفْكِ فَقد سَمّاكِ للعَــرَبِ

غدَرْتَ يا مَوْتُ كم أفنَيتَ من عدَدٍ * بمَنْ أصَبْتَ وكم أسكَتَّ من لجَبِ

وكم صَحِبْتَ أخَاهَا في مُنَازَلَــــةٍ ***وكم سألـتَ فلَمْ يَبخَلْ وَلم تَخِبِ

طَوَى الجَزِيرَةَ حتى جاءَني خَـبَرٌ ****فَزِعْتُ فيهِ بآمالي إلى الكَذِبِ

حتى إذا لم يَدَعْ لي صِدْقُهُ أمَلاً **شَرِقْتُ بالدّمعِ حتى كادَ يشـرَقُ بي

لو كانت ضربة الدواة، لما ولدت هذه القصيدة المعاناة، ولله في خلقه شؤون وشؤون، والحديث شجون وشجون وشجون ... لعلكم تتذكرون...!!

 

كريم مرزة الأسدي

.....................

 (1) (في محاسن الشعر وآدابه ونقده ): ابن رشيقٍ القيرواني، تحقيق . محمد محيي الدين عبدالحميد، ط 4، 1972م ج2، ص 114 - 115 - دار الجيل . وراجع: ج1 ص 152 زهر الأداب.

 (2) (محاضرات الأدباء): الراغب الأصفهان - 1 / 175 - موقع الوراق - يذكر البيتين، وقبلهما (عبدان) فقط دون ذكر اسم أبيه ولقبه.

 (3) راجع للتفصيل مقال " وصية أبي تمام للبحتري" الإسناد والتوثيق، الدكتور عبدالكريم محمد حسين، المجلد 19، العدد (3، 4)، 2003، ص: 21 - مجلة جامعة دمشق.

 

جمعة عبد اللهموهبة شعرية فرضت نفسها على الواقع الثقافي والادبي، في موهبته الشعرية المبكرة جداً. وهو يافع يخوض تجربة غمار الشعر في موهبته الابداعية  الاصيلة. التي تحمل في طياتها جمال الاصالة والشفافية  الشعرية. ومنذ ذلك الوقت، وهو يبحر في  غمار الشعر في تجربته وخبرته الطويلة. التي تجاوزت  خمسة عقود من الزمن .. وقد اصدر من خلالها اربعة دواوين شعرية. والكثير من القصائد، التي لم توثق في دواوين شعرية اخرى. وهذه الدواوين الاربعة هي:

1 - الديوان الاول (اللواهب) عام 1975

2 - الديوان الثاني (رسائل من وراء الحدود) عام 1980

3 - الديوان الثالث (أناشيد زورق) عام 2005

4 - الديوان الرابع (طقوس) عام 2006

كما اصدر رواية باللغة الالمانية. رواية (تركة لاعب الكريات الزجاجية)

ونتناول في هذه المقالة. التي هي بمثابة استكشافات في عمق الرومانسية العذبة والشفافة واستبطان جماليتها، من خلال ديوانه الثالث المعنون (أناشيد زورق). في عوالمه الرومانسية. بالمشاعر الملتهبة والجياشة. والديوان الشعري، يأتي ضمن انجازه الشعري الطويل في تجربته المتألقة، التي تتميز بأسلوب متفرد وجاد، وتملك لونا خاصا في تناول العالم الحالم بالرومانسي المحبب والجميل في مشاعره الجياشة، في احاسيسه المرهفة والملتهبة من اعماق الوجدان. ويتميز شعره الرومانتيكي في صياغة جمالية الاحساس بالمشاعر التي تبحر في بحر العشق والهوى والهيام , يطوف فيها في كل المحطات والمرافئ , وفي تقلباتها العاصفة  . في  جراحها ومعاناتها، لكنها لاتدلف الى مناقب النوح والبكاء. رغم المحنة والعذاب في الحب والعشق، الذي يتلاعب بمشاعر القلب والوجدان. ان قصائده الشعرية، تمتلك آفاقا واسعة وخصبة في عشبة الخيال الرومانسي الخلاق والمتوهج . وهي ليست محض خيال صرف. وانما تملك تجربة حياتية  صادقة، ومعايشة فعلية. تملك ارضية واقعية في التناول في خوض تجربة  الحب والعشق. في الهوى والهيام، في طينة الحب الجياش الصادق الذي يفور في الضلوع، أن قصائده ليس للاستهلاك الرومانسي العابر والمستهلك . بل أنها منفلتة من اعماق الوجدان ونبضات  القلب في خفقانه  . في العشق الذي يجري نبضاته في العروق والشرايين. يقدمها في هالة الشعور الرومانتيكي. في اطار شعري حديث في الصياغة  الفنية المتمكنة من تقنياتها  المتطورة . التي تشد القارئ اليها، وتجعله يبحر في الرؤى الرومانتيكية بكل الشوق والاشتياق في حواسه المرهفة   . ويتعاطف وجدانياً مع الشاعر. الذي ترجم مشاعره الصادقة والحساسة في رؤى الشعر. التي تعطي قيمة للحب والعشق، تعطي قيمة للمرأة الحبيبة، حتى في خصامها وخلافها وانفصالها عن رابطة الحب والعشق. فهو يمتلك مشاعر جياشة في الحب العذري، ولا ينزلق مطلقا الى الشبق الايروسي الملتهب. وانما يعطي قيمة معنوية لهالة الحب، في الحنين والاشتياق في العطش والظمأ الروحي. رغم معاناة  وشقاء قسوة الحياة، التي تجني على الحب الصادق الملتهب في مشاعره الجياشة. لنسافر في رحلة الديوان الشعري (أناشيد زورق) في بعض قصائده المختارة، التي تعطي الخطوط العامة لعالمه الرومانسي العذب .

