فالح الحجيةالشعرالعربي بين الحداثة والمعاصرة (11)

والشعر الصوفي فن من الفنون الشعرية قديما وحديثا. ويشكل الشعر الصوفي جزءًا متميزًا من شعر الغزل ويمثل الرمز الديني. ويمكن فهمه من خلال ثنائية الرؤية واللغة. فهو شعر يعبر عن رؤية داخلية تنبثق عن فهم الشاعر للآية الكريمة ﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ سورة ق:16. وبناءً على هذا الفهم، جاءت قصائدهم محملة بالوجد والحنين إلى المزيد من القرب من الذات الإلهية. كما أن نصوصهم الشعرية تُظهر الأطوار التي مرت بها رؤيتهم الصوفية من حب الذات الإلهية الذي تغلبُ عليه العفوية والبساطة، إلى الرغبة في الحلول والاتحاد بالذات الإلهية وانتهاءاً بمفارقة الجمع بين الاتحاد او الفناء فيها  والتي  تمثل شطحات صوفية اتخذها بعض شعراء الصوفية راجع كتابي (من عيون الشعرالصوفي). ومن شعراء  الصوفية في هذا العصر  الشاعرة الفلسطينية المغتربة ختام حمودة  تقول :

تَــألَّـقَ كُــحْـلٌ بِـوَسْـطِ الْـحَـدَقْ

فَـسُـبْـحانَ رَبّـــيَ رَبُّ الـفَـلَـــقْ

 

عـَجَـنْتُ شُـعـوري بِـحُـبٍ عَـتيٍّ

فـَـطـارَ الـشُّـعـورُ بـِشِـعْـرٍ بـَـَرقْ

 

أهَـدْهِـدُ صَـبْـري بِـلَـيْلِ الـضَّنى

وَمِــنْ فـوْق ضِـلْعي يَـحطُّ الأرَقْ

 

أكَـفْكِفُ شَـوْقي بِـوَعْد الأمـاني

وَوَعْـــد ُالأمـانـي سَــرابٌ دَفَــقْ

 

وَكَـــمْ أتْـعَـبتني عُـثـار الـلَّـيالي

فَـسَـبَّـح طَـيْـرُ الـمَـدى وَاعْـتَنَقْ

 

وَمــا الـحُـبّ إلا كُــؤوس الـمَـرارِ

وَبِــضْـعُ أمــانٍ وَبِــضْـــعُ قَــلَــقْ

 

وَكُـنْت الأصـيل بِـحُضْنِ الـسَّماء

وَمِـنْ حُـزْنِ بُـعْدِكَ فـاضَ الـرَّمق

 

وَمـــا زالَ عُــمـري وُرودًا تَـمـيلُ

وَقَــطْـر الـعُـطورِ إذا مــا انْـدَفَـقْ

 

وَأنْــتَ حَـبيبي وَروحـي وَقَـلْبي

وَأنْـــت شُــعـورٌ بَـحَـرْفي نَـطَـقْ

 

فَـكُـنْتُ أنــا رَوْعَــة فـي الـخِتامِ

وَكــانَ الـخِـتام بِـشْعري الأحَـقْ

 

وَأخْــتِـمُ قَــوْلـي بِــهـذا الـكَـلام

وَكُـنْـتُ بِـشِـعْري وَحَـرْفـي أرَقْ

 

وهناك الكثير من الفنون الشعرية  التي ظهرت في هذا العصر تقاربت او تباعدت من غرض الى غرض اخر .

واخيرا اقول ان الشعر العربي يعيش ازمة ثقافية كبرى خاصة بعد ثورات الربيع العربي التي كانت وبالا على المجتمع العربي وتمزيقه حيث أصبح القارئ بعيدا عن الثقافة والادب والابداع وذلك يعود لأسباب عديدة منها انتشار المعلومات الالكترونية وانتشار ثقافة الرأب في العالم العربي ومدى محدودية الفكرالعربي  الذي أصبح يستهلك ولا ينتج نتيجة الاحداث  التي المت بالمجتمع العربي  والتطاحن الفكري . لذلك ارى أن الشعر لابد له أن ينفتح ليستوعب كل هذه الامور فيكرسها ومن ضمنها مشاكل الشباب الاجتماعية والنفسية وأن يمس تجاربهم الذاتية .

***

الميرالبيـــــــان العربي

د.فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلـــــد روز

 

 

عدنان حسين احمدلم تشأ الروائية المصرية جمال حسّان في روايتها الثامنة "نساء الهلباوي" الصادرة عن دار "النسيم" في القاهرة إلاّ أن تكتب هذا النص السردي بقالبٍ سيري يسرد فيه الرواة المتعددون بمن فيهم "الكائن السيري" الوقائع والأحداث التي تدور حول الشخصية المركزية للنص أو تنبثق عنها ثم نلمس ارتداداتها المباشرة في البيئات الاجتماعية والثقافية والسياسية للمجتمع المصري. اختارت الكاتبة، عن قصد مسبق، أن يقدّم الرواةُ قصصهم وحكاياتهم بضمير المتكلم، وهي تعرف سلفًا، أنه أنسب الضمائر للسيرة الذاتية وليس للسيرة الغيرية التي نحن بصددها، فالسيرة الذاتية هي التي يكتبها الشخص بقلمه، وعن ذاته شرط أن يكون هناك تطابق بين المؤلف والسارد والشخصية. أما السيرة الغيرية فهي التي يكتبها أديب عن شخصٍ ما كأن يكون ملكًا أو عالمًا أو فنانًا أو قاضيًا ترك أثرًا في الذاكرة الجمعية للناس. وما إن يرد اسم ابراهيم الهلباوي حتى تقفز الذاكرة مباشرة إلى حادثة دنشواي المأساوية التي أُعدم فيها أربعة مواطنين مصريين، وحُكم على آخرين بالسجن المؤبد والأشغال الشاقة إلى آخر هذه الحكاية المفجعة التي تستفيق كلما تصفّحنا التاريخ وكأنها ابنة هذا النهار بينما مرّ عليها 113 سنة بالتمام والكمال، وكان المحامي الهلباوي السبب في إعدام هؤلاء الفلاحين المصريين الذين هبّوا للدفاع عن إمام الجامع وزوجته التي قتلها أحد الضباط الإنجليز الذين جاؤوا لاصطياد الحمائم في تلك المضارب الريفية. إذًا، تتمحور هذه السيرة الروائية الغَيرية على ابراهيم الهلباوي، محامي حادثة دنشواي لكن الروائية جمال حسّان ارتأت أن تكتب عن هذه الشخصية الإشكالية "المستديرة"، والمثيرة للجدل من وجهة نظر النساء الست اللواتي تزوجهنّ وهنّ "زينات، جانسو، حسيبة، آينوربان، كُلستان وآزاد" إضافة إلى أربع نساء أُخريات من العائلة وهنّ (أمه "أم ابراهيم" وابنته سليمة وحفيدَتيْه سُميّة وفضيلة). ويبدو أن الكاتبة أرادت أن تختبر هذه الشخصية الرئيسة وتعالجها من وجهات نظر نسائية متعددة سواء أحببنه أو انتقدنَ سلوكه في السرّ والعلن أو كنّ محايدات له يقفنَ في المسافة الفاصلة بين الحُب والكراهية.

يمكن أن نصف هذه الرواية باطمئنان كبير بأنها رواية "أجيال" أو "حِقب"، كما يُطلَق عليها "الرواية النهرية" لأنها تُشبه نهرًا كبيرًا تصبُّ فيه روافد كثيرة، والهلباوي هو النهر الكبير الذي تصب فيه الجداول الصغيرة مثل النساء العشر والأخريات اللواتي مررنَ به على عجل.

مَنْ يتمعن بهذه السيرة جيدًا سيكتشف أن ابراهيم قد حظي باهتمام الكاتبة التي أفردت له 23 فصلاً، وأن الفصول الأخرى التي تتحدث عن الشخصيات النسائية لا تتفاداه وإنما تدور حوله لأنها تصب في النهر الكبير في خاتمة المطاف وتغذّيه بأسباب الحياة المخملية الراقية التي يتوق إليها ويتمنى أن يعيشها مثل بعض أصدقائه المترفين الذين ينتمون إلى العوائل الملكية الفاحشة الثراء. أما ترتيب الشخصيات النسائية فيمكن رصده بعدد الفصول المُخصصة لكل امرأة، فقد حظيت آينوربان بـ 11 فصلاً، وسليمة بـ 9 فصولاً، وتلتها أم ابراهيم بـ 8 فصول، وفضيلة بـ 7 فصول، ثم تنحدر هذه النسبة إلى فصلين لكل من زينات وحسيبة، وفصل واحد لكل من كُلستان وآزاد. وأنّ أي نظرة عجلى لعدد الفصول تعطينا أهمية كل شخصية على انفراد. فمن بين زوجاته الست تحتل آينوربان المنزلة الرفيعة وقد لبثت إلى جوار زوجها إلى أن وافتها المنيّة ووُري جسدها الثرى في المدفن الذي اشترته وهيأته وهي على قيد الحياة. أما بقية النساء فيترجّحن بين الطلاق، والموت، والمشكلات الزوجية العويصة. فقد طلّق زينات لأنها تعيسة، وتوفيت الجارية الشركسية جانسو، وهجر حسيبة تاركًا إيّاها عند أبويها مع ولديها كمال وسليمة، وبعد رحيل آينوربان أوشك أن يرتبط بجوشين، وهي مطلّقة أحد أنجال السلطان عبدالحميد لكنه اختلف معها على الراتب الذي يجب أن يمنحه لابنها الصغير، ثم تزوج كُلستان المريضة التي غيّبها الموت قبل أن تتماثل للشفاء ليعقد قرانه على آزاد التي ترمّلت بعد وفاة زوجها الثري في إستانبول وسوف يفارقها الهلباوي بعد ثلاث سنوات من العيش الرغيد، وكان وفيًا لها حيث وزّع ثروته بما يُرضي ضميره إلى ابنه كمال، وابنته سليمة، وزوجته كُلستان من دون أن ينسى الخدم، فيما أفرد نصيبًا لنقابة المحامين، وآخر للجمعية الخيرية الإسلامية.

يبدو أنّ الابن على سرّ أبيه فقد تزوج والده امرأة ثانية إلى جانب أمه التي شعرت بالغربة خاصة بعد أن مات والدها، واشتط بأخيها المزار ولم تجد بُدًا من بثّ شكواها للسيد أحمد البدوي الذي يمنحها الطمأنينة والسلام. لم تتتبع الروائية سيرة إبراهيم منذ الطفولة وإنما قفزت إلى مرحلته الدراسية في الأزهر وأحاطتنا بتأثره الكبير بدروس الشيخ جمال الدين الأفغاني لكنه سرعان ما شعر بالملل من هذه الدروس خاصة وأنّ البعض كان يعِّده مُلحدًا الأمر الذي دفعه لأن يترك الأزهر نهائيًا ويتجه إلى الصحافة فكتب مقالاً عن فساد الإدارة المحلية كلّفه الدخول إلى السجن لكنهم أخلوا سبيله وعيّنوه محررًا في جريدة "الوقائع" قبل أن يصبح من كُتاب مجلس النواب براتب مُعتبر ويعود إلى بلدته ليشيّد بيتًا ويقترن بزينات، المرأة الساذجة التي تتنقل بين الأضرحة والمزارات. تكشف هذه السيرة عن شخصية الهلباوي النرجسية، فهو يُحب نفسه بطريقة مَرَضيّة، ويتعالى على الناس البسطاء، فعندما سألته حسيبة عن السبب الذي دفعه للزواج منها أجاب:"لكي أتأمل جمالك الفتّان وملابسك الأنيقة فأتحمّل الوجوه البائسة الكالحة في المحاكم يا بنت كبير التشريفات". ويكفي أن نشير إلى وصفه المعيب لأهالي دنشواي بـ "السفلة وأدنياء النفوس" لنكتشف حجم الازدراء الذي يضمره لعامة الناس. ويبدو أن اصطفافه إلى جانب المحتل البريطاني متأتٍ من تبعيته للغرب، وولائه الأعمى لهم، فحتى والدته القروية الطيّبة كانت تشعر بأنه كاره للداخل، ومولع بالخارج، وممجد له بشكل من الأشكال حينما تقول:"أنا كان قلبي حاسس من الأول أنك كاره بنات بلدنا" وخاصة اللواتي ينتمينَ إلى الطبقة الفقيرة فلاغرابة أن يتزوج أربع نساء تركيات وكان على وشك الاقتران بالخامسة مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ المرأة لا تمثِّل بالنسبة إليه أكثر من وعاء جنسي لغرائزه الملتهبة التي لازمته حتى الرمق الأخير.

يمتلك الهلباوي في الجانب الآخر من شخصيته خصالاً محمودة فقد درس القانون وتخصص به، كما تعلّم اللغة الفرنسية، وعمل في الصحافة قبل أن يخوض في أروقة السياسة والمحاكم، وقد عُرف بلسانه الذرب الذي ذهب مثلاً في الطلاقة، وقوة الحجة، فإذا ما ذهب أحدهم لشراء لسان غالي الثمن من القصّاب يخبره مُستغربًا:"هو أنت هتبيعني لسان الهلباوي" في إشارة إلى أنه "ينقذ المجرم من حبل المشنقة". شغل الهلباوي مناصب متعددة طوال عمره المديد حيث أصبح مستشارًا قضائيًا للخاصة الخديوية، ورئيسًا لنقابة المحامين، وعضوًا في الجمعية الخيرية الإسلامية. كما سعى لتصحيح الأخطاء التي ارتكبها في حياته وخاصة فيما يتعلق بحادثة دنشواي وموقفه من الاحتلال البريطاني الذي كان يعتقد بأنه السبب الرئيس في تحرر المواطن المصري وتحضّره. وعلى الرغم من الخطأ الكبير لهذه الرؤية المشوّشة والمعوّجة إلاّ أنه رسّخ ثقافة الاعتذار حينما استغفر الله وطلب الصفح من الشعب المصري الكريم.

تتناول الروائية جمال حسّان ثنائية الشرق والغرب من خلال شخصية حفيدة الهلباوي فضيلة التي تذهب للدراسة في لندن لكن الكاتبة لم تعطِ هذه الشخصية حقها مع أنها كانت فرصة ذهبية لكشف المستور، وتعرية المسكوت عنه، ومناقشة الأمور اللامُفكَّر فيها، وهذه مسألة يفضّلها القارئ الأوروبي لو كان هذا النص السردي مُترجَمًا إلى الإنجليزية أو أي لغة أوروبية أخرى. لقد تعرّفت فضيلة في ضاحية غرب لندن إلى شخصيتين إيطاليتين وهما ميكيلا وفيكتور اللذين يسكنان عند السيدة مارتن، ثم تكتشف مصادفة أنهما يمارسان الحُب الذي لم تكن تعرف تفاصيله الدقيقة من قبل فأخذت تتساءل في سرّها إن كان هذا هو ما تفعله شقيقتها سُميّة مع زوجها؟ أو أمها مع المرحوم أبيها؟ أو جدها مع آينوربان، زوجته الجميلة المفضّلة؟ وحسنًا فعلت الروائية حينما كشفت لنا بذكاء عن العلاقة الحميمة لفضيلة مع إدوينا التي تدرس حضارة الأغريق بكلية الملك في جامعة لندن، فهي من جهة فتاة متحررة تفكِّر بملذات الجسد ولا تجد حرجًا في إقامة علاقة جسدية صريحة مع هذه الشابة المصرية التي لم تألف هذا النمط من العلاقات العاطفية. ففي واحدة من اللقاءات بإدوينا خالطها ارتباك داخلي لم تستطع تفسيره لكنه كشف لها عن لذة غامضة وهي تصف المآل الذي وصلت إليه وهي تسرد تفاصيل الحدث السعيد:"وضعت يدها على صدري ثم على جبهتي وشفتيّ ثم ضمّتني إليها"، ولولا الرقيب الداخلي لذهبت الروائية أبعد من ذلك في هذه العلاقة العاطفية التي لم تتطور كثيرًا رغم أنّ إدوينا قد استحوذت على تفكير فضيلة لعدة شهور لكن الكاتبة ارتأت أن تتحدث عن شخصية فضيلة وقصورها في المعلومات التاريخية والأدبية وربما يكون التعالق النصي مع شخصية فرجينيا وولف التي كانت تفعل كل ما يحلو لها باستثناء شيء واحد وهو "اعتلال المزاج القاتل" الذي سيفضي بها إلى الانتحار بطريقة مروّعة. يتكرر هذا المسكوت عنه مع الحفيدة سُمية وهي تتحدث مع أمها عن خصوصيات زوجها بصراحة غير مألوفة الأمر الذي يفتح كُوّة صغيرة على "الأدب المكشوف" وكان بالإمكان تطويرها والإفادة منها إلى جانب المحمولات الإيروسية لشخصية فضيلة التي انتحرت وواجهت مصيرها المحتوم وكأنها تتخذ من فرجيينيا وولف أنموذجًا في الحياة والموت.

لابد من الإشارة إلى أهمية شخصية أم ابراهيم، المرأة الطيبة التي وضعت ثقتها في الأولياء والمتصوفة وأبرزهم السيد أحمد البدوي، فمن خلالها نتعرّف إلى هذه الفضاءات الدينية الموروثة التي تقف بمواجهة الأنماط الحياتية المرفّهة والمتحضِّرة التي كان يعيشها الابن ابراهيم الهلباوي من جهة، وأولاده وأحفاده من جهة أخرى. ولو جمعنا هذه الأجيال الأربعة لتكشّفت لنا حياة المجتمع المصري عبر قرن كامل من التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي انطوت عليها هذه السيرة الغيرية التي تُعبِّر عن حذاقة كاتبتها ومُبدعتها جمال حسّان التي أصدرت حتى الآن خمس مجموعات قصصية، وثماني روايات، بالإضافة إلى دراسة نفسية تحمل عنوان "التفاؤل والطاقة الخلاقة في أيام التحرير".

 

دار النسيم في القاهرة 2019

عدد الصفحات 240

لندن: عدنان حسين أحمد

 

فالح الحجيةالشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة (10)

اما الغزل  فقد بقي ولايزال فنا وغرضا قائما بذاته وينظم فيه كل الشعراء في كل انواع الشعر وملحقاته  الفنية  كالزجل والدوبيت والقامة وغيرها. ولم تكن المرأة الشاعرة بعيدة في قصائدها عن هؤلاء الشعراء لكنها سهلة بموافقة تبادل الرجل الحب وتظهر ضروبًا من الدلال وتكشف عن رغبة في اللقاء والتطلع إليه وتكمن فلسفة شعراء الغزل في أن الحياة غرام وعشق، ومن لا يحاول ذلك فهو حجر جامد وميت لا حياة فيه  تقول الشاعرة  اللبنانية منى ضيا عن نفسها انها نزارية الحرف أي متأثرة  باسلوب الشاعر نزار قباني وتنسج قصائدها على منواله تقول في احدى قصائدها (حنين وانتظار):

يا قَلبي ما بي؟

أَأْكسُرُ الصَمتَ وأُعاتبُ الريحَ

أَمّْ أُجادلُ الوردَ

وَأُطاوِع الوجدَ

وأَعودُ لِذكرى ذِراعَيهِ

وَهيَ تَغْمُرُ

وَتَأمَرُ.....وتَعْصُرُ

ومِن ثُمَّ يَضُمُني القَهَرُ

أَسْهَدْتُ عُيونَ الليالي

وأَنا انتظِرُ الشُعاعْ

في تلاوينِ الصباحْ

وأَبسُطُ سِراجي على اللقاءْ

والشَوقُ لَيلٌ طَويلٌ

طويلْ

وتَبكي الافكارُ على ضِفافِ الوقتْ

إنَّهُ لا يَمُرّْ

إِنَهُ يَسْتَمِرْ

وتَهْطِلُ على عُيوني ذَرات نَومٍ مُستحيلْ

وتُداعِبُ الكَرى..

وتَقْشَعِرُ خَصَلاتِ الشَعرِ...

التى يُداعِبُها الحنينُ إلى يديكَ

وَأَتَوكَأُ على عَصا النسيانِ

على شِفاهِكَ وهي تُمطِرُني بِالحَنانِ

إِنكَ شَغَفي..

إِنَكَ ساكِني..

وَيَطيبُ لي لَذيذَ العذابْ

وَأُفَتِشُ عما يَطيبُ وما طَابْ

ويَضيعُ صَوتي فَوقَ اليَبابْ

حَبيبي أَشْتاقُكَ أُفُقا

أُحِبُكَ ماءً ثَلجا

حَتى أَني أُحِبُكَ عَرَقا

وكيف سَأَسرُدُ قُصَتي

لِلْطَيرِ..لِلْشَجَرِ...

لِلمسِ والهَمسِ

والى ما تشاءُ يا قَدَري

ويَقولُ لي إنتَظِري

إِنتَظِري....إِنتَظِري

.

وفي الغزل  اقول:

إ نَّ   الجَمالَ   جَميلَةٌ   أنْـغامُـهُ

إنْ حَفّهُ  عِندَ  اللقــاءِ   صَفـاءُ

 

وَأريجُ  عِبْقِ  الوَرْدِ  يَغْمُرُها شَذى

فـوّاحَةً   في  غُصْنِها  أ نْدا ءُ

 

يا بُلبُلاً  وَسَطُ  الخَميلَةِ   صَوْتُـهُ

إذْ  يَرْتَوي  مِنْهُ النُفـوسَ الغِنا ءُ

 

سَمْعاً  لِـقَلْـبِكِ  إ نْ  يُغَنّي  شَوْقَـهُ

في  حُبِّهِ  أذْ   يَنْبَري  إسْــرا ءُ

 

أنتِ الحَبيبُ  وَلَيسَ  حُبٌّ  بَعْدَ هُ

بَلَغَ المَدى  في  سَعْدِ هِ  الاضواء

 

وَتَفَتَّحَتْ آلاءُ نَـفْسي طِيبَـةً

وَتَعَطّرَتْ مِنْ طَيبِكِ  الأجْواءُ..

 

وَالقَـلْبُ  يَسْعى  أ نْ يَعيشَ  مُدَللاً

بِـوِدادِهِ    فَيُـزيدُهُ   الارْواءُ

 

وَالنَّفْسُ تَسْبَحُ  في بُحورٍ مِنْ  نَدى

فَتَـهَللَتْ   سُبُلُ  الحَياةِ   مَضا ءُ

اما فن الوصف فقد ضعف ولم يكتب فيه الشعراء الا قليلا .

اما انا  فقد كتبت فيه اصف الربيع واريجه وشذاه فاقول :

 

زانَ  الربيـــــــــعُ  جَمالَهُ  بدلالِهِ

في زهرة ٍ  وَسْطَ الغُصونِ  تُفتّح ُ

وَريا شَذاها في الصباح ِ تَضوّعَتْ

فقلـوبُـنا  بِعـبيـرِها   تَتَروّحُ

فَـَتـَنسّمَتْ  كلُّ  النفوسِ  بَهيـجَة ً

بِجَمالِها   وَسَـنائِها  وَلتـَفْرَحُ

تَرنو أليها  بِانْفراجِ ِ  سَـــــريرةٍ

في شَوقِها عينُ البَصيرةِ تَسْرَحُ

أدْعو لها  اللَهَ  في   عَليائِـــــهِ

بِسَـلامَةً ٍ  وَسَــعادةٍ   وَلِتَصْدَحُ

انّ  الربيعَ  جَمالُهُ  بِـــــــورودِهِ

مثلَ النفوسِ   بِقلوبِنا   تتَـَرجّحُ

وَزُهورُ وَرْد ٍ في الفؤادِ غَرَسْتُها

و سْط َ الجُنينَة ِ عِبْقُها  يَتفوّح

 

ونظمت في الغزل لأصف الحبيب الغالي  فاقول :

هي الصورة الموحاة شكلا بما بها

واية   للحسن   تسبي   معانيهــــــا

هي النـــــور  بل  النور منها   نابع

والخلق والاخلاق من ذا يدانيهــــــا

فليست لنا مقياس  يحصي جمالها

وليست لها –كالنور- بالكون  تشبيها

وقد يعجز القول  بحصر صفاتها

والحبر والاوراق او مايضاهيها

فالشعر  ليل   قد   تشقّر   فجره

وتبر مزيج منهما  صار  يجليها

تدلت    جديلات   طال   امتدادها

تلامس  العجز  الرديف  ذوابيها

تشعّ  سناءا حين يســــــطع نوره

تهادى من الشمس شعاعا يواجيها

اذا كان ضوء الشمس فيه تماوج

فامواج بحر داعب الريح عاليها

***

امير البيان  العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى   بلــــد روز

 

فالح الحجية

الشعر العربي بين الحداثة والمعاصرة (9):

اما الفنون الشعرية المعاصرة فمن المعروف ان الامة العربية امة الشعر والعاطفة الانسانية ولا يزال الانسان العربي يندفع وراء عواطفه الى ابلغ الحدود ولا يندفع اي انسان  اخر  من الامم الاخرى مثله فهو شديد التأثر بما حوله واللغة العربية هي لغة الشعر والادب والكتابة الادبية وتكونت هكذا بطبيعتها فهي  حقا (اللغة الشاعرة) كما يقول العقاد.

فهي تنسجم مع تطلعات الانسان العربي وتفكيره وخوالجه وافكاره وعواطفه وهي بحق اللغة الشاعر ة كما يقول  الاديب  المرحوم (عباس محمود العقاد) لذا ترى فيها كل ما تحتاج اليه من تعبير لتعبر به عن خوالج نفسك وربما تزدحم فيها الكلمات على الشاعر او الكاتب فيكتب ما يريد ولا يستجدي كلماتها استجداءا او يبحث عن كلمة يعبر فيها عن نفسه فاللغة العربية مثل اهلها شاعرة  مطيعة طيعة الا انها كثير ة التعقيد في قواعدها وتشكيلها .

فالشاعرالعربي قمة في الخيال والخيال الشعري والتعبير عما في اعماق نفسه وما يحس به .وفي هذا العصر والذي اسميناه (المعاصر) بقي الشاعر العربي  رغم التأثيرات التي حوله او المت به  بقي لصيقا بلغته  هذه الشاعرة ويغرف منها  ما يشاء ويختار للتعبير عما في نفسه وما يحس  به  في محيطه وممجتمعه  العربي  وكنتيجة حتمية كان الشعرالسياسي في هذا العصر من اهم الفنون الشعرية ونستطيع ان  نعرف الشعرالسياسي الشعر السياسي : هو الشعر الذي يتضمن آراء وتوجهات سياسية، مع الحفاظ على القيمة الأدبية أو الفنية.

وعادة ما يمر الشاعر من خلال شعره السياسي لمبدأ أو تكتل معين لنشر الدعاية لكل الأطراف السياسية المتصارعة، بحيث كانت السجالات الشعرية مثالاً حياً للصراعات السياسية قديما .وفي العصر الحالي ارتبط الشعر السياسي بالديموقراطية والمناداة بحرية التعبيروحرية الراي  والنضال ضد الإستعمار والأنظمة الفاسدة والطاغية في أرجاء الوطن العربي كصوت مناهض للأنظمة العربية التي نسميها فاسدة. فالشاعر يتحدث في قصيدته بما حوله  من احداث بلده او احداث امته العربية  وما طرأت وتطرء عليها من احداث يتاثر الشاعر بها لذا كان هذا الغرض من اهم الاغراض الشعرية واقربها الى الشاعر والمتلقي  ونفسيته  واجزم  انه لايوجد شاعر الا وكتب فيه الكثير من القصائد الشعرية .

يقول الشاعر عبد العزيز نويرة؟ :

تِلكَ  بَغْدادٌ   رَاعَهَا   وَحْدَهَـــــا

مَا رَاعَها، وَالجَبِينُ فَوْقَ الكُبُولِ

 

وَفلسْطِينُ   هَاهُوَ   العِزُّ   فِيهَا

يَتَلأْلاَ   مِنْ    مِعْصَمٍ     مَغلُولِ

 

أيُّهَا   قَطْرَةٍ   مِنَ  الدَّم  سَالَتْ

في    جِنِينٍ    فَخْر ٌ بِدُونِ  مَثِيلِ

 

دَوَّخَتْ بَهْجَةُ الشَّهَادَةِ فِيها مَا

تَبَقَّى    لَدَى  العِدَى   مِنْ  عُقُولِ

 

هَذِهِ   بَغْدَادٌ    وَهَذِي   جِنِينٌ

يَا لَهُ    حَقًّا،   مِنْ  شمُوخِ  أَصِيلِ

 

إنَّ  بعضًا  من الكَرامَةِ  أَغْلَى

مِنْ   جَمِيعِ   البُنُوكِ    والبتْرُولِ

ولم يعد المدح في العصرالحاضرعلى صورته القديمة التي رسمها الشعراء وفيها  يكون الشاعر نديمًا لذوي السلطان وأنيسًا في مجالسهم واقفًا شعره وولاءه عليهم بل رسم الشاعر نموذجا حيا للبطولة  واخذ يناغيها ويبثها ولاءه ومحبته  وتفانيه في سبيل الوطن أي اصبح المدح للوطن بدلا من المدح الشخصي الا ماندر وصارت الأنشودة الوطنية العاشقة للوطن بديلاً جديدًا للمدح التقليدي تقول الشاعرة مباركة بنت البراء الموريتانية:

لبلادي حبي  وورد  خدودي

لبلادي أنشودتي وقصيدي

 

لبلادي صوتي الحزين مضاهر

حملات     الأيام    والتنكيد

 

غربتي غربة العرار وشوقي

دَمَوِيّ إلى رفات الجدود.

