مثنى كاظم صادق مجموعة يطعنون الهواء برماح من خشب مثالاً

السلالم الحجاجية لها الأثر الفاعل في تلقي قصيدة النثر بمعنى أن قصيدة النثر تضم جملاً شعرية متدرجة تصل بنا إلى نتيجة ما، وأن هذه الجمل تقوم مع بعضها على تدرج تراتبي حججي، غايته استمالة المتلقي نحو ما يريده الشاعر، وأن هذا التدرج بدءاً من العنوان بِعَدِّه عتبةً أو سُلَّمةً وصولا إلى النتيجة (الجملة الشعرية النهائية) يتم عن طريق هذه السلالم التدرج ضمن الأطروحة التي تمسك بالنص الشعري المراد إقناعنا به، هذه الأطروحة التي يتبناها الشاعر مؤيداً أو معارضاً، يروم من خلالها إقناع المتلقي بها؛ لذا يعمد الشاعر المبدع كريم جخيور بشكل مباشر أو غير مباشر على مجموعة من الآليات السُلَّمية الحِجاجية غايتها ترتيبية للدفاع عن النتيجة.

مجموعة (يطعنون الهواء برماح من خشب) مجموعة شعرية له، ستكون مثالاً تطبيقياً لهذا الإجراء النقدي . يُعَّرف السلم الحجاجي على أنه علاقة تراتبية للحجج ومتتابعة توجه إلى المتلقي للتأثير عليه وجدانياً أو عقلياً، يعد العنوان السُلَّمة الأولى , فهو عتبة للدخول إلى النص، وبه يتأثر المتلقي؛ لأن العنوان هو الماسك الأساس للنص، ولاسيما إذا كان يحمل قوة توجيهية ودلالات رمزية موحية في مجملها، هي عوامل مساعدة للتدرج الذي يأتي بعده . عنوان المجموعة كما سبق هو (يطعنون الهواء برماح من خشب) فالعنوان بحسب سُلَّميتهُ التركيبية يشير إلى الطعن أي الضرب بقوة بفعل جمعي، ولكن هذه القوة الجمعية للطعن أتت في الفراغ (الهواء) وليست في جسم مادي محسوس، وأن أداة الطعن أو أدوات الطعن هي الطرف الثاني للعنوان وهي (الرماح) التي ربطت برابط حجاجي مع فعل الطعن بوساطة حرف الجر الباء، الذي دل على الواسطة ضمن مكونات هذا السلاح (من خشب) توكيداً عبر هذا الرابط بوصفه واسطة، فالقوة الحجاجية للعنوان إذن تحدد بالنتيجة الضمنية، وهي عدم الوصول إلى فعل الموت أو الجرح أو التلاشي، وعدم تحقق المراد؛ لأن الهواء بالنتيجة ليس كائناً حياً محسوساً، وتأسيساً على ذلك، فإن من الملاحظ أن عنوان المجموعة، لم يأتِ عنواناً لإحدى قصائدها؛ مما جعله مهيمناً على القصائد كلها ضابطاً لها، يتوالد معها من خلال إنتاج نفسه بالبنية المستمرة للزمن في المضارع (يطعنون) الذي شكل صورة مشهدية ذات طابع حركي تمثيلي مع الرماح، وما بينهما الضحية (الهواء) المطعون، ويمكن أن نتأول (الهواء) بشفافيته ونقائه وجماله وخفته وقدرته على بث الحياة في الوجود هم الضحايا الذين تحدث عنهم الشاعر في قصائده (الجد / الأيام / الشهيد / الوطن / المواطن .... إلخ) وبالنتيجة فإن عنوان المجموعة يقع ضمن بنية تطارح النصوص، وتتعالق معها، فهو العتبة أو السُلَّمة الأولى للقصائد، ومنه تتفرع السلالم الحجاجية لهذه القصائد باتجاهات شتى. يوظف الشاعر في قصائده أداة النفي (لا) و (لم) بشكل لافت ضمن تدرج قصائده، وغايته إقناع المتلقي من خلال تركيزه على دالات شعرية محددة، والاتجاه به - المتلقي - نحو حضور أنا الشاعر بتفاصيلها اليومية، وإحساسها اليومي بالوجود. تتمثل سُلَّمية النفي عن الشاعر ضمن تكوينات متدرجة، تؤدي إلى النتيجة التي يريد من المتلقي أن يقتنع بها ففي قصيدته مسبحة الأيام يفتتح الشاعر قصيدته بـ (لا أريدها) وهي صيغة نفي مستمرة لزمنين هما حاضر / مستقبل مُشكلةً سُلَّمةً صاعدةً إلى ما بعدها، يعزز ذلك ضمير الغائب (الهاء)، مع أن الشاعر يتجه ويراعي أن تكون عباراته مكثفة مختزلة؛ لكي لا يقع في التداعي متخذاً من تكرار (لا أريدها) توكيداً لفظياً؛ لإثبات هذا النفي، وبالنتيجة يتجه بالمتلقي ضمن سلمية النفي، لنفي خطاب الإرادة وحقيقتها التي يقيم بها للمتلقي حججه بصيغة التشبيه (لا أريدها أن تنفرط كحبات الرمان) الدالة على التبعثر لمحتوى هذه الفاكهة التي تعطي نتيجة سالبة، وهي التفرق بعد التجمع . إن تكرار لفظة (لا أريدها) المكررة أقامت علاقة حجاجية بين الحجة السابقة، والحجة اللاحقة وترابطت مع مابعدها؛ لأن عاملية النفي الحجاجي يمكن إدراكها في هذه القصيدة في النهاية؛ فالشاعر يريد من متلقيه أن يتوجه نحو النتيجة بسرعة، فبعد ثلاث سلالم حجاجية منفية (لا أريدها.. / لا أريدها.. / لا أحب..) تأتي قيمة مضافة إليها، وهي قيمة الإثبات (أريدها) للوصول إلى النتيجة التي يريدها الشاعر وهي (أيامي... أيامي التي أحب) وقد ينشأ من النفي نتيجة ضمنية تكون مؤثرة في المتلقي من خلال رؤية أخرى في مستوى الحيز المنطقي الذي يطرحه الشاعر في تصديره للنفي في بداية قصائده؛ لتحديد النتيجة وتقييدها برؤياه؛ لكي لا يجعل المتلقي يكد ويتعب في معرفة النتيجة كما في قصيدة (حرب):

1460 يطعنون الهواء (لم يبقَ من الحرب / سوى صورة باردة / مطعونة بشريط أسود / على الجدار) يوظف الشاعر النفي والاستثناء سلمة تقيد وتحصر وتؤكد نتيجة واحدة ضمنية وهي (الموت) ضمن معادل موضوعي (الحرب = الموت) فالموت نتيجة حتمية غير مصرح بها ترشحت عن طريق صورة الضحية الموشحة بشريط أسود علقت على جدار البيت للتذكر والحزن على ألم الفقدان بثنائية غير ضدية هي الحرب / الموت؛ مما عمق حجاجية المأساة فنبه عليها الشاعر بهذه السلمية (النفي والاستثناء) بالقصر والحصر. إن حضور النفي في هذه القصائد أعطى قوة تأثيرية في المتلقي بوصف النفي عاملاً حجاجياً يثبت الأمور المختلف عليها، ولاسيما رؤيا الشاعر للوجود كما في قصيدة (ثنائية الوجود): (كما أنه لا سفينة بلا بحر / فلا بحر دونما غرقى / ولا بحر دونما شاطئ / حتى لو كان بعيداً / وكما أنه لا منازل للقمر/ دونما تعاقب الليل والنهار/ فلا حضور / بلا غياب ولا حلم دون عقل / فالمجانين لا يحلمون / وكما أنه / لا سماء بلا أرض / فلا قبلة / بلا شفتين وكما أنه / لا حدائق بلا عصافير / فلا دفء دونما سرير/ وكما أنه / لا حياة بلا حب / فلا حب).. إن المستوى التركيبي للقصيدة برز فيه عدة سلالم حجاجية اتخذ كل منها نتيجة خاصة به، وقد فصلت هذه السلالم بالرابط الحجاجي (كما أنه) الذي يتلوه النفي بـ (لا) بشكل مركز، ولما كانت الوجهة الحجاجية ترتبط بالتركيب اللغوي؛ لذا كان للسلالم الحجاجية دوراً فاعلاً في النص، فقد شكل الرابط (كما أنه) سلمة تقدم الحجة ثم تتدرج بها إلى سلمة أخرى وصولا إلى السلمة الأخيرة التي تظهر النتيجة (لا حب) موظفاً - الشاعر - نفي الثنائيات المتصاحبة؛ لتوكيد احتياجهما معاً !! مما أدى إلى استمرارية النص وانسجامه وإسهامه بالتدرج والاتساع وترشيح عدة نتائج جانبية وصولا إلى النتيجة الجامعة . إن هذه التراتبية السلمية، عكست قيمتها بالتعالقات الثنائية التي حققت التجانس التداولي لما هو مألوف في الحياة ومتعارف على وجوده بما يكمله، وتأسيساً على ذلك زاد المعنى وتقرر لدى المتلقي وأثر فيه، فقد شكل النفي بالأداة (لا) بعداً حجاجياً اتجه صوب التعليل والتفسير بالربط بين المتلازمين لدعم النتائج النهائية؛ لكي يزيد من إثبات النتائج. يوظف الشاعر أيضاً السلالم القولية، ويتمظهر بالأقوال التي تصدر من المرسل كما في قصيدة (أعياد مؤجلة): (لم نطمئن يوماً / إلى أعيادنا / نقول عيد الشجرة / ونرمي رأسها بالحجر/ نقول عيد الأم / ونطفئ قلبها / بالمنافي والهجر / ونكتب عن عيد الأب / ونحن نتثائب من شدة اليتم / لم نكن مطمئنين إلى أعيادنا / نترك الحب وحيداً ونحتفي بالدببة / بليدة وملونة / نقول عيد المعلم ونطفر من سياج المدرسة / فرحين بقفزتنا / نحتفي بعيد الجيش / ونحن نعبُ الكؤوس فرحاً / بالهروب منه) يؤكد الشاعر في هذه القصيدة بأن هذه الأعياد التي نتقولها هي أعياد مجروحة منا !! وقد رصد هذه الجروح وشخصها اجتماعياً، ففي سلالمه القولية تناقضات هذه الأعياد التي ما عادت أعياداً؛ لأنها تشوهت؛ ليحمل المتلقي على الاعتقاد بهذه التشوهات؛ بغية ترميمها وأعادت إنتاجها  أعياداً حقيقية، محولاً بذلك سلمية القول المكرر إلى لازمة نصية في القصيدة لتعداد هذه الأعياد (عيد الشجرة / عيد الأم / عيد الأب / عيد الحب / عيد المعلم / عيد الجيش) ومن الملاحظ أن السلم القولي بذكر الأعياد قد هيمن عليه الفعل المضارع (نقول) بمركزية عالية، ولاسيما أن (نون المضارع) ذات مرجعية قولية للجماعة التي تحتفي بالعيد قولاً ولا تحققه عملاً؛ مما جعل الشاعر في محل الاعتراض على ذلك من أجل استمالة المتلقي والتأثير فيه، إن عملية تحذير الشاعر لظواهر سلبية تلازم الأعياد جاءت من أجل التحريض على التخلص سلبياتها واقتلاعها، ومن الواضح أن الشاعر قد عمل تقابلات ضدية بين هذه الأعياد، وما يترشح ضدها مقارناً بينها كأعياد إنسانية جميلة، وبين ما يشينها من سلوكيات، وكأني به ينعى على الناس أفعالهم ضدها، ومن هنا جاء حرص الشاعر على ترتيب سلمه القولي بالشكل الذي يخدم نتيجته ودعواه، وبالنتيجة يمكن عد الأقوال ذات أثر عميق في تقوية النص؛ لأنه يؤدي وظيفة تداولية حجاجية تقيد وجهة نظر في المتعارف عليه وتقويم واقعه. ويمكن أن نخلص إلى جملة من النتائج عن قراءة هذه المجموعة منها :

1- عنوان المجموعة هي السلمة الكبرى التي اتخذت منها القصائد مرقاة لها؛ للوصول إلى النتائج المختلفة بحسب ما طرحه الشاعر من قضايا في كل قصيدة.

2- إن السلالم الحجاجية في هذه المجموعة قامت على أساس الهدم والبناء؛ لأن هذه القصائد تطرح قضايا متعددة ويريد الشاعر أن يثبتها .

3- يعمد الشاعر إلى تبادل الحجج من أجل إثبات رأيه الشخصي أو الشعري.

4- التكرار في مجمل قصائد المجموعة جاء لإبراز الحجة وإظهار نتائجها.

5- حجاجية النفي لا تدرك إلا إذا أدركنا ما يريده الشاعر من نتيجة نهائية.

6- الشاعر منذ بداية قصائده  يحفز المتلقي ويستثيره لما سيأتي من اجل التواصل والمتابعة بغية التأثير فيه وإقناعه بالنتيجة .

 

د. مثنى كاظم صادق

 

 

الطيب النقرلعل الكثير من الشعر الحُر الذي طغى على الشعور، وبغى على الفطرة، غاية في الغثاثة والهزال، فجله سقيم المعاني، رث الألفاظ، كثيرالتكلف، يحتاج قارئه لبوارق من الضياء حتى تبدد تلك العتمة التي نجمت عن كثافة الغموض الذي يعج به القصيد الذي لا يقوم على فكرة جامعة، أو معنى متحد، ولتنكب الناظم عن نضارة اللفظ، وإشراق المعنى، ووضوح الفكرة.

والقصيدة العربية التي عنت لجلالها الوجوه، وخشعت لسلطانها الأفئدة تراجعت أمام ذلك الطوفان الذي لا يُبقي ولا يذر، الأمر الذي جعل بعض أصحاب العقل الراجح، والفكر القادح يمتشق قلمه الصارم ليحطم حدة الجموح، ويكف من سورة الطموح، ويردع من لجوا في غوايتهم، وأوغلوا في عمايتهم، تلك الفئة صاحبة الفكر المغترب، والمنطق المضطرب، التي ترسف في عبودية عقلية أذلت ناصية الشعر العمودي، وامتهنت كرامته، واستباحت اللغة العربية التي انطوت على نفسها تمضغ حسرتها بالصبر، وتخدر لوعتها باجترار الماضي.

إن الشعر العمودي الذي يحلق فى الآفاق العالية، ويتغلغل في الأغوار العميقة، التأم به شمل العروبة، وانتظم به عقد المجتمع، فلقد حفظ لنا هو والكتابُ المحكمُ السبك، الدرَّ المكنون من الألفاظ، والغيث العميم من المعاني والأخيلة، فليس بدعاً أن تتزاحم حول مورده العذب المهج الصدئة، والجوانح التي ألهبها السعار والظمأ.. كما ليس غريباً أن يتكالب لطمر عينه التي لا ينضب معينها من لم يلقِ بعد عن كاهله آصار الجاهلية، أو يحطّ عن ظهره أوزار الوثنية، فالسواد الأعظم من رواد هذا الضرب من الشعر السخيف النظم «عُرِفوا بعدم التزامهم بالإسلام، أو بمحاربته سراً أو جهاراً، ومنهم من كفر بالله وأعلن كفره في شعره الحر صريحاً واضحاً.

والدكتور عدنان علي رضا النحوي المتبحر في ضروب الإنشاء، والملم بخبايا الأدب، سبر غور الشعر الحُر، وتقصّى أطرافه، وكفانا مؤونة البحث في تقصي هذه الظاهرة التي لا تمت للشعر الفصيح بصلة، أو تعود إليه بسبب، أخبرنا الدكتور في مقاله غير الموشى بخيوط السخيمة أن الشعر الحُر الذي لا يملأ شعاب القلب بالإعجاب “لا ينهض إلى مستوى فنّي يكفل له النجاح، ولا يقدم زاداً كريماً للأمة في واقعها اليوم، وما حسن منه، وهو القليل القليل، نضعه مع النثر بعيداً عن الشعر، إذ لا نسب بينهما ولا رحم”.

ولعل هذا القول الذي تحمر له الأحداق، وتنتفخ منه الأشداق، هو الحق الأبلج الذي قُدِّم بصادع البرهان فتلك الترهات والهلاهيل من الكلمات شطّت عن الشعر، وانحرفت عن الأدب أشد الانحراف، فلا يمكننا أن ننعت تلك الفقرات المتهالكة، والتعبيرات الممجوجة، والتراكيب المبتذلة، واللغة السقيمة، إلى الشعرالعربي الذي أقذينا أعيننا تحت أضواء المصابيح في دراسته وتحصيله، إنه في واقع الأمر طلاسم من ضعاف الملكة، وقاصري الأداة ابتدعوها بعد أن أعيتهم القصيدة العربية التي لا تتأتى إلا لصاحب الساعد المجدول، والعضد المفتول في اللغة والأدب، وبعد أن مرغوا جباههم في معابد الشعر الغربي التي لا ترفع ولا تضع، فالشعر الحُر الذي يتولى كبره بغاث يسبحون مع تيار الحداثة لا أصل له ولا منبت عند العرب، وسيظل غريباً عنهم رغم تهافت الكثير من الصحف والمجلات لإعلاء كعبه، وإظهار محاسنه إذا كانت له محاسن!.

إن القصيدة العربية التي ضامها المستبد، وسامها الدخيل، لن تخلع في يوم من الأيام على رواد هذا الضرب من الشعر أوسمة التبجيل، أو نياشين الاحتفاء، لأن دواوينهم المتداعية التى فاقت الحصى والرمل، لم تنشأ من قواها، أو تقم على مزاياها، بل هي نصوص صحيحة الثبوت، صريحة الدلالة، توضح حدة الاستلاب الغربي الذي ترزح تحت نيره هذه الأمة، فقد استفحل هذا الداء وأعضل حتى أضحينا نستسقي أدبنا الذي نطرب له، ونفزع إليه من الغرب البغيض الذي ساء خلقه، وبذؤ لسانه.

فمصطلح “الشعر الحر” free verse ابتكره كوستاف كان “Gustave Kahn” وفي هذا الصدد يخبرنا «جودي روس» في كتاب “الحداثة” لمالكوم برادبري وآخرين عن نشوء الشعر الحر التي لعبت الحركة المستقبلية الإيطالية دوراً مهماً في بزوغه وتطوره، فيقول عنها: “نجد هنا دعوة إلى كتابة شعر نابع من الحدس Intuition، دعوة إلى كره المكتبات والمتاحف، إلى التبرؤ من العقل، إلى إعادة تأكيد أهمية الحدس المقدس الذي جُبلتْ عليه الأجناس اللاتينية. كان على شعرهم أن يعتمد القياس”Analogy” بدل المنطق، وكان عليهم أن يهجروا النحو، وأن يستعملوا الأسماء استعمالاً اعتباطياً”.

ونجد أن رواد الحداثة الذين تفاقم شرهم، واستطار أذاهم عكفوا على حواف هذا المسخ المشوه من الشعر الغربي الذي لا تجمعنا به آصرة ولا واشجة، ثم شبوا في كنفه، وتحركوا في إطاره، ودعوا الناس بكل وقاحة أن يقبلوا عليه، ويقبِّلُوا يديه، ويهجروا ذلك الشعر الذي راضه البهاليل السادة، وصاغه الحماة الزادة، وحاكه الكرام القادة، نعم؛ لقد نقلت لنا تلك الطائفة دون أن يرتد لها طرف هذا الوباء الكاسح الذي اجتاح مضارب العرب، زاعمة أن الشعر العمودي قد همدت حياته، وخمد عرقه النابض، لا والذي رفع السماء بلا عمد! إن الشعر العربي لم يسكن حسيسه بعد، ولم ينطفئ مصباحه الذي يلهم الخير والجمال، بل ما زال مده الهادر في سمته الرزين، وصوره الخلابة التي تضفي على الوجود وضاءة الحسن، وعلى الحياة رونق السعادة، يغذي الروح، ويحصن الوجدان من العلل التي تعتريه جراء غصص الحياة، ومنغصات العيش.

وما زالت الجياد المطهمة العتاق «أبياته السامقة» لها من التبجيل والقداسة ما يجعل تلك الفئة التي طمح بها رجاؤها إلى الغاية التي لا يخضر فيها مرعى، ولا يورق فيها غصن تضطرب سبالتها، ويرغم أنفها.

إنّ الشيء الذي لا يخالجني فيه شك أن ما يسمى بالشعر الحُر الذي يعتقد البعض أنه وليد الرقي والتطور الذي شمل جميع ضروب الحياة، وهو اعتقاد لا أساس له من الصحة، سوف يذبل ويضؤل محياه يوماً ما لا محالة لأنه «غريب عن اللغة العربية، غريب عن دار الإسلام، وسيظل الشعر العربي شريفاً بأوزانه وقوافيه، “وسيزورّ الناس عن «أدونيس» الذي زعم انتهاء عهد الكلمة الغاية، فالكلمات أفرغت من معانيها الموضوعة مسبقاً في المعاجم أو على الألسنة بعد أن استقر في خلده أن الشعر الحر ثورة مستمرة على اللغة، وأنه يرفع الإنسان إلى ما فوق الإنسان، وإننا به نتخطى الزمن وقيوده.”

ولكن دعونا نسأل في براءة قبل أن نصل إلى خاتمة هذا المقال عن عبدالله بن لحَيٍّ (الشِّعرِ) الذي لا يلحق به نظير، أو يوجد له مماثل في الجناية على هذه الأمة، ذلك الرجل الذي شغفته تماثيل الغرب العجفاء، وترانيم شعره الشوهاء، فنقلها دون أن يشغل ذهنه، أو يُعمل فكره الذي كان قمينًا بأن يعصمه من الزلل في مردود ذلك النقل، ذكر لنا الدكتور عدنان النحوي أن تلك الهيعة المنكرة تنسب إلى أربعة من أساطين الشعر الحُر دون الجزم بمن كان له قصب السبق في ذلك.

ولكن الشيء الذي أكاد أجزم به أن أحد هؤلاء الأربعة الذي قارف كل محرم في اللغة والأدب قد فتح باباً دخل منه الشر المستطير، قبل أن ينكص جلهم عن رأيه، ويعلنوا توبتهم، ويذيعوا حوبتهم، التي نتضرع إلى الله أن تقبلها أداة بياننا، ومقوم وحدتنا، وأن تتغاضى عن هنات بنيها الذين علقتهم أوهاق المنية، ودُكّ عليهم التراب.

هؤلاء الأربعة هم: نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وعبدالوهاب البياتي، وعلي أحمد باكثير! هؤلاء هم من مضوا بقافلة الشعر الحر في صحراء العرب بعد أن رسخ في دواخلهم أن عوامل الزوي والبلى قد نالت من الشعر العمودي، وأن الأوان قد حان لبزوغ فجر جديد من الأدب والشعر، يؤكد ذلك قول نازك الملائكة التي كتبت رسالة إلى الدكتور محمد مصطفى هدارةمؤرخة بتاريخ 18/2/1950م تقول فيها: “إني أتمنى لو تعاون الشعراء الشباب المثقفون في البلاد العربية جميعاً على دك جدران هذه القلعة العتيقة، قلعة القافية، فلن يكون لها أثر سوى مد عصر الظلام عاماً أو عامين أو قل عشرين على الأكثر”، قبل أن تبدل رأيها الذي أفصحت عنه في كتابها “قضايا الشعر المعاصر”، إذ ذهبت إلى أن القافية ركن مهم في موسيقا الشعر الحر، لأنها تحدث رنيناً، وتثير في النفس أصداء، وهي فوق ذلك فاصلة قوية واضحة بين الشطر والشطر، كما قالت في موضوع آخر: «ينبغي أن لا يطغى الشعر الحر على شعرنا المعاصر كل الطغيان، لأن أوزانه لا تصلح للموضوعات كلها بسبب القيود التي تفرضها عليه وحدة التفعيلة، وانعدام الوقفات، وانعدام قابلية التدفق الموسيقية”.

وأقوى الآراء والدلائل تشير إلى علي أحمد باكثير الذي تسلل الشعر الحُر إلى واقعنا عن طريقه، والذي تخلى بعد ذلك عن الشعر الحر كما تخلت عنه نازك الملائكة، “فعبدالله الطنطاوي يؤكد نسبة بدايته إلى باكثير في مقالة له نشرتها مجلة الآداب البيروتية سنة 1969، وكذلك أحمد فضل شبلول في مقالته عن علي أحمد باكثير في مجلة الفيصل العدد 220-شوال 1415هـ- آذار/مارس 1995م.

ويروي أحمد شبلول قصة تلك البداية “بأنها كانت تحدياً من باكثير لأستاذه الإنجليزي الذي كان يدرسه اللغة الإنجليزية، والذي عزا البراعة في الشعر الحر ونموه للإنجليز، وأن نموه كان محدوداً عند الفرنسيين، وأن اللغة العربية لا يمكن أن ينجح فيها هذا اللون من الشعر. فغضب لذلك باكثير وناقش أستاذه، وقال بأنه لم يظهر الشعر الحر في اللغة العربية، ولكن لا يوجد ما يمنع وجوده، فنهره أستاذه، كما يروي شبلول، متحدياً.

فاختار باكثير من مسرحية “روميو وجوليت” مشهداً عالجه بالشعر المرسل، ثم ترجم المسرحية كلها، ثم صدرت بعد ذلك بعشر سنين سنة 1947م.

إنّ أغلب الشعر الحُر ملتوٍ وغامض وغارق في لجج المبهمات، لأنه ليس ربيب تطور في اللغة التي تعاورتها الألسن بانبهار، وتداولتها القرائح بافتخار، وسعت جحافل البشرية لمطالعة كتابها الذي ترابطت أجزاؤه، وتلاحمت صوره، والذي جاء عرضه الشائق، وبيانه الرائع باللفظ المعجز الذي وُشِّح بالجزالة، وسُدِّد بالأصالة، وبالمعاني الدمثة التي تنزهت عن شوائب اللبس، وخلصت من أكدار الشبهات، وإنما كان ثمرة ردود فعل نفسية عند بعض الأفراد، في مرحلة ساد فيها القنوط من كثرة الجنود الذين يصولون في بلادهم، ولا تربطهم بهم صلات قربى أو علائق صداقة، تلك المرحلة التي لم تكن فيها ديار العرب آمنة من كل سوء، أو متحصنة من كل فتنة، وبعد أن انجلى الكرب، وغادر الغاشم، تلقف ذلك السم الزعاف الذي أوهى به الغرب بنية الشعر العمودي التي تخونتها العلل، وتداعت إليها الأسقام، رجال تربطهم علائق ود شفيف باليسار، ويدعون بكل صراحة إلى الخنا والشنار، دون أن يصيبهم ضيم أو أذى، أو تلحق بمذهبهم الذي لا يجوِّد المعاني، أو يروِّض القوافي؛ فاجعة أو مكروه.

 

الطيب النقر

 

 

صالح الرزوقهربيرت جيرماك*

ترجمة: صالح الرزوق


المشكلة الأساسية التي تواجه قراء قصص كافكا القصيرة هي تزايد التفسيرات التي يجب التعامل معها. ومن بين المقاربات العديدة التي تواجه القارئ هي افتراضات السيرة الذاتية. وتدعي شروح كافكا أن أعماله ليست مجرد تأملات في توتر حياته نتيجة الاستقطاب بين العزوبية والزواج، أو، من مستوى آخر، بين الشك وطبيعته الدينية. بل هي أكثر من ذلك ولو قليلا. وربما يصح أن نرى أن عددا قليلا من الكتّاب آمنوا بذلك. فقد قال كافكا: “كتاباتي هي عنك / الإشارة لوالده/. وفيها أنا أعبر عن الأحزان التي لم أتحرر منها حينما كنت في أحضانك” (من رسالة لوالده). ولكن من غير المجدي أن نعتبر أن مصادر اضطرابه في الحياة قد تغلغلت في روح كتاباته بهذا الشكل الفاضح. وإن عدم افتتان كافكا بوالده، ثم كراهيته له في النهاية، كانت محرضا للكتابة. وهذا لا يوضح أسباب فتنة كتاباته ولا تخبرنا لماذا كان يكتب بالأساس. أما المقاربة النفسية أو النفس اجتماعية لكافكا فتتجاهل لحد كبير مضمون أعماله وتوظف “اكتشافاتها” المزعومة، بعد الفحص السريري للنصوص، وكأنها مفتاح لحل ألغاز عالم كافكا. نحن نعلم أن كافكا كان مطلعا على أفكار سيغموند فرويد (وذكر ذلك صراحة في مفكرته، بعد أن انتهى من كتابة “القضية” عام 1912). ونعلم أنه حاول أن استخدم الرموز الفرويدية ليعبر بها عن مشكلته. وهذا يبرر لنا الاستعانة بفرويد لقراءة. لكن هذه المقاربات تجاوزت عالم كافكا، وتحولت إلى تطبيقات عملية هدفها الأول رموز فرويد. مع أن فرويد نفسه حذرنا من ذلك قائلا: إن تحليل الجوانب الفنية من أي نص ليس جزءا من مدرسته. وهناك تفسير اجتماعي، ينظر لأعمال كافكا على أنها مرآة للوضع التاريخي والاجتماعي الذي كان يعيشه. ولكن بهذه الطريقة لم يعد السؤال هو عن ما قاله كافكا حقا، بل عن أسباب قوله. ويشترك التفسيران الاجتماعي والنفسي بافتراضات مغلوطة تتوهم أن اكتشاف المصادر الاجتماعية أو النفسية لخبرات الفنان تحجب المعنى المرجو من الظاهرة الفنية.

ضمن الاتجاه الاجتماعي بالتفسير، وهو واحد من أهم الطرق، كان الحكم على نتاج كافكا يأتي من خلال درجة مساهمته بتطوير المجتمع. وباتباع الإملاءات الماركسية اللينينية يجب أن نؤمن أن الفن يعمل كأداة لفهم حركة الطبقات في المجتمع. وهذا النوع من التفسير قد انتشر ليس فقط في البلدان الشيوعية، ولكن أيضا بين نقاد اليسار الجديد، فأضافوا بذلك للستار الحديدي الشيوعي، ستارة براقة تخطف البصر وتشوش الرؤية. وكان النقد الماركسي لكافكا يتحرك بحركة ترددية بين نقطتين، إدانة فشل كافكا في رسم نتائج التضحية به على مذبح بورجوازيته، وبين مديح أبطاله الذين يشبهون البروليتاريا في كفاحهم. وأصبح كافكا نقطة عبور من الطبقة العاملة إلى الطبقة الثورية، وهو ما تؤكد عليه مدرسة النقد الشيوعية الرسمية. وانتقلت الفكرة إلى “التقدميين” في الغرب، وأصبح من المعروف أن كافكا ألف كراسا خصصه للأزمات العمالية. وفي حوار مع صديقه يانوشا امتدح كافكا الثورة الروسية، وعبر عن مخاوفه من أن تقود نبرته الدينية إلى حملة صليبية جديدة تزهق فيها أرقام مرعبة من الأرواح. ولكن بالتأكيد إن أي دارس لكافكا يمكنه أن يصف الرعب الناجم في كتاباته من جراء بروز الأنظمة الشمولية بالتدريج (كالنازية في ألمانيا) دون أن تكون ممهدة للشيوعية، وهذا ما يؤكد عليه النقد الشيوعي هنا وهناك. ويمكن لنا أن نقرأ “القضية” وكأنها قصة التضحية بـ ك على مذبح النازية (ثلاث من أخوات كافكا متن في معسكر إبادة). واليوم يمكن أن ترى أن كافكا نجح في رسم الرعب الكامن والصامت للنازية وبدرجة عالية من الإقناع. ولكن لا يمكننا أن نتجاهل أو نهمل حقيقة أن كافكا، كان في النهاية، شاعرا. ولتكون شاعرا يجب أن توفر شكلا من اشكال التعبير الفني للوضع البشري المتنوع بكل مستوياته وعبثيته. وأن تنظر لكافكا على أنه ثائر اجتماعي وسياسي لأن قصته “طبيب الأرياف”، على سبيل المثال، أو لأن مساح الأراضي في “القصر” هي بحث عن تبديل قدر أبطالها من خلال التورط الطوعي، وليس الضغط الخارجي، يودي بنا لتشويه هوية كافكا الكونية، وذلك فقط لكي نضعه ضمن إطار إيديولوجي معين.

لقد ارتبط بقوة، مع التفسير الماركسي للتدين في قصص كافكا، محاولات لاتحصى ذات اتجاه فلسفي وديني حاولت فك رموز بناء عالمه. وتراوح نطاقها من النقاش الثيولوجي المعمق إلى التكهنات المجردة. وبما أن طبيعة كافكا الدينية هي موضوع معقد وخلافي ويحتاج لدراسة منفصلة، جاء اهتمام النقاد عاجزا، مثل عجز تحليل زملائهم الاجتماعيين والنفسيين. فقد نظروا لكافكا ببساطة وكأنه فنان. ولكن اشتركوا جميعا بقناعة واحدة: أن “المعنى الحقيقي” لكافكا يتركز في خرافاته ورموزه. وعليه يمكن التعبير عنه بشكل أفضل بطرق هو شخصيا تحاشاها لسبب أو آخر. وافتراضات هذه المقاربة موجودة في فكرة ثابتة: أن الفنان يعتمد على الفيلسوف ليترجم مواقفه الغامضة بشكل مصطلحات منطقية. وكل هذا لا ينفي إيحاءات عقل كافكا ذات الطبيعة الدين/فلسفية، ولا استغراقه بالسؤال النهائي حول الوضع البشري. فهو عاش وفكر وكتب بصور وليس بشكل بنية مفهومات “مشفرة”. واعتقد كافكا نفسه أن قصصه هي مجرد “نقاط تتبلور” عندها مشاكله: بيندمان، سامسا، غراكوس، فنان الجوع، طبيب الأرياف، جوزيف ك في القصر، كل هذه الشخصيات هم مثقفون وفنانون لهم علاقة قرابة دم بكافكا، ولكن هذا لا يسمح لنا أن نختزل صوره بنهاياتها المفتوحة في جملة معطيات.

التفسير دائما هو موضوع حساس، وفي حالة كافكا، يكون أكثر حساسية مما عداه. وسبب ذلك أن أعماله: 1) تهاجم أساسا القوانين غير المفهومة التي تحكم حيواتنا. 2) تصف الدراما الإنسانية التي تجري في مسارها على عدة مستويات متشابكة عشوائيا، وهذا يقرب أعماله من موضوعه الكوني. و3) منهمكة تماما بحساسية من درجة عالية، وتستجيب بعدة طرق مختلفة لمواقف متشابهة وعلى فترات مختلفة. والجانب الأخير على وجه الخصوص يشير للتفكك والانحراف عن العقل ويؤكد على جوهر قصص كافكا غير العقلاني والمتكرر. وتقف صور كافكا، وهو ما لم يحاول ماكس برود أن يتكلم عنه، لأجل نفسها وفي نفس الوقت لأجل شيء ما لا يمكنها أن تصل له.

هذه المصاعب قادت عددا من الأكاديميين ليدعوا أن كافكار نادرا ما فكر بأي شيء خاص ومحدد في قصصه. ومن هذه الزاوية، لم يبق غير خطوة صغيرة للوصول لموقف “ نسباوي” يؤكد أن كل تفسيرات كافكا متساوية بمعانيها. وبهذا الخصوص، يمكن للمرء أن يقول أن “لا تفكر بشيء محدد” يتساوى فعليا مع أن “تفكر بعدة أشياء في وقت واحد”. وفنية كافكا، جوهريا، قادرة أن تنجز ذلك بأتم صورة. إنه شيء غريب. لكن بعد إعادة النظر في أعمال كافكا ومن زوايا مختلفة، نرى أننا غير جاهزين لتكوين نظرة نسبية كلية، وإنما بين أيدينا ضمانات تجعلنا واعين بعدة مستويات تتركب منها أعماله.

وبالرغم من الفروقات العديدة بين المقاربات التي تناولت كتابات كافكا، توجب عليهم جميعا في النهاية التعامل مع عالم مغلق ومتنسك. وكل شيء عبر عنه كافكا عكس به نفسه المعقدة وهي في وسط فضاء اجتماعي وسياسي متبلور، وهذا الانعكاس كان مكسرا ومشوها وملقى على أطراف عقله التحليلي. وعليه إن الناس الذين قابهم أبطاله والذين نراهم بعيونهم ذاتها ليسوا “حقيقيين” بالمعنى النفسي، و ليسوا “حقيقيين” بالمعنى الإمبريقي، وليسوا “طبيعيين” بالمعنى البيولوجي. وعلامتهم الوحيدة المميزة أنهم وجود شيء “مخلوق”. وفي إحدى المناسبات قال كافكا لصديقه يانوش:”أنا لا أرسم رجالا. ولكن أروي حكاية. وهؤلاء صور. صور فقط”. وقد نجح في تصويرهم بما يكفي من المادية، ثم طورهم لمستوى رموز حية وخرافات، وهذا هو سر فنه.

إن قصص كافكا لا تغرينا بتحليلها على محور الفانتازيا ضد محور الواقع. فالعالم المتبدل والمعزول يتكشف أمامنا، ويظهر لنا بشكل عالم تحكمه قوانينه ويطور منطقه. وهذا العالم هو عالمنا وفي نفس الوقت هو ليس لنا. وصوره ورموزه مأخوذة من عالمنا الظاهراتي، وأيضا إنها تبدو منتمية لمكان آخر. ونحن نشعر أننا نصادف أشخاصا نعرفهم ومواقف عشناها في حيواتنا اليومية. أضف لذلك إن هؤلاء الأشخاص وهذه المواقف تبدو بشكل ما اغترابية. إنها حقيقية وملموسة، وكذلك هي ظلامية كئيبة وتجريدية. وهم يستعملون لغة متقشفة محرومة من البريق وذلك للتأكيد على تواصل له معنى فيما بينهم، ولكنهم يفشلون في مسعاهم، ويمر الواحد بمحاذاة الآخر مثل قوارب في ضباب كثيف. وهذا الضباب، مجال سريالي (فوق واقعي)، لديه شيء مقنع فيما يختص به. وعليه تتشكل لدينا مشاعر مشحونة تشير أن أناس كافكا يقولون شيئا له دلالة حتمية ولكنه أيضا، في نفس الوقت، من المستحيل لنا أن نستوعبها.  

وفي نهاية المطاف، يبدو القارئ أمام خيارين لـ “قراءة” كافكا. الأول أن ترى عالم كافكا مليئا بالخرافات والرموز، ومجسما ومشوها بالفانتازيا (ولذلك هو أكثر حقيقية لدرجة لامتناهية)، عالم يواجهنا برؤيا حلمية عن وضعنا. والثاني أن تتخلى عن الادعاء أنك فهمت عالمه، وأن تكشف نفسك لمحيط يحاصرك بالقلق اللجوج، والرؤى العبثية، و- أحيانا - بأمل موعود لكنه باهت.

 

.........................

* محرر في موقع CliffsNotes

 

 

عدنان عباس

تنبع قراءتي النقديّة لهذه القصيدة من اهتمامي بقصائد الطبيعة وسواها للشاعر هاتف جنابي، وفردانيّته في رسم علاقة من نوع خاص بينه وبين الطبيعة، هذه العلاقة التي شغلت مكانًا بارزًا في شعره، انطلاقًا من تجريبه الاحترافي على امتداد خمسين عامًا. ومن المثير للانتباه في هذه القصيدة أنّها مكتوبة في زمن استثنائي تقوم فيه جائحة كورونا بزرع الإحباط والدمار والبشاعة، في الوقت الذي يبرز خطاب الشاعر فيه بالانتصار للأمل والبناء والجمال عبر التفاعل مع الطائر ومحاكاته له.

تدخل قصيدة (محاكاة الطائر في زمن كورونا) في حقلين متوازيين يتّكئ أحدهما على الآخر- الشاعر (قصيدته) والطائر، وبمسندين متناظرين- تصويري وزمني، هما محاكاة الطبيعة (الطير) وزمن كورونا. يطلق الشاعر نصّه الشعري في يومنا الحالي والإنسانيّة مفجوعة بمفاجآت الوباء المرعبة بدون سابق إنذار، وحيرة الناس تخرج عن حدود المعقول وتنتشر على مساحات متضاربة من التعليلات، والساسة المتسلّطون يتبارون في خذلان الإنسان والبيئة بانشغالهم في انتزاع المواقع والمكاسب بطرق ملتوية. تحتقن مفردات النص ألمًا لتتّخذ موقفًا في هذا الزمن، الذي ينهض فيه طاغٍ من بين الركام، يتشكّل بفيروس كورونا، ليتماثل في طغيانه مع من تضخّم هوسه بالحرب والظلم والقمع والسرقة والجهل وتخريب الطبيعة وامتهان كرامة الإنسان.

هناك بعدان في هذه القصيدة المكثّفة بدلالاتها الرمزيّة ومغازيها، متمثّلان بالتصوير والتوصيف، يعمل أحدهما في ضوء متطلّبات الآخر ويضيئان على شريط واحد يثير فضول الناظر بالتصريح أو التلميح، تدور لقطاته في زمن محدّد بكورونا، متواتر بآخر مفتوح هو زمن القصيدة – الإنسان والطبيعة. ينظّم هاتف أيضًا فضاء أحد مقاطع النص هندسيًّا، وبنية هذا النص وأفكاره وغايته كي تتناسب وغاية الطائر وهو يرتّب حركة انطلاقه للتحليق بجناحيه الخفّاقين، ويقيم علاقة محوريّة بين العناصر الفرعيّة للمشاهد المتناظرة أو المتقابلة في السياق العام، وبين الوشائج الجامعة لها عبر استعانته بالطبيعة وتصوّراته في زمن غير طبيعي. نلاحظ في هذه القصيدة تركيبًا للمعاني المحسوسة أو الملموسة في المشاهد الشعريّة، ونتابع فيها  أفعالًا وصفات وأحوالًا مبثوثة في هذا المشهد أو ذاك أو هذه الصورة أو تلك، حسّيّة أكانت أم معنويّة، أم تشخيصيّة بأنسنة المحسوس والمجرّد، في ضوء طاقات لغة النص وصياغته، ومحاكاة الطائر في زمن فجائع "كوفيد" – ويبقى الأدب أسوة بالفن بعد ذلك تصويرًا أو "محاكاة للطبيعة" في رأي أرسطو.

غالبًا ما تتحوّل الطبيعة عند الشعراء إلى عالم يلوذون به للخلاص والحرّيّة، أو الهروب إليه من المدينة والضوضاء والنفاق والاستغلال والقوّة الغاشمة، ولطالما وصفها الشعراء القدماء، وتفاعل معها الرومانسيّون لاحقًا بالمعايشة والأمومة، وتجسّد معها الصوفيّة بالإشراق والعرفانيّة، وبحث فيها الرمزيّون عن دلالات لمعلم من معالمها أو لطائر من أطيارها، وربطها الواقعيّون بأحداث الحياة، وتاه فيها الوجوديّون وهم يبحثون عن حرّيّتهم ومحاولاتهم كشف نواميس الوجود وأسراره، واستغرق العبثيّون بتعليلاتهم وهم يمضون فيها بدلالات اللامعقول انطلاقًا من عبثيّة العالم.