1 ـ حين يهدر الحب فرصة التسامح والتصالح:

ويقود آفاقه الى مجاهيل مسدودة. ليس لها إشراقة حياة  وبسمة أمل، من الشوق والهوى، وانما تجعل سماء الحب، ملبدة بالغيوم بالرعود والبروق . حيث التشاجروالخصام والمناطحة في الفراق ، في العواصف الهائجة، التي تفضي الى هجرة الحب وسد ابوابه. لكنها في نفس الوقت تفتح باب الجراح بالفراق والهجر. ولا تختار طريق الندامة، ولاترجع الى مسالك الحب الصافية، الحب ليس هو  التلاعب بالعواطف ,  التي تقود الى أطفاء شعلة وشمعة الحب ، فهذا الطريق والاختيار مرفوض , لا يحمل سوى الندم .

إني أنتظرت بأن تعودي نادمة                    لكن رجعتِ كما السماء القاتمة

مزروعة بالرعدِ والامطار تنْ...               تفضين في وجهي زوابع ناقمه

ان تعصفي مثل الرياح وتعبثي                   بعواطفي أو تعودي غائمه

هذا الخيار رفضته ورفضت أن                   أحيا بغير مشاعري المتناغمه

..........

لا لنْ يغامر من جديدٍ زورقي                     حيث العواصف والسماء الغائمه

إني عرفت البحر في هيجانه                       واخاف من امواجه المتلاطمة

لا تذكري الماضي فقد ودعته                      لا توقظي في الجراح النائمه

2 ــ حكاية الحب

 مغامرة الابحار في سفينة الحب، تتطلب السفر الدائم للعاشق المغامر، ان يجد عشبة الحب المشتهاة. حتى تكون بلسماً لهمومه النازفة، فهي البلسم الشافي، ليجد روضته الزاهية، ليسكر من نبيذ وخمرة  الحب والعشق الى حد الثمالة. ولكن يتطلب ذلك الوفاق والانسجام والوفاء. لا ان يتخذ من الحب ساحة لتصفية الحسابات، فالحب النقي والصادق، هو اكبر من كل تصفية  للحسابات. واذا تحول الى هذا الطريق، فإنّ ذلك سيتسبب في افساد درب الحب  ,فإنّ صب الزيت سيحرق الهيام والهوى، ليتحول الى رماد وفحم. ان ازهار العشق تتطلب المياه النقية الجارية من اعماق القلب. تتطلب الهواء النقي،لا الهواء المشبع  بالحماقات في تذكر الماضي وجراحاته النائمة

لا تفســــــدي بحسابٍ صفْــوَأوقـــاتي                             فالحبُّ أكبرُ من كلِّ الحســــــاباتِ

دعي المشــــاعرَ تجري من منابعها                               طوعاً فلا تحبسيهـــا بانتقـــــاداتِ       

لا تنبشي في الذي قدْ فاتَ مِنْ عُمُري                           ولا تعيدي على سمعــي حكاياتـــي

والذكريات دعيها فــــــــــي مخابئها                            مدفونـــــةَ معَ أحزانـــي وآهــــاتي

طويتُ صفحـــةَ أسفاري فلا تسلـــي                            كمْ كُنتُ أعرفُ قبلاً مِنْ محطّـــاتِ

لا تسكبـي الزيتَ في نارٍ قد انطفأتْ                            إلّا قليلاً فــذا إحـــدى الحماقــــــاتِ