 

أتناسوا بأن لي زند قرم

يزرع النجم فى رحاب الوجود

 

أنا إعصار غضبة يتنزى

كل   حين  بألف ألف ولود

 

بقرون تفيء عصر امتداد

يعربي  البذار    والتسميد

 

كل  جرح  بداخلي  أرفدته

من بلادي دماء كل شهيد

وفي العصر الحديث، استمر الرثاء غرضًا شعريًا مستقلاً، وبخاصة رثاء الزعماء وقادة الحركات الوطنية والإصلاحية، وهنا تصبح المراثي فرصة لتجسيد المعاني الوطنية، والسياسية والدينية، كما اصطبغ الرثاء بأصباغ فكرية،وطنية وقومبة  واختلفت مناهجه على أنحاء شتى تبعًا لمذاهب الشعراء . فحب الوطن يجعل الشاعريبدأ بنفسه كجزء من المعاناة يقول الشاعرعبد الرزاق عبد الواحد الشاعر العراقي:

خوفا على قلبك المطعون من المي

ساطبق الان اوراقي على قلمي

 

نشرت فيك حياتي كلها علما

الان هبني يدا اطوي بها علمي

 

يا ما حلمت بموت فيك يحملني

به ضجيج من الانـــــوار والظلم

 

فابصر الناس لا اهلي ولا لغتي

وابصر الروح فيهــــــــا ثلم منثلم

 

اموت فيكم ولو مقطوعة رئتي

يا لائمي في العراقييــــــــــن لا تلم

ولقد اختفى في العصرالحاضر الفخر القبلي،ليصبح فخرًا بالفضائل الكبرى، كما ظهر نوع جديد من ذلك الشعر السياسي ولم  تعد ذات الشاعر، في مفاخره، بل اصبح القصد هو إلهاب المشاعر الوطنية في هذا الإطار .

وفي العصر الحاضر، تفيض قرائح الشعراء لتردد حماسيات أصداء الشعر في أزهى عصوره، خاصة في قصائد الفخر في الشجاعة والبسالة والحس الوطني حتى لتعد بحق شكلاً جديدًا متطورًا من شعر الحماسة اذ يحث على الاستيقاظ والتوحد والثأر للكرامة المهانة يقول الشاعر الكويتي عبد الله  محمد حسن:

يا شام صبرك فالأحداث قادمة

والشعب   يزأر  في أصفاده   جلدا

 

فإِن تمادى بغاث الطير في دعة

ففي  غد   ينجز  التاريخ  ما وعدا

 

دعى المهازيل تلهو في مباذلها

واستنطقي الشعب في الأحداث ما وجدا

 

لا يُضعف الحدث الدامي حميته

ولا   يفل  له  عزمًـــــــا  إِذا  وردا

***

يتبــــــــع

 

امير البيـــــــان  العربي

د. فالح نصيف الحجية  الكيلاني

العراق  -  ديالى -  بلـــــدروز

 

محمد الورداشيعلى سبيل التقديم: للأدب أهميةٌ خاصةٌ عند الإنسان، باعتباره متنفسا فسيحا لتفريغ كلّ الأحاسيس والمشاعر في قوالب أدبية مسبوكة، ومن ثمة يحضرنا الدور الفعّالُ الذي يشغل هذا الأدب داخل المجتمع الإنساني. إنه الإناء الشاسعُ الذي يتسع لكل تلاوين النفس الإنسانية المعقدة والمركبة تركيبةً تجمع بين كلّ المتناقضات على اختلاف أنواعها؛ فالذات الإنسانية: تسعد وتحزن، تضحك وتبكي، تحس وتتجمد، قد ترتفع إلى سموها، وقد تنحطّ إلى أسفل سافلين، وكل ذلك يعزى إلى الظروف الاجتماعية التي تشكل هذه الذات. فللعقيدة دورٌ فعال، كما أن للإيديولوجيا أثرا بليغا في توجيه منحى حياة الأشخاص، وبكلمة واحدة، أقول إننا نتنفس الأدب ونحيا به، ونتدبر داخليا إذا غاب المجالُ الرحبُ لتفريغ هذه المشاعر في أشكال أدبية عدة؛ قد تكون شعرا أو نثرا، قصة أو مسرحية، خاطرة أو روايةً. تبعا لذلك، يظهر لنا دور الأدب في المجتمع الإنساني على اختلاف نمط تفكيره ورؤياه وتوجهاته في الحاضر والمستقبل.

بناءً على ما سبق، نشير إلى أننا سنقوم بقراءة بسيطة لرواية أدبية حاملة لكل معاني الأدب، والتي قرأناها من ألفها إلى يائها دون أن نشعر بملل أو كلل. وهي رواية" نبض" لأدهم الشرقاوي.

تجدر الإشارة إلى أننا ملزمون بالانطلاق من المضامين العامة لفصول الرواية، على اعتبار أنها تتكون من أربعة فصول، كل فصل يعالج ثيمة إنسانية متعددة.

- مضامين فصول الرواية:

الفصل الأول: طبول الحرب تقرع.

في هذا الفصل تحدث الكاتب عن قضايا إنسانية كبرى، علاوة عن ظواهر اجتماعية أيضا، ويتجلى ذلك في مفهوم الحرب، باعتبارها ظاهرةً اجتماعيةً، لها حضورٌ بارز في حياة الإنسان على اختلاف مراحلها. فنحن لا نختار الحرب باعتبارها دمارا إنسانيا وفكريا واجتماعيا واقتصاديا، وإنما كانت الحربُ، ومنذ القدم، وحشا ضاريا يختار ضحاياه دونما أن يختاروه، يعصف بهم في صمت ومن حيث لا يحتسبون، كما أن الحرب صديقة للموت، فكلاهما يستدعيان بعضهما البعض. فأينما وجدت الحربُ فثمة موت مباغث وحتمي.

في هذا الفصل حاول الكاتب أن يطلعنا على معنى الحرب في الذات الإنسانية، وكذا الخسائر الروحية والمادية اللتين يخسرهما الإنسان، فضلا عن فقدان أكبر شيء فيه، ألا وهو القيم بمفهومها الإنساني. لقد أشار ابن خلدون، منذ زمن مضى، إلى فكرة جوهرية، وهي أن الغالب يفرض قيمه على المغلوب، هذه الفكرة التي لم تتغير منذ ابن خلدون، ظلت حيةً إلى أيامنا هذه، وستظل إلى أن يرث اللهُ أرضه ومن عليها من الأنام.

وحتى لا نقع في إعادة سرد أحداث الرواية بكل تفاصيلها، حتى وإن كان كاتبها يحبّ الغوص في التفاصيل، فإننا سنختصر كلامنا في:

إن الكاتب أودع أفكاره واحاسيسه في أسلوب أدبي بليغ، يحمل نفسا سارديا سلسا، إنه الأسلوبُ الخالي من التكليف والذي يسري في النفس، كسريان النار في الهشيم، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، يحضرني الزخم المعرفي الذي قدمه الكاتب في روايته هذه، وذلك لكونه على اطلاع عام بكل النظريات الغربية الحديثة: الواقعية، الشيوعية، الرأسمالية...

كل ذلك بغية تصوير أهمية الإنسان أولا باعتباره غايةً ساميةً، والدين ثانيا، باعتباره طريقا مشروعا للإنسان، يحتفل به إن قصده، ويرفضه إن تكلف فيه وتخلف.

- الفصل الثاني: طبول الذاكرة تقرع

للذاكرة أهميةٌ كبيرةٌ في حياة الإنسان. إنها الخزّان والمستودع الذي يحتفظ فيه بماضيه، ويخلد عبره حاضره، ويكتب تاريخه وتجاربه، حروبه ومعاركه، أفراحه وأتراحه، تصوره وتفكيره. بكلمة واحدة أقول إن للذاكرة الإنسانية يدا طويلةً في تخليد الإنسان كفكر وتاريخ بعد موته. ومن ثمة، تحضر أهميتها داخل الشعوب والمجتمعات، فمن لا ذاكرة له لا ماضي له، ومن لا ماضي له لا وجود له، إنما أضحى في خبر كان، بل أيضا، في مزبلة التاريخ، وكلّ ذا وذاك، يحدث حينما ينسى الإنسان ذاكرته ويهملها.

في هذا الفصل عاد لنا الكاتب إلى ذاكرته في قريته، وفي هذا السياق استحضر مجموعةً من الشخصيات التي لها خصائصُ ومميزاتٌ معينةٌ جعلتها تخلّدُ في ذاكرته. قدم ذلك في شخصيات عديدة عرفت بجنونها وغرابتها، ليجد بعد ذلك، طريقا للحديث عن أهمية الجنون داخل المجتمع، فهو كالملح داخل المجتمع؛ لأن حضوره يعدّ ضروريا، ومن ثم دعوة الكاتب إلى دراسته دراسةً جادّةً، وباعتباره ظاهرةً اجتماعيةً تستحق البحث والدراسة كأي ظاهرة.

- الفصل الثالث: طبول القلب تقرع

يعدّ الحبّ قيمةً إنسانيةً بامتياز، فقد ورد ذكرها في القرآن الكريم، وفي سنة النبيّ، عليه الصلاةُ والسلامُ. ومن ثمة، قدمّ لنا الكاتبُ تجربةً في هذا المجال رفقة بطلة روايته، وهذه الفتاة هي نبض. عموما فإن اللغة قد استطاعت إطلاعنا على هذه الشخصية بكل مقوماتها الداخلية والخارجية، من خلال تصوير الكاتب لها في قالب أدبي بليغ ومحكم. وفي قلب هذه التجربة وجودٌ بارزٌ لقضايا إنسانية عديدة.

- الفصل الرابع: طبولُ الفقد تقرعُ

لقد علمتنا تجربتُنا في القراءة لشخصيات روائية عدة أن النهاية تكون محزنة للغاية، فمن خلال نهاية الرواية، تبين لي الشبه الموجود بين هذه النهاية، ورواية جبران" الأجنحة المتكسرة"، فكلتا الروايتين تضمنت نهاية حزينة تلخصت في موت عاشقة أو حبيبة الكاتب.

- الأمكنة والأزمنة:

في هذه الرواية، ثمة دور مهم للمكان، فالكاتب اختار لروايته أماكن مفتوحةً، كالجامعة والشارع والحديقة. كلها أمكنة أسهمت في تطويع عملية السرد، وفي توطيد علاقة السارد بالمسرود، لدرجة أننا نرى المشهد من خلال دقة الوصف والتصوير التي ضمنها الكاتب عمله الأدبي.

أما الزمان، فإن له حضورا واضحا ومتنوعا، يختلف باختلاف سياقات الكلام، ومقامات السرد والحكي. تبعا لذلك، يمكن القول إن الزمان والمكان قد أسهما في تطويع بنية الأفعال اللغوية لتلائم المقامات والإيقاعات السردية المتنوعة.

- الحوار في الرواية:

يعدّ الحوار خاصيةً من خاصيات الأجناس النثرية الحديثة. ففي هذه الرواية يبدو جليا، أن الحوار قد أسهم وأسعف في نقل الأحاسيس، وفي تمرير القيم الإنسانية، والأهداف التي سعى الكاتب ترسيخها في نفوس متلقيه.

- البعد التناصي في الرواية

بما أن التناص هو التداعي والتضمين بين النصوص، فإن الكاتب زاوجه بالاقتباس. ذلك أنه قد جاهد إلى خلق علاقة تناصية وثيقةٍ بين عمله، وأعمال إبداعية أخرى تنتمي للجنس الأدبي نفسه، وللقضايا الإنسانية نفسها.

كما أن الاقتباس حاضرٌ بقوة في العمل. فالكاتب قد مزج بين أجناس أدبية عديدة، ويتجلى ذلك، في اقتباساته من الشعر العربي في مختلف مراحله ومحطاته البارزة، كلّ ذلك، أضفى على العمل لونا أدبيا رفيعا وخلابا وجذّابا.

وهكذا، فإن الرواية تضمنت قضايا إنسانية كثيرة، ومعرفة إنسانية جديرة بالاهتمام.

أخيرا، أود التنويه بهذا العمل الجميل المتميز، وبكاتبه العارف بالأساليب الأدبية والبلاغية الرفيعة، فما أحوجنا لمثل هذه الأعمال التي تجمع بين مداعبة القلب برقة المشاعر، ومجادلة العقل بالمعرفة الجديرة بالاهتمام. وأنت تقرأ هذا العمل تجد نفسك مطالبا بجعل العقل والقلب أبناء رحم واحد، حتى تفعل الجمع بين المتناقضات وحلاوته وجماليته.

دمت كاتبا معطاءً.

 

محمد الورداشي

 

1280 عبد الخالق الركابيرواية: خانة الشواذي للروائي عبد الخالق الركابي

خانة الشواذي:

العنوان في الرواية يشير الى مراتبية الواقع الاجتماعي العراقي، خلال الحكم الملكي للعراق، وتقسيم البشر الى مراتب وطبقات \ المراتب العليا من ذوي السلطة والجاه والثروة، وطبقة وسطى من الموظفين ولفيف الطبقة الأولى والمصنعة من قبلها، والطبقة الدنيا المنبوذة والموصوفة بالدونية بحيث تعتبر دون مستوى البشر ملحقة بخانة القرود أو ما يسمى بالشواذي .

كانت وسائط النقل في العراق انذاك تقسم مقاعدها وكراسي الجلوس وفق منزلة الفرد ومرتبته، فصدر السيارة ومقدمتها للطبقة الاولى والطبقة الوسطى، اما الاخيرة مخصصة للطبقة الدنيا وقد اطلق عليها ب (خانة الشواذي)، وقد شهد جيلنا كراسي مصلحة نقل الركاب الحكومية في خمسينيات وستينيات القرن العشرين ذات كراسي اسفنجية في المقدمة الدرجة الاولى، وكراسي خشبية للطبقات الادنى ولكل منزلة او طبقة تسعيرة او اجرة محددة، ومجلس الفرد حسب امكانية دفعه بين طبقة الأوادم او طبقة الشواذي .

وما زالت بعض رواسب هذه الثقافة موجودة حتى في حاضرنا الحالي فكراسي مقدمة السيارة الصالون على الخصوص تكون ارفع منزلة واغلى اجرة من سواها او من كراسي ومقاعد الخلفية، والجالس في صدر المجلس في المجالس والدواوين والدوائر هو الارقى والأرفع درجة ومرتبة من المواقع الاخرى .

فخانة الشواذي هي المكان المخصص لربط السجناء السياسيين المنفيين في السيارة التي تجلبهم من الكوت الى منفاهم في بدرة .ومنها سيارة دك النجف ملكية بشير و ناظم ومن بعدهما ولديهما نادر وفيصل .

طبيعة الصراع في (خانة الشواذي):

تذكرنا رواية (خانة الشواذي)، مكانيا وحكائيا برواية مالم تمسسه النار للروائي عبد الخالق الركابي، كما تذكرنا برواية (المبعدون) للروائي المرحوم هشام توفيق الركابي حيت تستعرض حياة السجناء السياسيين وبالخصوص من الشيوعيين وعموم اليساريين المبعدين الى ناحية بدرة الحدودية النائية من مختلف سجون العراق المركزية، بدرة في الوسط والجنوب النائي و قلعة راوندوز في الشمال الجبلي القصي، حيث يصعب على السجين تدبر أمره عند محاولته الهرب من بدرة أو راوندوز أو من نقرة السلمان، لكونها مناطق معزولة ومحاطة اما بالمتاهات الصحرواية أو الجبال والوديان المسكونة من قبل الضواري المفترسة كالذئاب والضباع وغيرها.

تظهر الرواية وبأسلوب ضمير الغائب للركابي القدير الشيق والرشيق طبيعة الحياة والبساطة والجمال في بدرة،مدينة البساتين والسيول، وارتباطها بالصراع السياسي والأجتماعي الدائر في العاصمة بغداد في ذلك الوقت .

مبتدئا بمأساة أم بشير التي اقتيد ولدها الى الخدمة العسكرية تحت أمرة العثمانيين الاتراك، وبعد سنوات من الغيبة والمعاناة تمكن من العودة الى بلدته من العاصمة الأرمينية يرفان مصطحبا معه زوجته الأرمنية كرستينا التي خلصها من استعباد الاتراك ضمن هلكوست الارمن وما فعلته السلطات التركية بهم وإبادتهم بمجازر تضاهي ان لم تفوق على هلكوست اليهود من قبل النازية الألمانية، للركابي حسنة استذكار هذه المجزرة الوحشية المرتكبة بحق الأرمن التي تناستها البشرية وأغفلها الضمير الانساني وكأنها لم تحدث رغم ان شواهدها وشهودها لا زالوا موجودين ومنهم الأرمن في العراق .ومنهم المنفية السياسية محور الرواية الشابة المناضلة (ملاك عيسى ) التي مات حبيبها المتظاهر (يعقوب) ضد معاهدة بور تسموث الاسترقاقية، حيث قتل برصاص أجهزة السلطة القمعية وأودعت هي في سجون السلطة .

رافقت كرستينا زوجها بشير صحبة ولدهم الوحيد نادر هذا النادر حقا حيث الوسامة والعيون الزرقاء الجذابة كعيون والدته وأخواله بالتأكيد، فجمع بين الملاحة العربية والفطنة العراقية والحسن الأرميني المدهش.

ناظم الفطن الذكي يحضى بإعجاب ورضى الضابط الانكليزي لحدت ذكائه وفطنته وقدرته على الأبتكار في تشغيل وتصليح أيّة أداة تتعرض للخراب أو العطل، حيث تمكن من أعادة سيارة انكليزية (قجمه) الى الحياة بعد أن القيت في السكراب، فأهداها الانكليزي له ملكا خاصا باسمه تقديرا لجهده وعبقريته .

الحميمة والطيبة العراقية وحالة التضامن بين ابناء الطبقة المسحوقة المقهورة في العراق، دفع ناظم لأشراك بشير في العمل على السيارة للنقل بين الكوت وبدرة حيث وجد بشير نفسه بلا عمل بعد عودته من أرمينا،رغم صعوبة قطعة المتاهة الصحراوية بين المدينتين، والتي راح ضحيتها ناظم عندما فقد خط سيره فمات جوعا وعطشا واكلته النسور، فتولى قيادتها نادر وفيصل الى ان حصل الخلاف بينهما بسبب انتماء فيصل الى قوات الأمن الحكومية وتخصصه في جلب المنفيين السياسيين من الكوت الى بدرة مقيدا اياهم في مقاعد خانة الشواذي، في مشهد لا انساني يثير الاستنكار والشجب من قبل نادر وبذلك تمكنت السلطة من كسر حالة التضامن الطبقي بين الصديقين الحميمين...

صعد الصراع بينهما جلب الحسناء المناضلة الأرمنية (ملاك عيسى) من الكوت الى بدرة مقيدة اليدين في السيارة التي يقودها فيصل، وحينما تصل بدرة يطلب منه امر المركز بأن يستضيفها في داره لحين تأمين بيت يخصها بمعزل عن المنفيين الرجال،وقد حصل ذلك بالفعل، مما اثار مشاعر الرغبة الذكورية بالحسناء الجذابة من قبل فيصل، ولكن من أستحوذ على قلبها الوسيم نادر الذي تعرفها خلال زياراتها المتتالية لبنت قوميتها كرستينا أم نادر، حدث بينهما ود ولقاء فعناق فاحتضان فممارسة مستجيبة للعواطف الشبابية الفوارة حينما أحتك جسديهما ببعض في (بيتونة) دار نادر، مما نتج عنه حملا غير مرغوب لملاك، فقررت الهرب من سجنها لإنقاذ نفسها وجنينها وكسب حريتها بمرافقة وتخطيط وتنفيذ نادر، مما جعل فيصل تحت طائلة المحاسبة، فاستشاط غيضا وغضبا لان نادر سلب منه ملاك كما وضعه تحت طائلة القانون لأنها هربت من بيته، فأقام الدنيا ولم يقعدها الا بعد أنْ تمكن من معرفة خبر القاء القبض على نادر وسجنه في الكوت بعد ملابسات هربه مع ملاك بمساعدة المهربين وتعرضها للنزف بسبب طول وعورة الطريق بين بدرة ومندلي مما سبب لها الاسقاط و الموت في مستوصف مندلي .

قصده فيصل مقررا القضاء عليه عندما أصطحبه من الكوت الى بدرة بسيارته رفقة طاهر منذر الرجل المثقف والد طه، وتعرضهم لسيل جارف مما أدى الى موت نادر غرقا وهو مقيد الى الكرسي في (خانة الشواذي). وموت فيصل نتيجة لجرفه من قبل السيول وأصابته بطلق ناري من قبل طلال محاولا تخليص نادر وفك قيده ورفض فيصل للاستجابة على الرغم من غوص السيارة في مخاضة عميقة .

تمكن الشرطة المسعفين من انقاذ حياة طلال في اللحظة الأخيرة حيث كان معتليا سقف السيارة، ولكنه يتعرض للاعتقال والتحقيق بعد شفائه،بتهمة مقتل رجل الأمن (فيصل)، فيودع في سجن بغداد المركزي، ثم يقتل من قبل قوات الشرطة لقمع أحتجاج وتظاهر السجناء بتاريخ 18 \6\1953 وأرتكاب مجزرة كبيرة بحق السجناء العزل وتستر الحكومة على جريمتها مما جعل مصيره مجهولا حتى كشف عنه المحامي نجيب رفعت الذي اصبح قاضيا بعد حين وكشف الأوراق السرية لقوات الامن .

نجيب رفعت نموذج للإنسان الذي ينتصر لإنسانيته، ويساند قضايا المهمشين والمظلومين ويدافع عنهم في المحاكم دون مقابل، وهو نموذج للانسان الذي يترفع على أنانيته الطبقية كرجل ثري ومن عائلة ثرية ليصطف مع اخيه الانسان، فان ظلم وقهر وقمع وإذلال أي انسان على الكرة الأرضية يعتبر شرخا لكرامة الإنسان الحر اينما كان ان لم ينتصر لأخيه المظلوم وكذلك كان المحامي نجيب رفعت البغدادي العراقي الثري، يذكرنا وأن لم ينتمي للشيوعية، انجلس الثري ابن الثري رفيق ماركس وانتصاره لقضية العمال والكادحين على الرغم من كونه من الطبقة البرجوازية الثرية، وكأنه الضد النوعي لحقارة ودونية الفقير المعدم ابن الكادحين فيصل الذي تنكر لطبقته ووظف نفسه لخدمة الطبقة الحاكمة المتسلطة .

كما يمتعنا الروائي بشخصية كاتب العرائض كرم أفندي شقيق زوجة طلال منذر، فقد كان شخصية ظريفة خفيفة الظل، تعيش حياتها يوم بيوم رغم كل الصعوبات الحياتية كان اب لعدد متزايد من الابناء الذي كانوا مرة ينامون متخمين وأخرى جياع، فكان اكرم يؤمن بمقولة ا نفق ما في الجيب يأتيك ما في الغيب .

كما توضح لنا الرواية دور المثقف الواعي (طلال منذر) الذي كانت تأتيه الكتب والمجلات من مختلف البلدان العربية، القاريء النهم وهو القائل (القراءة يا أصدقائي من أعظم نعم الله على البشر فهي تزيد من سعة الأرض، تجعل من يتعاطاها يعيش عوالم السحر والخيال ) رص 79، وكان هذا رده على من يلومه من اصدقائه على اتلاف نظره ووقته في القراءة بشكل مستمر، ناهيك عن كونه يحب الطرب وعازف عود وصاحب صوت عذب ومتمكن من تقليد اصوات العديد من المغنين والمطربين ...

كما ان الروائي يحبب القاريء ويعرفه بمدينته بدرة الجميلة، بدرة البساتين والكلال، فهي المدينة التي تضاهي بجمالها اجمل مدن العالم ومنها مدينة (يرفان) عاصمة ارمينا التي كانت محط اعجاب بشير والد نادر حيث عاش فيها عدد من السنوات مع حبيبته كرستينا.

ان رواية (خانة الشواذي) بحبكتها الرصينة وسردها المتقن واسلوبها الرائع زودتنا بدرس بليغ حول طبيعة الصراع الاجتماعي بين الظالم والمظلوم بين السلطات القمعية وبين حملة الافكار الانسانية من اليساريين والشيوعيين وأعداء الحرية الحكام، فيطارد ويقتل الملاك ويسقط جنين العلاقة خارج الشرعية السلطوية بين الملاك الواعي، والـ(نادر) الرافض للقبح والجريمة والمحب للحياة من الطبقة الفقيرة.

كما يؤشر لنا مدى القهر الذي يلاحق القومية الأرمنية من كل السلطات القمعية سواء اكانت تركية أو عراقية، كما حصل لكرستينا وقومها وما حصل لملاك وفكرها وحبها وجنينها الذي يفترض ان يبشر بحياة اجمل وأفضل باقتران الفكر والجمال النادر بالملاك الواعي .

 

بقلم: حميد الحريـزي

 

فالح الحجيةاما في مجال بناء القصيدة المعاصرة فاقول القصيدة المتكاملة احد مظاهر التجديد بل اهمها، وهي متصلة بالتراث تتعامل معه من منظار جدلية الحداثة الشعرية، فتستمد منه شخوصها واقنعتها وبعض احداثها، ولكن الشاعر لا يعيد صياغتها، كما جاءت في القصيدة الشعرية القديمة، وانما يستعير حركة او موقفاً او حدثاً مناسباً ويحاول بوساطة الاسقاط الفني ان يوظف ما استعاره توظيفاً معاصراً، ولذلك تبدو القصيدة المتكاملة مركبة يتداخل فيها الماضي والحاضر وتتلاقى فيها الاصالة والمعاصرة الايجابي والسلبي، والذات والموضوع للتعبير عن تجربة حية ومعاصرة.

لذا فان القصيدة المتكاملة تعبير بالتراث عن المعاصرة وبالماضي عن الحاضر والعلاقة بين الشاعر وتراثه علاقة جدلية، يتبادل فيها الشاعر والتراث، التأثر والتأثير وان مفهوم الحداثة غير متناقض مع مفهوم التراث، فالحداثة من التراث، وهي تنبثق منه كانبثاق الغصون من الساق والساق من الجذو ر وكذلك التجديد فالتجديد الشعري ذو ثلاثة اطوار متلازمة متفاعلة هي: المؤثرات الخارجية المساعدة والمكونات التراثية وموهبة الشاعر وان التأثر سمة انسانية مشروعة تشترك فيها الشعوب وهي لاتعني النقل عن الاخر وانما تعني  المعرفة والاطلاع وذلك سيفضي الى الابداع والاصالة، حيث كان للمدارس الادبية ولبعض  الشعراء الغربيين تأثير في بنية القصيدة العربية الحديثة، فالرومانسية ساهمت في إحياء النزعة الغنائية، والرمزية في تعميق الاحساس الداخلي واستخدام الاسقاط الفني، وعمقت السريالية غنائية اللغة والصورة والموضوع وحرية الكشف والتعبير، وتجلت  التأثيرات الكلية العميقة بالانتقال في بنية القصيدة من وحدة البيت الى الشكل العام، ومن الذاتية الى الموضوعية، ومن الغنائية الى الدرامية، ضمن المكونات الغربية في بنية القصيدة العربية المعاصرة، اهمها ثلاثة: المكون الاسطوري والمكون التاريخي والمكون الادبي.‏

كما نرى ان القصيدة استفادت في بنيتها وشكلها العضوي من القصيدة والنقد الاوروبيين اللذين كان لهما دور مباشر في توجيه  شعرائنا الى الاستفادة من تراثنا او الى التراث الغربي بأساطيره واشكاله الفنية للتعبير عن تجارب معاصرة وهذا سبب من اسباب الغموض في القصيدة المتكاملة، وهو في الوقت ذاته سبب من اسباب ثرائها وتعدد اصواتها ودلالاتها. وتطورها نحو الافضل‏

اما الموضوعات الغنائية، وغنائية التعبير في بنية القصيدة المتكاملة وقد لقِّحت بالعناصر الدرامية لتخاطب الاحساسات والعقل معاً وتمتزج فيها الذات بالموضوع ويتعادل التعبير والاحساس وتغدو اللغة والصورة والايقاع أدوات موظفة جديدة ثابتة وان القصيدة المتكاملة كانت نتيجة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت على مجتمعنا منذ منتصف القرن العشرين، فالمجتمع الاستهلاكي افرز موضوعات الموت والاغتراب كما انها ناجمة عن جهودالشعراء المتواصلة منذ بدايات القرن العشرين للنهوض بالقصيدة المعاصرة .