الطبيعة في منظور هاتف سواء في هذه القصيدة أو في العديد من قصائده ليست وصفًا عابرًا، بلْ تأمّلات إنسان وتجلّيات شاعر ينظر إليها كعالم كائن بكونيّته ومنطقه وقوانينه، ناطق في الصمت وصامت في النطق، حافل بالمادّيّات ومتألّق بالروحانيّات، شفّاف بالجمال ورقيق بوجدان مرهف، وصديق حميم في أوقات الوحدة والشقاء، غني بمغازيه، وأمين في حفظ الأسرار، متفاعل مع معاناته كشاعر وإنسان، ومتماهٍ مع مداده، وحافظ لطموحه.

الطبيعة في هذا النص تجهر بالطائر "الناطق" وتغرّد بألحانه، يحاكيها الشاعر في بحثه عن مملكة فيها لا يسعى إليها إلّا المتفهّمون منطقها والهائمون في ظلالها الوارفة وسواقيها الأنيقة وغاباتها الأليفة، وبحارها المعطاءة، والصادقون مع كائناتها، لا تقوى جائحة كورونا على اختراقها بهذا الشكل الذي اخترقت فيه البشر، وإنْ لم تسلم من أضرارها، ولا يتوسّد مرجها إلّا من يعيش لحظات الشدو في آفاقها، حيث يتعثّر صخب فيروس "كوفيد" أمام اخضرار حقولها وخرير مياه أنهارها، ويتقهقر ترجيع صداه في وديانها، حتّى وإنْ تعرّضت إلى عدوانه. لا تسمع زقزقة إلّا بأطيارها، ولا تحسّ بحركة صائتة إلّا بتصفيق أجنحتها وهي تحلّق في كونها، وتحدّد بخيارها اتّجاه حلّها وترحالها. لا يمكن "التحرّش" بالطبيعة في نص هاتف إلّا بهدف إرضاء جاذبيّتها والتماثل معها، ولا يمكن تجاوز رهافة حسّها إلّا باحترام نواميسها، والعناية بسلامتها، ولا يمكن اللحاق بمدياتها إلّا بـ"منظور" الطير. للطبيعة جنـّتها التي تحاول الجائحة اختراقها بأشباحها، ويسعى أعداؤها إلى إيلامها، لأنّ هذه الطبيعة تحترس مثلما يحترس طائرها في الفضاءات، لا تستسلم لأقدار خارجها بسهولة. يجتمع فيها المادّي وما وراءه برياضة عرفانيّة تشرق فيها النفس بالارتقاء، وتتسامى وإيّاها القصيدة بأجنحة المفردات، ويستأنس منطق الشاعر بمحاكاة منطق كائناتها، وطيرها على وجه الخصوص.

تتعامل هذه القصيدة مع هذا الكون "الطائر" بلغته ومنطقه بشكل يليق به في زمن عصيب، وتحاكيه بمفردة الأمل والحياة معًا، وتتعاطف معه من أجل الحفاظ عليه وبلوغ زمن خالٍ من الهلاك، لا يقوى فيروس كورونا على كسر هيبة الطبيعة، وإنْ لعب على حبال الوقت وصبرها وصبر الخليقة، ولوّح مفتونًا بشروره، فالطبيعة، بخلاف كورونا وأدران الواقع، تعني النقاء والصفاء والتطهّر، ورفض بشاعة التلوّث الموبوء بالعسف والقهر والتخريب والنفاق. يرتقي هذا المنجز الشعري القصير لهاتف بالوعي كالطائر، وينطق بقيم وأفكار متميّزة تتعانق مع الطائر والكون في صراع مع الغث والسكونيّة والجهل بأسرار الطبيعة. لا يتلاشى انتشار هذه القصيدة حتّى وأنْ أوجعها النزيف اليومي، ولا تركن إلى الإحباط إزاء الخلل الإنساني وخلل كورونا على السواء، لأنّها مشحونة بالأمل، وهي تخفق بمفرداتها كالطائر لاختراق زمن الغيم الأسود بالفيروس، الذي يحاول إيذاء العالم والطبيعة.

يمكن تفكيك مفاصل هذا النص في أربعة مواضع وفقًا للتناغم الحاصل بين وشيجتي المعاني بمغازيها والشعريّة بجماليّتها، ووشيجة العنوان التي تتشكّل في مشهد ذي لقطتين - الطائر وكورونا، في الوقت الذي تتوالف هذه المفاصل فيما بينها بوحدة عضويّة تجمع ما بين عناصر النص. تظهر حلّة هذا النص الإيقاعيّة بوحدة التفعيلة عبر تدوير التفعيلات من بحر صافٍ هو الكامل بزحاف الإضمار في "متفاعلن"،  وبطربيّة تتلاءم وزمن التهويدة التي أشار إليها في خاتمة النص، وكأنّ الشدو يسترجع نغماته بهذا الإيقاع رويدًا رويدًا. تجتمع تلك المفاصل فيما بينها مع العنوان بمنطق يعبّئ الشاعر فيه أفكارًا لمنطق آخر يرتبط بالطائر، فالشاعر والقصيدة والإنسان، إزاء زمن كورونا، ويفصح عنه بدلالات الإصرار على الحياة، ولكن أيضًا بمفارقات وصدمات الرعب والألم والحجر والتضييق الذي يخلّفه "منطق" هذه الجائحة. يشرع هاتف في التحليق بكلمات نصّه بلغة الشاعر ومنطقه، الذي هو في النهاية منطق القصيدة والإنسان، ويجول في مفاصله، راسمًا مشهدًا هنا، ومضيئًا لقطة هناك، محاكيًا الطائر في منطقه في الوقت نفسه.

يؤنسن الشاعر في المفصل الأوّل الطائر كطبيعة حيّة، ويشخّص فيه حفيف الريح وصوت الرعد والبرق، وبذلك نكون إزاء مشهد صوتي معرّف بلغة يتراسل فيها الطائر مع لغة أقرانه في السرب، فللطائر منطق في حركته، ويبقى هو "الأسمى" والأكثر رفعة بالمفاضلة، وهو أسوة بالعناصر الأخرى من مخلوقات الطبيعة يتحرّك على وفق منطق يتوافر بعناصر غير قليلة، منها البحث عن طعام أو ماء أو موطن. ويبدو هذا المنطق المعقول أقرب إلى الكمال، إذا ما قورن بمنطق الإنسان المحدودة طاقاته على الرغم من محاولاته التجريبيّة الكثيرة للطيران عبر التاريخ، فمنطق الطير يتماثل مع منطق الإنسان ويختلف معه - يتماثل في الرغبة بالانطلاق والحرّيّة، ويختلف عنه بالنواميس والسخاء والقدرة على التواصل. كما أنّ منطق الطائر كمنطق الشاعر في قصيدته، يختلف جذريّاً مع الهوس الذي تحاول جائحة كورونا نشره، والخلاف يتشكّل هنا بجدليّة صراع بين الأمل والجمال والانفتاح والحياة من ناحية، واليأس والقبح والانعزال والموت من ناحية أخرى. هناك إذًا مقاربة بين منطق الطائر ومنطق الشاعر، القصيدة للشاعر هي كالطائر للطبيعة، إذْ بقدر ما ينطلق الطائر في اتّجاه يرسمه وفقًا لناموس الطبيعة، تنطلق القصيدة وفقًا لما يريده ربّانها الشاعر من حيث بنيتها وأفكارها وهدفها. لقد تحدّث فريد الدين العطّار في القرن الثاني عشر الميلادي في كتابه (منطق الطير)، عن دلالة الطائر الروحاني الرمزيّة عند الصوفيّة ومغزاه، ومال الصوفيّة وأقرانهم الفلاسفة إلى تناول رمزيّة الطير، ومنهم الفيلسوف ابن سينا في (رسالة الطير)، كما تعامل الشعر العربي القديم مع الطير رمزيّاً.

من جانب آخر، بقدر ما أنّ هناك حاجة إلى التعامل المنطقي في كتابة الأعمال الإبداعيّة لكونها تعكس منطق أصاحبها، أو النظر لكل عمل منها عبر منطقه ومسوّغات كتابته، وتشكيلاته الهندسيّة في بناء فضاءاته ورسم مشاهده وعرض أفكاره، فإنّ قصيدة هاتف وهو يحاكي الطائر فيها تعكس بلا شك منطقه كشاعر وهو يتعامل مع منطق الطائر على وجه الخصوص، ومنطق الطبيعة على وجه العموم. نلاحظ في المفصل الأوّل من هذه القصيدة أنّ الشاعر يتناول الطبيعة بطرفيها – الحيّة وغير الحيّة، في ضوء التفاعل بين الطائر والريح والرعد والبرق، في الوقت الذي يرسم مشهدًا تصويريًّا ذا دلالات، يجعل فيه الريح تعانق صوت الرعد والبرق وهي تقوم بإسناد الطائر عند تحليقه في الفضاء، وهذا الأمر في الواقع جزء من منطق الطبيعة المتناغم مع نفسه وعناصره، ومنطق الطائر وهو يحلّق متوجّهًا إلى مقصده. يضيف هاتف كذلك مشهدًا آخر بأسلوب المقابلة في إضاءتين: الشدو بالصمت، والصمت بالسمع، راسمًا بذلك صورة لهذين المشهدين - التمتّع بالسماع والتلذّذ بالصمت، ولقطات تتعلّق بحركة الطير، وصوت "حفيف" الريح وصوت الرعد والبرق، ليضيء كل ذلك على شريط واحد، تسمع فيه شدو "لغة" الطير.

يستمر هاتف في المفصل الثاني، باستخدام التشخيص في مشاهد جديدة، وكأنّه يحاكي فيها الطائر في منطقه وحركته ومهمّاته، هذا الطائر الذي يوجعه كلام الناس بقدر ما يؤلمه ميلهم إلى منافسته بالتحليق أو مجاراته بالتحليق. توحي المنافسة من قبل الإنسان للطير أو الطبيعة بشكل عام بأنْ الإنسان يتصرّف وكأنّه يمتلك إمكانيّات تفوق الطبيعة، بدون أنْ يأخذ بنظر الاعتبار الأضرار التي يمكن أنْ يخلّفه غروره للطبيعة (الطير) بسبب هذه المنافسة، وخصوصًا إصراره على التنافس مع الطير بالوسيلة التي يرتضيها ويحدّدها، بدون أنْ يحسب حسابًا للإمكانيّات الكبيرة للطير في حركة الكون، فالإنسان حتّى وإنْ حاول فإنّه يعجز في النهاية عن منافسته في هذا المجال. قد تحاول القصيدة المسالمة للطبيعة التحليق رمزيًّا بمفرداتها وأفكارها كالطائر من خلال طاقات الشاعر الفاعلة وهو يسعى لاكتشاف عالم واعد بالأمان، مثله مثل الطائر وهو يبحث في هجرته عن موطن يلوذ به بأمان من أخطار تتربّص به من قبل بعض البشر، ولكنّ هل باستطاعة الشاعر بلوغ ما يبلغه الطائر في تحقيق ما يصبو إليه في هذا الكون؟ لا شك أنّ الشاعر المؤمن برسالته يحاول التجريب، والمضي قدمًا بقصيدته إلى أمام بغض النظر عمّا يعترض سبيله من مصاعب أو مطبّات، راسمًا طريقها بالفكرة والجمال والأمل، وقوّة الطبيعة (الطائر) حتّى وإنْ لم تتقاسم هذه الطبيعة وإيّاه كل الصفات.

بين الجناس غير التام في مفردتي "التناغم والتنافر" واختلافهما، وعلى وقع الأصوات في صفق الأجنحة بمفردتي "التحليق والخفق" يكتمل منطق الطيران وتنتظم قوانين الطبيعة، مثلما يكتمل منطق القصيدة بنواميس الصياغة ومعاني المفردات، وتخفق حروفها بانطلاق أفكارها في محاولة لمجاراة الطائر في تحليقه. تتوقّف هذه المقاربة على عدد من العناصر ولاسيّما توافر طاقة الاختراق بالموهبة ووضوح الرؤية والإصرار على الوصول إلى المبتغى بدون الالتفات إلى الوراء كما هو واضح لدى الشاعر، فضلًا عن وقاية قصيدته من أوبئة الصياغة النصّيّة، وأفكارها من لوث المعاني الهابطة، وصيانة مفرداتها من حجر المعاني وهبوط المغازي، وقيادة زمام قصيدته بروح الأمل والتفاؤل والحياة وعدم القنوط، وتفادي تحوّلها إلى وعاء يحوي فيروس الهاوية ككورونا الحاملة فيروس الوباء. تبرز في هذه المنظومة أيضًا عمليّة توازن بين الشدو والترجيع النغمي في قوله "ومن تغريده لِينٌ وفي ترجيعه نغَمٌ"، أي أن الإنسان في "حسده" للطير يطمح أنْ يصل بالتمنّيات والأحلام إلى ما يبلغه (بشدوه) الطائر "على إيقاعه نشدو"، مثلما يطمح الشاعر أنْ تكون قصيدته كذلك. وبقدر ما للصوت هنا من محدّدات لمستوى الغناء "الشدو" وأشكال النغم والتراسل بين هذه الأصوات في حالتي الشدو والترجيع، فإنّ الإيقاع يبرز بجلاء في التغريد وترجيع النغم باللين الانسيابي لا بالشدة والشدّ المفتعل، وفي هذا الإطار يمكن اعتبار الشدو بهذه الطريقة أحد المشاهد الموسيقيّة في النص. وتبدو المقاربة بين الإنسان والطائر في "فشلنا في تناغم خطونا حتى تنافرَ مستوى الصوتِ" متنازعة العناصر بسبب فشل الإنسان في تقدير مدى يقينيّته بقدرات حركاته أو خطواته إذا ما قورنت بيقينيّة الطائر والطبيعة، ومدى تناغمه مع نفسه وهذه الطبيعة، بسبب عثراته وتباين مواقفه وأفكاره حتّى وهو يحاول القيام بالكشف والاكتشاف.

يصوّر الشاعر في المفصل الثالث طاقات الإنسان ومحاولاته التجريبيّة المتكرّرة، ولكنّها على سعتها وكثرتها، لا تقارن بقوّة الطبيعة ولا تصل إلى مسألة تماثل هذه الطبيعة مع ذاتها، كما تبدو محاولات الإنسان قاصرة نسبيًّا، بما في ذلك مواجهة فيروس كورونا أو الاحتياط له أو توفير مستلزمات الوقاية منه، أو الوقوع تحت تأثير "إغراءاته" بغرور تحدّيه بالجهل والشعوذة واللاأبالية. يرسم الشاعر في صورة أخرى، مشهدًا يتمّ فيه توزيع مفردات الفعل الإنساني، مثلما هي مفردات الفعل الإبداعي، من خلال رمزيّة البرزخ – أي الحاجز الفاصل بين شيئين أو بين واقع مادي وما هو وراءه، ويدل كحد للعبور إلى عالم يقي الإنسان أو الكائن من عوادي الدهر وفساد الزمن وشرور كورونا. يقوى الطين (الكائن) بفعل تفاعله مع الطبيعة (الشمس) وتفاعلها معه بما تهبه انطلاقًا من منطقها، ويتشكّل مشهد من خلال "تأوّهات" الشمس و"آلامها" - معاناتها التي تفرز طاقة فعّالة لفخار هذا الطين كي يتصلّب، ويقوى البرزخ به، ويمكن أنْ يتكوّن هنا مشهد فنّي آخر يعزّز من قوّة السياق، يعكس تراسلًا بين صوت أنفاس الشمس الحارّة ولونها الذهبي الذي يشع على ما حوله، ويخلّف أثرًا قويًّا في الوقت نفسه. كما يعرّج هاتف في هذا المجال على "غريزة" القوّة القائمة على التخريب لدى الإنسان، وميله إلى التسبّب بآلام الطبيعة من تصحير الغابات إلى قتل الحيوان ومطاردة الأطيار وتجفيف الأنهار وتسميم الأجواء والبحار بالنفايات والمخلّفات، وتدنيس الأرض وتلويث الهواء والبيئة على وجه العموم. يشير إلى قطع الأشجار إربًا إربًا، وشقّ أو إزالة ما تصل إليه يد الإنسان بـ"العزق" بآلات القطع المعروفة "المنشار والفأس"، بحيث يبدو وكأنّ صوت حركة المنشار وضرب الفأس يعبّر عن أنين الطبيعة وهي تتحمّل عذاب هذا الفعل غير المسالم، بدون أنْ يشعر الإنسان بهذا العذاب الذي يمكن أنْ يتسبّب فيه للكائنات الأخرى غير البشريّة. يبرز ذلك في مشهد بصري تتناوب على شريطه "المغارب وارتعاشات الندى"، يولّف فيه الشاعر بين حاسّتين أو أكثر: البصر بدلالة "مرأًى" المعبّر عن زمن غروب الشمس، والصوت أو حتّى اللمس بدلالة "ارتعاشات" الندى الصباحي. وبقدر ما يربط بين المرأى والارتعاشات، فإنّه يجمع بين زمنين متمثّلين بمغرب الشمس، وانبلاج الفجر أو الصباح بالندى. يمكن القول إنّ، هاتفًا يضعنا أمام جدليّة تتمثّل بالصراع بين التعايش مع الطبيعة واحترام كينونتها والسلام مع مخلوقاتها من جهة، وبين قصديّة الإنسان غير المسالم بإعمال الهدم والتخريب عبر سلسلة أفعال عدائيّة "فيروسيّة" متواصلة ضد الطبيعة المسالمة من جهة أخرى، وخصوصًا في زمن يستبد فيه الضالعون في العسف واللاعدالة، وعنصر آخر مهووس بالأذى هو فيروس كورونا. يدخل الشاعر في صراع مع البشاعة والقبح والهدم، ويستفز مفردات قصيدته لتحديد موقف إزاء هذا التناقض الإنساني الذي "يستقوي" فيه الإنسان بالليالي الساهرة بدهاليزها المكفهرّة وظلامها المخيّم على الأرجاء لتدمير ما حوله بطرق مختلفة كتخريب الطبيعة والجمال، ونشر الحروب والكراهية والقبح، وما قام هو نفسه ببنائه بالتعب والمعاناة مع سبق الإصرار، بلْ والاستقواء بإمكانيّاته من أجل تسخيرها لمهمة غير تلك المهمّة الإنسانيّة التي يجب أنْ تكون عليه، الإنسان يبقى إذًا مخلوقًا مجبولًا على المكابرة على الرغم ممّا تهبه الطبيعة من طاقات ومنافع، ويسعى إلى الهدم واللامبالاة. وكنت أفضّل لو أنّ الشاعر استخدم صيغة المتكلّمين من الفعل "انبنى"، وذلك بسبب ورود إشارات ثلاث "بنا، نستقوي، نهدم"، وأفعال تالية لها: "نشم، نشقى، نحتمي، نغفو، نسمو، نهوي"، ولكنّ "سطوة" الإيقاع، على ما يبدو، فرضت نفسها على هذا الخيار. الجمع بين فعلي البناء والهدم في طباق، والاستقواء بالليل كصورة، والجمع بين التعب والمعاناة "الكد والدمع" دلالات انتقاليّة تدل على التحوّل من حالة إلى أخرى بمشهد فيه تتناوب فيه حركتان، حركة مضاءة بنور العمل والبناء من خلال التعب والمعاناة، وأخرى بنظيرتها المشحونة بطاقات الهدم والتخريب.

يقوم الشاعر في تحديد مشاهد المفصل الرابع بالحلم بحثًا عن الفردوس، ثم السقوط في مجاهيل المدى غير المنظور، ويضع حاجزًا بين الأمل والأمنيات والواقع، محاولًا في الوقت نفسه اختراق زمن جائحة كورونا التي تشلّ المجتمع البشري اليوم، وعدم مغادرة الأمل. يتساوق الجمال مع الحب الأنثوي المعبّر عنه بالسمرة في باطن الشفة "لمًى"، والدفء بعفويّة اللذّة والعطاء المشار إليهما بـ"النهد"، الذي غالبًا ما يتم الهروب إليه في زمن المعاناة وظروف الحجر العصيبة. نلاحظ أيضًا تراسلًا بين حاسّتين، يمكن استنتاج الثانية من السياق، بين "شم لمى الشفاه" والاحتماء بلمس النهد أو التجلّي بعطائه، كما يقوم الشاعر بالاستعانة بمتوالية فعليّة تبدأ بفعل يعبّر عن الشم وآخر يستمر بالشقاء وتنتهي بفعل يعبّر عن الاحتماء. يظهر مشهد يتضمّن لقطتين أنثويّتين، هما القبلات بدلالة الشفاه، والاحتضان بدلالة النهود، فضلًا عن عنصر زمني بـ “حين" – وهو ما يعود بنا إلى الحالة التي تخلّفه الأحداث والمآسي، وخصوصًا في زمن هذه الجائحة التي تعتمر "تاج" الموت نكاية بـ"الرعية".

يحيلنا هاتف بمصدر مرّة "تهويدة" إلى إغفاءة حالمة بالجنّة "نغفو حالمينَ بجنةٍ"، رابطًا إيّاها بالزمن كأغنية هادئة بخيالها وإيقاعها الرتيب، من أجل تلمّس مخرج من مأزق كورونا، وراسمًا صورًا تشخيصيّة بمشاهد متتالية، ففي الصورة الأولى مثلما أسلفنا تتراسل الحواس في تشخيص استعاري، وفي صورة أخرى يرسم مشهدًا صوتيّاً بالتنهيدة مع الحلم بجنّة أو مملكة نابضة بالأمل والنقاهة ومتألّقة بالحياة ووارفة بالطبيعة وشدو الأطيار، هو حلم يقترب في منطقه من منطق الطائر في الوصول إلى مبتغاه، والقصيدة إلى غايتها، أي إلى الجنة المعهودة الخالية من سيكولوجيّة الرعب والهوس النفسي. تفرز هذه الصورة مشهدًا صوتيًّا بالأغنية، حيث يعبّد الشاعر من خلاله طريقًا إلى الفردوس الذي يحلم هو والشعراء والناس به على حد سواء، أو ما تحلم فيه القصيدة لاختراق "مملكة" كورونا البشعة، إلى مملكة الجمال. يكتب الشاعر في قوله "نسمو بجنحٍ مستعار ثم نهوي" عن محاولات الإنسان للتحليق بـ “جناح مستعار" مثلما حدث في التاريخ، جامعًا بين "نسمو ونهوي" بطباق تتراوح دلالاته بين الحلم والأمل من ناحية، والهبوط والوقوع من ناحية أخرى، أي لتحديد مسافة الحلم بالأمل في المخيّلة والانهيار في الواقع وعدم بلوغ المبتغى. عندما يجمع الشاعر بين فعلين متقاطعين وجناحين مختلفين، أحدهما غير حقيقي (للإنسان) وآخر حقيقي (للطائر)، فإنّه يريد عقد مقارنة ضدّيّة بين المحاولة والواقع، والإشارة إلى تقليد الإنسان للطائر وطموحه في أنْ يصل إلى ما يصل إليه الطائر في تحليقه. يجعل الشاعر بعد ذلك للفضاء مدًى أيْ مسافة سابحة في الأفق وحدّا لا يمكن بلوغه من قبل الإنسان تمامًا، ومع أنّه يحاول سبر أسراره واستشراف قوانينه اللامتناهية، إلّا أنّ محاولاته تنتهي بالسقوط في مجاهيله، مثلما لم تنجح محاولاته القديمة للطيران. يبقى الصراع وسيلة من وسائل الشاعر في القصيدة من أجل بلوغ غايته وإنْ لم يتمكن من بلوغ مراده تمامًا على الرغم من مثابرته للسمو بمفرداته في المديات غير المنظورة. القصيدة للشاعر كالجناح للطائر، صديقة الطبيعة والإنسان، تستطيع بلا ريب لملمة جراحاتها، وتحفيز طاقاتها بالأمل، وإنارة لقطاتها بإضاءة مخرج لمّاح، تحاول اختراق المألوف العابر بالحرّيّة، والانتشار بالأفكار والمشاعر، باحثة في الأرجاء عن عالم ينطلق بحياة صحيّة كالطائر "الواثق" من انطلاقه، على الرغم ممّا يسبّبه فيروس "كوفيد" بأحابيله وغدره من مصائب للعالم، وسعيه إلى إطالة أمد إيذاء البشريّة والبيئة والاستقرار، أسوة بصنوه فيروس الجهل والعسف والكراهية.

في زمن جائحة "كورونا" ومآسيها الإنسانيّة والاجتماعيّة والنفسيّة، يبقى الأمل وسيلة الإنسان للخروج من مأزقها ودحرها وطي صفحتها، مثلما هو أمل الشاعر، بما في ذلك تفاؤل قصيدته وعدم استسلامها للرعب والسكونيّة. لقد استطاع الشاعر هاتف في محاكاته للطائر في هذا النص، على قصره، من ربط مفاصله بمتواليات حركيّة، وتحفيز دلالاته الرمزيّة بصور مرسومة بعناية، محترسًا من الوقوع في دائرة مفردات التخاذل والهوس والعدميّة التي يفرزها زمن الأوبئة، كما أغناه بمفردات الأمل بتجاوز الكارثة كالطائر وهو يبحث عن فضاء يسبح فيه دون خشية، أسوة بطموح الإنسان لاقتحام الكون بوعيه وإبداعاته ومنجزاته للخروج المعافى من المآزق، متجلّيًا مع هذا الطائر بالحب والجمال والإصرار على التواصل، وباحثًا معه عن جنّة موعودة بالحياة، هي جنّة الإنسان في مناهل الطبيعة. لقد أقام الشاعر وشائج بين الطائر والإنسان (الشاعر)، وجعل لكل واحد منطقه، في الوقت الذي جال في منطق الأوّل وشدا معه بحلم يشدو بالصفاء والحياة. وبقدر ما تجلّى الشاعر صوفيّاً وتجسّد مع الطبيعة الطائرة بجناح الأمل، فإنّه أدان التدمير والوحشيّة في التعامل مع الطبيعة وأحس بأوجاعها وأنينها، وزيّن مفردات قصيدته بالجمال أمام بشاعة هذا الزمن الموبوء بالفيروس والجهل والقوّة الغاشمة. لقد ظلّل الشاعر قصيدته بإشارات مضيئة، وانطلق فيها مجرّبًا ومتبصّرًا فيما يحدث، وبحث من خلالها عن عالم ينتصر للبناء والأمل والمحبّة، لا عالم ينتكس بالهدم واليأس والكراهية. كما عكست هذه القصيدة بمفرداتها القليلة قدرة الشاعر هاتف جنابي على تخطي هاجس الذعر النفسي، وحاجز بشاعة الواقع، في ضوء ما ضمّنها من أفكار تحترم قيم الحياة، ومشاهد حسّيّة وصور تشخيصيّة مكثّفة تتألّق بشعريّتها، وتتلوّن لقطاتها بمحسّنات بديعيّة، وتترنّم بإيقاعات وأنغام طربيّة. القصيدة من هذا النوع تبقى بلا شك حيّة لأنّ شاعرها يتقفّى الطريق إلى منطقها عبر محاكاته الطائر ومنطقه، فضلًا عن ثقته بخطابها الذي يدرك قوانين الوجود، ويعي نواميس الطبيعة في زمن تتفشّى فيه الشرور والأوبئة، ومنها جائحة كورونا.

 

بقلم: عدنان عبّاس

..............................

محاكاة الطائر في زمن كورونا

هاتف جنابي

يابوونّا (بولندا)،21/آذار- 10/نيسان 2020

 

الطيرُ منطقه هو الأسمى

حفيفُ الريح يسنده وصوتُ الرعد والبرق

وما هو صامتٌ يشدو وما هو سامعٌ يلتذ بالصمت

كلامُ الناسِ يوجعه وحينَ نلوذُ بالتحليق والخفقِ

ومن تغريده لِينٌ وفي ترجيعه نغَمٌ على إيقاعه نشدو

فشلنا في تناغم خطونا حتى تنافرَ مستوى الصوتِ

بنينا برزخا للطين من تنهيدة الشمس

وفينا رغبةُ المنشار والفأسِ

بعزقِ الغابِ في تقطيعه إربا

على مرأى المغارب وارْتعاشات الندى

وإذا بِنا بالليلِ نستقوي لنهدمَ ما انْبَنى بالكدّ والدمعِ

نشمُّ لُمى الشفاهِ وحين نشقى نحتمي بمكارم النهد

وفي تهويدة الأيام نغفو حالمينَ بجنةٍ

نسمو بجنحٍ مستعار ثم نهوي

في مجاهيل المدى.

 

 

 

محمد المسعوديقراءة في "الحاج ألمان (غيوم الريف)" لإبراهيم أحمد عيسى

لعل "الرواية الجديدة" التي تُكتب الآن وفي ما كان يُطلق عليه دول "العالم الثالث"، وبدءا من العشرية الأولى للقرن الحادي والعشرين؛ اتجهت نحو تصحيح بعض المسلمات في التاريخ، والتشكيك في عديد من معطيات التاريخ الإنساني عبر لعبة التخييل، وعن طريق جعل الكتابة الروائية ذات رؤية مختلفة عن المعطى التاريخي الثابت، كما يحاول التاريخ أن يوهم الناس، وكما دونه مؤرخو السلطة عبر الأزمنة، أو كما صاغته رؤى الآخر عنا من موقعه الخاص وتبعا لغاياته وإيديولوجيته.

وربما الحاجة إلى هذا النوع من التخييل التاريخي في الرواية دعى إليه الوضع الإنساني المأزوم في أغلب بلدان العالم، وخاصة في العالم العربي الذي عاد الاستعمار من جديد يعيث فيه تدميرا وتقتيلا وإبادة، وتحت مسميات جديدة وبمباركة عربية غربية دولية. ولعل تطور البحث التاريخي، وتحولات الوعي الثقافي كانت وراء بروز هذا النمط الجديد من الكتابة السردية.

ومن هنا تأتي رواية "الحاج ألمان" لتكون لبنة في صرح هذا النمط من الكتابة الروائية التي بدأت تحقق حضورها الوازن في المشهد الروائي العربي المعاصر، على غرار ما تشهده بلاد أخرى، وخاصة الهند ودول الكارايبي وبعض الدول الإفريقية والأمريكو لاتينية.

في هذه الرواية يقدم السارد صورا لشخصيات وعت شرطها الإنساني المأزوم، وأحست أن المجتمعات الغربية التي تنتمي إليها، مزدوجة الفعل، تعلن غير ما تظهر. وأنها تبرر عدوانها على الشعوب الأخرى المستضعفة بتبريرات نشر الحضارة والتقدم، ومواجهة البربرية والتخلف، بينما تبيح لنفسها استغلال هذا الآخر وتدميره؛ كما قدمت الرواية صورا لشخصيات أخرى تنتمي إلى هذه الشعوب المغلوبة على أمرها وعت أهمية الدفاع عن أرضها وهويتها الحضارية وآمنت بهذه الهوية ومارست في فعلها اليومي، وفي أثناء الحرب، ما يثبت إنسانية قيمها وعدالة قضيتها. ومن ثم كانت هذه الرواية، كما يقول جيسي ماتز محاولة ل"إعادة النظر في العلاقات الدولية والتفكير الجدي في هوية الحياة غير الغربية" (تطور الرواية الحديثة، تر. لطفية الدليمي، دار المدى، 2016، ص.328)

وتبرز في الرواية مواقف اتخذتها شخصيات مثل: رينيه أوليفيه (الفرنسي)، وجوزيف أوتو كليمس/الحاج ألمان (الألماني)، وعبد الله الصربي، وإسماعيل التركي لمناصرة الآخر والانضمام إلى المقاومة، أو نقل صورة صحيحة عن وضع المقاومة ودورها، وقد عانت هذه الشخصيات بسبب هذا الموقف وأدت ثمنه، ومنها من ضحى بحياته من أجل ما آمن به كما نرى في حالة (عبد الله الصربي)، كما قدمت صورا دالة عن حدو لكحل وإيطو الزيانية وموحا أوحمو الزياني وأحمد الريسوني ومحمد بن عبد الكريم الخطابي... وغيرهما من الشخصيات.

ومن يطلع على سيرورة أحداث الرواية يكتشف أن السارد لا يروي حكاية جوزيف أوتو كليمس الملقب بالحاج ألمان فحسب، وإنما يطلعنا على حكايات شخصيات عديدة تقاطعت حيواتها مع حياة كليمس، وأدت دورا هاما في تشكل وعيه، وتغير حياته، واختيار الطريق الذي سار فيه. فبعدما غادر جوزيف موطنه دوسلدورف، وبعدما عانى من السجن في فرنسا وفُرض عليه الالتحاق بالفوج الثاني من "الفيلق الأجنبي" المتوجه نحو الجزائر، سيكون أمام وضع جديد وشروط جديدة للحياة. وسيتعرف في السفينة التي تُقلهم نحو الجزائر على شخصيات أدت دورا هاما في حياته، وفي مصيره، وتَشكُّل نظرته لما يجري حوله، أولها الصحافي والمصور رينيه أوليفيه الذي يتصيد الحكايات، حكايات الجند، والناس ليعيش، ثم إسماعيل التركي وعبد الله الصربي اللذين شاركا جوزيف قمرته بعنبر السفينة، وأقاما معه في الثكنة العسكرية بالجزائر. وكانا حافزا بالنسبة إليه نحو التدبر فيما فرض عليهم من ممارسات وأفعال داخل الفيلق العسكري. ولعل مراقبة كليمس لرفيقيه، ووقوفه على الممارسات القمعية العدوانية للجيش الفرنسي وسياسته الاستعمارية من خلالهما، ومن خلال صديقه رينيه أوليفيه، كان دافعا قويا بالنسبة إليه على الالتحاق بالمقاومة المغربية، ثم الارتباط بمحمد بن عبد الكريم الخطابي وإيمانه بعدل قضية المغاربة وسعيهم إلى الحرية والانعتاق. وقد آمن بما كان يردده محمد بن عبد الكريم الخطابي على مسامعه حيث كان يقول له دوما "المقاومة هي السبيل للنجاة وحرية الشعوب". ( الرواية، ص.251)

وقبل ذلك كانت هذه الشخصيات تحس بوضعها غير السوي ضمن الفيلق الأجنبي في الجيش الفرنسي، وقد عبر عن ذلك إسماعيل التركي لما تحالفت الدولة العثمانية مع ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وقاسى (ألمان) من نفس الوضع حينما جوبه من طرف بعض الجند الفرنسيين بتهمة التجسس، وهذا ما دفعه إلى التفكير في وضعه المضطرب، ثم الفرار للالتحاق بعد ذلك بالمقاومة في جبال الأطلس، وضمن جماعة "إيطو الزيانية"، ومن بعدها مع محمد بن عبد الكريم الخطابي. وقد بنى قراره، بعد كر وفر، وإدبار وإقدام، ولما اقتنع بصحة وجهة نظر المقاومة، ومن التحق بها من رفقائه، اتخذ سبيله نحو الانضمام إليها. وقد كان البحث عن الذات، وحقيقة الحياة، والغاية من وجود الإنسان في الكون من بين الدوافع نحو الرغبة في الانعتاق واتخاذ المسار الصحيح في الحياة. ولعل هذه الحالة عبر عنها عبد الله الصربي بقوله قبل استشهاده:

".. كل ما أردناه الحرية وإقامة العدل، أن نحرر البلاد من الاستعمار، فأنا جبت الأرض من سراييفو إلى بلغراد وإسطنبول وروما حيث التقيت بإسماعيل التركي واستقر بي الحال في باريس، انضممت إلى الفيلق الأجنبي وتعرفت على الحاج (ألمان) كان حينها جوزيف كليمس ذلك الألماني الغامض، الصامت معظم الوقت كان إسماعيل أقرب إليه مني، وحدث ما حدث في جبل مستاوة ورأيت الحقيقة حين عفا عني المقاومون وتركوني جريحا بدلا من قتلي، وفهمت رسالتهم حينما أعتقوا جميع الأسرى، خضت أهوالا عديدة من أجل الحياة التي وهبنا الله إياها، تركت مكناس وانضممت إلى ثوار الأطلس وجاورت أوحمو الزياني في أرض القتال وشرفت بمرافقة سرية إيطو الزيانية (..) وحدها زوجتي حكيتُ لها كل شيء، تقبلتني بكل ما كنت أعانيه، أتعرف يا رجل شعور أن تكون وحيدا في العالم؟ عدت الآن من حيث بدأت وحيدا دون أسرة أو أولاد.. ولكن لدي إخوة وأصدقاء يحيطون بي، مصابهم مصابي وحزنهم حزني، من لطف الله أنه يقرب الأصدقاء في وقت المحن، أتعرف يا رينيه في هذه الحياة علينا أن نخطئ ونتعثر لنعلم من يتمسك بنا جيدا، الجيدون فقط يبقون معنا ويدفعون بنا إلى الأمام" (الرواية، ص.262-263)

بهذه الكيفية يطلعنا المقطع المستشهد به عن تمكن (عبد الله الصربي) من معرفة حقيقة المقاومة الجزائرية، وتغير الرؤية لديه نحو الممارسات التي كان يقوم بها الجيش الفرنسي تجاه سكان القرى والمدن الجزائرية، وقد عبر عبد الله عن روابط جديدة جمعته بالمقاومة، وبإخوته وأصدقائه وأسرته الذين تغلب معهم على غربته وتجاوز وضعه القلق ليحقق الحرية ويحمل مشعل العدل.

وهكذا تقف الرواية عند البعد الإنساني وأهمية الأواصر الإنسانية القائمة على الميل إلى الحق والخير والعدل مما يتعارض مع المنظور المادي النفعي اللإنساني في التصور الأوروبي والغربي بنزعته إلى الهيمنة والاستعلاء. وبذلك تكشف الرواية عن هذه الرؤية التي عملت الرواية الغربية في نزوعها الإيديولوجي على إخفائها بغاية تقديم صور مغلوطة عن تدخل الغربي في البلاد المستعمَرة.

وفي حيز هام من الرواية يقف السارد عند محاولة (الحاج ألمان) نقل حقيقة ما يحدث، وإطلاع الغربي على أخطاء الاستعمار وممارساته العدوانية، يقول السارد:

"قبل أيام أرسل مجموعة من الرسائل والصور إلى الصحفيين في ألمانيا وفرنسا وإسبانيا يحثهم على نشر مقالاته عن المقاومة وهذا العالم الحر، عن هؤلاء الناس الذين يتعرضون لجرائم الاستعمار الذي ينهش البلاد ويتربص بالعباد، كان على العالم أن يرى ويسمع عما يحدث هنا في الريف.." (الرواية، ص. 246)

من هنا نرى أن شخصية ألمان في سياق تحول رؤياها إلى حقيقة ذاتها الجمعية الأوروبية ومدى بشاعة ما تقوم به في شمال إفريقيا، عملت بالسبل المتوفرة لها: الرسائل والصور على فضح الممارسات الكولونيالية. وهذا الدور سيجر عليها الوبال فيما بعد، كما تكشف لنا أحداث الرواية.

وقد بين جيسي ماتز كيف أن الرواية ما بعد الكولونيالية  أعادت تقييم النزعة المادية عبر منح الجانب الروحي مكانة في الحبكة السردية وردت الاعتبار لدورها في الفعل الإنساني. (انظر المرجع السابق، ص. 339)

وفي رواية "الحاج ألمان" نرى هذه الروح فاعلة من خلال وعي شخصية الحاج ألمان ومن لف لفه في إدراك لعبة الغرب المادية ونزعته الاستعمارية، ومن ثم سعي هذه الشخصيات نحو التحرر، والارتباط بالشعوب المضطهدة، بل وعودتها إلى ذاتها واتخاذ آفاق جديدة لمسارها في الوجود. فمثلا شخصية ألمان تغيرت من شخصية مادية غير مؤمنة سوى بالمصلحة والمال –الذي انخرطت من أجله في صفوف الفوج الثاني (الأجنبي) للجيش الفرنسي) إلى شخصية قنوعة بسيطة فهمت أن الدين ضرورة من ضرورات توازن الكائن الإنساني وتحرره. وذلك بعدما تأملت حياة المقاومين المغاربة، وتعايشت مع بساطة سلوكاتهم وعفويتها، وأدركت صلابة مواقفهم وذكاءهم الفطري، وعمق ارتباطهم بما يشكل هويتهم الحضارية والدينية والثقافية. وقد كان هذا الإدراك وراء تحول شخصية ألمان وانخراطه في صفوف المقاومة المغربية الريفية لمواجهة العدوان الإسباني، وحليفه الفرنسي.

من خلال هذه العناصر التي وقفنا عندها نتبين أن رواية "الحاج ألمان" انطلقت من رؤية تصحيحية لتاريخ حرب الريف وصراع المغاربة من أجل الحرية، وقد اتخذت الرواية من التخييل أساسا لبناء عوالمها وإعادة تشكيل المسكوت عنه من أفق ما بعد كولونيالي يقدم رؤيته المختلفة عن الطرح الغربي، أو عن الطروحات التي كرسها الاستعمار الغربي. وقد نجحت الرواية في تمثل الواقع التاريخي وتقديم مواقف مقنعة لشخصياتها المحورية، وهي تصحح شرطها الإنساني الوجودي الخاص، وتصحح الرؤى الجمعية لبلادها الغربية في نزوعاتها الاستعمارية المفرطة في لا إنسانيتها.

وإذا كان من مزالق هذا النوع من الكتابة الروائية أن يتحول النص الإبداعي إلى وثيقة تاريخية مملة، أو أن يصير خطبة وعظية إرشادية تبشيرية، أو أن يصير منشورا سياسيا مباشرا وتقريريا، لأن الكاتب يكون بصدد تقويم بعض الرؤى المغلوطة وتصحيح نظرة الآخر إلى حقيقة ما جرى من وجهة نظره المختلفة عن الطرح الغربي وما روجه، وما زال يروجه الفكر والإعلام الغربيين؛ فإن الكاتب إبراهيم أحمد عيسى استطاع قدر المستطاع تجنب السقوط في هذه المزالق الكتابية، وقد نجح فعلا في ذلك، ومن ثم كانت روايته محكمة البناء متحكمة في تفاصيلها الحكائية قادرة على شد قارئها منذ سطورها الأولى، وهي لا تقل متعة وإفادة عن روايته الأخرى "باري، أو أنشودة سودان" التي فازت بجائزة "كتارا" للرواية.

 

محمد المسعودي

........................

إبراهيم أحمد عيسى، الحاج ألمان (غيوم الريف)، دار كتوبيا للنشر والتوزيع، الإسكندرية، 2019.

 

حسن الحضريالتصحيف هو «تحويل الكلمة من الهيئة المتعارفة إلى غيرها» [«فتح المغيث» للسخاوي (4/ 57)]، ويعدُّ ذلك من المشكلات العلمية ذات الأثر الخطير في التشويش على النَّص، بطريقة لا ينتبه إليها كثيرٌ من الباحثين والمحققين، وأحيانًا ينساق بعضهم خلف اللفظ المصحَّف فيعوِّل عليه في بناء نظرية أو قاعدة أو حدثٍ تاريخيٍّ أو نحو ذلك بحسب ما يفرضه سياق الكلام أو موضوع البحث، ولا سيَّما إذا تواتر ذلك اللفظ بصورته المصحَّفة؛ والتواتر على التصحيف له أسباب كثيرة؛ من أشهرها سوء التعامل مع المخطوطات، التي يجب التعامل معها من خلال منهج استقرائي يمكن من خلاله استنباط ما يقع فيها من لبسٍ أو تصحيف بسبب طبيعة النَّسْخ وطريقة التدوين في عصور ما قبل الطباعة، ومنها أيضًا في عصر الطباعة متابعة طبعات سابقة مصحَّفة، دون تمحيص أو تدقيق في النقل، إضافة إلى الأخطاء المنهجية الأخرى التي يقع فيها بعض الباحثين والمحققين.