إنّي أعيشُ ليومي ... حاضري عُمُري                            فلستُ أهتــمُّ بالماضيولا الآتــــي 

3ــ الحب من أول نظرة   

الحب المتلألأ  في سحر العيون، المتعطشة للهوى والهيام. تبرق في بريقها الجذاب. لكي تلهب عواطف القلب والوجدان. ليهيم في بريق العيون ونورها المشع. لترسم جنينة في روضة  الهوى والاشتياق، لترسم بريشتها الاحلام الوردية. لتفتح الطريق لرحلة العشق، ليسكر بطعم حلاوة الحب. لتذوب العواطف، في المشاعر الجياشة، لتذوب في سحر العيون البراقة في الهوى والهيام. ليجد مرفئه الحاني والموعود.

ذبتُ في حُبكِ من أول نظره                     وفؤادي لم يعد يملك أمرهْ

مذ أن أبصرت عينيكِ  وبي                     لهفة تلهبُ أعماقي كجمرهْ

ذهب الشوق بصبري كله                      آه لو أملكُ من أيوب صبرهْ

سكن الحب عروقي كلها              صار يجري في دمي في كل قطرهْ

أن في عينيك سحراً نافذاً                     أتقنَ الساحر في عينيكِ دورهْ

كل شيءٍ صار شيئاً اخراً                    في عيوني اصبح العالمُ غيرهْ

4 ـ أغنيات الحب

الحب الذي يلهب اعماق الروح. ويتمرغ في انغامه واناشيده العذبة، التي تعزف بلحن العشق والغرام، يتلألأ في سحر العيون الناظرة. التي تسرح وتمرح في آفاق الهوى، لتطفيء شعلته المتوهجة في خلجات الفؤاد، تعجز الكلمات عن الوصف والتصوير. في بريق اغاني العشق التي تموج وترقص على لحن الشوق والاشتياق. فالحب اسمى من كل الاشياء، وفوق كل الاشياء. وتذوب فيه كل الاشياء. فهو المبتغى والمنشود، وتطير به الروح رقصاً وطربأً واغاني يتسامر بها العشاق

أصبحت أجمل أغنياتي كلها                   توحي بها عيناكِ والبسماتُ

غنيتها فترددت ملء الفضا                   والى المجرة طارت النغماتُ

لا تسأليني كم احبكِ ليس لي                     كيلٌ أكيلُ  به ولا أدوات

فلتعذري لغتي اذا هي  قصرت           هل تحصرُ الحب الكبير لغاتُ

أني أحبك ِ فوق كل معدل                          حباً به تتحدث النجماتُ

تشدو به الاطيارُ  فوق غصونها              وتحدّثُ الركبانُ والفلواتُ

نشرت على الدنيا حكاية حبنا                 فلها جميع الكائناتِ رواةُ

الليلُ كم ضحكت شواطئه لنا                وتراقصت لغنائنا الموجاتُ

5 ــ المخادعة في الحب

لاشك ان الظنون والشك والمخاتلة في الحب، والتردد والتذبذب والمخادعة، والضحك على عواطف القلب. تجعل الحب يموج في المراوغة والخداع، تجعله في حالة من فوضى العواطف،  في هيجانها المتضارب والمتنافر والمخادع. فتتحول رؤى العشق والهيام الى مكيدة ومهزلة. لا تجلب سوى الاسى والحزن والآهات. يصبح  الحب ضربا من اللعب على الكلمات، ويتحوّل إلى عواطف كاذبة، سرعان ما تتبخر فتنطفيء نار الحب. فما اقسى الحب اذا اختار هذا الطريق.

  إن قلتها وتحركتْ شفتاكِ                     أهواكَ) لست بقائل (أهواكِ)

لا لست ناطقها فما الجدوى إذا                     مرّت بأذني كاذبٍ أفّــاكِ

 عيشي لوحدكِ واشربي نخب الهوى                  كذباً فأني كاره لقياكِ

ما عاد قلبي للخداع مصدقاً                       فلتتركيه فقد صحا وسلاكِ

في الامس كنت أراكِ قلباً حانياً                 فأقولُ كالمسحور ما أحلاكِ

فأذا ضحكتِ فكل شيءٍ ضاحك                  وأذا بكيتِ فكل شيءٍ باكِ

واليوم إذ ألقاك ِ يعصرني الاسى               فأصيح كالملدوغِ ما أقساكِ

أنا قد بعثتكِ من رمادِ جذوةً                    وأحلتُ  شيطاناً لوجهِ ملاكِ

وفمي الذي سواكِ لحناً ساحراً                   في كلَّ مقهى عامرٍ غناكِ

***

جمعة عبدالله

 

جودت هوشيارينشأ الغموض في الأدب، عندما يخفق الكاتب في صياغة عمله الادبي على نحو يسمح للجمهور المتلقي باستيعابه وتذوقه. وبذلك يفقد العمل الأدبي معناه، ومبررات وجوده، ويصبح عاجزا عن التأثير في القارئ، أو النهوض بأي وظيفة من وظائف الفن . وربما ليست ثمة صدمة أكبر بالنسبة الى الكاتب، من هذه النتيجة البائسة لجهوده، خاصة إذا كان يعي جيدا دور الأدب في حياة الناس وعوالمهم الروحية .