وعلى العموم فعناصر البناء العام وتكامل القصيدة هي: الحكاية والحدث وصلاتها بالشخصية وسماتها من جهة، وبالحتمية الناجمة عن تكوينها من جهة ثانية مبيناً من خلال الحكاية والحدث الدرامي والصراع والحوار الدرامي وبناء الحدث ان الحكاية تكتسب اهميتها الفنية حين يمتلك الشاعر المقدرة على توظيفها توظيفا معاصراً، وان الحوارالجيد والصراع المتين يؤديان دوراً بارزاً في بناء الحدث ورسم ابعاد الشخصية الدرامية وبناء القصيدة المتكاملة، وان العناصر الغنائية تغتني بالعناصر الدرامية فيتلون الايقاع والصورة بتلون احساسات الشخوص ليشكلا الايقاع والصورة، كما ان القصيدة المتكاملة شبكة من العلاقات التماثلية والسلبية المتفاعلة، فهي ذات اصوات وابعاد ومستويات ينجم عنها التكافؤ بين الدلالة التراثية والدلالة المعاصرة.

ومن الملامح الشعرية ان الانسان فيها جوهر التجربة الشعرية، بمعاناته وحياته اليومية وقضاياه النفسية والاجتماعية والسياسية. وقد يجنح الشاعر إلى الاسطورة، والرمز، والتراث الشعبي، والاشارات التاريخية .وقد ينحو بعض الشعراء الى تعرية الزيف الاجتماعي والثورة على التخلف.

فالقصيدة بناء شعوري متكامل يبدأ من نقطه بعينها ثم يأخذ بالنمو العضوي في مجال الفكر والخيال حتى تكتمل.,قد يسير شاعر على وتيرة واحدة في الوزن والقافية او على نظام المقطوعات وشعر التفعيلة او قد لا يسير على أي نمط محدد معين كما في قصيدة النثر. فالشعراذن اما شعر يتسم بالوضوح والبساطة والعفوية فتاتي لغته مقتربة من لغة التخاطب اليومي وباسلوب عفوي جميل واما شعر سريالي غير واضح  ويتميز بالغموض والابهام، والرمز ويستعصي الكثير منه على التحليل والتقويم والنقد بالمقاييس المألوفة. وقد لايالفه المتلقي .

كما ان القصيدة المتكاملة شبكة من العلاقات التماثلية والسلبية المتفاعلة فهي ذات اصوات وابعاد ومستويات ينجم عنها التكافؤ بين الدلالة التراثية والدلالة المعاصرة.

 

امير البيــــــــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــــــد روز

 

اللاوجود: هو اللاشيء، والعدم، والفقدان، والذي ينقلنا إلى يتضمن مفهوم الغياب، الفراغ، التيه، الدوران المغلق ...الخ.

يؤسس المتن السردي لروايات برهان شاوي، هيكلاً نقدياً خاصاً بكتاباته، وشخصياته، ومحور نمطها المعيشي، الخاص بها، لنجد ذاتنا أمام مؤسسة سردية متكاملة، عن طريق سلسلة متاهات  مترابطة، ومتداخلة مع بعضها البعض، ليحقق المنجز الروائي لكاتبها، عائلة سردية خاصة به، وبقلمه الذي خط هذه السرديات الناقدة، والرافضة لكل ماهو موجود، لتنطلق من اللاوجود، إلى الوجود المعلن، والصريح.

ولنجد ذاتنا بإزاء نتاجات ناقدة، خارقة للتابوات، والمقدسات جميعها.

فالخوض في النقد المعلن وتشكلاته داخل النتاجات السردية، محاولة نقدية تستدعي النظر إِلى السرد بوصفه خطاباً إيديولوجياً و ليس سردياً، وهذا الأمر مَنْ دواعي تشكل الحس النقدي الذي تشكل لدينا في التعامل مع سرديات برهان شاوي .

إذ نلتمس في رواية(متاهة الأرواح المنسية) فكرة الجنة والعدالة الإلهية، ويغلب عالم السحر على الكثير من أجزاء الرواية، وشخصياتها ليست ببعيدة عن شخصيات متاهته السابقة (متاهة آدم، متاهة الاشباح، متاهة إبليس،  متاهة قابيل، متاهة العميان، متاهة حواء)، ففي سؤال (حواء صحراوي) لـ (آدم سميث)، تقول:

̏- هل أنت ملحد ... ؟

-فوجئ .. لم يفهم قصدها من وراء السؤال، فأجاب وكأنه يقدم تبريراً:

-لا..

-لكنك ترفض المقدس .. ؟ لا تعترف بأي مقدس..

-الإلحاد ليس نفي المقدس ولا هو نفي الشكل وساند للمقدس وإنما هو نفي مطلق لكل شيء .. ̋ .

يحاول (شاوي) عن طريق متنه السردي هنا، أن يقدم جملة استفهامية (هل أنت ملحد؟) في إشارة إلى التشكيك في أمر الإيمان ونفي الدين، وما تعرضه هذه الجملة، نوعاً مَن أنواع نقد الدين، أمام رفض المقدس، وعدم الاعتراف بـ (المقدسات كلها).

ومما جاء في سرد شخصية (ايڤا الذهبي)، القول:

̏ انا متمردة على التقاليد الدينية والاجتماعية. لا أخاف من أي شيء .. حتى من الجن والشياطين، لا أخاف القرآن والدروس الدينية كانت إلزامية عندنا .. أذكر أنني

حفظت جزء (عمّ) كاملاً حين كنت في سنواتي الأولى .. حضرتُ جميع الدروس والمحاضرات الدينية الأسبوعية الإلزامية .. كنت أخاف من الربّ .. أتصوره جباراً .. مرعباً .. مستبداً يحب الانتقام وتعذيب البشر ǃ ǃ  ̋  .

ترفض (ايڤا) الدين وأفكاره جميعها وفي قرارة نفسها تعمد إلى رفض التقاليد الدينية الاجتماعية، وإنها لا تخاف (من أي شيء) وأرادت الكل لا التخصيص، لذلك يبدو انها متأسفة على ضياع سنواتها الأولى في حفظ (جزء عمّ)، وحضورها المحاضرات الدينية الأسبوعية الإلزامية، آنذاك كانت تخاف من الخالق ؛ لأنها تظنه (جباراً، مرعباً، مستبداً، يحب الانتقام وتعذيب البشر)، وهذا يوضح انقلاب الذات لدى (ايڤا) مَنْ مرحلة الخوف إلى مرحلة اللا خوف وإعلان حالة التمرد على تعاليم الدين.

وتمهد (ايڤا) حديثاً عن عائلتها ؛ لأن عائلة (ايڤا) كانت متدينة وغنية جداً، يعود أصلها-عائلتها- إلى الدولة العثمانية،وعلى الرغم من هذا الانتماء العريق، إلا أنها

شخصية متمردة على التعاليم الدينية كلها،  على الرغم من اطلاعها على الكثير من الكتب السماوية، تقول : ̏عائلتي تنظر إليّ كمجنونة.. مريضة نفسياً.. مسكونة بالجن والشياطين.. لأنني ببساطة أنتقد مناسك الحج (...).. فمناسك الحج كلها لها علاقة بالحجارة.. فهي طواف حول حجر.. ورمي الشيطان بحجر .. تقبيل للحجر ..حجر ..حجر ..حجر.. هذا بعض ما أتحدث به مع أفراد العائلة.. وهكذا يتم ضربي وشتمي ..أخي الكبير يقول لي سوف أقيم الحد عليك يوماً.. تركت الدين من عشر سنين ولم أعد.. وجدت سلامي الروحي ̋ .

شكل الفكر الأيديولوجي ذو المعنى الوجودي المعلن للنقد ضد المقدس الديني وفكرة النص القرآني مساحةً واسعةً ضمن سردية النص ؛ لأن إعلان (ايڤا) هذا التمرد يخرج عن قناعة ذاتية،إذ يجعل من الحجر غاية تنطلق عن طريقها لنقد المقدسات، ولا تكتفي بهذا إذ تجعل من مناسك الحج مناسك للأوثان؛ لأن الحج كله عبارة عن حجر لديها.

طواف حول حجر

رمي الشيطان بحجر

تقبيل للحجر

النتيجة = حجر ..حجر.. حجر..، إذ عمدت الى التأكيد.

أضيف، بإن شخصيات الرواية صيغت بتكنيك سردي، وبميتافيزيقيا واعية، تنبع عن وعي، وادراك كامل، وأنها لم تكتب بصيغة تعبوية.

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

فالح الحجيةالاساليب الشعرية المعاصرة والحديثة والتي تتمثل في الشعر الحر او قصيدة النثر مهما كثرت زواياها واختلفت طرقها فانها تتمثل في مجموعتين أسلوبيتين هما الأساليب التعبيرية والأساليب التجريدية.

يتمثل الاسلوب التعبيريّ بالنمط الذي تنتجه أشكال اللغة الأدبية اسلوبا ملونا بلون من المعايشة غير المباشرة أو المعهودة، حيث تقدم نوعاً من الحقائق المبتكرة بتحريف يسير للغة المعبرة، وتفعيل معقول لآليات التوازي والاستعارة والترميز بشكل يؤدي إلى الكشف عن التجربة في مستوياتها العديدة التي قد تصل إلى أبعاد محددة لكنها تظل تعبيرية الحقيقة المكنونة .

أما الأساليب التجريدية فتعتمد على زيادة معدلات الانحراف وتغليب الإيحاء والرمز على التصريح، فتعطي القصيدة إشارات مركزة يتعيّن على المتلقي إكمالُها وتنميتها من الداخل، مع فارق جوهري بين التعبيرية والتجريدية يتمثل في إشارة الأولى إلى التجربة السابقة على عملية الكتابة نفسها سواء أكانت حقيقية أم تخيلية، واختفاء هذه الإشارة في الثانية بناء على غيبة هذه التجربة.

ويندرج تحت التعبيرية أربعة أساليب هي:

1- الأسلوب الحسي الذي تزيد فيه الإيقاعية والنحويّة؛ في حين تقل درجة الكثافة والتشتت والتجريد،

2- الأسلوب الحيوي الذي ينمي الإيقاع الداخلي ويعمد إلى كسر يسير في درجة النحوية ويتوافر فيه مستوى جيد والتنويع من دون أن يقع بالتشتت.

3- الأسلوب الدرامي الذي يعتمد على تعدد الأصوات والمستويات اللغويّة، ويحقق درجة من الكثافة والتشتت من دون أن يخرج عن الإطار التعبيري المالوف

4- الأسلوب الرؤيوي: وهو الذي تتوارى فيه التجربة الحسيّة مما يؤدي إلى امتداد الرموز في تجليات عديدة ويفتّر الإيقاع الخارجي، ولا تنهض فيه أصوات متضادة، ويحقق مزيداً من الكثافة مع التناقص البين لدرجة النحويّة.

وفي الأساليب الشعرية المختلفة , نلاحظ الاسلوب الحسي يتمثل في شعر(نزار قباني) ونعده افضل نموذج للشعر الحسي، و في شعر (بدر شاكر السياب) نموذجاً للشعر الحيوي، أما الشعر الدرامي فيتمثل في شعر (صلاح عبد الصبور) الشاعرالمصري من خلال نتاج صلاح ؛ في حين يكون الأسلوب الرؤيوي ممثلا بشعر (عبد الوهاب البياتي)

ومن شعر نزار قباني هذه السطور من قصيدته (هوامش على دفتر النكسة):

يا أيُّها الأطفالْ..

من المحيطِ للخليجِ، أنتمُ سنابلُ الآمالْ

وأنتمُ الجيلُ الذي سيكسرُ الأغلالْ

ويقتلُ الأفيونَ في رؤوسنا..

ويقتلُ الخيالْ..

يا أيُها الأطفالُ أنتمْ –بعدُ- طيّبونْ

وطاهرونَ، كالندى والثلجِ، طاهرونْ

لا تقرؤوا عن جيلنا المهزومِ يا أطفالْ

فنحنُ خائبونْ..

ونحنُ، مثلَ قشرةِ البطيخِ، تافهونْ

ونحنُ منخورونَ.. منخورونَ.. كالنعالْ

لا تقرؤوا أخبارَنا

لا تقتفوا آثارنا

لا تقبلوا أفكارنا

فنحنُ جيلُ القيءِ، والزُّهريِّ، والسعالْ

ونحنُ جيلُ الدجْلِ، والرقصِ على الحبالْ

يا أيها الأطفالْ:

يا مطرَ الربيعِ.. يا سنابلَ الآمالْ

أنتمْ بذورُ الخصبِ في حياتنا العقيمهْ

وأنتمُ الجيلُ الذي سيهزمُ الهزيمهْ...

اما اذا اردنا ان تكون كل هذه الاساليب مجتمعة بواحد فخير مثال شعر (محمود درويش) كنموذج للتحولات التي تتسع لكل هذه الأساليب التعبيريّة، فقد بدأ من الأسلوب الحسي الذي خرج فيه من تاثير نزار قباني فيه لانه يعتبره معلمه الاول، ومثال على ذلك قصيدته (بطاقة هوية)، وانتقل إلى الأسلوب الذي اجتمعت فيه الحيوية والدرامية، كما هو الحال في قصيدة (كتابة على ضوء بندقية)، وانتهى الى اسلوب الرؤيا الشعرية الذي تمثله قصيدة (أرى ما أريد). نلاحظه يقول:

اعد غذائي الاخير

اصيب النبيذ بكأسيين لي

ولمن سوف ياتي بلا موعد

ثم اخذ قيلولة بين حلمين

لكن صوت شخيري سيوقظني

ثم انظر في ساعة اليد

ما زال ثمة وقت لاقرأ

اقرا فصلا لدانتي ونصف ملعقة

وارى كيف تذهب مني حياتي

الى الاخرين ..

ولا اسال عمن سيملأ نقصانها

واشيع نفسي بحاشية من كمنجات اسبانيا

ثم امشي

الى المقبرة....

وربما تكون التجريدية تقتصر على أسلوبين فقط يتداخلان فيما بينهما هما:

الاول: التجريد الكوني الذي تتضاءل فيه درجات الإيقاع والنحويَّة إلى حدٍّ كبير، مع التزايد المدهش لدرجتي الكثافة والضياع، ومحاولة استيعاب التجربة الوجودية الكونيّة باستخدام بعض التقنيات السيريالية والصوفيّة الدنيويّة .

والثاني:التجريد الإشراقي الذي ربما يقع على خط الاتجاه السابق معترضا اياه في سلم الدرجات الشعرية، مع التباس أوضح بالنظرة الشعرية والنزوع الصوفي الميتافيزيقي، والامتزاج بمعالم ورؤى وجودية تختلط فيها الأصوات المشتركة والرؤى الحالمة المبهمة، مع نزوع روحي بارز يعمد على التراث الفلسفي بدلا من الضياع في التراث او الاساطيرالعالمية ..

ولعل الإسراف في الحداثة والمعاصرة بشكلها الشعوري الحالي هذا الشعور الذي تحمل موادّه دلالات عميقة موروثة، قد يميل الشاعر إلى تشكيلها من جديد فإن وجودها الظاهر في هذا التشكيل الجديد يحيل إلى موروثها بوصفه غائباً يحضر لدى المتلقي لمجرد وجوده في النص، فيشعر اويحس بعداً أيديولوجياً، وان أهم الملامح الأسلوبيّة في شعر هذا الاسلوب كضياع القناع، والأسلوب الصوفي في شعرالشعراء الصوفيين:

يقول الشاعر مهدي منصور:

يا من نذرتُ لهُ القصائد والهوى

ووقدتُ أيامي لكي ألقــــــــاهُ

وتقول قامته إذا عبرت غوى

أقدم وتنكر صوتهـــــــا شفتاه

يختار من قزحِيَّـتي سكنًا لهُ

حتّى بشــــــــتّى ما أراهُ أراهُ

أمعذبًا أضنى رؤاي وليس لي

نـــور يبــــــدد غربتي إلاه

علمتني أن الجراح عقيدة

فرض الأسى طاب الذي صلاّه

ذا القلب ناقوس بدير جوارحي

أهدى شقائق وجنتيك دمــــــاه

يبدو سكونك كالصلاة، وكل من

صلى الإله بعطفه يهـــــــــواه

اغضب فلو صلى سكونك سيدي

أمسى غريمي في هواك الله

وعلى الرغم من إيراد هذا التعريف للأسلوب التجريدي لم يرد تمثيل صريح له وهذا ما يجعل تصنيف الأساليب الشعريّة التجريديّة معلقاً في الهواء، فالناقد يطرح فرضيّة جديدة لم تأخذ حقها من التطبيق فيما يتعلق بالشعر التجريدي الإشراقي. هذا ما لاحظناه في شعر قصيدة النثر او الشعر الحر بعد ان حل عقاله وهب قائما يتخطى كيف يشاء ويتلمس الامور كيفما احب الشاعر واراد.

 

امير البيــــن العربي

د. فلح نصيف الحجية الكيلاني

العراق -  ديالى - بلــــــدروز

 

 

تعارف عند العرب أن الشاعر هو صوت القبيلة أيّ بمثابة الإعلامي الناطق باسمها والمخلد لأمجادها، وحين جاء الاسلام وسمع العرب القرآن الكريم وما فيه من نبوءات قالوا إنّه شعر، وحين كذبوا النبي قالوا عنه إنّه شاعر. فالشاعر له مقام عالي بين مجتمعه ولاسيما أن كان شديد الاحتكاك بين الأفراد وأمته. وحين عاشت الأمة العربية بمرحلة من الحروب والصراعات وهيمنة دكتاتورية حكامها وخيانتهم للشعوب نلحظ تعالي أصوات الشاعر الرافضة لهذه السياسة وعندما تم تكميم أفواهها بدأ الشاعر يضع رؤيته المستقبلية بولادة جيل يكسر اضلع المستحيل . فالشاعر أمل دنقل في قصيدته (لا تصالح) التي كتبها حين وقع انور السادات معاهدة كامب ديفيد عام 1978، والقصيدة جاءت بتقنية القناع اذ تقنع الشاعر بقناع  كليب مستمدة من الموروث القديم وحرب البسوس، فالشاعر في ختامها استشرف بجيل يقضي على دكتاتورية الحكام فيقول:

إنه ليس ثأركَ وحدك،

لكنه ثأرُ جيل فجيل

وغداً ...

سوف يولد من يلبسُ الدرعَ كاملةً

يوقد النار شاملةً، يطلب الثأر

يستولد الحقَّ من اضلع المستحيل

الشاعر في هذا النص أوحى بولادة جيل ثائر على حكامه والسلطة المتعاونة مع القوى الخارجية التي قمعت حريته وحرية ممّن سبقوه، وأنه سيعيد الحق الذي سُلب منه قسراً وجاء الاستشراف حقاً متمثلاً بثورات الربيع العربي ولا سيما في مصر حين تم القضاء على نظام حسني مبارك . فالشعر تبعاً لذلك هو جوهرياً وظيفة اجتماعية ووسيلة تأثير قوية ونرى هنا أن الشاعر صانعاً ينتج من أجل الجماعة. واذا انتقلنا إلى شاعر العرب الأكبر الجواهري سنجده ايضاً تنبأ بولادة جيل متمرد فيقول:

سينهض من صميم اليأس جيل         مريدُ البأس جبارٌ عنيدٌ

يُقايضُ ما يكون بمــــا يُرجّى          ويعطف ما يُرادُ لما يُريدُ

تظهر الابيات أن الشاعر قد سرد صفات جيل المستقبل العاصف الذي سينتفض ضد المؤسسة السياسية والدينية التي احكمت أطواقها على العراق فأوقعته في موجة الصراع والعنف . وهذه الابيات ذات استشرف حقيقي تحيلنا الى القول إنّ الذات الشاعرة الواعية تستطيع أن تعطي رؤية بعيدة للحدث الغائب وهذا يؤكد إن الشعر واللغة في الحدس العربي هو الذي يخلق الوجود، فالكون حامل الماضي والحاضر والمستقبل الذي وجدناه في القرآن الكريم يمكن إيجاده في الشعر العربي . وهذا الشاعر عبد الأمير جرص في قصيدة صرخة يعلن ثورة الجنوب فيقول:

ايّها الربّ الجنوبي

يا رفضنا العالي ...

أنت أكبر من جوامعهم

وأكبر من مآذنهم

وأكبر من مناراتٍ حفظنا صمتها

عن ظهر قلب

الرفض أكبر  الرفض أكبر

لا إله سوى الجنوب

القصيدة كتبت في التسعينات بعد أن اطمأن نظام الحزب الواحد من عدم وجود معارض له حين احكم سلطته القمعية على العراقيين أجمع، لكن جرص كانت له رؤية أخرى ترى أن الثورة تبدأ شرارتها من الجنوب ويُهدم سور الظلم وأن الجنوبي سيسترد حقه وحين اندلعت الاحتجاجات الاخيرة في العراق نرى استشراف جرص تحقق فـ(الربّ) هو الانسان الجنوبي ؛ كون الشاعر يرى في الإنسان وحريته قدسية كقدسية الإله. كذلك أن هذا الإنسان سيثور ضد التيارات ذات السلطة الدينية في الجنوب ويقضي عليها، بل ويتحرر من سطوتها (فالجوامع والمآذن والمنارات) الصامتة اشارة الى حكم المؤسسة الدينية في الجنوب والتي سيرفضها العراقي الثائر (الرفض أكبر) هو اعلان الثورة وتغير الفكر السائد على يد هذا الجيل. وحين اشتد بركان الثورة في الجنوب قد وقع عدد كبير من الشهداء ولا سيما الناصرية والنجف الذين لا تتجاوز اعمارهم عن عشرين عاماً وقد تم تشيعهم الى مقبرة وادي السلام، فأهل هؤلاء الفتية كانوا خائفين من الرمل الذي يدفن فيه ابنهم . وهذا المشهد نراه في قصيدة (مدونة الرمل ) للشاعر عارف الساعدي يقول:

دافئاً كان وادي السلام

واسعاً كان قبر الفتى

أوّل الأمر

والمخدة رملٌ قديمٌ

ولكنّه ناعمٌ  رمل وادي السلام

وكأن الفتى نائمٌ فوق ريش النعام

أنزلوه ببطءٍ

كي لا يفز من النوم

وشوشو للرمال السخيّة

الا تعضّ ملامحه

على الرغم من أن القصيدة كُتبت في عام 2012 الا أننا نراها وليدة هذه اللحظة التي ذهب ضحيتها الكثير من الفتية الشباب وذلك من أجل الحرية اذ قدموا انفسهم قرباناً لها لأن على المرء أن يضحّي بالأكثر نبلاً وجمالاً، لكن على وجه الخصوص بالإنسان فالشاعر الساعدي كانت له رؤيا مستمدة من النظرية المأساوية التي ترى أن البطل لكي يتغلب على عدوه عليه أن يرضخ لمصيره لكنّه يسمو به، وأن قبول ذوبان الذات وهو في الوقت نفسه التسامي فوقها، والحرية الأرقى هي أن يؤثر المرء فناءه الخاص وبتصميم البطل المأساوي على معانقة دماره الخاص يكشف بذلك عن روح إنسانية لا تقهر تستطع بكامل تألقها في وجه تقديم نفسها طوعاً قرباناً، وعليه فإن النص السابق تنطبق عليه هذه النظرية التي جاءت بمثابة الاستشراف وكانت مقبرة وادي السلام والفتى بؤرة الحدث الذي وقع في وقتنا الحالي وكان الفتى هو البطل المأسوي الذي عانق جريمته التي فرضها القدر عليه . وممّا تقدم أن الشعراء الذين شغلتهم قضايا الوطن وأمتهم قد وقعت تنبؤاتهم وهذا ليس من قبيل المصادفة وكانت الحرية جزء مهم يحتاج الى فداء اذ يتضح لنا أن الحرية لا تصبح واعية لذاتها الا باختبار تمرد العالم ومقاومتها العنيدة لمشاريعه .

 

موج يوسف

 

مالكة عسالقراءة في منجز قصصي تحت عنوان (وصف ما لا يوصف) للمبدع والإعلامي المغربي مجد الدين سعودي

استهلال كتمهيد وجيز

وأنا أتصفح المجموعة القصصية للإعلامي والأديب المتميز مجد الدين سعودي، حيرتني العتبة النصية الخارجية بكل تفاصيلها اللوحة والعنوان، والألوان..

اللوحة تتوسط الغلاف بدفتيه معا، باللون البنفسجي يميس بين الغامق والفاتح، ترمز إلى كتلة من الدخان شكلت ما يشبه خصلات من الشعَر متموجة، أو وردة مكدسة البتلات، أكان هذا او ذاك، فهي تشخص ما يعتمل في النفس من هزات واضطرابات خلخلت الهدوء والسكينة، وما سيوضح اعتقادي هذا هو العنوان الملغز، المشكّل من ألفاظ بسيطة متداولة، ولكن تتناغم في ما بينها في علاقة، نتج عنها التباس لا يمكن فك إبهامه، إلا بتبصر سره..

(وصف ما لا يوصف) كلمتان متنافرتان :وصف وفي الآن نفسه ما لا يوصف، كيف نصف أشياء لا يمكن وصفها، الأشياء التي لا توصف معناها لا شكل لها ولا لون ولا حجم، أي ليست لها عناصر يمكن تحديدها من خلال الوصف..وقد يقصد الشاعر المتراكمات المترسبة في غمد العمق، التي تُحَس ولا تُلمَس أو تُرى بالعين المجردة، مجموعة من الهموم والرغبات والتطلعات تزلزل كيان الذات الإبداعية، لانعرف سرها ولكن نفهم معناها بالحدس، بتقاسم الشعور مع المبدع حين عبّر عنها في صفحة الإهداء (إلى ديموقراطية العرب المؤجلة إلى أجل غير مسمى) (إلى ربيع عربي مغتال) (إلى حلم في الطريق) (إلى سفر ملغى)..وغيرها من العبارات التي تدل بالكاد، على تطلعات مبدعنا الإنسانية، والتي يمكن اختزالها في عبارة واحدة، هي (أن يعيش الإنسان في فجر سعيد خال من وعكات الحروب والفقر والتهميش، متمتعا بالكرامة وكافة الحقوق) وهذا هو المثقف الحقيقي الذي يتأبط صفائح البياض في يمناه، وأحباره في يسراه، ليُسيلها دموعا نائحة على الأوضاع الإنسانية المخرومة، التي تعبَثُ بها أياد الطغيان والجبروت، وتنكّل بها بأبشع الصور..لإيصال الأصوات المختنقة والآهات الموجعة والعذابات المقلقة على حد قول مبدعنا في صفحة الفهرس بتصرف..

1ـــ ما بين ثنايا الكتاب

المحتوى يتكون من 14 نصا قصصيا، يبتدئ بمستهل تحت عنوان (برولوغ)،..و لفظة (البرولوغ)(Prolog) اسم فرنسي يعني (لغة برمجة منطقية). أي (برمجة المنطق) عن طريق البرولوغ يتم كتابة البرنامج بالكامل باستخدام الحقائق والقواعد، في العديد من برامج الذكاء الاصطناعي بالخصوص.. وقفت على هذا المفهوم لأعَرّف به لغويا حسب ما جاء في ويكيبيديا بعجالة، ودلاليا ما له من علاقة صارمة وحادة بينه وبين ما يعتمل في داخل كاتبنا مجد الدين سعودي، مما جعله يوظفه بذكاء ؛وإقحامه بطريقة فنية في المنجز ليس عبثا، ولا للتزويق أو الإثارة، وإنما له بعده الدلالي حول ما سيقدمه في مجموعته ، مستندا إلى حقائق علمية /موضوعية /ملموسة، استقصاها من الواقع الأجوف بطرُقه المنطقية، تلاقحَ فيها الجانبان : الحسي والفكري على امتداد..