ومن أمثلة التصحيف ما وقع فيه بعض ناشِري كتاب «شرح المعلقات السبع» للزوزني؛ حيث نقلوا عنه مِن تقدِمَتِه لمعلقة طرفة بن العبد [ت: 564م] قوله: «ورأيت أنا مكتوبًا في قصته في موضع آخر؛ أنه لمَّا قرأ العامل الصحيفة؛ عرض عليه فقال: اختر قتلة أقتلك بها؛ فقال: اسقني خمرًا، فإذا ثملت فافصد أكحلي؛ ففعل حتى مات، فقبره بالبحرين، وكان له أخ يقال له معبد بن العبد؛ فطالب بدِيَته، فأخذها من الحوافر» [«شرح المعلقات السبع» للزوزني (ص 44)، طبعة: الدار العالمية، و(ص 81)، طبعة: دار إحياء التراث العربي]، فذكروا «الحوافر» -بالفاء- وهو خطأ، وقد أقرَّت إحدى الطبعات ذلك الخطأ، واعتبروه أصلًا، حيث علَّق الناشر بقوله في الهامش: «الحوافر: الخيل» [«شرح المعلقات السبع» للزوزني (ص 81)، طبعة: دار إحياء التراث العربي]؛ وكان يجب على الناشر بدلًا مِن ذكرِ معنى «الحوافر» أن يستهجن اللفظة في موضعها هذا ليقف على التصحيف، وما فعله الناشر يعتبر إقرارًا منه بصحة المعنى المترتب على التصحيف، وهذا خطأ فاحش؛ لأن المعنى بهذه اللفظة المصحَّفة يوهم أن العرب كانت تَدِي القتلى بالحوافر، وهذا ليس بصحيح؛ وإنما كانت الدِّية عندهم من الإبل.

وأما موضع التصحيف في تلك اللفظة فهو حرف الفاء، وصوابه الثاء المثلثة، وأصل اللفظة «الحواثر»؛ قال في «الجمهرة»: «وقتل طرفةَ رجلٌ من الحواثر يقال له: أبو رشية؛ وقبره اليوم معروف بهجر، بأرضٍ لبني قيس بن ثعلبة، وودته الحواثر إلى أبيه؛ لِما كان مِن قتلِ صاحبهم إياه، بعثوا بالإبل حسبة» [«جمهرة أشعار العرب» لأبي زيد القرشي (ص 93)].

وقال في «الشعر والشعراء»: «وأما طرفة فمضى بالكتاب، فأخذه الربيع، فسقاه الخمر حتى أثمله، ثم فصد أكحله، فقبره بالبحرين، وكان لطرفة أخ يقال له معبد بن العبد، فطلب بدِيَتِه، فأخذها من الحواثر» [«الشعر والشعراء» لابن قتيبة (1/ 186)].

ففي رواية «الجمهرة»، و«الشعر والشعراء» ذِكر «الحواثر» -بالثاء المثلثة- وهم بطن مِن بني عبد القيس [«لسان العرب» لابن منظور (4/ 165)]، وهذا هو الصواب؛ قال المتلمس [ت: 569م]:

لن يَرْحَضَ السَّوآتِ عن أحسابِكم *** نَعَمُ الحواثرِ إذْ تُساقُ لمعبدِ

و«النَّعَم» هي الإبل خاصة، وأحيانًا يدخل فيها البقر والغنم، لكن ليس منها الخيل أبدًا [انظر «لسان العرب» لابن منظور (12/ 585)]؛ وهذا كله يؤكد أن ذِكر «الحوافر» -بالفاء- هنا لا وجه له، وأن الصواب «الحواثر» بالثاء المثلثة.

وكثيرًا ما يقع مثل هذا الخطإ بسبب سوء التعامل مع كتب التراث، وعدم مراعاة ما يقع من لبسٍ في النسْخ أو في القراءة، ويمكن للناقد البصير استنباط هذه الأخطاء، والرد عليها من خلال منهج استقرائي صحيح.

 

حسن الحضري

عضو اتحاد كتاب مصر

 

"كان ما سوف يكون"

ما دفعني لخطّ هذا المقال هو بالفعل ما يحدث الآن لمدينة (نيويورك) في زمن الكورونا، مدينة القرار السياسي، والتوحش الاقتصادي، والتدين (المسيحي المتصهين)، وبالطبع الدعارة الأخلاقية، وبؤرة الفساد، ومن ثم التحول والانقلاب الذي انتهك حرمة  المدينة العالمية بفعل  الفيروس، حيث تحولت لمدينة أشباح، الفيروس الذي كشف عوَرها بعد رؤاها المدهشة، وعورتها بعد ثروتها الفاحشة، وحيرتها الموحشة،

تندرج هذه السطور في باب وسيع في الأدب العربي يحمل عنوان "صورة الغرب في الأدب العربي الحديث". والصور التي تراءت للغرب في أدبنا الحديث شعرا ونثرا. سؤال أجابت عنه دراسات متعددة، من مثل كتاب (صورة الغرب في الأدب العربي المعاصر) للكاتب جان نعوم طنوس. وكتاب: (صورة الغرب في الرواية العربية) للكاتب سالم المعوش.

وتتموضع المقالة -بخصوصية أكثر تحديدا - تحت عنوان: (صورة أمريكا في الأدب العربي) وفي هذا الصدد تحضر قصص من أدب المهجر، وأدب الرحلات، وروايات من مثل: (الحفيدة الأمريكية)،أنعام كجة جي، ورواية (الأمريكان في بيتي) نزار عبد الستار، و رواية (الغبار الامريكي) زهير الوهيبي . وثلاثتهم عراقيون .

ولا تسعى المداخلة لتصويب أو لتعديل النظرة بين قطبي الشرق والغرب بقدر ما ترمي لتجلية صورة (نيويورك) في النص الشعري  من منظور شعري ووطني، وبحقٍ، فإن الدارس لا يستطيع الانفكاك من التحيز  الفكري،والبعد الوطني وهو يقوم بعملية الهدم والمعالجة النصية.

وعلى الرغم من النزعة الإنسانية التي يتحلى بها كل من الشاعر  والكاتب، فلربما يلمح القارىء الضمني نغمة التشفي بالمدينة التي صدَرت منها بل صدّرت مواقف قمعية، ومتوحشة، ومتعالية تجاه الكينونة الفلسطينية، وعملت على محو الوجود الخاص  لكليهما عبر سنين خلت وحتى اللحظة.

في هذا الإطار الخلفي تقفز قصيدة (كان ما سوف يكون: أعراس: ١٩٧٧) للشاعر محمود درويش والتي قالها يرثي راشد حسين، وهي أبعد ما تكون عن الرثاء .

برزت لمدينة (نيويورك) صور متعددة كلها تتمتع بقدر كبير  من المادية، وبقليل من بقايا الجمال الطبيعي والإنساني؛ حين يُلبسها الشاعر الجمال المادي المزيّف ،في مقابل الجمال التلقائي للبيئة الفلسطينية، ويمكن  استبطان  الصور المتعددة للمدينة / المكان المعادي  التي تمثلها المقاطع الآتية:

الصورة الأولى، ويمثلها المقطع الآتي:

في الشارع الخامس حيّاني .بكى.مال على السور الزجاجي، ولا صفصاف في نيويورك.

أبكاني

والجملة النواة في المقطع هي الجملة المستلبة (لا صفصاف في نيويورك) مقابل انتشار الصفصاف في فلسطين. ولكن هل حقا لا يوجد صفصاف في المدينة؟ بتقدير الدارس أن هذا تعبير شعريّ يحمل فكرة ثقافية قبل أن تكون جملة تُدين المكان القبيح، والصفصاف كتعبير شعري له حضوره ؛ فهو أول الشجر نموا في الربيع، وله أوراق خضراء طويلة، وثمة مصطلح يتردد في الثقافة الشعبية وهو (دموع الصفصاف)  تشبيه بقطرات المطر النازلة عن أوراقه، ومن هنا نفهم ختم المقطع بقوله (أبكاني).

/ الصورة الثانية: وتمثلها اللوحة الآتية:

 

شاحبا كالشمس في نيويورك:

من أين يمر القلب ؟هل في غابة الإسمنت ريش لحمام؟

وبريدي فارغ. والفجر لا يلسع

والنجمة لا تلمع في هذا الزحام

صورة كابوسية مفزعة للمكان بكل محتوياته ومكوناته؛ فالشمس شاحبة في نيويورك . ولست أدري كيف يكون لون الشحوب الشمسي، ولكنه تعبير شعري جمالي يصف قبح المكان، والقلب الذي هو  عنوان الشعور والإحساس لا يتصالح مع البيئة بل يتصارع معها ؛ فتلك غابة تحولت من الرعوية إلى  الإسمنت المادي بعد اعتداء الرجل الأبيض عليها فقام بقطع أشجار ها لصالح بناء  بيوت إسمنتية خالية من الإحساس والروح. والفجر لا يلسع والنجم لا يلمع جراء ازدحام  البنايات وتطاولها، ولعله  يعرّض بناطحات السحاب التي تغطي وجه السماء وتمنع النسمات.

الصورة الثالثة: وفيها تظهر المدن المتحولة كما في المقطع:

... واختفى في الشارع الخامس،أو بوابة القطب الشمالي. ولا أذكر من عينيه إلا مدنا تأتي وتمضي .وتلاشى. وتلاشى

إن المتوالية الكلامية (مدنا تأتي وتمضي) في بنيتها السطحية - مفعول به + جملة الصفة+ جملة العطف.

ولكن البنية الفكرية في بنيتها العميقة تشي بالتشتت والاندثار وعدم ثباتها لا بفكرها ولا بسكانها،ولا حتى في علاقاتها  وطبيعتها.  وتمظهر عدم الثبات يحولها إلى كنتونات كرتونية وهشة .

الصورة الرابعة: ويمثلها المقطع الشعري:

لم يسرقه هذا القمر الواقف تحت الطابق العاشر في منهاتن

 

تشتبك صورة القمر السماوي بصورة البناية الاسمنتية، وهذا أمر قد يبدو طبيعيا، لكن الأمر غير الطبيعي هو قلب الصورة الذهنية والنفسية والاجتماعية والثقافية عن القمر الواقف تحت الطابق العاشر؛ إذ تعلو البناية فوق مستوى القمر، والمبالغة البديعية  هنا رغم امتناعها عقلا وعادة إلا أنها تقترب من الصدق الشعوري لكل من الشاعرين (الراثي والمرثي).وعليه فقدْ فقدَ  القمر لذته ودهشته، ولم يستول على قلب راشد حسين؛ اي لم يسرقه.

/ الخامسة ويحتويها المقطع الآتي:

كانت نيويورك في تابوتها الرسمي تدعونا إلى تابوتها

في الشارع الخامس حيّاني . بكى . مال على نافورة الإسمنتِ . لا صفصاف في نيويورك . أبكاني .

تقترب المدينة القبيحة بل تكاد تلامس النهاية بدلالة دال (تابوت) فهو إشارة سيميائية  إلى الموت، وبالتأكيد ليس الموت الحقيقي؛ بل دلالة على موت روح المكان في نفس الشاعر وبالاستتباع في روح النص .ولا عجب أن يؤكد درويش نفي الطبيعة الرعوية الإنسانية لمدينة الموت الصناعي .

بقي القول إن نتيجة حتمية واحدة لا بد أن تنتهي بها ملامح الوجه الشاعري للأغنية المرثاة: ليبدع في قفلة النص:

ليس هذا زمني

لا، ليس هذا وطني

وبنية النفي السلبي في الختمة تستدعي بالضرورة ضدها التي تشير إلى حقيقة وجودية وإيديولوجية حقيقية تجمع بين  جمال المكان وجمال الشعر الكامن والمتجذر في فلسطين الجغرافيا والتاريخ في البدء وفي الختام.

 

د. خليل قطناني - فلسطين العربية المحتلة

 

سعد الساعديموتٌ للإبداع أم انتعاش؟.. قصة قصيرة أثارت الجدل!

 (القصة نشرت في جريدة الزمان المصري ومواقع الكتروني)

هناك مجموعة من القواعد تتطلبها المرحلة الجديدة مرحلة (ما بعد - بعد الحداثة) في زمن العولمة، والتي ارتأينا تسميتها مرحلة (الحداثة التجديدية) اختصاراً كمفهوم جديد، حيث كتبنا بعض البحوث عنها في أماكن كثيرة أهمها ما نُشر في مجلات عالمية أمريكية محكمة متخصصة، وباللغة الانكليزية حسب ما تقتضي ضرورة البحث العلمي هناك، نحاول التطرق لجزء بسيط منها هنا ونحن نستعرض نصاً لقصة قصيرة نشرت في موقع يعنى بالقصص القصيرة ونقدها وأُثيرت عنها الكثير من التساؤلات والجدل. الاسماء لن تذكر صراحةً تلافياً للإحراج بل مجرد رموز حرفية.

القصة للكاتبة (ن) التي كتبتها تحت عنوان: خط سالب، ربطت بها معاناة امرأة تنتظر ولادة طفل بعد حملٍ لم تحصل عليه طيلة حياتها، فجات مفردة "سالب" دلالة على عدمية الحمل في كل مرة اختبار، ومفردة "موجب" هي قفلة القصة التي دار حولها الجدل.

نقرأ القصة ونتناول أخيراً ما وجدناه من تعليقات، وما من شأنه المساعدة في تحليل جزئي لها، ومن ثمة ما هي كيفية الارتقاء بالكاتب الموهوب وفق تصورنا، وما هي أهم خصائص الكتابة التجديدية وطريقة تناول الناقد التجديدي لها.

النص:

خط - سالب

"ليلة واحدة هي الحد الفاصل لتنقلها الحياة من لقب الآنسة إلى السيدة، تنتظر نمو البذرة المنثورة على أرضها القاحلة كل شهر.

في ردهة الانتظار تدغدغها أحلام؛ يُخبرها المختص عن إيجابية النتيجة، الطريقة التي تزف فيها الخبر لزوجها، ترسل هدية مغلفة، جوارب طفل حديث الولادة، تقيم حفلة صغيرة، أو ربما تضع تقرير الطبيب على مكتبه، دفء المشاعر عند إرضاعه ينسيها تعب الأشهر التسع وآلام المخاض، سهر الليالي، بكاءه، جدول لقاحاته وعطر (البودرة) الخاصة به...

- سلبية؛ لا يوجد حمل.

ينساب وقع حروفها كنوتات موسيقية ناشزة تعزف في رأسها حتى الشهر القادم، يتكرر الموعد ويتكرر عزف الموسيقار السيء.

كالمعتاد نتيجة سلبية، تلتهمها نظرات لائمة وهمهمات جزعة من أهل زوجها إلاّ هو الذي أصرَّ على الوقوف بجانبها يردد:

- إما أن يرزقني منها، أو لا أريد.

تتذكر يوم أن قالت له:

ما الضير لو كانت ايجابية؟! هل ستختفي الشمس وتتفشى الأوبئة وتنتهي حياة الكوكب ويفنى الكون؟! أمِن العدل أن تنال النسوة ما يرغبن من أطفال وأنا أقضي حياتي أراقب حجم البويضة ومستوى الهرمونات اللعينة!

مسح على رأسها بحنو وبصوت هادئ:

- توبي لربك يا امرأة، إنه امتحان من الله.

غالبا ما تنتهي محادثاتهم بنحيب وتراتيل دعاء على سجادة الصلاة:

" لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "

لم تطأ قدماها أرض المشفى إلا بعد عشرين سنة، تجلس في غرفة خاصة بقلق، تنتظر نتائج تحليلها، لكن هذه المرة تأمل أن يخبرها " بسلبية النتيجة ".

تعجُّ الحركة فجأة بالمشفى، الجميع مرتبك، تحركات مشبوهة، أبواب تغلق بسرعة، ركض في الممرات، همهمات غير مفهومة، تمسك يد زوجها الذي لم يفارقها يوما، رفعت نظراتها المتعبة باتجاه الطبيب الواقف أمامها على مسافة متر ونصف، ولأول مرة تمنت لو تتكرر على مسامعها الكلمة التي ودّت لو تحذفها من قاموس اللغة  "سلبية"،  لكن تردد الصوت الخافت:

-إيجابية

-إيجابية ! ترددها بغصّة تخرج من فيهها المفغور

- للأسف.. أنتِ حامل لفايروس كورونا!"

انتهى النص

 

لو أراد ناقد كلاسيكي ما تحليل مثل هكذا نص سيقف عند اللغة والسبك والسرد، ويبحث عن "القفلة" وتطابقها مع العنوان، وهل جاء النص وفق معايير المدارس القديمة، أين الاختزال والتكثيف، لماذا لم يكتب كذا بدلاً عن كذا، ولماذا ولماذا ..الخ

أما الناقد التجديدي الذي نتمنى وجود كثرة منه لا ينظر للنص فقط إنما للنص والكاتب والمتلقي وما يأتي من نقد لاحق ( نقد النقد)، بل الى جوانب كثيرة نحاول باختصار الوصول اليها كي لا يتشتت الموضوع، لأنَّ هناك بعض الآراء من قِبَل من عدّوا أنفسهم نقاداً مجيزين لأنفسهم نقد هذا النص وغيره بالتأكيد، طالما هم قائمين على ادارة المجموعة المنتمية لها الكاتبة.

ومع هذا نحن لا ننفي الدور الكبير الذي لعبته الكثير من المدارس النقدية، وما أفرزته صراعاتها من مناهج فكرية، لكنها ليست جميعاً بالتي يجب الالتزام بها، ولا بأس من الاستفادة منها واخضاع النصوص الأدبية لها ضمناً وليس بلابديّةٍ حتمية حينما تقتضي الضرورة، وقد تكون تلك الضرورة ملحة وواجبة في بعض الأحيان ما تستدعي الناقد الاعتماد عليها مضيفاً لها أبداعه الجديد كمبدع حداثوي تجديدي، وليس كناقل لرأي غيره كما نلاحظ لاحقاً حين نستعرض بعض التعليقات.

ما نقصده هنا هو واقعية النقد للتقويم والارتقاء قبل كل شيء، ومن ثمَّ وضع أسس اصلاحية إن احتاجها الكاتب قبل المسبقات الرصدية خالية الأدلة، وبذا يكون الناقد مبدعاً آخر أضاف للأدب والثقافة، وساهم في البناء بمجهود مختلف عما طرحه الكاتب من نظرية أو فكرة كتجديد مهما كان نوعه، فهو مفيد منصف بخلق سلسلة متكاملة تبدأ من الكاتب، النص، القارئ، والناقد، أو يتقدم أحياناً الناقد قبل القارئ (المتلقي) في السلسلة اذا وقعت كتاباته بيد المتلقي قبل/ أو تزامناً مع ظهور النص بغض النظر عن القبول أو الرفض من كلا الطرفين، قبول المتلقي، أو رفض نقد الناقد فيما أراد ايصاله.

لابد للنقد التجديدي اليوم الابتعاد عن محاولات التشكيك الشكلية الكلاسيكية وفق ما سار عليه مثلاً ديكارت بعدم قبوله للعمل تسليماً به كإنتاج ابداعي، ومع أنه دعا للعقل، لكن تبقى هناك نوازع نفسية مرفوضة بالأصل (تسمى اسقاط العدوان في علم النفس) طالما وُجد مبدأ الشك أصلاً كأول خطوة من ناقد ناقم يحمل سيفه للتحليل، لأن الناقد سيبتعد عن موضوعيته لا لسبب، بل لمجرد العناد وتقليل شأن المنتِج الفاعل وجهوده.

مما نبتغيه اليوم عناصر ومقومات نقدية مهمة كي نواكب التطورات الحضارية والثقافة الانسانية، وليس الجمود على قوالب ما عادت تنفع بالمرة، يتمسك بها من يعيش فيما مضى، وكل هذا الجديد من أجل ولادة ابداع جديد. حسب وجهة نظرنا أن على الناقد التجديدي مراعاة التالي وهو يتعرض لنقد نصّ أدبي أو أي عمل ابداعي جديد:

الدراية التامة باللغة وصحة كتابتها، فمن المعيب جداً على ناقد أن يخطأ وهو في حالة تشخيص أخطاء غيره، أو في اشتغالاته الكتابية يكون أقل كفاءة وتأثير من النص الموضوع على منصة التشريح النقدي. لذا أكّد كثير من المتخصصين أن على الكاتب المعتد بنفسه أنه من المتميزين عليه تجاهل النقد السلبي الموجه له ومن يتصيد به العثرات كي يحافظ على نجاحه أولاً، ويتجه لإنتاج إبداعي جديد عبر تشجيع الناقد المنصف.

وقد يتفق رأي الكاتب والناقد على أمور عامة في البناء الصوري، والتشكيل اللغوي، ودرما الحدث بواقعيته، أو مثاليته، أو أي شكلٍ تشكيليّ ثالث، لكنه من الصعوبة بمكان الإقرار بأنها هي الحقيقة بأجمعها التي أرادها الناص، وجلّاها الناقد ببصيرة ثاقبة.

ما يدعونا اليوم الى تحوُّل نقدي آخر جديد، يدرس جميع القوى الفاعلة في تكامل نصٍّ جاء للحياة، يبتغي شيئاً ما، عبر الدراسة والتحليل والفهم العميق لمدلولات ذلك الانتاج، وصوره الخارجية والداخلية؛ الملونة ظاهراً،ً والمضمرة بين طيات الكلمات والسطور، أو تمازج الألوان فيما بينها، وطبيعة الأجواء التي تسببت بوجود الانتاج الابداعي والمعرفي، ومدى تأثير كل ذلك على المجتمع العام، والماهيّة التغييرية اللاحقة في تنوع طبيعة التلقي، وافساح المجال لقراءات وتأويلات متعددة من الناقد والقارئ لا الوقوف عند فهم واحد فقط ليكون هو الفصل الجزم ولا غيره هناك، وبذا تنشأ عوامل مساعدة لموت المبدع والابداع.

على الناقد التجديدي الجاد أن لا يتأثر بتداعيات العملية السيكولوجية المسبقة ويظل دائراً في دائرة مغلقة تقضم المعرفة رويداً رويداً؛ لكن هذا ما موجود للأسف في العالم العربي بكثرة نتيجة للتداعيات النفسية المتراكمة على مرّ الزمن، والعقلية المتزمتة المتخلفة، وعدم امكانية الخلاص والانفكاك منها سواء على مستوى الأدب أو التاريخ أو مجالات شتى أخرى. وبذا يكون الناقد (التجديدي) والجاً للنفس وفق إمكانياته وما لديه من معطيات نورانية وليست مظلمة، مبتعداً الى حدٍّ كبير عن مدرسة التحليل النفسي والمؤثرات الفرويدية!

أهم المرتكزات التي لابد للناقد عدم اغفالها هي اللغة والمعنى والجمال التي تغلف العمل، وما يحمله النص من مضامين، ومعرفة تحليلها وفق نظريات الاتصال الجماهيري الاعلامي، كون الناص صاحب رسالة اعلامية، وكذلك الناقد بعد تقديم دراسته وقراءته. ومن المهم دراسة كل ذلك دراسة واعية، لكننا نجد الكثيرين لا يلتفتون لذلك لأنهم خنقوا أنفسهم بما يوحيه اليهم تصوّرهم وادراكهم فقط، وأسقطوه على العمل (النص وغيره).

وعل الناقد التجديدي دراسة فلسفة النص مهما كانت بسيطة، وفكرته العامة بطريقة حداثوية بعيداً عن التعقيد، مع التعمق بتفصيل حالة أو ظاهرة نقدياً في الأدب والتشكيلات الأخرى تحليلاً وتفكيكاً لمجمل التصورات بتفسيرات عامة. وهنا ما يهمنا هو الأدب وكيفية دراسته نقدياً وفق المنهج التجديدي الذي ندعو له وليس المناهج المتعارف عليها سابقاً. ومعرفة فلسفة النص التي تعني الكينونة والماهية التي ابتغاها الناص (الكاتب) ومنها تلك الكيفية التي يلجها الناقد محللاً واصفاً مفسراً الصور التي جاءت بتتابع السياق النصي سيميائياً تارة، ومعرفة بواطن المكنونات بما هي جمالية تصويرية ذات مغازٍ شتى يقف عندها الناقد، أو عند بعض منها، وصولاً لحقيقة الجوهر البنائي للنص، ومحاولة اختراق ما يمكن اختراقه من الدوافع الكتابية تارة أخرى، وكيفية الوصول للفكرة.

ومهم أيضاً للناقد معرفة ما يلي:

أولاً: معرفة الناقد القبلية (السابقة) بنتاجات الكاتب، وطريقة عرضه للأشياء، وكيفية أسلوبيته الكتابية، حتى سيكولوجية البناء الدرامي، ومنافذ التأمل الموجودة في بعض السرديات القصصية بأسلوب شعري متقن، وبذا سيتمكن من نقد النص بسهولة وعمق لكن ليس تساهلاً أو بطريقة المجاملات.

ثانياً: لو كان النص هو الأول لكاتب جديد غير معروف، فينبغي على الناقد التأكد بشل تام أن هناك هدف ما لهذا النص، وفي حال تعذر فهم المقصود الواقعي للنص ولا هدف واضح؛ هنا يحدد الناقد حسب وجهة نظره المنطقية الموضوعية ما وجده (من كاتب مشهور أو مغمور) ويذكره للعلن لسببين هما:

عدم وقوع المتلقي بمطبات لا يرغبها، وتنبيهه لما في النص، والسبب الآخر تنبيه الكاتب أن ما كتبه لا يجدي نفعاً طالما لا يتعرض له قراء كثيرون اليوم ومستقبلاً كي يعدل من رسالته الاعلامية.

فيما سبق، أوضحنا أهم ما ينبغي على الناقد التجديدي عمله تاركاً ما يقوله من تقوقع في قوالب النقد المحتضرة و (المحتظرة)؛ الأولى ساعة الموت، والثانية البالية كالهشيم.

واذا حلّل الناقد التجديدي نص الكاتبة (ن)  وفق هذا المنهج سيستخرج الكثير مما نراه وندعو له من الأساليب النقدية اليوم ولم نذكره بالتفصيل، وليس ما وجدناه بالأمس. وسنقدم ما وقع على نص الكاتبة من تعليقات ونترك الباقي للمتلقي والناقد كلٌّ يدلي برأيه كما يفهم ويحدده ويقرره تصوره وقراءته.

بعض التعليقات والردود:

تعليق الناقدة (س) على تعليقٍ أشاد بالقصة والكاتبة:

"أستاذ (تقصد الناقد والشاعر (ق)، لا يوجد شيء اسمه القفلة الدهشة والتي تعني بمقومات القصة القصيرة. هذه المعلومة جداً خاطئة أستاذ، فالقصة القصيرة لدى روادها وكتّابها العرب والعالميين منذ عرفها العالم لم تعنِ بالقفلة الدهشة كما سميتها حضرتك، ولكنها عنت بقوة القصة وتميز موضوعها وتأثيره على القارئ. وبالطبع قد تكون الخاتمة مدهشة أو صادمة ولكن بشرط أن تتناسق وموضوع النص وثيمته، ولا تُسقط النص كهذه القصة التي سقطت بسبب قفلتها الخاطئة. توجد خاتمة مفاجئة في بعض القصص، نعم، ولكن ليست كهذه أستاذ، ويجب أن يستوي غطاء القدر على القدر وإلا لن تستوي الطبخة.

وبالنسبة لمداخلاتي أستاذ، فالظاهر أنك لم تنتبه أني لا أحابي أحداً ولا أطبطب على ظهر أحد وحتى لو كان صديقي جداً أو صديقتي جدااااا

هنا يكمن الفرق، ولهذا اعترضت حضرتك على مداخلاتي".

تعليق وردّ الاستاذ (ق):

" من مقومات القصة القصيرة هي القفلة الدهشة، ويبدو من خلال متابعتي لمداخلاتك على النصوص تحتاجين سيدتي الكثير من القراءة حول القصة القصيرة ومقوماتها وبنيويتها، والتي تبدأ من العنوان، مرورا بالمتن، ثم الخاتمة".

ردّ لاحق:

" مقومات القصة القصيرة والومضة الحكائية، أي القصة القصيرة جدا متاحة في الكوكل ،لا اظن يتطلب ذلك الاستغراب من جنابكم بدل الطلب مني توضيح كيف امتلكت هذه القصة كل مقومات القصة القصيرة كان عليك تفنيد هذا برد أدبي يؤشر خروج النص عن  مقومات القصة القصيرة، أو تشيرين لنا برؤيا أدبية أين الخلل في النص وفي أي ركن منها. حقيقة لست مدافعا عن اديب ما ولكن علينا أن  لا نثير الإحباط عند أي كاتب وخاصة الكتاب في بداية الطريق وشخصيا لم اقرأ لجنابكم الموقر نقداً أو قصة يشار لها بالبنان اًو سمعت بقاصة وناقدة بهذا الاسم مع كل احترامي لك". 

أما الكاتبة (م)  فعلقت بما يلي:

"قرأت الردود والقصة كنت قد قرأتها من قبل، وطبعا الاختلاف يغني ويثري؛ لكنني سأطرح رؤيتي للقصة من منظار أنه:  قد نتمنى شيئا ونرصد له كافة جوارحنا، نستدين له من حاضرنا لنجعل من واقعنا محطة انتظار ثم تفاجئنا الأحداث

بـ (لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع)، وقتها فقط نشعر كم كان لدينا من أسباب النعيم وكنا عنها معرضين، وهنا الكاتبة استعانت بشبه بين حادثتين من حيث الإرهاصات والنتائج؛ لكن الفرق في التأثير كبير بطريقة ما يشبه دخول الفيروس للخلية؛  عملية تلقيح البويضة -طبعا مع الفارق الكبير- لكن قلت بطريقة ما كإرهاصات دخول.

تشابه آخر على صعيد النتيجة بين سالب وموجب، لكن الفرق أن الإيجاب في أحدهما يمنح الحياة والآخر يسلب الحياة. وهذه المرأة كانت موقفة حياتها بكل نعيمها على نتيجة واحدة تمنت أن تطرق مسامعها(إيجابية)، وبين السالب والموجب حيكت القصة، أما عن السرد واللغة فالكل متفقون على جماله".

ردّ الناقد (س) على الناقدة (م):

من هم الكل عزيزتي؟

عزيزتي (م)، النص فسُد بسبب خاتمته، يعني هذه القصة إذا لم نغير خاتمتها نرميها وننساها. أنا أول تعليقي لم أقل فيه كل شيء لأنها جديدة هنا فرحبت بها.

يا (م)، النص مربوط بخاتمته. يعني تكمله، وهنا هي أفسدته، ولهذا لا يجب الفصل بين النص وخاتمته حتى لو كان طويلاً وجميلاً، كل جمال السرد قد تفسده الخاتمة، فلا نمدح نصاً ونقول جميل جدا ورائع ونذكر عيوب الخاتمة لوحدها، لا، بل نقول: لو تغيرت الخاتمة لكان النص رائعاً".

تعليق الاستاذ (ع)  (أحد مسؤولي الموقع):

"اعجبتني ملاحظة الاستاذة (س) بأن النهاية "صادمة" لأني برؤيتي الشخصية أجدها انحرفت عن موضوع القصة، هنالك سؤال هل أعراض الحمل هي ذاتها أعراض كورونا..؟ هذا من ناحية منطقية النص. تبدو مقدمة النص وكأن المرأة على موعد ليلة واحدة للأنجاب وهو الأمر الذي لم يتحقق طوال القصة فالمرأة تنتظر كل شهر دون جدوى.. هنالك أمر جيد في هذا النص هو امتلاكك القدرة على كتابة جمل أدبية جميلة".

ملاحظة1: لا يوجد ردّ

تعليق الناقدة (ز):

قصة رائعة تحاكي معاناة أي إنسان ينتظر أن يحيا الأمل بداخله من خلال كلمة قد ترفعه وقد تخسفه.. وهنا كانت المفارقة القوية..

أجدتِ انسيابية النص وأتقنتِ النقلات".

ملاحظة2: لا يوجد ردّ

تعليق الناقدة (ب):

"معالجة القصة متميزة أسلوبا ولغة رغم ان الموضوع مكرور، والقفلة مفاجئة وذكية"

ملاجظة3:لا يوجد ردّ

تعليق الأستاذة (ص):

"مفارقة بدت منطقية وخاصة بعدما قمتِ باستهلال وارسلتِ بعض الجمل الإخبارية من قبيل التأكيد. مما جعلني أتلمس حبكة النص، الفكرة جيدة، والسرد نقل حالة ربما تعايشت بجوارك هذه الأيام.

ملاحظة4: لا يوجد ردّ

الملاحظة الأخيرة مني شخصياً كخاتمة للموضوع:

أن الكاتبة حاولت توظيف فكرتها من خلال ما يمر به العالم اليوم عبر جائحة (كورونا) وفق أسلوب حكائي نرى أنه تجديدي حين بدأت القصة عبر تسلسها، وهي قصة قصيرة جداً، من خلال حدث حزين ملازم، سيميائيته واضحة بمفردة (سالب)، وقفلت بانتقالة غير متوقعة لصورة حزينة أيضاً فيها من الفكاهة، أو الساخرة أدهشت المتلقي الذي توقع النتيجة الإيجابية (موجب) بأنّ المرأة حامل بعد عشرين سنة، لكن الـ (موجب) هنا غيّر مسار التوقع كليّة، ولم يُنقِص من القصة شيئاً، بل أضاف اليها قوة أسلوبية جديدة تقصّدتها الكاتبة، لتجعل متلقيها متفاعلاً مع تأثير الجائحة من جهة، وتأخذه للترفيه النفسي كنكتة تختم بها، وليس الاستهزاء بعقل القارئ، وهذا ما عُرف عن الكاتبة أريحيتها الكتابية في مجموعتها القصصية "  ......" رغم قصصها الحزينة، وليس بالضرورة بناء تصور وحكم قطعي عنها بالفشل كما مرّ معنا من تعليقات وردود، وهذا ما أشرنا اليه أيضاً كتوصية للناقد التجديدي هو المعرفة القبلية للكاتب أن تمكن من ذلك، كي يأتي تحليل نصّه وفق منظور الاتساقات البيانية الموضوعية حتى لو كانت القفلة غير معبّرة عن قناعة الناقد؛ إما مجموع المتلقين فلن تُعرف آراؤهم جميعها قطعاً لعدم وجدود استقصاء واستبيان عام عما كتبته القاصة، وتبقى الآحاد لا يُعوّل عليها أبداً إن كانت غير راضية.

أخيراً طلبت الناقدة (ن) مسؤولة الموقع من أحد المشرفين بإيقاف التعليقات على قصة خط سالب لكثرة السجالات بين مؤيد ومنتقص وهذا دليل على نجاح القصة وكاتبتها.

 

سعد الساعدي

 

رحيم الغرباويقراءة في الرؤية السردية وتقنيات نظمها.

ما إن أطلَّت جائحة كورونا على العالم، حتى رأينا أقلام الأدباء تعجُّ بالكتابة في أدبياتهم عنها ووصفهم لمدى تأثيرها في العالم بعدما أفرط الإعلام في الحديث عن مضارها وكيفية الوقاية منها، وتسجيل أثارها المروِّعة ؛ كونها عمَّت العالم، فزهقت أرواح عشرات الآلاف و بها أصيب مئات الآلاف , وما تزال تفتك ببني البشر من دون الوصول إلى علاج لها إلى الآن، فضلاً عما قامت به من هدر لاقتصاد العالم جراء الحظر في أغلب البلدان؛ مما جعل حكومات الدول تنشغل بجائحتها الخطيرة، وصارت بذلك موضوعاً مهماً يشغل بال الجميع، فراح الأدباء يتخذون منها ثيمة مهمة لموضوعاتهم لا في أدبيات أدباء اللغة الفصحى , بل طغت حتى في الأدب الشعبي ومنه الشعر .

ولعل كتاب (ما الفن) للروائي الروسي تولستوي خير مدعاة ؛ لتأكيده على الاتجاه الهادف للفن، ورأى فيه خير وسيلة لتحقيق الاتصال والترابط بين أفراد المجتمع، ونقل معاناته عبر وسيلة الأدب، وتوثيقه لما يجري من أحداث تعمُّ العالم.

و قصة سليل كورونا للأديبة الواعدة فاطمة هادي شاكر من القصص التي تناولت جائحة العصر والتي مازالت تقلق البشرية، فقد تناولتها بطريقة تكاد تكون من فنتازيا الأدب، إذ حلقت بأحداثها إلى عالم قديم عن طريق التذكر بما يطلق عليه النقاد الاسترجاع، جاعلةً من البطل (حسنين) ذلك الشاب الوديع يتذكر من خلال التاريخ الاسلامي واليهودي الواقائع التي حصلت لليهود أيام السبي البابلي ؛ وإن كانت الكاتبة امرأة مسلمة، لكن عاطفتها لاتفرق بين العدو والصديق في ظل الإنسانية، فهي عن لسان بطلها (حسنين) فيما قرأه في بطون الكتب، تنقل لنا رؤيتها تجاه الحياة والإنسان " وظلت تجول في مخيلته الأحداث، وكيف استعبد نبوخذ نصر اليهود، وجعلهم عبيداً يسقون الجنائن المعلقة يومياً، كما يتخيل السحرة اليهود الذين كانوا يعلِّمون السحر، مما اختلط لديه الفزع والخوف من المكان وأحداثه الأليمة من جهة، والرأفة والمسكنة على من قطن داخل أسوار الأسر من جهة أخرى "، فهي تمازج بين الخوف من مجهول وبين عائلات لاذنب لها جُلبت أسرى ؛ نتيجة سياسة الحكومات التي في أغلب الأحيان يكون ضحيتها الناس الأبرياء . فضلاً عن ذلك الصورة النفسية التي حَكَمت بها بطلها، وهو يتنبَّأ بشيءٍ ما سيحصل في قابل الأيام ؛ نتيجة الظلم المفرط الذي يقع كل يوم على العالم لاسيما العالم الإسلامي ومنه العربي، وكأنها اللعنة التي قال بها أرميا أحد أنبياء اليهود من أحفاد لاوي بن نبي الله يعقوب و" إرميا بن حزقيا كان من أنبياء بني إسرائيل ومن سبط لاوي، في عهد صدقيا آخر ملوك بني يهوذا ببيت المقدس. ولما توغل بنو إسرائيل في الكفر والعصيان أنذرهم بالهلاك على يد بختنصر (نبوخذ نصر)، وكان فيما يقوله إرميا: أنهم يرجعون إلى بيت المقدس بعد سبعين سنة " في إشارة لها إلى الحتمية التاريخية التي لابد للقدر أن يقيمها على بني البشر . ويبدو أنَّ الكاتبة تحتج بكل ما يمتُّ إلى السماء، ولنظرتها الموسوعية التي شملت بها كل العالم، جعلها تستعين بأرميا وهو نبي لمن ادعى الانتماء إليه في عصرنا الحاضر؛ كي تطلق العنان لرؤيتها الشاملة ولجميع البشر حينما تحل بهم المحن، هي نتيجة لأعمالهم السيئة وتأييدهم للحروب والنيل من الآخر، أو سكوتهم عن ظلم الظالمين ما يوقعهم بشرور أعمالهم " وفي منتصف الليل ذهب إلى الشرفة التي تطل على الشارع المكتظ بالبنايات العتيقة والذي ليس فيها إنارة كافية , وهو يصور ما كانت عليه العوائل اليهودية التي سبيت رغماً عنها واستعبدت، فعاشت محنة قاسية من الاستبداد، فخلَّفت بذلك ما جنته الأحفاد اليوم، وما سيجنيه العالم أجمع ... ظلت هذه الأفكار تراوده حتى الصباح" , وهي تصور أنَّ الشوارع مظلمة، بيد أنَّ بطلها على الشرفة، ما جعلت خفوت الأضوية إيذاناً بانطفاء الحياة، ولو لمرحلة لهذا العالم والذي مثلته برؤية (حسنين) العالمية، حين رأيناه ينظر بمقياس واحد لجميع بني الإنسان، إذ لايهمه انتماء الناس لطوائفهم ومذاهبهم، بل نظر إلى روح الإنسان فيهم .

ولعل تشاكل الأنساق الدلالية في النص، جعلنا نقول أنَّ مقصدية الكاتبة كانت دقيقة حين وظَّفت الماضي عبر التخيُّل ؛ لتربطه بالحاضر ؛ فحزنه على أخوته وهم لم يتمتعوا ولو بسفرة، إذ تبغي الكاتبة من ذلك : أن تبين رأفة (حسنين) على المحرومين من البشر فجعلته يستشعر أخوته " استحسن حسنين الذهاب ... بصحبة مجموعة من الطلبة، الذين كانوا يمرحون بالتصفيق والغناء، تتخلل أوقاتهم بعض النكات وهم يعزفون بآلآت موسيقية شعبية، بينما يتبادلون الأدوار في الغناء طيلة الطريق، إلا أنَّ حسنين كان منشغلاً بإخوته الصغار الذين ما خرجوا سفرة طيلة حياتهم، فبدأ يخالجه الألم والحزن وهو يسرح بعيداً عن أجواء السفرة التي صارت عليه وبالاً ؛ نتيجة ما يدهمة من تفكير سالب " ما جعلها تظهره بصفاء السريرة ونقائها، كي تفيد من ذلك أنَّه بإمكانه أن يتطلع لاستشراف المستقبل عبر حدوسه تلك الحدوس التي يتمتع بها العرفانيون، كونهم أنقياء ومن عباد الله المُخلَصين.

كما تطلعنا على أنَّ العِلم هو أحق من أنْ نتدبر الأمور بجهل، وأن نضع أسباب الأشياء للغيب، وهي تذكر لنا أنَّ المساجد أغلقت أبوابها وحتى البيت الحرام أُفرِغ من المعتمرين، في إشارة إلى أنَّ الإنسان عليه اللجوء إلى علوم العصر , وأنَّ الحظر الصحي لم يأتِ اعتباطاً، إذ حاولت أن تغذي هذه الفكرة عن لسان أخي حسنين بعد إصابة والدهما بالفايروس، قوله: " ألا تعلم بأبي وتردده على واجبات التعازي والوافدين وزيارتهم المتلاحقة، لتحقيق هذه الواجبات الاجتماعية " وأن الخلاص من الأمراض يأتي من نصائح وإرشادات من هم مسؤولون عن ذلك ما جعل نهاية القصة مأساوية، إذ انتهت بوفاة الأب وإصابة الأخ بفعل الوباء .