قد يكون الغموض في العمل الأدبي ناجماً عن الكسل والإهمال عندما لا يجهد الكاتب نفسه بالتفكير من اجل التعبير عن أفكاره بجلاء، أو أن أفكاره مشوشة وغير واضحة، ولا يستطيع التعبير عنها بدقة، فتأتي كتاباته غامضة، أو أن أداة الكاتب ضعيفة الى الحد الذي لا يفي بمتطلبات التعبير عن افكاره ومشاعره من دون لبس او ابهام .

ثمة كتاب رائع للكاتب الانجليزي " سومرست موم " تحت عنوان " حصيلة حياتي " ويقول موم في هذا الكتاب: " لم أكن أطيق كتّاباً يطلبون من القارئ أن يدرك بنفسه ما يرمون هم إليه. هناك نوعان من الغموض تجدهما عند الكتّاب، أحدهما يعود إلى الإهمال، والآخر مقصود، فهناك من يكتنف الغموض كتاباته، لأنه لم يتعلم كيف يكتب بوضوح، وسبب آخر للغموض هو أن الكاتب غير متوثق من معانيه، فشعوره بما يريد الكتابة عنه ضعيف، ولا يستطيع أن يكوّن في ذهنه تعبيراً دقيقاً عنه، إما لضعف تفكيره أو لكسله، وهذا يرجع إلى أن الكاتب لا يفكر قبل الكتابة وفي هذا خطر ".

ولا شك أن أسوأ أنواع الغموض هو الغموض المصطنع الذي يلجأ اليه من يحاول عن طريقه تغطية فشله الفني الناجم عن عدم تكامل أدواته التعبيرية، وافتقاره الى ملكة الخيال، والأهم من ذلك كله، ان مثل هذا الكاتب يفتعل تجربة عقيمة وهزيلة، ويتعمد التعمية عن طريق استخدام الصياغات اللغوية الملتوية، وغير المفهومة، والاستغراق في التهويمات والشكليات اللغوية الفضفاضة، دون ان يكون لديه اية تجربة حقيقية، نمت وتطورت نتيجة التفاعل الحي بين ذات الكاتب وواقعه الاجتماعي .

وقد بلجأ الفنان الى افتعال الغموض في بداية حياته الفنية من اجل مجاراة الاتجاهات الحداثية والشكلية الرائجة . ويحدث هذا للفنان في العادة قبل ان يكتسب صوته الخاص ورؤيته الفنية والفكرية المتميزة.

غير ان الكاتب الموهوب حقاً والصادق مع نفسه وجمهوره سرعان ما يتجاوز هذه المرحلة إذا كان لديه ما يقوله للناس. غير أن هذا الانتقال لا يحدث على نحو عفوي، بل عبر عمل دؤوب ومتواصل ليحقق ما يصبو اليه من الوضوح والشفافية .

يقول الشاعر الروسي الكبير الكسندر تفاردوفسكي (1910-1971) في سيرته الذاتية : " في عام 1934 قدمت مجموعة من قصائدي الى أحد مدرسي الأدب طالبا منه ابداء رأيه فيها . قال المدرس :

" لا يجوز كتابة الشعر الآن على هذا النحو. قصائدك في غاية الوضوح ومفهومة تماما . ينبغي ان نكتب الشعر بشكل لا يستطيع أحد أن يفهمه، مهما حاول ذلك وبذل من جهد. هذا هو احد متطلبات الشعر المعاصر. ثم أراني عدة مجلات أدبية كانت تحوي نماذج للقصائد التي كانت تنشر في ذلك الحين. ولقد حاولت بعدئذ أن تكون قصائدي عصية على الفهم، ففشلت في تحقيق ذلك لمدة طويلة. واحسست حينئذ – وربما لأول مرة في حياتي – بالشك المرير في قابليتي الشعرية، واذكر انني كتبت بعد محاولات طويلة قصيدة غامضة، لا استطيع ان اتذكر الآن موضوعها او أي سطر من سطورها . "