وتنتهي المجموعة بنص معنون ب(وختامه مسك أو زفت أو أمل) وهنا يتجلى موقف الكاتب بشدة حماسته وفيض قلقه، وبركان غضبه، حين يسقط في غور الحيرة حتى النخاع، لا يدري ما نهاية هذا المنجز الذي تقطّره من دمه، هل هو إيجابي أم سلبي ؟؟هل سيقدم شيئا للقراء أم هو فارغ؟ أسئلة تتناسل هكذا بعد كل منجز، تطرق دفعة واحدة رأس المبدع، تبين عدم رضاه على ما قدم حتى ولو كان مكتملا، والتوق إلى البحث عن الأجمل والأكمل..

يلقي المنجز بظلاله على 92 صفحة، وزنٌ بخفة الفراشة، ولكن بثقل الذهب، ففي النص (البرولوغ) نجد الذات المبدعة ة متدمرة حد الأطراف، ساخطة على واقع، يختلط فيها الحابل بالنابل، تنقلب فيه الأوضاع رأسا على عقب، مما جعل الأشياء تفقد جوهرها، وقيمتها.. نظرة تشاؤم خيمت على عمق الذات المبدعة، أحرقت شعاع أمل كان قادما من بعيد.. (سأحاول تجسيد المسكوت عنه في وطن البهتان والفئران في وطن ينعق فيه البوم) ص:8.. صورة قاتمة، ينظر فيها المبدع إلى الحياة بنظارتين سوداوين، وهذه النظرة الكارثية لم تأت من فراغ، وإنما إفراز نتج عن تأمل واسع وشعور ساخن، وعمق متأجج بحرارة، لعوالم تكتنفها أسرار ملتبسة كبحَتْ جماح التطلع إلى غد بفجر متنور، ورغبة في البحث عن الحقيقة بضوء الشمس، لتحرق آليات التدليس، والكذب والرياء.. هي إذا حالة صراع مرير، بين ما تحلم به الذات المبدعة وترجوه، وبين غياب شروط تحقيقه..

* الهموم الإنسانية تؤرق الذات المبدعة

مبدعنا إذا صديق الدراويش والمومسات، وماسحي الأحذية والمتسكعين في الشوارع، والجائعين، ومَن قوتهم اليومي الخبز الحافي والشاي الحار، ومَن جيوبهم خاوية وبطونهم طاوية، ومَن يقتاتون مِن القمامات والأزبال، ومن تشردوا في الشوارع بشهادات جامعية، ومن يعانون من التقتير والهزال والاصفرار لقلة ذات اليد، ومن رُميَ بعِلَّته أمام المستشفيات، ومن قٌهِرَ في مدن الصفيح، ومن يواجه حرارة ارتفاع الأسعار والطرد من العمل دون مبرر معقول ؛والوطن رغيف تتقاسم خيراته القاذورات الإنسانية والبهيمية، من قبل ديناصورات لادين لها ولا ملة، ألا تتماهى رؤية مبدعنا مع قولة كارل ماركس (إن تراكم الثروة في قطب واحد من المجتمع، هو في نفس الوقت تراكم الفقر والبؤس في القطب الآخر)..حيث الأوضاع تبقى على حالها، رغم الانتخابات وتغيير الحكومات، وكثرة الشعارات والوعود الكاذبة ..فلعبة الأقنعة والتنكر، والنفاق والرذيلة، تمارس جهارا وبنفس الوتيرة، على إيقاع خطط وبرامج مُلهِبة، مُهيَّأ لها قبلا، ولها أهدافها الساحقة للطبقات الهشة، القاتلة للطموح والأحلام ؛البانية لأرصدة الطبقة المهيمنة، الراعية للمصالح الخاصة، (شعب جائع يبحث عن لقمة عيش..و(كروش الحرام))ص:14. وطن تسكنه الضمائر الميتة، والقلوب الكلسية، والأذهان المتحجرة، تعشش فيه الكلمة العاهرة، والسياسات الفاسقة، والفقر يأكل الجميع..ومن منا لم تدمه هذه الحقائق ؟؟ ويسعى بما أوتي من آليات لرفع الحجب، وتعريتها، لتصل بجلبابها الأبيض ونورها الساطع إلى العقول والأذهان، إن لم يستطع الوصول إلى التغيير ؟؟

* التحليق فوق قمم القضايا العربية

فبعد أن توغل مبدعنا في فضاءات الواقع، وصوّر بعدسته التي لا تخطئ أوضاعَ مختلفِ شرائح المجتمع، مشخصا مفسرا، كاشفا، منددا، ثائرا، غاضبا بضمير ليس له مكان في المزاد، وروح لا تقبل المساومة، وقلب يرفض تماما المقايضة، يطير عبر أجنحة التحليق في فضاء الأمة العربية برمتها، يرفع الغطاء عن أهل الرياء والسياسة، الذين قرروا الدخول الحروب نيابة عن الغرب، لمقايضة النفط بالتغذية أو السلاح أو دساتير من الإيديولوجيا الزائفة، ليس بِقَصْدِ التَّشْنِيعِ وَتَشْوِيهِ السُمْعَة ببلاغ كاذب، وإنما للكشف عن فضائح بالجملة، سجلها تاريخ المزابل بسقوط إمارات، وانهيار دول بسبب الظلم وسوء التدبير وفساد الأنظمة وعبادة الذات البشرية (إنه الداء الذي دمر بيروت أيام الحصار) ص:43 فمبدعنا تؤرقه ما وصلت إليه الدول العربية من خراب، طال كل الجوانب الاجتماعية والتعليمية والصحية، وحتى الثقافية، ويؤرقه جمْع من المرتزقة الذين مزقوا جذعها، فقتلوا أبناءها، وهدموا أروقتها، وحطموا حقولها، وتركوها عصفا ما كولا، فأصبحت ضرعا يرتوون من خيراتها متى أرادوا، ولما تنفذ، يبحثون عن أخرى دون الاهتمام بجفاف النبع، أو جوع او موت أصحابه..(ما بال هذه التجارة الفاسدة تعجب البويهمين، وقطاع الطرق ؟؟ وما السر في المؤمنين بالنفط والكافرين بالأنبياء يصلون) ص:54

* الترميز بالأسطورة لإنطاق اللغة بغير المعتاد

عادة نجد الأسطورة توظَّف في الشعر: كلغة الإشارة والتلميح، محملة بأشكال الرمز والإيحاء والاستعارة، في شذرات جد مقتضبة، تعمل على توسيع المعنى وتعميق الدلالة في كمشة من الألفاظ لاتسمن من جوع، تخفي خلفها دلالات غائرة تشبع النهم ؛ غير ان مبدعنا مجد الدين سعودي يقفز على السطر بكعبه العالي، ليوظف الترميز بالأسطورة في نصوص سردية، لإنطاق اللغة بغير المعتاد بنزعات أسطورية، تدغدغ ذائقة القراء، وتحرك عواطفهم، وتجلجل تفكيرهم بدهشة، مما يزيد اللغة توهجا وإشراقا، وقد استغلها مبدعنا كمادة تزخر بمخزون لا يستهان به من القيم الإنسانية، للتعبير بها بألاعيب فنية ساخرة أحيانا، ترمز إلى الظواهر الإنسانية والطبيعية حاليا، بإدغام الماضي في الحاضر حد الانصهار، ليتسنى له نشر أفكاره ورؤاه، وخلخلة المسكوت عنه بجرأة وشجاعة في لوحات فنية، بأدوات الخلق والإبداع، يمتص من خلالها قضايا المجتمع، وهموم الحياة، لاسيما في ضوء اتساع التجربة الإنسانية، الشيء الذي يخيف ويرهب ويتحاشاه المثقفون..

ومن الأساطير والأشياء الفنية التي اخترتها من المجموعة القصصية:

لوحة الجوكندا أو الموناليزا، هذه اللوحة المدهشة ببراعة الفنان والنحّات الإيطالي ليوناردو دو فينشي، لأشهر ابتسامة في التاريخ، تميس بين الفرح الذابل والحزن الخافت، احتار النقاد في تفسيرها حتى اليوم..

وأسطورة أفروديت إلهة الحب والشهوة والجمال، والإنجاب.

- القديس ديمتريوس، قديس سلا نيك (في مقدونيا الوسطى، اليونان الذي عرف بجهاده وثباته بالإيمان، فعرّف الوثنيّين على الإله الحقيقي

ـ أثينا إلهة الحكمة الإغريقية. خالقة شجرة الزيتون للمدينة، لتكون رمزا للسلام والازدهار حسب ما تداولته الأسطورة..

إيزيس ربة القمر والأمومة لدى قدماء المصريين. عبدها المصريون القدماء والبطالمة والرومان. كانت مثال الزوجة الوفية حتى بعد وفاة زوجها، والأم المخلصة لولدها..

أساطير وأشكال فنية معبرة عن السلام والجمال والإيمان والحب والوفاء والإخلاص، امتصها مبدعنا في قالب فني، بلبوس جديد، متجاوزًا حدَّ الاعتدال أحيانًا، بعذوبة الخيال وعمق التصوير، وذكاء التشخيص، قاطعا كل مسافة بينه وبينها، يحاور أبطالها، أو يسمعهم وهم يتحدثون:

(قالت سمرقند لقاضي الترقيع: من يحاكم من؟)ص:25.. كأنما يجمع مبدعنا في رؤياه الماضي والحاضر والمستقبل، لتمرير القيم الجميلة التي دهسها جشع الأطماع، والتشبث بالكراسي، وإسالة الريق للمناصب، والتمنطق بالنرجسية القاتلة، فتناثرت قشا على رؤوس عشاق الوطن ..

ولأن أديبنا يسعى إلى الجمال، وإلى العيش الكريم بكافة الحقوق العادلة، ويبحث في رحابة هذا الكون، عن الشروق يضيء بنوره الجوانب والسراديب المعتمة، لإعادة الأوضاع في حلة من الفردوس، تكسوها أقواس قزحية، الشيء المستحيل طبعا ؛فهو لا يوظف إلا الأسماء المعبرة والدالة عن الجمال، التسامح، احتواء الآخر، التآخي، حتى وإن كانت في كُمّها تتسم بالغرابة.. لا حظو ا معي هذه العبارة اللطيفة (الربيع سمرقند عاشقة الأحزان وقبلة البؤساء) ص:25.. وسمرقند كما جاء في الكتب الجغرافية أكبر المدن وأحسنها وأتمّها جمالاً، في آسيا الوسطى، مبنية على شاطئ وادٍ يعرف بوادي القصَّارين، وكانت تضم قصورًا عظيمة،.. فمن خلال ما تقدم أحِسُّ أن مبدعنا، يشرُد به التفكير أثناء وجبات الأكل..يتأمل ويحلم قبل خلده إلى النوم..يبحث عن الحلول للثغرات الموجعة أثناء يقظته..وكأني أسمعه يقول في نفسه :آه لو استطعت، أن أحكِم القبض على الكون بيدي، لسطّحته لوحة، ومحوت بممحاة ملامحة الثخينة/ الخبيثة، وزرعته مروجا وبساتين تطفح بالنوار، وقلت لفقراء العالم :تمتعوا هذه جنانكم لا تَدَعوا سلالة الشياطين.. تعبث بها..

* مرآة الأمل محفوظة في لوح المبدع

فعلى الرغم مما يسود من تدجيل وشعوذة، وما يزرعه أباطرة السوء من حواجز وقيود، وما ينتشر من فساد وظلم، وما تعانيه شريحة من بني الإنسان من قهر وفقر في ظل العهر، فمبدعنا عاشق حتى النخاع للحياة، هائم حد الجنون (بالسماء والوديان والشطآن، لحبات الرمل، ونسيم البحر وسكون الليل وضوء القمر،) ص:55.. وهذا يدل بالكاد أن مبدعنا متسلح بسيف الأمل، يتطلع إلى التغيير بأية طريقة، فإن لم يستطع فعلى الأقل بالتعبير عن حرائقه المتأججة، لترميم أجنحة الأوضاع المهيضة، وإنزال ذاك الثقل الجاثم على صدره، إيمانا منه أنه سيأتي حين من الدهر، يسقط فيه التاريخ الرسمي، وينتحر الصعاليك، ويتناسل الدراويش، وربما يصل به الأمل إلى كسر الكراسي، وتخريب المنابر، وهدّ العروش، فتصبح الكرة الأرضية نظيفة طاهرة من مثل هؤلاء الأغبياء المتسلطين.. (ولتمت سيوف التربص والتجسس والردة والرجعية) ص:56..

الحياةَ الدنيا كثيرةَ التقلُّب؛ تارة تتفجر بالسار، وأخرى تنزل بجامّ سخامها على الجماجم، لا تستقيم على حال، ولا تصفو لمخلوق مِن الكدَر، تتنوع بصلاح وفساد، وسُرور وحزن، وأمل ويأس، لكن علينا أن نتسلح بالأمل والتفاؤل كشُعاعَين يُضيئان دياجيرَ الظَّلام، ويَشقَّان دروب الحياة الدامسة، ويَبعثان في النفس الجدَّ والمُثابرة، الشيء الذي يُعتبَر حافزا قويا إذا أردنا تغيير المُجتمَع، وإصلاح أعطا به..وعلينا ألا نستمر في لوك المشاكل والنكبات والمصائب، وتعداد إثارتها ، فتلك لعمري طامة كبرى على النفس والعقل والذات، تؤزم النفس، وتشل العقل على التفكير، وتهدّ الذات فتصاب بالكسل والوهَن والخمول، فتفقد الحيوية والنشاط، والاستعداد للبحث عن الطرق الناجعة لتحسين الأوضاع، فعلينا إذا التحلي بالصبر والثبات، وتأمل الواقع بأضداده ومتنافراته، فنحلل، ونفسر ونستشرف الأسباب، ونقترح الحلول، ونختار الطرق الممكنة للتغيير أو الإصلاح، ويبقى الأمل في سفرنا الطويل واللانهائي نصْب أعيننا قد يصيب أو يفشل، وكلما كان إيماننا قويا بالتغيير، رافضين الجمود والتقليد، مناشدين الانفتاح، والتطلع إلى التجديد، كلما ازدادت عزيمتنا إصرارا، وفي هذا الصدد، لن ننسى البيت الشهير الخالد للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي (إذا الشعب يوما أراد الحياة ***فلابد أن يستجيب القدر)

إن الناس اليوم بحاجة إلى مَن يبثُّ في نفوسهم الأمل، ويُيسِّر لهم طريق الخير؛ بتعزيز استِحضار النماذج المُشرِقة؛ حتى يتَّخذونها أسوةً تُبلِّغهم الهدف الأسمى..

2ــ الجانب الفني: متانة اللغة وأناقة الأسلوب

أي مبدع يتوق إلى الكتابة والتعبير بأسلوب أنيق تعزيزا للغة العربية من جهة، وزرع فيها روح البناء والتجديد، لإثراء المنجز الإبداعي بالجمال، حتى يحقق توقع القارئ، فيتحمس وينشَدّ إليه، لذا فالمبدع يخلق من ذاته المبدعة قارئة لنفسها قبل النشر، فيُلِم باللغة من حيث انتقاء الألفاظ، والدقة في صياغة النصوص، والحرص على أن تكون اللغة صافية كاللؤلؤ، والسمو بها بتطريزها بالبهي..ومبدعنا مجد الدين سعودي أصاب الجوانب بكل ما تستدعيه آليات الجمال التي تفتح شهية القارئ، وتجعله يتمسك بالمنجز من أول خيط، ولا يفارقه إلا بعد إنهائه..

* المحسنات البديعية كفن للقول

فأول ما لاحظت توظيف مبدعنا بعض المحسنات البديعية، لإظهار مشاعره وعواطفه، فرصع سبيكة أسلوبه بلؤلؤ السجع، لتزيين الأسلوب وزخرفته وإعطاء القولَ رونقاً ونغمة موسيقية، حتى تكون اللغة مُحبَّبة، ويكون لها الوقع والأثر الحسن في نفس السامع، وبالتالي تؤدي الألفاظ معناها على الوجه الأكمل،

(عرينا المدنس.. وصوّبنا نحوه المسدس..ونفضنا عنه غبار المكدس..

ــ الخطابة..وما ادراكم من رتابة..وكآبة

ــ خطابته.. وبلاغته..وفصاحته

ــ البرقوق والقوق..والورقة في الصندوق..)

ص:7

والمحسنات البديعية كأحد الفنون المزينة للكلام، كانت منتشرة في النصوص النثرية العربية.. في المقالات والرسائل والمحاورات والخطابات بل حتى في الأمثال..

عادت حليمة لعادتها القديمة،

ناس بحنانيها وناس بغنا نيها،

وقد وردت بأشكال متعددة حتى في القرآن الكريم .كما يلي

(فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب)

فالمحسنات البديعية ليست مجرد تلاعب لغوي كما يحلو للبعض أن يسميها، بل هي زينة وحلية جمالية فنية، لجذب انتباه السامعين عند سرد الحكايات من أجل الإمتاع والاستمتاع، وأنا نفسي لم أسلَم من هذه الآفة الجميلة حيث عنونتُ كتابي الأخير في أدب الرحلة ب (لطيف المقال في الأدب والترحال) وكنت سأضيف مالكة عسال..لولا خشيتي من بعض القراء أن يتهموني بالتبجح، والفخر باسمي..والسجع مُرّر إلينا عبر جهابذة الأدب، ورضعناه من حبلهم السري، وقد يستعصي على البعض توظيفه إن لم تكن له رافعة قوية في اللغة العربية..

* تطعيم اللغة العربية بلغة الدارجة المغربية

يرى البعض أن توظيف العامية في النص الأدبي، ترجمة للواقع حيث إن اللهجة المحكية-هي في الغالب- أداة التواصل في البيت، والشارع، والعمل، وهي لغة الحياة، المتداولة؛ ويرى آخرون أن الاستعانة بالعامية إلى جانب الفصحى يثري المعجم اللغوي؛ ومبدعنا ليس لا من أولئك ولا من هؤلاء، لقد تفرد في استعمالها بشكل مختلف، فطعم اللغة بشذرات وألفاظ بالدارجة المغربية، ليس عسرا منه في انتقاء اللفظ، ولا لإثراء معجمه، ولا لأنها لغة التداول العادية، وإنما هي لعبة مراوغة اللغة بمستملح ساخر، ليفسح المجال أمام القارئ من أية شريحة كانت، كعتبة مبسطة ليبلغ المعنى، وكأنه بذلك يشارك قارئه رؤاه، بنزوله المتواضع أحيانا، كي يكون هو والقارئ في سلة واحدة يتقاسمان أوجاع الهموم، وبالتالي القبض على مفرداتها ومن وجهة أخرى تحمل حساً شعبيا، يصل في تأثيره إلى تأثير الفصحى في المتلقي المتذوق لها. (ماكاين غلا على المسكين..ها الريكلام)ص: 13..

وعليه، نجد كثيراً من الأدباء يستحضرون حكماً وأمثالاً، أو مقولات، أو شعراً من الأدب الشعبي لدعم وجهات نظرهم، ومشاركة السواد الأعظم من الناس الذين يستعصي عليهم فهم اللغة العربية الفصحى، وإلى هذا وذاك فالعبارة العامية كما يعلم الجميع تستجيب لحاجة القارئ من حيث شؤونه وفنونه وشجونه، وأحزانه وأتراحه، لِما تطرحه من أفكار وتعليقات ممتعة بأسلوب ساخر يحثُ على المتابعة والقراءة..

* وحدات النصوص مجزأة إلى جزيرات

النصوص صيغت على شكل جزيرات، تنفرد كل واحدة بموضوعها، ولكن تلتف جميعها، حول النقطة المركز، وهو البؤس المتفشي في العباد، في هذه البلاد، وشرذمة من الأبالسة تهيمن على الأوطان والشعوب، وتمسك كل الخيوط بقبضتها، لتذبحها على حد الإجرام، بالقبض على خيراتها، وامتصاص حقوقها، وتمريغها في وحل الفقر والقهر؛ غير أن الجزيرات تجاور بعضها البعض بخيوط رفيعة ممتدة حتى العروق، حيث ينتقل الأديب من واحدة إلى أخرى بتسلسل ضمني، يمكن التقاطه بالحدس..ويتجلى هذا في أغلب النصوص من بينها نصوص)(حلم)ونصوص (عندما تنطق الأسطورة) ونصوص(الرحيل).. وحتى أخلص فهذا التلون الفني إضافة إلى نقط تتابع، والفراغات بين الكلمات، سيؤجج في القارئ قريحة مَلْئِها انطلاقا من منظوره الشخصي، واقتناص ما وراء السطور بما يملكه من زاد معرفي..

ــ الخاتمة

مبدعنا له التصاق عظيم بالثقافة العربية قديمها وحديثها، بمقالاتها وأشعارها ونصوصها السردية، وتاريخها وجغرافيتها، وأساطيرها، ومحكياتها وأمثالها الشعبية. لقد غرف من معين حكاية الف ليلة، وقصة شهرزاد، وبحور الاشعار والسير والاخبار، ومن نبع الاعراف والتقاليد، ومن المحيط وما عاشه من تجارب، وما عاينه من وقائع، فألمّ إلماما واسعا بجوانبها على اختلاف مشاربها، الشيء الذي أثرى تجربته لتبلغ المدى، فاستطاع بحنكته الأدبية ومراسه السردي، أن يوظفها في قوالب جديدة بطريقة حداثية تشخص الأوضاع الإنسانية المزرية، ليس بنية عرضها جافة، وإنما للنفخ في صورها، ليقدمها أطباقا شهية، فكان التنوع حتى في صياغة النصوص على شكل أشعار أو مسرحيات، أو نصوص مفتوحة او حواريات.. ليمرر إلى القارئ قيما إنسانية آخذة في الأفول، وأخرى متوحشة تتفشى فينا دون حدود.. منجز ثري يصب بتنوعه الثقافي في البعد الإنساني بمشاكله وهمومه، والقضايا العربية وظواهرها بأحزانها وأسرارها.. ولمكتبتنا المغربية شرف احتضانه بفخر ليأخذ حيزا هاما من رواقها..

 

مالكة عسال

بتاريخ 15/10/2017

...........................

المراجع

ــ الأمل والتفاؤل/حسام العيسوي إبراهيم /موقع شبكة الألوكة

ــ موسوع الجزيرة /النيت

ــ توظيف المفردة الدارجة في الشعر العربي.. /أحمد قنديل نموذجاً

عبدالرحيم الأحمدي موقع اللغة العربية

ــ الفصحى والعامية في فلك السرد الأدبي /الشارقة - “الخليج

ــ المحسنات في اللغة العربية /بقلم فاروق مواسي /موقع ديوان العرب  

 

 

عدنان حسين احمدصدرت عن دار "شهريار" في البصرة رواية "تقرير عن السرقة" لعبدالهادي سعدون وهي رواية بوليسية ونفسية متداخلة. ولو تأملنا شخصية الراوي الذي يسرد حكايته بضمير المتكلّم لوجدناها منشطرة بين الأنا الغامض، ونظيرهُ المُتواري، وهي لا تحمل اسمًا على مدار النص السردي الشائق الذي لا يبعث على الملل لتنوّع أحداثه، وكثرة مفاجآته، وغنى شخصيته الرئيسة المُستغلَقة التي لا تتكشف إلاّ في الصفحات الأخيرة من هذه الرواية المُبهَمة.

يضعنا الروائي في جملته الاستهلالية بصُلب الحدث ويُخبرنا بأنّ اللصوص كسروا بُوابة بيته حينما كانوا خارج المنزل ولم يسرقوا منه سوى حاسوبه المحمول. وبما أن الشخصية الرئيسة معقدة جدًا فلابد من تتبِّعها وتسليط الضوء عليها من جميع الجهات علّنا نُمسك ببعض العناصر التي تساهم في حلّ لُغزها العسير، فقبل زواجه تعرّف إلى نساء عديدات لكنه لم يرتبط بأي واحدة منهن، أما آليسيا فقد أحبّها بعمق وارتبط بها فأنجبت له طفلاً أسمته عيسى تيمّنًا باسم الشاعر الياباني Isa غير أنّ السرقة أربكت حياة الأسرة الصغيرة وروّعتها لأن الشرطة لم تستطع أن تفعل شيئًا وظلت بانتظار تقرير الشرطة الجنائية، وتقرير شركة التأمين. وبما أنّ اللصوص قد أصبحوا أكثر ذكاءً من الشرطة فإنهم بالضرورة لم يتركوا بصمة نظيفة تقود إلى اللص الحقيقي. أما شركة التأمين فقد دفعت لهم نصف ثمن البوّابة، وغضّوا الطرف عن الحاسوب القديم ومحتوياته وأغلقوا الملف. يعمل الراوي مُترجمًا في دائرة المعلومات والهجرة ولم يبدر منه شيء طوال مدة عمله لكن زوجته انتبهت إلى أنه بدأ يستعمل كلمات نابية، ويعاني في منامه من أحلام وكوابيس مليئة بالسُباب والشتائم لكنه حينما يستيقظ لا يتذكر أي شيء من هلاوسه وأضغاث أحلامه، ويستغرب عندما تُخبره بأنه كان يصرخ بوجه شخص ويتهمهُ بالخيانة! يفقد الراوي عمله بسبب إجراءآت داخلية كما يدّعي المدير إغناثيو. ثم يلتقي به لاحقًا ويُخبره  بأنّ البلدية تنوي إعادة فتح الدائرة وقد فكر، هو والمدير العام، أن يستأنسا برأيه بشأن شبهات لفتت انتباهه مؤخرًا غير أن الراوي يستاء ويخبره بأنه كان موظفًا بسيطًا لكن إغناثيو يتمادى ويسأله مستفسرًا إن كان قد تعرّض هو أو محل سكنه لحادث ما وكأنه هو المذنب وليس الضحية مُعتمدًا في ذلك على المعلومات التي تصلهم إلى الدائرة الأمنية، فيتساءل الراوي في سرّه:"هل كنتُ أعمل في شيء آخر غير الترجمة؟". ركّب الضحية بوابة مدرّعة لبيته لكن ظل يستلم العشرات من نسخ الإعلان عن محل كومبيوتر. ومما زاد الطين بلّة أن زوجته تلقّت رسالة مشفّرة فيها العديد من صُورهِ مع فتيات وسيدات أُلتُقِطت في سفرات مختلفة فأقنعها بأنّ هذه الصور قديمة وتعود لمرحلة ما قبل الزواج. ثمة معلومة مبكرة في الرواية تشير إلى أنّ قرينه متورط في هذه العملية المريبة:"كانت هناك رسائل تأتيني من داخل بريدي السرّي" وهي أشياء لا يعرفها أحد سواه، ولم يفشِها لأحد، كما أنه بلا أصدقاء في وطنه الأول وفي بلده الجديد. أما المعلومة الثانية التي تسلّط الضوء على هذا اللُغز فتكمن في قوله:"اكتشفتُ في الآونة الأخيرة مهارات مجهولة لديّ" الأمر الذي يُبعد الشكوك عن الآخرين الذين يتجسسون عليه، وينبشون أخباره المنسيّة. وبسبب هذا اللص، والمؤرشف للوقائع ارتبكت الحياة العائلية للراوي خاصة حينما وصلت زوجته  صورًا قديمة مُنتزعة من صحيفة عربية يبدو فيها كإرهابي. تتفاقم الأمور حينما يبعث له القرين صورًا وفيديوهات وأوراق توثيقية يجمعها ويذهب لمقابلة المفتش العام لكنه يجد نفسه أمام مديره السابق إغناثيو الذي يأخذه إلى خِزانة كبيرة تحمل اسم "تقرير عن السرقة" ويخبره قائلاً:"ماجئت به شيء ضئيل قياسًا لما يصلنا كل يوم عنك وعن عائلتك وماضيك"، ثم يعزّز كلامه بالقول:"إنكَ وحيد في هذه المتاهة" ويمكنك أن تعتبر هذا اللقاء لا وجود له.