أما أهم التقنيات التي وظفتها الأديبة فاطمة هادي، منها صوت الراوي (الساردة) يعينه بعض أصوات شخصيات القصة، وهم (البطل، والصديق، والأخ, والأب) وإن لم يكن لهم سوى بصمات صوتية قصيرة، لكن حاولت أن تنقلنا من الرتابة في السرد إلى كسرها، بواسطة الحوار، فضلاً عن ذلك اتكأت على الأشخاص لاسيما حسنين ؛ لتبين رؤيتها من خلال الصراع الذي عاشه، والمقارنة بين ظلم العالم لبعضه بعضاً، والجائحة التي عمَّت العالم للاقتصاص منهم، وتذكيرهم أنَّ الإنسان ما يزال مقصِّراً تجاه أخيه الإنسان . فقد استطاعت أنْ توضِّح بعض الأحداث من خلال حوار الشخصيات .

ولعل الحوار اتجه من طريقين : الحوار المباشر، والحوار غير المباشر، وتمثل بالمنلوج الداخلي عبر تذكر حسنين للأحداث التاريخية التي قرأها وشاهدها، وكأنها صورة سينمائية في مخيال البطل الذي شكَّل حديث النفس حواراً داخلياً في النص.

أما الجمل، فقد طغت الجمل الفعلية في القصة، لما للفعل من حركة وتجدد، ولعل سرعة كورونا وانتشارها في العالم هي بمثابة سرعة الأحداث وتصاعدها من خلال استحضار حسنين للماضي ودمجه بالحاضر عبر منصة المقايضة التي لابد أنْ تحل بمن لايلتزم الشرائع أو القوانين .

بينما لغتها كانت لغة عالية واضحة ؛ لما للقصة من اقتراب للواقع الذي نعيشه اليوم مع جائحة كورونا، أبعدنا الله وإياكم عن شرورها .

أما وجهة النظر، فقد كانت من خلال زاويتين لكنهما التقتا في بؤرة واحدة، هما الساردة و البطل، إذ جعلت أغلب المشاهد والرؤى تتحرك من خلال سردها، بينما الفكرة كانت تتم من زاوية نظر حسنين .

بينما الأزمنة والأمكنة، فعلى الرغم من قصر القصة إلا أنَّ مجريات الأحداث قد جرت في أماكن متعددة، كذلك الزمن على الرغم من تراتبه وقد مثَّل زمناً مستمرَّاً، لكن قطعه بالرجوع إلى الماضي أي زمن ما قبل الروي والذي منح النص السردي اختصاراً وتكثيفاً ووضوحاً للفكرة التي بنيت عليها القصة.

وبعد هذه القراءة الاستقصائية لموضوع القصة واكتشاف نظامها السردي، وما فيها من متعة وفائدة فكرية، نتمنى للأديبة الواعدة فاطمة هادي شاكر مزيداً من الإبداع والحضور في المشهد الثقافي العراقي، وهي تنطلق بنزعة واقعية في معالجة قضايا الحياة المجتمعية .

 

بقلم د. رحيم الغرباوي

 

مثنى كاظم صادق ما أن يقرأ المرء المجموعة القصصية (خيبستا)(1) للقاص المبدع حسين البعقوبي، حتى يغرق في تهويمات واختلاجات نفسية عميقة مستذكراً - القارئ - بعض خيبات ذاته في الآخر، ولا أعني هنا الآخر الشخص فحسب، وإنما المكان أو الزمان أو السلطة.. وهي البنية المضمونية لهذه المجموعة فهي مفتاح لتجسيدات خيبات الذات مع الآخر.. الخيبات المخادعة المواربة المنصهرة في الأزمنة والأمكنة والشخصيات.. بكل ما تلوثت به من أدران اجتماعية وسياسية تشكلت في المجاملات المتصنعة والأفعال المنافقة.. يفتتح القاص مجموعته بالنص الآتي: (الخيبة حين أرادت لها دوراً في المسرحية، استنكروا ورفضوها مراراً وتكراراً؛ لكنها حين ارتدت ثوباً بنفسجياً وأطلقت على نفسها اسم خيبستا، هللوا لها ومنحوها دور البطولة) ص 7 فالنص يرمز إلى رفض الناس للخيبة الواضحة في الحياة؛ لكنها عندما تأتي مرتدية لوناً بنفسجياً مخادعاً لمحتواها يرضون بها وهنا اللون البنفسجي قد يشير إلى رمزية الانتخابات التي خيبة آمالهم ولما تزل.. إذ إن اللون البنفسجي في دلالته الكبرى أيضاً يشير إلى الملوك والنبلاء وخصوصاً في مجتمعات أوروبا، وفي عصر ما، تمّ تأسيس قانون لهذا اللون الرمزي كان يسمى بالقوانين الكمالية يحظر فيه جميع الأفراد ما عدا المقربين من العائلة المالكة ارتداء اللون البنفسجي!! كما ارتبط هذا اللون بالخرافات والأساطير فهو يرمز إلى القداسة ويعد لون الآلهة أو الأشخاص المنحدرين من الآلهة. تشتمل معظم قصص المجموعة على ثنائيات ذاتية واضحة وقد أبدع القاص فيها في الولوج إلى عوالم الإنسان النفسية وما يفكر به وما تجول بخاطره من رؤى وأفكار تجاه نفسه واتجاه الآخر؛ لذا تجد ضمير القاص أو الرواي متجلياً ظاهراً في متون القصص، إن اليأس والإحباط تدفع بهذه القصص إلى سيرورة الحدث وتماهيه مع الذوات التي فيه ومنها بالتأكيد ذات الرواي عارضاً مرة ومفسراً مرة ومنشطراً بذاته مرات محاكياً لها، ففي قصة هولواجرام يعرض القاص ما حل بالبلاد من نشوب مخالب الغرباء فيه وتمكنهم منه فــ(الناس أصيبوا بالخيبة وبنوع غريب من الجنون وتطرف بعض منهم فادعى بأن المعاناة اليومية التي يعيشها المواطن، هي السبب الرئيس في مشاعره الملتبسة هذه)ص 10 وظن الناس أن نجاتهم وخلاصهم من خيبة الخطف والقتل هو اتباع هذا أو ذاك (ثم ظهر لأول مرة واحد من تلك الكائنات، وقال إن الموعد يقترب، وأن عليهم أن يتبعوه ليضمنوا الخلاص.. ثم ظهر آخر ليكذب الأول، وقال بأنه هو الأحق بأن يتبع.. ثم جاء اليوم الذي اختفى فيه الناس جميعاً) ص 13 يجسد القاص الذوات الضائعة الحزينة في تلافيف الحياة وسط أتون الحرب الطائفية المقيتة التي أكلت صديقه أو أصدقائه كما في قصة ثلاثة قتلى (وبعناء شديد استطاع أن يرفع يده ليشير بسبابته إلى يميني حيث النافذة تابعت خط الإشارة، فانتقل الرعب إلي، فتى كث الشعر غريب الهندام توقف على بعد أمتار من سيارتنا وراح ينظر إلينا وهو يضع يده اليمنى داخل قميصه القطني الرمادي المتسخ في تلك اللحظة توقف الزمن بالنسبة إلي وبزرت في مخيلتي لحظة اغتيال زميلنا على أيدي أناس من أشباه هذا الفتى.. ثمة فوهة معدنية ستطل علي من تحت القميص لتحيل إلى هذا الجبل إلى كومة رماد) ص 21 تجسيد مشهدي مؤثر يجسد الفجيعة ولحظة استلاب حياة الآخر الذي يعاني من تهويمات مؤلمة. إن اليأس والإحباط يجعل الإنسان مغترباً عن واقعه ومجتمعه بل ربما يصل إلى القطيعة المعرفية بين وبين المجتمع ضمن مخزونيات خيباته المتكررة في حياته التي تنثال على وجدانه وذاته التي قد تنشطر إلى ذاتين أو عدة ذوات في الوقت نفسه، كما في قصة آلهة قديمة، مخاطباً الرجل الذي دخل عليه (كأنك تتحدث عني أو عن أشخاص آخرين تعرضوا لظروف مشابهة لكنك نسيت أن تذكر أنه تعرض لفترتين من الكبت الأولى كانت في زمن الدكتاتورية.. أما الثانية فهي التي تحدثت عنها أنت)ص 38 إن كبت الإنسان للهموم والمعاناة يجعل منه مغترباً في ذاته وواقعه وربما يصل إلى مرحلة الهلوسة أو الجنون حتى وربما يتراءى له تهيؤات في بعض الأحيان ومحاكاة لأشخاص مفترضين؛ لكي يعالج أموراً شديدة القتامة من خلالهم في لقطات مشهدية سردية ترصد السلبيات والتناقضات التي تمور في ذاته الخائبة (وبدأت أصرخ بوجهه وأطالبه وأطالبه بمغادرة المكان؛ فقال: جئتك كي تستعيدني لا لتطردني . في تلك اللحظة دخل المكتبة أحد الأصدقاء.. قال: ما هذا الصراخ؟ قلت: هل يرضيك ما فعله؟ قال: من؟! نظرت إلى حيث كان يقف قريبي فلم أجده . قلت لصديقي: ربما خرج حين رآك تدخل . قال: لم يخرج أحد من عندك . ولم صادفني أحد في الطريق) ص 42 وهكذا تميل بعض قصص المجموعة إلى ميدان علم النفس من أجل تعرية الذات وإدانة الواقع وفضح الشر البشري وهذا من مميزات القاص المبدع ولاسيما عندما يكون هذا القاص لصيقاً بالمجتمع يجيد حفرياته فالقاص يمسك جيداً بحفارة الوعي التي تجوف الآخر والإفادة من علاقة الحيز الذاتي له الذي يتحرك بحركة تقابلية مع الواقع ضمن علاقات إنسانية متشابكة لكنه يلتقطها ويفرزها ويحللها سردياً فهو يؤرخ لذاكرة المكان وذاكرة الذات ويجعل منهما متناً يحيل إلى هامش التشكل؛ فالقاص المبدع حسين البعقوبي يجيد اختيار الحدث أو الموقف ويعيد تشكيله ببراعة ويحيله إلى لقطات قصصية تنقل بشكل مفصل المشاعر والأحاسيس ضمن تقانة الصور المشهدية التي تتماهى مع ذاته في هذه المجموعة، كما في قصة الأرملة السوداء مثلاً (هذا اليوم ونحن نهبط السلم سبقتني متهادية بثوبها الأسود الضيق الذي أبرز تفاصيل جسدها، فزادها جمالاً . فجأة وقبل أن تهبط الدرجة الأخيرة أدارت رأسها بسرعة فضبطتني وأنا أنظر إليها مأخوذاً فضحكت بغنج ودلال وعيناها كأنما تقول: ها أنت وقعت) ص 94 في هذا النص وسواه نلمس الصدق الفني في نقل المشاعر والأحاسيس فالمجموعة القصصية توظف الأنثى بوابة للأمل بوصفها سكناً للذات المضطربة وميناءً للبوح وكشف الخاطر للوصول إلى لحظة التجلي الوجداني. جملة البداية لكل قصة في المجموعة جاءت متقنة جاذبة للمتلقي؛ لأنها تشي بإعادة صياغة شيء ما وتمثله من جديد يربط بها، ولعل جملة البداية أو جملة الاستهلال ليست من السهولة المتصورة؛ من حيث التنفيذ؛ لأنها الطريق إلى النص أو هي الرحم الذي سيلد النص؛ أقول جملة البداية في هذه المجموعة جاءت على ثلاثة أنواع الأول ثمة حدث غير مألوف سيأتي بشكل مفاجئ والثاني: التحضير لخلق البطل في القصة والثالث صورة مشهدية لتفصيلة حياتية وهذه الأنواع الثلاثة تمد عروقها المتدفقة إلى بقية أجزاء القصة وأما من الناحية اللغوية فجاءت جملة بداية القصص من السرد الذاتي بمعنى اعتماد ضمير المتكلم بجمل فعلية ذات دلالة ديناميكية متحركة (كنت أقرأ عن آلهة الإغريق وأنا جالس خلف مكتب متواضع تحوطني رفوف الكتب..) ص 31 (بادرني لحظة أن دخل مكتبي وهو يحمل..) 49 (إلتقيته في السوق على غير موعد، مد يده مصافحاً واحتفظ بيده اليسرى مخبأة..) 59 في قصص آلهة قديمة و أحزان الضفادع وقمر بيوت الطين على الترتيب وجمل جاءت بصيغة لغوية إسمية دلت على الثبات والاستقرار لأنها تريد أن تصف مشهداً صورياً ثابتاً سيحقنه القاص في ما بعد بالأحداث(في شوارع مدينتي وأزقتها..) ص 9 (على الرصيف الأيمن من الشارع ذي الممرين..) ص 22 (أول قاء حدث بيننا كان عندما انتهى العرض..) ص 70 كما في قصص هولوا جرام و بووم وكيس اللكم على الترتيب وتجمع كل هذا الجمل التي تمتد إلى نهاية القصة المهمشين والضحايا ضمن كناية كبرى للمجموعة وهي تشكل أو استقواء الخيبات ضمن سردية ذاتية توحد الراوي والبطل معاً في زمن محدد يتم إيقافه عند لحظة مفصلية معينة والقيام بتعميق هذه اللحظة وولادتها بشكل مغاير.

 

د. مثنى كاظم صادق

..........

(1) خيبستا / قصص / حسين البعقوبي منشورات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق ط1 عام 2018م. 

 

حسين سرمك حسنحسين سرمك حسن: البطلُ البريء فوضى مهمة "قتل الأب" الحضارية بين الأجيال العراقية- تحليل رواية "قصّة عائلة" للروائي قصي الشيخ عسكر

فصل من كتاب "البطل البريء" للناقد حسين سرمك حسن عن الروائي د. قصي الشيخ عسكر صدر ضمن منشورات مؤسسة المثقف الغراء.

الإهداء

إلى عائلة "آل نجم" وعذاباتها .. نموذجاً لعائلة ماتزال مُعذّبة اسمها: العراق .

وإلى الروائي "قصي الشيخ عسكر" الذي كانت معالجته الروائية الباهرة لقصة تلك العائلة الدور الأبرز في استثارة الرؤى النقدية والنفساجتماعية التي طفحت بها هذه الدراسة.

(... أنا تائهٌ حقّاً ..

فعذرا

كيفَ السبيلُ إلى العراقْ؟

: خُذْ أيّ تاريخٍ مُضاعْ

خُذْ أيّ خيط دمٍ مُراقْ

تجد العراقْ ...)

الشاعر العراقي الراحل

خليل الأسدي 

(اقتربتُ من الجثة وطلبتُ من بعض الجنود أن يقلبوا العقيد على ظهره.. فبدا لي وجهه وسط ضباب النور موشّحا بالكدمات والبقع الزرقاء.. عيناه جحظتا كأنهما تحملقان فيَّ .. كلّ ملابسه ممزقة .. بدلته تلطخت بالقذارة فاختلط الدم بالوحل.. هذا الوجه الوسيم والشعر الخفيف ينبيء عن صورة مرعبة.. تلك الدقائق رأيت في وجهه الملطخ بالدماء مستقبلي الغامض. حياتي الجديدة... كأنّ الجنود التابعين لي قتلوني معه.. قتلوا مستقبلي.. بينه وبين رتبة الزعيم التي أصبح يحلم بها كل ضابط مرتبة واحدة..)

"هاني"

69 husansarmak

رواية "قصّة عائلة" للروائي قصي الشيخ عسكر

 (بغداد التي ألفناها بدت غريبة عنا... تلك المدينة التي شهدت ولادتي وطفولتي أدركتها في حال بؤس وسورة دم.. حزنٌ وصخب.. داميةً تنظر إلينا باستغراب.. كأنّ الدم الذي لحقنا إلى البصرة وانفجر من العقيد المغدور مازال يلاحقنا نحن الأبرياء.. بالأمس حدثت جريمة، فساح دم الملك وعائلته، ووجدنا الأمر يحدث في البصرة التي طردتنا.. نحن الآن في الشارع.. لامأوى لنا)

"هشام"

رواية "قصّة عائلة" للروائي قصي الشيخ عسكر

 (وإذا أخذنا بعين الاعتبار تضخّم الثقة بالنفس لدى الجماهير واطمئنانها الى عدم المحاسبة والمعاقبة كلّما كان عدد الجمهور أكبر، فهمنا لماذا تقتدر الجماهير المحتشدة على الإتيان بأعمال لا يأتيها الفرد في العادة. ففي الجمهور، وبسبب انعدام حسّ المسؤولية وانتفاء الخوف من العقاب، يتحرّر الأبله والجاهل والحسود من الاحساس بدونيتهم وعدم كفاءتهم، ويصبحون معبّأين بقوّة عنيفة وعابرة ولكن هائلة، وفي الغالب شريرة. وهذا ما يُفسّر قابلية الجماهير لارتكاب أبشع الأعمال وأكثرها تطرفاً وهمجية. ولكن هذا أيضاً ما يفسّر قدرة الجماهير، إذا ما وُجد الزعيم الصالح حقاً، على اجتراح أفعال بطولية، وعلى التفاني من أجل قضية نبيلة، على نحو يتجاوز بكثير قدرة الانسان المعزول على ذلك).

غوستاف لوبون

علم نفس الجماهير - 1895

***

تمهيد: رواية قصة عائلة

وصلتني هذه الرواية "قصّة عائلة – رواية توثيقية"، مخطوطة، من الروائي "قصي الشيخ عسكر" بواسطة البريد الإلكتروني ومعها هذه الرسالة التعريفية التمهيدية عن ظروف كتابة الرواية ومصادر وقائعها . قال قصي في رسالته:

قصي الشيخ عسكر(العزيز حسين

في عام ١٩٦٠ كما أظن عندنا في البصرة قام الجنود المحسوبون على اليسار والشيوعيين بقتل عقيد في الجيش في الشعيبة اسمه العقيد جلال، وهو قومي ناصري. مرّ الحادث وعندما أصبحتُ في الصف الخامس الثانوي سمعتُ في المدرسة من قبل أستاذ اللغة العربية عرضا عن حادث قتل العقيد جلال. وقبل سنوات عندما زرتُ الاْردن واستقبلني د. هشام  نجم في عمّان وكان قد اطلع على رواية قصيرة لي عنوانها " الثامنة والنصف مساء" (..) أخبرني بحادثة قتل العقيد جلال بتفاصيلها وبعث لي ببعض مذكراته لأنّ أخاه الملازم الأوّل هاني نجم اتُهم بذلك، وطلب مني أن أُبقي على الأسماء كما هي. وفعلا، فعلتُ وقضيتُ تقريبا اكثر من ثلاث سنوات في الكتابة وجاءت الرواية بمائة صفحة او اكثر بقليل.

وقد قرأ الرواية د هشام نجم الذي كان أحد ابطال أحداثها والذي ضمّنت من مذكراته بعض الفصول لكي أُدخل اسلوبا جديدا على الرواية الواقعية هو الاقتباس من المذكرات ووضعه بين أقواس لاسيّما ان مذكرات د هشام مفعمة بالأسلوب الأدبي الرفيع) (انتهت رسالة الروائي قصي الشيخ عسكر).

ما الذي يهمنا ويهم القارىء - بالتالي - من رسالة الروائي؟

بين الذاتي والموضوعي

قبل أن نجيب على هذا السؤال الحيوي الذي ستمضي دلالات إجاباته معنا حتى النهاية سوف أعالج مسألة مُهمة انطوى عليها عمل الروائي التجديدي كما وصفه ضمناً من خلال محاولته تقديم طريقة جديدة في الكتابة الروائية يقتبس فيها الكاتب جانباً من المذكرات الواقعية التي اعتمدها في كتابة نصّه الروائي مازجاً إيّاها بتقنيات الرواية التاريخية. هذه الطريقة أو التقنية سمّاها قصي "رواية توثيقية" لم يعتمد فيها على أي "وثيقة" غير مذكرات الدكتور هشام نجم. وفوق أنّ هذا المسعى المبتكر يحيلنا إلى فارق بين ما هو توثيقي ووثائقي، فإنه - ومن خلال الاعتماد على المذكرات المرتبطة بمرحلة عاصفة عاشها الروائي وكاتب المذكرات وحتى الناقد والقارىء من ذلك الجيل - يثير أيضاً معضلة العلاقة بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي في تناول الكاتب - أي كاتب في المجال الإبداعي خاصة والإنساني عامة - لوقائع تاريخية "موضوعية" فعلية .

في معنى "الوثيقة"

الوثيقة اسم مشتق من الجذر الثلاثي "وَثِقَ". ومعنى وَثِقَ معجميّاً بفلان  (يَثِقُ) ثِقَةً، ومَوْثِقاً، ووُثُوقاً، ووَثاقَةً: ائتمنه. فهو واثق به، وهي واثقة. والمفعول موثوق به، وهي موثوق بها. وهم موثوق بهم. (وَثُقَ) الشيءُ  (يَوْثُقُ) وَثاقة: قوي وثبت وصار مُحْكَماً. وفلان: أخذ بالوثيقة في أمره: بالثِّقة. فهو وثيق. (ج) وِثاق. وهي وثيقة. (ج) وِثاق.(أَوْثَقَ) فلاناً إيثاقاً: جعله وثيقاً. والأسير ونحوه في الوَثَاق: شدّه فيه. والعهد: أحكمه.(وَاثَقَ) فلاناً: عاهده. تقول: واثقته بالله لأفعلنّ كذا.(وَثَّقَ) فلاناً: قال فيه إنَّه ثقة. والأمر: أحكمه. والعَقد ونحوه: سجّله بالطريق الرسميّ، فكان موضع ثقة. (مو).(تَوَاثَقَ) القوم على الأمر: تعاهدوا وتحالفوا.(تَوَثَّقَ) في الأمر، ومن الأمر: أخذ فيه بالوثيقة أو بالثِّقة. والعقدة: تأرَّبَت، أي تأبَّت وتشدّدت. (اسْتَوْثَقَ) من فلان: أخذ منه الوثيقة. ومن الأمر: أخذ فيه بالوَثاقة. (الثِّقَةُ): مصدر. وقد يوصف به.(المَوْثِقُ): العهد. (ج) مَواثِق. (المُوثِقُ) من الشَّجر: الذي يعوِّل الناس عليه إذا انقطع الكلأ والشجر. وكلأ مُوثِق: كثير موثوق به أن يَكْفِيَ أهله عامهم. وماء مُوثِق: كذلك.(المُوَثِّقُ): مَن يوثِّق العقود ونحوها بالطريق الرسميّ. (المِيثَاقُ): العَهد. (ج) مواثيق، ومَياثيق، ومياثِق.(الوَثَاقُ): اسم من الإيثاق. وما يُشَدّ به، كالحبل وغيره.(الوِثَاقُ): ما يُشَدّ به، كالحبل وغيره. (ج) وُثُق.(الوَثِيقَةُ): مؤنَّث الوثيق. وما يُحكَم به الأمر. وفي الأمر: إحكامه. يقال: أخذ بالوثيقة في أمره: بالثِّقة. وأرض وثيقة: كثيرة العشب. موثوق بها. والصَّكّ بالدّين أو البراءة منه. والمستند وما جرى هذا المجرى. (ج) وَثَائِق . (1)

ومن هنا نجد أن المشترك في هذه المعاني للجذر "وثِق" هو الإحكام والمصداقية والأمانة والكفاية . أي أنّ المعلومة يجب أن تكون مؤتمنة ومُحكّمة وبعيدة عن النوازع والرغبات الفردية وكافية في إثبات حقيقة أمرٍ ما.

ومن الناحية الرسمية فإنّ الوثيقة تُعرّف بأنها كل ما يُعتمد عليه، ويُرجع إليه لإحكام أمر وتثبيته وإعطائه صفة التحقق والتأكد من جهة، أو ما يؤتمن على وديعة فكرية أو تاريخية تساعده في البحث العلمي، أو تكشف عن جوهر واقع ما، أو تصف عقاراً أو تؤكد على مبلغ، أو عقد بين اثنين أو أكثر، ويمكن تحديد عناصر الوثيقة بالتالي بما يلي: 1. أن تكون مصدراً للمعرفة: أي أنها تحتوي على معلومات تمكّن المستفيد من الاعتماد عليها في إثبات حجة أو دفع شبهة أو رد على رأي أو الحصول على معلومة جديدة تفيد في البحث العلمي. 2. أن تمتلك قوة الإثبات: نحو أن تحتوي بيانات للمسؤولية أو أن تكون مسجلة في الدوائر المختصة أو أن تكون قد حُققت سابقاً. 3. أن تكون قابلة للانتفاع حيث تقدّم معلومات هي موضع حاجة لدى الباحث مهما كانت صفته. (2)

متى تصبح المذكرات وثيقة؟

وعليه متى تصبح "المذكرات" وثيقة؟

إذا توفّرت فيها صفة "التحقّق" من أطراف ثانية، وتأكّدت فيها المصداقية من خلال المطابقة على الوقائع الفعلية، وتميّزت بالقابلية على الانتفاع بها تاريخيا . وهذه الصفات لا تتوفّر في المذكرات الشخصية . فلم نجد عبر التاريخ اتفاقاً كاملا على أيّ مذكرات صدرت من أيّ شخص مهما كان حين تخرج من دائرة الأمور الشخصية إلى دائرة الشؤون الاجتماعية والسياسية والتاريخية العامة.

وحتى في المذكرات السيرية الشخصية البحتة فإنها تتعرّض للكثير من المآخذ والاعتراضات وحتى التحسّب من جانب كاتبها حين تتناول شأناً يدخل فيه "الآخر" الذي تترتب له أدوار ورغبات وحسابات و"حقوق" من ناحية أو شؤوناً عامّة (سياسية أو تاريخية أو اجتماعية) ل "الآخرين" فيها آراء ومواقف قد تختلف بل تناقض جذرياً آراء الطرف الآخر؛ صاحب المذكرات أو السيرة، من ناحية أخرى؟ فكيف بمذكرات الدكتور هشام نجم التي تتناول "آخرين" و"حوادث" تاريخية وسياسية واجتماعية عامة في واحدة من أعقد المراحل التي مرّ بها العراق وأكثرها تمزّقاً والتهاباً والتي مازالت عواصف الفرقة والاختلاف حولها تدور رحاها حتى اليوم وهي الحوادث التي ارتبطت بثورة 14 تموز عام 1958 والتي مايزال كثيرون – ومنهم شاعر العرب الأكبر والأعظم محمد مهدي الجواهري الذي كان شاهداً عليها على سبيل المثال - يرى فيها انقلاباً دمويّاً لا ثورة أصيلة؟

لقد حاول الروائي البارع قصي الشيخ عسكر تقديم رواية "توثيقية" كما قال لا رواية "وثائقية" إذا جاز الوصف؛ بمعنى الرواية التي تعمل على تثبيت الوقائع "الحقيقية" التي جاءت في مذكرات الدكتور هشام نجم ، وتلك الحوادث التي سطّرها الدكتور هشام والكيفية التي عالجها بها الروائي الدكتور قصي لابُدّ أن تكون – وهذا ما يفرضه المنطق العلمي – قد تعرّضت لتأثيرات "العامل الذاتي" لدى الطرفين، وهو عامل مهم ومؤثر بل خطير حين يتعلق الأمر بالشؤون الإنسانية علوماً وفنوناً .

المعرفة الإبداعية واقعة فرديّة يقوم بها العقل وقوى النفس الإنفعالية

فعلاقة الذاتي بالموضوعي في شؤون الإبداع خصوصاً والشؤون الإنسانية عموماً هي علاقة خطيرة تختلف جذرياً عنها في حقل العلوم الطبيعية. فالظواهر الطبيعة غريبة عنّا لذلك فان ادراكها يتم عن طريق المعرفة العلمية بأسسها "الرياضية" المعروفة، في حين أنّ الأمور الأنسانية والظواهر الاجتماعية هي أمور ذاتية تُدرك من الباطن. وفي الباطن حسب أطروحات التحليل النفسي يكمن مشغل أو مرجل اللاشعور الذي لا يهدأ في عمله الدائب في تشكيل الأفكار والعقائد والمواقف وفق دوافعه وصراعاته. والمعرفة في العلوم الأنسانية تقوم على الفهم الذاتي، ولذا فهي واقعة فردية، في حين أنّ المعرفة في العلوم الطبيعية تقوم على التفسير الذي تعتمد فيه على الأسباب والتصوّرات المُجرّدة. وبذلك تكون مهمة المبدع – وفق هذا التصوّر - متمثلة في البحث عن المعاني والصور الكلية للفعل والثقافة وفهمهما. وعليه فإن النشاط الإبداعي؛ مذكراتٍ أو فناً سردياً، يقوم على الفهم لا التفسير، في حين أنّ المعرفة في العلوم الطبيعية تقوم على التفسير لا على الفهم. فعناصر الموضوع في العلوم الطبيعية تأتينا من الخارج عن طريق الحواس، وبذلك يكون نهج المعرفة الذي يناسب العلوم الطبيعية هو التجريد والتحليل. ولهذا يتم التفسير في العلوم الطبيعية بالاعتماد على الأسباب والتصوّرات المُجرّدة. وهذا هو الشكل الذي تأخذه الموضوعية في العلوم الطبيعية، في حين أن النشاط الإبداعي هو نشاط إنساني فكري - نفسي، يُدرك موضوعه ويُفهم فوراً قبل أن تتهيأ لنا معرفته العلمية . وهذا الفهم لا يتم عن طريق العقل والذكاء وحده، ولكنّه – وهنا بيت القصيد - يتم من خلال جميع قوى النفس الأنفعالية أيضاً. وبذلك يكون الفهم مقترناً بميل أو نفور، حب أو بغض (3)

لقد تناول الدكتور هشام نجم حوادث حاسمة ومريرة تتعلق بعائلته التي لا يمكن أن تجرّده أي قوّة "موضوعية" من قدرٍ من ارتباطاته العاطفية بأفرادها ولا من مواقفه تجاه طرفي المثلث الإنساني في أي علاقة وهم الأب والأم (والإبن). وهذا الأمر لا يقرّره هو، بل يكشفه المحلّل النفسي أو هو نفسه إذا قام بعملية تحليل نفسي ذاتي متجرّدة ستكون مُحمّلة بالمشاق لأنهّا ستكون هدف إسقاطات وأواليات دفاعية ذاتية تتلاعب بها شكلاّ ومضموناً.

الذات هي التي تعطي معنى للعالم

وحتى حين تتم المزاوجة بين الذاتية والموضوعية والتي مثلتها بأحسن صورة الفلسفة الظاهراتية كما صاغها" هوسيرل" والوجودية كما جاءت لدى "مارتن هيدجر" و"كارل ياسبرز" ينتصب العامل الذاتي من جديد فاعلاً ومؤثراً حيث يعترف ياسبرز بموضوعية العالم وبقيامه قياماً سابقاً لمعرفتنا لكنه يذهب الى أنّ مدخل الظاهرات (الفينو مينولوجيا) لا يمكن أن يُفهم إلّا على أساس ردّ العالم الى الذات. فهذا الردّ عنده هو الذي يعطي للعالم معنى (عن طريق فعل الشعور)، فلا يكفي عنده أن يدرك الشعورُ العالمَ ماثلاً أمامه، بل لابُدّ من أن يحاول إعطاءه معنى، ولن يتسنى له هذا إلا بردّ العالم إليه (4). وهذا يعني أنّ المعنى الذي أعطاه الدكتور هشام ثم الروائي قصي هو معنى "ذاتي" يجب أن نتعامل معه – ولغرض فهمه "موضوعيّاً" - باحتراس ودقّة.

بين الطرح والطرح المُضاد

إنّ العلاقة بين المبدع (أو كاتب المذكّرات وخصوصاً حين يكتبها بأسلوب أدبي رفيع كما قال الروائي يتدخل فيه لاوعيه من خلال المجاز المُغيَّب) ومادة بحثه - الإنسان - تتضمن (إسقاطات) ذاتية متبادلة تشبه علاقة الطرح – transferanc والطرح المضاد – counter- transferance التي تتأسس في الرابطة النفسية التحليليّة بين المحلِّل والمُحلَّل . ففي الطرح يقوم المريض باسقاط مشاعره المُختزنة تجاه أحد أبويه – سلباً أو ايجاباً – على الطبيب النفسي المعالج. والأخير يقوم، بدوره باسقاط مشاعره الخاصّة المُختزنه في اللاشعور على المريض الذي فتح له أبواب المكبوت على مصاريعها . ولعلّ فهما سريعاً لحالة المريضة "أنّا أو" التي سمّى فرويد ابنته الكبرى باسمها تيمّناً بها كحالة كلاسيكية في التحليل النفسي عن الطرح والطرح المضاد، وكيف أربكت حياة معالجها الدكتور "جوزيف بويير" وأهارته يساعدنا على إدراك أوسع لدور العامل الذاتي في المعالجات الإبداعية والإنسانية (5). (يمكن للسادة القرّاء أن يطّلعوا على عرض وافٍ لهذه الحالة وأبعادها المعرفية في كتابنا "محاولة في تحليل شخصية الدكتور علي الوردي")(6).

واعتماداً على أطروحات "جاك لاكان" فهذه التجربة؛ تجربة العلاقة الطرحية بين المُحلِّل والمُحلَّل، كانت ولا تزال فريدة من نوعها. فخلافاً لما كان يتصّور بأنّ العلاقة بين شخصين ثنائية، يتبين لنا في الواقع بأنّ هناك طرفاً ثالثاُ على الأقل يسيّر الحوار. وعدم اكتشاف وجود هذا الطرف الثالث كان من نتيجته تقويض العلاقة بين الطرفين؛ برويير وأنّا  في تلك الحادثة الفريدة. فالمقاومة كما يقول "لاكان" هي مقاومة المُحلّلِين أنفسهم: فالمحلّل لا يسمع ما لم يكشف النقاب عنه في نفسه (7).

68 kusayaskar2

اللاشعور هو الطرف الثالث بين الكاتب ونصّه

فالطرف الثالث - اللّاشعور هو الذي يلعب دوره في تحديد شكل وطريقة العلاقة الطرحّية السابقة نفسها لتوجيه وتصميم اختيارات وأحكام المبدع (أو كاتب المذكّرات) أو كل مشتغل في كتابة وبحث الشؤون الإنسانية حيث يتمرأى بفعله النهائي والمؤثّر في صياغة العلاقة بين الكاتب ونصّه . وهذا ما عبّر عنه "جان بول سارتر" بطريقة أخرى حين قال:

(ان الحقيقةَ حقيقةُ مواقفٍ تقوم على الالتحام المباشر بين المُفكّر والوجود. إنّ كلّ ما يوجد بالنسبة إليّ لا يمكن أن يستمد معناه الوجودي إلّا منّي أنا وفي نطاق ضميري).

والصيغة الصحيحة لعبارة سارتر هذه من وجهة نظري هي أن كل شىء يستمد معناه من دلالاته الرمزية بالنسبة إلى تجارب لاشعورنا المكبوتة وليس إلى نطاق ضميرنا – وهو لاشعوري أيضاً - فحسب .

إنّ علينا أن نفرّق بين الكتابة الإبداعية مهما كان شكلها، كتابة رواية أو مذكّرات، والكتابة عن الظواهر الطبيعية من خلال درجة تأثّر الانسان بطبيعة الظاهرة التي يتناولها. فالأولى تتناول الظواهر التي يكون الأنسان فيها المؤثِّر والمتأثّر. وهنا يتجلى صارخاً الفرق بينها وبين الظواهر الفيزولوجية التي يكون الأنسان فيها متأثراً فقط، والظواهر الفيزيائية التي يكون فيها الأنسان مشاهداً وملاحظاً لها فقط. لا بدّ من التفريق بين الظاهرة الانسانية والفعل الانساني، فالفعل متصل بحرّيتي وهو عبارة عن تدخّلي في العالم وتأثيري فيه. أمّا الظاهرة فهي فعل وقع وظهر وانفصل عني. وبذلك يصبح الفعل ظاهرة بحدوثه وانفصاله عني، وظهوره في الواقع. وتصبح الظاهرة "فعل" بادراكي لها واطلاعي عليها، ولو لم أكن سبباً في إحداثها. ومن ثم فأنّ الظاهرة والفعل يتعلقان بموقفي الفكري، حيث أنظر الى الماضي فأجد الظاهرة، وأشعر بالحاضر وأحياه فأقوم بالافعال، فالظاهرة توجد في العالم المادي مستقلة عن الفعل، وبذلك فأنّ الحياة جميعها عبارة عن انتقال من الفعل الى الظاهرة، ومن الظاهرة الى الفعل، وعليه فإن الكتابة العلمية سوف تعتمد على ظواهر المادة ومن ثم تكون فكرة الظاهرة فيها أساسية وسيتناول الباحث فيها أحكام الوجود المادي، لا أحكام القيم . في حين أنّ الكتابة الإبداعية تقوم على قضايا إنسانية، تستند في مصادرها إلى أفعال، لا الى ظواهر، ولذلك فهي تعتمد على أحكام القيمة أكثر من اعتمادها على أحكام الوجود. إلّا ان كل فعل نقوم به له معنى يتصل بماضينا وحاضرنا ومستقبلنا أي بشخصيتنا. فإذا جرّدنا قضايانا الانسانية من معانيها وغاياتها التي تضمّنت وحدتها وتماسكها، نكون بذلك قد عرّيناها من حياتها النابضة وتناولناها كجثة هامدة لا حراك فيها ولا تفصح عن ماهيتها الحقيقيّة. (8) .

حوار الذات والموضوع محور العملية الإبداعية خلقاً ونقداً وتلقّياً

ويمكننا أن نختم هذه المداخلة المفتاحية الضرورية ليس لفهم المذكرات (مذكرات الدكتور هشام نجم) والرواية التي تأسّست عليها (رواية قصّة عائلة للروائي قصي الشيخ عسكر) فحسب، بل – وأيضاً – للإدراك العميق لمنطلقات التحليل الذي سيطرحه الناقد بعد قليل أوّلاً، ومجموعة الظواهر الإنسانية بأبعادها النفسية والاجتماعية والسياسية التي تضجّ بها المذكرات والرواية والواقع الاجتماعي في تلك المرحلة ثانياً، وتأثّرات عملية التلقّي والقراءة ثالثاً، بهذا المثال:

لو افترضنا، على سبيل المثال، أننا كلفنا طبيباً مختصاً بالتحليلات المختبرية بأن يحسب لنا عدد كريات الدم البيض لمريض ما على شريحة موضوعة تحت عدسة الميكرسكوب، فإنّه سيؤدّي هذا الواجب بصورة "علميّة" مجرّدة ويقدّم لنا النتيجة . ولكن لو افترضنا أنّ هذه الشريحة هي لابنه الصغير المُصاب بسرطان الدم أو اللوكيميا المميتة (زيادة عدد الكريات البيض المُعطّلة بدرجة هائلة). من المؤكّد أنّه سيؤدّي مهمته بصعوبة أو يعتذر عنها. ولذلك لا يُستحسن أن يُجري الطبيب الجرّاح عملية لابنه أو يقوم الطبيب النفسي بمعالجة أحد أفراد عائلته. فكيف بالدكتور هشام وهو يلاحق تحت مجهر ذاكرته عذابات أفراد عائلته (خصوصاً أخاه هاني) وانفعالاتهم ومعاناتهم الجسيمة في واحدة من أخطر مراحل الحياة العراقية؟ ثم كيف بالروائي وهو "يعيش" تلك التجربة من جديد عبر صياغة سرديّة أهم ما يتوخّى فيها أن تكون "مُجسّدة" لتلك العذابات بصدق وحرارة من ناحية و"مؤثّرة" في المتلقي عبر هذا التجسيد الصادق من ناحية أخرى؟

في عمليتي إعادة الصياغة والخلق هاتين بالنسبة إلى كاتب المذكرات وإلى كاتب الرواية سوف يجري "حوار" بين الكاتب (ذاته) والحدث الذي يعالجه (موضوعه) لا يحصل في الكتابة العلمية وذلك بالطريقة الجميلة التي يعبّر عنها العشّاق عادة بالقول: "قلبك .. يوجعني"، وسوف تشتغل – شئنا أم أبينا وبهذا القدر أو ذاك – مقاوماتنا وإسقاطاتنا وعلاقاتنا الطرحية (بين الكاتب وشخوص نصّه في ما أسمّيه "لاوعي النصّ" كما سنرى قريباً في مجريات الدراسة) وأوالياتنا الدفاعية التي سوف تتدخّل في إعادة تشكيل المضمون (خصوصا في محتواه الإنفعالي) وتصميم شكله الذي يجسّد هذا المضمون ليضمن أفضل وأقوى درجة من التأثّير في عملية التحام ديناميكية خلّاقة بين شكل العملية الإبداعية ومضمونها لا يمكن فصلها أبداً فنحن لا نرى الابتسامة "أمام" الوجه ولا "خلفه"، بل "فيه".

سبعة عوامل مهمة في رسالة الروائي

أعود الآن إلى سؤالنا المهم السابق:

ما الذي يهمنا ويهم القارىء - بالتالي - من رسالة الروائي؟

يهمنا – أوّلاً - التعرّف على "الأصل" الواقعي للحدث المركزي الذي قام قصي بمعالجته فنّيا من الناحية السردية ليحوّله إلى رواية. فقد علمنا الآن أن الحدث الواقعي لم يكن تنقصه الحبكة والتوتر الدرامي أبداً. فهو حدث صادم وفاجع ومشوّق وذلك بأن يُتّهم شخص بجريمة قتل شخص آخر وهو برىء تماما منها . وهي ثيمة اعتمدتها روايات وأعمال فنية سينمائية وتلفازية كثيرة لعل "الهارب" مسلسلاً في الستينات وفيلماً (من بطولة هاريسون فورد) في التسعينات عالميا، ورواية "اللص والكلاب" (كتاباً وفيلماً) للروائي الراحل نجيب محفوظ عربياً، هما أسرع ما يتبادر إلى الذهن عن "المتهم البريء"، وهناك غيرهما الكثير.

كما علمنا – ثانياً - أن الروائي قد استفاد من "الوثيقة" كما شاع في سرديات الحداثة وما بعدها ممثلة بمذكرات شقيق الضابط المتهم. واستخدام وثيقة وصفها قصي بأنها ذات أسلوب أدبي رفيع سوف يثير إشكالاتٍ أخرى تتعلّق بالمعالجة المُضافة من قبل الروائي وما الذي ابتكره ليصمّم شكلها ومضمونها النهائي مستفيدا من تلك المذكرات لتأتي معالجته السردية بهذه الصورة الرائعة.

لكن – وهذا ما يهمنا معرفته من الرسالة ثالثاً - أن جريمة القتل ذات طابع سياسي وعسكري وهنا يبرز الفارق الأكبر. فلم تكن الضحية زوجة مثلاً. هناك طبعا أعمال أدبية وسينمائية عن جرائم قتل سياسيين وعسكريين ولكنها ليست جريمة يقوم بها جنود محسوبون على حزب سياسي فلا توجد أحزاب في الجيوش الأمريكية والأوروبية ولا يُسمح بالنشاط السياسي لأي عسكري إلا إذا غادر الخدمة العسكرية. لكنها جرائم عن سوء سلوك قائد أو مجموعةٍ ما تقوم بفعل (مذبحة أو عملية سرّية لاشرعية أو تهريب) خارج السياقات العسكرية. في حدث قصيّ ضابط يُقتل شرّ قتلة بشنقه وسحله والتمثيل بجثته من قبل جنود محسوبين على الحزب الشيوعي (وستكون لنا وقفة مع تعبير "المحسوبين" هذا لاحقاً).