واذا كان تفاردوفسكي قد استطاع بفضل موهبته وذائقته الجمالية الرفيعة ان يتخلص من شرك الغموض المفتعل، فكم يا ترى من دعاة الغموض عندنا لهم الجرأة الكافية ليصرحوا بأن لعبة الغموض التي مارسوها خلال السنوات التي وقع فيها الفن والادب في بلادنا فريسة للاتجاهات الشكلية، لم تكن سوى عملية تجريب ساذجة ومفتعلة، ولهذا لم تصمد امام التيار الواقعي الذي اخذ يشق طريقه وسط ركام هائل من النتاجات الشكلية، التي كانت تقليدا للصرعات الأدبية التي تظهر وتختفي في المشهد الثقافي الغربي .

ان المتلقي الذي يتمتع بإحساس جمالي، وذائقة فنية لم يتعرضا الى التشويه، لا بد أن يرفض هذا النوع من الغموض، لأنه يحول عملية الخلق الفني الى لعبة فارغة، ولأنه ضد طبيعة وقوانين الأدب، والأهم من ذلك أنه يلغي وظيفة الأدب الأساسية .

فالأدب، ليس ترفاً فكريا لنخبة من المتحذلقين، ولا لعبة شكلية كما يزعم البعض. لأن للأدب وظائف بالغة الأهمية في حياة الناس، والمجتمعات المعاصرة، لا يمكن أن ينهض بها أي شكل آخر من أشكال المعرفة الإنسانية.

الأدب سجل عظيم للحياة البشرية، وهو عالم البحث والمعرفة من خلال الكلمات والصور الفنية ويعتمد على الإيماء والرمز، وعلى التلويح دون التصريح .

الأدب في الوقت الذي يلبي حاجة الانسان الى اللذة الجمالية فانه يتيح له المجال ليزداد معرفة بنفسه وعالمه الروحي وعوالم الآخرين. وهو ليس شكلاً من أشكال المعرفة الإنسانية فحسب وباعثا على المتعة الفنية فقط، ولكنه في الوقت ذاته وسيلة لتجديد الحياة وتغييرها، أي أن له وظائف جمالية واجتماعية.

الغموض بين المبدع والمتلقي

في ضوء هذا التصور يفضل دائماَ،ان يكون الأثر الأدبي واضحا بقدر الامكان . ولكن هل الغموض يكمن دائما في الأثر الأدبي ذاته ؟ الا يمكن ان يكون ثمة غموض موهوم لا يتسم به الاثر الأدبي، ولكنه ينشأ لظروف وعوامل موضوعية او نتيجة لتفسيرات خاطئة للأعمال الأدبية ؟

كيف؟

اذا تحدثنا بلغة علم السيبرنيتيك، واستخدمنا بعض مفاهيمها لتوضيح فكرتنا، فإن بوسعنا ان نقول ان العلاقة بين الفنان والواقع تتكون من عدة حلقات متصلة وهي:

الواقع الاجتماعي – الكاتب – الأثر الأدبي – الجمهور المتلقي .

وينشأ الغموض، أو اللا تواصل على وجه الدقة، اذا انفرط عقد هذه الحلقة أو تلك لأي سبب كان، وفي أي مرحلة من مراحل الخلق الفني وتقديمه للمتلقي . وهذا يعني أن اللا تواصل قد يحدث بفعل عوامل ذاتية، أشرنا الى بعضها فيما تقدم أو بفعل عوامل موضوعية وثيقة الصلة بطبيعة ومضمون الأثر الأدبي، وبالشكل الجديد الذي يصوغ به الكاتب أو الشاعر تجربته. فالمحتوى الجديد يتطلب صياغة جديدة وشكلا جديدا، مما يستدعي بذل جهد اضافي من قبل المتلقي لاستيعابه وتذوقه.

ويمكن القول اذن ان هذا النوع من الغموض النسبي له علاقة بالمستوى الثقافي والجمالي السائد، وهو لا يكمن في الاثر الادبي، بل في ذهن المتلقي.

ان الفنان وهو يحاول إدراك الحقيقة الموضوعية، والكشف عن الملامح الأساسية في الواقع، والتعبير عنها، لا بد أن يقوده احساسه الفني – ان كان كاتبا اصيلا وصادقا الى اكتشاف العلاقات الصحيحة بين الاشياء. وهو يسبق فهم المتلقي بمسافات زمنية بفضل تمتعه بشيء من نبوءة الرائد واستشرافاته المستقبلية.