لا غرابة أن تطلب آليسيا الانفصال بعد هذا الكم الهائل من الصور والفيديوهات والرسائل النصية التي كانت تصلها كل يوم ولعل ما أرعبها حقًا هي صورته التي ظهر فيها بملابس عسكرية، ولحية سوداء حاملاً بندقية كلاشنكوف، وأمامه رؤوس بشرية مقطوعة، أما الفيديو الأكثر مرارة فهو ظهوره عاريًا إلى جانب فتاة تطلب منه أن يقول لها: "إنني أحبك وإننا سنعيش معًا إلى الأبد". عندها فقط بدأ يشك بأنه "شخصان في جسد واحد!" ولكل واحد منهما له مسار مغاير للآخر. تتكرر الأوهام البصرية فيعتقد بوجود صاحب القبعة المكسيكية الذي يلّوح له من الطابق السابع في بناية مقابلة له لكن الحارس يخبره بأن الطابق كله فارغ ولا وجود لشخص يرتدي قبعة مكسيكية في العمارة كلها. يحاول أن يفتح بوابة البيت فيخذله المفتاح مما يضطر للمبيت خارج المنزل بعد محاولات عديدة لإقناع العاملين في محلات الأقفال بالذهاب معه إلى البيت فلم يجد بُدًا من الذهاب إلى المتنزه حيث يلتقي هناك بكاتب قصص وروايات فيشرح له ما مرّ به نهارًا من مشكلات وأوهام حتى انتهى به المطاف إلى هذا المتنزّه المهجور. وما إن ينتهي الرواي من سرد حكايته حتى يشرع الكاتب، وهو طبيب نفسي، بسرد قصة تعرّفه إلى خواكين، الرسام الذي فشل في الترويج لنفسه فاستمع لنداء عائلته واشتغل معهم في معمل الخياطة حتى أصبح مديرًا للمعمل في غضون سنتين لكن الكائنات اللامرئية لم تتركه لوحده وأوشكت أن تقضي عليه. وحينما غادر الكاتبُ التقى الراوي بأناس آخرين أمضى الليل معهم، وفي الصباح لم يرَ أثرًا لهم، فيتوجّه إلى محل أقفال ويذهب معه رجل بعمره لم يرتدِ البدلة الزرقاء وطلب منه أن يضع الرقم السري في لوحة البوابة الخارجية فلمعَ الضوء الأخضر، ثم ضرب باب المنزل بقبضة مضمومة فانفتح هو الآخر، ثم نام طويلاً وحلم، وما إن استفاق حتى تذكّر الحلم بالكامل، وشاهد صاحب القبعة المكسيكية، وكاتب الروايات، وصور المشردين جميعهم. ولما التفت إلى جواره شاهد حاسوبه المحمول بملفاته الثلاثة مضافًا إليها ملف "الكاميرا الخفية". تطلبْ آليسيا الطلاق حينما ترى على سريره امرأة عارية وتأمره بمغادرة البيت فيحزم حقيبته، ويحمل حاسوبه ويتجه صوب قرية "وادي الخنازير" في أقصى الجنوب الإسباني، وبينما هو جالس في عربة القطار يسمع شخصًا يتكلم مع حبيبته بالهاتف ويخبرها بأن تأخذ هذه القصة التي تفيدها في أبحاثها وقد سمعها من رجل "صاحب قصص وروايات" يقول فيها:"أنني وقبل أن أتحول إلى الكتابة كنت أشتغل طبيبًا في عيادتي النفسية وكنت ناجحًا في عملي لكن ما جرى مع صديق لي هو الذي جعلني أترك كل شيء وأمضي للبحث عن حياتي في مكان آخر". وأخيرًا يقرر الراوي أن ينزل مع الشاب ويكون ظلاً له مع أن قريته تبعد ساعتين عن هذه المحطة. وما إن يدخل الشابُ النفقَ ويتوغلّ فيه حتى ينهال الراوي عليه لكمًا ولم يتوقف عن ضربه حتى يرآه هامدًا على الأرض بلا حركة عندها يترك قرينه والحقيبة والحاسوب ويركض في الاتجاه المعاكس متحررًا من كل شيء قبل أن يسقط في العتمة والظلام الدامس.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

عبير خالد يحيىالمعنون بـ(الملتقى) للكاتبة وفاء ابراهيم عرار.. دراسة ديموغرافية طبقًا للمستوى المتحرك في الرؤية الذرائعية

- مقدمة: تنقسم النصوص المكتوبة بحسب الأسلوب الذي تكتب به إلى قسمين أساسيين، وهما:

الأدب fiction، واللا أدب non fiction أو الأدب الإخباري(التقريري العلمي).

وينقسم الأدب fiction إلى: 1- الشعر 2- السرد

وينقسم الأدب إلى: شعر وسرد

وينقسم السرد إلى الأجناس السردية التالية التالية:

- الرواية

- القصة القصيرة

- القصة المكثفة

- المقامة

- المقالة

- المسرحية

- الخاطرة

- الرسالة

- القص المقالي

- المقطوعة السردية

- الحوارية السردية

- أدب الرحلة 

وينقسم أدب الرحلة إلى جنس أدبي روائي (يحتوي على بناء فني)، وإلى مشاهدات ديمغرافية (عندما يكون خارجًا عن السرد الأدبي).

إغناء:

نعني بالديموغرفيا خروج أدب الرحلة من خيمة العمق الأدبي الخيالي والرمزي باتجاه الإخبار، ويختص بهذه الحالة البينية علم الديموغرافيا.

وعلم الديموغرافيا (علم السكان[1] أو الدراسات السكانية): فرع من علم الاجتماع والجغرافيا البشرية الذي يقوم على دراسة علمية لخصائص السكان من حيث العدد والتوزيع والكثافة والتركيب والأعراق ومكونات النمو (الإنجاب والوفيات والهجرة)، نسب الأمراض والحالات الاقتصادية والاجتماعية، ونسب الأعمار والجنس ومستوى الدخل وغير ذلك في إحدى المناطق.. وتمثل الدراسات السكانية الطريقة المبدئية لفهم المجتمع البشري..

وهذا العمل الذي بين أيدينا، والمعنون بـ (الملتقى) هو نص موازي، لأنه كتاب (مسلوب الجنس، ينتمي إلى جنس يوازي الجنس الأدبي وأحيانًا يلتقي معه، ليس جنسًا من الأجناس السردية) وليس نصًا (شبيه بالنص وليس نصًّا)، فهو مشاهدات عينية تختص بالجماليات اللغوية علينا نقده بشكل علمي، وهو ينتمي إلى مشاهدات ديموغرافية مقارنة لرحلة بين بلدين مختلفين جغرافيًا واجتماعيًّا وعمرانيًّا وجماليًّا، غربي وشرقي، بين الولايات المتحدة (لوس انجلوس) وبين جمهورية مصر العربية (القاهرة – الأقصر – أسوان- الاسماعيلية- السويس)، حيث قامت الكاتبة (وفاء ابراهيم عرار) الدمشقية المتزوجة من مصري والمقيمة في أمريكا، بتسجيل مشاهداتها الديموغرافية بشكل عيني عن طريق عدسات التصوير بصور مختلفة، وتسجيل حرفي بقلمها الذي يقع بين التقريرية والأدبية.

فإذن هذا العمل جنسه أدب رحلة في إطار مشاهدات ديمغرافية .

- السيرة الذاتية للكاتبة:

وفاء ابراهيم عرار الملقبة ب وفاء لطفي في أميركا، كاتبة مصرية من أصل سوري، درست في جامعة دمشق في كلية الحقوق، تخرجت من جامعة اللونج يتش بكاليفورنيا كاخصائية أطفال في علوم الطفل، ومقيمة في كاليفورنيا، مارست التدريس في المدارس الأمريكية والعربية في الولايات المتحدة الأمريكية، متفرغة للكتابة والترحال حاليًّا. 

- الاستراتيجية:

أرادت الكاتبة في مشاهداتها الديمغرافية هذه أن تحقق هدفًا مقارنًا بين محل سكنها الأمريكي ومحل منطلقها العربي، فكانت عيونها كاميرا تلتقط لكل مشهد صورتين مقارنتين ومختلفتين في البيئة والمنحدر الديموغرافي، وهذه الحالة- أقصد الديموغرافية- تميّز أدب الرحلات عن بقية أجناس أدب الروي(الرواية والقصة القصيرة والنوفيللا).

فهي تعقد هذه المقارنات بالسلب والإيجاب منذ أن وطئت أقدامها أرض مصر، والبداية من مطار القاهرة الدولي، من غياب أول صدقة من صدقات الترحيب عن وجوه موظفي الاستقبال المصريين، الابتسامة التي لا يمكن أن تغيب عن وجوه موظفي الاستقبال في موطنها الأمريكي، مع ذكرها للسبب البارادوكسي(المعاناة – الرفاهية)، وكأنها تكتب مقالة عن اختلاف السلوكين العربي والغربي، تقول:

"مررنا بحواجز التفتيش على جوازات السفر، وفوجئنا بأن الابتسامة غابت من وجوه الموظفين من كثرة المسؤوليات والمعاناة التي يعيشها هذا الشعب، ومن كثرة التحديات التي تواجهها البلاد.. تحدثت إلى أحد الضباط، فروى لي كيف أنه نُقل إلى المطار بعد أن دمّر الإرهابيون عربته الخاصة، وكيف خرج منها سليمًا.. فقلت في نفسي كم نحن في المهجر مرفهين." 

- الموضوع: الديموغرافية:

في المشاهد الديموغرافية في أدب الرحلات، يجب أن يلبس الكاتب هذا النوع من الأدب السردي بثوب علمي يشمل الجغرافية والاجتماع والتاريخ والعمارة والهندسة وما شابه من العلوم الأخرى، يذكرها الكاتب بشكل حقائق علمية، وبمقارنة ديموغرافية بين البيئات المختلفة، مُقِرًّا بوجودها واقعيًّا وبأسلوب أدبي، وتلك محاولة صعبة لا يستطيعها إلا من أتقن الأسلوب الأدبي بعمقه الخيالي وبمباشرته التقريرية، لذلك أجد أن الكاتبة قد جاهدت كثيرًا في ترسيخ تلك الحقيقة المزدوجة بالمزج بين الإخبار والعمق الأدبي بشكل عفوي ينمّ عن موهبة عفوية لبلوغ التشويق بمقبولية مناسبة.

ولكن كاتبتنا في موضوعها هذا لم تمس جانب الرحلة الأدبي ببنائيه الفني والجمالي، حيث سلكت سلوكًا مغايرًا، سطّحت كتاباتها بشكل مذكرات عن مشاهداتها اليومية في تلك الرحلة، وسجلتها بعدسة الكاميرا والمعلوماتية وسنذكر بعض تلك المشاهدات بالتفصيل، ولا أدلّ على ما ذكرته آنفًا من قولها في بداية هذا العمل العبارات التالية:

" كان ذهابي إليها- مصر- لأتعرف على الناس في كل أنحائها، وأعيش معهم، ولأروي ما شاهدته عيناي، ولأحوّل ما أراه من صور- جميلة كانت أم قاسية في بعض الأحيان- إلى شريط ذكريات ينبع من عبق الماضي الجميل، لأنسج منه حكايات رأتها عيناي في كل مكان وطأته قدماي."

  - المستوى البصري: 

العتبة الأولى - الغلاف:

الغلاف الأمامي: صورة فوتوغرافية للأهرامات، وعنوان العمل (الملتقى) بالبنط العريض، وتحته اسم الكاتبة (وفاء إبراهيم عرار) وتحت الإسم تجنيس العمل (أدب رحلات) وسنة الإصدار (2015).

الغلاف الخلفي: صورة لمعبد فيله في جزيرة أجيليكا في أسوان. مع فقرة تلخص وتصف فحوى الكتاب، أقتص منها ما يلي:

" هذا الكتاب يروي كيف أن جذورنا تأخذنا إلى البعيد، إلى أبعد الذكريات، لنعانق الأرض...

وكيف أن حبنا للأرض يحملنا من غربتنا إلى الوطن لأنه مرسوم فينا، في أغانينا حتى لو تبنينا لغة أخرى، وواقعًا آخر، فالحنين يرمينا ويحملنا على العودة إلى الأم والرض التي تركناها لنروي كل الحكايات القديمة والحديثة، من هنا، من أمريكا."

العتبة الثانية- هي العنوان:

(الملتقى): ويعود إلى عنوان المؤتمر (مؤتمر الملتقى الرابع للشباب المصريين المغتربين) الذي دُعيَت إليه الكاتبة مع ابنتها ضمن الوفد الأمريكي وبمشاركة من قبل وزارة الشباب والرياضة المصرية في والمنعقد في الفترة من 22 ديسمبر 2014 وحتى 2 يناير 2015، حيث تجولت الوفود الشبابية -الآتية من مختلف الدول الغربية- في القاهرة والأقصر وأسوان والاسماعيلية والسويس، ومن خلال تلك الرحلة سجلت الكاتبة مشاهداتها الديموغرافية، فكانت الحصيلة هذا العمل.

يقع العمل في حوالي 122 صفحة من القطع الصغير، حافل بالصور الفوتوغرافية من مشاهدات اجتماعية وطبيعية وعمرانية وتاريخية حضارية للأمكنة المذكورة. 

الإهداء: بسيط، خاص وعام:

 الإهداء

إلى جميع المصريين المغتربين ..

إلى كل من جاء إلى الملتقى ..

إلى جميع العاملين على نجاح هذا الملتقى..

إلى الشعب المصري الأبي

 والاستهلال:

 كان تلخيصًا لهدف الكتابة، وتحديدًا للباعث والمحفز الذي كان الاستجابة له كتابة هذا العمل، تقول فيه:

" أردت أن أكتب عن مصر التي أعرفها، فوجدت أن مصر أكبر مما كنت أتصورها، وأني أجهلها.

قبل أن أبدأ الرحلة كنت منشغلة في فكرة السفر لأجتمع مع كل المصريين المغتربين القادمين من جميع أنحاء العالم، لنتعارف على بعضنا البعض، ولنوضح للعالم بأن مصر أأمن مكان يمكن أن يعيش عليه إنسان."

حوى الكتاب على عدد كبير من الصور الفوتوغرافية (حوالي 67 صورة) تنوعت بين صور اجتماعية، وطبيعية، وعمرانية، وتاريخية حضارية، وصور شخصية للكاتبة مع شخصيات سياسية وثقافية التقت بهم في رحلتها هذه، وصور لشباب الملتقى في أمكنة ومعالم أثرية، وكانت هناك بعض الصور المأخوذة من محرك البحث غوغل لأماكن تم منع الكاتبة زمن معها من التصوير فيها، مثل المعبد عزرا اليهودي في مصر القديمة. وكذلك مقبرة رمسيس الثالث والتي استعاضت الكاتبة عن تصويرها مباشرة بالصور التي كانت تباع على شكل موسوعة في محلات لبيع الآثار المصنعة للسائحين، وأرفقت الكاتبة مع هذه الصور الفوتوغرافية شروحات أدبية، وشروحات معلوماتية، ويعتبر ذلك تكنيك خاص بتلك الكاتبة التي استطاعت التفرّد بابتكار هذا الأسلوب التواصلي مستفيدة من منتوجات التكنولوجية الحديثة، حيث اختلفت مشاهدات الكاتبة عن المشاهدات الكلاسيكية التقريرية، بوجود آلة التصوير، وموسوعة غوغل المعلوماتية.

تحدّثت الكاتبة عن رحلتها التي استغرقت حوالي أسبوعين، بكل أحداثها اليومية ومشاهداتها وانطباعاتها، ثم وجهت رسائل شكر إلى أشخاص بأسمائهم وأوصافهم، ولم تغفل عن ذكر الصعوبات التي واجهتها لاستخراج رقمها القومي، ثم أنهت كتابها بجملة من المدركات والنتائج الواعية التي أوصلتها إليها هذه الرحلة العجيبة التي استولت على لبّها فأبهرته، وعلى عقلها فملأته حكمة وعلمًا ويقينًا، تقول:

" تتعود عيناي كل هذا الصخب ولكن الأماكن في مصر الحبيبة تشدني وتبهرني لشعوري بأن هناك حياة فيها دفء وحب، وتارة فيها قسوة من الفقر.. لكن المدن في جميع أنحاء العالم مليئة بالناس من كل الأجناس فمنهم الفقير ومنهم الغني ومنهم المتوسط الحال، والقاهرة عينها لا تنام كما في لوس أنجلوس، بل تبقى عينها ساهرة على ضفاف النيل، وفي كل مكان.. وأنا ما زلت أعتبر مصر هي أأمن مكان يمكن أن يعيش عليه الإنسان...

وتحيا مصر".  

- التكنيك:

قلنا أن الكاتبة ابتكرت تكنيكًا خاصًا بها، وهو إحلال الصورة الفوتوغرافية في مشاهداتها الديموغرافية لتكون بديلًا للوصف الجغرافي في أدب الرحلة الكلاسيكي، وأرفقتها بشروحات أدبية تارة، ومعلوماتية تارة أخرى، تثبيتًا لحقائق علمية ديموغرافية، وبذلك قامت الكاتبة بتسجيل مشاهداتها الديموغرافية بشكل مرئي عن طريق صور عدسات التصوير، وتسجيل حرفي بعدسات القلم، محاولة منها كتجربة عصرية بإدخال الصورة الفوتوغرافية كبينيّة مع الصورة المكتوبة، وسنأخذ بعضًا من تلك الصور بالحالتين لنعيش معها رحلتها:

اخترت أربع صور عن بينيّة هذا التكنيك:

1- مشاهدات طبيعية: 

استطاعت صورة نهر النيل في القاهرة التي التقطتها من الطائرة أن تثير فيها جملة من المشاعر سكبتها على بياض الصفحة السابقة لصفحة الصورة، بجمل تقترب إلى الأدبية أكثر من التقريرية:

"... حلقت الطائرة فوق مدينة القاهرة بشمسها الدافئة المشعة على أراضيها الخصبة الخضراء، وصحرائها الذهبية الملساء، عندئذٍ أدركت بأنني في بلد النيل والأهرامات، زمن تقتُ إلى لقياه.. زمن غير الزمن الذي تعودته عيناي، فيه غبار وتراب السنين المترامية فوق المباني القديمة والشوارع المكسوة بالإسفلت..

كنت أشعر وأنا أنظر من الطائرة بأن النيل عظيم وكبير أكبر مما كنت أتصوره، وكذلك المباني المحيطة على جانبيه التي تكاد تزيده جمالًا وعظمة. كنت أعتقد بأن رائحة الماضي تصل إليّ وأنا من على متن الطائرة."

 2- مشاهدات اجتماعية:

حينما وجّهت الكاتبة عدستها باتجاه المستوى الاجتماعي تألّمت، وقارنت ديموغرافيّا بين بلديها، مصر وأمريكا، فكانت مثقلة بتعاسة الواقع الاجتماعي المصري المسكون بالفقر والجهل والمرض، تنشرالصورة التالية وتمدّها بشروحات واقعية تقريرية بإرهاصات لإنسان عربي مخلص لجلدته، ولم تسلخها الغربة مهما تعمّقت فيها، تقول:

" رأيت بيوتًا ومباني غير مكتملة مسكونة من زحمة الناس، كان كل منها يروي حكاية ومعاناة.. الجوع والفقر والجهل.. تلك أكبر مشاكل مصر.

رأيت الغسيل على أسطح المباني أو متدلي من الشرفات، والشوارع تضج بكثرة الأصوات والأغاني المدرجة في أكثر المحلات .. والباعة المتجولون منتشرون في كل مكان فلا يوجد رصيف ليمشي عليه إنسان، فتارة تعلوه السيارات المصطفة، وتارة أخرى حفر وانكسارات في طوب الأرض، أو بائع متجول احتل المكان وفرش بضاعته على الأرض".

3- مشاهدات عمرانية:

وهي من المشاهدات التي لاقت عند الكاتبة إعجابًا شديدًا، وإن كان لها عليها بعض الملاحظات الطفيفة، أبهرتها دقة وسرعة إنجاز هذه المباني التي اختلط فيها الحديث بالقديم تحت مظلة العراقة والفخامة، ودقة البناء وسرعة الإنجاز، تقول:

" كما رأيت مباني عريقة وفخمة تتسم بالفن المعماري الحديث في شوارع متسعة وأحياء نظيفة، وكذلك أبنية قديمة مزركشة لها طابع أثري وفني قديم، فقط تحتاج إلى تحديث، تجمع الحاضر والماضي الجميل.

كما لفت نظري في القاهرة عظمة بناء المنشآت والفنادق المخصصة مثل دار المشاة ودار المدفعية ودار المدرعات ودار الدفاع الجوي، فجميع هذه الدور فنادق رائعة في أصول البناء والفخامة من حيث الإنجاز.  

4- مشاهدات تاريخية وحضارية:

عند الحديث عن المشاهدات التاريخية والحضارية استخدمت المعلوماتية التاريخية، مع الشروحات التقريرية، هذا ما أرفقته مع صورة وادي الملوك في مدينة طيبة القديمة (الأقصر):

" .... يقع وادي الملوك في مدينة طيبة القديمة على الضفة الغربية لمدينة الأقصر. وهو عبارة عن مقبرة قديمة فيها مقابر الأشراف، وهي أكثر من 411 مقبرة محفورة في الصخر. دخلنا ممرات ودهاليز طويلة وسلالم مرفوعة عى أعمدة داخل الغرف، وعلى الجدران رسومات وزخارف وصور بأجمل الألوان نقشت بأيدي الفراعنة تحكي حكاياتهم اليومية، وقد عثر على 62 مقبرة وعشرون هوة ولم يتنهِ العمل بها، سبع منها في وادي الملوك الغربي الكبير، وبقيتها في وادي الملوك الشرقي، كما تم اكتشاف مقابر لأولاد الفراعنة...."

- التجربة الإبداعية للكاتبة:

هل هي تجربة متكاملة، أم مختلطة، أم ناقصة؟

هي ليست تجربة متكاملة لأنه لا يوجد فيها بناء فني، لكنها تجربة عصرية لم يمسها أحد من قبل، تفردت فيها الكاتبة بالجمع بين عين العدسة والعين البشرية ةعين القلم لتكوين صورة واحدة تشرح إرهاصات الكاتبة الإنسانية.

 عندما نقول عن نص سردي أنه أدب يجب أن يكون متصفًا بصفات الأدب، وأولها:

1- أن يكون جنسًا أدبيًّا، كأن يكون قصًّا أو رويًا أو مقالًا، لأن الأجناس الأدبية تحمل صفة الأدب

2- والمنجز الأدبي يحتوي على عناصر الجنس الأدبي وهي:

- البناء الفني: الذي يحوي الزمكانية والصراع الدرامي والعقدة والانفرج والنهاية إذا كان رويًا أو قصًّا وبجميع أشكاله، سواء أكان أدبَا روائيًّا أو أدب رحلة .

لم يتواجد من هذا البناء في هذا العمل إلا الزمكانية، فهو عمل مسطّح يقع بين المقال والمذكرات، لكنه يجرنا نحو أدب الرحلة بشكله الزمكاني العام، وتكوينه الداخلي، لذلك تبنى الديموغرافية كخيمة يتقي بها الانزلاق الكامل نحو التقريرية.

 - والبناء الجمالي: وعناصره هي:

السرد، والأسلوب، الشخصيات، الحوار، والجمال اللغوي وعلم الجمال

3- الأسلوب: يجب أن يحمل العمق الأدبي (السيمانتيك والبراغماتيك)

كما أنها ليست ناقصة، هي تجربة مختلطة بين التقرير والعمق الأدبي، حيث عملت الكاتبة بين حالتين، بين الأدب والتقرير، ولو مالت نحو التقرير كما فعل ابن بطوطة لأصبحت جغرافية، لكنها مزجت بين الأدب والتاريخ والجغرافية والعلوم البشرية بأسلوب أدبي، لإقرار الحركة التبادلية للأدب مع العلوم المحيطة به، بذريعة أن كل العلوم تُكتب بالأدب كوسيط لغوي لها، وتلك العلوم تحيط بالأدب بشكل تبادلي، استطاعت أن تمزج بين الكلاسيك التقريري والديموغرافية الحديثة بأسلوب أدبي حديث، وهذه نقطة تحسب لها، هي وقفت في منتصف الديموغرافية الأدبية، قدمت من بلد تقيم فيه، ونزلت في بلد تنتمي إليه، أي قسمت بين مساحتين، عليها أن تجد العلاقات الإنسانية والعمرانية والجغرافية والتاريخية والجمالية بينهما، وهذا عمل معقد يجب أن يحمل صاحبه عيونًا كعدسة الكاميرا ليعطي صورًا مختلفة أو متقاربة، ليضع نفسه كمحور مشترك بين بيئتين، البيئة المصرية والبيئة الأمريكية، وأن يظهر درجة انبهاره في أيهما. وقد نجحت الكاتبة -إلى حدّ ما- في ذلك.

- الجانب الأخلاقي:

كانت مفردات الكاتبة وألفاظها مهذبة تنتمي إلى الخلق العربي أكثر منها للأخلاق الغربية، لم تذم عرقًا، أو تتدخل في صراع ديني أو مذهبي أو طائفية، فكانت درجة الأخلاق في نصها عالية في مقياس المنظومة الأخلاقية الإنسانية العالمية.

- الخاتمة:

 بعد سفري الطويل في هذه المشاهدات السينيمية، أجدني وضعت رأيي الذرائعي في كل صغيرة وكبيرة من هذا الموضوع البيني الذي يجمع بين العلم والأدب، على قدر مبلغي من العلم، لذا أقدم اعتذاري عن أي هنّة أوغفلة أو هفوة بدرت مني، التقصير مني والكمال لله وحده، وتحية احترام وتقدير وثناء على جهد الكاتبة وفاء ابراهيم عرار في إنجاز هذا الكتاب.

 

الناقدة الذرائعية د. عبيرخالد يحيي

..........................

 [1] مقدمة في علم السكان وتطبيقاته- ماجد عثمان- موقع واي باك مشين

 

فالح الحجيةإن المتعة الجمالية هي الوسيلة الشعرية في الوصول إلى الغاية، فالجمال وسيلة الشعر إلى غاية الجمال (فهو إحدى وسائل غرس الجمال في الوجود ويعد من وسائل غرس الجمال الكبرى الصورة الشعرية).

فالشعر على العموم يتمثل في كلمة جميلة تنمو ضمن مفاصل الحياة ومن خلالها فتسجل اسمى معالمها و اعمق بواطنها كحلم جميل تسعد اليه النفس وتسمو اليه الروح حتى في حالة شقائها فهو معرفة انسانية مستلهمة تحمل معطيات الرؤية الخارقة و الاحساس النابع من القلب فهو المصدر الوحيد لمعرفة الاشياء، وقد يكون تعبيراً عن العلاقات الصوتية بين الحروف التي تخلفها اللغة لو تركت لذاتها ليبين الحد العيني والتجرد المادي والمثالي وبين المجالات المختلفة للحواس. او بمعنى اخر الشعر هو الإيحاء بصور مثالية تتصاعد إلى الإعلى محلقة باجنحة شعرية منبثقة من روحية الشاعر وعاطفته المنبعثة من اعماقه وممتزجة بخوالجه متدفقة منها مشحونة بها لتبحر قصائد عبر مسارات النفس الشاعرة فتغدق عليها نبعا متدفقا وفيضا غامرا وحدسا راقيا ليشكل معينا لا ينضب والهاما جميلا وحالة فنية وانسانية بما يحقق توازنا شاملا بين سعة الحياة وقدرات صاغتها بجمالية مفرطة ولفظة راقية. يقول الشاعر لاحظ ذلك في قصيدة الشاعر ضياء صكر:

يا قُدْسُ لا تصرخي، فالنُطْق مُستلَبُ

الشّمسُ تبكي دَماً والعُرْبُ قد شجبوا

 

لا تأمـني زمَـــناً والخــــونُ مؤتمـَــــنٌ

عكّـا" وما بعـدهـا، مَنْ خانَ هُمْ عَرَبُ

 

همُ الرعــاعُ إذا الفحشـــــاءُ تجمعُهــــم

مِنْ فــرطِ خُـبْثٍ بهـــم، واللهِ قــدْ ذؤبوا

 

يا قُدْسُ قــدْ أزفَ الخـــــــذلانُ ذروتَهُ

في أمّةٍ، صَهْرُها، في العَهْرِ مُغتصِبُ

 

باعـــوكِ رَهْطٌ مِنَ الإســــلامِ، أرْذلُهم

وليسَ مِنْ مريمَ العـَــــذراءَ هم نُسـبوا

 

لا ترتجي الخيرَ والعــوراتُ ناشـــزةٌ

هيهـاتَ ينفعُهمْ، في صــومِهم، رَجَـبُ

 

فمَـنْ أعـــاتبُ والعِمّــــاتُ نعـــبدُهـا ؟

أمضى علينــا مِنَ الآيــاتِ، أحتســـبُ

 

ومَنْ ألومُ إذا القــــــــوّادُ يحــــكُمنا ؟

مِنْ آلِ لوطٍ وذاكَ الحُكـْـــمُ منتَخَـــبُ

 

كيفَ الكرامـةُ والإذلالُ ينخـــــرُهــــا

وكيفَ إنْ نَـزِقٌ مِــــنْ طيشــِـهِ يَثِبُ ؟

 

فمَــنْ يكفكفُ دمــعَ الضفتيـنِ كمَـن

يأتي ليلجـــمَ بحــراً موجُـــهُ لَجِــبُ

 

صـلّي لوحـــدكِ فالأعـــــرابُ لاهيـةٌ

حُضنُ النّسـَاءِ لهم في الشّرعِ مكتسَبُ

فالشعرإصل الجمال يستلهمه الشاعر في شعره في حالة فنية وانسانية راقية من خلال نظرته الحساسة في سبر اغوار نفسيته الشاعرة المرهفة لتنمو في مفاصل الحياة و لتسجل اعمق بواطنها واعلى شواّفيها فتجتمع في بوتقة تسعد اليها الانفس وتسمو اليها الارواح ووتهفو اليه الافئدة ممتزجة بأقوى عناصر الجمال الشعري والشعوري المنبعث في الموسيقى الكلامية المنبثقة بامكانية الشاعر في الايتاء بها من خلال تمازج و تزاوج الحروف اللغوية مع بعضها لتعطي نمطا او نسقا موسيقيا معينا تبعا لأمكانية الشاعرية الفذة ومقدرتها على الخلق والابداع بطريق السمو بالروح نحو مسارات ذات نغمات تنبثق عن مشاعرها وعواطفها وامكانيتها لتسجيل الإيحاء النفسي والفكري وللتعبير البلاغي واللغوي بما يعجز عنه الاخرون. تقول الشاعرة المغربية لطيفة تقني:

يا طائِراً في السَّما هَيَّجْتَ أَشْجاني

حَرَّكْتَ شَوْقي لِمَنْ غابوا بِمَيْداني

 

قَدْ صارَ حُبّي لَهُمْ كَالدّاءِ يُرْديني

صَرْعى أُداري حَنيناً زادَ أَحْزاني

 

يَسْري بِذا الْقَلْبِ آهٍ مِنْ مَواويلي

لَيْتَ الْمَواويلَ تِرْياقٌ لِشَرْياني !