وما يهمنا معرفته – رابعاً عن طريق الاسترجاع الذاكراتي وربط الحادث بسياقه التاريخي الذي عشناه وما يزال يلوب في صندوق الذاكرة الأسود – وهو أمر في غاية الخطورة، هو أن هذه الجريمة كانت "مطلوبة" وليست مُستنكرة من قبل عدد لا يُستهان به من الناس في البيئة التي وقعت فيها آنذاك، وليس كما حصل في الأعمال الروائية والسينمائية السابقة حيث يهرب "المتهم" ويواجه المصاعب الكارثية ليثبت براءته. فلأول مرّة يبارك قطاع واسع من الجمهور في مجتمع "القاتل" جريمته هذه ويعدّه "بطلا" لأنه اقترفها على الرغم من أنه بريء منها بل يصرّح برفضه لها علنا كما سنرى.

ومن الأمور المهمة الأخرى – خامساً - هو أن الحدث المركزي/الجريمة وتبعاتها المهلكة اللاحقة قد جرت في عام 1960. أي أن بين الروائي – وبيننا كمتلقّين أيضا - وبين الوقائع ما يزيد على الستين عاماً. وعندما نتذكّر التجربة النفسية الشهيرة للعالم الأمريكي غوردن ألبورت Gordon Allport الذي عرض صورة لرجل أبيض يحمل موسى حادة ويتحدث إلى رجل أسود على شخص في تجربة، وطلب منه أن يهمس بمحتواها في أُذن زميله، ليقوم الأخير بهمسها في أُذن زميله المجاور له .. وهكذا .. وصلت الحادثة إلى الشخص الأخير متغيّرة تماما. وحصل هذا حول مائدة مستديرة وفي عملية نقل آني للحدث من شخص إلى آخر . فكيف بنقل حادثة وتصويرها من جديد بعد أكثر من ستين عاماً؟! (وقل لي كيف نقل الرواة العرب أخطر النصوص التي تتحكم بحياتنا وحياة شعوبنا ودوّنوها بعد أكثر من 100 سنة على رحيل أصحابها؟! .. وهذا يحيلك أيضا إلى النظر عميقا في عملية كتابة التاريخ) . أضف إلى عوامل التعرية هذه التي تتأكّل جروف الذاكرة عامل "المصلحة النفسية" الذي تحكمه عوامل شعورية عقلية واضحة وعوامل لاشعورية غامضة ومستترة وشديدة المكر وهي الأخطر على الإطلاق، وسوف نتوقف عندها بصورة عميقة أيضا. ولو عدتَ سيّدي القارىء إلى مفتتح رسالة الروائي الذي قال فيه:

(في عام ١٩٦٠، كما أظن)

وانتبهت إلى جملته (.. كما أظن) لوجدت عاملا - ولو بسيطا - يؤكّد ما قلناه عن تعرّض الذاكرة لعوامل التآكل التي تزعزع يقينها وتدفعنا إلى الاحتراس في التأمين على ما تستدعيه "تراجعياً" بعد المضي الجارف لسيل السنين والأعمار. وقد استمع الروائي قصي إلى الحكاية الواقعية من مدرّس اللغة العربية أوّلاً وهو في الصف الخامس الثانوي (وهو في ذروة مراهقته وعند العتبة التي يُعدّ فيها الفرد رسمياً وقانونيا واجتماعيا مؤهلا لتقييم الحوادث بصورة مستقلة) ثم اطلع بعد سنوات طويلة – وبعد أن اصبح روائيا بارزاً - على الحكاية نفسها من خلال طرف فاعل فيها (وتركيبة هذا الطرف النفسية وشخصيته ودوافعه – اللاشعورية خصوصا - مغايرة بالتأكيد لتركيبة قصي النفسية وشخصيته ودوافعه – اللاشعورية خصوصا - وكلاهما تختلف تركيبته ودوافعه عن "الراوي" الأوّل؛ مدرّس اللغة العربية. وسوف تتفاعل طريقتا سرد الحكاية من المدرّس (وله مصلحة لاشعورية مستترة بالتأكيد) والدكتور هشام (وله أيضا مصلحة لاشعورية مستترة بالتأكيد) وحضور كلّ راوٍ، وأسلوبه، ولغته، وصورة النموذج الأبوي التي يحملها الروائي في لاوعيه عن أبيه، وعن الإثنين، وعن السلطة المرجعية الأبوية ودورها في حياته منذ طفولته، سوف تتفاعلان مع الظرف الاجتماعي العام في المجتمع العراقي ومجتمع البصرة، والخاص بمجتمع قصي الصغير (عائلته وأقرانه .. إلخ)، والوضع النفسي لقصي كمتلقٍ آنذاك، وبينها نزوعاته وولاءاته وصراعاته الغريزية (تظافر فعل غريزتي الحياة والموت) وبنيته الفكرية، كل هذه التفاعلات سوف تنتظم في سلسلة عمليات فكرية ونفسية موادها التخييل واللغة والتصوير الفني ليتحوّل فيها قصي من "متلقي" من حكّاءَين واقعيين إلى "حكّأء" لمتلقين هم "نحن" . وفي لُبّ هذه العملية سيخلع قصي قشرة الحكّاء الواقعي ليتحوّل – شاء أم ابى، ومهما كان حرصه وأمانته على تقديم رواية "توثيقية" كما وصفها – إلى لبس أردية دور "الحكّاء/السارد/ الروائي المقتدر" المغوية الذي سوف يحوّل من خلالها تلك "الحكاية" الواقعية "الفجّة" من المصدرين إلى "فن". ولو كان ما قدّمه قصي رواية "توثيقية" بمعنى الأمانة "الخبرية" والنزاهة "الإخبارية" في سلسلة عمليتي النقل لما كان هناك داع لكتابة رواية ولاكتفينا بالحكايتين كما صاغهما وطرحهما المدرّس والدكتور هشام نجم على الكاتب. وسنثبت ذلك تفصيليا في سياق التحليل الذي سوف نقدّمه.

وضع في ذهنك، سيّدي القارىء، أيضاً أن الروائي قصي الشيخ عسكر يُعدّ من الكتّاب العراقيين والعرب الروّاد في مجال كتابة رواية الخيال العلمي كما جاء في سيرته (9). وبخلاف ما قد يتصوّره الكثيرون عن أن فعل الخيال "الواقعي" في الرواية التوثيقية السياسية يخالف فعله في رواية الخيال العلمي فإن أسس عملهما الجوهرية اللاشعورية الدفينة واحدة كما سنرى.

ولعل الأمر المهم الآخر – سادساً – في هذه الرسالة هو قول الروائي أن الدكتور هشام نجم صاحب المذكرات التي اعتمدها في تصميم روايته وشقيق "المتهم البريء البطل" – لاحظ الوصف المأزقي ذا الخلطة العجيبة - قد طلب منه أن يُبقي على الأسماء كما هي، وقد قام قصي بذلك فعلا. وهذا ليس أمرا هيّناً وبلا تأثير في عملية الخلق الإبداعية. فاستخدام الأسماء الحقيقية لشخوص الرواية يسحب عملية التلقي إلى "أرض" الواقع أكثر فأكثر ويطوّق الميل التخيّلي للقارىء الذي يجري في عملية موازية للميول التخيّلية للروائي ويحدّ من حركته من ناحية، ويدفعه إلى مقارنة الأفعال المتصوّرة من قبل مخيال الروائي بالمرجعية الواقعية لهوّية الشخصية معبّراً عنها باسمها الذي يتعدّى – نفسيا ووجوديا – عملية التسمية إلى الحضور والفعل والكينونة بأكملها من ناحية ثانية مكمّلة. وليس عبثاً أن القدماء كانوا يقولون "من يسرق اسمك يسرق روحك". وسنرى أهمية ذلك من خلال ملاحقة وقائع الرواية وتحليلها.

أمّا الأمر الآخر المُهم – سابعاً وأخيراً - الذي تُحيلنا إليه هذه الرسالة فهو ما ذكره الروائي عن المدّة التي أمضاها في كتابة الرواية وهي (ثلاث سنوات) ومدى تناسبها مع المنجز الروائي النهائي (طبعا لا علاقة للزمن المصروف بحجم المنجز ولكن ب "حجم" الجهد الفني المبذول في تحويل الحكاية من مصدرها "الخام" إلى عمل فنّي روائي رفيع المستوى . وهذا يحيلنا حتما وبقوّة الاستنتاج إلى أن الكاتب سوف "يتصرّف" مهما كان حرصه على تقديم رواية "توثيقية" كما يزعم .

الرحيل يعني قليلاً من الموت

لنمضِ الآن مع الروائي قصي الشيخ عسكر في الفصل الأول من روايته الذي حدّد مكان أحداثه بمفردة "البصرة" تحت عنوان "الفصل الأول" . هذا الفصل يتكوّن من استهلال وأربعة أقسام هي:

(1). المدرسة

(2). العقيد جلال

(3). المُعتقل

(4). هاني نجم

وفي الاستهلال نقرأ ما يلي:

(عام 1996 غادر هاني إلى ألمانيا ليمنح ابنه المصاب بسرطان دم عَلِق في جسده من حرب الخليج نخاعا . فليس هناك مايطابق دم "منير" غير دم الأب . ثم اكتشف الأب أن وصوله لا يعني شيئا سواء أكان متأخرا أم لا، فقد اختطف الموت الإبن، وبذلك دشّن آل نجم أول قبر لهم في الخارج . وسوف آتي على قبور الآخرين فيما بعد . وها أنا – أخي هاني  وجدتني أعود إلى البصرة - حالما بدأت أنت رحلتك إلى أوروبا - أعود إلى عام 1959 لأقتنص اللحظات") (ص 5)

مُفتتح يقطّع القلب عن "هاني" الذي – ومن خلال السطر الأول – لا نعرف عنه شيئا لأن المتلقي يقرأ الرواية من دون الملاحظات التمهيدية السبع السابقة، يواجه محنة كبرى يمكن أن تُهير أيّ إنسانٍ حين يرى المُثكل – كما يصف جدُّنا جلجامش الموتَ بدقة – وهو يلتهم – ببطء وعناد كريه – فلذة كبده في مفارقة جارحة جداً بعد أن اكتشف أن نخاع العظم الوحيد الملائم للزرع في عظام ولده "منير" المُصاب بالسرطان هو نخاعه؛ أي نخاع الأب هاني نفسه . كان الموت في حياتنا مُقدّراً من قبل قوى خارجة عن إرادتنا ثم أصبح الآن في ظل المدّ الإمبريالي الأمريكي مُصنّعاً من قبل أخينا الإنسان وبيديه. فقد عَلَق هذا السرطان المُنهي بجسد منير بسبب حرب الخليج (وأقرب الاحتمالات وأقواها هو أن يكون من نتائج استخدام القوات الأمريكية لليورانيوم المنضب الذي سيبقى في التربة العراقية – خصوصا البصرة – لمدة 4 مليارات سنة حسب الدورة العلمية لهذا العنصر . وينبهنا هذا الاستهلال – أو يحذّرنا – إلى أن قبر منير هذا هو أول قبر لعائلة نجم خارج العراق . كما يُعلن راوٍ بضمير الغائب أيضا عن أنه سوف يحدّثنا عن قبور أفراد عائلة آل نجم الآخرين في داخل العراق، لينتقل فوراً إلى صوت "الأنا" المُعلن فيظهر أنّه شقيق هاني المثكول ويخاطبه بأنه في الوقت الذي سوف يرحل فيه هاني إلى أوروبا فإنه – أي الراوي - سوف يعود إلى البصرة قافزاً مسافة زمنية شاسعة تمتد من عام 1996 وهو الزمن الذي يحكي فيه الراوي – ولنتفق ولو وقتياً على أنّه ليس الروائي قصي الشيخ عسكر - هذا الاستهلال المُحزن الذي خُتم بشمع الموت الأسود وسط موت الإبن – وهو إبن أخ الرواي – وخيبة الأب وغربته المُقبلة وهو يدشن رحيله – وليس رحلته – إلى أوروبا (والرحيل حسب الحكمة القديمة يعني قليلا من الموت) في حين سوف يدشّن الراوي المثكول أيضا "رحلة" موازية من عام 1996 إلى عام 1959.

كل الأصوات الساردة هي تمظهرات لصوت الروائي؛ المؤلف هو الحيّ الذي لا يموت

ومن المهم الإشارة إلى أن صوت الراوي – بل كل شخوص الرواية مهما كان دور صوتها وحضوره ثانوياً – هو تمظهر من تمظهرات صوت الروائي مهما حاولت مدارس الحداثة تصنيف الرواة وأصوات الحكّائين في الفن السردي: راوياً عليماً "ديكتاتورا" بكل شىء، أو لا يعلم إلا بما تعلمه الشخصيات (المشارك أو الشاهد أو المرآوي العاكس)، أو الذي يعلم أقلّ مما تعلمه الشخصيات (واحداً منها مثلا) كما يقول (جان بويون)، أو – وهذا حسب تصنيف (جيرار جينيت) – راوٍ يحلّل الأحداث من الداخل (بطل يحكي بضمير الأنا أو كاتب كلّيّ المعرفة على الرغم من أنه راوٍ غير حاضر)، أو راوٍ يرقب الأحداث من خارج (أما راوٍ مشاهد فهو حاضر ولكنه لا يتدخل، أو كاتب يروي ولا يحلل، فهو غير حاضر، ولكنه لا يُسقط المسافة بينه وبين الأحداث) . أو – وفق وجهة نظر تودوروف - راوٍ يعلم أكثر من الشخصية (الرؤية من خلف/ضمير المتكلم/بطل يروي قصته)، راوٍ يعلم بقدر ما تعلم الشخصية (الرؤية مع/ الراوي هو الروائي/ضمير الغائب)، راوٍ يعلم أقل مما تعلمه الشخصية (الرؤية من الخارج/ الراوي الشاهد الحاضر، لكنه لا يتدخل/ كالمخرج يُعرف من خلال أثاره)، أو الكاتب الذي يروي من خارج، فهو غير حاضر، ولا كلّي المعرفة (10)..

أقول برغم كل هذه التصنيفات وغيرها الكثير فإن كلّ أشكال الرواة، وكل أنواع الشخوص، هي تمظهرات – بهذا القدر أو ذاك – لصوت الكاتب من ناحية، وستعلق بها - من ناحية ثانية مكمّلة - و- حتما – متعلقات من لاشعوره، لأن كل صوت وكل شخصية وكل حركة وكل نأمة تجري من الشخوص على مسرح الرواية كانت قد دخلت في " مشغل اللاشعور الخلّاق " الذي لا يهدأ والذي "يتخيّر" المناسب منها من موقف أو حوار أو حركة أو فكرة ليمرّر تحت أغطيتها اللغوية والتصويرية شيئا من مكبوتاته وصراعاته ورغباته.

وفي استهلال من أقلّ من ستة أسطر تنقّل الروائي من الحكي بضمير الغائب (سرد من الخارج/ إخباري) إلى إعلان بصوت ضمير المتكلم عن هويّة السارد (شقيق الغائب!!) الذي يرسم مسار رحلتين الآن: الأولى لهاني الغائب (ولا أعلم كيف يكون "الضمير" غائباً وهو حاضر تماما بلغة السرد وعلى أرضيته!) وهي رحلة "مادّية/عملية/واقعية" نحو "المستقبل" في أوروبا إذا جاز الوصف، ورحلة للسارد/ الأنا / شقيق هاني، وهي رحلة موازية، لكنها "تخييلية" سرديّة’ نحو الماضي؛ نحو البصرة عام 1959. ولكن كل مسارات الاستهلال وما يتضمنه من حوادث وأصوات تسردها (إصابة الإبن الفاجعة بالسرطان وموته ثم دفنه في ألمانيا، وبدء رحلة هاني الأب إلى أوروبا، وبدء رحلة الراوي التراجعية السردية نحو الماضي) تجري في الحقيقة زمنيّاً في "الحاضر"، الحاضر بالنسبة للحظة الحكي السردية من جانب، وللحظة القراءة النقدية أو الاستقبالية التي نقوم بها حين نمسك الرواية للقراءة من جانب آخر. فتحت أيّ مظلّة تجري كل تلك الرحلات الثلاث الشائكة المتشابكة والمتعاكسة في الزمان (ماضي (راوي)، حاضر (روائي ومتلقي ناقدا وقارئا)، مستقبل (هاني/شخصية في الرواية)، وفي المكان (أوروبا/هاني/شخصية في الرواية) (البصرة/الراوي) (مكان التلقي ويحضر فيه دائما وأبدا وعبر عملية تفاعلية لاشعورية غير منظورة الروائي مع المتلقي وعليه لن يموت المؤلف على الإطلاق)، فأسأل: تحت أيّ مظلّة تجري كل تلك العمليات المعقّدة – ومعها عمليات لاشعورية إسقاطية وتقمّصية وغيرها مما سوف نتعرّض له بعد قليل)؟ إنّها تجري تحت مظلة الروائي/الكاتب/المُنشىء (المنشىء حسب الوصف الحداثوي الذي ابتدعه البنيويون والتفكيكيون تمهيدا لإعلان موت المؤلف) . المؤلّف في العملية الإبداعية - وهو هنا قصي الشيخ عسكر - هو الحيّ الذي لا يموت . وهذا ما سنحاول "إثباته" أو إعادته إلى الأذهان أيضا في سياق تحليل وقائع الرواية. والخطوة الأولى التي سوف نقطعها على هذا الشوط هي في القسم الأوّل: (المدرسة)، ويتعلق ب "الوعد" الذي قاله الراوي لأخيه هاني في ختام الاستهلال بأنه سيعود إلى البصرة عام 1959 "ليقتنص اللحظات".

اقتناص اللحظة الأولى: خطيئة اقحام الأطفال في السياسة

وأول لحظة (مشهد من الذاكرة) يقتنصه ويستدعيه من تلك المرحلة الغائرة هو المشهد الذي يقترب منه فيه الأستاذ محمد مدرس اللغة العربية في ثانوية المعقل ليخبره أن الرئيس المصري آنذاك "جمال عبد الناصر" سوف يلقي خطاباً في الساعة التاسعة مساءً، وأن عليه أن ينتبه دائما إلى اختلاف التوقيت: (بيننا والقاهرة ساعة من فرق الوقت) (ص 6).

كان الراوي أقرب الطلاب إلى نفس الأستاذ محمّد لحبّه درس اللغة العربية وعشقه الأدب والشعر. وكان يختاره أوّل طالبٍ يقرأ موضوع الإنشاء ويرشّحه للخطابة في استعراض المدرسة على الرغم من قِصَر الفترة التي أمضاها في ثانوية المعقل إذ وجد فيه هو الطالب الجديد القادم من بغداد القدرة على قراءة الشعر بصوت وإحساس يريده الأستاذ حماسةً وتمثيلاً وانفعالاً (ص 6).

ولكن حين نعلم أن الراوي كان في الصف الأول المتوسّط وعمره خمسة عشر عاما كما يقول (وهذا لا يتفق مع الشروط الرسمية لأعمار التلاميذ آنذاك كما سنرى) نستطيع القول بلا تردّد أن ما قام به الأستاذ محمّد يمثّل "خطيئة" أخلاقية ومهنية. فكيف يُقحم "تلميذاً" بهذا العمر في السياسة؟ وما علاقة تلميذ صغير – وليس " طالباً " كما يقول قصي – بسياسة جمهورية مصر العربية ورئيسها جمال عبد الناصر؟ وما هي مؤهلات هذا التلميذ الفكرية والسياسية كي يستمع لخطاب رئيس دولة بما سيحمله من تناول مؤكّد للاوضاع العربية والعالمية؟

هذه خطيئة كبرى – أخلاقية ومهنية – أوقعنا فيها مدرسّونا وأساتذتنا حين أقحمونا في أتون السياسة الملوّث الهائج ونحن صِبية ذوو نفوس مرهفة كان عليهم توجيهها نحو الفن والجمال حيث التسامح والحب والألفة الإنسانية.

 

الدكتور حسين سرمك حسن

 

محمد الورداشيكثيرون هم الروائيون الذين قرأت أعمالهم الأدبية وإنتاجهم الفكري، لكن قليلون من أثروا فيّ من خلال كلماتهم، لهذا أجدني أتساءل عن جدوى قراءة مؤلف دون أن يحرك شيئا في مشاعرك؟ وما الفائدة منه –أقصد المؤلف- إن أنت أنفقت وقتك في تصفحه ورقة ورقة، وفي النهاية لم يستطع اقتحام عاطفتك قبل فكرك؟

في تجربتي القرائية الضئيلة لم أكن أقرأ الروايات كما ينبغي، بغض النظر عن كوني على معرفة بأهميتها في حياتنا، وعن كونها المرآة التي بموجبها نقرأ حياة الآخرين، وننهل من تجاربهم الإيجابية والسلبية.

استمر عزوفي عن الاهتمام بكاتب دون غيره، فيما كنت كالنحلة أقتات من رحيق كتاب عديدين. في هذه الأثناء، وقعت عيناي على رواية لجبران خليل جبران، فانتابني شوق كبير لقراءتها؛ لأن عنوانها جذب قلبي قبل عقلي، فارتأيت أن أقرأها بتريث، لعلي أجد ضالتي الإبداعية  والفكرية التي طال تشوّقي لها، والتي لم أجدها عند من قرأت بعض أعمالهم. فكانت بدايتي مع "الأجنحة المتكسرة" من خلال ما اختلج نفسي من حيرة حول الأجنحة المتكسرة، لذلك فقد بدأت رحلتي الحقيقية مع هذه الرواية؛ إذ رصدت حياة فتاة طاهرة أحبت فتىً في صمت، وأحبها هو الآخر في صمت، بيد أني منذ الصفحات الأولى كنت واضعا أمام عيني أفقَ انتظار؛ وهو أن الأجنحة المتكسرة لم تكن متكسرة قبل أن يدبّ نسيم الحب في كيانها، وإنما انكسرت بفعل أفق انتظار العاشقين الذي كسّرته الحياة برياحها العاتية، بل بتشريعاتها المتجبرة، وبسوء سريرة أناسها الأقوياء الذين ينهبون كلّ شيء، حتى قلوب الطيبين الطاهرين يقطفونها قبل أن تتفتح لاستقبال أشعة الشمس الساطعة، لتأتي الرياح العاتية وتقطف الفرح من محياها. لقد كانت رحلتي "مع الأجنحة المتكسرة" غريبة نوعا ما؛ إذ أجدني أحزن لحزن العاشقين، وأفرح لفرحهما، لتأتي النهاية الحزينة التي يكون الموتُ سيدَّها كالعادة، فيقطف رحيق الزهرة الحزينة في البداية، وما ينفك يرحل حتى يعود لقطف رحيقها. بعد بداية الرحلة رفقة "الأجنحة المتكسرة" مررت رفقة جبران لأكتشف عوالم الابتسامة، وحتى أرى إن كنت سأحس الشعورَ نفسَهُ في رحاب "دمعة وابتسامة"، حيث كانت الرحلة متعالية مع خواطر المؤلف التي تنم عن غياهب نفسه، وعن أحاسيسه المرهفة، وعن عشقه للجمال وللشعر بل للحياة الجميلة التي تبدأ من الجمال وتنتهي عنده.

ثم وقع في يدي صدفة "السابق"، هذا الأخير الذي ضمّنه جبران مجموعة من الخواطر والقصص القصيرة المليئة بالألغاز لما تحمله من أبعاد ومرام يقصدها المؤلف، فالسابق هو الذي أجرى جبران، على لسانه، المحبة في الناس، لينتهي السابق إلى القول: " ها قد ولى الليل، ونحن أولاد الليل يجب أن نموت عندما يأتي الفجر متوكئا على التلال... وستبعث من رمادنا محبة أقوى من محباتنا".

وما "المجنون" إلا خواطر جبران التي تتناثر بين: الحبّ والدين (الصلب) والجنون والحكمة، والتطلع إلى مستقبل لم يحن أوانه بعد، ولم يقو عود جبران بعد ليحظى به، لذلك، وأنا أقرأ هذه القصص والخواطر لم أكن موفقا في فك مغزاها المتناثر بين السطور، المختبئ في أعماق اللغة الطيّعة. أما "العواصف" فهي عبارة عن خواطر وقصص قصيرة، تناول فيها المؤلف مجموعة من الموضوعات التي سبق وأن تحدث عنها؛ كالصلب (يسوع الناصري)، والدعوة إلى التخلص من شبح الأجداد: تقاليد ولغة ودينا وفكرا. بالإضافة إلى الإهداء الذي وجدناه في "المجنون" قد ورد أيضا في "العواصف" في قصة الجنية الساحرة. إن ما لفت انتباهنا في هذا المؤلف هو مناقشة جبران للمآخذ والانتقادات التي وجّهت إلى كتاباته وأفكاره، وذلك في قصة "المخدرات والمباضع". هذا إلى جانب تكرار الكلام عن الشاعر في دمعة وابتسامة وفي العواصف. وفي "عرائس المروج" يطلعنا الكاتب عن ثلاث قصص تمثل ثيمات إنسانية كبرى؛ ففي الأولى حدثنا المؤلف عن الحب الخالد الذي يأبى الرحيل الأبدي وروح الشبيبة لم ترتو من نهره بعدُ، "فالأحلام والعواطف تبقى ببقاء الروح الكلي الخالد"، ولعل الخيال الأسطوري قد لعب دوره في قصة "رماد الأجيال والنار الخالدة"؛ إذ إن الحب يحترق ويغدو رمادا، بيد أنه ينبعث من جديد، ومن ثم فإن لجوء جبران إلى الحس الأسطوري الفينيقي (عشتروت)، قد أعطى لخياله متسعا فسيحا للتعبير ولجعل اللغة ترقص في عالمه الفتي.

ما يذكرنا بأسطورة العنقاء. في حين أن القصة الثانية "مرتا البانية" واقعةٌ مغلفةٌ بلغة بليغة، والظاهر من كلام المؤلف أنها واقعية مستوحاة من إحدى قرى لبنان، حيث الصفاءُ والهدوءُ والنقاءُ عكس المدينة التي ينتقدها جبران قائلا: "نحن أكثرُ من القرويين مالا وهم أشرفُ منا نفوسا...".

إن جبران، من خلال هذه القصة، يطلعنا عن الحب الطاهر الذي تملؤه الغباوة والسذاجة أحيانا كثيرة، غير أنه نقي صفي من أدران السريرة الخبيثة والشريرة، وإن شئنا قلنا إنها نفوس شياطينَ في صفة إنسان؛ إذ يلهثون وراء أجسادٍ طاهرةٍ طوتها الفاقةُ والعوز، وفي الأخير يكون مآل الأجساد الطاهرة الرجمَ والنفيَ، وحدث أن" رفض الكهان الصلاة على بقاياها". على أن المؤلف ينتقد المجتمع اللبناني في "قصة مرتا"، ليستمر في نقده للكنيسة التي تمنع العوام من قراءة تعاليم يسوع من تلقاء أنفسهم، وتبيع الدين لهم على خلاف ما ورد في الإنجيل (العهد الجديد)، وهذا ما تحدث عنه القرآن الكريم قبل جبران؛ فكثيرة هي الآيات التي تتحدث عن أولئك الذين يحرفون كلام الله عن مواضعه، والذين يشترون الضلالة بالهدى خلافا لما يأمر به الله تعالى. في عرائس المروج علاقة خفيةٌ بين الطبيعة الأم، كما سماها المؤلف، وبين الإنسان، لكن لمَ يشقى الإنسان في الطبيعة؟ هل الطبيعة أمٌّ قاسيةُ القلبِ، تجور على أبنائها وتعصف عليهم بغضبها؟ لم تنته الرحلة هنا، وإنما استُأنفت مع " الأرواح المتمردة"؛ في هذه المحطة التي لا تكاد تختلف في الموضوعات الإنسانية (الحب، الدين، شرائع الجامعة) عن "عرائس المروج"، يعود المؤلف ليطلعنا عن الظلم والجور وكيف يسكن الأنفس المتجبرة المتكبرة؛ إذ دارت أحداث الرحلة في رحاب الأسرة ودورها من داخل مجتمع المؤلف، وكيف يختلط الدين بالحياة الاجتماعية، قبل أن تتدخل الشرائع التي وضعتها الجامعة البشرية.

ومن ثم، يمكن القول إن المؤلف يرى أن الشرائع البشرية ظالمةٌ وقلّما تكون منصفةً، وهذا ما نكتشفه حين نرصد ما ورد في الرواية، وبالأخص الأحداث التي جرت في المحكمة التي تقوم على أسس وشرائع البشر، على أن المؤلف يرى أن الله لم يخلف بشرا في الأرض ليجعلَ الضعفاءَ سّجناءَ وأسرى بعدما خلقهم أحرارا، ولم يكن ليضع من يقيدوا حريتهم. لقد صور المؤلف في "الأرواح المتمردة" الحبّ والدفاع عن الشرف ودفع الجوع عن النفس، في صورة تجعل القارئ يحسّ أشجان الفقراء والمحبين والمدافعين عن شرفهم أمام محكمة قاسية قوامها الشرائع البشرية، كما أن المؤلف يدعو الناس إلى دين بغير وساطة، وإلى أن يصلوا كما تريد أنفسهم على اعتبار أن المؤلف يرى في النفس البشرية خيرا؛ لأنها خلقت كذلك، وستنتقل من صورة لأخرى دون أن يتغير جوهرها الخيّر. من خلال هذه المحطة، يبدو جليا أن المؤلف له موقف من الكنيسة برهبانها وكهنواتها، ومن المحاكم البشرية وحكامها، لذلك نجده ينقل لنا حال من رفض التقيد بأوامر الكنيسة، وكيف تبيع –الكنيسة- الدينَ من أجل المال، وكيف تسترقّ دماءَ الضعفاء والمغلوب على أمرهم.

وما الضعفاء الطاهرون والمدافعون عن شرفهم –حتى وإن لزم منهمُ الأمرُ أن يسكبوا آخر قطرة من دمهم النقيّ الطاهر- والمحبّون إلا أرواحٌ متمردةٌ على يد بشر متجبر يضرب بسوطه حتى الموت، دون أن يحس جوع الجائعين، ولا مآسي المحزونين، ولا أن يجعل الدين نقيا صفيا يرفرف داخل قلوب الضعفاء كالطائر الحرّ الطّليق. وتبعا لذلك يكون الدين عند جبران مزيجا من المسيحية والإسلام، بمعنى أنه –الدين- واحد حتى وإن اختلفت طرق ممارسات شعائره من قوم لآخرين. تجدر بنا الإشارة إلى أن العديد من القصص تتكرر في مؤلفات جبران؛ إذ ونحن نقرأ "البدائع والطرائف" تبينا القصص التي تكررت، لكن الأهم هو نظرة جبران إلى الوجود ووحدته، وتعدد الديانات التي تكلّم عنها في مسرحيته "إرم ذات العماد"، والتي استهلها الكاتب بآية قرآنية وحديث نبوي. ولا أدلّ على ذلك من شخصيات المسرحية، والهدف هو تأكيد وحدة الدين كما أشرنا سابقا، رغم اختلاف الممارسات.

ولعل "مناجاة أرواح" قد قدمت فكرة بديعة عن رؤية جبران للعلاقات الإنسانية، وللمعرفة، وللشيطان، ولفلسفة الابتسامة وغيرها من المواضيع كثير. "أرباب الأرض": في هذا المؤلف قدم لنا جبران حوارا فلسفيا أجراه على لسان أرباب ثلاثة؛ إذ يتجادلون حول الإنسان والوجود والحب... فالأول رب أرض متعال كاره للإنسان الضعيف، والثاني يحن على الإنسان، أما الرب الثالث فإنه يسعى إلى الجمع بين رأيي الربّين الآخرين، لينتصر في النهاية الحب الإنساني العلوي؛ إنه الحبّ بين المرأة والرجل، فهو الجمال السامي الخالد (فالحب باق، وبصماته لا تزول). كما أننا نقرّ أن الموضوعات تتكرر في كتابات جبران، ولا أدل على هذا مما تقوله كتب النقاد والمهتمين بأدبه عامة، وهذا المؤلف على وجه الخصوص؛ حيث أودع فيه جبران آخر كلماته قبل أن تخرج أنفاسه الأخيرة. على أن هناك مؤلفاتٍ عديدةً لجبران تميز هذه الفترة من تجاربه وخواطره، فقد وقعتُ صدفة على رواية " النبيّ"، والتي تشكل أكبر مستفز للقارئ منذ اللحظة الأولى التي تعتنق فيها روحُه روحَ المؤلف، إذ تساءلت عن نبيّ جبران: أهو نبينا عليه الصلاة و السلام، أم أن للمؤلف نبيا آخر؟ وبعد البداية في قراءة صفحاته، رغم قلتها، بدأت أكتشف أننا في حاجة لمعرفة: الحب عند جبران، والعطاء، والعمل، والتضحية، والدين، والفرح والسعادة، والشّر والخير...، لنكتشف، بعد ذلك، أننا نقرأ الحكمة من المعلم المصطفى الذي جعله جبران يخاطب في الناس ويسقيهم من حوض حكمته، ويزرع في نفوسهم بذور التآخي والمحبة والإنسانية، على أن هناك نظرةً إنسانيةً اتخذها المؤلف حملا على عاتقه؛ وهي أن الناس جميعا إخوةٌ بغض النظر عن اختلاف اللغات والأجناس...

 فحين تقرأ الحبّ والجمال عند جبران تكتشف حكمته الناضجة، وفكره العميق وفلسفته الأصيلة، ورحلته المعرفية التي متحتْ من مختلِف المشارب الفكرية والدينية والأسطورية؛ إنه المؤلِّفُ الذي يستفز قارئه بلغته الطّيعة التي يسكب فيها مشاعرَه وأفكارَه ونظرتَه للإنسان وللجمال. ولأن المؤلف أسرّ في نهاية النبي على عودته، فقد ملأني حبّ الاكتشاف إلى البحث عن طبيعة عودته في " حديقة النبي"، لأتبين كيف أن المعلم يعلم الناسَ الحكمةَ من الطبيعة، وكيف أنه يوجههم، دوما، إلى البحث عن أفراحهم وأحزانهم وعلمهم وحكمتهم في الطبيعة؛ لأنهم منها وهي منهم من جهة، ولكونها الطريقَ المستقيمَ لاكتشاف الروح الكلّي من جهة ثانية، وما من سبيل لبلوغ هذه الغاية العليا، عند جبران، إلا إذا تأملنا الجمال عنده حيث قال: "هيموا وراء الجمال واتبعوه وإن قادكم إلى شفا الهاوية. أجل، اتبعوه وإن كان ذا جناح وأنتم لا جناح لكم، اتبعوه وإن انتهي بكم إلى الهاوية. اتبعوه، فإن افتقدتمُ الجمال، افتقدتم كل شيء". على أن حديث جبران على لسان معلمه المصطفى يزداد جمالا في نفوسنا، محاولين فكّ مغزى حكمته، والغاية التي يروم نحتَها على قلوب مستمعيه الذين حضروا حديقتَه التي طالما رددت أصداء المصطفى بقوة كلماته، التي تجعل القلوب في حيرة، ولعل المصطفى أحس أمرهم، فباشر يخاطبهم قائلا: "فإن وقعت كلماتي عليكم وقع الصخور في ثقلها والألغاز في خفائها، فجدّوا في البحث إلى أن تنشقّ قلوبكم وتهديكم من حيرتكم إلى حب العلي المتعال وحكمته، ذلك الذي يسميه الناس الله". وتنتهي الرحلة رفقة النبي الصّوفي في حديقته حيث غنينا معه أغنيته الأخيرة رفقة الغمامة. "رمل وزبد": كتيّب صغير كتبه الشاعر الفيلسوف جبران بعد كتابه "حديقة النبي"، ولعل ما يستخلص من هذا الكتاب أن صاحبه ضمّنه جملةً من الحكم القصيرة من حيث اللفظُ، والعميقة من حيث الدلالةُ... صحيح أننا لامسنا بعض التكرار لما ورد في كتاب "النبي"، وصحيح أيضا، أن هذا الكتيّب يطلعنا على اعتراف جبران بفشله وجهله بالحق المطلق، ذاك الحق الذي يقبض عليه في قبضته، ثم ما يلبث أن يسيل كالماء بين فجوات أصابعه؛ هذا هو رمل وزبد... خواطر وحكم جبرانية تضع القارئ في صراع مع الرمز والعمق الفكري الفذ المتّقد. لتنتهي رحلتي مع "عيسى ابن الإنسان"؛ هذا الكتاب الذي عدّ من أبرز أعمال جبران، والذي، من خلاله، قدم لنا جبرانُ صورةً عن عيسى كما تخيله هو. فهو إله ونبي وحكيم وشاعر إنساني؛ إذ إنه يجالس الناس ويحدّثهم عن أفراحهم وأحزانهم، وعن آمالهم ورؤيته الجديدة لمستقبلهم وغدهم، بيد أن الجميل عند جبران، أنه قدم لنا صورةً واضحةَ المعالمِ عن عيسى بين محبّيه وأعدائه، بين الذين يؤمنون به والذين لا يؤمنون، وبين حواريِّيه وأتباعه الذين ظلوا أوفياءَ لتعاليمه، وأولئك الذين سرعان ما أعماهم الطمع، فكانوا بذلك اليدَ التي خانته، ومن ثم قادته إلى العدوّ ليلقى مصرعه. على أن في الكتاب جملةً من الأمور التي لم نستسغها فيه، لكننا نستحضر أن المؤلف قد صوّر رؤيته لعيسى، ورؤيةَ الذين يمجدونه في وقتنا هذا. بعد هذه الرحلة القصيرة رفقة مؤلفات جبران خليل جبران، أؤثر الإشارة إلى أني لم أقبل على مؤلفات جبران بعين ناقدة، ولم أدّعِ النقد بهذه الكلمات ولا الإحاطةَ بما كتبه، بقدر ما جذبتني لغته الشعرية المترنمة، وقوة تصويره الجمالي للنفس الإنسانية وللطبيعة بمختلف عناصرها ومكوناتها، ولعل ما يستفادُ من هذه الرحلة هو أن جبران قد كانت بدايتُه الإبداعيةُ مختلفةً عن نهايته؛ فبعد فترة الصبا والفتي انتهى به السبيل إلى الحكمة لدرجة أنه قد رأى في نفسه نبيا، يحمل كأسا كبيرةً ممتلئةً بالقيم الإنسانية وراح يترعُ كؤوسَ الناس منها.

 

محمد الورداشي

 

 

رضوان الرقبي في مقالة الانكشاف العظيم  للدكتور عبد الواحد المتوكل

تقديم: اهتم محللو الخطاب داخل نظرية التواصل بالجانب الخطابي بصفة عامة، لما له من حضور فعال في كل نشاط إنساني، سواء تعلق الأمر بإنتاج الفكر أو ممارسته؛ ممارسة تتجه بالأساس إلى الآخر. لأن الإنسان لا يفكر أو يتفلسف أو يكتب أدبا أو غيره بمعزل عن العالم. انه في تواصل مستمر وفعال مع محيطه الخارجي، وما يحتويه من مؤثرات ومحفزات و إكراهات، أو ما يطرحه من أسئلة وإشكالات وافتراضات... ومن هنا يدخل الجانب الحواري كآلية رئيسة في تشكيل الخطاب لتحقيق تواصل مميز ومثمر بين الناس.

وسنركز في هذا المقال على مبدأ الحوارية التي اعتمد عليه الدكتور عبد الواحد المتوكل في مقالته، (الانكشاف العظيم المنشورة في www.aljamaa.net) باعتبارها آلية من آليات الاحتجاج الكلامي في الثقافة العربية الإسلامية. والحوارية هي الأساس في كل خطاب حجاجي، بل في كل تواصل إنساني، وتقوم على "مبدأ التعاون" Principe de coopération الذي عرف عند الفيلسوف الأمريكي "بول غريس" PAUL GRICE. وهذا المبدأ هو المنظم لطرق التخاطب في الخطاب الطبيعي، وهو مطلوب في كل تواصل لغوي جاد وجيد بين المتكلم والمخاطب.

ولأجل تقريب الصورة سنعتمد مقاربة تداولية لمراتب الحوارية في مقالة الدكتور سيدي عبد الواحد المتوكل، مستندين إلى ما توصل إليه الدرس التداولي الحديث. وعليه سنقسم مراتب البناء الحواري في مقالة الدكتور عبد الواحد المتوكل إلى ما يلي:

1- مرتبة الحوار:

يعتمد الحوار في هذه المرتبة الآلية الخطابية المعروفة بالعرض، حيث ينفرد العارض ببناء معرفة نظرية، سالكا في هذا البناء طرقا مخصوصة، يعتقد أنها ملزمة للطرف الثاني المعروض عليه، وهي في عمومها مناهج الاستدلال البرهاني،" ومعلوم أن هذا الصنف من الاستدلال يتميز بخصائص صورية من تجريد وتدقيق وترتيب، ومن بسط للقواعد وتمايز للمستويات واستيفاء للشروط واستقصاء للعناصر" والدكتور عبد الواحد المتوكل في مقاله  افتتحه بتوجيه تنبيهي لمخاطبه المفترض، مستندا إلى برنامج تلفيزيوني بقوله: يروج في مواقع التواصل الاجتماعي مقطع من برنامج بثته قناة ب. ب. س....

وقد تحقق هذا المبدأ الحواري الدكتور عبد الواحد المتوكل من خلال اعتماده على ما يصطلح عليه بـ"الحوار الشبيهي"، "ويختص هذا الحوار بكون "العارض" فيه يتظاهر بإشراك غيره في طلب المعرفة وإنشائها وتشقيقها، بينما هو في حقيقة الأمر آخذ بزمام توجيه "المعروض عليه" في كل مرحلة من مراحل الحوار، فهو الذي يحدد "للمعروض عليه" مسألة سبق أن تدبرها، ويعين طريقا لبحثها خبِرها من قبل، وينتهي إلى نتائج معلومة له" . فالدكتور عبد الواحد المتوكل عرض على مخاطبه، واقعا من خلال استشهاده بحديث بثته إحدى القنوات التلفزيونية... فحواه هو ان المعارضة في الدول الديمقراطية لم تتوانى في ممارسة حقها الدستوري وفي توجيه النقد للحكومة، رغم أن الوضعية السياسية التي تمر منها هذه البلدان جد حرجة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا، بسبب وباء كورونا." جاء في مداخلة السيد هورتن نقذ لاذع للحكومة البريطانية" ليصل  الدكتور عبد الواحد المتوكل إلى نتيجة ستبنى عليها دعواه، وهو رد فعل الحكومة البريطانية: قائلا: ليس مستغربا في مجتمع تربى على سماع النقد والاعتراض والتقييم لمن يحكمونه ان يتكلم رجل بهذه الصراحة وهذه القوة". والنتيجة التي أراد ان يصل إليها الكاتب وأن يؤسس لها باعتبارها دعواه التي يدافع عنها وهي: " أن لا احد اتهمه بالخيانة" رغم النقد اللدغ الذي وجهه للحكومة.