الغموض في الأدب الجديد

ان تأريخ الثقافة العالمية حافلة بأمثلة توضح بجلاء، كيف أن الأدب الجديد حقاً في مضمونه وشكله والمعبر أصدق تعبيرعن هموم زمانه، قد عانى هو الآخر من هذه المشكلة المحورية من مشاكل الأدب، مشكلة العلاقة بين المبدع والمتلقي . وسنكتفي هنا بمثال واحد فقط:

كان الشاعر فلاديمير ماياكوفسكي في العشرين من عمره، عندما القى قصيدته الطويلة الشهيرة " غيمة في بنطلون " لأول مرة في خريف عام 1913 في مقهى " الكلب الضّال " في بتروغراد، اثارت القصيدة هيجانا لم يسبق له مثيل . كانت اصوات الشجب والاستنكار تتعالى في ارجاء المقهى، فطلب الكاتب الروائي ميخائيل فولكوفسكي - وكان شيخاً مهيباً بلحيته البيضاء الكثة - الكلام للتعقيب وقال : " انا عندكم هنا لأول مرة، ولم التق بكم سابقا . لقد القى الشاعر الشاب قصيدة غير تقليدية. ولولا بعض الكلمات الخادشة في نهايتها لكانت قصيدة رائعة. هذا شعر جديد وأصيل، وغير مألوف، لذا فأنه أثار غضبكم. ولكن مهلا، أنه شاعر موهوب وستتعودون على مثل هذا الشعر، وكل جديد يثير لغطا في البداية لينتهي الى الاعتراف بموهبة شعرية أصيلة."

حقاً ان الغموض لم يكن كامناً في قصيدة ماياكوفسكي، بل في اذهان فئة من المثقفين الذين افسدت الثقافة الرجعية اذواقهم الجمالية والمتمسكين بالقيم البالية. ولم يكن الأدب والفن لدى هؤلاء السادة ضرورة عميقة وملحة، بل وسيلة لهو وتسلية، ومصدراً للكسب المادي والشهرة.

ونحن نجد اليوم ان قصائد ماياكوفسكي مفهومة لدى عشرات الملايين من القراء في جميع انحاء العالم.

يخلط كثير من الباحثين ونقاد الأدب في بلادنا بين الغموض المتعمد أو التعمية والابهام من جهة وبين الإيحاء والتلميح من جهة ثانية.

ثمة اعمال ابداعية تتسم بقدر من التعقيد -مثل بعض أعمال جيمس جويس، وشعر بوريس باسترناك، وهي ليست مثيرة لاهتمام القارئ الباحث عن القراءة المسلية . بل تجذب اهتمام القارئ المثقف، الذي يمتلك ذائقة جمالية رفيعة، ويقرأ ما بين السطور.

نظرية الجبل الجليدي

احتل ارنست همنغواي مكانته الرفيعة في الأدب الحديث بفضل اسلوبه الواضح والبسيط ظاهريا، الذي سمّاه بالجبل الجليدي، فهو يقول الكثير باستعمال القليل الموجز من الكلمات ويكتفي بالتلميحات والتفاصيل الدّالة. نصوص تتألق معانيها العميقة ضمنياً. ويلعب القارئ هنا الدور الاساسي في فهم النص وتفسيره. ويفهمه كل مثقف حسب وعيه وثقافته وادراكه لمضامينه واحساسه بجمالياته. أي أن ثمة مستويات عديدة للفهم والاستيعاب.

وكان همنغواي يقول:" القصة الجيدة، هي تلك التي يحذف منها اقصى ما يمكن حذفه. واذا كان الكاتب يكتب بنصاعة، فإن بوسع القارئ فهم ما هو مخفي بسهولة.

ولقد جسّد همنغواي نظرية "الجبل الجليدي" على نحو رائع في قصته القصيرة "تلال كالفيلة البيضاء". القصة على شكل حوار بين رجل أمريكي وفتاة تُدعى جيغ، ويحاول فيه الرجل اقناع الفتاة بإجراء عملية ما دون ان يفصح عن نوع العملية، ربما كانت اجهاضاً.

لا توجد في القصة أية اشارة الى ان الفتاة حامل، ولكن القارئ يفهم أن الأمريكي لا يريد ان تنجب الفتاة طفلا، ويؤدي ذلك الى تهاوي علاقتهما، ويشعران ان افتراقهما أصبح امراً حتمياً.

استطاع همنغواي في بضع صفحات وباستخدام الحوار فقط، ان يصف التأريخ الكامل للعلاقة بين الرجل الأمريكي والفتاة. ولكن القارئ يقرأ ما هو مضمر في هذه القصة الرائعة بكل سهولة.