 

هَلْ مِنْ طَبيبٍ يُداويني بِلا قَوْلٍ

إِنّي مِنَ الدّاءِ لا أُشْفى بِأَحْضانٍ ؟

 

هَلّا تَرَكْتُمْ عِتاباً لا يُواسيني

أَسْلَمْتُ أَمْري لِرِبّي سَوْفَ يَرْعاني

 

يا طائِرَ الْحُبِّ خُذْ مِنّي مُصافاةً

أَذْكَرْتَني مَنْ حَمَوْا بِالصِّدْقِ وِجْداني

 

إِنّي تَذَكَرْتُ وَالذِّكْرى غَدَتْ حِبْراً

يَحْكي لَيالي مَضَتْ قَهْراً بِنيسانٍ

 

يَحْكي رَماداً مِنَ الْأَشْلاءِ في قانا

مِنْ مَجْزَراتٍ تَرامَتْ فَوْقَ لُبْنانٍ

 

يا لَيْتَ شِعْري هَلِ الْأَحْزانُ تَهْواني

هَلْ مِنْ قَوافي تُواسي حُزْنَ أَغْصانٍ ؟

 

هَذي طيورُ السّنونو فَوْقَ أَشْجارٍ

تَبْكي ضَياعاً لِأَعْشاشٍ بِأَفْنانٍ

 

تَبْكي لِأََشْجارِ جَوْزٍ ماغَدَتْ جَوْزاً

قَدْ دَمَّرْها أَيادٍ مِلْءُ و بُهْتان

 

صارَتْ رِياضُ السُّرورِ الْمُنْقَضى حُزْناً

كَمْ قاوَمَتْ ظُلْمَهُمْ ظَمْآى لِإيمانٍ !

 

كَمْ ساءَلَتْ لَيْلَها عَنْ عِزَّةٍ غابَتْ

مِنْ دَيْدّبانٍ حَمى قَوْماً بِأَثْمانٍ

 

يا طائِرَ الشَّوْقِ حَلِّقْ فَوْقَ شُطْآني

غَرِّدْ تَغاريدَ سِلْمٍ تُحْيِ أَوْطاني

 

يا عالَمَ الْخَيْرِ هَلْ مِنْكُمْ مُواساةً

إِنّا بِرَغْمِ الشَّجا صَبْرٌ وَصَبْرانِ

والوزن سمة قاهرة من سمات الشعر، ولئن لم يركز الرومانسيون والرمزيون على البعد الإيقاعي الصوتي بصورة خاصة، فإن المتأثرين بالمدارس اللسانية الحديثة يتفقون ان العنصر الإيقاعي الدال الأكبر والعنصر الاظهر من مكونات الشعر، فالنص الشعري حقيقة هو نوع من الأوزان تتولد من قاعدة اتحاد وانسجام بين مختلف مستوياته وخاصة بين حروف اللغة وابراز ذات الصوت المتشكل من الحرف اللغوي واتصاله باخر وفقا لامكانية الشاعر ومقدرته على الاتيان بالافضل ويشكل العروض الجانب الأبرز في الشعرية، الا ان القصيدة المعاصرة واقصد قصيدة الشعر الحر ,التزمت عن بعد بحور الشعر الصافية مع ايغالها المفرط في الزحافات عند اغلب شعرائها اوقصيدة النثر الرافضة لكل المفاهيم الشعرية القديمة والثائرة على كل الاوضاع الموروثة سائرة في خط الحاضر اوالمستقبل .

والشعر على العموم بجماليته وقوته وطموحه وأحلامه، يبقى بماهيته شكلا ومضمونا ومنابعه الصافية محيراً للعقول ويظل جمال ماهيته شيئاً مثيراً جاذباً للنفوس وعواطفها معبرا عن خوالجها يكتسب جماليته من وظيفته الإيحائية الغامضة فنياً . صائغا ماهيته من انبثاق عالم مكبوت في داخل هذا الشاعر الثائر وعلى هذا انبثقت جمالية هذا الفن من روحية عالية ونفسية شاعرة ملهمة .

*

ولعل وقائع الاحداث التي رافقت هذا العصر ربما أسهمت في كثير من الاحيان في اختلال بعض القيم والمعايير الإنسانية ،و كانت السبب المباشرالذي دفع بالشاعرالمعاصرالاهتمام بالمعطيات الموضوعية والفنية لهذه الأسطورة ليهرب من واقعه المرير إلى عوالم اخرى قد تسودها المثالية ويحلق فيه الخيال الجانح نحو الارتقاء والتمكن ،فيبني الشاعر عالمه الخاص به والذي يملأ عليه فراغات من ذاته المكبوتة. وقد طفق الشاعر المعاصر ، نتيجة لهذه المتغيرات السياسية والأحداث المأساوية التي شهدها العصر الحديث يتلمس او يتفهم المقومات القادرة على الإفصاح عن رؤيته الإنسانية الشاملة إلى أبناء وطنه او انسانيته وقد تكون هذه الأسطورة او تلك خير وسيلة للتعبير عن النوازع النفسية اوالحوافز الداخلية عنده او تعبر عن نفسية الاخرين . ربما جاءت لتعبر عن تجسيد للتوق الإنساني الشديد وشكله الخيالي المناسب لهذا التعبير لاحظ قول الشاعر علاء الاديب :

هذا العراق مصاعب وســـــوادُ..

.هُدِم البنــــــاء وشُــــرّدَ الأولادُ

 

فلمن نعايد والمصـــــائب جمّة .

.والمفسدون بأرضنا أســـــيادُ

 

ماعاد في بلدي الحزين سوى الردى

..حزنت على أولادها بغـــــــــدادُ

 

لاعيد بعد اليوم يُفرِح أهلنـــــــا .

مادام يرتع بيننــــــا الأوغـــــــادُ

لذلك أصبحت الفكرة او الاسطورة من أهم احداث القصيدة الحديثة التي عبأ الشاعر فيها هواجسه وارؤاه وأفكاره و تجربته الشعرية بدءا من مستواها الذاتي إلى المستوى الارقى لتمثل بوا سطتها الواقع الإنساني في هذا العصر بصورة عامة.

تقول الشاعرة ميسون الارياني من اليمن:

كانت جدتي عندما تغني

تخبئ صوتها في علبة البخور

مشتعلا

لجداول الورد القادمة

غارقة في مراة الإنتظار

لحبيبها السريع

في الركض

للنجمة الهائمة بين عينيه

ليتها أنجبت الحب

خفيه عن الزمن

وذرفت أصابعها على قلبه البض

لأضاء صدرها

بمصباحين

للشجن

والنشوة

بينما ينغلق صندوق الشمس

وتنصت الأهلة

ومن خلال دواوين الشعراء وخاصة المعاصرين منهم نجد فيها او نرصد فيها أنماطا متعددة من الرموز والأساطير التاريخية على مر العصور ، فقد أولى عدد منهم اهتماما واضحا بالأساطير البابلية والآشورية والسومرية او الفرعونية او الامازيغية التي قد ترتبط بأحداث تميزت بالقدرة على إظهار إحداث العجائب والخوارق، واوجدت شكلية جديدة للشعر المعاصر وعاملا مهما من عوامل التحفيز والإثارة وتجسدت بشكل حيوي في أنشطة هذا الإنسان منذ القدم في الوقت الحاضر او بمعنى اخر غيرت اسطوريته الى واقع حاضر ليستلهم منها كل جديد.

وتعد الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه الشاعر المعاصر خلاصة افكاره وجديد عواطفه ونزعاته، وان هذه الأساطير تمثل ما تبلور في أذهان الانسان القديم في العراق اومصر اواليونان والرومان اوالفرس وغيرهم من الاقوام القديمة ذات التاريخ العتيد والثقافة الرفيعة من قصص وحكايات أسطورية فعبرالشاعر في تصويره الشعري لخلق عالم جديد ،ولوجود هذا الإنسان على الأرض ،ومصيره المجهول وما يحيط به من مظاهر الكون الطبيعية وتساؤلات واسعة او ربما تكون في بعض الاحيان غامضة يتكهن الاجابة عليها وربما تفلت منه فتبقى سرا سرمديا قديما وحديثا .

 

اميرالبيـــــان العربي

د.فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى - بلــــــــــد روز

.........................

* راجع كتابي (دراسات في الشعرالمعاصر وقصيدة النثر) 2017 عمان الاردن

 

جمعة عبد اللهالقصيدة التي تمجد بطولات شعب ومآثره الوطنية، هي جديرة بالثناء والتقدير، وجزء من الواجب الوطني، ان يوظف الشاعر في دعم شعبه ووطنه نحو الرقي والتحرر. والخلاص من افاعي الظلم والطغيان. فأن الكلمة الثورية تزخ دماء جديدة في شرايين التحدي والثبات على المواقف الوطنية، التي تعتبر مسألة اساسية في حياة الشعوب نحو الحرية، بعزيمة المواصلة في طريق الثورة بالتضحيات الجسيمة. حتى تحقيق الانتصار على عش الفساد والظلم والحرمان. وكشف وتعرية السلطة التي تسبح في المياه العكرة والعفنة. والشباب العراقي اليوم يصنعون تاريخاً جديداً للعراق، في أبجدية وطنية ناصعة ونقية، يكتبون تاريخ الشعب بحروفهم الكفاحية. بذلك يحق لهم ان يكونوا بحق مفخرة الشعب المناضل والمكافح. وهم يحققون حلم كل عراقي شريف واصيل ينتمي الى الوطن. في وطن يعيش ابنائه في عزة وكرامة واستقرار، دون بؤس وشقاء وحرمان ومعاناة. من هذا المنطلق تفجرت الثورة بعد المخاض العسير من الشدة والضيق والعسر، وتراكمت الازمات والمشاكل. وتأتي الثورة كحدث تأريخي عراقي، يدخل من الابواب العريضة، لتغير مجرى الحياة السياسية والحياتية، بالنهر الوطني المتدفق بالملايين الحشود نحو الساحات وميادين النضال، التي هدرت بحناجرها المدوية في كل زاوية من العراق، بالانفجار الكبير بالثورة الشعبية، على الفساد والظلم والاستغلال، على اباحة وطن لكل من هب ودب. هذه الثورة التي جاءت نتيجة، مثل ما يقول الكاتب (فيكتور هيجو) عن انفجار الثورة (حين يعيق مجرى الدم في الشريان تكون السكتة،وحين يعيق مجرى الماء في النهر يكون الفيضان، ومن يعيق مستقبل شعب تكون الثورة) فكانت الثورة الحدث الاكبر والابرز في العراق . لا تقل اهمية عن الثورات والاحداث العالمية، التي غيرت مجرى التاريخ في احداثها العاصفة، في سبيل الحرية والكرامة والخبز. وتمزيق انظمة الظلم والطغيان والاستغلال، في سبيل تحقيق الغد الجميل دون معاناة وقهر واستلاب. هكذا تفجرت هذه الثورات والاحداث العالمية، في نهوض شعبي عارم وكاسح. وهكذا كان موقف الشرفاء للوطن، بتجنيد طاقتهم الابداعية سرداً وشعراً. في التوثيق التاريخي لهذه الاحداث العاصفة، في تسجيل وتدوين احداثها اليومية، بالمتابعة والرصد بعدسة التدوين . مثل ماحدث في الثورة الفرنسية، التي غيرت وجه فرنسا. فكان الكتاب الكبار دورهم المهم والبارز، في تجسيد احداث الثورة في اعمالهم الرواية والشعرية. مثل روايات الكاتب (فيكتور هيجو) في الكثير من اعماله الروائية ومنها روايات (البؤساء. أحدب نوتردام. عمال البحر). وكذلك في روايات الكاتب (بلزاك) في الكثير من رواياته ومنها (يوجيني غراندي. الاب غوريو. خوري القرية) وكذلك روايات (الكسندر دوماس) ومن رواياته رواية (الثورة الحمراء في سجن باستيل) وكذلك في روايات (اميلا زولا) والروائي (ستاندال) صاحب الرواية الشهيرة (الاحمر والاسود) وكتاب اخرين وثقوا احداث الثورة الفرنسية من عام 1773 الى عام 1793. وكذلك رائعة (جون ريد) في تسجيل ايام قيام الثور الروسية، في رائعته الشهيرة (عشرة ايام هزت العالم). وكذلك الشعراء الكبار الذين وقفوا مع شعوبهم المكافحة، ومنهم الشاعر (بابلو نيرودا) والشاعر (ناظم حكمت) والشاعر (يانس ريتسوس) و(الجواهري) وغيرهم، هذا الدافع الوطني والانساني، في المواقف الصلبة تجاه قضية الوطن والشعب، ونذكر قول الثائر (جيفارا) بصدد المواقف الكتاب (أن الحياة كلمة وموقف، الجبناء لا يكتبون التاريخ، التاريخ يكتبه من عشق الوطن وأحب الفقراء). وثورة المارد العراقي الجبار. ثورة تشرين، لا تختلف عن المعايير الثورات والاحداث العالمية. فهي قلبت المعادلة السياسية المتراكمة في الركود منذ 16 عاماً، ولم تنتج سوى تدوير النفايات السياسية والجرثيم في السلطة والحكم . اسقطت المفاهيم الظلامية ومنها الطائفية. وحدت مكونات العراقية على هوية عراقية واحدة. اسقطت الرعب والخوف، الذي كانت تفرضه المليشيات الاجرامية والبلطجية. تميزت بالصمود الخارق بالتحدي، رغم التضحيات الباهظة التي دفعتها في سبيل ذلك . وهم الآن يقتربون من تحقيق حلم الشرفاء وعشاق الوطن. في النهوض الكبير والكاسح بالملايين، في فرض ابجدية الشعب في الواقع السياسي، وكسر جبروت الطغاة والظالمين. حققوا مفخرة عراقية اصيلة، يسجلها التأريخ بفخر واعتزاز، في تحقيق معادلة للانسان العراقي، اما ان يكون حراً، أو لا يكون. هذه الصلابة الفولاذية، التي اجبرت على الخلع رئيس الوزراء من منصبه هو وطاقمه الحكومي، المشترك في جرائم القتل والعنف الدموي. وهي التي اسقطت ترشيحات الاحزاب الحاكمة، من الشخصيات التي تنتمي اسطبلهم الحزبي الفاسد في عفونته. لذلك احدثت الثورة الصدع الكبير لهم، وصارت الحدث الابرز في الحياة والواقع السياسي ودخلت كل بيت. ولهذا لابد للكتاب والشعراء ان يكون لهم موقف صريح في المساهمة، لا يمكن قبول الوقوف على الحياد. او مسك العصا من الوسط. الوطني الشريف في قلمه الحرهذا يومه الموعود ان يفجر طاقاته الابداعية، ان يقف بكل جوانحه قلباً وقالباً مع الثورة والثوار في طموحهم وتطلعاتهم، هي تطلعات الشعب والوطن، وان يرتقي الى مستوى احداث الثورة، ويسجل ويدون احداثها اليومية، لتكون وثائق تأريخية. والشاعر السماوي الكبير. في روحه ودمه وعروقه الوطنية في عشق الوطن والدفاع عنه، عبر انجازه الشعري العملاق في اعوامه الطويلة، برز كصوت للشعب والوطن. جسدها بشموخ وابداع خلاق متطور ومتجدد. في خدمة الوطن والثورة ورصد احداثها اليومية، و كشف عتبات الصراع العنيف والمرير بين جبهة الشعب، وجبهة السلطة والاحزابها الطائفية، الذين يريدون من الشعب، ان يكون كبش فداء لاغراضهم الخبيثة واللاوطنية في تدمير الوطن. فالشاعر السماوي يخلق في عدسته الشعرية، براعة متناهية في التصوير والوصف الحدث، او الاحداث الجارية، من عمق الحدث والصراع الدائر. من عمق الاحداث الملتهبة في درامية الفعل ودراماتيكية الاحداث العاصفة في يوميات الثورة . يعني لكل مقطع شعري له خلفية من عمق الحدث، من عمق المجابهة بين المتظاهرين واركان السلطة، التي تمثلت في القناص الملثم الغادر ليمارس هوية القتل بجنون وشهية . من العدسة التصويرية للدخان المسموم، الذي يغطي سحاب ساحات التظاهر، ولكن لا يمكن للقناص الملثم ان ينتصر على ارادة الشعب. لا يمكن للبلطجي المرتزق ان يسكت قلب الثورة النابضة في سكينه التي يغرزها في قلب المتظاهر السلمي. ولا يمكن للظلام ان ينتصر على النور. ولا يمكن للطبقة الحاكمة الفاسدة ان تقهر ارادة الشعب في مواصلة جلوسها على عرش السلطة . بهذا الشكل ترصد القصائد الشعرية، في متابعة يوميات ومفردات الثورة. في التعبير عن عمق الحدث شعرياً. لنأخذ بعض المقاطع الشعرية من يوميات ثورة تشرين.

لم تعد هذه النفايات الحاكمة تخلد الى النوم الوديع بأمانة ورخاء، فقد اصبحت بضاعة فاسدة وكاسدة. ولم يعد ديك قصر السلطان يدغدغ حلام السلطان وحاشيته، فقد تبدل الموقف بديك الثورة ليزعج السلطان في كل صباح، بأن عهدهم انتهى وولى، واصبحوا زائدين عن الحاجة كالزائدة الدودية، فقد انتهت صلاحيتهم، وجاءت صلاحية الشعب، الذي يلوح بفجر جديد

نعرف أنّ ضميرك منتهي الصلاحية..

فلماذا قواتك تطلق على رعيّتك قنابل منتهية الصلاحية ؟

الرعية تطالبك بقنابل طازجة

*

سـواءٌ أصـاحَ دِيـكُ الـقـصـرِ أمْ لـم يَـصِـحْ

فـالـفـجـرُ ســيـبـزغُ حـتـمـاً!

*

أنـتَ وحـاشِــيـتـكَ

أصـبـحـتـم زائـديـن عـن الـحـاجـةِ كـالـزائـدة الـدوديـة..

من مهازل النظام والسلطة الطائفية القرقوشية، في اعلامها اذا اصبح محل سخرية وهزل من جنجوليات اعلامه الرسمي. من الصحاف الجديد، الذي يذكرنا بالماضي البغيض، بأن تعود علينا مفردة (العلوج) ليس على الامريكان، وانما على المتظاهرين العراقيين السلميين، يطلب منهم نزع الكمامات، حتى يخنقوا بسهولة من الغازات السامة وتفرغ الساحات منهم، ولكنه لم يطلب نزع لثام القناص الملثم القاتل، الذي يصيد المتظاهرين كصيد الطيور. بهذه الصلافة الانتقامية الحاقدة في قتل المتظاهرين. ان المتظاهرين سينزعون الكمامات بعد رحيل الجراثيم والحثالات من السلطة وتسليمها الى الشعب

قـبـل أن تـطـلـب مـن الـمـتـظـاهـريـن خـلـعَ الـكـمّـامـات:

أُطـلـبْ مـن مـيـلـيـشـيـاتـك ومـرتـزقـتِـك أن يـخـلـعـوا لِــثـامـهــم أولاً..

الـمـتـظـاهـرون مـسـتـعـدون لـمـغـادرة سـاحـة الـتـحـريـر..

ولـكـنْ:

بـعـد أن تـغـادر أنـتَ وحـاشــيـتـك قـصـرَ الـخـلافـة!

هكذا يعود زمان الزور والتزوير في الاجرام، تحت جبة الدين كمجاهدين . في الماضي قتلوا الامام الحسين بأسم المحافظة على الخليفة والسلطان والدين والدولة الاموية، ويعودون مجاهدون الزور باسم الدين والمذهب هذه المرة، في القتل والاجرام واستباحة حياة الانسان بسهولة وايضاً بأسم الدين والمذهب . ولكن لا يمكن العودة الى الوراء، ان يظل سيف (يزيد) ان يمارس القتل والاجرام في عراق اليوم، انتهى دورهم وكشف عن عوراتهم وعليهم الرحيل، لانهم اصبحوا نفايات عفنة، ان تغادر قصر الخلافة.

قـبـل أن تـطـلـب مـن الـمـتـظـاهـريـن خـلـعَ الـكـمّـامـات:

أُطـلـبْ مـن مـيـلـيـشـيـاتـك ومـرتـزقـتِـك أن يـخـلـعـوا لِــثـامـهــم أولاً..

الـمـتـظـاهـرون مـسـتـعـدون لـمـغـادرة سـاحـة الـتـحـريـر..

ولـكـنْ:

بـعـد أن تـغـادر أنـتَ وحـاشــيـتـك قـصـرَ الـخـلافـة!

ليس من الشجاعة والحكمة، الوقوف على الحياد، ومسك العصا من الوسط، بذريعة الحياد والوطن يدمر والشباب في عمر الربيع يذبح ويقتل، يعني الحياد مساواة، بين القاتل والمقتول، وبين الجلاد والضحية، وبين الفاسد والشرف، وبين النذل والشجاع. هذه ليس من اخلاق العراقي الاصيل، الحر والشريف. ان يكون شاهداً زوراً، بين الذئب والغزال. ان الحياد يعني تواطئ مع المجرم والفاسد.

لـسـتُ مـع الـحِـيـادْ

*

حـيـن تـكـونُ الـحـربُ بـيـن الـنـورِ والـظـلامِ ..

بـيـن الـذئـبِ والـغـزالِ ..

أو بـيـن الـمـنـاضـلـيـن والـجـلاّدْ

*

لـسـتُ مـع الـحـيـادْ

فاجعة الناصرية (ذي قار) هذه المذبحة المروعة، التي ارتكبت غدراً وحقداً وظلماً. هي نتاج العهر السياسي الفاسد، ان يتطاولون على الشباب وهم نيام في ساعات الفجر الاولى، ليرتكبوا سبايكر جديدة، لمجزرة لشباب في عمر الزهور والربيع، خرجوا مطالبين بوطن، ولكن (هولاكو) الجلاد كان بالمرصاد لهم في انتقامه الوحشي، ستبقى هذه المذبحة الدموية، وصمة عار في جبين الاحزاب الشيعية. ولكن اين سيذهبون من الحساب العسير ؟، ولا يمكن ان تذهب دماء الشهداء الابرار هدراً وغدراً

أيـهـا الآتـونَ مـن مـسـتـنـقـعِ الـعُـهــرِ الـسـيـاسـيِّ

وكـهـفِ الـهـمـجــيَّــةْ:

*

قـبـلـكـم أســرفَ فـي الـقـتـلِ وفـي الـتـدمـيـرِ " هـولاكـو "

لِـيُـعْـلـي فـي الـفـراتـيـنِ عـروشَ الـوثـنـيَّـةْ

*

فـاشـربـوا نـخـبَ انـتـصـارِ الـنـذلِ فـي الـحـربِ..

ولـكـنْ:

سَــتـُزالـونَ وتـبـقـى " الـنـاصـريـَّـةْ "..

ان المجابهة اليومية في الصدام الثوار في ساحة التحرير والساحات الاخرى، في اقتناص المتظاهرين السلميين، الذين لا يحملو شيئاً، سوى العلم العراقي وحب الوطن. يحاولون بالتهديد والوعيد في انذارهم في افراغ المطعم التركي (جبل أحد) وإلا ستكون جولة عليهم النوائب بمجزرة دموية، ضد المتظاهرين المتواجدين في قلعة الثورة (جبل احد) ولكن صمود المتظاهرين بالتحدي الفولاذي يفشل مخططات المجزرة، وان المنازلة لو حدثت ستنقلب على القتلة والمجرمين. لان (جبل أحد) يمتلك سوراً قوياً من الشعب المتفض في جداره الحديدي.

سَــدِّدِ الـطـلـقـةَ نـحـوَ الـثـائِـرِ الأعـزلِ..

نـفِّـذْ أمـرَ مـولاكَ بِـدَكِّ "الـمـطـعـمِ الـتـركـيِّ "..

واسـتـأصِـلْ غـيارى سـاحـةِ الـتـحـريـرِ..

والأبـرارَ عـنـدَ الـجـســرِ أو " بـابِ الـمُعـظَّـمْ "..

***

جمعة عبدالله

 

 

ابراهيم اوحسين"لتكتب، لا يكفي أن يهديكَ أحد دفترا

وأقلاماً، بل لا بد أن يؤذيك إلى حدّ الكتابة "

أحلام مستغانمي - عابر سرير

عتبة

كلما ارتبط لدي اسم كاتب بدرّة الشرق "سوريا الشام" وقلبها النابض "دمشق"، إلا وتهيّبته أشد ما تكون الهيبة ؛ كيف لا ورحم هذه البلاد لم تنجب للدنيا إلا من خُلّدت أسماؤهم على مر العصور والدهور؛ ولست أغالي حُكما إذا قلت: لو أتى كلُّ مِصرٍ من الأمصار بأفذاذه وجهابذته وفوارسه وأتت دمشق بالكواكبيِّ فرداً لكفاها ذلك مؤونة المفاضلة والمنافسة والمفاخرة... وحقا، إن البلاد تلك لم تنجب ذوي إعاقات قطّ، لا في الفكر ولا في الأدب ولا في الثقافة الإنسية جملة، لكنها أخفقت - شأنها شأن أخواتها من البلاد العربية- في إنجاب أسوياءَ كُمَّلَ الخِلقة في السياسة ! ولعل الدهر ينتصر يوما لقلم المفكر والأديب إزاء معول السياسي وكلامه الزائف.

مدخل بسيط:

هي أعواد ثقاب ترتجف بين أصابع فتاة شبه متجمدة في إحدى الشوارع القاتلة بالصقيع ؛ تابعت الصغيرة إشعالها تتْرى حتى انطفأت ذخيرتها كاملة، دون أن تخفف عنها قسوة البرد ولا قرقرة معدتها الفارغة، لكن الموت عاجَلها وأراحها من الآلام بضربة واحدة... هكذا اختصر الأديب الدانماركي هانس أندرسن مأساة بائعة الكبريت في منتصف القرن التاسع عشر، ولست أدري في الحقيقة ما الذي لَزَّني على تذكرها مباشرة بعد إنهائي قراءة رواية " بائعة الكلمات " للكاتبة الصحفية السورية ريمة راعي؛ هل كُلُّنا بائعة الكبريت تلك على أرصفة شوارع أوطاننا الشائخة ؟ هل استهلكنا كل أعواد الثقاب خاصتنا قبل تبديد ظلمة الحياة ؟ هل الموت سبيلنا الوحيد إلى الخلاص ؟ أوَ لم يزعم "سوفوكليس" في رائعة "أنتيغون" أن الموت سعادة وخير ؟ هل نساؤكِ يا دمشق طوالقُ وسفنك غوارقُ وحاراتك محارقُ ؟ تساؤلات لم تُطرح ههنا جزافا و لا اعتباطا، إذ أراها مطروحة في مخيال الكاتبة حتى ضاق بها وعيها وضميرها الداخلي، فاستحالت - بعد تكاثفها - رواية نُسجت خيوطها بإحكام، تعترض القارئَ فيها أحداثٌ متشابكة حدّ الالتباس أحيانا، لكنه تشابك كتشابك الخطوط العربية في جدارات قصر الحمراء، وتناظر كتناظر الخطوط الملونة في سجّاد مغربي فاتن... وما الجمال في آخر المطاف إلا جُماع تعرجات وانحناءات والتواءات مُعادَةِ التشكيل والترتيب بعبقرية.