إن هذا الأسلوب الاستدلالي الحجاجي يكاد يُكون مجمل عمليات الدكتور عبد الواحد المتوكل الاستدلالية على دعواه في هذا المقال. ويتجلى استثمار هذه الأداة في توجه الكاتب إلى المخاطب وتواريه وراء ضمير الخطاب مغفلا تماما ضمير المتكلم، وعند نتأمل قوله: القوم هناك فهموا من خلال صراعهم الطويل مع الاستبداد ان المعارضة جزء لا يتجزأ من النظام الديمقراطي السليم.، نراه يقوم بتوجيه المخاطب ودفعه إلى الوصول إلى النتيجة بنفسه، قائلا :" لذلك لم يتهمه احد بالخيانة ولا بمحاولة كسر الإجماع". وهذه الوسيلة أكثر إلزاما للمخاطب لأنها تصل به إلى درجة الاقتناع، وهي أعلى مرتبة وأقوى من درجة الإقناع، لأن الاقتناع إيمان وتسليم والتزام

فهذا التوجيه الحجاجي الذي يُشرك فيه الكاتب المتلقي في الوصول بنفسه إلى النتيجة، يحقق ما أسميناه بمبدأ التشارك الحجاجي، أي أن العارض يدفع بالمعترض إلى الاستدلال بنفسه على الدعوى التي أراد إثباتها. وهي عدم اتهام كل معارض حقيقي متبصر بالخيانة والخروج عن الإجماع..

2- مرتبة المحاورة:

ومرتبة المحاورة كأن يعتمد المحاور في بناء نصه على الصور الاستدلالية مجتمعة إلى مضامينها أوثق اجتماع، وكأن يطوي مثلا الكثير من المقدمات والنتائج، ويفهم من قوله أمورا غير تلك التي نطق بها على جهة الاستلزام والاقتضاء، وكأن يذكر دليلا صحيحا على قوله من غير أن يقصد التدليل به، وأن يسوق الدليل على قضية بديهية أو مشهورة، هي في غنى عن دليل للتسليم بها، كل ذلك لأنه يأخذ بمقتضيات الحال، من معارف مشتركة ومعتقدات موجهة ومطالب إخبارية وأغراض عملية.

وطبعا كل سبيل استدلالي يكون هذا وصفه، فهو سبيل احتجاجي لا برهاني يقيد فيه المقام التخاطبي التراكيب والعبارات، ويرجح فيه العمل على النظر. ويظهر هذا النوع بوضوح في المناظرة. والدكتور عبد الواحد المتوكل يظهر في هذا المستوى عارضا رأيه على مخاطبه طالبا له الدليل من كل ناحية، معتمدا فيها على الاستشهاد العقلي( واقع بريطانيا فرنسا...ليس هناك أي تناقض بين مراعاة الظروف وما تقتضيه المصلحة العامة من ضرورة التنبيه على الخلل في التدبير أو التقصير في القيام بما يلزم) ليطمئن فؤاد المعروض عليه، فيقتنع بصوابية رأيه، كل ذلك من غير طعن ولا تنقيص، إلا ما اقتضى النظر طرحه وهدم الاستدلال صرحه.

3- مرتبة التحاور:

يرتكز التحاور في تصور النظرية التعارضية على الآلية الخطابية المعروفة باسم التعارض، حيث يضطلع المتحاور بالقيام بدورين في نفس الآن، فيكون مرة عارضا ومرة أخرى معترضا، منشئا لمعرفة تناظرية وفق مسالك معينة يعتقد أن خصائصها التقابلية أحث على العمل .

ومن ذلك محاورة الدكتور عبد الواحد متوكل للذين يرون أن الصمت على كل الانتهاكات بدعوى الحالة الاستثنائية التي يعيشها البلد، تفرض هذا الصمت والسكوت والإجماع. قائلا: فما بال أقوام في مغربنا يطلبون إلينا الصمت، صمت الأموات وإذعان المغلوبين على أمرهم الذين لا ينبسون ببنت شفة حتى وان ارتكبت أمام أعينهم الخطايا...

. ثم يسائلهم مرة أخرى الدكتور عبد الواحد المتوكل:" وهل يكون الإجماع الوطني بالسكوت؟.

فالكاتب الدكتور عبد الواحد المتوكل كما نرى يتخذ وضعيتين: وضعية العارض ووضعية المعترض، كل ذلك من أجل إنشاء معرفة تناظرية، تؤدي في النهاية بالخصم إلى التسليم بطرح الكاتب، لأنه يحاول دحض أراء خصمه من خلال هدمه للأساس الذي بَنى عليه الطرف الثاني مسلماته. وكل ذلك في إطار تحاوري أساسه قوة الدليل وحسن الاحتجاج.

وطرق هذه المرتبة هو ما يسمى بالتحاج، ويكون بأساليب عدة منها أن يأتي المتحاور فيثبت قولا من أقاويله بدليل؛ ثم يعود إليه ليثبته بدليل أقوى منه، ومثال ذلك قول الدكتور عبد الواحد المتوكل في معرض إبرازه لحالة الوضع : "نحن في زمن الانكشاف العظيم نظرا لتطور التكنلوجيا الحديثة الرهيب" هذه المقالة أسست في بنائها كما أسلفنا على شكل حوار، حيث يُنشئ الدكتور المتوكل اعتراضات مفترضة من خصومه على أقواله، ويحاول دحضها ليعطي القوة والصلابة لرأيه، وهذا ما يعطي لخطابه القوة الحجاجية.

كما أن استدراج الخصم/ المعروض عليه، بعرض رأيه كما هو في الواقع (امدح ما شئت وقل ما شئت عن القرارات الحكيمة والمبادرات الفريدة ....وعن التجربة الديمقراطية المغربية التي سار يذكرها الركبان.) من غير تحريف بالزيادة أو النقصان، والقصد إلى كشف تناقضه واضطرابه، (فقل ما شئت فانه لا يسلك في أذن إن سلك، إلا ليخرج من الأخرى، لن يكون له اثر يذكر هذا ان التفت إليه احد أصلا.) ومحاصرته بما لا يستطيع غير القول به والإقرار بمقتضاه.، وهذا الأسلوب هو أرقى ما يلجأ إليه الكاتب في دفاعه عن أرائه ضد محاوره. الشيء الذي يجعل المحاور/الخصم. يرتبك في قناعاته غير المؤسسة على منطق الواقع المعيش، ويحاول حجب الحقيقة الواضحة، وينكمش حتى ذرائع الإجماع والظرفية الاستثنائية.

وعلى العموم ففي تصفحنا السريع واستخراجنا لبعض البنى الكلامية والاستدلالية والحوارية في مقالة الدكتور عبد الواحد المتوكل، لا نقصد به إلا محاولة تحليل بعض أوجه البناء الحواري الحجاجي عند الدكتور عبد الواحد المتوكل، والا فهناك أساليب أخرى مبثوثة في ثنايا هذه المقالة، منها النقض وهو " ادعاء السائل بطلان دليل المعلل مع إقامته الدليل على دعوى بطلانه" وعليه يكون النقض هو أن يذكر المعترض شاهدا يبطل دليل الخصم. حيث بين الكاتب طبيعة الواقع المغربي وحقيقته التي لا يمكن التغاضي عنها في ظل واقع الاستبداد، و هناك أليات المنع والمعارضة وغيرها من الأدوات الحجاجية الأخرى.

وعلى العموم فإن هذه المقالة جاءت وكأنها حوار جدلي، يبحث عما في نفس كاتبها من استطلاع أو اعتراض بطريقة واضحة و منهجية متزنة في إيقاظ الفكر بالحوار، كل ذلك بعقل واع لا يفتر عن النظر في طبيعة الواقع المعيش. وبلغة تحمل بين دفتيها معاني الخير والمحبة للوطن. كما ترسم في الآن ذاته رغبته أكيدة في فتح حوار وطني مؤسس على ميثاق ينخرط فيه الجميع، لإنقاذ سفينة الوطن من الغرق، والخروج بها من دائرة الاستبداد إلى الديمقراطية الحقيقية المبنية على إرادة شعبية واضحة ومسؤولة. بعيدا عن سياسة النعامة في تدبير الشأن العام، وعبر سياسة التحكم وفرض الأمر الواقع.

 

رضوان الرقبي /اكادير

 

سعد الساعديتحوّل الشعراء الى روائيين.. لماذا؟

أدّى الانفتاح العالمي المتسارع بداية الألفية الجديدة الى تسارع كمي غزير في النتاج الأدبي، لاسيما الشعري منه على وجه التحديد؛ أكثر تحديداً بعد ظهور الفيسبوك على الشبكة العنكبوتية. هذا التسارع الى أين وصل، وما هي أم مميزاته بشكل موجز؟

أن أهم ما يميز الديناميكية الشعرية لما بعد الحداثة التي نميل أكثر لتسميتها بـ (الحداثة التجديدية)، وما يحتاجه الناقد التجديدي اليوم، هو الوقوف على استكناه دواخل الجمال الفني والأدبي، وتحركات النصّ البنيوية بعمومياتها وجميع مضامينها وبؤرها الفرعية، وصولاً الى المضمون العام التحليلي كظاهرة جديدة راصدة لأهم التطورات في الغرض الشعري. لكن أين تكمن الأغراض الشعرية اليوم، وضمن أية خانة لونية تتربع اذا عرفنا أن حركية النص أخذت صراعاً جدلياً يقف عند متغيرات شتّى؟

سمحت حرية الفوضى الثقافية بعيداً عن رقابة السلطات الديكتاتورية ضمن فراغات شاسعة اليوم بالانطلاق استسهالاً وتقليداً لكتابة الشعر بنمط يكاد يكون متشابهاً في البلدان العربية لاسيما المغرب، تونس، الجزائر مروراً بمصر ولبنان وسوريا وانتهاءً بالعراق الأكثر ضخّاً بعد عام 2003 والى الآن، والأسباب واضحة، أهمها الاختناق الجماعي لكثير من الأدباء بسبب ما كان عليه الوضع قبل ذلك العام، كمن فُتحت شهيته أمام وجبة طعام هي المفضلّة لديه، ومن حقهم بكل تأكيد، لكنَّ افرازات وضوح النضج لم تكتمل وتتضح لدى الكثير من الشعراء والروائيين نتيجة الاشتغال العشوائي، وسرعة الكتابة من أجل تعويض النقص الماضي، وانكسار مقص الرقيب، ولابدّية إخراج كتاب للعلن يحمل اسم صاحبه أسوة بالغير متناسين أن الانتاج الأدبي بهذا الشكل لا يتولّد منه الأبداع أبداً، لاسيما بعض الشباب المتحمسين للنجومية مع كبار غيرهم.

الكثير من هؤلاء الكبار اتخذوا منهجاً آخر يختلف، معتمدين فقط وفقط على غرض واحد من الشعر وهو الغزل، كمن يتأسف على أيام شبابه الضائعة بلا صبابة عشق متصابين أو متخيلين الساحات الأدبية هي مرتع الفن والجمال فيما لو بقوا على هذا الأسلوب الكتابي الذي ساعد في تشظي الكتابة الشعرية الى حدٍّ بعيد وفق قالب لا يتغير (الغزل)، ومن الاسباب الأخرى ربما العقلية الشرقية الفقيرة النازحة صوب المرأة والكبت النفسي والحرمان لشتى الأشياء، حتى بتنا لا نسمع إلاّ من قلة قليلة بعض قصائد الرثاء أو الحماسة، والقصائد التنويرية أيام ثورة الربيع العربي وبعدها. ومنهم من اختار نهجاً فلسفياً تاريخياً تميز به نتيجة غزارة خلفيته الثقافية وتجاربه الحياتية الكثيرة وربما المرارات المتتالية أمثال الشاعر العراقي عبد الجبار الفياض ضمّنه الكثير من أسماء الماضين في عمق التاريخ البعيد من عهد الاغريق والبابليين وغيرهم كأيديولوجيا ميثيولوجية ربما بدلالات فنية كتابية اختارها وسار عليها، لكنه أبدع في الوصف والتشكيل والايحاءات المشيرة مضامينها المضمرة أحياناً الى شيء واقعي نقدي مرمِّزاً تشكيلاته بتلك الكلمات، ونحن لسنا هنا بنقد الشاعر بقدر الاشارة اليه كأنموذج واقعي حيّ مختلف.

يكاد المتلقي اليوم لا يرى غرضاً شعرياً متجدداً غير الغزل أينما ذهب، وأنى حلّت راحلة ذائقته، وربما السبب عدم قدرة بعض التجديديين أو الكثير منهم على كتابة غيره إن صحّت التسمية عليهم بالتجديديين، كون ما يكتبونه خارج الانساق المعهودة من السوريالية وغيرها، غير معروفة المضامين، أو مشتتة المضامين التطويرية والوظيفية المفتقدة للرؤيا الحركية الفاعلة حتى نجد انعدام المقاربة المغذية للروح والعقل.

يتضح ذلك كثيراً عند كثيرين ممن يكتبون بهذا الشكل، وعند اجابتهم عن السبب يقولون: لا نبغي (وجع الرأس فلقد سئمنا السياسة) ظنًّاً أن الحل الناجع هو الابتعاد عن الواقع والعيش في تصوّر جمال المحبوبة والمعشوقة، الحقيقية أو المتخيلة (الانطباق يشمل الشواعر والشعراء) فنتجت كتابات خاوية المعنى، هزيلة التوظيف النوعي، تتعكز على التزويق اللفظي والتلاعب بالألفاظ ديناميكيتها مجهولة الهوية، فكثرت مثلاً الآيروسية البنائية – بما تحمل من وصف -  بوجودية عمياء أكثر مما تكون مرشدة محللة لطبيعة ماهيّة الجمال وأسراره لمجر انشاء تخييل فوضوي غارق في لا شيء، حتى انعكس ذلك لاحقاً الى الرواية التي انخذلت ببعض من يكتبها رغم صمودها العنيف كجنس أدبي هو الأول الى الآن في عموم الساحة الادبية العامة.

أكثر تلك المشاهدات نراها لدينا نحن العرب، و يجدها المتلقي كل يوم حتى أصابه الملل، وبدأ يتحول الى قراءة الرواية مهما كانت، ليُلطّف روحه بمتعة يحتاجها فعلاً. بينما المراقب للساحة الأدبية العالمية يجد شعراً نوعياً منتقى بديناميكية منفعلة وجودياً بما تنفثه واقعية التجديد بكامل الصور البلاغية التي تفتقر اليها فيما لو قُورنت ببلاغة العربية. حاول بعض الشعراء العرب التجديديين (ما بعد الحداثويين) تقليدهم فوقعوا في فخ التقليد الأعمى، وحين حاول بعضهم النهوض لم يجدوا غير التوجه للفراغ المليء بتيهان لا يُعرف له قرار فتسبب تدريجياً بتخلي القارئ عن متابعة الشعر والتحول الى الرواية وكتب البحوث الجديدة المتنوعة لاسيما ما يهتم منها بالتنمية البشرية ، فن السلوك، العلاقات العامة، الخيال العلمي والفتازيا، حتى بتنا حين نلتقي في بعض التجمعات الثقافية نسمع من شاعر لشاعر قوله سأتحول لكتابة الروايات والقصص لأنها أكثر شعبية ومطلوبة. وفعلاً اتجه الكثير من الشعراء لكتابة الروايات، صاحبهم الكثير من النقاد الذين هم أكثر من غيرهم من توجه للشعر في ظل الحداثة التجديدية أو زمن (العولمة) وأكثر سبب لذلك هو اثارة الاهتمام بأنًّ الناقد هو ليس بكاتب فاشل، ودرء تلك الشبهة التي اُلصقت بهم جميعاً من بعض الباحثين الأكاديميين، فكتبوا بلغة عالية بعيدة عن الواقع، مع ما تحمله من جمال لم تواكب ذائقة المتلقي الى حدّ بعيد، وثمة من حاول تقليدهم أيضاً فنتجت مرة أخرى حالات فوضوية نكهتها فقط التغزل بالحبيبة وجسد الأنثى!

كل هذه التداعيات تسببت بالتحول مرة جديدة الى المنتج العالمي الكلاسيكي أو المعاصر من غير الشعر والروايات حتى، والبحث عن الجديد المختلف في الفنون والتصانيف الأخرى العلمية والانسانية الثقافية، حتى وصلت مبيعات بعض الكتب الى ملايين النسخ، بينما لم نجد هذا في السوق الثقافي العربي. هذه الحركة التغييرية من أين أتت؟

أبسط دافع لذلك هو انتشار شعر مبتذل مقطوع الجناحين، وكما يصف بعض الباحثين أن القصيدة تطير بجناحين، أحدهما الإيقاع الموسيقي، والثاني ربما الجمال، لكنَّ الشعر الحقيقي هو المعنى؛ فاذا لم يجد المتلقي المعنى المنشود فماذا يصنع؟ سيقرر ويتحول بالتأكيد الى غير ما يراه من شعر اليوم بهذه الكيفية. حسبما اعتقد أن الشعر الغزلي هو جزء واحد من أجزاء كثيرة تغذي العاطفة وتُغْنيها بمتعة التصور والادراك، وليس هو جميع الاجزاء.

هنا الحديث عما يسمى قصيدة النثر التجديدية التي احتلّت بقوة مكانتها على الساحة الأدبية، وليس عن الشعر العمودي الذي هو الآخر بات شائخاً بسب من ينتمي اليه رغم براعته الفنية، لكن الكثير منه أصبح خالياً من مضامين بيانية، يترّنح فقط بموسيقاه والقافية والوزن.

إن القصيدة الحداثوية التجديدية الحقيقية المنفعلة في خوض الصراعات الكثيرة بانتمائها للبيئة والبشر والمعاناة بما تحمل من مضامين وأفكار هي من تجعل المتلقي يسير معها مغمض العينين يقرأ ويسمع بقلبه وروحه. نجد لذلك مثالاً في أشعار محمد الماغوط، ومحمود درويش رغم انهما لم يعودا اليوم في الزمن التجديدي. ونجد أيضاً محمد شلش الربيعي، جواد الحطاب، وجد الروح، عامر الساعدي، وفاء عبد الرزاق، وغيرهم؛ حتى غزلياتهم تختلف لأنها من واقع حقيقي وليس من خيال محض؛ تصف وتفكك وتحلل، ثم تبني من جديد وفق خطة مدروسة، وليس وفق هوس الشعر كي يقال عن فلان أنه شاعر صدر له العدد كذا من الدواوين، فنجد الكثير ممن يكتبون الشعر اليوم لم ينشروا ديواناً واحداً ربما سوى النشر عبر مواقع التواصل، والصحف المحلية والعالمية، لكن لا يمكن وصفهم بعدم الشعرية لأن الضوء أغفل  بصيصاً منه على منجز شعريّ لهم.    

 

سعد الساعدي / العراق

 

صالح الرزوقبقلم: سيمون كوفيسي*

ترجمة: صالح الرزوق

سامي هو أول من احتفل بصوت ونبرة غلاسكو المحلية من بين شخصيات جيمس كيلمان. فرواية “كم تأخر الزمن، كم تأخر” تقدم لنا حالة متطورة من حالات اكتشاف كيلمان للعلاقة بين المكان والصوت، وبين الموضع واللهجة، ثم الهوية والكلام. وبسبب عمى  سامي، تستبدل حاسة البصر بشيء آخر، وهو الوعي المتطور بموضع الصوت، أو مكانية الأصوات وأحوالها.  ومثل معظم أبطال كيلمان، لا يقترن سامي بأصوات غلاسكو وحدها، ولكن كانت له أذن موسيقية، ودائما هناك أغنية تعلو في رأسه، وفي معظم الأوقات يتذكر كلمات تساعد على التعزية والسلوان، ثم هو كاتب أغنيات شاب وموهوب. ووجدانه الموسيقي يدعمه هوس بموسيقا الريف الأمريكي وكتّاب الأغنيات الأفاقين و“الخارجين على القانون” والمغنين  وعازفي البلوز أمثال ويلي نيلسون ووايلون جينينغز وكريس كريستوفيرسون وبوب ديلان وباتسي كلاين. وجدير بالذكر أن سامي يرفض ويعادي الروح ويعتبر أنها نمط من أنماط البروباغاندا (ص155). وهنا من الضروري الإشارة لقراءة يووي زاغراتيسكي** للرواية وما تتضمنه من مؤثرات بنيوية تدين فقط للبلوز الأفرو أمريكي. ولضرورات منطقية توجب على هذا التأويل أن يتجاهل ذوق سامي في الموسيقا. كان سامي بحاجة للموسيقا، وموسيقاه بشكل أساسي “بيضاء”، ولكن اللون لا يهم على الإطلاق بنظره، وهو أصلا لم يذكر أي شيء عن العرق. وكما حصل مع باتريك دويل في رواية كيلمان “النفور” كان سامي من أشد المنتقدين للغة العنصرية (انظر مثلا ص 345 من الرواية). وقد لاحظت سو فايس*** أن سامي كان منسجما سياسيا، وهناك تطابق بين الظاهر والباطن في كلامه عن موضوعات مثل المرأة والرجال المثليين والتمييز العنصري. ولكن علاقة ذوقه الموسيقي مع البلوز الأفرو أمريكي تكاد تكون معدومة. وفي الواقع إن “حزام سامي بنجمته الوحيدة” هو جواز سفره إلى مركز عالمه الموسيقي: تكساس. و“ولاية النجمة الوحيدة” هي عاصمة الجنوب، و“الجناح الغربي”. وهذا الأخير هو موضوع تفاصيل مطولة لرحلة موسيقية يقوم بها كاتب إسكوتلاندي آخر هو دانكان ماكلين.  يتخيل سامي رحلة مماثلة يحج بها إلى لوكينباك في تكساس، وهو المكان الذي سجل به جيري جيف والكير ألبومه  الشهير “فيفا تيرلينغوا” عام 1973 والذي يشكل جزءا لا يتجزأ من نشاط “موسيقا ريف العصاة - outlaw country”.  وقد عادت لوكينباك للظهور مجددا في موسيقا وايلون جينينغز وفي تسجيل انفرد به  ويلي نيلسون وعنوانه “لوكينباك ، تكساس - العودة لأساسيات العشق” . لقد تأثر سامي بحب المجتمع الذكوري الذي تحرض عليه هذه الأغنية وتمنى لو “يكون مع فريق ويلي ووايلون وبقية الأولاد” ( كما ورد في ص 250). ومن الواضح أنه يقتبس هذه العبارة بشكل مباشر من الأغنية نفسها. ولكن من الطبيعي أن يعارض سامي ويقاوم في مكان آخر من الرواية هذه الرغبة الخيالية والعاطفية التي تشجع على رحلة حول العالم بشكل رحلة حج موسيقية. إنما هي تفرض نفسها مجددا وبعد حين. ومن المدهش أن كلمة “لوكينباك Luckenbach” تشبه لفظيا معنى “النظر إلى الخلف  looking back ”، حينما يغنيها وايلون جينينغز. وكما آمل يمكن أن نرى أن ذهن سامي كان يرتحل عبر طبقات من الذكريات، وفي نفس الوقت  يعمل على إعادة ترتيب نفسه في الوقت الحاضر بواسطة التركيز المتعمد على الصوت وأمكنة في الذاكرة. بمعنى أنه عليه أن “ينظر إلى الخلف” بذاكرته لأنه لا يستطيع عمليا أن ينظر “فيما حوله” ببصره بسبب العمى. وبالنسبة لكل ذكرياته المستعادة، وكشأن العديد من شخصيات كيلمان، كان اتجاه رحلة ذهن سامي نحو المستقبل وبعيدا عن غلاسكو. وإذا أسأنا اقتباس ووردزورث عمدا نقول: إن غلاسكو حاضرة فيه، الآن ولاحقا، وتقريبا “تأخر الوقت جدا” لإحداث أي تغيير. غير أنه يشعر أن التبديل لا بد منه. وبما أن سامي أعمى ولا يبصر أي شيء يوضح لون المغني والبلاد والبلوز فقد كانت بالنسبة له أشياء بأهمية واقع الطبقة العاملة، وكذلك بأهمية كلمات الأغاني والأصوات الذي يتذكر نصفها والتي تجدها بين أفكاره طوال الرواية، ولا سيما حينما يكون وحيدا. وبغياب المتطفلين غير الموثوق بهم (“ليس هناك ثقب امرأة يمكنك أن تثق به” كما يقول في الرواية ص 251)، وباستمرار استلاب صديقته هيلين واغترابها عنه، توفر الموسيقا لسامي محيطا اجتماعيا مفيدا، وتساعده على الإعراب عن أشكال معاناته المختلفة كلها.   ويجد أرنون أ. فوكس، في دراسته عن موسيقا الريف وثقافة الطبقة العاملة في تكساس، أن “الصوت” هو كل شيء بالنسبة للطبقة العاملة هناك، فالصوت وسيط مفضل لبناء المعنى والهوية، ولإنتاج “ثقافة طبقة “مختلفة. وتتضمن الأغنية والغناء أطروحة تعبيرية  توضح قيمة الصوت، وعليه إن الأغنية يمكن اعتبارها خطابا من خطابات عمل الوعي الخاص بـ “الصوت”. وعبر الأغنية وأشكالها المتوفرة في الكلام التعبيري والفني والنقدي والمسلي (ولا سيما السردي والضاحك) تبني وتحتفظ الطبقة العاملة في تكساس مجموعة من القيم التي لحق بها الصدأ، و“الإجهاد”، ودخلت في دائرة ما هو “عادي” “وشائع” ويلون حياتها اليومية.

وهكذا إذا كانت مغامرة ورمنسيات الرحلة إلى تكساس وراء حدود وإمكانيات سامي، إن صوتيات مجتمع الطبقة العاملة، وألفاظ لغتها الموسيقية، تصبغ بألوانها النشاط المسموع لعالمه الجديد (ما يتضمنه من ألفاظ وكلام). وحينما تحتفل بـ “العادي” - وهو وجه أساسي من مشروع كيلمان ومنذ البداية - فهي أيضا تقدم شكلا من أشكال الزمالة لسامي. وهو ما يشجع على تأقلم الخطاب المسلي والعبثي مع الظروف الصعبة.  بتعبير آخر، مع أن هذه الموسيقا تأتي من عالم متصدع، فهي تؤكد على هوية سامي الطبقية.  وباتباع الخط الذي رسمه فوكس لنا، يمكننا القول بأمان أن هذا الأسلوب الخاص في الموسيقا يثمن عاليا أصالة الصوت، وكل الأصوات، وبالاستطراد صوت سامي، بينما كل الأصوات المذكورة تقريبا في الرواية تدين صوته ولغته. وإن الموسيقا الريفية، وهي في مركز عاطفته للموسيقا،  تبدو متنمرة، وعليه  هي تعاني من القيود في الإعلام الرسمي لأنها قد تهدد أمن الدولة في حال انتشارها: ومهما كانت حقيقة “الموسيقا المتمردة” وهي شكل من أشكال التحدي السياسي، إن تأويل سامي وفهمه للموضوع له معنى متغلغل في أعماقه، فالموسيقا بنظره ليست نشاطا جماليا دون أبعاد سياسية، وموسيقاه المفضلة إنما تعمق وتشرعن وضعه في الأطروحة المضادة ومقاصده المتمردة بصمت. لأنه إذا سمحنا لمزيد من البشر بالإصغاء إلى “موسيقا الكبار هذه” سوف “تندلع ثورة ملعونة” (كما ورد في الرواية . ص 156).

في بعض الأحيان كانت الموسيقا الصامتة تطفو على سطح النص، ولا سيما عندما يذكر سامي التفاصيل حول أصوات سمعها، وذلك بنبرة موسيقية صرف، يضيفها إلى نص الرواية بشكل قصائد مكتوبة ومغناة، و لنتذكر أنها من إبداعه الشخصي. مثلا يقول: يركع على ركبتيه ليشعر بملمس الأرض، إنها باردة لكن مستقرة، باردة لكن مستقرة. وكانت راحتا يديه ممدودتين عليها، ويغمره الإحساس أنه في مكان آخر من العالم وتبدأ الموسيقا تدمدم برأسه، موسيقا حقيقية جدا، وتنومه مغناطيسيا، وها هي أدوات العزف تقرع.. تممم تي تم تم تممم تتم تي تم ، تم، تي تم، تم، تم، تم، تي تم. تمم تي تم تي تم، تم تم تم تي بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ، بونغ. بونغ، بونغ، بونغ (الرواية ص ثم 31،11) . هنا نرى سامي على أرض زنزانته، وهو يلاحظ لأول مرة أنه أعمى. فيسرع لتحرير وضعه هذا عبر تجريدات موسيقا متخيلة. وهذه الموسيقا الصامتة، تتراجع فورا تحت تأثير طوفان الوجع والألم و“تصادم الأفكار دفعة واحدة” (ص 11). ولكنها على الأقل تخلق أثرا مؤقتا وسط ظروف سجنه وإحساسه بالشقاء. وترفعه هذه الظاهرة الموسيقية التي ترتقي لشكل قصيدة  مغناة وترفعه لدقيقة من الوقت فوق ظرف زنزانته القاسية. لقد فقد سامي بصره، وفقد إدراكه باللون والظلام والنور والعمق والنسبة والتناسب، لكنه كسب أذنه، وبدأ يحلق بحاسة اللمس، ويعيد ترتيب ذاكرته ويضاعف من دورها الهام في حياته، وبالمثل ضاعف دور الإيقاع غير المنظور، أو حكايته غير المدونة. وبما أن سامي عاجز عن أي تواصل مع النص المكتوب، كان يتعايش مع نشاط منطوق ومسموع  شديد النقاء وبعيد عن النخبوية والتعالي الثقافي. وبهذا المعنى، يكون سامي هو الذات المثالية لكيلمان: حيث الملفوظات والأصوات عند سامي الأعمى أكثر أهمية من الكتابة. وهنا المفارقة العجيبة، أن الصوت جاء ضمن صفحات أو في طيات رواية مطبوعة.

 

ترجمة صالح الرزوق

..................

* سيمون كوفيسي   Simon Kövesi  أستاذ الأدب الإنكليزي واللغات الحديثة في جامعة أكسفورد بروكس / المملكة المتحدة.

** زاغاراتيسكي أستاذ الأدب الأنغلوفوني في جامعة جيشين البولندية.

*** أستاذة الأدب الحديث في جامعة شيفيلد البريطانية.

 

 

رضوان الرقبي للشاعر إدريس الرقيبي

(بما ان اللغة عمل فني للحقيقة، فليس هناك إلا فن واحد يكون من صميم ماهيتها، هذا الفن هو الشعر: اللغة بهذا المعنى قصيد اولى سابق عن الشعر نفسه كشكل متحقق في القصيدة ذلك أن " الكلام في مادته الخام قصيد") هيدغر.

تقديم

الشعر غوص في أعماق الذات الإنسانية، واستنطاق لمكنوناتها الباطنية، فهو الحقيقة في أسمى تجلياتها وأبهى صورها، يأسرك ليسافر بك إلى عوالم خفية، بحثا عن المجهول الذي يسكننا. فالشعر بهذا المعنى هو القوة الاصلية بما هي ذات الحقيقة التي تصدر عن العمل الفني، وهي في نفس الوقت الهاجس الذي يسعى الى التعبير عنه كطبيعة روحية. فهو بهذا المعنى لا يتحقق إلا بوصفه عملا شعريا، ما دامت القوة التي يصدر عنها هي روح الحقيقة ذاتها بما هي طبيعة شعرية، وما دامت غايته التعبيرية كحقيقة فنية، هي ان يصل الى الامساك بما يجعل من كل ممارسة فنية قولا شعريا. لا يهم عند هذا الحد ان تختلف الأساليب والممارسات الفنية وتتعدد، وإنما الذي يهم ان ما يشكل قوام الحقيقة لا يقال إلا على نحو شعر خالص.

تميز النص الشعري المعاصر بمشروعه الخاص به شكلا ومضمونا، وحملت بنيته جملة من الظواهر والخصائص، جعلته يتميز عما سبقه من المنجز الشعري القديم بالتفرد والاستقلالية، بيد أنه لم ينسلخ عن أصالته، فقد اقترض من الأنواع الخطابية الأخرى بعض سماتها، واستغلها لتكون معينا له في حركته الشعرية، وهنا نلحظ بعض الاعمال الشعرية المعاصر التي جنحت الى تطعيم أعمالها ببعض التقنيات والبنيات السردية، في محاولة لتوسيع الأفق الدلالي للنص، وتجاوز عقدة الجنس الأدبي الصافي بقواعده وألياته الصارمة، والتوجه نحو تحطيم النسق المنزه عن تداخل الانماط الخطابية.

وديوان مقامات للشاعر الورزازي إدريس الرقيبي هي من هذا القبيل الشعري الذي استمد بعض ادواته التعبيرية من البناء السردي، فهو سنفونية شعرية تتراقص على إيقاعات التشكيل السردي واللغوي الدرامي والتصويري الذي يعكس حب الشاعر للغة الشعرية وللقيم الإنسانية في أبعادها المختلفة والمتعددة، وفي الوقت ذاته يتطلع إلى تقديم إشراقات تخرج هذا الكائن الإنساني من دوابيته وتوحشه، فالعشق الشعري هو البلسم الذي يضمد به الشاعر كل الجراحات التي تنزف، ففي القصيدة المفتاح من ديوان مقامات حيث خصصها الشاعر للقصيدة عندما تتحدث عن نفسها: (ص11)

تسمو بي الأفاق إذ أشدو..

وهذا الشوق يغريني..

أرنو إلى الغد الضمان في دهري..

فهذه البنية الحوارية الضمنية والتواصلية والتناصية هي التي توثت الفضاء التشكيلي للشاعر إدريس الرقيبي الذي يقوم على محددات البناء السردي والدرامي باعتبارهما تشكيلات فنية وتعبيرية تكشف عمق التجربة عنده، وتمده في الوقت ذاته بنفس جديد ينضاف إلى اللغة الشعرية الرمزية المفعمة بالكثافة الانزياحية التصويرية.

يضع الشاعر إدريس الرقيبي قارئه أمام جدلية منفتحة على التأويلات والتساؤلات يثير فيه رغبة الاجتهاد والافتراض، والنبش في مقاصده، لذلك يكون اشتغاله الابرز على ثنائية الحضور والغياب التي تلقي بتداعياتها على مختلف مكونات الديوان الشعري/مقامات. والتي تشكل مركزها ومنطلقها وإشاراتها الضمنية. وهذا العمل سيحاول ان يكشف عن بعض معالم البناء السردي والدرامي وتشكلاتهما في ديوان مقامات. فكيف وظفهما الشاعر لرسم خصوصية كتابته الشعرية؟

2- عتبة العنوان

أول ما يثير قارئ أي كتاب هو عنوانه، لأنه يستجمع مختلف مكوناته، ويسعى ليكون دالا على مختلف عوالمه، ونجاح عنوان الكتاب لا يبرز فقط من خلال كونه يثير فضول القارئ إلى الحد الذي يجعله يقدم على الحصول عليه والشروع في قراءته، ولكن أيضا في دلالته العامة على ما يتضمنه من أبواب وفصول، وما تحمله من قضايا وأفكار تتطابق مع ما يوحي به أو يومئ إليه. ويعرف ليو هويك leo Hoekالعنوان على النحو التالي:" مجموعة من الأدلة ... التي يمكن أن تثبت في مقدمة نص لتعينه، وبيان محتواه الشامل، وإغراء الجمهور المستهدف."

بناء عليه يعد العنوان واحدا من اهم الوسائل الجمالية والدلالية في بناء النص من جهة، فهو يؤدي دورا فعالا في العملية الأدبية إبداعا، إذ يحرص المبدع على الدقة في اختياره لا دراكه حساسية ارتباطه بالنص، والأهمية التفاعلية بينهما، وبيانه لهوية النص، فهو: رسالة لغوية تعرف بتلك الهوية وتحدد مضمونها.. هو الظاهر الذي يدل على باطن النص ومحتواه.[1] وبالعنوان تبدا عملية التواصل مع متن العمل الأدبي، إذ يشكل مفتاح النص الدلالي الذي يستخدمه القارئ /الناقد مصباحا يضيئ به المناطق المعتمة في القصيدة[2]

في ديوان مقامات، يشكل العنوان مفتاح الدلالة، وجسر التواصل مع مضامين الديوان بشكل عام، ولا شك ان اهمية العنوان الاستثنائية تهيئ للباحث المزيد من كشف الدلالات المستترة في فهم جوهر العمل الادبي. والشاعر إدريس الرقيبي يشير منذ البداية الى طبيعة الموضوع المتناول في المؤلف و المرتبط بتيمة العشق الشعري وتجليات الإنسانية في أبعادها المتعددة، وبمفهومهما الواسع والمنفتح على كل التأويلات والانزياحات الدلالية. فالعنوان وحدة دلالية / مقامات جاءت على صيغة الجمع، وهي مفرد مقام، والمقام موضع القدمين، وهو المجلس والمنزلة والمرتبة والمكانة...الخ، حسب كما تؤكده المعاجم العربية. والمقامات حالات ثابتة ينالها السالك بجهده الخاص، في التعريف الصوفي، والديوان هو عبارة عن مقامات شعرية وجدانية، ومراتب تختلف حسب الحالة الشعورية للشاعر، الذي يتنقل من مرتبة شعرية إلى أخرى، بجهد وشغف، لان الشعر كائن غير ثابت فهو دائم التحول، الشيء الذي يجعل شاعرنا إدريس الرقيبي تنتابه حالات متحولة غير ثابتة حسب ما تقتضيه التجربة الشعرية المتحولة في الزمان والمكان.

وهذا العنوان ينطوي على ابعاد روحية بمفهومها الصوفي تعرج بك دلالتها إلى معاني سامية، تكشف عمق التجربة عند الشاعر إدريس الرقيبي. وشاعرنا في عنوان مؤلفه يمارس لعبة الإيهام على المتلقي، وهي لعبة ومراوغة يبتغي من ورائها الشاعر تضليل المتلقي وجره إلى الولوج إلى أعماق النص وسبر لأغواره، لاكتشاف منطوقه الخفي الذي لا تتضح معالمه إلا من خلال القراءة الكلية للمؤلف. وعلى الرغم من ان العنوان يؤسس لنص سردي، فهو يقدم رؤية شعرية ضمن نسق جمالي معقد، يوظف السردي والشعري، وينفتح على كل الخطابات الخرى، لان المبدع – ربما - يؤمن بعدم وجود جنس ادبي خالص مستقل.

معمارية النص الشعري في الديوان:

ان المتتبع لمسار تطور بنية القصيدة العربية يلمس جنوحا مستمرا نحو التنويع في تقديم انماطها وتطويرها حسب تجربة الشاعر وموقفه من الحياة والكون.. وحسب طبيعة القلق المعرفي والأسئلة الوجودية التي تقض مضجع الذات، فمعماريتها وشكلها الهندسي مرتبط بطبيعة الرؤيا الشعرية التي يسعى من خلالها الشاعر الى رسم معالم تجربته. والى تحقيق مشروعه الإبداعي.. وبديهي كما يقول عز الدين اسماعيل ان يتعامل الشاعر الحديث مع القصيد تعاملا جديدا، يختلف عن الاطار التقليدي المألوف. فاذا كانت " وسائل التعبير الشعرية الاساسية ضرورة فرضها التطور العام في معنى الشعر ومهمة الشاعر، فكذلك كان اختلاف اطار القصيدة الجديدة عن الاطار القديم ضرورة يفرضها ذلك التطور"[3].

اذا كانت معمارية القصيدة التقليدية قد قامت على أسس واعتبارات فنية خاصة، بعضها يرجع إلى مؤثرات طبيعية واجتماعية، وبعضها جاء نتيجة لمورثات والتقبلات والاستعدادات، وبعضها تضمنته طبيعة اللغة ذاتها. وقد تحالفت هذه المؤثرات جميعها لتخرج لنا الشعر العربي وفق نمط موحد وبناء خاص مخصوص، فان القصيدة الحداثية قد ارتبطت بمؤثرات فكرية واجتماعية ولغوية جديدة، أفرزت نمطا شعريا جديدا لم يستطع بعد ان يقف- في نظرنا - على شكل واحد موحد، بل ربما وجدنا عند شعراء العصر الواحد تلوينات معمارية شعرية مختلفة، املتها طبيعة الرؤيا الشعرية عند كل واحد.

ومنذ الصفحات الأولى من ديوان مقامات نجد الشاعر يميل إلى اختيار الشكل الهندسي الحديث، وهو نمط معماري يختلف عن السائد والمألوف في التشكيل الشعري الجديد، وهو اختيار ليس اعتباطي، وإنما نابع من قناعة فكرية وفنيه، قادت الشاعر إلى تفريغ حمولاته وشحناته العاطفية ودفقاته الشعورية، في هذا القالب الفني الذي ارتضاه.. وهو قالب فني يجمع بين النفس الشعري و النفس النثري، أي بين البناء السردي ذو النفس الطويل والمنفتح، وبين الكثافة الشعرية التصويرية والرمزية. وكأن شاعرنا تجاذبته قوتان، قوة الشعر وجمالية اللغة، وقوة النثر وخصوصياته السردية والدرامية، فتمخض ذلك الكل وتشكل، ليلد لنا هذا المعمار الفني بخصوصياته الجمالية.

والمتأمل لديوان مقامات يجد كذلك ان الشاعر إدريس الرقيبي قد عمل على كتابة بعض قصائده وفق الطريقة الشعرية التقليدية، كما نجد ذلك مثلا في قصيدة مقام العشق:      (ص76)

كل الدروب في بلادي موحــــــــــــشهْ   *** وعيون ليلى اذا توارى طائــــــشهْ

تبكي القلوب هجر الغمام وتشتكي *** شح الهوى والأنس فيها وشوشهْ

وربما لن أكون مغاليا اذا ادعيت ان هذه المزاوجة في اختيار الشكل الهندسي للقصيدة إنما تعود إلى طبيعة الشعر نفسه، ذاك ان القصيدة هي من يفرض شكلها الذي تريد التجلي فيه، والتشكل في بنائه، باعتباره وعاء قادرا على احتوائها جماليا، وما على الشاعر إلا الانصياع لوجعها مرغما، وتفريغها في الشكل المعماري الذي ارتضاه وجعه الشعري.

فالشاعر إدريس الرقيبي في معماريته الفنية لا يتم دورته الشعورية حتى يعود إلى حيث بدأ، وإنما هو ينتهي في القصيدة إلى نهاية غير نهائية، إنها نهاية ترتبط بالبداية عضويا، باعتبارها نهاية منفتحة على التأويلات كما في البناء القصصي المعاصر. وربما كان السر وراء هذا الاطار الجمالي المفتوح هو احساس شاعرنا بلا نهائية التجربة.

" فليس في وسع الانسان ان يتقطع من وجوده جزءا له صفة التفرد والاستقلال عن بقية أجزاء هذا الوجود، والنبش عما ولد في النفس شعوريا بعينه يغري بمزيد من النبش، وتكشف المجهول يغري باستكشاف ما وراءه"[4] .

يقول الشاعر إدريس الرقيبي في قصيدة" أنا الشعر" والتي خصصها للقصيدة التي أبت إلا ان تتحدث عن ذاتها معلنة ما يخالجها من آمال وألام تكتوي بها)ص13)

أصارحكم..؟

أحس الشعر ينتحب..

كسيرا إذ غدا وردا على مزاهركم..

يؤثت زوايا الروح مكتئبا..

يصاحب نغمة الأنخاب على موائدكم.