وصفوة القول إن الغموض من ملامح القصور الفني أو العجز الابداعي، إذا لم يؤدِّ غرضًا فنيًّا صرفًا، في حين ان الغموض الذي يستدعيه الفن هو ميزة ايجابية.

 

د. جودت هوشيار

 

 

احمد الشيخاوي[كما أن العاشق أكّد صحة ما أدلت به حبيبته القاصر مضيفا أنه كان يرغب بالزواج بها لكن والدتها رفضت تزويجه إياها بسبب عطالته](1).

في مجموعته القصصية "الحافة" الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، يقف المتلقي عند حدود سردية مغايرة تماما، تنم عن روح جديدة في الكتابة القصصية، حين تتوسل الصور الأكثر غرابة، مغترفة من حياة الكائن الواقع في حيّز البرزخية، وكله من صنع الفاقة الملازمة وأضرب التخلف، في رحم ثورة العقل البشري، وهنا يطرح السؤال العريض، لماذا يظل المغربي متمسك بذاكرة الخرافة والشعوذة، في غمرة هذه العالمية والعولمة التي أفرزت خطابا جديدا وماديا صرفا بالأساس، في قراءة زمكانية ونصوص إنسان ما بعد مثل هذه الثورة وهذا الإزدهار..؟

ولك كامل هذا التسلّح بمنظومة أشكال الشحاذة والمكر والثعلبية والدهاء السلبي، كلون من الانحباس في عتمة الذات المشدودة إلى فخاخ الدوغمائية والأنانيات، قصد نيل الأقل والظفر بما هو بخس، وملطخ للسمعة والهوية والمنزلة، وفقا لتاريخ معين، راحت تتداخل معه حدود المفارقات والعجائبية والأضداد؟

وعموما، نلفي نصوص هذه المجموعة، مغرقة في صور جلد الذات، انتصارا لبهيمية مدسوسة، ومن أجل إثبات الذات، وإبراز مناحي القدرة على التفوق، وقهر الآخر، وإن بأساليب قذرة وغير مشروعة.

هو إغراق في صور مبطنة بالغرائبي، ومحيلة على خلل في ثقافة جيل، التبست عليه دروب الحقيقة والخيال، وعصفت به بينية الوجود، باشرئباب إلى المجازات والشطحات والتمكين للاوعي من مسرح النضال الذي يترجم دناءة وجاهلية الكائن، من جهة، ومن جهة ثانية، هواجس الانصهار في روح الواقعية واجتياز امتحانات الذات والوطن والحياة، عبر تقمص أدوار الشخصيات الأكثر خبثا ومكائد، عبر تراتيبة زمنية محددة، بل والذهاب أبعد من ذلك، الإتيان بأبجديات مختلفة ومتنوعة ومبتكرة في انتهاك حقوق الآخر، من خلال جلد الذات، بالطبع، وخلع رداء الإنسانية، بتفعيل المنوم في أدغال الذات، من بهيمية وبربرية متشربة من إستراتيجيات وتكتيكات العصر السالبة والناقصة والمشينة.

ومن هنا، الحافة، باعتبارها تيمة أليق بهذا المنجز المنذور للصور الشاذة، في عالم متكالب على حقوق الكائن، ووالغ بنتانة الإيديولوجي في نبع إنسانية هذا الكائن.

هو خلل وجودي مربك، تحاول أن تجسده هذه السردية في تملكها للحالة الإنسانية المقموعة بنظير هذه إكراهات، تملي عليها منظومة أقنعة، يمتزج فيها الواقع والخيال، ويسبح مع أفلاكها، منطق اللاهوت وفلسفة العقلاني.

نقرأ للقاص قوله: [وفي الأخير قررت مصالح الجمارك إرجاع العلبة لصاحبتها، والاعتذار لها عن عدم تنفيذ رغبتها ورغبة زوجها، وما إن حصلت الزوجة على العلبة الزجاجية قصدت حمام المطار لتشرف بعض الماء،على وجهها، كي تستفيق من هول الصدمة التي أحست بها عندما زفت لها مصالح المطار الخبر، لم تكن تعلم بزيارات زوجها المتكررة لبلده صحبة إحدى صديقاتها، ولم تفكر يوما أنه من الممكن أن يقدم على خيانتها. وبعدما انتهت واستفاقت من صدمتها، أفرغت محتوى العلبة بإحدى بالوعات الحمام، وصعدت بعدها مباشرة للطائرة وهي مبتسمة، كلها فرح في عدم تحقيق رغبة زوجها](2).

في قصة " الحافلة " التي استهل بها القاص المجموعة، نطلع على عالم النفاق واصطناع العاهة، بغية الهيمنة على الحيز الكافي الذي لا ينغص السفر.