تضاريس العنوان والغلاف:

درج العنوان على ما ألفته العين والأذن في مجال التأليف الأدبي عموما، فهو تركيب إضافي مكون من كلمتين، أولاهما مضاف وثانيهما مضاف إليه، والتركيب جملةً خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذه / تلك. أما العنوان رأسا فشقه الأول " بائعة " جعله مألوفا ومعتادا، على غرار "بائعة الخبر" لكازافيه دي مونتبان، و" بائعة الورد" لعبد الحميد طرزي، و"بائعة الأعشاب" لحنان رحيمي، و" بائعة الكتب" لسينثيا سوانسن، و " بائعة الجبن " لفاطمة الزهراء الكتاوي وغيرها من الأعمال الأدبية المحتفية بالأنثى " البائعة " المنخرطة في عمق تصاريف الحياة اليومية ومقاديرها. أما بيع الكلمات - أو الكلام عموما- فالعهد به قديم قدم البشرية ذاتها، ولعله بدأ مع سيادة السيد واستعباد العبد، إذ طفق هذا الأخير باحثا على كلام يبيض به وجه سيده، انتقالا إلى زمن الشعر وصناعة مدائح الملوك والوزراء وكبار الدولة، تزلُّفا إليهم مقابل أعطيات نقدية أو عينية، أما مضمون الكلام فأغلبه مغالاة ومبالغات هدفه التكسّب لا غير؛ وحالما يغيب العطاء يُقصف الممدوح مباشرة بالهجاء، والأمر سارٍ على كتّاب الدواوين وعلى الورّاقين وعلى كل من احترف فنون القول وتدبيج المعاني؛ أما الشأن اليوم، مع طغيان وسائل التواصل الحديثة، فصار كل فرد قادرا على عرض بضاعته الكلامية بكل يُسر، وقد أُوكِلَ أمر البيع للبرامج الإلكترونية وللمواقع المتخصصة في تسويق الكلام وبيعه، بغض البصر عن مضمونه وعن فائدته.

إن العين متى تبصر غلاف الرواية - في الطبعتين كلتيهما - تجد صورة امرأة عَيْطَبولٍ ( طويلة العنق، والعرب تعدّ هذا الوصف مظهرا من مظاهر جمال المرأة )، كاشفة عن محياها الحزين حدّ الكآبة، وكأن الكاتبة تنضمّ لركب أولئكم المُدَّعين إمكانية الجمع بين الحزن والجمال وصهرهما في بوثقة واحدة؛ ولعل الطائفة تلك لم تجانب الصواب والدهر شاهد على ذلك؛ فهذه سوناتا " ضوء القمر"، التي " قدم من خلالها بيتهوفن عذوبة الحزن الجميل وغيّر من خلالها تاريخ الموسيقى" كما كتب الناقد لودفيج ريلشتاب عام 1836؛ ودونك لوحة "الصرخة" لإدفارد مونش (1893)، ولوحة "التراجيديا" لبيكاسو (1903)، ولوحة "إلى أين نحن ذاهبون؟" لبول غوغان (1897) ... وغيرها التي استطاعت تشكيل الحزن الوجودي وصياغته في صور جمالية مُعجبة. أما شيطان الشعر فقد واطأَ كذلك الموسيقيَّ والتشكيليَّ على نفس الادّعاء، وهنا يحضرني قول نزار:

إني أحبّكِ عندما تبكينا // وأحب وجهكِ غائماً وحزينَا

الحزن يَصْهَرُنا معاً ويُذيبنا // من حيث لا أدري ولا تدرينا

تلك الدموعُ الهامياتُ أحبها // وأحبُّ خلفَ سُقوطها تِشْرينا

بعضُ النساءِ وجوهُهُنَّ جميلةٌ // وتصيرُ أجملَ عندما يَبكينا

وإن تاريخ الشعر العربي لطافح بقصائد حِسانٍ استطاعت - بتفاوت- مزج ذينك المُركَّبين العجيبين، وجنس الرواية كذلك ليس بِدعًا في هذا المضمار وهو ذو القدرة الفائقة على التوليف والتركيب، تماما كما أتحفنا في ستينات القرن الماضي ياسوناري كاواباتا في رائعته "حزن وجمال"،و سماح حافظ في رواية " الحزن يرحل سعيداً"، وغيرها مما يضيق المقام بالإشارة إليه. عموما، تبقى الرابطة والوشائج التي تصل الحزن بالجمال متينة إلى الحدّ الذي جعل عبد الوهاب المسيري يقول: " من يريد أن يجرّب الحزن فعليه أن يُغذّي ناظريه من مظاهر الجمال !".

الرواية باحثةً عن الإنسان !

على مدى 145 صفحة، في عملها الروائي " بائعة الكلمات"، الصادر في طبعتين، الأولى عن المكتبة العربية للنشر والتوزيع والثانية عن دار روافد للنشر والتوزيع سنة 2018 بالقاهرة، سعت الروائية ريمة راعي في نقلنا منذ الأسطر الأولى إلى عالمها الخاص، عبر الدَّلْف إلى الكوامن الإنسانية ودهاليزها المُعتمة، مسلّطة أضواءها الكاشفة على أغوار الذات وأعماقها غير المُتَبَدِّيَة للعيان؛ لبثَتْ تحفر بلغتها الرائقة في واقع الإنسان الشامي البسيط الذي يأكل الخبز ويمشي في الأسواق، غير مستعدة للهروب إلى مرابع الخيال، مقتلعةً نفسها - بتعبير ميلان كونديرا - من حياة لم تكن لتمنحنا أي إحساس بالرضى،والواقع ذاته بات أغرب من الخيال !! إن الروايات لا تكتب في الحقيقة لخلق شخصيات وحوارات وأحداث لمجرد إمتاع القارئ بماجرياتها وانتقالاتها الدرامية؛ إنما لاستفزاز وعي القارئ وفتح بصيرته على آفاق محجوبة عنه، عن جهلٍ أو تحت تغييب الحقائق من لدن الأنظمة الحاكمة، ولنا في " كوخ العم توم" لهارييت ستاو، و" جذور " لأليكس هيلي، وروايتي "مزرعة الحيوان " و" 1984" لجورج أورويل و "الأم" لمكسيم غوركي ...و غيرها مثال من أعمال أدبية غيرت أنظمة تفكير أحادية وزعزعت قناعات فئات عريضة، بل، أطلعتْ الأجيال المتلاحقة بعد صدورها على حقائق تاريخية لم تكن متاحة - فنيا على الأقل - في بطون كتب التاريخ المؤدلجة والمتحيزة في غالب الأحيان. وفي هذا السياق من البحث عن الذات الإنسانية وكشف تنائفها وصحاريها، تأتي "بائعة الكلمات" في مرحلة حاسمة من تاريخ الشرق الأوسط الرازح تحت مخلفات وصنائع ما سُمّي بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، متسائلة، أي الرواية، عن موقع الإنسان والإنسانية،تارة بين الناس أنفسهم، فيما تلتفع به معاملاتهم وسلوكاتهم من كراهية وظلم وإهانة، وكأن "الإنسان قد أَشْكَلَ عليه الإنسان" كما رأى أبو حيان التوحيدي؛ تارة أخرى في تعاليم وعقائد من يصدّرون الوحشية والجاهلية والموت الأحمر إلى العالم، مدّعين أن الدّين " السَّمحَ " مؤسَّسٌ على محاكمة الناس ومحاسبتهم، وأن " التكفير " و فصل الرؤوس عن أجسادها أمر سماوي يعدّ من صميم الرساليّة والإصلاح والتنوير !! وقد تكون عبارة " لعلنا لم نعد بشراً منذ سنين طويلة "(ص 98) إيماءة إلى هذه الحسرة وإن جاءت في سياق مخالف من الحدث الروائي.

أفروديت... الجمال في التفاصيل !

لم تنحُ الروائية في عرض فصول روايتها منحى السرد الكلاسيكي، ولم تلتجئ إلى خلق شخوص متعددة ولا إلى تشعيب الأحداث في أزمنتها وأمكنتها؛ فالرواية جملةً دارت رحاها على عشرة شخوص كحد أقصى، بين أدوار رئيسة وأخرى ثانوية، والرواية الحديثة عموما تميل إلى إبراز الكوامن النفسية والوجدانية لشخصياتها أكثر من ميلها إلى تضخيم الحدث وتوليد جيش من الشخوص (1).

لم تكن طبعا أمّ أفروديت في مدخل الرواية كأمّ غسان كنفاني، أو كأمّ مكسيم غوركي في رائعتيهما؛ فهما كانتا أمّين بحجم وطن، بل استطاعتا تغيير ملامح تاريخ فلسطين وروسيا بحيالهما؛ في حين أن الأمّ الفلاحة البسيطة لا يهمها سوى تجاوز خيبتها "الإنجابية " المتمثلة في ازدياد فتاة شبه سمراء لا تحمل مقومات الجمال المطلوبة، فسارعت لتخفيف وطأة الحسرة بمنح ابنتها اسم " أفروديت "، تبرّكاً بأفروديت، زوجة رئيس مخفر الشرطة الفرنسي في القرية، الجميلة حسب رواية الجدّة. لا شك أن الأم كانت تجهل مقام اسم ابنتها في تاريخ الأساطير والآلهة اليونانية(2)؛ الاسم الذي خلق - عكس المأمول - عقدة نقصٍ لدى البطلة طوال حياتها، بدءا من محيطها القريب إلى ما بعده من فضاءات متحركة، ورغم أن العرب قديما ادّعوا نصيبا لكل امرئ من اسمه فإن البطلة أفروديت قد ضاقت ذرعا باسمها ناسفة قول العرب، لتذكرنا بقصة الطفل جُعْلٍ ( الخنفساء) الذي شكا أباه إلى خليفة المسلمين عُمرَ بن الخطاب قُبح اسمه. لكن أفروديت على مدى تضاعيف الرواية آمنت بالجمال الداخلي وبالحجم الكبير الممنوح للبشر من السعادة الكامنة بين حناياهم، يكفيهم التنقيب عن تفاصيلها فقط، وكأنها تعيد مقولة تشيخوف في قصة العنبر 6: " إن سكينة الإنسان ورضاه ليست خارجه بل في داخله ".

أفروديت.. بائعة الكلمات !

تتأطر أحداث الرواية ابتداء من الفصل الثالث فصاعدا ضمن حدود الذاكرة واكتشاف الذات والوجع، والمقصود أن البطلة في المتن الروائي التصاعدي ركزت أساسا على بعض اللحظات التي جمعتها ببحر ابنها المتوحد و المغدور برصاص طائش، وانتقلت فيما بعد إلى مرحلة اكتشاف معنى آخر للحياة عبر انصهارها الكامل في قراءة ما تجود به مكتبة الأستاذ سعْدٍ، هذا الأخير الذي شكل ظهوره حدثا فارقا في حياتها، فعبره استطاعت البطلة التماهي مع عوالم أخرى لم تكن حسبانها، إذ أنها بشيء من الذكاء الفطري والتمرس على أساليب الأدباء والمفكرين، تمكنت من خلق كلماتها وتعابيرها الخاصة، ما أهّلها إلى خوض تجربة إنتاج المعاني وبيع الكلمات لصويحباتها حسب نوع الطلب، متأثرةً بقصة " الكلمتان " للروائية التشيلية إيزابيل الليندي، حيث البطلة بليسا تحترف هي الأخرى بيع الكلمات حسب المطلوب. هكذا استمتعت أفروديت بالقراءة وبالكتابة مدة ترددها وأخيها الصغير على بيت سعد، الأمر الذي خلق أُلفة خاصة بينهما، جعلت أفروديت تتحسس في عمقها الوجداني وقْعَ وسحر كلمتي بيلسا: أنا أحبك!... ليأتي الوجع مُسَوِّداً بياض الرواية، لتضيف البطلة مأساة فقْد ابنها الوحيد إلى مأساة ابتلاء بلاد الشام بطاعون "داعش"، الذين أقاموا مجازر جماعية في حق أبرياء عُزّل، ظانّين أنهم يطهّرون الأرض من الكفر ومن الشّرك ومن الصّنمية... مجازر أودت إحداها بحياة أمّ البطلة بوحشية، خصوصا أثناء تعريجها على وصف المقابر الجماعية التي احتضنت عشرات الضحايا؛ مشهد أعاد للأذهان مجازر النظام النازي في حق المدنيين الأوكرانيين والبولنديين، والمجزرة الإسرائيلية في مخيم صابرا وشاتيلا في حق اللاجئين الفلسطينيين، ومجزرة حكومة كوريا الجنوبية في حق الشيوعيين والمتعاطفين معهم فيما عُرف بعد ذلك بمجزرة "رابطة بودو"... وغيرها كثير في تاريخ البشرية قديما وحديثا .

استمرت حياة أفروديت الروائية، متجاوزة ماضيها الأسود، بل متناسية إياه، لأننا بالأحرى نتناسى جراحاتنا لنفسح الطريق أمام أيامنا القادمة لتمرّ بلا تماطل أو تأخر، وقد صدق ميخائيل نعيمة قائلا: " حبذا النسيان لو أن ما ننساه ينسانا؛ ما من نسيان على الإطلاق، بل هناك ذهول طارئ لا غير ! "؛ هكذا تجاوزت مآسيها وتحمّلت أقدارها الصعبة واستطاعت الحصول على وظيفة في إحدى دور النشر كمدققة لغوية وكاتبة مقالات خارج وقت عملها، لتغدو بائعة كلمات بشكل رسمي، مستأنسة بعالمها الصغير بغرفتها الصغيرة المستأجرة. سارعت الصدفة بعد ردح من الزمن إلى عقد لقاء جديد بين أفروديت وسعد، لينقدح زناد ذكريات كانت مطمورة تحت الرماد لتلتهب من جديد عبر لقاءات منتظمة متكررة، لتنتهي الرواية فاتحة في فصلها الأخير أفقا لانتظارية مبررة،مادام يوم الاثنين لم يبرح مكانه منذ زمن كما في "ماكوندو" غارسيا مركيز؛ وهي نفس فكرة مالك بن نبي " لازال العالم العربي والإسلامي في عصر ما بعد الموحّدين ! ".

بائعة الكلمات.. عود على بدء.

هذا تطواف يسير بين دروب الرواية وأزقتها الملأى بالتقاطعات وبالمدارات، هي حقنة يحتقنها القارئ فيشعر في نفسه أنه قرأ في الحقيقة رسائل غير مشفّرة، واضحة المعنى خالية من الترميز . إن الرواية صراحة تضعنا أمام ذواتنا منزوعةَ الاعتداد بالنفس، متخفّفة من تكبّرو تَعالٍ وعنجهية ألقت بِجِرانِها على الرَّبع العربي الممزق بالطائفية وبالأيديولوجية وبالنعرات القبَلية الممتدة بجذورها إلى زمن البسوس أو داحس والغبراء؛ زمنٌ عربيٌ " حَيِّ الشَّهيقِ ميِّتِ الأوصالِ" كما قال ذو الرِّمَّة، أو كما قال أبوبكر بن عمّار قبيل أفول شمس الأندلس:

ممّا يُزَهِّدُني في أرضِ أندلُسٍ // أسماءُ مُعتضِدٍ فيها ومُعتمِدِ           

ألقابُ مملكةٍ في غير موضِعِها // كالهِرِّ يحكي انتفاخاً صَوْلَةَ الأسَدِ

بيعُ كلامٍ - ومن هنا رمزية بائعة الكلمات- وانتفاخٌ - كظواهر صوتية بتعبير القصيمي- على المنابر الدولية بالذي سيكون غدا أو بعد غد، أو لعله لا يأتي ولا يكون أصلاً - إشارة إلى فصل الانتظار الأخير -، كأننا نعيد قراءة رائعة صمويل بيكيت " في انتظار غودو"، التي تعكس حالنا اليوم، نحن المنتظرين مُخلّصاً غير موجود وغير كائن من أصله !! ... الرواية احتفاء بالحب وبالجماليات وبالإنسانية في أسمى تجلياتها، وهي كذلك صوت داخلي ينبه الإنسان فاقدَ البوصلة إلى إعادة ترتيب الذات،مُرمِّماً خرائبها، متجاوزا هزائمها، معيدا بناءها دون انتظار ما لن يأتي ...

 

إبراهيم أوحسين - المغرب

.....................

هوامش:

1- يمكن التوسع في الموضوع من كتاب نقد الرواية من وجهة نظر الدراسات اللغوية، لنبيلة إبراهيم سالم، النادي الأدبي الرياض، 1980.

2 - أفروديت في الأسطورة اليونانية آلهة للحب وللجمال وللشهوة وللإنجاب، وقد عُني بها الأدب العربي والغربي على السواء .

 

تفاعلا مع النقاش الذي أثارته أطروحة جامعية تقدم بها باحث مغربي لنيل شهادة الدكتوراه في موضوع "بلاغة الخطاب السجالي عند عبد الإله بنكيران"، ارتأيت أن أقدم بعض التوضيحات المرتبطة بالبلاغة وتحليل الخطاب، أملا في المساهمة في رفع الحُجب الذهنية التي جعلت القول مطلوقا على عواهنه في هذه القضية، وستجعله مطلوقا في قضايا مماثلة أخرى من الــمُحتمل جدا الوقوف عليها في المستقبل.

ففي المقام الأول، لا يمكن حصر البلاغة في فهم ضيق يجعل منها صفة إيجابية للكلام البليغ فقط. فقد فهم الكثير من المتفاعلين مع القضية المذكورة أن الحديث عن البلاغة عند "فلان"، يعني أن هذا "الفلان" متمكن من فنون الكلام، وله دراية واسعة بالفصاحة وأساليب الاستمالة، وبالتالي سيكون كلامنا حوله تقريظا وتنويها بما يملكه من مهارات لغوية . فصحيح أن هذا الاستعمال يتردد أحيانا في كتب البلاغة حين يكون الحديث عن صفة الكلام البليغ، كأن يُقال: " إن فلانا بليغ، أو صاحب بلاغة "، غير أننا سنجانب الصواب إذا جعلنا هذا الفهم يطابق (أو يختزل) جميع استعمالاتنا لكلمة "البلاغة"، وحاكمنا به الباحثين في تحليل الخطاب الذي يستعملون "البلاغة " للإشارة بها إلى نظرية عريقة تبحث في وسائل الإقناع والتأثير (البلاغة العلم) وتُستثمر آلياتها بأفق تحليلي - إجرائي يروم تفسير فعالية الإقناع داخل الخطاب .

فما يجب الانتباه إليه، هو أن البلاغة أضحت تنشِّط، وبقوة، حقول تحليل الخطاب، وتُستعمل إجراءاتها التحليلية للبحث في بنية الخطابات المؤثرة . وهذه الواجهة التحليلية للبلاغة ليست وليدة اليوم، ففي أصولها اليونانية مع أرسطو كانت وظيفتها الأساس مساءلة الخطابات الإقناعية وتحديد آلياتها ووسائلها، وفي جزء واسع من التأليف البلاغي العربي القديم (مع الجاحظ وابن وهب الكاتب وحازم القرطاجني ...)، نجد ربطا واضحا بين البحث البلاغي وتفسير البناء الإقناعي للخطاب، وذلك عبر التنظير والتحليل والمقارنة بين أنواع الخطاب، وفي الفترة المعاصرة شهدت البلاغة طفرة نوعية في مجال التحليل الحجاجي، وأسهم باحثون كثيرون في تجديد مناهجها وإغنائها بالحقول المعرفية المجاورة، وفتحها على عالم الخطاب المؤثر بمختلف أنواعه (الإشهار – الخطاب السياسي – الخطاب الديني...) . وتبعا لهذه السياقات المعرفية، صار التحليل البلاغي للخطاب يمثل البديل العلمي للتحليل الإيديولوجي أو التحليل العاري عن الأسس العلمية .

فإذا اتضح أن البلاغة تعني ما ذكرنا في مجال تحليل الخطاب، يمكن لنا أن نميز بين هذا الفهم وبين أفهام أخرى لها، كالفهم الذي يعني بها الصفة الإيجابية للكلام (الجمال والفصاحة)، أو الفهم الذي يرى فيها وسيلة لتحليل النص الأدبي والكشف عن جماليته، أو الفهم الذي يحصرها في الوجوه الأسلوبية المدرسية المرتبة في الأبواب المعروفة: المعاني والبيان والبديع .

وإذ نعود إلى الأطروحة الجامعية المذكورة، ونحن لم نطلع إلا على عنوانها فقط، نتبيَّن (من خلال العنوان دائما) أن الباحث اختار أن يسائل بلاغيا، وبالفهم التحليلي المذكور (ومن داخل مجموعة بحثية علمية تهتم بتحليل الخطاب "وحدة البلاغة وتحليل الخطاب بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان")، الخطاب السجالي – السياسي عند رئيس الحكومة المغربي السابق عبد الإله بنكيران . ولعلم جميع القراء، فإن هذه الشخصية السياسية المثيرة للجدل كانت تثير بخطاباتها الشفوية التي تُلقى باللغة العامية المغربية عادة الكثير من الجدل في الصحف والقنوات الإذاعية ووسائل التواصل الاجتماعي والشارع العام . بل إن بنكيران كان يستطيع حشد الآلاف من المتابعين والموالين له في خُطبه العمومية، ويستطيع أحيانا إقناع شريحة مهمة من المتابعين والهتمين بقرارات حكومته، وقبل كل هذا، استطاع بخطبه وتصريحاته وسجالاته مع خصومه، أن يغير المشهد الانتخابي في المغرب لصالح حزبه الإسلامي .

ولأن أمر خطابات الرجل بهذه الصورة المثيرة للجدل، فإنني أتصور أن الباحث اختار متنا مناسبا جدا لدراسة البنية الحجاجية للخطاب في المشهد السياسي المغربي . لأن البلاغة التحليلية بنت الحياة، وتتابع ما هو لافت للنظر ومؤثر في الفضاء العمومي . فما الفائدة في أن ندرس خطابا مغمورا وغير مؤثر ونجعله موضوعا لأطروحة جامعية؟ إن البلاغة، وبحسب التجربة الغربية الناجعة في هذا الميدان، تتابع ما هو مؤثر في الحياة والفضاء العام، وتعمل على كشف منطقه وقيمه .

وحين نقول إن الأمر يتعلق بالدراسة والتحليل، فذلك معناه أن هذا المتن سيكون هدفا للمساءلة العلمية، وبعيدا عن كل تجريح أو قذف أو تنقيص من الشأن . وإذا افترضنا أن البحث سيخلص إلى نتائج تقييمة لخطابات بنكيران، من قبيل أنه يغالط أو يستعمل النصوص الدينية بطريقة معيبة ومغرضة، فإن ذلك لن يكون منفصلا عن الاستدلال العلمي الصارم.

وبعد كل هذه التوضيحات، نصل إلى القول: إن اللغط الذي أُثير حول عنوان هذه الأطروحة الجامعية لم يقم على تفسير علمي واضح، بل انطلق من مقدمات خاطئة، من قبيل الفهم الخاطئ للبلاغة، والاعتقاد بأن التحليل البلاغي يتناول حصرا المتنون الأدبية وخُطب الشخصيات التي تحظى بالإجماع القومي.. والحق أن هذه المناسبة فرصة لفتح نقاش حقيقي حول تحليل الخطاب وسبل نشر ثقافته في أوساط المثقفين خاصة، حتى تزول الكثير من الأوهام المتكلسة في الأذهان، ويتناقص الكلام المتسرع في قضايا تخصصية دقيقة .

 

حسن الطويل

 

فالح الحجيةاما قصيدة النثر فهي القصيدة الجديدة اوالطارئة على العربية والتي يأمل شعراؤها بانها ستكون القصيدة العالمية .

فقصيدة النثر جاء في تعريفها:

(هي قطعة نثرية موجزة بما فيه الكفاية موحدة ومضغوطة اشبه بقطعة بلور ناصع . فهي خلق حر ليس له ضرورة الا رغبة الشاعر في بنائها، خارجا عن كل تحديد وربما تكون شيئا مضطربا الا ان ايحائياتها لا نهائية اي انها مفتوحة).

ولقصيدة النثر موسيقاها الخاصة وايقاعاتها الداخلية التي قد تعتمد على الالفاظ الشعرية وتتابعها وصورها الشعرية تكاد تكون متكاملة وقد قال فيها الشاعر الشاعراللبناني انسي الحاج واحد شعراء قصيدة النثر:

(لتكون قصيدة النثر قصيدة حقاً قطعة نثر فنية، أو محملة بالشعر، شروط ثلاثة: الايجاز والتوهج والمجانية) .

فقصيدة النثر شكل أدبي جديد معاصر وجد ت مجالها الواسع في مجال الشعر ويتسع هذا المجال كلما تقدمت وتطورت الحياة فهي قد تحقق الدهشة أو الصدمة في التعبير المستجد المستحدث وهذا متوقف على امكانية الشاعر في التقاط رؤيته المثالية وصياغتها في بنية جديدة، قوامها الصور والرموز الشعرية غير الموغلة في الابهام والتوهج المنبعث من التركيب اللفظي وكيفية استخدامه في التعبير وجماليته من حيث الانتقاء والبيان اللغوي.

وإشكاليات قصيدة النثر العربية تبدأ من مصطلحها حيث إنَّ كثيرا من النقاد والباحثين كانوا لا يميزون بينها وبين الشعر الحر- اول الامر - حتى أنَّ بعضهم أخذ يتحدث عن ريادة الشاعرة العراقية نازك الملائكة لها في حين أنَّ الشاعرة والناقدة المذكورة كانت من أشد خصوم هذه القصيدة وكانت تعتبرها نثرا .

أما علاقة قصيدة النثر بنموذج الشعر المنثور الذي ظهر في النصف الأول من القرن العشرين، فهو محل إشكالية أخرى حيث يذهب قسم من النقاد والذين يميلون الى تفضيل القصيدة العمودية إلى أنَّ الاثنين – شعرالتفعيلة وقصيدة النثر -لا يعدوان أن يكونا تسميتين لنمط كتابي واحد بينما يرى آخرون أنهما جنسان مختلفان كل الاختلاف، لأنَّ لكل منهما خصائصه واميل لهذا الراي واعتبره الرأي الصحيح.

وربما يعد الايقاع اشكالية أخرى من إشكاليات قصيدة النثر، إذ يرى كتّابها أنَّ لها إيقاعا خاصا ويفضلونه على إيقاع القصيدة العمودية القائم على الوزن والقافية، فهؤلاء وهؤلاء في خصومة مستمرة .

ويعتبر الشعراء جبرا إبراهيم جبرا،و توفيق الصايغ،وأدونيس، ومحمد الماغوط، وأنسي الحاج، وسركون بولص، وعزالدين المناصرة وسليم بركات،وعبد القادر الجنابي وسلمى الخضراء الجيوسي، رواد قصيدة النثر عند نشوئها في القرن العشرين.

ومنها هذه السطور الشعرية للشاعرة المغربية فاطمة المنصوري:

ايقظت مارد شعري

في حدائق بابل السندسية

بين رياض غرناطة

ترانيم اندلسية

للعشق حكايات هناك

ترم عظاما بالية

في قصورالحمراء

وبغداد العربية

اندلسية ام غجرية

بلكنة قرمزية

ومواويل عربية

ومن المهم أن نعرف ان مصطلح (قصيدة النثر) قد اكتسب شكلا ادبيا معروفا ورسوخا يكاد يكون ثابتا، وتنظيرا واضحا، استقرت معه الكثير من الأطر الجمالية وهي الأساس لقصيدة النثر المعاصرة والتي تظهر ابرز ملامحها في التخلي عن الوزن والقافية، والإبقاء على روح الشعر المتمثلة في الإحساس المتقد، والصورة الخلابة، واللفظ المنغّم لتستقي جماليتها منه . والتي كانت كمحاولات تعود إلى أشكالية مصاحبة للمدرسة الرومانسية للشعر في مطلع القرن العشرين وقد امتازت باعتماد ها على وحدة السطر الشعري بدل البيت العمودي القديم التقليدي (التقييدي) وكذلك على نغم الألفاظ، وجمال الصورة، وتألق العاطفة فنجد في قصيدة النثر نفس مفاهيم الشعر الرومانسي وآلياته وقد يعتبره البعض في الاغلب الأب الشرعي لقصيدة النثر في الأدب العربي المعاصر، ومن المهم كيفية قراءة قصيدة النثر في ضوء تجربة هذا النوع من الشعر .