ان هذا الإعلان الصريح الموجع من الشعر، هو صرخة مدوية تجد صداها في العمق الإنساني، ذلك ان الشعر ليس كلمات ولغة ممشوقة فقط، بل هو امتداد لكينونة هذا الجنس البشري في ابهى حلله الإنسانية. فكأن القصيدة تقيم جنازة لنفسها في زمن ترفض فيه ان تكون نغمة على موائد تقارع فيها الأكف ندامة وخمرا.. بل إنها كما تقول عن نفسها ليست خلخالا يرن في كعب غانية. وربما هذا ما يجعلنا نؤكد الفهم العميق للشاعر إدريس لماهية الشعر وخصوصيته الفنية، فهو ليس أداة للتسلية والتزخرف والتلاعب اللفظي، بل انه اكبر من ذلك سبر لأغوار الذات، وكشف لمجاهلها، بما هو تجل من تجليات الإنسانية وكينونتها الوجودية. وربما اختيار الشاعر تصدير الديوان بهذه القصيدة التي تتحدث عن نفسها، هو اختيار مقصود، سيحدد مفهوم الشعرية عند شاعرنا، ويؤطر الديوان بشكل عام من حيث بنائه الفكري والجمالي.

وهذا ما سيجعل الشاعر إدريس يعبر بوضوح من خلال قناع القصيدة عن مفهومه العميق للشعر، بما هو بلسم الأحزان، وشيء من الهذيان، وهو أنشودة الثوار...الخ وأمام هذه المكابدة التي عاناها الشعر يأبى الاستسلام ويرفض كل المؤامرات التي تحاك ضده، ليكون نخبا على موائد فيها يقتسم القدر، بل انه: (ص 15)

أنا الشعر

سأظل في محراب الروح..

أناغي جذوة في القلب أسامره..

اذا ما وصله خفقا..

واعلن الرفض الجميل..

وان عاثت بنا السبع العجاف..

وان تاهت عن خطوها كل الضفاف..

وان تراكم في دمي – لو خلسة – سم زعاف..

وان – قسرا – ضاع النشيد

ولم يحن بعد المطاف.

هنا تنفتح القصيدة بشكلها ونهايتها على تأويلات متعددة واللانهاية، تخلق نصا جديدا يرتبط في بنائه برمزية المحراب الذي ظل الشعر يناغي فيه جذوة في دواخله.. واذا كان هذا الصوت هو صوت الشعر، فأننا يمكننا ان نقول بان صوت الشعر يتداخل مع صوت الشاعر إدريس الرقيبي ليشكلان وحدة موضوعية منسجمة تعلن الرفض الجميل رغم طول السبع العجاف التي أصابت الشعر باعتباره لغة، والشاعر باعتباره مترجما لهذه اللغة الدفينة في دواخله، حيث استجاب طواعية لنداءات الشعر، فأرخى بوحا بما يخالجه. في معمارية وشكل هندسي هرمي يتجه في اتجاه شعوري ممتد في خط مستقيم، وقد يتعرج هذا الخط في شكل موجات متلاحقة، ليأخذ طابع الامتداد اللانهائي. في هذا الشكل يظل الهيكل البنائي للقصيدة شعورا او مجموعة من المشاعر المتجانسة المتكاملة، انه يمثل وحدة شعورية تتكشف ابعادها في العمل الفني برمته عند الشاعر إدريس الرقيبي.

القصيدة عند شاعرنا تسير في بنائها المعماري، نحو الاتجاه الدرامي الذي يستمد عناصره من القصة والرواية، وهذا ما يؤكد تداخل الأجناس الأدبية وتكاملها، ويظهر جليا ان شاعرنا قد استفاد من تقنيات الكتابة السردية القديمة والمعاصرة، لرسم معالم تجربته الخاصة.

ومن نافلة القول ان نؤكد على ان العمل الادبي قد صار عملا شاقا، يحتشد له الشاعر بكل كيانه، حتى صارت القصيدة تشكيلا جديدا للوجود الإنساني، ومزيجا مركبا ومعقدا من أفاق هذا الوجود المختلفة، حتى صارت القصيدة بنية درامية بامتياز.

4 مفهوم البنية السردية في مقامات:

ربط جيرار جنيت الشعر مع فن القص في معرض حديثه عن الأجناس الأدبية، فتعين عنده ان يكون الشعر الغنائي هو ذات الشاعر، وفي الشعر الملحمي يتكلم الشاعر باسمه الخاص بوصفه راويا، ولكنه يجعل شخصياته تتكلم كذلك[5]..ان موضوع النص الشعري حسب جنيت هو ما يلحق الشاعر من وضع خاص او ما يلحق بالمجموعة البشرية التي يعيش معها من وضع عام، فيكون راويا منفردا كما يكون معه من يؤدي هذا الدور من الشخصيات..

نقل عن افلاطون قوله بأن الفخر أوفى أنموذج للقصيدة المصروفة الى السرد [6] كما نقل عن ارسطو ان الدرامي السامي يحدد المأساة، والسردي السامي يحدد الملحمة، أما الدرامي الوضيع فيناسب الملهاة[7].كما تحدث ارسطو كذلك عن الشعر الحامل للفعل السردي، مما ينفي ولو بصفة مؤقتة الزعم القاطع لأواصر التواشج بينهما، والأمر قائم على اساس الحكي الذي يقوم على اساس الصراع بين شخصيات في زمان ومكان محددين، لتصانع الأحداث المشكلة لبنية الملهاة أو المأساة، فيكون الاختلاف في الطريقة التي يعبر بها المتكلم عن موضوع ما بين الشعر الخالص او النثر الخالص. ان العلاقة بين الشعر والسرد في حال عدم تعيينها على هذا الوجه تكون محمولة على وجه اخر مفاده ان يكون الشعر أصلا لكل أشكال الكتابة الأدبية، التي لا تعدوا ان تكون اساليب اقل بلاغة منه ويكون الناتج استقلال الشعر عن النثر، أو يكون الثاني اقل رتبة من الأول، ويكون السرد عاملا مشتركا بينهما ومادة لهما معا.

في التجربة العربية يؤكد محمد مفتاح على ان كل نص شعري هو حكاية، أي رسالة تحكي صيرورة ذات، وربط هذه الفكرة بعوامل كريماس، نظرا لدورها المهم في تشكيل بنية النص الشعري. كما ذهب كمال ابو ديب إلى ان بنية الشعر الجاهلي تحمل معاني السردية بمفهومها المعاصر، و رأى بان القصيدة العربية القديمة تحمل زمنين احدهما للفعل والأخر للسرد.. كما بين ذلك في تحليله لقصيدة عنترة بن شداد. في حين ترى بشرى البستاني في تتبعها للبنى السردية في شعر نازك الملائكة، على ان حضور العناصر الحكائية ليس جديدا على الشعر، وإنما هو متجدر في بنائه. وعلى كل حال ليس موضوعنا هو الخوض في وجود البناء السردي او عدمه في النص الشعري القديم، وإنما اكتفينا بهذه الإشارات من بعض النقاد العرب والغربين التي سلطت الضوء على البنية السردية وما بدا منها مشكلا للخطاب الشعري.

ينطلق الشاعر إدريس الرقيبي من منطلق الاستفادة من بعض تقنيات السرد، على اعتبار أن السرد ليس سمة في القصة والرواية فقط، إنما هو سمة في الخطاب اللغوي بشكل عام، ونظام في الأداء اللغوي الذي يمكن أن نلمحه في أكثر من جنس أدبي، بيد ان استثماره في القصيدة يأتي عبر أشكال تختلف عن السرد الحكائي، وهذه التقنيات تميل بالنص الشعري إلى النزعة الدرامية، إذ تتعدد الأصوات والشخصيات، ويظهر المتن الحكائي قاعدة أساسية يبني عليها الشاعر نصه، ويستمد منها أفكاره ورؤاه، في سبيل كتابة ابداعية تنتج نصا شعريا نوعيا يكثف السرد الحكائي في بنية تناسب ضرورات الشعرية، من هنا تسهم البنى السردية في إنجاز النص الشعري، لكنها لا تطغى عليه ولا تلغيه. وفي تتبعي لديوان مقامات وجدت بان الشاعر إدريس الرقيبي يوظف تقنيات السرد من خلال بعض أسسه: كالأسلوب الحواري، والأسلوب القصصي.(نكتفي هنا بهذه المكوانات السردية فقط، نظرا لضيق الوقت، والا فالديوان ينبني على مكونات أخرى كالتناص، والتجسيد...)

الاسلوب الحواري:

يعتبر من اهم الاساليب الفنية التي وظفت في القول الشعري المعاصر[8]، الحوار، بما هو تواصل بين اصوات متخاطبة في النص الشعري، وقد احتفى به الشعر العربي الحديث باعتباره اداة تعبيرية درامية تسهم في نقل التجربة والموقف الشعريين. ولذلك فالحوار بمفهومه الدرامي ينتمي بكليته إلى عالم الفن، ولذلك لا يجوز الحكم عليه بمقاييس الحديث العادي، وهو لا يكسب صفة الدرامية اذا كان يفتقر إلى الهدف، أو الأثر الكلي، بمعنى انه ليس فيه وحدة عاطفية او فكرية تحكم الصراع الذي يصوره ذلك الحوار. والبنية الحوارية في ديوان مقامات لم تكن عملا مستقلا عن باقي المكونات والتقنيات السردية والدرامية، وإنما متفاعلة معها في علائق، باعتباره انحراف تعبيري يتيح للشاعر ان يعبر عن افكاره الداخلية وعواطفه بطريقة غير مباشرة، تعتمد التكثيف والتركيب والمجابهة الصوتية مع المتلقي/ المخاطب، فالحوار- خصوصا الداخلي- يتيح للمتلقي ان يسمع الصوت الخفي الذي يدور في اعماق الشاعر وهذا نوع من التجسيد أو التجريد، فكأننا أمام ذات أخرى غير ذات الشاعر، تحاورنا من خلال الصوت الحواري، وكأن الأفكار قد تلبست ثوب شخصية مفتعلة لتعلن عن نفسها في بوح مقصود. كما راينا في قصيدة، " أنا الشعر". وهي القصيدة المفتاح للديوان، بعدها مباشرة نجد قصيدة أخرى، حملت عنوان" الشاعر" وكأنها جواب على حمولة الأسئلة التي طرحتها القصيدة الأولى، وعبرت عنها.. (ص 16)

وحده يلملم طرف القصيد..

يتعشق الألفاظ..

يمتشق صهوة الأنواء مسافرا..

عبر الدروب..

وحده يروي اللباب من دوحة الأيام..

فالشاعر وحده هو القادر على ان يشعر أولا بأوجاع القصيد، وثانيا قادر على ان يلملم أطرافه، متعشقا حلاوة اللفظ، وعذوبته ومحبا مجنونا يسافر عبر الدروب حالما يأبى الركون.. ان هذا الحوار الضمني بين القصيدتين يكشف حقيقة التجربة عند شاعرنا، المهوسة بالقلق وبالحب والوجع الشعري.

ان هذا الوجع الذي يسكن الشاعر ومخاطبه/ الشعر، ينم عن رغبة أكيدة لتخليص المخاطب/ الشعر مما لحقه من معاني التردي والسافسف، فكانه يسعى إلى تطهيره من كل ما من شانه ان يجعل الشعر غير قادر على الحياة من جديد.  وهنا نستحضر فكرة التطهير الارسطية أو التطهير بمفهومه الصوفي، الذي ينقلك من عالم الدناسة إلى عالم القداسة. هذه اللوحة الفنية التي رسمها الشاعر لمخاطبه/ الشعر، لا تعدو ان تكون حوارا داخليا يترجم طبيعة القلق المعرفي والأسئلة المؤجلة التي اختمرت في باطن الذات الشاعرة. لذلك سيبني قصيدته " جذور" على هذا البناء الحواري، باعتباره أداة تعبيرية قادرة على الكشف عن عمق الرؤية الشعرية والموقف الفكري والروحي والنفسي للشاعر إدريس الرقيبي. فلما شعر بثقل المسؤولية باعتباره شاعرا، عاشقا للفاظ ومجنونا بعمق العبارة، لم يجد إلا البحر بما هو رمز للجود والكرم والشاسعة، للبوح له بما يخالجه، وقد أعياه التطواف والسفر بين ذاكرته:(ص 19)

أبوح للبحر بما تخبئه الضفاف..

أبوح..

وقد أعياني التطواف..

في ذاكرة ترهل في بيدها وهج المواويل القديمة..

إن هذا البناء الحواري يكشف بعمق صوتان لذات الشاعر، احدهما هو صوته الخارجي العام، أي صوته الذي يخاطب به الأخرين، والأخر صوته الداخلي الخاص الذي لا يسمعه احد غيره، ولكنه يبزغ على سطح القريض من ان لأخر، وهذا الصوت الداخلي يبرز لنا كل الهواجس والخواطر والأفكار المقابلة لما يدور في ظاهر الشعور أو التفكير، وهذا ما يسعى اليه الشاعر ليغرينا بما يقول صوته الداخلي، ويقنعنا بفكرته الظاهرة، وبهذا تتحقق الغاية الدرامية من التعبير.

إن هذا التماهي من الشاعر إلى حد الحلول في ذات مخاطبه، يذكرنا سرديا بطبيعة الرؤيا من فوق التي يكون فيها السارد عالما بكل جزئيات شخصياته، وتكون معرفته اكبر، إدريس الرقيبي يغوص بك في عوالم البناء الحواري ليجعل صوته يختفي وراء شخصية محاوره. وقد ادى هذا اللون الحواري الواضح الى ميلاد اساليب جديدة في التعبير الدرامي أو التعبير الشعري، لكشف حالات النفس وتداعيات الأفكار والعواطف، والدخول الى عوالم التصوير الفني المتلبس بصدق العواطف وتجليات الروح، لينكشف عالم اللاوعي الخفي امام المتلقي المتشوق الى معرفة الباطن الخفي مما يكشف عن حالة سيكولوجية خفية، تستدعي قراءة من نوع جديد، تستحضر معها ذلك العمق الوجداني والصوت الخفي والدرامية المتلفعة بايقاعية رومانسية خفية، تتمظهر في تجليات المناجاة والتداعي. بل والانفتاح على هموم عصره وواقعه المعيش. وهموم امته الجريحة.. يقول في قصيدة " رؤيا " (ص 26)

قالت بلكنتها الباكيه..

" إحنا هون "

فقلت:

يهون السير إلى الأجداث..

يهون السفر..

يهون الحزن ترشفه مواويلي..

تداريه..

وفي خلوتي.. صدى أحلام يغذيها السهر..

وهامات يكللها همس المدائن..

وصولة الحجر.

هي قصيدة حوارية تكشف هذا البعد الإنساني الذي يكتنف الشاعر، ويمتد إلى معانقة هموم الشعب الفلسطيني المستضعف، فالشعر عند إدريس الرقيبي ليس ترفا لغويا، بل حاملا لقضايا مصيرية وجوهرية، ومترجما لمختلف التساؤلات التي تقلق الإنسان في سيرورته الوجودية. فقصيدة رؤيا هي سنفونية الأمل لغد الإشراقة والانعتاق: (ص 28)

اني أرى

في مقتل الفوارس

في هجرة النوارس

في البسمة الثكلى على ثغر الصباح..

في الوطن المستباح..

(....)

اني أرى ربعا تجلى واخضر جانبه

زهرا يميس

يداعب في لطف مخاطبه..

وهذا الكائن النشاز الممتد في ربانا من خوفه

يستحث على عجل..

ومن وجل مراكبه.

واذا نحن وقفنا نتأمل النسيج الفكري لديوان مقامات ألفينا أمامنا الطبيعة الحوارية الداخلية التي تتحرك خلال الصورة في مجملها، فمنذ البداية تطالعنا الطبيعة الدرامية للحوارية التي تكسب الموقف ابعادا درامية تنجح في اثارة فضول المتلقي.

إن هذا الأسلوب الحواري الذي وظفه الشاعر إدريس الرقيبي، قد أضاف للموقف المراد التعبير عنه ابعادا لم تكن لتظهر لو اكتفى الشاعر بالحركة في اتجاه واحد، واكتفى من الواقعة بالإخبار عنها بشكل مباشر تقريري، ولكن تجسيم الموقف وتصوير المشاعر من خلال التوظيف الحواري، قد جعله بلا شك اكثر تأثيرا وإقناعا وجمالية، انك لا تقرأ قصائد ديوان مقامات حتى تجد نفسك تبحر مع الشاعر في مجازاته وحواراته، وتتعاطف معه حينا اخر وتتشوق للاستمتاع بحواراته مرة مع الشعر ومرة مع روح الأب الغائب ومرة أخرى مع المحبوبة....الخ

واذا تأملنا في العوامل الخفية التي تجعلنا مشدودين الى الكثير من القصائد الشعرية الحديثة، فسوف نجد أسلوب الحوار من اهم هذه العوامل. " والواقع ان شغف الشاعر بالتفكير والنظر الدرامي ، ثم رغبته في الإخلاص للتجربة، وحرصه على تجسيمها ربما كانت اهم العوامل التي دفعت الشاعر المعاصر الى استخدام هذا الاسلوب[9]. فمن خلال التجاذب والتلاقي والتنافر بين الأصوات المتحاورة، تتضح لنا أبعاد الموقف، وتنطبع في نفوسنا صورته، وهذا هو سر التأثير المتزايد لهذا الأسلوب الحواري في البناء الشعري المعاصر.

الاسلوب القصصي.

من الاساليب السردية الدرامية التي شاع استخدامها في التجربة الشعرية المعاصرة، الأسلوب القصصي، وهو أسلوب مألوف كذلك في الموروث الشعري العربي القديم كما عند امرؤ القيس او لبيد او غيرهما من شعراء العصر الجاهلي.. ونقصد بالأسلوب القصصي في الشعر هو استخدام الشاعر لبعض أدوات التعبير التي يستعيرها من السرديات، دون ان يكون هدفه هو كتابة قصة شعرية. والأسلوب القصصي المستخدم في الشعر العربي المعاصر لا يعدو ان يكون تطويرا عصريا لما كان يسمى في الدرس البلاغي القديم بالتمثيل، فقد جاءت القصة في الشعر لتؤدي نفس الدور البلاغي الذي كان يقوم به التمثيل في الشعر القديم.

فالقصة في الاستخدام الشعري، إنما تقوم على اعتبارها وسيلة تعبيرية درامية، لا على أنها قصة لها طرافتها وأهميتها في ذاتها، ومن اجل ذلك نجد إدريس الرقيبي يوظفها من حيت كونها لمسة فنية دالة تأسرك وأنت تبحر في عوالم الديوان الشعري، وتشدك بجمالية سبكها وحسن توظيفها، لا سيما وان شاعرنا اضفى عليها لمسته الشعرية. لنتأمل مثلا القصائد : " أنا والليل"  (ص89)

يتسامى الليل يذوب رؤى

يجر حقائبه الثكلى

يغادر أجفان الأحداق

يتهادى الليل يذوب ندى

فتميس لرقته الكلمات

في هذه الأسطر الشعرية، نستشعر النفس السردي، حتى اني لن اكون مغاليا اذا ادعيت بان هذا النفس القصصي قد هيمن على جل قصائد الديوان، بشكل يجعل القارئ يتابع القصيدة كانه ينصت لحكاية ما، لكن بنفس شعري ورمزي.

وأود أن أسجل أن البناء الشعري عند الشاعر إدريس الرقيبي، الذي يستخدم القصة باعتبارها أداة تعبيرية موحية ومؤثرة، قد أكسبت الاطار الشعري مزيدا من الخصب والثراء، ارتفعت به من الناحية التعبيرية الى مستوى رفيع.

يقول الشاعر في قصيدة: " صدى الجنوب" : (ص: 54)

مررت صغيرا بتلك الربوع..

ومازال سحر الجنوب

يرخي سدول الغياب على أنفس حالمهْ

عبرت مجاهل الروح سرا إليها

وما استيقظت في الورى أنجم نائمه.

والقصيدة بهذه المثابة تجربة وجدانية نابعة عن موقف فكري خاص بالشاعر، ملونة بمشاعره وعواطفه الجياشة، فالشاعر في لحظة استرجاع لذاكرته بصيغة الاحتفال والزهو لأيام مضت يتذكر فيها أيام الصبا، والتحولات التي طرأت على الجنوب لما عاد إليها وقد بلغ اشده، يتحسر على كل الأشياء الجميلة التي فقدها الجنوب/ مرابع الأجداد. وهذا ما جعل الشاعر يشعر بالاسى وتنتابه صعقات وهو يرى مرابع الجنوب قد غيرت لباسها وملامحها، وأصبحت شاحبة الوجه، ذابلة الحروف: يقول: (ص: 55)

صعقت لما قد وجدت..!

وجدت بلابل من شدوها هجرت..

وجدت منابر كانت تطن تراتيلها أخمدت..

وجدت قصائد تحكي عويل الرياح

وهجر اللقاح

ولم يبق فيها سوى الانزياح.

وهذا البناء الذي اختاره شاعرنا يخرج القصيدة من باب الشعر القصصي ليضعها في إطارها الطبيعي الشعري، وهذا ما يجعل وضع القصة يكون هو الوضع التصويري الدرامي، باعتبارها أداة فنية، وبوصفها بلاغة جديدة. صحيح أن الشاعر قد جسد لنا تجربة وجدانية رسم فيها مرابع الأجداد التي يحن إليها لما تحمله من معاني الصفاء والنقاء والبراءة، فكانه أمام لحظتين زمنيتين، الأولى في الصبا حيث سحر الجنوب وجماليته الأخاذة، والثانية في الكبر حيث العويل والمواويل ترثي حال الجنوب: (ص: 54/55)

لربع يغني النخيل به في انتشاء

لخارطة الأنس فيه صوى للإباء

وها أنا ذا اقتفي اثر الشعراء

فتستيقظ الأمنيات تباعا لتروي ديوان شعر قديم..

يسامرني كالنسيم.

في هذا الموقف الدرامي الذي انتاب الشاعر وهو يقف على أطلال الجنوب باكيا متحسرا على حاله، الذي اصبح متغيرا، كأنه لم تعد فيه الروح التي ألفها شاعرنا، لم يكن أمام الشاعر إلى استحضار رمزية شهريار حين تغفو المحاجر، فتسامره ظل كثبان الجنوب وارتطام النعال، وينتابه حلم يعيد للجنوب احتفاليته وبسمته وبراءته. (ص: 56)

يسامرني ظل كثبانها وارتطام النعال..

وحلم يعيد إلي وجه هذا الجنوب

صدى الاحتفال.

وتأسيسا على كل ما سبق يتبين لنا ان الاسلوب القصصي قد استخدم في البناء الشعري المعاصر ليؤدي نفس الوظيفة الجمالية التعبيرية التي يؤديها الحوار، وهي تجسيم الرؤى والمشاهد من اجل إحداث التأثير الدرامي. ومن تم يمكننا ان نؤكد على ان تجربة الشاعر الحديث قد اتاحت له الفرصة لاستخدام ادوات تعبيرية مقترضة من أجناس أدبية أخرى، لتعزيز تجربته والانفتاح على تقنيات التخاطب في كل تجلياته التعبيرية، مع الحفاظ على جوهر الشعرية.

5 البناء الرمزي الدرامي للغة الشعرية.

يرى بالي بان الاسلوب دراسة الحدث التعبيري في اللغة، من حيث كونه وعاء للعاطفة، أي هي دراسة التعبير باللغة عن مظاهر الاحساس ودراسة مفعول الظاهرة اللغوية على الاحساس. فبالي يهتم من خلال تعريفه اعلاه بالمتكلم في كيفية تأثيره وكيفية تأثيره في المخاطب، أما محور التعبير تأثيرا وتأثرا فهو عالم العاطفة والإحساس.

اذا كانت الدراما تعني في ابسط تعاريفها الصراع، فإنها في الوقت نفسه تعني الحركة، الحركة من موقف إلى أخر مقابل، من عاطفة أو شعور إلى عاطفة أو شعور مقابلين، واذا كانت طبيعة الحياة قائمة في جوهرها على هذا الأساس الدرامي، فلا غرو ان تتأسس هذه الخاصية في بنية اللغة باعتبارها مسكن الوجود كما يؤكد هيدجير. فكل كلمة او مفردة هي بنية درامية مهما ضؤل حجمها، وسواء التفتنا إلى هذا الخاصية أو لم نلتفت.

ففي اطار التفكير الدرامي للشعر، يدرك الإنسان ان ذاته لا تقف وحدها معزولة عن بقية الذوات الاخرى وعن العالم الموضوعي بعامة، وإنما هي دائما ومهما كان لها من استقلال، ليست إلا ذاتا مستمدة أولا من ذوات، تعيش في عالم موضوعي تتفاعل فيه مع ذوات اخرى.

لا شك ان قارئ ديوان مقامات يدرك تلك النزعة الدرامية للغة الشعرية للشاعر إدريس الرقيبي، فالعمل الذي بين ايدينا هو تجربة خاصة يمر منها الشاعر، لم تتأت له عن طريق الاقتباس أو التقليد، وإنما عن طريق الذوق والمناجاة في اعماق الذات والغوص في رمزية اللغة. فالعنصر الذاتي في المؤلف طاغ متسلط، لا يقبل الخضوع لمنطق العقل ولا يخضع لسلطانه، ولا حتى لمقاييس الشعر العاطفي العادي، إذ انه وصف لتجربة باطنية فريدة يمر بها الشاعر لوحده. وهو وجداني لأنه في مجمله يمثل نفثت وجدانية للشاعر ، فالتجربة التي يعبر عنها الأستاذ الشاعر إدريس الرقيبي هي في عمقها تجربة وجدانية خاصة خلاقة تنبع تجلياتها من عوالم الروح والمثالية والرمزية والواقعية، حيث الاستمداد لعناصر فنه من قلبه؛ منبع الحب، ومنارة عالمه الذاتي، فهو يدين بدين الحب والعشق كما الصوفي، وينشد الجمال والجلال المطلق في اسمى حلله ومعانيه.

المتأمل لديوان مقامات يدرك ان الشاعر إدريس الرقيبي مهوس بالبناء الرمزي للغة، وبمجازاتها، فهو عندما يختار لعناوين قصائده عبارات: أنا الشعر، جذور، رؤيا، إيقاع الفرح، اركب شموخك واحتفل، صدى الجنوب، شلال الوجد، وجه المدينة، دوائر الخوف... فانه يختار عندئذ كلمات وعبارات ذات دلالة رمزية، تختزل تجربته وموقف الشعريين، فاللغة الرمزية في ديوان مقامات لها قوة التأثير الشعري، لاسيما وان الشاعر موفق في حسن وبراعة التوظيف لهذه الدلالات الرمزية، والتي اضفى عليه أبعادا جديدة من كشفه الخاص، فالرمز الشعري مرتبط كل الارتباط بالتجربة الشعورية التي يمر منها الشاعر، والتي تمنحه بعدا جديدا وحيا، ذلك ان التجربة هي التي تمنح الاشياء اهميتها الخاصة ودلالتها ومغزاها الخاص، وعند استخدام اللغة في الشعر استخداما رمزيا، لا تكون هناك كلمة اصلح من غيرها لكي تكون رمزا، إذ المعول في ذلك على استكشاف الشاعر للعلاقات الحية التي تربط الشيء بغيره من الأشياء.

وفي تدبرنا للبناء الرمزي لديوان مقامات، يبنغي ان نستحضر في تقديرنا بعدان أساسيان، هما التجربة الشعرية الخاصة، والسياق الخاص، فالتجربة الشعورية بما لها من خصوصية هي التي تستدعي الرموز لتختزل موقفها وتصورها الإبداعي، وتفرغ فيه حمولتها العاطفية وهي التي تضفي على اللفظة طابعا رمزيا خاصا، يرتبط في عمقه بالسياق الخاص الذي يكسب الرمز دلالة جديدة مفعمة برؤية شعرية متجددة منفتحة.

ان لجوء الشاعر إدريس الرقيبي إلى البناء الرمزي للغة الشعرية، باعتباره أداة تعبيرية قادرة على اختزال تجربته وموقفه الشعريين، نابع من قناعة فنية مردها ضرورة تجاوز المألوف والسائد، إلى تفجير الطاقة الابداعية عن طريق اللغة والتمرد على الثابت والجامد، ولذلك اعتمد في بنائه التصويري الدرامي غلى البناء الرمزي، ينطلق منه ليؤسس لموقفه الشعري. والمتأمل لديوان مقامات يدرك منذ اللحظة الاولى هذا التوظيف الرمزي للغة الدرامية. وشاعرنا إدريس الرقيبي حينما يوظف الرموز انما يعيد احياء دلالتها ويتجاوز بناءها المباشر العادي الى الغوص في اثرها العميق وما تحمله من إيحائية وكثافة أسلوبية.

فالنخيل كما في قصيدة صدى الجنوب رمز للامتداد والشهود الحضاريين، حيث منحه الشاعر قوة دلالية انزياحية جديدة، أخرجته من معناه الحرفي المباشر ليعانق دلالات جديدة، حيث الغناء في انتشاء.. والمدينة بما هي الوجه الحضاري للامة، حيث يتسأل الشاعر في رحلته الوجودية وهو يرنو إلى الأفق البعيد متسائلا: ص 67

إلى متى تمتد رحلتك الطويلة؟ ومتى تؤوب؟

والمدن هنا..

يجتث فرحة البسطاء في درب الشقاء..

فهذا المعنى الجديد الذي منحه إدريس الرقيبي للمدينة يتقاطع تناصيا مع الدلالات الرمزية التي أخذته المدينة في اغلب قصائد رواد الشعر العربي الحديث، كما نجد ذلك مثلا عند صلاح عبد الصبور وغيره.

نلحظ بان إدريس الرقيبي يجنح إلى توظيف أبعاد رمزية متعددة، تنهل من مختلف المشارب الثقافية والفكرية لاختزال رؤيته وموقفه الشعري، ويمكن تقسيمها من حيث الهيمنة والأكثر توظيفا إلى ثلاث مكونات اساسة:

مكون طبيعي: يستمد مكوناته من الطبيعة كالمطر والنور والغيم و الليل و النخيل و الرمال...الخ

مكون لغوي: يرتبط ببعض الكلمات المرتبطة أساسا ببنية اللغة كالمجازات، اللغة، الغموض، الكليمات، الشعر، القصيدة... فالرمز حسب الشاعر مصدر القوة في البناء الشعري، فالبناء الرمزي في الديوان يشحنه بطاقة تعبيرية ايحائية تتعدد دلالتها وتختلف من قصيدة إلى أخرى.(وهذا يحتاج إلى دراسة مستقلة)

ان هذا التداخل بين المكونات: الطبيعي والديني واللغوي والحضاري.. في البناء الأسلوبي للشاعر إدريس الرقيبي، يبين أولا انفتاح الثقافي على مختلف المشارب والمعارف، وثانيا يبين قدرته على توليف هذه المكونات لخدمة تجربته الشعرية، عبر إثراء القصيدة بالدلالات وشحنها بالمعاني. ولن أكون مغاليا اذا ادعيت ان ديوان مقامات مشبع كثيرا بالرمز، مما قد يجعل قراءته من قبل المتلقين تتعدد، بتعدد مشاربهم وقدراتهم التأويلية، وبالتالي فهو نص تأويلي مفتوح يحتاج إلى جهد فكري وتأويلي من طرف المتلقي لفك رموزه.

اذا كان أدونيس قد تحدث على ان الرمز هو اللغة التي تبدأ حين تنتهي القصيدة، أو هي القصيدة التي تتكون في وعيك بعد قراءة القصيدة، أو البرق الذي يتيح للوعي ان يستشف عالما بلا حدود، فإن الرمز قد أصبح سمة تميز الشعر الحديث بكل تلويناته، اتخذ رؤية فلسفية جديدة من شأنها أن توجه بناء النص إلى أفق غامض يبلور ألم الذات، وأسئلتها وقلقها، انه اللغة الخاصة التي تسافر بك الى عوالم خفية لا تتيح لك نفسها إلا اذا امتلكت القدرة على المعراج، والغوص في كنه الشيء.

على سبيل الختم

الشعر هو ذاك الخيط الناظم اللامع الذي ينضدد أجزاء التجربة وينسق بينها مشكلا بذلك رباطها المقدس – كما يؤكد ذلك نوفاليس- وهو بذلك كل ما تضج به الأعماق إلى حد السكون والخرس،هو الصمت المطبق على الكلام نفسه وما يبقى دائما هناك في انتظار ان يقال، هو العمق في ابعد أبعاده، بما هو قدر ولغز وصدفة ورهبة[10]. وهذا ما جعل الشعر ينفتح على كل الأساليب الخطابية الخرى، باعتبارها أجناسا أدبية تتواشج فيما بينها، بعيدا عن التصادم والخلاف، وفي ارتباط وطيد بعمق التجربة الانسانية. فالقصيدة الشعرية عند إدريس الرقيبي متعددة الإشعاعات وبناؤها المعماري الهيكلي قائم على تعدد التقنيات الفنية الموظفة في الكتابة الشعرية، ذلك ان ثقافة الشاعر وعمق تجربته الشعرية جعلته يوظف جملة من التقنيات الفنية كالرمز والحوار والتناص، إضافة إلى البديع والبيان لتشكيل صورة فنية تشابكية ذات علائق متعددة تبين حقيقة مفهوم الشعر عند إدريس الرقيبي.

وادريس الرقيبي الشاعر الشغوف بالمعنى، والمتيم باللغة، استثمر مختلف المكونات السردية، لنقل تجربته الشعرية وترجمة رؤيته وموقفه. وذلك في بناء متناسق على اعتبار ان اصل العمل الفني يمتلك القوة التي تمكنه من الانتقال عبر كل الأشكال،  دون التنصل من الماهية او التنكر للهوية الفنية.

 

الدكتور. رضوان الرقبي. اكادير/ المغرب

...........................

[1] رشيد يحياوي: الشعر العربي الحديث. دراسة في المنجز النصي. ص: 116 افريقيا الشرق. الدار البيضاء1998

[2] نفسه ص: 110.

[3]  الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية. عز الدين اسماعيل. ص: 238.دار الثقافة بيروت لبنان

[4]  نفسه:285

[5]  جيرار جنيت مدخل الى النص الجامع . ص 8 ترجمة عبد العزيز شبيل المجلس الاعلى للثقافة القاهرة.

[6]  نفسه . ص 11

[7]  نفسه.ص: 12

[8] هذا البعد الحواري كذلك نجده حاضرا في بناء القول الشعري القديم، والمتامل لبنية القصيدة الجاهلية او بناء المعلقات، يلاحظ جنوح الشعراء الى هذا الاسلوب لما يعكسه من مشاعر مرتبطة بالمواقف واللاحاسيس المعبر عنها كما في معلقة امرئ القيس مع الليل او الذيباو مع المحبوبة. او عند عنترة بن شداد و غيرهما من فحول الشعر العربي القديم.

[9]  الشعر العربي المعاصر: عز الدين اسماعيل.ص: 299.

[10] الفلسفة والشعر. (بتصرف) عبد الهادي مفتاح.ص: 190 منشورات عالم التربية الطبعة الاولى 2008

 

أعرف أن جملتي الافتتاحية تلك كررتها في مقال سابق، لكن تصديري لها ليست إلا تأكيدًا عليها، إذ يتضح لي –بشكل شخصي- صحتها كلما وقعت تحت يدي رواية جديدة أو مخطوط عمل روائي كتبه أحد الشعراء. وهنا أزيد تعريفًا هامًا لمن أقصد بالشعراء، إذ كان أسوأ ما أنتجه لنا عالمنا المعاصر ذلك الانزياح المفاهيمي لكل شيء، وصبغ الأدب بصيغ غريبة وعجيبة معًا، بعد أن حدث ما يُشبه الإنفجار الإبداعي كما يحلو لبعض الباحثين تسميته، وهو ما تؤكده إحصائيات النشر في مصر، والحقيقة أنه انفجارًا ليته ما حدث، فبين فنية وأخرى تجد مئات المطبوعات تصدر إليك كتابات لا ترتقي لتكون مخطوطًا حتى، أو مسودة أولى لكتاب أو عمل إبداعي. لا أريد الإطالة حول ذلك حتى لا أخرج من مقالي وما أريده، باختصار اختلط الحابل بالنابل في الكتابة والنشر معًا، وهذا شجن عظيم لو تعلمون.

جملتي الافتتاحية:

أعود لجملتي الافتتاحية، وأكرر أننا معشر الروائيين علينا أن ننتبه جيدًا حين يكتب الشعراء نصوصهم النثرية الطويلة، أو يقدمون لنا مخطوطات رواياتهم، إذ يبدو أنهم بلا مبالغة يخطون خطًا كتابيًا جديدًا من حيث اللغة والنموذج الكتابي النثري، والحقيقة –كباحث- هناك بعض الأسماء لكن أكتفي بنموذج واحد تأكيدًا على جملتي تلك، وكل هؤلاء الشعراء –بالأساس- والذين دخلوا الرواية وعالمها من بابٍ خاص جدًا، رأيته واحدًا من أفضل ما قدمه ذلك التحول الكتابي في مشروعاتهم الكتابية، هو باب "كتابة الحياة". نعم، "كتابة الحياة" ذلك المصطلح الذي لا أعرف لم لم ينتبه له المشروع النقدي المصري والعربي حتى الآن.

سأعترف بأنني أحد المتحمسين للمصطلح أدبيًا وأنثربولوجيًا، وأنني بنيت عليه في رسالتي العلمية، باعتباره شكلا من أشكال الكتابة الأدبية والأنثربولوجية التي سينفتح لها المجال أكثر وأكثر، وإن كان المقال هنا لا يتسع لشرح المفهوم والمصطلح "كتابة الحياة"، لكن أؤكد أن النص الذي بين يدي الآن هو نموذج واضح لتلك النوعية الكتابية الجديدة عالميًا، حتى وإن لم ينتبه لها النقد العربي، وفقط أشير بأنها كتابة ذاتية جدًا بالأساس لكنها ليست سيرة ذاتية لكاتبها، إذ هناك شعرة دقيقة وخط فاصل بين كتابة الحياة وبين السيرة الذاتية.

فاصل أدبي ماتع:

كنتُ بصدد اللمسات الأخيرة قبل مناقشتي العلمية لرسالتي حول التاريخ الحي للثورة المصرية وكتابة الحياة في تاريخ الربيع العربي، حين وصلتني رواية الشاعر المصري على عطا، رواية (زيارة أخيرة أم كلثوم) لتصبح فاصلا أدبيًا ماتعًا، والصادرة عن دار نشر المصرية اللبنانية نهايات العام 2019، والمُسوق لها في معرض القاهرة الدولي للكتاب يناير 2020.  وهي الرواية الثانية للشاعر والصحفي علي عطا، بعد روايته الأولى حافة الكوثر، وسبق لي أن تحدثت عنها، وقلت تلك الجملة الافتتاحية التي تحذر من قدوم الشعراء بقوة إلى عالم الرواية، وهو ما له أسباب أراها مختلفة كثيرة عما نظّر له البعض نقديًا عن أسباب ذلك التحول كما يُدعى، والذي لا أراه تحولاً قدر ما هو تطورًا وإضافة جديدًا إلى المنتج والمشروع الأدبي والإبداعي للشاعر الذي كتب الرواية كعلي عطا وغيره ممن ذكرتهم في مقالي حول رواية حافة الكوثر، ولا يتسع المقال لذكر أسباب ذلك.

وقفة هامة مع تصدير الرواية:

أعود إلى تلك الزيارة الأخيرة لبيت أم كلثوم، والتي جاءت –حسب المخطوط الذي وصلني بصيغة الـ(pdf) ، في 200 صفحة، ويبدو أنه  سيكون قطع متوسط حال النشر، ويبدأ المخطوط بتصدير هام في أوله في ص 5 عبر ثلاث جمل الأولة يمكن اعتبارها إهداءً، وهو أمر دارج لكن ما يوقنا فيه هو ذكر "أهل الكوثر"، وهم الرواية الأولى لعلي عطا، والتي نكتشف سر هذا الإهداء حين نقرأ وخلال القراءة. والجملة الثانية والثالثة هما لبُ ما أشير إليه، فالجملة الثانية لماركيز (من لا ذاكرة له فليصنع لنفسه ذاكرة) وتلك جملة تلخص في عبقرية "كتابة الحياة" ولماذا ظهرت، وكأن أحد اهم أسباب ظهورها هو حاجتنا الشخصية لكتابة تاريخنا الحقيقي كما نراه نحن لا كما يرويه الآخرون، وهو ما انتبه له علي عطا في روايته الأولى حافة الكوثر ويؤكد عليه في زيارة أخيرة لأم كلثوم، إذ يصنع لنفسه هذا التاريخ بتلك الكتابة الذاتية جدًا لكنها ليست السيراتية لحياة الكاتب، وهو ما نلاحظه في كل كتابات الحياة حين يمتزج الشخصي جدًا بالعام الواسع بشكل لافت. وأما الجملة الثالثة فهي للعلامة ابن خلدون، تقول (العربُ لا يحصلُ لهم المُلكُ إلا بصبغة دينية مِن نبوة أو ولاية، أو أثر عظيم مِن الدين على الجُملة)، ولها من دلالاتها السياسية الكثير، ولست بصدد تحليل أسباب اختيارها هنا، لكن بعد القراءة نكتشف لما تصير جملة التصدير تلك لها دلالاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية في زمن الرواية المحكي، والذي يكتب في فترة زمنية مصيرية في تاريخ مصر المعاصر، ربما سيتوقف التاريخ كثيرًا عندها بالشهادة والتحليل، وهذه الجملة لا يمكن أن ينتبه لها الكاتب إلا حين يمارس "كتابة الحياة"، التي تحول النص الإبداعي إلى نص أنثربولوجي وتاريخي، وتخرج به من دائرة التنظير الإبداعي إلى دائرة الحياة بكل تفاصيلها، وهو ما فعله علي عطا في روايته زيارة أخيرة لأم كلثوم، والتي تقدمًا قطعا تشريحيًا عريضًا للفترة الزمنية الشائكة.

نريدُ نقدًا لا ملخصًا للحكايات:

لا أعرف لماذا كلما قرأت نصًا مقاليًا حول الرواية العربية المعاصرة، أشعر بأنني أقرأ ملخصًا لأحداث الرواية، وقليلا ما أجد تحليلا نقديًا حقيقيًا للنص المكتوب، وهو منتشر بتلك الصيغة الحكواتية كثيرًا، بل يُدهشك لماذا يتم الاحتفاء بتلك القراءات التي تحمل عنوانًا نقديًا؟! ربما سبب ذلك شجن آخر يتعلق بحركة النقد في مصر والوطن العربي بشكل عام، ويتردد داخلك أملٌ يقول: "نريد نقدًا لا ملخصًا للحكايات"، لذلك لا أظن أنني سأقدم ملخصًا لرواية وحكاية زيارة أخيرة لعلي عطا، لكن سأشير إلى نقاط يمكن أن تكون ركيزة نقدية حقيقية للنص، دون الخوض في تفاصيل الحكاية، وإلا صرت أنهي عن فعل وأجيء بمثله.