راكب يدفع بحيلة ادعاء العرج، شهوة أربعينية، في تبوأ مقعد فارغ بالقرب منه، ولو أن مكان فتاة في بداية أنوثتها، وصغر سنها، كان سيبدّل الموقف، جملة وتفصيلا، زد على ذلك امتعاض سائقي الحافلات من مدونات التأمين، ما أضفى على الأقصوصة، نوعا من السخرية التي تعري عيوبا وأعطابا مجتمعية وبشرية .

والأغرب من ذلك، ما جرى على لسان السارد، في مناسبة تفضح التدجيل والسمسرة والمتاجرة في الدين، من خلال شخصيات "الفقيه " المتقلبة، حين ولج أحدهم مقبرة، وقد لبسه الرعب، من بضع شباب عكفوا على إدمان الحشيش، إلى أن انتهى به المطاف، في خصام ملتهب مع أحدهم منم يتكسبون بقراءة القرآن على الموتى، والمضحك أن هذا الفقيه طلب من خصمه، رخصة التلاوة على الموتى، وقد غررت به فتاة اتضح أخيرا أنها تعاني من مرض نفس وقد ألفت مثل تلك المواقف، وكيف أن القبر فارغ في الأصل، وأن أحدهم أعده لصالحه وأوصى بأن يدفن فيه، بعد موته، وتلكم مفارقة احتكار القبور التي باتت مكلفة في الكثير من مدننا، لكل أسف، مثلما تخبر بذلك قصة " حديث المقبرة".

وغير بعيد عن هذا المعنى، قصة الشخص الذي دل على طريقة تخلصه من عجزه الجنسي، تكمن في مضاجعة فتاة ميتة، وكان أن رشا حارس المقبرة ليتم له ما أراد، ليصعق في النهاية بجثة ذكر، زادت من أوجاعه وعمّقت حالته النفسية المزرية التي تلطخها أحاسيس الخيبة ومشاعر العجز الجنسي الثقيلة، كما في قصة " بركة القبور".

ويقول :

[وأشفق لحاله..وأخذ سؤال يلح في رأسه..ويطرح نفسه بقوة..ولم يستطع منه فكاكا:

- أي حظ تعس هذا الذي جعل هذا الطفل وأمثاله هكذا، ويدفع بهم إلى هذا المصير..؟

ظل يتابعه باهتمام.. وعن كثب والألم يعتصر روحه، وفجأة انطلقت الحافلة تغادر المحطة، فشيع الطفل بنظرة إعجاب وافتخار..وهو يلوح له بيده، فأجابه الطفل بابتسامة عريضة بريئة وهو يلوح له بإشارة الوداع](3).

إنها أمومة من نوع آخر، تتمزق لها هوية هذا الطفل الضائع، الذي تغتصب طفولته يوميا، على نحو مقزز،وداع على الخجل والانكسار، من مشهد ذابل، تنزف له إنسانيتنا.

وترشقنا أقصوصة " تبادل الأدوار " بمقلب يتبنى بعض النظريات العلمية الآخذة بالتفشي، فيما يرتبط بحمل الرجال، وهوز طقس يتم تدويره " حلميا " وعبر برزخية، غوصا في عالم العقم المثقل بالمعاناة والمكابدات.

كما أن أقصوصة " عروس لعريس آخر" تلعن راهن استثمار ضعف الأنثوي، بخاصة حين يصدر الانحراف والنشوز عن جهات تدعي التثقف والرقي والتحضر، وتشغر مناصب المسؤولية والأمانة في مؤسسات الدولة، قطاع الصحة هنا، بحيث سوف يغتصب ممرض فتاة صغيرة باغتها الداء ليلة عرسها.

ذلك ويتم تمرير كهذه رسائل ممعنة في دوال الشذوذ، وعق الفطرة، بكيفية هادرة ومرعبة، للتدليل على حساسية وخطورة مفرطة، باتت تعيشها مجتمعاتنا، تجنيا على الكائن، وتوليد لصور الانحراف النفسي والاجتماعي، المؤذن بالخراب والنهايات المأساوية.

تلكم مجموعة " الحافة " وقد عقّت هي بدورها أساليب القص، قديمها وحديثها، لتبصم خطابا مغايرا يحاول لملمة هوية الكائن الممسوخ، داخل أوساط تتلوى بين أوجه الاستنكار، وغض الطرف في الكثير من المناسبات.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

..........................

هامش:

(1) مقتطف من نص "العاشق العاطل" صفحة11.

(2) مقتطف من نص "جرة الرماد" صفحة 65.

(3) مقتطف من نص"طفل المحطة" صفحة119 .