ويجدر بالذكر أن الشعر المنثور، يخالف بكل شكل من الأشكال ما يدونه البعض من الخواطر المكتوبة فهو ليست بخاطرة لكنه ربما يكون قريبا منها من حيث التعبير وانتقاء الكلمة الاوضح وهذا واضح ومفهوم فالشعر المنثور نص عالي الشاعرية وقد يدور حول رؤية جديدة أساسها الوجدان المتقد والنفس الحار والخاطر المشحون وبما يحقق جمالية عالية مستفيضة كالزهرة في الحديقة العامة فهي ملك للجميع وتنثر شذاها اليهم بالتساوي .

فقصيدة النثر انتشرت انتشارا واسعا في السنوات الاخير ة بين الشعراء الشباب واخذ يكتب فيها كل من هب ودب الا ان بعضها تميزت برمزيتها الخانقة وغلوائيتها الممجوجة لدى البعض وعدم مفهوميتها الا ما ندر وما دعوت اليه في كتاباتي – مع اني اميل الى القصيدة العمودية وافضلها واعتبرها الاساس في الشعرالعربي ثم كتاباتي الشعرية في دواويني الشعرية كلها من القصيدة العمودية - هو سهولتها وقربها من المتلقي ليفهم ما تسمو اليه في قصدها والغرض الذي قيلت فيه لاحظ قولي في احد تجاربي لكتابة القصيدة النثرية :

افيقي .. افيقي ..

ذات المكحل الاخضر

في بلدتي عرس

اوحى به النجم

اهتزت له الدنيا

وليل الحب مسروج

وغنت اغنية الشوق

نخيل في البساتين

وغنت سدرة الشارع

بصوت شبه محزون ----

مع العلم اني شاعر من شعراء قصيدة العمود الشعري ولدي العديد من الدواوين المنشورة فيها لكني ارى في بعض قصائد النثر روعة وبيانا وجمالية الا ان هذه القصيدة لازالت تكتنفها الغلوائية والابهام الذي يعبره شعراؤها سمة خاصة بها وخاصة بعد ظهور الانترنيت والفيسبك من وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من وسائل الاعلام ووسائل النشر المختلفة التي انارت دروبا وسبلا كثيرة وفسحت المجال للنشر لكل الاخرين وحطمت بعض الابراج المتعالية والتي كان بعضها اجوفا . ومن سلبيات هذه القصيدة ايضا ان اختلط فيها الحابل بالنابل والغث بالسمين وكلٌ يقول انا اكتب شعرا او اكتب نثرا اذن انا شاعر .

ومن اهم خصائص جمالية قصيدة النثر هو الإيجاز ونعني به الكثافة في استخدام اللفظ سياقيا وتركيبيا - والتوهج ونعني به الإشراق حيث يكون اللفظ متقدا متألقا في سياقه، كأنه مصباح يطفح نورا حتى إذا استبدلناه بغيره ينطفئ بعض بريقه او يتلاشى وتكون في هذه القصيدة - واعني قصيدة النثر- متوحدة في صياغتها بحيث يكون السطر الشعري الذي يماثل (البيت الشعري في القصيدة التقييدية) وحدة متكاملة مع بقية سطور القصيدة فلا سطر يقرأ بمفرده اي ان القصيدة تكون مترابطة متوحدة شمولية لا تحدد بزمن بحيث تكون تنسيقية متفاعلة مفتوحة اطرها تخلت في بنائها عن النغمية والايقاع العمودي لحساب جماليات جديدة، وأساس هذه الجماليات :

تجنب الاستطرادات والإيضاحات والشروح، وهذا ما نجده في الأشكال النثرية الأخرى على ان تكون قوة اللفظ وإشراقه قوة جديدة وفاعلة فيها .

فقصيدة النثر: تؤلف عناصرها من الواقع المنظور وفق الرؤية الفكرية للشاعر بعلاقات جديدة بين ألفاظ النص وتراكيبه، هذه العلاقات مبنية على وحدة النص وحدة واحدة، ذات جماليات مبتكرة تعتمد على رؤية الشاعر للواقع المادي الخارجي بمنظور جديد ،وامكاناته الشعرية في سياقاتها نحو نمط الجمالية والافضلية بحيث تنعكس هذه الرؤية على العلاقة اللفظية، وبنية التراكيب، وقوة التخييل،و وحدة الرمز الا ان هذه الرمزية اتخذها بعض شعراء هذه القصيدة – قصيدة النثر - ذريعة في الايغال في الابهام والغموض بحيث انعكست سلبا على المتلقي وادت الى عزوفه عن قراءتها في بعض الاحيان حيث يفضل عليها قصيدة العمود الشعري لما فيها من موسيقى في الوزن والقافية القريبان الى اذن المتلقي العربي الموسيقية والتي تعودتها اذنه واحبتها نفسيته بحيث يبقى يفضلها على سواها في كل الاحوال ويردد مع نفسه ما يحفظ من ابيات فيها في بعض الاحيان او ينشدها .

وهذه الحالة يكتنفها في بعض الاحيان او في الاغلب تيار رمزي جارف يقوم على اعتبار الشعر كتابة إبداعية مادتها اللغة، وهذه الكتابة هي عمل ابداعي نابع من اللغة حيث يخلق منها كيانا ذاتيا يختلف عن لغة التعامل اليومي اوعن لغة المنطق الظاهري، يتفاعل معه الفكر الشعوري بالتداعي الحر مشتركا بتيار الأحلام النفسية المنبثقة من نفسية الشاعر ذاته ويهدف إلى ايجاد معان جمالية مبتكرة لها قابلية تغيير الاحوال نحو الافضل في التعامل مع الموروث التاريخي واللغة المقال فيها هذا الشعر، وتحرير الطاقات الكامنة لدى الشاعر تحريرا شاملا يدخل من خلالها الى الطاقات الشعرية الذاتية اوالنفسية والبواعث الانسانية الاجتماعية.

تقول الشاعرة التونسية رحيمة بلقاس في احدى قصائدها النثرية من ديوانها الموسوم (للزوابع اصابع تنحتني :

(هوس التفرد)

امسك قلمي المتعثر بالحزن

اصلبه على حجر الصبر

اتنفس

اناملي متعبة

عبق السحب المنتشية

زخات الندى تبللني

فيح زهر

افتقد طعم الحلم

ياظل الموج

هذا ندى الضوء الساري

قلبي العاري هو نغمة صبح

قرص عباد الشمس يبتهل

النجم يتكئ على شجرة الحب

هبوب النسائم خصلات

سبائكها ذهبية

على لوحة ايام

بلا خريف

تتعاقب فصول تخبئ

حظنا دافئا

لمطر صيفي

يتعاقب الاخضر والازرق في عيد الامنيات

لعائدة من الافق القريب

تلعن الدمع في صفرة خريف يقضي

ليقين

تستوي جمرات لوني

تلتمس عبر جسرها دربي

جتفي احمله جثة الورد

صمتا ثلجيا يعمد الصوت

مطل في صرح عاصفة هوجاء

***

بقلم: د. فالح الكيـــلاني

 

نور الدين صموداللغة كائن صوتي حي ينشأ ويسلك طريق النشوء والارتقاء، ويحيا بَعضُه وينمو تدريجيا حتى ينتشر، بينما يضمحل بعضه الآخر شيئا فشيئا حتى يندثر،  وقد يُبعث بعضه من جديد فيعود إلى الحياة، وقد تزدهر لغة من اللغات بحكم ازدهار أصحابها، وقد تموت لغة بكاملها بسبب ضعف المتكلمين بها، وتأخذ مكانـَها لغة ٌأخرى متولدة عنها، وربما ذاب أصحاب اللغة التي ضعفت بحكم ضعف ذويها واستبدلوا لغتهم بلغة الغالب المنتصر.

هذه اللغة العربية الفصحى التي نستعملها اليوم هي التي كتب بها أدباؤنا القدماء أدبهم منذ أكثر من خمسة عشر قرنا، وما زال يكتب بها شعراؤنا وكتابنا شعرهم ونثرهم إلى الآن بنفس الألفاظ والقواعد والأساليب، إلا أنهم تركوا بعض الكلمات العويصة التي هجروها لأسباب كثيرة فماتت وعوضوها بغيرها من مرادفاتها المألوفة المأنوسة، فالأدب، سواء كان شعرا أو نثرا، يجب أن يكون مكتوبا بلغة واضحة يفهما الخاص والعام ممن لهم إلمام باللغة التي يـُكتب بها ذلك الأدب، لأنه ليس شقشقة لفظية من النوع الذي قال فيه أبو العلاء المعري: "(كأنه رحًى تطحن قرونا، تسمع جعجعة ولا ترى طِحنًا)، فالأدب روحٌ جسمه اللفظ، ونحن نميل إلى الجسم اللطيف الخفيف الظريف.

وقد كان بعض مَن ليس لهم حسٌّ أدبي أن تستعمل غريب الألفاظ يُكسب النص الأدبي شاعرية زائدة ويرفع من قسمته الأدبية، وهذا خطأ محض وادعاء باطل، ولتأكيد هذا الكلام أذكر ما روي عن صفي الدين الحلي، عندما وقع ديوانه في أيدي بعض قرائه من المغرمين باللغة الصعبة والألفاظ القليلة الاستعمال، فقال عنه: "لا عيب غيه إلا أنه يخلو من الألفاظ العويصة" أي الصعبة، فرد عليه بقصيدة نكتفي بذكر أبياتها الأولى:

إنما الحــيـزبـــون الــدردبـــيـــــسُ

والطـَّخَا والنـّـقـاحُ والعـلـْــطـَبـيــسُ

 

والسبنتـَى والحقصُ والهٍَـيْقُ والهِِجْــ

         

ــرِسُ والطــرفـسـانُ والعَـسَـطـوسُ

 

حـيــن تـُرْوَى, وتــشــمَـئزُّ النـفوسُ

 

وقـَـبيـحٌ أن يُذكـَرَ النــافــــرُ الوحْــ

ــــــشيُّ منها، ويُـتـْـركَ المــأنـوسُ...

 

درسَــتْ تـلــكـــمُ اللغاتُ وأمـسَــى

مَـذهـبُ النـاسِ مـا يــقـول الرئيـسُ

 

إنــمــا هـــذه الــقـــلــــوب حـــديـدٌ ولــذيـــذ ُالألــفـــاظِ مِــغــناطـيـسُ

  وواضح أن هذا الشاعر قد جمع تلك الألفاظ القليلة الاستعمال وسردها سردا في نظمه دون أن تكون لها صلة معنوية ببعـضها في شعره، وهي ألفاظ قلما استعملها القدماء في كتاباتهم لأنها غير مألوفة واستعملوا مرادفاتها المفهومة، فقد اكتفوا من الألفاظ التي حشدها هذا الشاعر في مطلع قصيدته بـ"العجوز"عن الحيزبون، و"بالداهية" عن الدردبيس، وبـ"السحاب" عن الطخا، وبالماء عن النـّقاخ، وبكلمة أخرى عن العلطبيس التي لم يعرف لها المحققون معنى لأنها قد تكون محرفة أو مصحَّـفة عن كلمة أخرى لها معنى، واستغنوا كذلك  عن السبَنتـَى بـ"الأسد" أو أحد أسمائه الكثيرة الأخرى مثل: الليث والهزبر والغضنفر والأغلب والفدوكس، وقد سمي في القرآن الكريم بالقسورة، في سورة المدثر: 'كأنهم حُمُرٌ مستنفرة فرت من قسورة".

ولست في حاجة إلى شرح بقية الكلمات التي ذكرها صفي الدين الحِلـّي لإقناع مَن نقده بأن العبرة بالمعاني الشعرية الجميلة لا بثوبها الفضفاض أو بجسمها المترهّـل الخالي من المعاني الشعرية، ولم تكن تلك الكلمات غير ألفاظ متنافرة دالة على أشياء لا ترابط بينها، أما الشاعر التونسي محمود قابادو فقد بلغه أن أحمد فارس الشدياق - وهو مسيحي اعتنق الإسلام وجاء إلى تونس وأقام فيها وأشرف على جريدة (الرائد الرسمي) التي كانت جريدة تنشر الأخبار والأشعار، وأصدر كتابا سماه(الجاسوس على القاموس) نقد فيه معجم (القاموس المحيط) للفيروز أبادي، وأشاع بين الناس أنه لا يحتاج، في فهم أي كلمة، إلى القواميس - فأرسل إليه محمود قابادو عدة أبيات لم يكتف فيها بجمع الألفاظ العويصة كما فعل صفي الدين الحلي، بل عبر بتلك الألفاظ عن معان يفهمها من يعرف معاني تلك الكلمات، وقال لمن أرسلها معهم: "اطلبوا منه أن يشرحها لكم  دون أن يبحث عن معانيها في المعاجم" وهذه هي الأبيات:

 لمّا رُمِي بالقطنجوبِ تـَقـَعْـقرتْ

 شُرخافتاه ففاض بالـخَـرْبَـعْـطـَلِ

 

فــكـأنـه، والبُـجْـفـُطانُ تـَنـوشـًه،

 فـَرْغـَـنـْبَسٌ يعدو على مستعْـبَـلِ

 

 أو كشمَـسٌ في شاسِـنٍ أو شادنٌ

 جمُّ الميامِنِِ في صدور الضرقلِ

 

هذه هي رواية الأبيات كما حفظتها منذ أوائل الخمسينات، ولها رواية أخرى في بعض ألفاظها وفي مَن قيلت فيه، والمهم أن معظم ألفاظها  أصبحت مهجورة بل ميتة، ويمكن أن نشرحها ارتجالا، فقد فيلت في فارس خاض معركة حربية فضُرب بالرمح فأحدثت له الضربة خرقا كبيرا في خاصرتيه ففاض بالدم، فأصبح، والنسور تنهشه، يشبه أسدا يعدو على نمر إلخ إلخ ولو أراد ناظم أن ينظم نفس معنى البيت الأول بألفاظ مفهومه لأمكن أن يقول مثلا:

لما رموه بالرماح تـخـرّقــتْ **منه جوانــبـه ففاض نـجـيعُهُ والنجيع هو الدم الذي يَحسُنُ استعماله في الشعر خاصة دون النثر.

 لقد تطورت جميع لغات العالم بمرور الزمان والبُعد عن مكان نشوء تلك اللغات، فماتت اللغة الأم لظهور لهجات مختلفة متولدة عنها، ون أشهر الأمثلة على ذلكَ اللغةُ اللاتينية التي كانت سائدة في كافة أنحاء أوروبا، ثم تولدت عنها اللهجة الفرنسية واللهجة الإيطالية واللهجة الإسبانية واللهجة البرتغالية، وظلت البلدان التي نشأت فيها تلك اللهجات تستعمل اللغة اللاتينية الأم، في مكاتباتها ومخاطباتها واجتماعاتها الرسمية وخطبها في المحافل، وتستعمل اللهجة الشائعة في كلامها اليومي، ثم أحسَّ أهلُ تلك اللهجات ببُعد لغتهم الأدبية التي تساوي (الفصحى)عندنا، عن لهجتهم التي يستعملها الجميع، ثم نبغ بينهم من كتبوا  بلهجتهم الجهوية شعرا راقهم، فكان سببا في القضاء على اللاتينية وإحياء لهجاتهم المحلية، خاصة عندما كتب (دانتي الليجيري) رائعته (الكوميديا الإلهية) فأصبحت فاتحة للأدب الإيطالي الذي انْبتّ وانفصل عن اللاتينية، وقد وقع في إسبانيا مثلُ ذلك عندما كتب (سيرفانتس) قصته "دون كيشوت" وصواب نطقها في لغتهم"دون كيخوت" لأننا نقلنا نطقها عن الفرنسية التي لا يوجد فيها حرف الخاء. ووقع مثل ذلك في اللغة الفرنسية ومن أشهر شعرائهم الذين كانوا سببا في انطلاقها الشاعر الفرنسي(فيلـّون أو فييُّون) في أشعاره الفرنسية القديمة، ولم يبق، ممن يكتب باللغة اللاتينية إلى جانب الكتابة بالفرنسية التي انبثقت عن أمها اللاتينية، إلا القليل مثل الشاعر الفرنسي المعاصر (مارسيل بانيول)، وقد وقع مثل ذلك بالنسبة إلى اللغة البرتغالية ذات الأصل اللاتيني، وأصبح أبناء تلك الأقطار كلها لا يستطيعون التفاهم فيما بينهم بلهجاتهم التي بعدت بعدا كبيرا عن لغتهم التي اشتـُقـَّت من اللاتينية  بعد هذا القوس الذي فتحناه للحديث عن انفصال تلك اللهجات عن لغتها الأصلية، يتبادر إلى الذهن سؤال يطرح نفسه - كما يقول المحدثون - وهو: "هل يمكن أن يقع مثل ذلك بالنسبة إلى اللغة العربية؟ فقد تطورت اللهجات المنبثقة عنها من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي أو الفارسي(نسبة إلى مكان وجوده لا لملكيته)، وقد قفزت إلى ذاكرتي قولة قالها أمير الشعراء أحمد شوقي، عندما شاعت أشعار محمود بيرم التونسي باللهجة المصرية "وملأت الدنيا وشغلت الناس" كما قال ابن رشيق عن المتنبي،  وقولة شوقي هي: (إني أخاف على العربية من بيرم) وهي كلمة تدل دلالة كبرى على أن ظهور شعر رفيع المستوى في أي لهجة من اللهجات قد يكون سببا في القضاء على اللغة الأصلية التي انبثقت عنها تلك اللهجة، كما وقع بالنسبة للهجات التي انبثقت عن اللاتينية، فهل يمكن أن يقضي شعر بيرم في مصر وشعر أمثاله في بقية الأقطار العربية على اللغة العربية الفصحى؟ خاصة ونحن نرى شدة اهتمام أشقائنا في الخليج العربي بالشعر الشعبي الذي يسمونه ـ"الشعر النبطي" ونسميه في تونس بـ"الشعر الملحون"، كما سماه ابن خلدون في المقدمة، هل يمكن أن يوجد في لهجة كل قطر من الأقطار العربية (دانتي الليجيري) وملحمته(الكوميديا الإلهية) و(سيرفانتس) وقصته البديعة (دون كيشوت) و(فينلون) وأشعاره المؤسسة للهجته التي أصبحت لغة فرنسية...  وغيرها لغيرهم؟.

 لا خوف على اللغة العربية من الاضمحلال وإحلال لهجات الأقطار العربية محلها ليصبحوا يَكتبون بها الشعر الرسمي الرفيع، وذلك لأسباب أهمها أن اللغة العربية الفصحى قد ظلت اللهجات المحلية قريبة منها في جميع الأقطار بحيث يسهل التفاهم بين أبناء جميع الأقطار بلهجاتهم، أو بالاقتراب من اللغة الفصحى، وهو أمر يسيرٌ في متناول الجميع تقريبا، وأكبر حافظ للغة الفصحى من الذوبان في اللهجات العربية المحلية هو القرآن الكريم الذي لا يمكن أن يتخلى العرب والمسلون عن لغته التي يفهمونه بها، وظلوا يتلونه ويدرسونه بها وظل المسلمون الذين لا يجيدون العربية، مثل الأتراك الذين كانوا أحسن من كتبوا القرآن رغم عدم فهمهم له في لغته، ومثل الفـُرس الذين أدخلوا من لغته في لغتهم كثيرا من الألفاظ، ومثل بقية البلاد الإسلامية مثل الباكستان وأفغانستان وغيرها كثير، وكثير منهم تعلمها ليتمكن من فهم بلاغة القرآن وإعجازه في لغته، فكيف يفرط أهلها فيها ويفكرون في تعويضها بمشتقاتها من اللهجات، ونحن نعلم أنه إذا حضر الماء غاب التيمم كما يقول الفقهاء.

 

أ د : نورالدين صمود

يتجه مفهوم "يوتوبيا " Utopia"بالإنجليزية، οὐ τόπος)  توپوس باليونانية) إلى معنى "لا مكان" أي: المكان الخيالي المتخيل الطيب. بل إن اليوتوبيا " أفكار متعالية تتجاوز نطاقَ الوجود الماديّ للمكان، وتحتوي على أهداف ونوازع العصر غير المحقَّقة، ويكون لها تأثير تحويليّ على النِّظام الاجتماعيّ القائم:".  وثمة مفاهيم مقاربة للمعنى من مثل: أدب المدينة الفاضلة، والطوباوية، والمثالية التي تؤدي الغرض ذاته.

هذا، وقد شاعت دراسات ومؤلفات عديدة غربية وعربية حول فضاء اليوتوبيا؛ فقد ألف توماس مور (1516) كتاب باسم "يوتوبيا" ترجمة أنجيل سمعان، وكان أول من استخدم التعبير أرسى فيه صور  دولة مثالية يتحقق فيها الخير والسعادة للناس وتمحى الشرور، وهي فكرة العالم المثالي والفردوس الأرضي والصورة المثلى للدولة- الجزيرة الجديدة. ثم أصبحت الكلمة تصف كل عمل أدبي أو فلسفي بخصوص المدينة الفاضلة. ومن أشهر كتب اليوتوپيا كتاب "الجمهورية " (أفلاطون) و قد اتخذها أفلاطون رمزا لمدينته الفاضلة الخالية من العيوب والنقائص، و"المدينة الفاضلة" للفارابي و" مدينة الرب " ل سانت أوغسطين، و" مدينة الشمس " ل كامبانلا  (1623)، و" أتلنتس الجديدة " ل فرانسيس بيكون (1627)، و" يوتوپيا حديثه " ويلز،  إضافة لقصص و روايات لها طابع يوتيبيا مثل "يوتوبيا" رواية اجتماعية للكاتب المصري أحمد خالد توفيق (2008(.

والسؤال البؤري: لم يلجأ الأديب إلى التصوير المجرد للفكرة المثالية؟ هل يعد ذلك باعثا لهروب الذات من الواقع المربك والكابوسي والعنيف أيضا ؟ هل هي نزعة تفاؤلية في حصول المرغوب أي المفقود داخليا وخارجيا؟ هل هو تمثيل تخيلي فلسفي وانعتاق من شكلٍ ومعنى للحاضر المستهلك والمخشّب ؟ لماذا هو دائم البحث عن اللانهائي نزوعا إلى الخلود ؟ لماذا يفتقد القارئ العربي خاصة تلك النصوص الشعرية التي تبحث في فضاء اليوتوبيا – المكان/ الفكرة ؟

إن نزعة التشاؤمية المغرقة قد طغت على جمهورية النص الشعري، على الرغم من إمكانية التبشير بنص اليوتوبيا الخلاق؛ إذ نجد إرهاصاته في التراث الديني (الجنة - الفردوس) ونتعثر به أيضا في شعر الطبيعة، كما يمكن البحث عنه في الشعر الصوفي، والشعر الوطني الذي يقوم على توصيف الوطن بأبهى الأوصاف. إن غياب نص اليوتوبيا عن جسد الشعر الحديث لهو جدير بالبحث والتمحيص.

غير أن المستقبل حين يستجلي المدونات الشعرية يجد ملامح من هذا النص، ولا أقول كيان النص المتجسد معنى ومبنى؛ ففي معرض الحديث عن جمالية الطبيعة الأندلسية نستمع إلى  ابن خفاجة واصفا الأندلس بحيث تشكل معادلا فنيا ونفسيا للجنة:

يا أهل الأندلس لله دركم      ماء وظل وأنهار وأشجار

ماجنة الخلد إلا في دياركم    ولو تخيرت هذا كنت اختار

ومن نماذج الشعر الصوفي قول محي الدين بن عربي الذي يوازي بين قلبه والجنة؛ لأن الله موجود فيه

ما جنة الخلد غير قلبي           لأنه بيتُ من يدومُ

فالمكان اليوتوبي هو الجنة وهو القلب سواء بسواء، وإذا خلا القلب (مكان الفكرة الصوفية) من خالقه فهو أيضا مكان الجحيم :

وإن أيضاً عذابُ حجبى       عذابنا المؤلم الأليم

يقفز نص محمد إقبال الهندي الأصل ليتبوأ مقعده في رسم معالم المكان المثالي في الآخرة وهو ينطلق في رؤياه من وجهة نظر أيديولوجية دينية بعيدة عن المتخيل الفلسفي للمكان؛ فيلغي المكان لصالح صاحب المكان وخالقه، فيقول :

أنا روح الله أسعى نحوه   رغبا أو رهبا أو ولهاً

ما لنار أو نعيم أنتهي       بل إلى ربك فيه المنتهى

وحيث إن الرومانسي يجد مكانه الطوباويّ في الريف، فقد أفرغ جبران معانيه على الغاب، وأسبغ عليه رؤاه ظاهرة وباطنه في مقابل المكان المعادي وهو المدينة المادية موظفا علامة (الناي) الذي يمنح الوجود السحر ويكشف أسراره المخبأة

أعطني الناي وغن    فالغنا سر الوجود

وأنين الناي يبقى    بعد أن يفنى الوجود

ومثله حاول أبو ماضي أن يفعل حين نشر قصائده التفاؤلية التي تظهر الوجه الأبيض المشرق للعالم، وإن ظلت قصيدة الطلاسم تسيطر على روحه ووجوده ونهايته الاحتمالية .

في الشعر الحديث يتراءى  نص "يوتوبيا" عند الشاعرة العراقية نازك الملائكة مكانا مثاليا متخيلا مكان اللامكان أي الذي لا وجود له في واقع الشاعرة الأليم، تعرج الشاعرة على توصيف المكان جماليا وحلميا تحيا فيه حياة خلود، وتفنى فيه فناء الصوفي بالذات الإلهية، وينطلق الفكر في تهوماته اللانهائية الجمال:

ويوتوبيا حلم في دمي        أموت وأحيا على ذكره

تخيلته بلدا من عبير         على أفق حرْتُ في سرّه

هنالك عبر فضاء بعيد       تذوب الكواكب في سحره

يموت الضياء ولا يتحقق    ما لونه ما شذى زهره

هنالك حيث تذوب القيود    وينطلق الفكر من أسره

وحيث تنام عيون الحياة     هنالك تمتدّ يوتوبيا

تنتشر دوال النص لتشكل يوتوبيا المكان المتخيل المفقود(حلم، فضاء، لا تحقق،) غير أنه مكان يشكل نزعة تعويض ومعادل فني وطوباوي لعالم الشاعرة الداخلي، وليس المكان وحده يتسم بالمثالية بل سكانه أيضا، حيث تضفي عليه وعلى سكانه نضرة الشباب وامتداد الربيع الذي يظلل سكان يوتوبيا تقول:

هناك يظل الربيع ربيعا      يظلل سكان يوتوبيا

تصحو الذات الشاعرة من حلمها لتفزع المتلقي بصدمة شعرية مربكة، حيث تستيقظ من حلمها البعيد لتجد اللامكان أو المكان المفقود:

على حلم صارخ وأخيرا  صحوت ولم أر يوتوبيا

تستمر رحلة الضياع الداخلي لتحاول تعزية النفس ولو بخيال يشبه طوباوية المكان المتخيل، وتظل طاحونة السؤال السندبادي ترواح النص مؤملة فك لغز هذا المكان:

وأسأل حتى يموت السؤال    على شفتّي ويخبو النشيد

وعلى الرغم من مأساوية المشهد تظل تحلم بتحقق هذه الفكرة التجريدية حتى بعد الموت 

وحين أموت..أموت وقلبي       على موعد مع يوتوبيا

دقائق...ثم أخيب وأهتف        لا شيء يشبه يوتوبيا

وأخيرا، هل كتب شعراء العصر الحديث نص اليوتوبيا ؟ فيما يلوح لي أنّ الشعر الحديث قصر بغير قصد، أو لم يتلفَّت إلى تلك المثالية إلا ومضات أبرقت في نصوصهم، ولكنها لم ترعد ولم تمطر، ولعل في هذه المقالة إضاءة للشعراء يترسموا ظلال المكان الطوباويّ، ليس هروبا من واقع الحروب والاستبداد السياسي والقَبلي، وليس نزوعا للتقليد، بل قناعة بوجود هذا المكان وتحققه يوما ما في واقع الشاعر الملتزم؛ يحبه كوطنه، ويرنو إليه كمعشوقته، بل هو المكان –المصير .

 

د. خليل قطناني - فلسطين المحتلة