يقدم علي عطا في زيارة أخيرة لأم كلثوم الكثير الذي يمكن تتبعه، وبالمناسبة هي الخالة للبطل وليست كوكب الشرق، وإن كانت الصدفة في البداية توقع في ذلك اللبس خاصة حين تعرف أن الأحداث تدور في المنصورة (الدقهلية) مسقط رأس أم كلثوم كوكب الشرق ومسقط رأس الكاتب. وفي رأيي أن هؤلاء الذين يتصدون لكتابة الحياة هم أولئك الذين يملكون التفاصيل الدقيقة، وصناعة متعة الحكي العام عبر التفاصيل الشخصية شديدة الذاتية، ويفعلون ذلك بسلاسة وسهولة، وهي سهولة في كل شيء في اللغة ونمط الحكي، وتسريب الأفكار والرؤى حول الحدث العام الذي يظل طوال العمل الأدبي ظلا واسعًا تحته تدور تلك التفاصيل الشخصية.

علي عطا وكتابة الحياة:

قدم علي عطا وهو الشاعر والصحفي المتمرس، نصًا يقول بأن "كتابة الحياة" ليست أمرًا هينًا، يمكن لأي شخص يمارس كتابة اليوميات أو السيرة الذاتية أن يكتبه، فللرواية لغة خاصة جدًا شديدة العذوبة –لكونه شاعر- وشديدة الحيوية لكونه صحفيًا، حين يختار بعينه الثالثة كروائي بعض المشاهد من تلك الفترة الزمنية ويقرر إعادة صياغتها عبر الحكاية الشخصية، وهنا يبدو ثمة التباسًا قد يحدث حول لغة النص، في ظني هذا الالتباس هو سر من أسرار تميز الرواية، وهو لغة علي عطا، والتي أكرر بأن بعضها بل كثيرًا منها جاء شاعريًا جدُا، ولك أن تكتشف ذلك حال القراءة دون تمثيل، لكنه يقدم لغة تحسبها للوهلة الأولى لغة الصحافة أو لغة المدونيين، لكن سرعان ما تكتشف أنها لغة "كتابة الحياة"، عبر تلك الخلطة اللغوية شديدة البساطة شدية الصعوبة متى أردت الكتابة عبرها، واللافت أن علي عطا ظل ممسكًا بخيطها طوال العمل منذ اللحظة الأولى عبر مشاهد كثيرة منذ قرر تلك الزيارة من القاهرة إلى بيت الخالة في المنصورة. الحقيقة أن علي عطا فعل ذلك باقتدار أيضًا في عمله الاول حافة الكوثر، واتفق أو اختلف على الحكاية داخل الروايتين –والمتصلتين بحبل واحد هو علي عطا نفسه- لكنهما نموذجان لكتابة الحياة باقتدار.

جاءت الأحداث عبر 69 مقطع مستخدمة الكثير من تقنيات السرد الروائي الطبيعية، ومعتمدة على تنوع الرواة خلال المقاطع تلك، فتجد مقاطع لنصوص الرسالة، او سرد أحلام، أو فلاش باك أو استرسال طولي ممتد على خط الحكاية، وكل ذلك مولفًا بتوليفة نفسية واضحة للبطل الذي يتولى زمام الحكي كثيرًا، ويتنازل أحيانًا للحدث نفسًا ليقفز بطلا وراويًا بديلا عن ذلك الراوي العليم الذي نتتبع رحلته وزيارته تلك ليعري الحدث التاريخي الاكبر عبر هذه التعرية النفسية والمصارحات التي يطرحها، لتأخذنا إلى سؤالها الأكبر حول الحدث العام، مرة بالطرح والسؤال المباشر ومرة أخرى بالإضاءة على الحدث، وعبر نسيج مركب من العلاقات الإنسانية التي تأثرت بالحدث الاعظم في مصر وقت الزمن المحكي للرواية، وهو ما فعله البطل بلا إزعاج، وبلا عثرات قرائية للمتلقي للنص، إذ أفلح علي عطا في توريطنا نحن ليس في حكايته الشخصية التي تبدو لوهلتها الأولى حكاية عادية جدًا رغم تفاصيلها الخاصة، لنكتشف أنه في حقيقة الأمر إنما يورطنا في الحكاية الأكبر في تلك الفترة الزمنية شديدة الارتباك في تاريخ مصر المعاصر.

لا أريد الإطالة ولا الوقوع في فخ حكاية النص وتلخيصه، لكن أود بشدة لفت الانتباه إلى ما فعله علي عطا في زيارته تلك، وويفعله معه قلة نادرة من كتابنا الآن، إذ يحولون نصوصهم الإبداعية من مجرد كونها نصًا أدبيًا إلى نص تاريخي، يمكن ان يصبح زاوية رؤية جديدة للحدث التاريخي، تلفت الانتباه إلى زاوية من زوايا الحدث ربما لا ينتبه لها المؤرخ التقليدي لكن حتمًا تهم وتلهم الباحث الأنثربولوجي والمؤرخ المعاصر الذي يرى في كل الحياة مادة للبحث والدراسة، ويعتمد كل المتاح من علوم إنسانية وفيزيائية وبيولوجية وغيرها لكتابة الحدث التاريخي.

زيارة أخيرة لأم كلثوم، نص تجاوز في زواياه مجرد النص الإبداعي الجيد المحكوم بقواعد النقد الأدبي، لتتسع قماشته كنص حقيقي لكتابة الحياة يمكن أن يلجأ إليه الباحث التاريخي المعاصر والانثربولوجي المهتم بتغيرات التفاصيل والقراءة الاجتماعية لمجتمع مثل المجتمع المصري بعد حدث عظيم مثل حدث الثورة المصرية في يناير 2011، وهو أمر ليس بالسهولة التي يظنها البعض حين يقررون الكتابة عن الحدث.

ستظل كتابة الحياة إطارًا حيويًا يسمح لمن يدرك كُنه التفاصيل والحياة والتاريخ في مجتمعه الخاص والعام، ولكل من يريد الفهم أكثر عن نفسه أو عن مجتمعه أو الأحداث الفارقة في تاريخ الأمم، ستظل هي النمط الأنسب لصوغ كل ذلك عبر نص متجاوز لحدود الأدب وحده وقافزًا إلى التاريخ والانثربولوجيا والاجتماع بامتياز.

 

د. مختار سعد شحاته

جامعة UNEB سالفادور/ البرازيل

 

فالح الحجيةلا تختلف الفنون الشعرية او اغراضها في بلاد الاندلس عن مثيلاتها في المشرق العربي او مغربه في شمال افريقيا الا قليلا وحسب متطلبات الموقع والزمن المعاش وفي كل انواع الشعر كالشعر التقليدي او الموشح او الزجل ومن اشهر الفنون الشعرية الاندلسية هو فن المدح حيث انتقل مع العرب الى تلك البلاد فقد تمجد الشعراء العرب في الاندلس بانفسهم وانسابهم وبالاخص عندما اشتدت المنازعة بين القبائل العدنانية والقحطانية في المشرق وانتقال هذه المنازعة الى الاندلس وانشغال الناس بها في هذا البلد ايضا . ومن اشعر ما قيل في المدْح ما قاله الشاعر لسان الدين بن الخطيب في مدح المعتمد بن عباد في موشح نادر مطلعه:

جَادَكَ الغَيْثُ إِذَا الغَيْثُ هَمَى

يَا زَمَانَ الوَصْلِ بِالأَنْدَلُسِ

 

لَمْ يَكُنْ وَصْلُكَ إِلاَّ حُلُمًا

فِي الكَرَى أَوْ خِلْسَةَ المُخْتَلِسِ

وكذلك رائيَّة أبي بكر بن عمَّار في مدح المعتمد بن عباد حيثُ استهلَّها بمدخل رائع لوصف الطبيعة الاندلسية يقول فيه:

أَدِرِ الزُّجَاجَةَ فَالنَّسِيمُ قَدِ انْبَرَى

وَالنَّجْمُ قَدْ صَرَفَ العِنَانَ عَنِ السُّرَى

 

وَالصُّبْحُ قَدْ أَهْدَى لَنَا كَافُورَهُ

لَمَّا اسْتَرَدَّ اللَّيْلُ مِنَّا العَنْبَرَا

ثم ينتقل بعد وصْف الطبيعة إلى مدح الامير المعتمد قائلاً:

أَثْمَرْتَ رُمْحَكَ مِنْ رُؤُوسِ مُلُوكَهُمْ

لَمَّا رَأَيْتَ الغُصْنَ يُعْشَقُ مُثْمِرَا

 

وَصَبَغْتَ دِرْعَكَ مِنْ دِمَاءِ مُلُوكِهِمْ

لَمَّا رَأَيْتَ الحُسْنَ يُلْبَسُ أَحْمَرَا

 

وَإِلَيْكَهَا كَالرَّوْضِ زَارَتْهُ الصَّبَا

وَحَنَا عَلَيْهِ الطَّلُّ حَتَّى نَوَّرَا

اما الهجاء فلَم تكُن له سوق رائجة في بلاد الأندلس ولا سيما الهجاء السياسي وذلِك لقلَّة الأحزاب السياسيَّة وعدم وجود الشعوبية وقد تميز عند بعض شُعَراء الأندلس بالتطرُّف والقسْوة،فهذا ابن حزمون مثلاً حين هجا نفسَه هجاها بقسوة لامثيل لها ويذكرني بهجاء الحطيئة لنفسه ويقول في ذلك:

تَأَمَّلْتُ فِي المِرْآةِ وَجْهِي فَخِلْتُهُ

كَوَجْهِ عَجُوزٍ قَدْ أَشَارَتْ إِلَى اللَّهْوِ

 

إِذَا شِئْتَ أَنْ تَهْجُو تَأَمَّلْ خَلِيقَتِي

فَإِنَّ بِهَا مَا قَدْ أَرَدْتَ مِنَ الهَجْوِ

والغزل كان من اهم الفنون الشعرية التي توسعت في الاندلس وقال فيه الشعراء الكثير الكثير من الشعر وكان يؤثر على الشعراء الطبيعة الجميلة والحياة الناعمة وغالبا ما يتداخل الغزل بوصف الطبيعة كقول الشاعر ابي الربيع الموحدى:

لِرَكْبٍ أَدْلَجُوا بِسُحَيْرَةٍ

قِفُوا سَاعَةً حَتَّى أَزُورَ رِكَابَهَا

 

وَأَمْلأَ عَيْنِي مِنْ مَحَاسِنِ وَجْهِهَا

وَأَشْكُو إِلَيْهَا إِنْ أَطَالَتْ عِتَابَهاَ

و يمتاز الغزل الاندلسي برقة الاسلوب وجمال المعنى وقد انشد او اشعر فيه اغلب بل كل الشعراء العرب في الاندلس وتفننوا فيه وكانت المرأة صورة من محاسن الطبيعة، والطبيعة تجد في المرأة ظلها وجمالها، ولذا كانت الحبيبة روضاً وجنةً وشمساً، وهكذا كانت العلاقة شديدة بين جمال المرأة وبين جمال الطبيعة فلا تُذكر المرأة إلا وتُذكر الطبيعة في وصف الحبيب ووصف لوعات الشعراء وهواهم اليه

ومن شعر ابن زيدون في الغزل مخاطبا حبيبته ولادة ابنة الخليفة المستكفي يقول:

اني ذكرتك بالزهراء مشتاقا

والافق طلق ووجه الارض قد را قا

 

يوم كايام لذات لنا انصرمت

بتنا لها حين نام الد هر سراقا

اما الرثاء فقد قلد شعراء الاندلس شعراء المشرق فيه وتفجعوا على الميت ووصفوا المصيبة الواقعة وعددوا مناقب المرثي ومن ذلك قول الشاعر ابن حزمون في رثاء (ابي الحملات) قائد الاعنة في مدينة ( بلنسية) وقد قتله نصارى ا لاسبان:

يَا عَيْنُ بَكِّي السِّرَاجْ الأَزْهَرا ... النَّيِّرَا اللامِعْ

وَكَانَ نِعْمَ الرِّتَاجْ فكُسِّرَا ... كَيْ تُنْثَرَا مَدامِعْ

 

وقد تميز الرثاء بشدة لوعته وصدق العاطفة فيه ومنه قول الشاعر الحصري في رثاء ابيه:

ارى نير الايام بعد ما اظلما

وبنيان مجدي يوم مت تهدما

 

وجسمي الذي ابلاه فقدك ان اكن

رحلت به فالقلب عندك خيما

 

سقى الله غيثا من تعمد وقفة

بقبرك ما استسقى له وترجما

 

وقال سلام والثواب جزا ء من

أ لم على قبر الغريب فسلما

كما وجد نوع اخر من الرثاء هو رثاء الممالك والمدن الذَّاهِبة، فكان أكثر روْعة من رثاء الشُّعراء في المشرق فقد هالَ الشعراء ان يَرَوا ديارَهم تسقط بلدة بعد أُخْرى في أيدي الأسبان فبكَوْها بكاء الثَّكالى وتفجعوا عليها تفجع من فقد اولاده ومن احبهم ومن أشهر ما قيل في هذا الضَّرب من الرثاء (راجع مقالتي رثاء الاندلس) قصيدةُ أبي البقاء الرندي التي يرْثِي فيها الأندلس بأسرها، ومطلعها:

لِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا مَا تَمَّ نُقْصَانُ

فَلا يُغَرَّ بِطِيبِ العَيْشِ إِنْسَانُ

 

ومنها هذه الابيات يقول :

 

دهـى الـجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له

هـوى لـه أُحـدٌ وانـهدْ ثهلانُ

 

أصابها العينُ في الإسلام فارتزأتْ

حـتى خَـلت مـنه أقطارٌ وبُلدانُ

 

فـاسأل(بلنسيةً) ما شأنُ(مُرسيةً)

وأيـنَ(شـاطبةٌ) أمْ أيـنَ (جَيَّانُ)

 

وأيـن (قُـرطبة)ٌ دارُ الـعلوم فكم

مـن عـالمٍ قـد سما فيها له شانُ

 

وأين (حْمص)ُ وما تحويه من نزهٍ

ونـهرهُا الـعَذبُ فـياضٌ وملآنُ

 

قـواعدٌ كـنَّ أركـانَ الـبلاد فما

عـسى الـبقاءُ إذا لـم تبقَ أركانُ

اما الوصف وما ادراك ما الوصف في بلاد الاندلس فقد توسع شعراء العربية في الاندلس فيه وتاثروا بطبيعة البلاد الخصبة الخضراء الجميلة الموارد .. ومناظرها الفاتنة الساحرة بين الجبال العالية والوديان الفارهة الغناء الوارفة الظلال روعة وجمالا تلك التي تفتح النفوس لتتيه الارواح سادرة في ظلالها و لتغني القلوب فتطرب الافئدة وتغني لتشنف الاذان بالحانها وتحدق العيون بروعتها بسناء ازاهيرها فتطيرالقلوب فيها كالفراشات الملونة فتمتلىء بنور الحب واشراق الزهر وعبق الشذى وخفة النسيم وتفننوا في الوصف و تعلّق الشاعر الأندلسي ببيئته الطبيعية وهيامه بها هياماً مبالغا ً بلغ حدّ الحلول، إذ إن الطبيعة شكّلت حضوراً في معظم إبداعاته الفنيّة حتى تشظّى معجمها في مختلف الفنون وبلغ هذا التمازح بين الشاعر والطبيعة مرتبة التشخيص ويعد وصف الطبيعة الا ندلسية من جيد الوصوف الشعرية في اللغة العربية وروعتها

منها قول الشاعر ابن خفاجة يصف روضة:

في روضة جنح الدجى ظل بها

وتجسمت نو را بها الانوا ر

 

قام الغناء بها وقد نضح الندى

وجه الثرى واسيتيقظ النوا ر

 

والماء في حلي الحباب مقلد

زرت عليه جيوبها الاشجا ر

 

وصقـيلة الأنوارِ تلـوي عِطـفَها

ريحٌ تلفّ فروعـها معـطار

 

عاطـى بها الصهباءَ أحوى أحورٌ

سَحّابُ أذيال السّـُرى سحّار

 

والنَّورُ عِقدٌ والغصـونُ سـوالفٌ

والجذعُ زَندٌ والخـليج سوار

 

بحديـقة مثـل اللَّمـى ظِلـاَّ بـها

وتطـلعت شَنَبا بها الأنـوار

 

رقص القضيبُ بها وقد شرِبَ الثرى

وشـدا الحمامُ وصَفَّق التيار

 

غَنّاء ألحَـفَ عِطفَـها الوَرَقُ النّدي

والتـفّ في جَنباتها النـوّارُ

 

فَتطـلّعت في كل مَـوِقع لحـظةٍ

من كل غُصـنٍ صَفحةٌ وعِذارُ

وهناك اغراض اخرى غير هذه االتي ذكرت اذ قال الشعراء في الخمرة كثيرا و في الزهد وفي نظم الملاحم والاحداث والقصص وفي كل ما وقعت عليه اعين الشعراء وهاموا به في هذه الارض ذات الطبيعة الخصبة والرياض الرائعة التي لم ير العرب اجمل منها في بلادهم عامة.

 

امير البيـــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــد روز

 

 

"باسم محمد أنموذجًا"

يشكل التراث بعامته ذاكرة الشعوب وبدونه تكون الأمة أشبه بشجرة بلا جذور، نافذة للمعالم التي بها تهتدي في مسارها الحضاري كلما كانت الأمة عريقة كان تراثها المتراكم كبيرًا وعميقًا.ولما كان التراث هو خلاصة وعصارة الأمم فكان بحق مادة وأداة مهمة للأدباء عامة والشعراء خاصة في إبداعاتهم. وتوظيف التراث أصبح ميزة من أهم ميزات الشعر المعاصر  لأنه "يعد بمثابة وعاء كبير يحمل ثقافة لا تعد ولا تحصى عن الشعوب والحضارات إذ يعبر عن حياتها في كافة المجالات ويتطرق إلى الحديث عن واقعها بأحزانه وأفراحه" إن توظيف التراث في شعر أي شاعر يكشف لنا ثقافة الشاعر ووعيه بماضيه بشكل عام وتراثه بشكل خاص. كما إن اكتشاف التراث من قبل المتلقي أيضا بحاجة لدراية ليس بقليل. لنا أن نتوقف عند شعر أحد شعراءنا المعاصر بحثًا عن الكنوز التراثية وهو أحد شعراء تامٓرّا باسم محمد.

يقول الشاعر:

واركض برجلكَ لا تبقى على جهةٍ

وحاول الآن أن تحتاجني ذنبا..

إن الشاعر وهو يكتب ما سبق كان في ذهنه قول سبحانه وتعالى (ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ) ص٤٢ في الآية يذكر تعالى رسوله أيوب - عليه السلام - وما كان ابتلاه تعالى به، فالشاعر أفاد من الآية القرآنية في شعره لنا أن نعده تراثًا دينيًا على رغم الاختلاف في عد القرآن الكريم تراثًا أم لا حسب الآراء الواردة المختلفة في هذا الصدد نلاحظ مدى وعي الشاعر في صياغته بطريقته الخاصّة. وهذا الاسلوب ملحوظ بشكل كبير عند الشاعر لو تأملنا قصائده.

كثيرون من الشعراء جملوا قصائدهم بالإفادة من القصص القرآنية ومنها قصة النبي يوسف عليه السّلام نتذكر هنا من قصيدة درويش مستندا إلى قصة النبي يوسف عليه السلام:

‏أنا يوسف يا أبي

اخوتي لا يحبونني

لا يريدونني بينهم يا أبي

يعتدون ‏علي ويرمونني بالحصى والكلام

يريدونني ‏أن اموت لكي يمدحوني

وهم أوصدوا باب بيتك دوني

وللشاعر باسم محمد وقفة مع هذه القصة  في قصيدة له باسلوبه الخاصّ:

نَقول: دَمُ الشاةِ أصدَقُ يا إخوتي اللقطاءَ

من الذِئبِ واللحظةِ العاثِرَةْ

إليكُم قَميصي ..

أنا واحدٌ رَغمَ أصفارِهِ الخَشَبيَّةِ أبدو وحيداً

ولي كَثَرةٌ شاغِرَةْ

ففي دَمُ الشاةِ أصدَقُ يا إخوتي تصوير لمشهد الشاة التي تم ذبحها ولطخوا بدمها قميصا وقال هذا دم كذب (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ)ۚ يوسف١٨

فالشاعر وجد نفسه أمام حالة مشابهة لما جاء في الآية الكريمة لا نستبعد أنه كان يصور حدث خاص يمثله أو عام ما يتعلق بالواقع.

 

كما أن الشاعر لم يكتف بالافادة من تراث الدين الإسلامي فحسب،  إنما أفاد من الأديان السماوية الأخرى أيضًا،  يقول في قصيدة له مشيرًا للقديسة -إيلاريا-

وتَعرفُني الأرضُ تَعرفُ لوني الوحيدَ

تُعلمُني أنْ أموتَ بلا أيِّ معنى

بلا أيِّ شيءٍ تُعلمُني أنَّ تشرينَ يَبقى…

فَغني قليلاً "إيلاريا إيلاريا"

ليخضرَ وَجهُ البلادِ

وتنمو على شاطئيهِ  العصافيرُ والأسئِلَةْ

إيلاريا هي قديسّة من الديانة المسيحية كانت ترمز للسعادة والمرح والتفاؤل، والشاعر يستدعيها على هيأة أغنية تليق بها علها تكون هذه الأغنية بداية الفرح في بلاده..

ويقول في قصيدة أخرى:

فالقناديلُ… يسوعٌ آخرٌ

صُلبتْ فوقَ جدارِ الغرفةِ

وبكتْ ضوءاً نُعاسياً على

جسدِ الليلِ كصمتِ الشُرفةِ

نرى براعة الشاعر في التصوير البياني حيث شبه القناديل المعلقة بالمسيح.

والتأمل في شعر باسم محمد يأخذنا إلى منحى آخر وهو لمس التراث الاسطوري في بعض من قصائده،  يقول في قصيدة:

قلِّ للمناديلِ

لي عينانٍ من حَجَرٍ

ولي فؤادٌ اذا عريتُهُ احتشما

ولي بقايا مواويلٍ وأضرحةٍ تبكي

و كلُّ غريبٍ في فمي التأما

وقلّْ سيكبرُ هذا الصيفُ في لُغتي…!

حتى أحطمَ في أضلاعِهِ صنما

في القصيدة يشير الشاعر إلى الكاهنة الاغريقية -ميدوسا- في قوله لي عينانٍ من حَجَرٍ  وهكذا نلاحظ خزينة الشاعر  ليست خالية من التراث الاسطوري وفي قصيدة أخرى يستضيف عشتار حيث يقول:

وأنتِ هناكَ لا أحدٌ سيكتبُ عن مواجعِنا..

ولا عَشتارُ تفتحُ بابَها للريحِ

لا ظلٌّ ليقرأَ في جبيني الحرَّ

يُفهِمُني بأنِّي بعضُ هذا الليلِ

لي حُزني/ ولي نخلي /ولي وطنٌ

وراءَ الجسرِ يسبحُ في وجوهِ الناسِ يعرفُني,

أصيحُ ستُشرقُ الدنيا

نعمْ سنكونُ عصفورينِ من ضوءٍ

ونبكي فوق عتمتِهِ كطفلينِ بلا سببِ...

أنا لا شيءَ يسمعُني سوى عينيكِ

فاعترفي لهذا الليلِ عن جُرحي

وعن قمرٍ تركناهُ

وراءَ البابِ عن شجرٍ بلا ظلِ

 

عشتار كما لا يخفي على أحد هي آلهة الحب والحرب والجمال والتضحية في الحروب في حضارات بلاد الرافدين الشاعر أغلق باب عشتار المفتوح حتى من الريح وهذا يصور حالته غير المستقرة حالة تمزج بين الحب والحرب والغضب والجمال لذا جاءت عشتار أتخذت لها مكانًا مناسبًا بها.

لا ينتهي طريق باسم محمد المزدحم بتوظيف التراث بإمكانياته الكبيرة. عاد بذاكرته إلى الماضي ليصور الواقع المعاصر ومرارته، فاستدعي شخصية الحلاج ووظف قصة صلبه:

ويمر حلاجٌ على الأبوابِ

يسألُ في دمي هل جفَّ قنديلُ الضلالةِ

سَمروني هذهِ الأخشابُ مثلي

واصلبوني ربما سأعودُ يوماً مثلَ عصفورٍ ضريرٍ

ربما سأكون يوما ما أريد

هنا الهوامش فوق رأسي الدائري فعلموا أصداءكم

هذا التصحرَ واسألوني

عن دمي أو عن صلاتي فالطريقُ إليه واضحةُ الجهات

وعانقوني أنهُ الصحوُ المخبأُ في عيوني

فامطروا ماساً على جسدي النحيلِ

وودعوني لحظة

نامتْ قبائلُ تغلبٍ وغفتْ على صدري قريشٌ

علموا أطفالكم سأعود يوما يا رفاقي بعد أن تلد الحقول ربيعها وتتيه في الصحراء قافلة العبيدِ

وربما سأعود يوما

مثلما عاد القطيع..

 

فالشاعر التقط حدث تاریخي وشخصیة تراثیة تاريخية في القصيدة السابقة وتوظيف شخصيات تراثية سواء تاريخية أو أدبية أو اسطورية وغيرها " يلجأ إليها الشاعر لأنها تحمل بعدٍ من أبعاد تجربة الشاعر المعاصر، أي أنها تصبح وسيلة تعبيرٍ وإيحاء في يد الشاعر يعبر من خلالها، أو(يعبر بها) عن رؤياه المعاصرة فضلاً عن أن استدعاء الشاعر المعاصر للشخصيات التراثية المحملة ببعديها: التاريخي والفكري يهدف إلى أن يؤدي دوراً محدداً في إنتاج الشاعرية، سواء أكانت الشخصية تتشابه في موقفها مع الموقف الحاضر، أم كانت بينهما علاقة ندية. فمن علاقات التشابه بين الشخصية التراثية وشخصيات هذا العصر، تتضح الصورة المراد رسمها.

وفي قصيدة للشاعر نجد أنفسنا أمام شٓخصيّة أدبيّة وهي شخصية الشاعر  الكبير معروف الرصافي:

صلّوا سكارى

وما مِنْ آيةٍ نزلتْ.. فكيفَ تنزلُ فينا آيةُ النسخِ ؟

 

فاترُكْ صلاتَكَ

قُربَ البابِ أضرحةً يا حزنَ يوسفَ

واقرأ صورةَ الشيخِ

 

مازالَ فيكَ رصافيٌّ يعذِّبهُ..

ما قالَهُ عن دمٍ معروفُكَ الكَرخي*

 

وظف شخصية أدبية كما هو واضح ولما كان من الطبيعي أن يعد الموروث الأدبي من أكثر المصادر التراثية التصاقاً بنفوس الشعراء وعواطفهم، فإن من الطبيعي كذلك أن تعد شخصيات الشعراء من أكثر المصادر التي امتاح منها الشعراء شخصياتهم التراثية؛ " لأنها هي التي عانت التجربة الشعرية، ومارست التعبير عنها، وكانت هي ضمير عصرها وصوته، الأمر الذي أكسبها قدرة خاصة على التعبير عن تجربة الشاعر في كل عصر. وفي القصيدة السابقة غير توظيف شخصية أدبية نراه صور شخصية يوسف ويعقوب عليهما السلام كما يقول حزن يوسف وصورة يعقوب الشيخ.

ومن يقرأ شعر باسم محمد من المستحيل ألا يتفاعل مع توظيفه للتراث الشعبي بأنواعه المتعددة والتراث الشعبي يشمل العادات والتقاليد والأمثال والأغاني الشعبية السائدة التي تحمل في طياتها دلالات مقصودة غالبًا.

يقول الشاعر:

سكتَ الغرابُ

فأطفأت مدنُ الرذيلةِ شعرَها بالمُعدمين...

الغراب كما هو معلوم في الثقافة العربية بشكل عام طائر شؤوم يعد رمزًا للنهايات كالفراق والموت والشعراء وظفوه في شعرهم كما قال قديمًا عنترة:

فـيـهـا اثـنـتـان و أربـعـيـن حـلـوبـة

سـودا كـخـافـيـة الـغـراب الأسـحـم

وجاء توظيف الغراب في قصيدة باسم محمد بما يتناسب مع قصيدته وقصديته.

ومن التراث الشعبي المعروف عند الجميع سندباد هذه الشخصية التراثية كثير الحضور في شعرنا المعاصر ونستطيع نلحظ هذا الحضور عند السٓيّاب في أكثر من قصيدة له وفي هذا الصدد  يقول الشاعر باسم محمد:

وعَلَّمُوا فمَها نهراً…

فأدمنها  شيخُ النواعيرِ وارتدُّوا الى الكَرخِ

 

يا شهقةَ الحَجرِ الصوفيِّ يا قمراً

هذي خطاياكَ قبلَ التيهِ والمسخِ

 

قاومْ سمارَكَ

فالآتونَ من حَجرٍ

وأنتَ وحدَكَ تروي قصَّةَ السَلخِ

 

ولم تَزلْ ..

تلعنُ التاريخَ أشرعةٌ

يا سندباداً بكى في حَضرةِ الرَّخِّ

لم يكتف بسندباد فحسب بل حضر  إلى جانبه طائر الرخ الأسطوري هائل الحجم الذي ورد ذكره في رحلات سندباد.

 

كما أن الشاعر اختار أيلول أكثر الشهورتضمينًا في التراث الشعبي  ليجعل له حيزًا في عدد من قصائده كما يقول في أحدها:

وأيلولُ يَعرفُ كيفَ التقينا

صغاراً الى أنْ بكى جَدولُ

فغابتْ عصافيرُهُ في الصباحِ الأخيرِ

وغادرَنا بُلبلُ..

سيأتي الشتاءُ فلا تُنكريهِ

إذا مرَّ يوماً فتىً مُهمَلُ

ليسألَ عن زهرةٍ في الأعالي

أيرحلُ شاعرُها المُقبلُ ؟

أَيـْلُول  ارتبط بالتراث والحكايا الشعبية والأمثال في المشرق العربي عمومًا .

وأنموذج آخر نصغ فيه ونحس بأغنية تراثية حينما يقول الشاعر:

فضُّمي جرحَنا الكونيَ

ضُمِّيني على مرأىً من الأشجارِ

قولي للرعاةِ سمعتُ العاشقَ المقتولَ

يهذي عبرَ هذا الليلْ…

(تعاليلي العمر خلصان

مري بواهس اغنيه

الكمر ذبلان فوك شفافي والنجمات

دمعه بعين فصليه

يا شباج يفتح زيجة تالي الليل

وانه انسان كل احلامه ورديه..)

وفي قصيدة أخرى وظف لنا أجواء العيد بمفهومه التراثي يقول:

سَتغرقُ بالأحَمرِ العَرباتُ

و تلتحفُ الأسودَ العنبيَّ مروجٌ

على قارعاتِ البلادِ

ليشربَنا العشبُ قالتْ كَبُرنا

بلا أنْ نقولَ سنرجعُ يوماً

بِلا أنْ تقولوا…

لنا أن نقول أخيرًا إن  الجذور التراثية  تتغلغل في شعر باسم محمد كما أنها ساهمت بإضافة جمالية وإبداعية بأشكاله المختلفة فالشاعر أعاد نتاج التراث بغلاف هندسي وباسلوب حدثاوي مناسب وروح العصر في بناء شعره لأسباب كان التراث في شعره نافذة للاطلاع على الماضي ومن جهة أخرى نقطة انطلاق إلى الحاضر والمستقبل أو لأسباب تتعلق بنفسية الشاعر والسبب الأكيد هو اعتزاز الشاعر بتراثه وماضيه لذا وظف صور قرآنية وشخصيات تاريخية وأدبية إضافة لتوظيف للحكايات الشعبية والأساطير. نستطيع أن نقول وفق باسم محمد في تجربته والتراث في شعره وإن دل على شيء فهو مدى تعمقه بالماضي بشكل عام والتراث بشكل خاص. نرى من اللائق أن ننهي ما تطرقنا إليه بقصيدة أخرى للشاعر يشير فيها إلى حضارة تامٓرّا لتكون مسك الختام  يقول فيها:

فلتشربِ الطرقاتُ لونيَّ مثلما شرِبت خطايَ الخوفَ

قُولي للبنفسجِ سوفَ تحترقَ البيوتُ

ولن نظلَّ على الضفافِ سنختفي

وكأرنبينِ سنحتفي بالعشبِ واللّقيا

فهل سيقولُ(تامرا)*

هنا ولِدَ الربيعُ على يديها حينَ مات..

 

آشتي كمال

..............................

التراث والتجديد حسن حنفي

أثر التراث العربي القديم في شعر العربي المعاصر  محمد علي عبد الخالق ربيعي.

استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر علي عشري زايد

الشعر العربي المعاصر، عز الدين إسماعيل ،

مدخل لدراسة الشعر العربي الحديث  إبراهيم خليل.

 

 

صفاء الصالحيلا شك ان المساحة المتاحة في تقنية السرد التي انمازت بها الرواية على باقي الاجناس الادبية، قد جعلت من الرواية بوتقة تستوعب صهر المدارس المتعددة، والتيارات الشتى، والتقنيات والرؤى الإبداعية الحداثية لمعظم الاجناس الادبية، وان ولادة نمط جديد ما يعرف بالرواية التجريبية نتيجة طبيعية لشساعة هذه المساحة المتاحة في تقنية السرد الروائي، ويعد الروائي العراقي الشاب احمد السعداوي في طليعة الجيل الجديد في الكتابة الروائية، ممن تولى إدامة شعلة إستمرارية التجديد والتحديث في الرواية العربية . وكشف السعداوي مدى نزوعه للتجديد والتجريب وتجاوز الأنماط الكلاسيكية في الأسلوب والبناء والتقنية، ورسم الشخصيات ومنظورها، في منجزاته الادبية ولا سيما في روايته  "فرانكشتاين في بغداد"، الصادرة عن منشورات الجمل عام ٢٠١٣، والفائزة بالجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) في دورتها السابعة عام ٢٠١٤، بالاضافة الى وصول ترجمتها الإنجليزية إلى القائمة القصيرة للبوكر العالمية، وترجمتها الى (٢٠) لغة عالمية . ومن سمة التماثل اللفظي بالعنوان " فرانكشتاين في بغداد " إشارات دالة بالاشتغال التّناصي على المستوى المتخيل السردي مع رواية  "فرانكشتاين " للكاتبة الإنكليزية ماري شيلي لكن برؤية جديدة يعيد فيها إنتاج الفكرة والرمز ويطبقها على واقع عراقي ما  بعدالغزو الأميركي، وظف فيه البعد الفانتازي الغرائبي والعجائبي بابتكاره شخصية الشسمة (المخلوق الذي جمعه وركبه بائع العاديات  هادي العتاگ من بقايا جثث ضحايا التفجيرات الإرهابية) وجعلها أساساً من اساسيات الحدث في الرواية . تقع الرواية في تسعة عشر فصلاً منثورة على ٣٥٠ صفحة، تتجلى بشكل واضح تعالقها بمفهوم التجريب على مستوى التشكيل اللغوي فقدم الكاتب مادته الحكائية  بديمقراطية تعبيرية مستندة على تقنية السرد البوليفوني المتعدد الأصوات ذات الطابع الحواري، فقد حمل مسؤلية السرد على مجموعة رواة (الراوي، الشسمة، المؤلف،بالاضافة الى التقارير والرسائل الالكترونية) يتناوبون علی رواية الحكاية، بأنماط لغوية متعّددة تخترق معيارية اللغة، تختلف باختلاف مستويات الناطقين، ولا تخلو من السخرية، تتلون بالعربية الفصحى، واللغة العامية العراقية تحسس القارئ أنه في جو عراقي، ويعطي للرواية طابعا عراقياً خاصاً . يفتح السعداوي آفاق نصه باقصى امتداده  على الحقل السينمائي بتوظيف تقنياته في النص بانفتاح الاستهلال بمفردات متتابعة منساقة بشكل فني منماز تركبت لبناء مشهد بما يرادف صياغة وتركيب اللقطات السينمائية المتسلسلة فنياً، والتي تؤدي بالنهاية دلالات بصرية تجسد مضمون النص، وتؤسس كيان ذهنياً مرادفاً للكيان الكتابي للنص، استعار فيها الكاتب التكنيك السينمائي كالمونتاج المتناوب واللقطات المصغرة والمكبرة والمتوسطة والانتقال السريع من مشهد لآخر، فيصف الباص من الخارج  (حدث الانفجار بعد دقيقتين من مغادرة باص الكيا الذي ركبت فيه العجوز إيليشو ام دانيال)، وينتقل باللقطة باسلوب سينمائي مشحون بالحركة  الى داخل الباص (التفت الجميع بسرعة داخل الباص، وشاهدوا من خلف الجام بعيون فزعة كتلة الدخان المهيبة..ص١١) . ثم يلحقها بالسرد الوصفي الدقيق للمكان الروائي مبلوراً إياه  بالمؤثرات الصوتية المحيطة بالمشهد (قرب ساحة الطيران وسط بغداد شاهد ركض الشباب باتجاه موقع الانفجار وارتطام بعض السيارات برصيف الجزرة الوسطية أو بعضها ببعض.. وسمعوا حشد أصوات بشرية متداخلة،صراخ غير واضح ولغط ومنبهات سيارات عديدة)  .

وتسير الرواية في اتجاه تقديم الأحداث ووصفها عبر "عين الكاميرا" انطلاقاً من رؤية مرهونة بنزعة تجريبية، تتخلخل رتابة السرد فيه من خلال كسر خطّية الزمن المعهودة في الرواية التقليدية، بإحالة الزمن الى لعبة فنيّة، يتلاشى فيه منطق الوقت وتعيد دورة الزمن  نفسها وتتدخل لحظات الماضي والمستقبل، عبر توظيفه تقنية الاسترجاع الزمني انطلاقاً من ذاكرة محمود الصحفي (دوامة الغم القديم نهضت في صدره بسبب ذكرى..ص١٨٩)، والاستباق انطلاقاً من فريق المنجمين في مكتب العميد سرور مجيد. (التقارير الأولية التي أعدها فريق المنجمين..ص١٢٣)، مما يعكس  مفارقة بين زمن القصة وزمن الخطاب في الزمن السردي، بالاضافة الى المفارِّقة الثانية في وتيرة الزمن السردي من خلال تسريع السرد بمقاطع قصيرة تغطي فترة زمنية من الحكاية وذلك بتوظيف تقنية  التلخيص (بعدها بيومين..ص٢٦٨، قضى الشهرين..ص٨٦،..)، وتقنية الحذف  ( ظل يعمل في صحيفة الهدف بضعة اشهر.. ص٥٤، بعد يومين..٢٦٨، في الخامسة والنصف فجراً..ص٣٠٠، بعد أسبوعين..ص٣٠٩،..) وتعطيله السرد بإقحام  حكايات فرعية ترتبط بالحكاية الأساسية، وتوظيفه لتقنية المشهد (كان الرئيس في سيارة مارسيدس سوداء مصفحة حين مر بجوار هادي..ص٢٠٧، رأى محمود أنه يمسك بيده..ص٢٦٠،..)، بالاضافة الى تقنية الوقفة الوصفية (بيت بناه اليهود على الأرجح.. ص٢٠، في صالة الضيوف.. ص٢٢،..). وتنمو مكونات النص مع المكان لتأطير المتن الحكائي وتحريك خيال القارئ لتصور الأمكنة التي يعرضها الكاتب وبرزت  أهمية المكان من العتبة النصية الاولى العنوان " فرانكنشتاين في بغداد "، على اعتبار بغداد الاطار الجغرافي للأحداث وحركة الشخصيات، ولعب الوصف دوراً بارزاً في  تصوير ونقل الابعاد والمعطيات المكانية،مع انصراف التركيز في وصف الامكنة التي تتمحور حولها الاحداث الرئيسيّة المرتبطة بحركة الشخصيات المحورية، وضمت الرواية امكنة واقعية اتخذت منه مسرحاً للكثير من الأحداث  كحي البتاوين وسط بغداد الذي كان يمثل أيقونة التنوع السكاني المتعايش في المجتمع العراقي في الخمسينات من القرن المنصرم، فاليهود إلى جانب المسيحيين والمسلمين . وحرص الكاتب على تقديم صورة مما تعرض له هذا المكان من طمس  معالم التعايش السلمي بين اطياف المجتمع  العراقي نتيجة غياب النظام  وانتشار  الفوضى مع غياب الامن، وحرص الكاتب على تقديم صورة مما تعرض له هذا المكان من طمس  معالم التعايش السلمي بين اطياف المجتمع  العراقي نتيجة غياب النظام  وانتشار الفوضى مع غياب الامن، وانقياد المجتمع لسلطة المال وبروز جماعات الضغط  من مافيا العقارات  (فرج الدلال رجل شرير ..ص٢٢٧). وتنقسم الامكنة في الرواية مابين مغلقة (المقهى، والبيت، والفندق، بناية المجلة، مكتب دائرة المتابعة والتعقيب) واُخرى مفتوحة (حي البتاوين، بعض ساحات وشوارع بغداد، مقبرة وادي السلام) .وتتعالق العناصر الروائية فيما بينها وتنمو الأحداث وينهض معمار الرواية  بعدة مستويات منها المستوى الواقعي المألوف (الاجتماعي والسياسي)، ومستوى فنطازي عجائبي معجون بالرعب من خلال (الشسمة المخلوق الخيالي المرعب)، بالاضافة الى المستوى البوليسي  من خلال المطاردات المثيرة لدائرة المتابعة والتعقيب للكائن الفرانكشتايني في شوارع بغداد . ولإضفاء مسحة تجريبية يكشف الكاتب مبناه الميتاسردي في الفصل الثامن عشر بالإعلان  صراحة عن مجريات عملية  التأليف وجمع الآليات الميتا سردية (تدوين وتوثيق الصحفي  محمود السوادي حكايات هادي العتاك عن الشسمة لرواد مقهى عزيز المصري، وما سجلته آلة التسجيل، ووثائق دائرة المتابعة والتعقيب، ورسائل البريد الالكتروني) وتناولها بوعي ذاتي عمد الى فضح لعبته السردية بالتحدث عن الهموم السردية داخل فضاء السرد (كنت مشغولاً بكتابة رواية باسم " الرحلة الغير المؤكدة  والاخيرة " ولم ارغب بتركها لملاحقة قصة ناقصة تحكي عنها هذه التسجيلات لولا انني تلقيت رسالة على البريد الالكتروني..ص٣٢٦) .

رواية فرانكنشتاين في بغداد رصدت ما واجهه العراق في عام ٢٠٠٥ من احتراب طائفي واحداث عنف وتفجيرات شبه يومية وصورت مشاهد حية من حياة العراقين في بغداد، وقدمت لنا نصاً ابداعياً مارست عين السارد فيه وظيفة كاميرا تتقن تسجيل مشاهد تتحرك على شاشة خيال القارئ بتشويق عجيب، وكتبت بطريقة تقطيعية في مشاهد تتسم بالنضج الفني والتماسك البنائي وتبدو لي رواية  فرانكنشتاين  رواية تجريبية وظفت التقنيات السينمائية ببراعة ومكتوبة كي تصبح فيلما سينمائياً، فهل ستغوي المتلقي وهي مجسدة على شاشة السينما بعد غوايتها شاشة مخيلته؟

 

صفاء الصالحي